الآية ٨٤ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٨٤ من سورة النساء

فَقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًۭا وَأَشَدُّ تَنكِيلًۭا ٨٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٤ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٤ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يأمر تعالى عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يباشر القتال بنفسه ، ومن نكل عليه فلا عليه منه ; ولهذا قال : ( لا تكلف إلا نفسك ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن عمرو بن نبيح ، حدثنا حكام ، حدثنا الجراح الكندي ، عن أبي إسحاق قال : سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى مائة من ، فيقاتل ، أيكون ممن يقول الله : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) [ البقرة : 195 ] قال : قد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ) ورواه الإمام أحمد ، عن سليمان بن داود ، عن أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق قال : قلت للبراء : الرجل يحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة ؟

قال : لا ; لأن الله بعث رسوله صلى الله عليه وسلم وقال : ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ) إنما ذلك في النفقة .

وكذا رواه ابن مردويه ، من طريق أبي بكر بن عياش ، وعلي بن صالح ، عن أبي إسحاق ، عن البراء به .

ثم قال ابن مردويه : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا أحمد بن النضر العسكري ، حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي ، حدثنا محمد بن حمير ، حدثنا سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم : ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين [ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ] ) الآية ، قال لأصحابه : " قد أمرني ربي بالقتال فقاتلوا " حديث غريب .

وقوله : ( وحرض المؤمنين ) أي : على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عنده كما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، وهو يسوي الصفوف : " قوموا إلى جنة عرضها " .

وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك ، فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وصام رمضان ، كان حقا على الله أن يدخله الجنة ، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها " قالوا : يا رسول الله ، أفلا نبشر الناس بذلك ؟

فقال : " إن في الجنة مائة درجة ، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة .

وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة " .

وروي من حديث معاذ وأبي الدرداء وعبادة نحو ذلك .

وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أبا سعيد ، من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وجبت له الجنة " قال : فعجب لها أبو سعيد فقال : أعدها علي يا رسول الله .

ففعل .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض " قال : وما هي يا رسول الله ؟

قال : " الجهاد في سبيل الله " رواه مسلم .

وقوله : ( عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ) أي : بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء ، ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله ، ومقاومتهم ومصابرتهم .

وقوله : ( والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ) أي : هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة ، كما قال [ تعالى ] ( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض [ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ] ) [ محمد : 4 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلا (84) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (44) " فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك "، فجاهد، يا محمد، أعداء الله من أهل الشرك به =" في سبيل الله "، يعني: في دينه الذي شرعه لك، وهو الإسلام، وقاتلهم فيه بنفسك.

(45) * * * فأما قوله: " لا تكلف إلا نفسك " فإنه يعني: لا يكلفك الله فيما فرض عليك من جهاد عدوه وعدوك، إلا ما حمَّلك من ذلك دون ما حمَّل غيرك منه، أي: أنك إنما تُتَّبع بما اكتسبته دون ما اكتسبه غيرك، وإنما عليك ما كُلِّفته دون ما كُلِّفه غيرك.

(46) * * * ثم قال له: " وحرض المؤمنين "، يعني: وحضهم على قتال من أمرتك بقتالهم معك =" عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا "، يقول: لعل الله أن يكف قتال من كفر بالله وجحد وحدانيته وأنكر رسالتك، عنك وعنهم، ونكايتهم.

(47) * * * وقد بينا فيما مضى أن " عسى " من الله واجبة، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(48) =" والله أشد بأسًا وأشد تنكيلا "، يقول: والله أشد نكاية في عدوه، من أهل الكفر به = منهم فيك يا محمد وفي أصحابك، فلا تنكُلَنَّ عن قتالهم، (49) فإني راصِدُهم بالبأس والنكاية والتنكيل والعقوبة، لأوهن كيدهم، وأضعف بأسهم، وأعلي الحق عليهم.

و " التنكيل " مصدر من قول القائل: " نكلت بفلان "، فأنا أنكّل به تنكيلا "، إذا أوجعته عقوبة، (50) كما:- 10014 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وأشد تنكيلا "، أي عقوبة.

------------------------- الهوامش : (44) في المطبوعة والمخطوطة: "يعني بذلك جل ثناؤه" ، والسياق ما أثبت.

(45) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف 8: 3470 ، 546 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(46) انظر تفسير"التكليف" فيما سلف 5: 45.

(47) سياق الكلام"أن يكف...

عنك وعنهم" ثم عطف"ونكايتهم" على قوله: "قتال من كفر بالله".

(48) لم أجد هذا الموضع الذي أشار الطبري ، وأخشى أن لا يكون مضى شيء من ذلك ، وأنه قد وهم.

(49) "نكل عن الشيء": أحجم وارتد عنه من الفرق.

والمعنى: أشد نكاية في عدوه...

من نكاية عدوه فيك يا محمد.

(50) انظر تفسير"النكال" و"التنكيل" فيما سلف 2: 176 ، 177.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلاقوله تعالى : فقاتل في سبيل الله هذه الفاء متعلقة بقوله ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما فقاتل في سبيل الله أي من أجل هذا فقاتل .

وقيل : هي متعلقة بقوله : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله .

فقاتل .

كأن هذا المعنى : لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك ؛ لأنه وعده بالنصر .

قال الزجاج : أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده ؛ لأنه قد ضمن له النصرة .

قال ابن عطية : " هذا ظاهر اللفظ ، إلا أنه لم يجئ في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة مدة ما ؛ فالمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه ؛ أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له ؛ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك .

ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده ؛ ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي .

وقول أبي بكر وقت الردة : ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي .

وقيل : إن هذه الآية نزلت في موسم بدر الصغرى ؛ فإن أبا سفيان لما انصرف من أحد واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم موسم بدر الصغرى ؛ فلما جاء الميعاد خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا فلم يحضر أبو سفيان ولم يتفق قتال .

وهذا على معنى ما قاله مجاهد كما تقدم في " آل عمران " .

ووجه النظم على هذا والاتصال بما قبل أنه وصف المنافقين بالتخليط وإيقاع [ ص: 253 ] الأراجيف ، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وبالجد في القتال في سبيل الله وإن لم يساعده أحد على ذلك .قوله تعالى : لا تكلف إلا نفسك ( تكلف ) مرفوع لأنه مستقبل ، ولم يجزم لأنه ليس علة للأول .

وزعم الأخفش أنه يجوز جزمه .

" إلا نفسك " خبر ما لم يسم فاعله ؛ والمعنى لا تلزم فعل غيرك ولا تؤاخذ به .قوله تعالى : وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : وحرض المؤمنين أي حضهم على الجهاد والقتال .

يقال : حرضت فلانا على كذا إذا أمرته به .

وحارض فلان على الأمر وأكب وواظب بمعنى واحد .الثانية : قوله تعالى : عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا إطماع ، والإطماع من الله عز وجل واجب .

على أن الطمع قد جاء في كلام العرب على الوجوب ؛ ومنه قوله تعالى : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين .

وقال ابن مقبل :ظني بهم كعسى وهم بتنوفة يتنازعون جوائز الأمثالقوله تعالى : والله أشد بأسا أي صولة وأعظم سلطانا وأقدر بأسا على ما يريده .

وأشد تنكيلا أي عقوبة ؛ عن الحسن وغيره .

قال ابن دريد : رماه الله بنكلة ، أي رماه بما ينكله .

قال : ونكلت بالرجل تنكيلا من النكال .

والمنكل الشيء الذي ينكل بالإنسان .

قال :وارم على أقفائهم بمنكل بصخرة أو عرض جيش جحفلالثالثة : إن قال قائل : نحن نرى الكفار في بأس وشدة ، وقلتم : إن عسى بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد ؟

قيل له : قد وجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام فمتى وجد ولو لحظة مثلا فقد صدق الوعد ؛ فكف الله بأس المشركين ببدر الصغرى ، وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال وكفى الله المؤمنين القتال وبالحديبية أيضا عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة ، ففطن بهم المسلمون فخرجوا فأخذوهم أسرى ، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح ، وهو المراد بقوله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم على ما يأتي .

وقد ألقى الله في قلوب الأحزاب الرعب وانصرفوا من غير قتل ولا قتال ؛ كما قال تعالى [ ص: 254 ] وكفى الله المؤمنين القتال .

وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم ، فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين ، مع أنه قد دخل من اليهود والنصارى العدد الكثير والجم الغفير تحت الجزية صاغرين وتركوا المحاربة داخرين ، فكف الله بأسهم عن المؤمنين .

والحمد لله رب العالمين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الحالة أفضل أحوال العبد، أن يجتهد في نفسه على امتثال أمر الله من الجهاد وغيره، ويحرض غيره عليه، وقد يعدم في العبد الأمران أو أحدهما فلهذا قال لرسوله: { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ } أي: ليس لك قدرة على غير نفسك، فلن تكلف بفعل غيرك.

{ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ } على القتال، وهذا يشمل كل أمر يحصل به نشاط المؤمنين وقوة قلوبهم، من تقويتهم والإخبار بضعف الأعداء وفشلهم، وبما أُعد للمقاتلين من الثواب، وما على المتخلفين من العقاب، فهذا وأمثاله كله يدخل في التحريض على القتال.

{ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي: بقتالكم في سبيل الله، وتحريض بعضكم بعضًا.

{ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا } أي: قوة وعزة { وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا } بالمذنب في نفسه، وتنكيلا لغيره، فلو شاء تعالى لانتصر من الكفار بقوته ولم يجعل لهم باقية.

ولكن من حكمته يبلو بعض عباده ببعض ليقوم سوق الجهاد، ويحصل الإيمان النافع، إيمان الاختيار، لا إيمان الاضطرار والقهر الذي لا يفيد شيئا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم ، فأنزل الله عز وجل ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ) أي : لا تدع جهاد العدو والانتصار للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك ، فإن الله قد وعدك النصرة وعاتبهم على ترك القتال ، والفاء في قوله تعالى : ( فقاتل ) جواب عن قوله ( ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) فقاتل ، ( وحرض المؤمنين ) على القتال أي حضهم على الجهاد ورغبهم في الثواب ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا فكفاهم الله القتال ، فقال جل ذكره ( عسى الله ) أي : لعل الله ، ( أن يكف بأس الذين كفروا ) أي : قتال الذين كفروا المشركين و " عسى " من الله واجب ، ( والله أشد بأسا ) أي : أشد صولة وأعظم سلطانا ، ( وأشد تنكيلا ) أي : عقوبة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(فقاتل) يا محمد (في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) فلا تهتم بتخلفهم عنك المعنى قاتل ولو وحدك فإنك موعود بالنصر (وحرض المؤمنين) حثهم على القتال ورغبهم فيه (عسى الله أن يكف بأس) حرب (الذين كفروا والله أشد بأسا) منهم (وأشد تنكيلا) تعذبيا منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "" والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي "" فخرج بسبعين راكبا إلى بدر الصغرى فكف الله بأس الكفار بإلقاء الرعب في قلوبهم ومنع أبي سفيان عن الخروج كما تقدم في آل عمران.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فجاهد -أيها النبي- في سبيل الله لإعلاء كلمته، لا تلزم فعل غيرك ولا تؤاخذ به، وحُضَّ المؤمنين على القتال والجهاد، ورغِّبهم فيه، لعل الله يمنع بك وبهم بأس الكافرين وشدتهم.

والله تعالى أشد قوة وأعظم عقوبة للكافرين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والفاء فى قوله ( فَقَاتِلْ ) للإِفصاح عن جواب شرط مقدر .

أى : إذا كان الأمر كما حكى - سبحانه - عن المنافقين وكيدهم .

.

.

فقاتل أنت يا محمد من أجل إعلاء كلمة الله ولا تلتفت إلى أفعالهم وأقوالهم .وقوله ( لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ) أى : قاتل - يا محمد - فى سبيل إعلاء كلمة الله ، والله - تعالى - لا يكلفك إلا فعل نفسك ، فتقدم للجهاد ولا تلتفت إلى تباطؤ المتباطئين ، أو تخذيل المخذلين ، فإن الله هو ناصرك لا الجنود ، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف .وجملة ( لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ) فى محل نصب على الحال من فاعل فقاتل : أى : فقاتل حال كونك غير مكلف إلا نفسك وحدها .قال صاحب الكشاف : قيل : دعا النبى صلى الله عليه وسلم الناس فى بدر الصغرى إلى الخروج ، وكان أبو سفيان قد واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها .

فكره بعضهم أن يخرجوا فنزلت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا سبعون لم يعولوا على أحد .

ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده ، وقرئ ( لاَ تُكَلَّفُ ) بالجزم على النهى .

ولا نكلف : بالنون وكسر اللام .أى : لا نكلف نحن نفسك وحدها .وقوله ( وَحَرِّضِ المؤمنين ) أى : حثهم على القتال ورغبهم فيه ، حتى ينفروا معك خفافا وثقالا من أجل نصرة الحق والدفاع عن المظلومين .ولقد استجاب النبى صلى الله عليه وسلم لهذه الأوامر ، وأعد نفسه لقتال أعدائه ، ورغب أتباعه فى ذلك ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم عندما أذن الله له فى القتال " والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتى " أى : حتى أموت .ولقد اقتدى به أبو بكر الصديق فى حروب الردة فقال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله علي وسلم لقاتلتهم على منعها .

ولو خالفتنى يمينى لجاهدتهم بشمالى .ولقد استفاضت أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم فى ترغيب أمته فى الجهاد ، ومن ذلك قوله لأصحابه يوم بدر وهو يسوى الصفوف : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض .قال الفخر الرازى : دلت الآية الكريمة على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال ، لأنه - تعالى - ما كان يأمره إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات .

ولقد اقتدى به أبو بكر - رضى الله عنه - حيث حاول الخروج وحده لقتال ما نعى الزكاة ، ومن علم أن الأمر كله بيد الله ، وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل عليه ذلك .

ودلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم لو لم يساعده على القتال لم يجز له التخلف عن الجهاد .وقوله : ( عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ والله أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ) بشارة للمؤمنين ، ووعد منه - سبحانه - بحسن عاقبتهم وسوء عاقبة الكافرين .

و ( عَسَى ) حرف ترج .

وهو هنا يفيد التحقق واليقين ، لأنه صادر عن الله - تعالى - ، الذى لا يخلف وعده .

وفى التعبير بها تعليم للمؤمنين الأدب فى القول حتى لا يجزمون بأم يتعلق بالمستقبل ، بل يسددون ويقاربون ويباشرون الأسباب ثم بعد ذلك يتركون النتائج لله - تعالى - والمعنى : قاتل يا محمد فى سبيل الله وحرض المؤمنين على ذك ، عسى الله - تعالى - ( أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ) أى يمنع قتالهم وصولتهم وطغيانهم ( والله أَشَدُّ بَأْساً ) أى أشد صولة وأعظم سلطانا ، وأقدر بأسا على ما يريده ( وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ) أى أشد عقوبة وتعذيبا .والتنكيل : مصدر من قول القائل نكلت بفلان فأنا أنك به تنكيلا إذا أوجعته عقوبة ، وجعلته عبرة لغيره .

وأصله التعذيب بالنكل وهو القيد ، ثم استعمل فى كل تعذيب بلغ الغاية فى الشدة والألم .وأفعل التفضيل ( وَأَشَدُّ ) ليس على بابه ، لأن بأس المشركين لا قيمة له بجانب بأس الله - تعالى - وقوته ونفاذ أمره .

وعذابهم لغيرهم من الضعفاء لا وزن له بجانب عذابه - سبحانه - للظالمين ، لأن عذابهم لغيرهم سينتهى مهما طال ، أما عذابه - سبحانه - فلا يمكن التخلص منه ولأن عذابهم لغيرهم سينتهى مهما طال ، أما عذابه - سبحانه - للكافرين الظالمين فهو باق دائم لا ينتهى ولا يزول .والمقصود من هذا التذييل تهديد الكافرين بسوء المصير وتشجيع المؤمنين على قتالهم ، وبشارتهم النصر عليهم .قال القرطبى : قوله - تعالى - ( عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ) إطماع ، والإِطماع من الله - تعالى - واجب لأن إطماع الكريم إيجاب .

.فإن قال قائل : نحن نرى الكفار فى بأس وشدة ، وقلتم : إن عسى بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد؟

قيل له : قد وجد على الاستمرار والدوام .

فمتى وجد ولو لحظة مثلا فقد صدق الوعد؛ فقد كف الله بأس المشركين فى بدر الصغرى .

وفى الحديبية وفى غزوة الأحزاب حيث ألقى الله - تعالى - فى قلوب الأحزاب الرعب فانصرفوا دون أن ينالوا خيرا ( وَكَفَى الله المؤمنين القتال ) فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم انه تعالى لما أمر بالجهاد ورغب فيه أشد الترغيب في الآيات المتقدمة، وذكر في المنافقين قلة رغبتهم في الجهاد، بل ذكر عنهم شدة سعيهم في تثبيط المسلمين عن الجهاد، عاد في هذه الآية إلى الامر بالجهاد فقال: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الفاء في قوله: ﴿ فَقَاتِلْ ﴾ بماذا تتعلق؟

فيه وجوه: الأول: أنها جواب لقوله: ﴿ وَمَن يقاتل فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ  ﴾ من طريق المعنى لأنه يدل على معنى إن أردت الفوز فقاتل الثاني: أن يكون متصلا بقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِي سَبِيلِ الله  ﴾ ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ والثالث: أن يكون متصلا بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين، والمعنى أن من أخلاق هؤلاء المنافقين كذا وكذا، فلا تعتد بهم ولا تلتفت إلى أفعالهم، بل قاتل.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد الرسول صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا، فنزلت هذه الآية، فخرج وما معه الا سبعون رجلا ولم يلتفت إلى أحد، ولو لم يتبعوه لخرج وحده.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات، ولقد اقتدى به أبو بكر رضي الله عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة، ومن علم أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل ذلك عليه.

ثم قال تعالى: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ لاَ تُكَلَّفُ ﴾ بالجزم على النهي.

و ﴿ لاَ نُكَلّفُ ﴾ بالنون وكسر اللام، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله.

انتصاب قوله: ﴿ نَّفْسَكَ ﴾ على مفعول ما لم يسم فاعله.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد البتة، والمعنى لا تؤاخذ إلا بفعلك دون فعل غيرك، فاذا أديت فعلك لا تكلف بفرض غيرك.

واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول عليه السلام من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب، بخلاف الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله تعالى: ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  ﴾ وبدليل قوله هاهنا: ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ وعسى من الله جزم، فلزمه الجهاد وإن كان وحده.

ثم قال تعالى: ﴿ وَحَرّضِ المؤمنين ﴾ والمعنى ان الواجب على الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو الجهاد وتحريض الناس في الجهاد، فإن أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركا للجهاد شيء.

ثم قال: ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: عسى: حرف من حروف المقاربة وفيه ترج وطمع، وذلك على الله تعالى محال.

والجواب عنه أن عسى معناها الاطماع، وليس في الاطماع أنه شك أو يقين، وقال بعضهم: إطماع الكريم إيجاب.

المسألة الثانية: الكف المنع، والبأس أصله المكروه، يقال ما عليك من هذا الأمر بأس أي مكروه، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف بالرداءة، وقوله: ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  ﴾ أي مكروه، والعذاب قد يسمى بأسا لكونه مكروها، قال تعالى: ﴿ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله  ﴾ ﴿ فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا  ﴾ قال المفسرون: عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا، وقد كف بأسهم، فقد بدا لأبي سفيان وقال هذا عام مجدب وما كان معهم زاد إلا السويق، فترك الذهاب إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم قال تعالى: ﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ يقال: نكلت فلانا إذا عاقبته عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله، من قولهم: نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع منه، قال تعالى: ﴿ فجعلناها نكالا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا  ﴾ وقال في السرقة: ﴿ بِمَا كَسَبَا نكالا مّنَ الله  ﴾ ويقال: نكل فلان عن اليمين إذا خافه ولم يقدم عليه.

إذا عرفت هذا فنقول: الآية دالة على أن عذاب الله وتنكيله أشد من عذاب غيره ومن تنكيله، وأقبل الوجوه في بيان هذا التفاوت أن عذاب غير الله لا يكون دائما، وعذاب الله دائم في الآخرة، وعذاب غير الله قد يخلص الله منه، وعذاب الله لا يقدر أحد على التخلص منه، وأيضاً عذاب غير الله لا يكون إلا من وجه واحد، وعذاب الله قد يصل إلى جميع الأجزاء والابعاض والروح والبدن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان للأمور.

كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل ﴿ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ وكانت إذاعتهم مفسدة، ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر منهم- وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم- ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها.

وقيل: كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار، فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء، فتعود إذاعتهم مفسدة.

ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وفوّضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه.

وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنوناً غير معلوم الصحة فيذيعونه، فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين.

ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وقالوا: نسكت حتى نسمعه منهم ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع، لعلمه الذين يستنبطونه منهم، لعلم صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع هؤلاء المذيعون، وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر، أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم.

يقال: أذاع السِّر، وأذاع به.

قال: أَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ ** بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوب ويجوز أن يكون المعنى فعلوا به الإذاعة، وهو أبلغ من أذاعوه، وقرئ ﴿ لعلْمِه ﴾ بإسكان اللام كقوله: فَإِنْ أَهْجُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ ** مِنَ الأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتَاهُ وَغَارِبُهْ والنبط: الماء يخرج من البئر أول ما تحفر، وإنباطه واستنباطه: إخراجه واستخراجه، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ويهم ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ وهو إرسال الرسول، وإنزال الكتاب، والتوفيق ﴿ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان ﴾ لبقيتم على الكفر ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ منكم.

أو إلا اتباعا قليلاً، لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال، وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها.

قال: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ إن أفردوك وتركوك وحدك ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ غير نفسك وحدها أن تقدّمها إلى الجهاد، فإنّ الله هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف.

وقيل: دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون لم يلوِ على أحد، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، وقرئ ﴿ لاَ تُكَلَّفُ ﴾ بالجزم على النهي، و ﴿ لا نكلف ﴾ : بالنون وكسر اللام، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها ﴿ وَحَرِّضِ المؤمنين ﴾ وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب، لا التعنيف بهم ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ وهم قريش، وقد كف بأسهم فقد بدا لأبي سفيان وقال: هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عام مخصب فرجع بهم ﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً ﴾ من قريش ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ تعذيباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أنْ تُثَبَّطُوا وتَرَكُوكَ وحْدَكَ.

﴿ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ لا يَضُرُّكَ مُخالَفَتُهم وتَقاعُدُهُمْ، فَتَقَدَّمْ إلى الجِهادِ وإنْ لَمْ يُساعِدْكَ أحَدٌ فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكَ لا الجُنُودَ.

رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعا النّاسَ في بَدْرٍ الصُّغْرى إلى الخُرُوجِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهم فَنَزَلَتْ.

فَخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما مَعَهُ إلّا سَبْعُونَ لَمْ يَلْوِ عَلى أحَدٍ» .

وَقُرِئَ «لا تُكَلَّفْ» بِالجَزْمِ، و «لا نُكَلِّفُ» بِالنُّونِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ أيْ لا نُكَلِّفُكَ إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ، لا أنّا لا نُكَلِّفُ أحَدًا إلّا نَفْسَكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ ﴾ عَلى القِتالِ إذْ ما عَلَيْكَ في شَأْنِهِمْ إلّا التَّحْرِيضُ ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا، وقَدْ فَعَلَ بِأنْ ألْقى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ حَتّى رَجَعُوا.

﴿ واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا ﴾ مِن قُرَيْشٍ.

﴿ وَأشَدُّ تَنْكِيلا ﴾ تَعْذِيبًا مِنهُمْ، وهو تَقْرِيعٌ وتَهْدِيدٌ لِمَن لَمْ يَتْبَعْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها قال {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله} إن أفردوك وتركوك وحدك {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد فإن الله تعالى ناصرك لا الجنود وقيل دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج وكان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت فخرج وما معه إلا سبعون ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده {وَحَرّضِ المؤمنين} وما عليك في شأنهم إلا التحريض على القتال فحسب لا التعنيف بهم {عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ} أي بطشهم وشدتهم وهم قريش وقد كف بأسهم بالرعب فلم يخرجوا وعسى كلمة مطمعة غير أن أطماع الكريم أعود من إنجاز اللئيم {والله أَشَدُّ بَأْساً} من قريس {وأشد تنكيلا} تعذيبا وهو تمييز كبأسا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ يَشْهَدُ لَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَرِينَةَ التَّخْصِيصِ بِهِما غَيْرُ ظاهِرَةٍ، والفاءُ في هَذِهِ الآيَةِ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما حُكِيَ مِن عَدَمِ طاعَةِ المُنافِقِينَ وتَقْصِيرِ الآخَرِينَ في مُراعاةِ أحْكامِ الإسْلامِ فَقاتِلْ أنْتَ وحْدَكَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِما فَعَلُوا.

ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ في اتِّصالِ الآيَةِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ والمَعْنى: فَإنْ أرَدْتَ الأجْرَ العَظِيمَ فَقاتِلْ، ونُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ.

وثانِيهُما: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ والمَعْنى: إنْ لَمْ يُقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَقاتِلْ أنْتَ وحْدَكَ، وقِيلَ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ ﴾ ومَعْنى ﴿ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ لا تُكَلَّفُ إلّا فِعْلَها؛ إذْ لا تَكْلِيفَ بِالذَّواتِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ اخْتِصاصَ تَكْلِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ مِن مُوجِباتِ مُباشَرَتِهِ  لِلْقِتالِ وحْدَهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنْ ما فَعَلُوهُ مِنَ التَّثْبِيطِ والتَّقاعُدِ لا يَضُرُّهُ  ، ولا يُؤاخَذُ بِهِ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ الكَلامَ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَكْلِيفِ النّاسِ، فَكَيْفَ هَذا ولا حاجَةَ إلى ما قِيلَ، بَلْ في ثُبُوتِهِ فَقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -كانَ مَأْمُورًا بِأنْ يُقاتِلَ وحْدَهُ أوَّلًا، ولِهَذا قالَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في أهْلِ الرِّدَّةِ: أُقاتِلُهم وحْدِي، ولَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَقاتَلْتُها بِشِمالِي.

وجَعَلَ أبُو البَقاءِ هَذِهِ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قاتِلْ) أيْ: فَقاتِلْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ إلّا نَفْسَكَ، وقُرِئَ (لا تُكَلِّفْ) بِالجَزْمِ عَلى أنَّ (لا) ناهِيَةٌ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِها، أيْ: لا تُكَلِّفْ أحَدًا الخُرُوجَ إلّا نَفْسَكَ، وقِيلَ: هو مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ وهو بِعِيدٌ، (ولا نُكَلِّفُ) بِالنُّونِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ، فَـ(نَفْسَكُ) مَفْعُولٌ ثانٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، ولَيْسَ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ الأوَّلِ، أيْ: لا نُكَلِّفُكَ إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ، لا أنا لا نُكَلِّفُ أحَدًا إلّا نَفْسَكَ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن ذَلِكَ، عَلى مَعْنى: لا نُكَلِّفُ أحَدًا هَذا التَّكْلِيفَ إلّا نَفْسَكَ، والمُرادُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ مُقاتَلَتُهُ وحْدَهُ.

﴿ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: حُثَّهم عَلى القِتالِ، ورَغِّبْهم فِيهِ، وعِظْهم لِما أنَّهم آثِمُونَ بِالتَّخَلُّفِ لِفَرْضِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ هَذا بِسِنِينَ، وأصْلُ التَّحْرِيضِ إزالَةُ الحَرَضِ، وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ ولا يُعْتَدُّ بِهِ، فالتَّفْعِيلُ لِلسَّلْبِ والإزالَةِ، كَقَذَيْتُهُ وجَلَدْتُهُ، ولَمْ يُذْكَرِ المُحَرَّضُ عَلَيْهِ لِغايَةِ ظُهُورِهِ.

﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ ﴾ نِكايَةَ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ومِنهم قُرَيْشٌ، و(عَسى) مِنَ اللَّهِ تَعالى - كَما قالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ - تَحْقِيقٌ، وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ما وعَدَ بِهِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «واعَدَ  أبا سُفْيانَ بَعْدَ حَرْبِ أُحُدٍ مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرى في ذِي القَعْدَةِ فَلَمّا بَلَغَ المِيعادُ، دَعا النّاسَ إلى الخُرُوجِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، فَنَزَلَتْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ  مَعَ جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - حَتّى أتى مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَكَفاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَأْسَ العَدُوِّ، ولَمْ يُوافِقْهم أبُو سُفْيانَ، وألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قَلْبِهِ، ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ يَوْمَئِذٍ، وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ  بِمَن مَعَهُ سالِمِينَ».

﴿ واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا ﴾ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿ وأشَدُّ تَنْكِيلا ﴾ أيْ: تَعْذِيبًا، وأصْلُهُ التَّعْذِيبُ بِالنِّكْلِ، وهو القَيْدُ، فَعُمِّمَ، والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ التَّهْدِيدُ والتَّشْجِيعُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ، وتَذْكِيرُ الخَبَرِ لِتَأْكِيدِ التَّشْدِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ ﴾ أيْ: حَظٌّ وافِرٌ ﴿ مِنها ﴾ أيْ: مِن ثَوابِها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما أُمِرَ بِهِ مِن تَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ حَظًّا مَوْفُورًا مِنَ الثَّوابِ، وبِهِ تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها كَما قالَ القاضِي.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ مُشِيرًا بِهِ إلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كانَ مَظِنَّةً لِتَوَهُّمِ أنَّهُ كَما لا يُؤاخَذُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ لا يَزِيدُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ أيْضًا، فَدُفِعَ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ بِذَلِكَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، و(الشَّفاعَةُ) هي التَّوَسُّطُ بِالقَوْلِ في وصُولِ الشَّخْصِ ولَوْ كانَ أعْلى قَدْرًا مِنَ الشَّفِيعِ إلى مَنفَعَةٍ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ أوِ الأُخْرَوِيَّةِ أوْ خَلاصُهُ عَنْ مَضَرَّةٍ ما كَذَلِكَ، مِنَ الشَّفْعِ، ضِدُّ الوِتْرِ، كَأنَّ المَشْفُوعَ لَهُ كانَ وِتْرًا فَجَعَلَهُ الشَّفِيعُ شَفْعًا، ومِنهُ الشَّفِيعُ في المُلْكِ؛ لِأنَّهُ يَضُمُّ مُلْكَ غَيْرِهِ إلى نَفْسِهِ أوْ يَضُمُّ نَفْسَهُ إلى مَن يَشْتَرِيهِ ويَطْلُبُهُ مِنهُ، و(الحَسَنَةُ) مِنها ما كانَتْ في أمْرٍ مَشْرُوعٍ رُوعِيَ بِها حَقُّ مُسْلِمٍ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ومِنها الدُّعاءُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإنَّهُ شَفاعَةُ مَعْنًى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

رَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ  : ««مَن دَعا لِأخِيهِ المُسْلِمِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ، وقالَ المَلَكُ: ولَكَ مِثْلُ ذَلِكَ»» وفِيهِ بَيانٌ لِمِقْدارِ النَّصِيبِ المَوْعُودِ، ولا أرى حَسَنًا إطْلاقَ الشَّفاعَةِ عَلى الدُّعاءِ لِلنَّبِيِّ  بَلْ لا أكادُ أُسَوِّغُهُ، وإنْ كانَتْ فِيهِ مَنفَعَةٌ لَهُ  كَما أنَّ فِيهِ مَنفَعَةً لَنا عَلى الصَّحِيحِ.

وتَفْسِيرُها بِالدُّعاءِ - كَما نُقِلَ عَنِ الجُبّائِيِّ - أوْ بِالصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ - كَما رَوى الكَلْبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَعَلَّهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لا التَّخْصِيصِ، وكَوْنُ التَّحْرِيضِ الَّذِي فَعَلَهُ  مِن بابِ الشَّفاعَةِ ظاهِرٌ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ تَخَلَّصُوا بِذَلِكَ مِن مَضَرَّةِ التَّثَبُّطِ وتَعْيِيرِ العَدُوِّ، واحْتِمالِ الذُّلِّ، وفازُوا بِالأجْرِ الجَزِيلِ المَخْبُوءِ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، ورَبِحُوا أمْوالًا جَسِيمَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا وافى بِجَيْشِهِ بَدْرًا ولَمْ يَرَ بِها أحَدًا مِنَ العَدُوِّ أقامَ ثَمانِيَ لَيالٍ، وكانَ مَعَهم تِجاراتٌ فَباعُوها وأصابُوا خَيْرًا كَثِيرًا.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الشَّفاعَةَ هُنا بَأنْ يَصِيرَ الإنْسانُ شَفْعَ صاحِبِهِ في طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ، والحَسَنَةُ مِنها ما كانَ في طاعَةٍ، فالجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِلتَّرْغِيبِ في الجِهادِ والتَّرْهِيبِ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّقاعُدِ، وأمْرُ الِارْتِباطِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، ولا بَأْسَ بِهِ، غَيْرَ أنَّ الجُمْهُورَ عَلى خِلافِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يعني أفلا يتفكرون في مواعظ القرآن ليعتبروا بها، ويقال: أفلا يتفكرون في معاني القرآن فيعلمون أنه من عند الله تعالى؟

لأنه وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً أي تناقضاً كثيراً، ويقال: أباطيل وكذباً كثيراً لأن الاختلاف في قول الناس، وقول الله تعالى لا اختلاف فيه، فلهذا قال أهل النظر: إن الإجماع حجة، لأن الإجماع من الله تعالى، ولو لم يكن من الله تعالى لوقع فيه الاختلاف.

ولهذا قالوا: إن القياس إذا انتقض سقط الاحتجاج به لأنه لو كان حكم الله تعالى لم يرد عليه النقض.

قوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ يعني المنافقين إذا جاءهم خبر من أمر السرية بالفتح والغلبة على العدو، سكتوا وقصروا عما جاءهم من الخبر أو الخوف، أي وإن جاءهم خبر من السرية ببلاء وشدة نزلت بالمؤمنين أَذاعُوا بِهِ أي أفشوه وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ قال الكلبي: يقول لو سكتوا عن إفشائه حتى يكون رسول الله  هو الذي يفشيه وأولو الأمر منهم مثل أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي  م لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ يقول: يبتغونه مِنْهُمْ فيكون هؤلاء الذين يستمعونه ويفشونه ويعلمونه إلا قليلاً منهم.

يقول الله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ أي لولا منُّ الله عليكم ورحمته ونعمته لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فيه تقديم وتأخير.

وقال مقاتل: أذاعوا به أي أفشوه إِلَّا قَلِيلًا منهم لا يفشون الخبر.

وقال الزجاج: أَذاعُوا بِهِ أي أظهروه.

ومعنى يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ أي يستخرجونه، وأصله من النبط وهو أول الماء الذي يخرج من البئر إذا حفرت، ولو ردوا ذلك إلى أن يأخذوا من قبل الرسول ومن قبل أولي الأمر منهم، لعلمه هؤلاء الذين أذاعوا به من ضعف المسلمين وعلموا من النبي  وذوي العلم، وكانوا يعلمون مع ذلك.

وقال عكرمة لعلمه الذين يخوضون فيه ويسألون عنه.

وقال أبو العالية: يعني الذين يستحسنونه منهم.

وقال الضحاك: ولو ردوا أمرهم في الحلال والحرام إلى الرسول في التصديق به والقبول منه، وإلى أولى الامر منهم، يعني حملة الفقه والحكمة، لعلمه الذين يستنبطونه منهم، يعني يتفحصون عن العلم.

وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بالقرآن لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا وهم الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى.

وفي هذه الآية دليل على جواز الاستنباط من الخبر والكتاب، لأن الله تعالى قد أجاز الاستنباط من قبل الرسول وأهل العلم.

ثم قال: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله لاَ تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ قال مقاتل: يعني ليس عليك ذنب غيرك.

وقال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله  بالجهاد وإن قاتل وحده، لأنه قد ضمن له النصر.

وقال أبو بكر في أهل الردة: لو خالفتني يميني لجاهدت بشمالي.

ويقال: واعد رسول الله  أبا سفيان بأن يخرج إلى بدر الصغرى، فكره المسلمون الخروج فأمره الله تعالى بأن يخرج وإن كان وحده.

فقال: وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي على القتال، يعني على الجهاد بقتال أعداء الله عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي يمنع قتال الذين كفروا.

والبأس هو القتال، كما قال في آية أخرى وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة: 177] ثم قال تعالى: وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً أي عذاباً.

ويقال: وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أي أشد عقوبة في الآخرة عن عقوبة الكفار في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والوَكِيلُ: القائمُ بالأمورِ المُصْلِحُ لما يُخَافُ مِنْ فسادها.

وقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ...

الآية: المعنى: أَفلا يتدبَّر هؤلاءِ المنافقُونَ كَلاَمَ اللَّه تعالى، فتظهر لهم براهِينُهُ، وتلُوح لهم أدلَّته، قُلْتُ: اعلم (رحمك اللَّه تعالى) أنَّ تدبُّر القرآن كفيلٌ لصاحبه بكُلِّ خير، وأما الهَذْرَمَة «١» والعَجَلَةُ، فتأثيرُها في القَلْب ضعيفٌ قال النوويُّ (رحمه اللَّه) : وقد كَرِهَ جماعةٌ من المتقدِّمين الخَتْمَ فِي يومٍ وليلةٍ ويدلُّ عليه ما رُوِّينَاهُ بالأسانيدِ الصَّحيحة في سُنَن أبي دَاوُد، والتِّرمذيِّ، والنَّسَائِيِّ وغيرها، عن عبد اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنَ العَاصِي، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ» «٢» .

انتهى.

قال ع «٣» : والتدبُّر هو النظر في أعقابِ الأُمُور وتأويلاتِ الأشياءِ، هذا كلّه يقتضيه قوله سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وهذا أمرٌ بالنَّظَرِ والاستدلال، ثم عَرَّف تعالى بِمَوْقِعِ الحُجَّة، أي: لو كان مِنْ كلامِ البَشَر، لَدَخَلَهُ مَا فِي البَشَرَ من القُصُور، وظهر فيه التناقُضُ والتنافِي الَّذي لا يُمْكِنُ جَمْعُه إذ ذلك موجودٌ في كلامِ البَشَرِ، والقرآنُ منزَّه عنه إذ هو كلامُ المحيطِ بِكُلِّ شيء سبحانه.

قال ع «٤» : فإن عرضَتْ لأحدٍ شبهةٌ، وظنَّ اختلافا في شَيْءٍ مِنْ كتابِ اللَّه، فالواجبُ أنْ يتَّهم نَظَرَهُ ويسأَلَ مَنْ هو أعلَمُ منه.

وقوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ...

الآية: قال جُمْهور المفسِّرين: إن الآيةَ من المنافِقِينَ حَسْبما تقدَّم، والمعنى: أنَّ المنافقين كانوا يتشوَّفون إلى

سماع ما يسيء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإذا طَرَأَتْ لهم شبهةُ أَمْنٍ للمسلمينَ، أو فَتْحٍ عليهم، حَقَّرُوهَا وصَغَّروا شأنَها، وأذاعوا ذلك التحْقيرَ والتَّصْغِيرَ، وإذا طرأت لهم شُبْهَةُ خوفٍ للمسلمين أو مصيبة، عظّموها، وأذاعوا ذلك، وأَذاعُوا بِهِ: معناه: أَفْشَوْهُ، وهو فِعْلٌ يتعدى بحرفِ الجَرِّ وبنفسه أحياناً.

وقالت فرقة: الآية نزلَتْ في المنافقين، وفِيمَنْ ضَعُفَ جَلَدُه، وقَلَّتْ تجْرِبَتُهُ مِنَ المؤمنين/ وفي الصحيحِ مِنْ حديثِ عُمَرَ بْنِ الخطَّاب (رضي اللَّه عنه) أنه جَاءَ، وَقَوْمٌ فِي المَسْجِدِ، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم نِسَاءَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟

فَقَالَ: لاَ، قَالَ عُمَرُ: فَقُمْتُ على بَابِ المَسْجِدِ، فَقُلْتُ: أَلاَ إنَّ رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ، فأنزَلَ اللَّه تعالى هذه الآيةَ «١» .

وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ...

الآية قال: وَأَنَا الَّذِي استنبطته.

وقوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ ...

الآية: المعنى: لو أمسكوا عن الخَوْض واستقصوا الأمرِ مِنْ قِبَلِ الرسولِ، وأولِي الأمْر، وهم الأَمَرَاءُ والعُلَمَاءُ، لَعَلِمَهُ طُلاَّبُهُ مِنْ أُولِي الأمْرِ، والبَحَثَةِ عنه، وهم مستنْبِطُوهُ كَمَا يُسْتَنْبَطُ الماءُ، وهو استخراجه مِنَ الأرْضِ.

وقوله سبحانه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ...

الآية: خِطَابٌ لجميعِ المؤمنينَ باتفاقٍ من المتأوِّلين، وقوله: إِلَّا قَلِيلًا هو مستثنى في قول جماعةٍ من قوله:

لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا، وقال ابن عَبَّاس، وابن زَيْدٍ: ذلك مستثنًى من قوله: «أَذَاعُوا بِهِ إلاَّ قليلاً» ، ورجَّحه «٢» الطبريُّ «٣» ، وقال قتادة: هو مستثنًى من قوله: «يستنبطُونَهُ إلا قليلاً» «٤» .

ت: قال الدَّاوُوديُّ: قال أبو عُبَيْدة: وإنما كَرِهَ العلماءُ أن يجعلوا الاستثناء من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا نَدَبَ النّاسَ لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ بِبَدْرٍ الصُّغْرى بَعْدَ أُحُدٍ، كَرِهَ بَعْضُهم ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي "فاءِ" فَقاتَلَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِ ﴿ وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ ﴾ .

والثّانِي: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ، ذَكَرَهُما ابْنُ السُّرِّيِّ.

والمُرادُ بِسَبِيلِ اللَّهِ: الجِهادُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ أيْ: إلّا المُجاهَدَةَ بِنَفْسِكَ.

و"حَرِّضْ" بِمَعْنى: حَضَّضَ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "عَسى" في اللُّغَةِ: مَعْنى الطَّمَعِ والإشْفاقِ.

والإطْماعُ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ.

و"البَأْسُ": الشِّدَّةُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهُ أشَدُّ عَذابًا.

قالَ قَتادَةُ: و"التَّنْكِيلُ": العُقُوبَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللهِ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلا ﴾ ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ ﴿ وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أو رُدُّوها إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ هَذا أمْرٌ في ظاهِرِ اللَفْظِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وحْدَهُ، لَكِنْ لَمْ نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ أنَّ القِتالَ فُرِضَ عَلى النَبِيِّ  دُونَ الأُمَّةِ مُدَّةً ما، المَعْنى -واللهُ أعْلَمُ- أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في اللَفْظِ، وهو مِثالُ ما يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، أيْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ وكُلُّ واحِدٍ مِن أُمَّتِكَ القَوْلُ لَهُ: ﴿ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ ، ولِهَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْتَشْعِرَ أنْ يُجاهِدَ ولَوْ وحْدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "واللهِ لَأُقاتِلَنَّهم حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي"» وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقْتَ الرِدَّةِ: "وَلَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَجاهَدْتُها بِشِمالِي".

وخَلَطَ قَوْمٌ في تَعَلُّقِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَقاتِلْ" بِما فِيهِ بُعْدٌ، والوَجْهُ أنَّها عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وهي دالَّةٌ عَلى اطِّراحِ غَيْرِ ما أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ خَصَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمْرِ بِالتَحْرِيضِ، أيْ: حُثَّ المُؤْمِنِينَ عَلى القِيامِ بِالفَرْضِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ.

و"عَسى" إذا ورَدَتْ مِنَ اللهِ تَعالى، فَقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: إنَّها واجِبَةٌ، لِأنَّها مِنَ البَشَرِ مُتَوَقَّعَةٌ مَرْجُوَّةٌ، فَفَضْلُ اللهِ تَعالى يُوجِبُ وُجُوبَها، وفي هَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِغَلَبَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ، ثُمَّ قَوّى -بَعْدَ ذَلِكَ- قُلُوبَهم بِأنْ عَرَّفَهم شِدَّةَ بَأْسِ اللهِ، وأنَّهُ أقْدَرُ عَلى الكَفَرَةِ، وأشَدُّ تَنْكِيلًا لَهُمُ، التَنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ﴾ الآيَةُ.

أصْلُ الشَفاعَةِ والشُفْعَةِ ونَحْوِها مِنَ: الشَفْعِ، وهو الزَوْجُ في العَدَدِ، لِأنَّ الشافِعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُذْنِبِ والشَفِيعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُشْتَرِي.

واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: مَن يَشْفَعْ وتْرَ الإسْلامِ بِالمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، أو مَن يَشْفَعْ وتْرَ الكُفْرِ بِالمَعُونَةِ عَلى الإسْلامِ.

ودَلَّهُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ القِتالِ.

وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: هي في شَفاعاتِ الناسِ بَيْنَهم في حَوائِجِهِمْ، فَمَن يَشْفَعُ لِيَنْفَعَ فَلَهُ نَصِيبٌ، ومَن يَشْفَعُ لِيَضُرَّ فَلَهُ كِفْلٌ.

وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: الشَفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطاعَةِ، والسَيِّئَةُ هي في المَعاصِي،.

وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.

والكِفْلُ: النَصِيبُ، ويُسْتَعْمَلُ في النَصِيبِ مِنَ الخَيْرِ ومِنَ الشَرِّ، وفي كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ  ﴾ .

و"مُقِيتًا" مَعْناهُ: قَدِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو الزُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَفْسَ عنهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا أيْ: قَدِيرًا، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: بِحَفِيظٍ وشَهِيدٍ.

وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: بِأنَّهُ الواصِبُ القَيِّمُ بِالأُمُورِ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ، ومِنهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ  « "كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَن يُقِيتُ"،» عَلى مَن رَواها هَكَذا، أيْ: مَن هو تَحْتَ قُدْرَتِهِ وفي قَبْضَتِهِ مِن عِيالٍ وغَيْرِهِ، وذَهَبَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ إلى أنَّهُ الَّذِي يَقُوتُ كُلَّ حَيَوانٍ، وهَذا عَلى أنْ يُقالَ: أقاتَ بِمَعْنى قاتَ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "مَن يُقِيتُ" مِن أقاتَ، وقَدْ حَكى الكِسائِيُّ: أقاتَ يُقِيتُ، فَأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذا ∗∗∗ ما قَرَّبُوها مَطْوِيَّةً ودُعِيتُ ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ؟

إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ فَقالَ فِيهِ الطَبَرِيُّ: إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذا المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وإنَّهُ بِمَعْنى: مَوْقُوفٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُضْعِفُهُ أنْ يَكُونَ بِناءُ فاعِلٍ بِمَعْنى بِناءِ مَفْعُولٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإذا حُيِّيتُمْ" الآيَةُ، التَحِيَّةُ وزْنُها تَفْعِلَةٌ مِن: حَيِيَ، وهَذا هو الأغْلَبُ مِن مَصْدَرِ فَعِلَ في المُعْتَلِّ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في تَشْمِيتِ العاطِسِ، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ دَلالَةٌ، أمّا أنَّ الرَدَّ عَلى المُشَمِّتِ فَمِمّا يَدْخُلُ بِالقِياسِ في مَعْنى رَدِّ التَحِيَّةِ وهَذا هو مَنحى مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عنهُ، واللهُ أعْلَمُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَحِيَّةُ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: سَلامٌ عَلَيْكَ، فَيَجِبُ عَلى الآخَرِ أنْ يَقُولَ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ، قالَ الرادُّ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ فَقَدِ انْتَهى، ولَمْ يَبْقَ لِلرّادِّ أنْ يُحَيِّيَ بِأحْسَنَ مِنها، فَهاهُنا يَقَعُ الرَدُّ المَذْكُورُ في الآيَةِ، فالمَعْنى عِنْدَ أهْلِ هَذِهِ القالَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ، فَإنْ نَقَصَ المُسَلِّمُ مِنَ النِهايَةِ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ، وإنِ انْتَهى فَرُدُّوا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ تَخْيِيرُ الرادِّ، فَإذا قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ، فَلِلرّادِّ أنْ يَقُولَ، وعَلَيْكَ السَلامُ، فَقَطْ، وهَذا هو الرَدُّ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: وعَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، وهَذا هو التَحِيَّةُ بِأحْسَنَ مِنها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالآيَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَإنْ كانَتْ مِن مُؤْمِنٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها، وإنْ كانَتْ مِن كافِرٍ فَرُدُّوا عَلى ما قالَ رَسُولُ اللهِ  أنْ يُقالَ لَهُمْ: « "وَعَلَيْكُمْ".» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما: انْتَهى السَلامُ إلى البَرَكَةِ، وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ألّا يُبْدَأ أهْلُ الكِتابِ بِسَلامٍ، فَإنْ سَلَّمَ أحَدٌ ساهِيًا أو جاهِلًا فَيَنْبَغِي أنْ يَسْتَقِيلَهُ سَلامُهُ، وشَذَّ قَوْمٌ في إباحَةِ ابْتِدائِهِمْ، والأوَّلُ أصْوَبُ، لِأنَّ بِهِ يُتَصَوَّرُ إذْلالُهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ مِن خَلْقِ اللهِ فَرُدَّ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا، وقالَ عَطاءٌ: الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، ومَن سَلَّمَ مِن غَيْرِهِمْ قِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ، كَما في الحَدِيثِ.

وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ بِالسَلامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، ورَدَّهُ فَرِيضَةٌ، لِأنَّهُ حَقٌّ مِنَ الحُقُوقِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ.

و"حَسِيبًا" مَعْناهُ: حَفِيظًا، وهو فَعِيلٌ مِنَ الحِسابِ، وحَسُنَتْ هاهُنا هَذِهِ الصِفَةُ إذْ مَعْنى الآيَةِ في أنْ يَزِيدَ الإنْسانُ أو يَنْقُصَ أو يُوَفِّيَ قَدْرَ ما يَجِيءُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على ما تقدّم من الأمر بالقتال، ومن وصف المثبطين عنه، والمتذمّرين منه، والذين يفتنون المؤمنين في شأنه، لأنّ جميع ذلك قد أفاد الاهتمام بأمر القتال، والتحريضَ عليه، فتهيّأ الكلام لتفريع الأمر به.

ولك أن تجعل الفاء فصيحة بعد تلك الجمل الكثيرة، أي: إذا كان كما علمت فقاتل في سبيل الله، وهذا عود إلى ما مضى من التحريض على الجهاد، وما بينهما اعتراض.

فالآية أوجبت على الرسول صلى الله عليه وسلم القتال، وأوجبت عليه تبليغ المؤمنين الأمرَ بالقتال وتحريضهم عليه، فعبّر عنه بقوله: ﴿ لا تكلَّفُ إلاّ نفسَك وحرْض المؤمنين ﴾ [النساء: 84] وهذا الأسلوب طريق من طرق الحثّ والتحريض لِغير المخاطب، لأنّه إيجاب القتال على الرسول، وقد علم إيجابه على جميع المؤمنين بقوله: ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يَشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ [النساء: 74] فهو أمر للقدوة بما يجب اقتداء الناس به فيه.

وبيّن لهم علّة الأمر وهي رجاء كفّ بأس المشركين، ف (عسى) هنا مستعارة للوعد.

والمراد بهم هنا كفّار مكة، فالآيات تهيئة لِفتح مكة.

وجملة ﴿ والله أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلاً ﴾ تذييل لتحقيق الرجاء أو الوعد، والمعنى أنه أشدّ بأساً إذا شاء إظهار ذلك، ومن دلائل المشيئة امتثال أوامره التي منها الاستعداد وترقّب المسببات من أسبابها.

والتنكيل عقاب يرتدع به رَائيهِ فضلاً عن الذي عوقب به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها ﴾ في الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ والشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَسْألَةُ الإنْسانِ في صاحِبِهِ أنْ يَنالَهُ خَيْرٌ بِمَسْألَتِهِ أوْ شَرٌّ بِمَسْألَتِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّ الشَّفاعَةَ الحَسَنَةَ الدُّعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والشَّفاعَةَ السَّيِّئَةَ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وَفي الكِفْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُها: أنَّهُ الوِزْرُ والإثْمُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّصِيبُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ  ﴾ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُقْتَدِرًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: حَفِيظًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: شَهِيدًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: حَسِيبًا، وهو قَوْلُ ابْنِ الحَجّاجِ، ويُحْكى عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والخامِسُ: مُجازِيًا، وأصْلُ المُقِيتِ القُوتُ، فَسُمِّيَ بِهِ المُقْتَدِرُ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى إعْطاءِ القُوتِ، ثُمَّ صارَ اسْمًا في كُلِّ مُقْتَدِرٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن قُوتٍ وغَيْرِهِ، كَما قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها ﴾ في المُرادِ بِالتَّحِيَّةِ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الدُّعاءُ بِطُولِ الحَياةِ.

والثّانِي: السَّلامُ تَطَوُّعٌ مُسْتَحَبٌّ، ورَدُّهُ فَرْضٌ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فَرْضَ رَدِّهِ عامٌّ في المُسْلِمِ والكافِرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في المُسْلِمِينَ دُونَ الكافِرِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأحْسَنَ مِنها ﴾ يَعْنِي الزِّيادَةَ في الدُّعاءِ.

﴿ أوْ رُدُّوها ﴾ يَعْنِي بِمِثْلِها، ورَوى الحَسَنُ «أنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ) ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ  : (وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ) ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: (السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ) فَقالَ النَّبِيُّ  : وعَلَيْكم (فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَدَدْتَ عَلى الأوَّلِ والثّانِي وقُلْتَ لِلثّالِثِ: وعَلَيْكم، فَقالَ: إنَّ الأوَّلَ سَلَّمَ وأبْقى مِنَ التَّحِيَّةِ شَيْئًا، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ بِأحْسَنَ مِمّا جاءَ بِهِ، كَذَلِكَ الثّانِي، وإنَّ الثّالِثَ جاءَ بِالتَّحِيَّةِ كُلِّها، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ).» وَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرُدُّ بِأحْسَنَ مِنها عَلى أهْلِ الإسْلامِ، أوْ مِثْلِها عَلى أهْلِ الكُفْرِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ بِالسَّلامِ فَإنْ بَدَءُوكم فَقُولُوا: عَلَيْكم» (.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حَفِيظًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: مُحاسِبًا عَلى العَمَلِ لِلْجَزاءِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.

والثّالِثُ: كافِيًا، وهو قَوْلُ البَلْخِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ وفي تَسْمِيَةِ القِيامَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ فِيهِ مِن قُبُورِهِمْ.

والثّانِي: لِأنَّهم يَقُومُونَ فِيهِ لِلْحِسابِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن سعد عن خالد بن معدان.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت إلى الناس كافة، فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب، فإن لم يستجيبوا لي فإلى قريش، فإن لم يستجيبوا لي فإلى بني هاشم، فإن لم يستجيبوا لي فإليّ وحدي» .

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟

قال: لا، إن الله بعث رسوله وقال: ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلَّف إلا نفسك ﴾ إنما ذلك في النفقة.

وأخرج ابن مردويه عن البراء قال: «لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ﴾ قال لأصحابه: قد أمرني ربي بالقتال فقاتلوا» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سنان في قوله: ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ قال: عظهم.

وأخرج ابن المنذر عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم: ألا هل مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور تلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبداً، في خير ونضرة ونعمة، في دار عالية سليمة بهية.

قالوا: يا رسول الله نحن المشمرون لها.

قال: قولوا: «إن شاء الله، ثم ذكر الجهاد وحض عليه» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عبد البر في التمهيد عن سفيان بن عيينة عن ابن شبرمة.

سمعته يقرؤها ﴿ عسى الله أن يكف من بأس الذين كفروا ﴾ قال سفيان: وهي في قراءة ابن مسعود هكذا ﴿ عسى الله أن يكف من بأس الذين كفروا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً ﴾ يقول: عقوبة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ الآية.

ذكر أبو إسحاق (١) ﴿ فَقَاتِلْ ﴾ وجهين: أحدهما:- أنها جواب لقوله: ﴿ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا  ﴾ فقاتل (٢) قال علي بن عيسى النحوي: ووجه ذلك أنه محمول على المعنى، لأنه قد دل على معنى: إن أردت الفوز فقاتل (٣) الوجه الثاني:- أن يكون متصلًا بقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ فقاتل في سبيل الله (٤) وقوله تعالى: ﴿ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ﴾ .

قال مقاتل: "ليس عليك ذنب غيرك" (٥) وقال الزجاج: أمره الله عز وجل بالجهاد ولو وحده؛ لأنه قد ضمن له النصر (٦) قال أصحاب المعاني: معناه لا تكلف إلا فعل نفسك، على معنى أنه لا ضرر عليك في فعل غيرك، ولا تهتم بتخلف من يتخلف عن الجهاد فعليهم ضرر ذلك (٧) وانتصاب قوله: ﴿ نَفْسَكَ ﴾ على خبر ما لم يسم فاعله (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قال الكلبي: حضض المؤمنين على القتال (٩) وقوله تعالى: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ .

(عسى): حرف من حروف المقاربة، وفيه ترج وطمع، وهي من الله واجب، ومن العباد شك (١٠) وقد قال ابن مقبل -فجعله يقينا- أنشده أبو عبيدة: ظنِّي بهم كعسى وهم بِتنُوفَةٍ (١١) وقد تكلمنا في هذا الحرف في سورة البقرة.

وقال الزجاج: (عسى) معناها معنى الإطماع، والإطماع من الله واجب (١٢) وقال غيره: إطماع الكريم إيجاب.

والبأس: الشدة في كل شيء (١٣) وقال ابن عباس في قوله: ﴿ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ : "يريد شدة حربهم في القتال" (١٤) والكلبي فسر البأس في قوله: ﴿ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ : بالقتال (١٥) وقد أنجز الله وعده بكف بأس هؤلاء الذين ذكرهم في قوله: ﴿ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ .

قال الكلبي: إن أبا سفيان (١٦)  موسم بدر الصغرى، فلما جاء الميعاد، خرج إليها رسول الله  في سبعين راكبًا، فلم يوافهم أبو سفيان، ولم يكن قتال، وكفاهم الله بأس عدوهم (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا ﴾ .

قال ابن عباس والكلبي: أشد عذابًا (١٨) والعذاب يسمى بأسًا لما فيه من الشدة، ومنه قوله: ﴿ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا  ﴾ .

يقال: نكلت بفلان، إذا عاقبته في شر أتاه، عقوبةُ تنكل غيره عن ارتكاب مثله، من قولهم: نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع (١٩) ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا  ﴾ .

قال الحسن وقتادة في قوله: ﴿ وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا ﴾ : عقوبة (٢٠) (٢١) وقال عطاء: أشد نقمة (٢٢) (٢٣) وذلك أن العقوبة نقمة وانتقام، فالانتقام معنى التنكيل لا تفسيره.

(١) أي الزجاج في "معانيه" 2/ 84.

(٢) "معاني الزجاج" 2/ 84، 85.

(٣) كلام علي بن عيسى النحوي ليس في "معاني الزجاج" حسب المطبوع.

(٤) "معاني الزجاج" 2/ 85.

(٥) "تفسيره" 1/ 393، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 372.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85.

(٧) انظر: الطبري 5/ 185، و"الكشف والبيان" 4/ 93 ب.

(٨) "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 439.

(٩) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(١٠) من "تهذيب اللغة" 3/ 2427 (عسا).

وانظر: الطبري 5/ 185، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 439، و"معانيه" 2/ 143، و"الكشف والبيان" 4/ 93 أ، و"معالم التنزيل" 2/ 256.

(١١) البيت في "مجاز القرآن" 1/ 134، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 23، و"تهذيب اللغة" 3/ 2427، و"اللسان" 5/ 2950 (عسا).

وعجزه كما في "المجاز": يتنازعون جوائز الأمثال والتنوفة: الصحراء، ومعنى "يتنازعون جوائز الأمثال": يتجاذبون الأمثال السائرة.

والشاهد أن "عسى" بمعنى اليقين.

(١٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 95، 181.

(١٣) "معاني الزجاج" 2/ 85، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 225، و"الصحاح" 3/ 906، 907، و"اللسان" 1/ 199 (بأس).

(١٤) لم أقف عليه، ونحوه في "الوسيط" 2/ 638 دون نسبة لابن عباس.

(١٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(١٦) تقدمت ترجمته.

(١٧) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 93 أ، و"معالم التنزيل" 2/ 256، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(١٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 149، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

== وهذا القول لكثير من المفسرين، انظر: "تفسير الهواري" 1/ 404 و"بحر العلوم" 1/ 372، و"الدر المنثور" 2/ 335.

(١٩) "تهذيب اللغة" 4/ 3665 (نكل)، وانظر: الطبري 5/ 185، و"البسيط" بتحقيق الفوزان 3/ 1023، و"اللسان" 8/ 4544 (نكل).

(٢٠) قول الحسن في "تفسير الهواري" 1/ 404.

وأخرج قول قتادة: الطبري 5/ 185، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم انظر: "الدر المنثور" 2/ 335، وقد عزاه له ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 149.

(٢١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص91.

(٢٢) لم أقف عليه.

(٢٣) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ لما تثاقل بعض الناس عن القتال قيل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي إن أفردوك فقاتل وحدك فإنما عليك ذلك ﴿ وَحَرِّضِ المؤمنين ﴾ أي ليس عليك في شأن المؤمنين إلاّ التحريض ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ قيل: عسى من الله واجبة، والذين كفروا هنا قريش، وقد كفهم الله بهزيمتهم في بدر وغيرها وبفتح مكة ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ أي عقاباً وعذاباً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ومن أصدق ﴾ وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الصاد الزاي: علي ورويس وحمزة غير العجلي.

﴿ حصرت صدورهم ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ﴿ حصرة صدورهم ﴾ بالنصب والتنوين.

الوقوف: ﴿ القرآن ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.

﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ أذاعوا به ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج ط لأن قوله: ﴿ لا تكلف ﴾ يحتمل الاستئناف والحال أي قاتل غير مكلف.

﴿ إلاّ نفسك ﴾ ط لعطف قوله: ﴿ وحرض ﴾ على قوله: ﴿ فقاتل ﴾ .

﴿ المؤمنين ﴾ ج لأنّ ﴿ عسى ﴾ مستأنف لفظاً ومتصل معنى لأنه لترجية نجح ما أمر به.

﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ تنكيلاً ﴾ ه ﴿ نصيب منها ﴾ ط لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ كفل منها ﴾ ط ﴿ مقيتاً ﴾ ه ﴿ ردوها ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ بما كسبوا ﴾ ط ﴿ من أضلّ الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ وجدتموهم ﴾ ص ﴿ نصيراً ﴾ ه ط ﴿ أو يقاتلوا قومهم ﴾ ط ﴿ فلقاتلوكم ﴾ ط ﴿ السلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "فإن".

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ قومهم ﴾ ط ﴿ أركسوا فيها ﴾ ج ﴿ ثقفتموهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه.

التفسير: لما حكي عن المنافقين ما حكى وكان السبب فيه اعتقادهم أنه  غير محق في ادعاء الرسالة، أمرهم بالتفكر والتدبر وهو النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قول أكثم: لا تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها.

ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استبدرت.

أي لو عرفت في صدره ما عرفت من عاقبته.

وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد  وإلا انقطع النظم.

ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه: الفصاحة والاشتمال على الغيوب والسلامة من الاختلاف وهو المقصود من الآية.

واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف.

فقال أبو بكر الأصم: معناه / أن المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالاً فحالاً.

فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله  لم يطرد صدقه ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت.

وقال أكثر المتكلمين: المراد تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة، ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب.

والذي تظن به التناقض كقوله: ﴿ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان  ﴾ مع قوله: ﴿ لنسألنهم أجمعين  ﴾ أو كقوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين  ﴾ مع قوله: ﴿ كأنها جان  ﴾ ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما وقال أبو مسلم: المراد صحة نظمه وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغاً حد الإعجاز.

ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتاباً طويلاً مشتملاً على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قوياً متيناً وبعضه سخيفاً نازلاً، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله  .

وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال أعني التدبر فيما إليه سبيل.

وقال الجبائي: فيها دلالة على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لأن فعل العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف.

والجواب أنه لا يلزم من كون كلامه غير متفاوت ولا مختلف أن لا تكون أفعاله مختلفة بحسب اختلاف المظاهر والقوابل.

سلمنا لكن اختلافه وهو كونه غير مطابق للأغراض والمقاصد الإنسانية قد يكون بحسب نظرنا لا بحسب الأمر نفسه.

ثم حكى عن المنافقين - وقيل عن ضعفة المسلمين - أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوا به وأفشوه.

يقال: أذاع السر وأذاع به لغتان.

ويجوز أن يكون معنى أذاع به فعل به الإذاعة وهو أبلغ.

ولا يخفى ما في ذلك الإفشاء من الضرر من جهة أن الإرجاف لا ينفكعن الكذب، ومن جهة أن تلك الزيادات إن كانت في جانب الأمن ولم تقع أورثت شبهة لضعفة المسلمين في صدق الرسول، لأن المنافقين كانوا يروونها عن الرسول، وإن كانت في جانب الخوف حصل اضطراب في الضعفة ووقعوا في الحيرة، وأيضاً البحث عن الإرجاف موجب ظهور الأسرار وذلك لا يوافق مصلحة المدينة فربما وصل الخبر إلى الكفار فاستعدوا للقتال أو تحصنوا.

وفي معنى الآية أقوال: الأول: ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله  وإلى أولي الأمر - وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - ﴿ لعلمه ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يستنبطونه ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من / البئر أول ما تحفر فاستعير لاستخراج المعاني.

والتدبير الثاني: كانوا يقفون من رسول الله  وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فتعود إذاعتهم مفسدة.

فقيل لهم: لو فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وكانوا كأن لم يسمعوا العلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه.

الثالث: كانوا يسمعون من أفواه بعض المنافقين شيئاً من خبر السرايا غير معلوم الصحة فيذيعونه فقيل لهم: لو سكتوا حتى سمعوه من الرسول وأولي الأمر لعلمه صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع فالمستنبطون هم المذيعون.

ومعنى يستنبطونه منهم يتلقونه من الرسول وأولي الأمر ويستخرجون علمه من جهنم.

قالت العلماء: في الآية دلالة على أن القياس حجة لأنهم أمروا أن يرجعوا في معرفة الوقائع إلى أولي الأمر من المستنبطين.

فرواية النص لا تكون استنباطاً فهو إذن رد واقعة إلى نظيرها وهو القياس.

واعترض بأنا لا نسلم أن المستنبطين هم العلماء وأولو الآراء بل هم المذيعون كما في القول الثالث.

سلمنا لكن الآية نزلت في الحروب، ولا يلزم من جواز الاستنباط في الوقائع المتعلقة بها جواز الاستنباط في الوقائع الشرعية.

فإن قيس أحد البابين على الآخر كان إثباتاً للقياس الشرعي بالقياس الشرعي.

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد استخراج الأحكام الشرعية من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص أو بالبراءة الأصلية أو بحكم العقل كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة وكل هذه الأمور ليست من القياس الشرعي في شيء؟

سلنما أن القياس الشرعي داخل في الآية.

لكن بشرط كونه مفيداً "للعلم" بدليل قوله ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه ﴾ ولا نزاع في مثله إنما النزاع في أن القياس المفيد للظن هل هو حجة أن لا.

وأجيب بأن صرف المستنبطين إلى المذيعين ليس بالقوي إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام المضمر.

وعن الثاني بأن الأمن او الخوف عام في كل ما يتعلق بباب التكليف.

ولئن سلم أنه مخصوص بأمور الحرب فإذا عرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي لزم جواز التمسك به في سائر الوقائع إذ لا قائل بالفرق.

ألا ترى أن من قال القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه؟

وعن الثالث أن شيئاً من ذلك لا يسمى استنباطاً.

وعن الرابع أن العلم قد يراد به الظن الغالب.

سلمنا لكن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم لأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، حصل ظن أن حكم الله في الفرع مساوٍ لحكمه في الصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن وهذا معنى قولهم: "الظن واقع في طريق الحكم" والحكم مقطوع به كأنه  قال: مهما / غلب على ظنك كذا في الواقعة الفلانية فاعلم قطعاً أن حكمي فيها كذا.

أما قوله ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ فظاهره يقتضي إشكالاً وهو أن قليلاً من الناس لا يحتاج في عدم اتباع الشيطان إلى فضل الله ورحمته، لكن الاحتياج بالنسبة إلى كل واحد من الناس ثابت بالاتفاق فهذا تناقض.

فذكر المفسرون في إزالة التناقض وجوهاً الأول: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ أذاعوا به ﴾ كأنه  أخرج بعض المنافقين من هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله: ﴿ بيت طائفة ﴾ الثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ لعلمه ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاّ قليلاً.

قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله.

وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، قال الزجاج: هذا غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إلاّ البالغ في البلادة.

والإنصاف أن الاستنباط لو حمل على مجرد تفرق الأخبار والأراجيف فكلام الزجاج الصحيح وإن كان محمولاً على استخراج الأحكام الشرعية كما مر فالحق ما ذكره الفراء والمبرد.

الثالث: أن الاستثناء مصروف إلى ما يليه كما هو حق النسق لأن الفضل والرحمة مفسران بشيء خاص وفيه وجهان: أحدهما قول جماعة من المفسرين أن المراد إنزال القرآن وبعثة محمد والتقدير: لولا بعثة محمد وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان ولكفرتم بالله إلاّ القليل منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد  .

وثانيهما قول أبي مسلم أن المراد بالفضل والرحمة ههنا نصرته  ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم: ﴿ فأفوز فوزاً عظيماً  ﴾ والتقدير: لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلاّ القليل منكم وهم أهل البصائر والعزائم، ومن أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقاً حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقاً، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلاً، بل الأمر في كونه حقاً وباطلاً مبني على الدليل وهذا أحسن الوجوه.

قوله: ﴿ فقاتل ﴾ قيل: إنه جواب لقوله: ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل  ﴾ كأنه  قال: إن أردت الفوز فقاتل.

وقيل: إنه متصل بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين كذا وكذا فلا تعتد بهم ولا تلتفت إليهم بل قاتل فإنك لا تؤاخذ إلاّ بفعلك، فإذا أديت فرضك لم تكلف فرض غيرك، ويعلم من قوله: ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أن الواجب على الرسول إنما هو الجهاد وتحريض الناس على الجهاد أي الحث والإحماء عليه، فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً شيء.

واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه مفيد لم يجب / بخلاف رسول الله  فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وبدليل قوله ههنا: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وعسى من الله جزم لأن الرجاء عليه محال فهو إطماع وإطماع الكريم إيجاب فلزمه الجهاد وإن كان وحده فلا جرم أنه  قال في بدر الصغرى: " لأخرجن وحدي" فخرج وتبعه سبعون راكباً، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، ثم إنه  كف بأس المشركين وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه حتى ندموا وترك الحرب في تلك السنة.

وفي الآية دليل على أنه  كان أشجع الخلق لأنه  لم يأمره بالقتال وحده إلاّ أنه كذلك.

وقيل: اقتدى به أبو بكر حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن عرف أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحدث شيء إلاّ بقضاء الله سهل عليه الفوت وكان بمعزل عن تقية الموت.

﴿ والله أشد بأساً ﴾ من قريش ﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ تعذيباً لأن عذاب الله دائم وعذاب غيره غير دائم، وعذاب غير الله يخلصه الله عنه وعذاب الله لا يقدر أحد على تخليصه منه، وعذاب غير الله يكون من وجه واحد وعذاب الله يصل إلى جميع الأبعاض والأجزاء ويشمل الروح والجسم فهذا طرف من الفرق والله أعلم بكنه عذابه ونعوذ بالله من عقابه.

قوله  : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ وجه نظمه يعرف من تفسيره وذلك أنه قيل: المراد منه تحريض النبي  إياهم على الجهاد، لأنه إذا كان يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفيعاً لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد.

وأيضاً التحريض وهو الحث على سبيل الرفق والتلطف والتهديد جار مجرى الشفاعة.

وقيل: كان بعض المنافقين يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول في التخلف عن الجهاد، وكان بعض المؤمنين يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث أن يحصل له عدّة الجهاد فنزلت.

ونقل الواحدي عن ابن عباس أن الشفاعة الحسنة ههنا هي ان يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالله بمحبة الكفار وترك إيذائهم.

وقال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة الله المسلم لما روي عن النبي  : " "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك" " فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك.

وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هي مطلق الشفاعة والحسنة منها هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة كانت في أمر حائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة ما كان بخلاف ذلك، وعلى هذا فوجه النظم أن التحريض على الجهاد بعث على الفعل الحسن وأنه نوع شفاعة كما مر في القول / الأول.

وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها.

قال أهل اللغة: الكفل أيضاً النصيب فهل لاختلاف اللفظين فائدة؟

فأجيب بأن الكفل اسم للنصيب الذي يكون عليه اعتماد الإنسان ومنه يقال "كفل البعير واكتفله" إذا أدار حول سنامه كساء وركب.

والكفيل الضامن لأن الغريم اعتمد عليه.

والتقدير من يشفع شفاعة سيئة يكن له منها نصيب يعتمد عليه ويكون له ذخيرة في معاشه ومعاده والغرض التهكم وحصول ضد ذلك مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ أي مقتدراً وحفيظاً.

واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.

والغرض أنه قادر على كل المقدورات حفيظ لجميع المعلومات فيجازي كل شافع بما يليق بحاله، ثم لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضاً بأن الأعداء لو رضوا بالمسالمة أو ألقوا في المبارزة بالسلم فقابلوهم بالإكرام وأيضاً السلام دعاء بالسلامة والدعاء نوع من الشفاعة والتحية تفعلة من الحياة ويجيء الناقص من باب التفعيل على "تفعلة" مثل: تسلية وتعزية.

لكنه أدغم ههنا لاجتماع المثلين.

وكانت العرب تقول عند التلاقي حياك الله.

دعاء له بالحياة فأبدل الله ذلك بالسلام، ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها بل لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من اسماء الله  فالابتداء به أولى، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع وقد سلم الله عليك يا مؤمن في اثني عشر موضعاً في الأزل ولهذا سمى نفسه بالسلام، وعلى لسان نوح: ﴿ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك  ﴾ والمراد أمة محمد  عليك على لسان جبريل: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام  ﴾ قال المفسرون إنه خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى فقال الله  : لا تهتم بذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا إلاّ إني جعلت جبرائيل خليفة لك ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني.

وسلم عليك على لسان موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ وسلم عليك على لسان محمد  : ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى  ﴾ وأمر محمداً  بالسلام عليك: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم  ﴾ وأمر المؤمنين بالسلام: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ وسلم عليك على لسان ملك الموت: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم  ﴾ قيل: إن ملك الموت يسلم في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام ويقول: أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة يقول لملك الموت: لا هدية أعز من روحي فاقبض روحي هدية لك.

وسلم عليك من الأرواح الطاهرة: ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين  ﴾ وسلم عليك على لسان خزنة الجنة: ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين  ﴾ وسلم عليك على لسان الملائكة في الجنة: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم  ﴾ وسلم عليك على لسان أهل الجنة: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام  ﴾ وسلم عليك إلى الأبد: ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ ولما أراد إكرام يحيى  وعده بالسلام في مواطن ثلاثة هي أشد الأوقات حاجة إلى السلام فقال: ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً  ﴾ ولما ذكر تعظيم محمد  قال: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ {الأحزاب:56] وعن عبد الله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم رسول الله  دخلت في غمار الناس فأول ما سمعت عنه: " يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " وكانت تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية الجاهلية "حياك الله"، وتحيتهم للملوك "أنعم صباحاً" فشتان ما بين تحياتهم وتحيتنا "السلام عليك ورحمة الله وبركاته" وفي هذا دليل على أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها.

ومما يدل على فضيلة السلام عقلاً أن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، وأما الوعد بترك الضرر فإنه يقدر عليه لا محالة والسلام يدل عليه فهو أفضل أنواع التحية.

قال بعض العلماء: فمن دخل بيتاً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله  : ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم  ﴾ وقال  : "أفشوا السلام" والأمر للوجوب، ولأن السلام بشارة بالسلامة وإزالة الضرر وهو واجب لقوله: " "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ولأنه من شعائر الإسلام وإظهار شعائر الإسلام واجب.

وعن ابن عباس والنخعي وأكثر العلماء أن السلام سنة.

وأما الجواب فواجب بالإجماع لأن ترك الجواب إهانة والإهانة ضرر والضرر حرام ولقوله  : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ وظاهر الأمر الوجوب وعن ابن عباس: ما من / رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلاّ نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة.

قال العلماء: الأحسن أن يزيد في جواب السلام والرحمة، وإن ذكر في الابتداء السلام والرحمة زاد في جوابه البركة، وإن ذكر المجموع أعادها فقط فإن منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لأن هذا القدر هو الوارد في التشهد.

وروي "أن رجلاً قال لرسول الله  : السلام عليك يا رسول الله.

فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله.

فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

وجاء ثالث وقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فقال: وعليك فقال: نقصتني فأين قول الله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ فقال: إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله" .

فقوله  : ﴿ أو ردوها ﴾ أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام كرّه ورجعة إما إشارة إلى هذه الصورة وإما إلى التخيير بين الزيادة وتركها، ورد الجواب فرض على الكفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين.

والأولى أن يقوم به الكل إكثاراً للإكرام، والأحسن أن يدخل حرف العطف فيقول: وعليكم السلام.

وهو واجب على الفور بقدر ما يعهد بين الإيجاب والقبول في العقود فإن أخر عن ذلك كان ابتداء سلام لا جواباً وإذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتابة أيضاً واجب لقوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا ﴾ ومن قال لآخر أقرىء فلاناً عني السلام وجب عليه أن يفعل.

قال العلماء: المبتدىء يقول السلام عليكم والمجيب يقول: وعليكم السلام ليقع الابتداء والاختتام بذكر الله.

فإن خالف المبتدىء فليكن الاختتام بحاله.

ويجوز "سلام عليكم" بل قالوا إنه أولى من المعرف لأن المنكر في القرآن أكثر، وإن المنكر ورد من الله والملائكة والمؤمنين، والمعرف ورد في تسليم الإنسان على نفسه، قال موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ وقال عيسى: ﴿ والسلام عليّ يوم ولدت  ﴾ وأيضاً المعرف يدل على أصل الماهية والمنكر على الماهية مع وصف الكمال.

ومن السنة أن يسلم الراكب لزيادة هيبته على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر احتراماً للجماعة، والقائم على القاعد لأنه الواصل إليه لأن القائم أهيب ومن السنة الجهر بالسلام لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب.

ومنها الابتداء به إظهاراً للتواضع، ومنها الإفشاء والتعميم لأن التخصيص إيحاش، والمصافحة عند السلام عادة النبي  : " إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر " ومن استقبله رجل واحد فليقل: سلام عليكم وليقصد الرجل والملكين لأنه إذا سلم عليهما ردا السلام عليه، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب / الله، ومن دخل بيتاً خالياً فليسلم ويكون كأنه سلام من الله على نفسه، أو سلام على من فيه من مؤمني الجن، أو طلب السلامة ببركة اسم السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات.

ولو قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كان حسناً، ومن السنة أن يكون المبتدىء بالسلام على الطهارة وكذا المجيب.

روي أن واحداً سلم على رسول الله  وهو في قضاء الحاجة فقام وتيمم ثم رد الجواب.

وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلم ورد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن.

ومن دخل الحمام فرأى الناس متزرين سلم عليهم فإن لم يكونوا مترزين لم يسلم عليهم.

والأولى ترك السلام على القارىء كيلا يقطع عليه باشتغاله بالجواب، وكذا القول فيمن كان مشتغلاً برواية الحديث ومذاكرة العلم أو بالأذان أو الإقامة.

ولا يسلم على المشغول بالأكل هكذا أطلق وحمله بعضهم على ما إذا كانت اللقمة في فيه.

ولا يسلم على قاضي الحاجة قال أبو يوسف: ولا على لاعب النرد ولا على المغني ومطير الحمام وكل من كان مشتغلاً بنوع معصية، ولا مانع من السلام على من هو في مساومة أو معاملة.

وإذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليها، وإذا سلمت الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد بل الأولى أن لا يفعل.

وحيث قلنا لا يسلم فلو سلم لم يجب عليها الرد لأنه أتى بفعل منهي عنه فكان وجوده كعدمه.

وروي عن النبي  أنه قال: " لا يبتدأ اليهودي بالسلام " وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تبتدئه بسلام في كتاب ولا في غيره.

وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم وإذا دخلت فقل: السام على من اتبع الهدى.

ولا بأس في الدعاء له بما يصلحه في دنياه، ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، أما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء ينبغي أن نقول: وعليك لما روي أن اليهود تقول للمسلمين: السلام عليكم، وعن الحسن: يجوز أن يقول للكافر وعليك السلام ولا يقل: ورحمة الله.

لأنها استغفار.

وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه عليك السلام ورحمة الله فقيل له في ذلك؟

فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟

واعلم أن مذهب أبي حنيفة أن من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها.

وقال الشافعي: له الرجوع في حق الولد وليس له الرجوع في حق الأجنبي.

واحتج لأبي حنيفة بالآية وذلك أن التحية تشمل جميع أنواع الإكرام فتشمل الهبة ومقتضاها وجوب / الرد إذا لم يصر مقابلاً بالأحسن، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن.

ثم احتج الشافعي على قوله بما روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي  قال: " لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده " ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها، فكونوا على حذر من مخالفته.

ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ الله لا إله إلاّ هو ليجمعنكم ﴾ فالأول توحيد والثاني عدل كأنه  يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامة وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا اله إلاّ هو، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب.

وقوله: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر: ﴿ ليجمعنكم ﴾ والتقدير الله والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه، والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب.

قال  : ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين  ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على أنه قبيح، ومن كذب لم يكذب إلاّ لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع مضرة، أو هو غني عنه إلاّ أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها، واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلاّ وقع الدور.

ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث فاعلم.

ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ وهو منصوب على الحال والعامل معنوي مثل: ما لك قائماً أي ما تصنع؟

وقيل: نصب على أنه خبر "كان" أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين؟

استفهام على سبيل الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم، ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك وانكشفت جلية الحال.

وذلك أنها نزلت "في قوم من العرب أتوا رسول الله  بالمدينة فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فقالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فأذن لنا فيه فأذن لهم.

فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين.

فتكلم المؤمنون فيهم فقال بعضهم: نافقوا.

وقال بعضهم: هم مسلمون.

فبين الله نفاقهم" .

وقال مجاهد وقتادة: هم قوم هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا.

وعن زيد بن ثابت: هم الذين تخلفوا يوم أحد وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم.

وطعن بعضهم في هذا القول بأن نسق الكلام وهو قوله: ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ يأباه إذ الهجرة تكون من مكة إلى المدينة.

وعن عكرمة: هم قوم أخذوا أموال المشركين وانطلقوا بها إلى اليمامة.

وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً مولى النبي  .

وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك.

قال الحسن: سماهم المنافقين وإن أظهروا الكفر باعتبار حالهم التي كانوا عليها.

﴿ والله أركسهم ﴾ الركس والإركاس رد الشيء مقلوباً.

ويقال للرفث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة وهي حال النجاسة ويسمى رجيعاً أيضاً لذلك والمراد ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿ بما كسبوا ﴾ أي ما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ لأن المخلوق لا يقدر على تبديل خلق الخالق وعلى خلاف مقتضى إرادته ومشيئته.

وهذا ظاهر في المقصود.

والمعتزلة يقولون: قوله: ﴿ أركسهم بما كسبوا ﴾ أي بسبب كسبهم وفعلهم ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق الله فإذن المراد من إضلال الله حكمه بضلالهم كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي ينسبه إلى الكفر ويحكم عليه بذلك.

أو المراد إضلالهم عن طريق الجنة وهو مفسر بمنع الألطاف.

ثم ذكر أنهم بالغوا في الكفر إلى أن تمنوا أن تصيروا كفاراً فكيف تطمعون في إيمانهم وهو قوله: ﴿ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ أي في الكفر.

والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلاّ أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لتقدم ذكرهم.

وقوله: ﴿ فتكونون ﴾ عطف على ﴿ تكفرون ﴾ .

﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ أي حتى يضموا إلى إيمانهم المهاجرة الصحيحة المعتمدة وهي الهجرة في سبيل الله لا لغرض من الأغراض الفانية مثل قوله  : " "أنا بريء من كل مسلم قام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك " وكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة.

عن ابن عباس قال: قال رسول الله  يوم فتح مكة "لا هجرة / بعد الفتح ولكن جهاد ونية" .

وعن الحسن: إن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائماً.

قال المحققون: الهجرة في سبيل الله تشمل الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين بل هذا أقدم وأهم لقوله  : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم سائر المشركين ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ في الحل أو في الحرم ﴿ ولا تتخذوا منهم ﴾ في هذه الحالة ﴿ ولياً ﴾ يتولى شيئاً من مهماتكم ﴿ ولا نصيراًً ﴾ ينصركم على أعدائكم بل جانبوهم مجانبة كلية.

ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين: الأول ﴿ إلا الذين يصلون ﴾ أي ينتهون ويتصلون ﴿ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلاً في عهدكم فهم أيضاً داخلون في عهدكم.

قال القفال: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول  فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلتجئوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه.

والقوم هم الأسلميون وذلك أنه  وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.

وقال ابن عباس: هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح.

وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة.

وههنا نكتة وهي أنه  رفع السيف عمن التجأ إلى الكفار المصالحين فلان يدفع النار عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى.

وعن أبي عبيدة: المراد بالوصلة الانتساب.

يقال: وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتهيت إليه.

وأعترض عليه بأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول  من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم.

الاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو جاؤكم ﴾ وفي العطف وجهان: أحدهما أن يكون معطوفاً على صفة قوم والمعنى إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاؤوكم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم.

وثانيهما العطف على صلة الذين كأنه قيل: الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلونكم وهذا أنسب بقوله في صفتهم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ﴾ إلى آخر الآية.

إذ بين أن كفهم عن القتال سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال لا بواسطة الاتصال.

ومعنى ﴿ حصرت صدورهم ﴾ ضاقت.

والحصر الضيق والانقباض وهو في موضع الحال بإضمار "قد" بدلالة قراءة من قرأ / ﴿ حصرة ﴾ .

وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف منصوب على الحال أي جاؤوكم قوماً حصرت.

وقيل: هو بيان لجاؤوكم.

وقوله: ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ أي عن أن يقاتلوكم.

ثم هؤلاء الجاؤون من الكفار أو من المؤمنين قال الجمهور: هم من الكفار بنو مدلج جاءوا رسول الله  غير مقاتلين.

وعلى هذا يلزم النسخ لأن الكافر وإن ترك القتال جاز قتله، وقال أبو مسلم: إنه  لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر وهما طائفتان: إحداهما الذين قصدوا الرسول  للهجرة والنصرة إلاّ أنه كان في طريقهم كفار غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص.

والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه.

فهذان الفريقان من المشركين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ أي لو شاء لقوّى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم.

وعلى الأول معناه أن ضيق صدورهم عن قتالكم لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو قوّى قلوبهم لتسلطوا عليكم ولقاتلوكم وهو جواب "لو" على التكرير أو البدل.

قال الكعبي: إنه  أخبر أنه لو شاء لفعل وهذا ينبىء عن القدرة على الظلم وهو صحيح عندنا ولا يدل على أنه فعل الظلم وأراده والنزاع فيه ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ ستجدون آخرين ﴾ هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كلما ردوا إل الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي ردوا مقلوبين منكوسين فيها.

وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ﴾ أي ولم يلقوا ولم يكفوا ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ حيث تمكنتم منهم.

قال الأكثرون: وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم.

وهذا مبني على أن المعلق بكلمة "إن" على الشرط يعدم عند الشرط.

أما قوله: ﴿ سلطاناً ﴾ فمعناه حجة واضحة لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو تسلط ظاهر حيث أذنا لكم في قتلهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود -  -: "وإذا جاءهم نبأ من خوف أو أمن أذاعوه" وكذلك في حرف حفصة.

قال الكسائي: هما لغتان، أذعت به وأذعته: إذا أفشيته.

وقيل: سمعوا به وأفشوه.

وقيل: أفشوه وأشاعوه.

ثم اختلف فيمن نزلت: قال الحسن: نزلت في المؤمنين؛ وذلك أنهم إذا سمعوا خبراً من أخبار السرايا والعساكر - مما يسرّون ويفرحون - أفشوه في الناس؛ فرحاً منهم، وإذا سمعوا ما يحزنهم ويهمهم أظهروه في الناس؛ حزناً وغمّاً، ثم استثنى إلا قليلا منهم لا يذيعون ولا يفشون بالخبر؛ فلو سكتوا وردُّوا الخبر إلى [رسول الله]  حتى يخبر النبي ما كان من الأمر، أو ردُّوه إلى أولي الأمر حتى يكونوا هم الذين يخبرون به - كان أولى، وهو على التقديم والتأخير.

وقال أبو بكر الكسائي: نزلت الآية في المنافقين؛ وذلك أن المنافقين إذا سمعوا رسول الله  يخبر عن نصر المسلمين [أذاعوا] إلى الأعداء بذلك ليستعدوا على ذلك، وإذا سمعوا أن الأعداء قد اجتمعوا وأعدوا للحرب أخبروا بذلك ضعفة أصحاب رسول الله  ؛ ليمتنعوا عن الخروج إليهم؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ ﴾ حتى كان هو مخبرهم عن ذلك، أو ردّوا إلى أولي الأمر منهم؛ ليخبروا بذلك، والله أعلم.

ثم اختلف في ﴿ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ ﴾ : قيل: هم أمراء السرايا.

وقيل: هم العلماء الفقهاء.

﴿ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ .

الذين يطلبون علمه بقوله.

وقيل: ﴿ أُوْلِي ٱلأَمْرِ ﴾ - هاهنا - مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان،  م.

﴿ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ أي: يستخرجونه من كتاب الله  .

وقيل: ﴿ أُوْلِي ٱلأَمْرِ ﴾ ولاة الأمر الذين يستنبطونه، والذين أذاعوا به: قوم إما منافقون وإما مؤمنون، على ما ذكرنا، إنما هو: أذاعوا به إلا قليلا منهم ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ...

﴾ الآية على قول بعض.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

اختلف فيه: قيل: فَضْلُ الله: [رسولنا] محمد  ، ورحمته: القرآن؛ تأويله: لولا محمد  والقرآن لاتبعوا الشيطان إلا قليلا منهم لم يتبعوه، ولكن آمنوا بالعقل.

وقيل: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ في الأمر والنهي عن الإذاعة والإفشاء، وإلا لأذاعوه واتبعوا الشيطان في إذاعتهم به ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ منهم فإنهم لا يذيعون به.

وعن الضحَّاك قال: هم أصحاب النبي  كانوا حدَّثوا أنفسهم بأمور من أمور الشيطان إلا طائفة منهم لم يحدثوا بها أنفسهم.

وقال آخرون: هم المنافقون، كانوا إذا بلغهم أن الله -  - أظهر المسلمين على المشركين وفتح عليهم - صغروه وحقروه، وإذا بلغهم أن المسلمين نُكِبُوا نكبة - شنعوه وعظموه.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يقول: لعلموا الأمر الذي يريدون، والخير كله، ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يقول: لم يخف عليهم إلا قليلا من ذلك الأمر؛ ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ...

﴾ الآية.

وعن الحسن قال: هم الذين استثنى الله - عز وجل - حين قال إبليس - لعنه الله - ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ وحيث قال: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ .

وقال غيرهم ما ذكرنا على التقديم والتأخير: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا منهم، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ .

قوله: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ يحتمل: وجهين: أي: ليس عليك حسابهم ولا جزاء تخلفهم، إنما حساب ذلك عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، وكقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ .

والثاني: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ .

أي: تكلف أنت بالقتال والجهاد، وإن تخلف هؤلاء عن الخروج معك؛ يؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس -  - قال: هذا حين استنفر النبي  أصحابه -  م - بوعد أبي سفيان بدرا الصغرى، فخذله الناس؛ فأنزل الله -  - هذه الآية؛ فقال رسول الله  : "لأَخْرُجَنَّ إِلَى بَدْرٍ وَإِنْ لَمْ يَتَّبِعْنِى أَحَدٌ مِنْكُمْ" ، فاتبعه أقل الصحابة -  م - وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.

وفيه دليل وعد النصر له والفتح، والنكبة على الأعداء؛ لأنه تكلف الخروج وحده؛ فلو لم يكن وعد النصر له - لم يؤمر بالخروج؛ ألا ترى أنه قال الله - عز وجل -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، و"عسى" من الله -  - واجب.

وفي قوله -  -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ ﴾ وعد نصره وإن خرج وحده؛ إذ الـ "عسى" هو من الله واجب.

وقوله - عز وجل -: و ﴿ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: حرض المؤمنين بالثواب لهم وكريم المآب على ذلك.

ويحتمل قوله -  -: و ﴿ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ لما في القتال معهم إظهار دين الله - الإسلام - وفي ترك المجاهدة والقتال معهم نصر العدو عليهم، وإظهار دينهم، أمر - عز وجل - رسوله  ليرغبهم في مجاهدة أعدائهم.

والثالث: وحرض المؤمنين على المجاهدة والقتال معهم؛ وعداً بالنصر لهم، والفتح، والغنيمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

والـ"عسى" من والله واجب؛ وعد الله نبيه  أن يكلف عنهم بأس الذين كفروا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ .

قيل: وقوله: ﴿ أَشَدُّ بَأْساً ﴾ ؛ لما يدفع بأس المشركين عنكم، ولا يقدرون هم دفع بأس الله عن أنفسهم؛ فبأس الله أشد.

وقوله -  -: ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ ، قيل: التنكيل: هو العذاب الذي يكون للآخر فيه زجر ومنع.

وقيل: حين قال له: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ ؛ ولو لم يتبعك أحد من الناس - لكف الله عنك بأس المشركين.

وقيل: البأس: هو عذاب الدنيا، والتنكيل والنكال: هو عذاب الآخرة؛ كأنه يخوفهم ببأسه؛ لتخلفهم عن العدو ومخافة بأسهم وعذابهم؛ فأخبر [الله - عز جل -] أن بأس الله وعذابه أشد من بأس الأعداء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فقاتل -أيها الرسول- في سبيل الله لإعلاء كلمته، ولا تُسأل عن غيرك ولا تُلزم به؛ لأنك لا تكلف إلا حمل نفسك على القتال، ورغب المؤمنين في القتال وحثهم عليه، عسى الله أن يدفع بقتالكم قوة الكافرين، والله أشد قوة، وأشد عقوبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.0ZmYW"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم أن الآيات في وصف أولئك الضعفاء، ولما قال إن الرسول ليس حفيظًا عليهم وإنما هو مبلغ عن الله تعالى أيد هذا وأوضحه بقوله: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي أنك أنت المكلف أن تقاتل في سبيل الله، والرقيب على نفسك فقم بما يجب عليك بالعمل وحرض المؤمنين على القتال معك لأن التحريض من التبليغ الذي منه الأمور والنهي ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ عسى هنا تدل على الإعداد والتهيئة لأن الترجي الحقيقي محال على العالم بكل شيء القادر على كل شيء، فهي بمعنى الخير والوعد، وخيره تعالى حق لأنه لا يخلف الميعاد، والبأس القوة، وكان بأس الكافرين موجهًا إلى إذلال المؤمنين، لأجل الإيمان لا لذواتهم وأشخاصهم، فتأييد الإيمان متوقف على كف بأسهم، وكف متوقف على تصدي المؤمنين للجهاد.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله