الآية ١٥ من سورة الشورى

الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ١٥ من سورة الشورى

فَلِذَٰلِكَ فَٱدْعُ ۖ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ۖ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍۢ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة الشورى عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

شتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات ، كل منها منفصلة عن التي قبلها ، [ لها ] حكم برأسه - قالوا : ولا نظير لها سوى آية الكرسي ، فإنها أيضا عشرة فصول كهذه .

قوله ( فلذلك فادع ) أي : فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم ، فادع الناس إليه .

وقوله : ( واستقم كما أمرت ) أي : واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله ، كما أمركم الله عز وجل .

وقوله : ( ولا تتبع أهواءهم ) يعني : المشركين فيما اختلقوه ، وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان .

وقوله : ( وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ) أي : صدقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم .

وقوله : ( وأمرت لأعدل بينكم ) أي : في الحكم كما أمرني الله .

وقوله : ( الله ربنا وربكم ) أي : هو المعبود ، لا إله غيره ، فنحن نقر بذلك اختيارا ، وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارا ، فله يسجد من في العالمين طوعا واختيارا .

وقوله : ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) أي : نحن برآء منكم ، كما قال تعالى : ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) [ يونس : 41 ] .

وقوله : ( لا حجة بيننا وبينكم ) قال مجاهد : أي لا خصومة .

قال السدي : وذلك قبل نزول آية السيف .

وهذا متجه لأن هذه الآية مكية ، وآية السيف بعد الهجرة .

وقوله : ( الله يجمع بيننا ) أي : يوم القيامة ، كقوله : ( قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ) [ سبأ : 26 ] .

وقوله : ( وإليه المصير ) أي : المرجع والمآب يوم الحساب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) يقول تعالى ذكره: فإلى ذلك الدين الذي شَرَع لكم, ووصّى به نوحا, وأوحاه إليك يا محمد, فادع عباد الله, واستقم على العمل به, ولا تزغ عنه, واثبت عليه كما أمرك ربك بالاستقامة.

وقيل: فلذلك فادع, والمعنى: فإلى ذلك, فوضعت اللام موضع إلى, كما قيل: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا وقد بيَّنا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا.

وكان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك, في قوله: ( فَلِذَلِكَ فَادْعُ ) إلى معنى هذا, ويقول: معنى الكلام: فإلى هذا القرآن فادع واستقم.

والذي قال من هذا القول قريب المعنى مما قلناه, غير أن الذي قلنا في ذلك أولى بتأويل الكلام, لأنه في سياق خبر الله جلّ ثناؤه عما شرع لكم من الدين لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بإقامته, ولم يأت من الكلام ما يدلّ على انصرافه عنه إلى غيره.

وقوله: ( وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: ولا تتبع يا محمد أهواء الذين شكُّوا في الحقّ الذي شرعه الله لكم من الذين أورثوا الكتاب من بعد القرون الماضية قبلهم, فتشك فيه, كالذي شكوا فيه.

يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: صدّقت بما أنـزل الله من كتاب كائنا ما كان ذلك الكتاب, توراة كان أو إنجيلا أو زبورا أو صحف إبراهيم, لا أكذب بشيء من ذلك تكذيبكم ببعضه معشر الأحزاب, وتصديقكم ببعض.

وقوله: ( وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب, فأسير فيكم جميعا بالحق الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه.

كالذي حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) قال: أمر نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يعدل, فعدل حتى مات صلوات الله وسلامه عليه.

والعدل ميزان الله في الأرض, به يأخذ للمظلوم من الظالم, وللضعيف من الشديد, وبالعدل يصدّق الله الصادق, ويكذّب الكاذب, وبالعدل يردّ المعتدي ويوبخه.

ذكر لنا أن نبي الله داود عليه السلام: كان يقول: ثلاث من كن فيه أعجبني جدا: القصد في الفاقة والغنى, والعدل في الرضا والغضب, والخشية في السر والعلانية; وثلاث من كن فيه أهلكه: شح مطاع, وهوى متبع, وإعجاب المرء بنفسه.

وأربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: لسان ذاكر, وقلب شاكر, وبدن صابر, وزوجة مؤمنة.

واختلف أهل العربية في معنى اللام التي في قوله: ( وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) فقال بعض نحويي البصرة: معناها: كي, وأمرت كي أعدل; وقال غيره: معنى الكلام: وأمرت بالعدل, والأمر واقع على ما بعده, وليست اللام التي في لأعدل بشرط; قال: ( وَأُمِرْتُ ) تقع على " أن " وعلى " كي" واللام أمرت أن أعبد, وكي أعبد, ولأعبد.

قال: وكذلك كلّ من طالب الاستقبال, ففيه هذه الأوجه الثلاثة.

والصواب من القول في ذلك عندي أن الأمر عامل في معنى لأعدل, لأن معناه: وأمرت بالعدل بينكم.

وقوله: ( اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) يقول: الله مالكنا ومالكم معشر الأحزاب ما أهل الكتابين التوراة والإنجيل.

يقول: لنا ثواب ما اكتسبناه من الأعمال, ولكم ثواب ما اكتسبتم منها.

وقوله: ( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) يقول: لا خصومة بيننا وبينكم.

كما: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; والحارث, قال: ثنا الحسن, قال ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم ) قال: لا خصومة.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله عز وجل: ( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) لا خصومة بيننا وبينكم, وقرأ: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ....

إلى آخر الآية.

وقوله: ( اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ) يقول: الله يجمع بيننا يوم القيامة, فيقضي بيننا بالحقّ فيما اختلفنا فيه.( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) يقول: وإليه المعاد والمرجع بعد مماتنا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير .قوله تعالى : فلذلك فادع واستقم لما أجاز أن يكون الشك لليهود والنصارى ، أو لقريش قيل له : فلذلك فادع أي : فتبينت شكهم فادع إلى الله ، أي : إلى ذلك الدين الذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم به .

فاللام بمعنى إلى ، كقوله تعالى : بأن ربك أوحى لها أي : إليها .

( وذلك ) بمعنى هذا .

وقد تقدم أول ( البقرة ) والمعنى فلهذا القرآن فادع .

وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فادع .

وقيل : إن اللام على بابها ، والمعنى : فمن أجل ذلك الذي تقدم ذكره فادع واستقم .

قال ابن عباس : أي : إلى القرآن فادع الخلق .

( واستقم ) خطاب له عليه السلام .

قال قتادة : أي : استقم على أمر الله .

وقال سفيان : أي : استقم على القرآن .

وقال الضحاك : استقم على تبليغ الرسالة .ولا تتبع أهواءهم أي لا تنظر إلى خلاف من خالفك .

وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم أي أن أعدل ، كقوله تعالى : وأمرت أن أسلم لرب العالمين [ ص: 14 ] وقيل : هي لام كي ، أي : لكي أعدل .

قال ابن عباس وأبو العالية : لأسوي بينكم في الدين فأؤمن بكل كتاب وبكل رسول .

وقال غيرهما : لأعدل في جميع الأحوال .

وقيل : هذا العدل هو العدل في الأحكام .

وقيل : في التبليغ .

الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم قال ابن عباس ومجاهد : الخطاب لليهود ، أي : لنا ديننا ولكم دينكم .

قال : نسخت بقوله : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية .

قال مجاهد : ومعنى لا حجة بيننا وبينكم لا خصومة بيننا وبينكم .

وقيل : ليس بمنسوخ ، لأن البراهين قد ظهرت ، والحجج قد قامت ، فلم يبق إلا العناد ، وبعد العناد لا حجة ولا جدال .

قال النحاس : ويجوز أن يكون معنى : لا حجة بيننا وبينكم على ذلك القول : لم يؤمر أن يحتج عليكم ويقاتلكم ، ثم نسخ هذا .

كما أن قائلا لو قال من قبل أن تحول القبلة : لا تصل إلى الكعبة ، ثم حول الناس بعد ، لجاز أن يقال نسخ ذلك .

الله يجمع بيننا يريد يوم القيامة .

وإليه المصير أي فهو يحكم بيننا إذا صرنا إليه ، ويجازي كلا بما كان عليه .

وقيل : إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة ، وقد سألا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش ، على أن يعطيه الوليد نصف ماله ويزوجه شيبة بابنته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَلِذَلِكَ فَادْعُ } أي: فللدين القويم والصراط المستقيم، الذي أنزل الله به كتبه وأرسل رسله، فادع إليه أمتك وحضهم عليه، وجاهد عليه، من لم يقبله، { وَاسْتَقِمْ } بنفسك { كَمَا أُمِرْتَ } أي: استقامة موافقة لأمر الله، لا تفريط ولا إفراط، بل امتثالا لأوامر الله واجتنابا لنواهيه، على وجه الاستمرار على ذلك، فأمره بتكميل نفسه بلزوم الاستقامة، وبتكميل غيره بالدعوة إلى ذلك.ومن المعلوم أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمر لأمته إذا لم يرد تخصيص له.{ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } أي: أهواء المنحرفين عن الدين، من الكفرة والمنافقين إما باتباعهم على بعض دينهم، أو بترك الدعوة إلى الله، أو بترك الاستقامة، فإنك إن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، ولم يقل: \"ولا تتبع دينهم\" لأن حقيقة دينهم الذي شرعه الله لهم، هو دين الرسل كلهم، ولكنهم لم يتبعوه، بل اتبعوا أهواءهم، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا.{ وَقُلْ } لهم عند جدالهم ومناظرتهم: { آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ } أي: لتكن مناظرتك لهم مبنية على هذا الأصل العظيم، الدال على شرف الإسلام وجلالته وهيمنته على سائر الأديان، وأن الدين الذي يزعم أهل الكتاب أنهم عليه جزء من الإسلام، وفي هذا إرشاد إلى أن أهل الكتاب إن ناظروا مناظرة مبنية على الإيمان ببعض الكتب، أو ببعض الرسل دون غيره، فلا يسلم لهم ذلك، لأن الكتاب الذي يدعون إليه، والرسول الذي ينتسبون إليه، من شرطه أن يكون مصدقا بهذا القرآن وبمن جاء به، فكتابنا ورسولنا لم يأمرنا إلا بالإيمان بموسى وعيسى والتوراة والإنجيل، التي أخبر بها وصدق بها، وأخبر أنها مصدقة له ومقرة بصحته.وأما مجرد التوراة والإنجيل، وموسى وعيسى، الذين لم يوصفوا لنا، ولم يوافقوا لكتابنا، فلم يأمرنا بالإيمان بهم.وقوله: { وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } أي: في الحكم فيما اختلفتم فيه، فلا تمنعني عداوتكم وبغضكم، يا أهل الكتاب من العدل بينكم، ومن العدل في الحكم، بين أهل الأقوال المختلفة، من أهل الكتاب وغيرهم، أن يقبل ما معهم من الحق، ويرد ما معهم من الباطل، { اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } أي: هو رب الجميع، لستم بأحق به منا.

{ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } من خير وشر { لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } أي: بعد ما تبينت الحقائق، واتضح الحق من الباطل، والهدى من الضلال، لم يبق للجدال والمنازعة محل، لأن المقصود من الجدال، إنما هو بيان الحق من الباطل، ليهتدي الراشد، ولتقوم الحجة على الغاوي، وليس المراد بهذا أن أهل الكتاب لا يجادلون، كيف والله يقول: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } وإنما المراد ما ذكرنا.{ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } يوم القيامة، فيجزي كلا بعمله، ويتبين حينئذ الصادق من الكاذب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلذلك فادع ) أي : فإلى ذلك كما يقال دعوت إلى فلان ولفلان ، وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد ، ( واستقم كما أمرت ) اثبت على الدين الذي أمرت به ، ( ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ) أي : آمنت بكتب الله كلها ، ( وأمرت لأعدل بينكم ) أن أعدل بينكم .

قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من الأحكام .

وقيل : لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء ، ( الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) يعني : إلهنا واحد ، وإن اختلفت أعمالنا ، فكل يجازى بعمله ، ( لا حجة ) لا خصومة ، ( بيننا وبينكم ) نسختها آية القتال ، فإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة ، ( الله يجمع بيننا ) في المعاد لفصل القضاء ، ( وإليه المصير ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلذلك» التوحيد «فادع» يا محمد الناس «واستقم» عليه «كما أمرت ولا تتبع أهواءهم» في تركه «وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل» أي بأن أعدل «بينكم» في الحكم «الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم» فكل يجازى بعمله «لا حجة» خصومة «بيننا وبينكم» هذا قبل أن يؤمر بالجهاد «الله يجمع بيننا» في المعاد لفصل القضاء «وإليه المصير» المرجع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإلى ذلك الدين القيِّم الذي شرعه الله للأنبياء ووصَّاهم به، فادع -أيها الرسول- عباد الله، واستقم كما أمرك الله، ولا تتبع أهواء الذين شكُّوا في الحق وانحرفوا عن الدين، وقل: صدَّقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، وأمرني ربي أن أعدل بينكم في الحكم، الله ربنا وربكم، لنا ثواب أعمالنا الصالحة، ولكم جزاء أعمالكم السيئة، لا خصومة ولا جدال بيننا وبينكم بعدما تبين الحق، الله يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة، فيقضي بيننا بالحق فيما اختلفنا فيه، وإليه المرجع والمآب، فيجازي كلا بما يستحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حض - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - على المضى فى دعوته فقال : ( فَلِذَلِكَ فادع ) .واسم الإِشارة يعود إلى ما سبق الحديث عنه من ذم التفرق ، ومن الأمر بإقامة الدين ، أى : فلأجل ما أمرناك به من دعوة الناس إلى إقامة الدين وإلى النهى عن الاختلاف والتفرق ، من أجل ذلك فادع الناس إلى الحق الذى بعثناك به ، وإلى جمعهم على كلمة التوحيد ، التى تجعلهم يعيشون حياتهم آمنين مطمئنين .( واستقم كَمَآ أُمِرْتَ ) أى : واستقم على الصراط الذى كلفناك بالسير على نهجه .

والزم المنهج القويم الذى أمرناك بالتزامه .( وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ) أى : ولا تتبع شيئا من أهواء هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا .( وَقُلْ ) لهم بكل ثبات وقوة ( آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ ) أى : آمنت بكل ما أنزله - تعالى - من كتب سماوية ، فالمراد بالكتاب : جنسه .( وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) أى : وأمرنى ربى أن أعدل بينكم فى الحكم عند رفع قضاياكم إلىّ ، فإن العدل شريعة الله تعالى .( الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) أى : الله - تعالى - وحده هو الخالق لنا ولكم ، وهو المنعم علينا وعليكم بالنعم التى لا تحصى .( لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) أى : لنا أعمالنا التى سيحاسبنا الله عليها يوم القيامة ، ولكم أنتم أعمالكم التى ستحاسبون عليها ، فنحن لا نسأل عن أعمالكم وأنتم لا تسألون عن أعمالنا .( لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) أى : لا احتجاج ولا خصومة بيننا وبينكم ، لأن الحق قد ظهر ، فلم يبق للجدال أو الخصام حاجة بيننا وبينكم .( الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المصير ) أى .

الله - تعالى - يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة ، وإليه وحده ، مصيرنا ومصيركم ، وسيجازى كل فريق منا ومنكم بما يستحقه من جزاء .فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على عشر جمل ، هذه الجمل الكريمة قد جاءت بأسمى ألوان الدعوة إلى الله - تعالى - بالحكمة والموعظة الحسنة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم  ﴾ ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: ﴿ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ والمعنى شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحاً ومحمداً وإبراهيم وموسى وعيسى، هذا هو المقصود من لفظ الآية، وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة، إلا أنه بقي في لفظ الآية إشكالات أحدها: أنه قال في أول الآية ﴿ مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ وفي آخرها ﴿ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ وفي الوسط ﴿ والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ فما الفائدة في هذا التفاوت؟.

وثانيها: أنه ذكر نوحاً عليه السلام على سبيل الغيبة فقال: ﴿ مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ والقسمين الباقيين على سبيل التكلم فقال: ﴿ والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

وثالثها: أنه يصير تقدير الآية: شرع الله لكم من الدين الذي أوحينا إليك فقوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم ﴾ خطاب الغيبة وقوله: ﴿ والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ خطاب الحضور، فهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد، وهو مشكل، فهذه المضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها، وبالجملة فالمقصود من الآية أنه يقال شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته، وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً للتكاليف والأحكام، وذلك لأنها مختلفة متفاوتة قال تعالى: ﴿ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا  ﴾ فيجب أن يكون المراد منه الأمور التي لا تختلف باختلاف الشرائع، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والسعي في مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال، ويجوز عندي أن يكون المراد من قوله: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ ﴾ أي لا تتفرقوا بالآلهة الكثيرة، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿ أأربابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون  ﴾ واحتج بعضهم بقوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ على أن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر كان مبعوثاً بشريعة نوح عليه السلام، والجواب ما ذكرناه أنه عطف عليه سائر الأنبياء وذلك يدل على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين الكل، ومحل ﴿ أَنْ أَقيمُوا الدين ﴾ إما نصب بدل من مفعول ﴿ شَرَعَ ﴾ والمعطوفين عليه، وإما رفع على الاستئناف كأنه قيل ما ذاك المشروع؟

فقيل هو إقامة الدين ﴿ كَبُرَ عَلَى المشركين ﴾ عظم عليهم وشق عليهم ﴿ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ من إقامة دين الله تعالى على سبيل الاتفاق والإجماع، بدليل أن الكفار قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ  ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: احتج نفاة القياس بهذه الآية قالوا إنه تعالى أخبر أن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والتنازع، والله تعالى ذكر في معرض المنّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة ومعلوم أن فتح باب القياس يفضي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة، فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على الأخذ بالقياس تفرقوا تفرقاً لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى آخر القيامة، فوجب أن يكون ذلك محرماً ممنوعاً عنه.

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن هذه الشرائع قسمين منها ما يمتنع دخول النسخ والتغيير فيه، بل يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان، كالقول بحسن الصدق والعدل والإحسان، والقول بقبح الكذب والظلم والإيذاء، ومنها ما يختلف باختلاف الشرائع والأديان، ودلت هذه الآية على أن سعي الشرع في تقرير النوع الأول أقوى من سعيه في تقرير النوع الثاني، لأن المواظبة على القسم الأول مهمة في اكتساب الأحوال المفيدة لحصول السعادة في الدار الآخرة.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب في الشرع والعقل، وبيان منفعته من وجوه: الأول: أن للنفوس تأثيرات، وإذا تطابقت النفوس وتوافقت على واحد قوي التأثير الثاني: أنها إذا توافقت صار كل واحد منها معيناً للآخر في ذلك المقصود المعين، وكثرة الأعوان توجب حصول المقصود، أما إذا تخالفت تنازعت وتجادلت فضعفت فلا يحصل المقصود الثالث: أن حصول التنازع ضد مصلحة العالم لأن ذلك يفضي إلى الهرج والمرج والقتل والنهب، فلهذا السبب أمر الله تعالى في هذه الآية بإقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق وقال في آية أخرى ﴿ وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ وفيه وجهان الأول: أنه تعالى لما أرشد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى التمسك بالدين المتفق عليه بيّن أنه تعالى إنما أرشدهم إلى هذا الخير، لأنه اجتباهم واصطفاهم وخصهم بمزيد الرحمة والكرامة الثاني: أنه إنما كبّر عليهم هذا الدعاء من الرسل لما فيه من الانقياد لهم تكبراً وأنفة فبيّن تعالى أنه يخص من يشاء بالرسالة ويلزم الانقياد لهم، ولا يعتبر الحسب والنسب والغنى، بل الكل سواء في أنه يلزمهم اتباع الرسل الذين اجتباهم الله تعالى، واشتقاق لفظ الاجتباء يدل على الضم والجمع، فمنه جبى الخراج واجتباه وجبى الماء في الحوض فقوله: ﴿ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ ﴾ أي يضمه إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة، وقوله: ﴿ مَن يَشَآء ﴾ كقوله تعالى: ﴿ يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء  ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ وهو كما روي في الخبر من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة أي من أقبل إليّ بطاعته أقبلت إليه بهدايتي وإرشادي بأن أشرح له صدره وأسهل أمره.

واعلم أنه تعالى لما بيّن أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه، كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟

فأجاب الله تعالى عنهم بقوله: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة فحملتهم الحمية النفسانية والأنفة الطبعية، على أن ذهب كل طائفة إلى مذهب ودعا الناس إليه وقبح ما سواه طلباً للذكر والرياسة، فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف، ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب، لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمى، أي وقتاً معلوماً، إما لمحض المشيئة كما هو قولنا، أو لأنه علم أن الصلاح تحقيقه به كما عند المعتزلة، وهو معنى قوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ ﴾ والأجل المسمى قد يكون في الدنيا وقد يكون في القيامة، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة من هم؟

فقال الأكثرون هم اليهود والنصارى، والدليل قوله تعالى في آل عمران ﴿ وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ  ﴾ وقال في سورة لم يكن ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة  ﴾ ولأن قوله: ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم ﴾ لائق بأهل الكتاب، وقال آخرون: إنهم هم العرب، وهذا باطل للوجوه المذكورة، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ ﴾ لا يليق بالعرب، لأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم، هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ من كتابهم ﴿ مُرِيبٍ ﴾ لا يؤمنون به حق الإيمان.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلِذَلِكَ فادع واستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ يعني فلأجل ذلك التفرق ولأجل ما حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين، فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية واستقم عليها وعلى الدعوة إليها، كما أمرك الله، ولا تتبع أهواءهم المختلفة الباطلة ﴿ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب ﴾ أي بأي كتاب صح أن الله أنزله، يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة، لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ونظيره قوله: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هُمُ الكافرون  ﴾ ثم قال: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ أي في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي، قل القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي وأنفسكم بأن آمركم بما لا أعمله، أو أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه، لكني أسوي بينكم وبين نفسي، وكذلك أسوي بين أكابركم وأصاغركم فيما يتعلق بحكم الله.

ثم قال: ﴿ الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المصير ﴾ والمعنى أن إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه، فإن الله يجمع بين الكل في يوم القيامة ويجازيه على عمله، والمقصود منه المتاركة واشتغال كل أحد بمهم نفسه، فإن قيل كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟

قلنا هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء، ودخل فيه التوحيد، وترك عبادة الأصنام، والإقرار بنبوة الأنبياء، وبصحة البعث والقيامة، فلما لم يقبلوا هذا الدين، فحينئذٍ فات الشرط، فلا جرم فات المشروط.

وأعلم أنه ليس المراد من قوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ تحريم ما يجري مجرى محاجتهم، ويدل عليه وجوه: الأول: أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجة، فلو كان المقصود من هذه الآية تحريم المحاجة، لزم كونها محرمة لنفسها وهو متناقض والثاني: أنه لولا الأدلة لما توجه التكليف الثالث: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه، بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما تركوا تصديقه بغياً وعناداً، فبيّن تعالى أنه قد حصل الاستغناء عن محاجتهم لأنهم عرفوا بالحجة صدقه فلا حاجة معهم إلى المحاجة ألبتة، ومما يقوي قولنا: أنه لا يجوز تحريم المحاجة، قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ  ﴾ وقوله: ﴿ ولا تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ وقوله: ﴿ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا  ﴾ وقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ والذين يُحَاجُّونَ فِي الله ﴾ أي يخاصمون في دينه ﴿ مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ ﴾ أي من بعد ما استجاب الناس لذلك الدين ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ أي باطلة وتلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف؟

فنبوّة موسى وحقية التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد ليست متفقاً عليها، فإذا بنيتم كلامكم في هذه الآية على أن الأخذ بالمتفق أولى، وجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى، فبيّن تعالى أن هذه الحجة داحضة، أي باطلة فاسدة، وذلك لأن اليهود أطبقوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه السلام لأجد ظهور المعجزات على وفق قوله، وهاهنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد عليه السلام، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق، فهاهنا يجب الإعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته.

وأما الإقرار بنبوة موسى والإصرار على إنكار نبوة محمد مع استوائهما في ظهور المعجزة يكون متناقضاً، ولما قرر الله هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة، فقال: ﴿ الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ ﴾ والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على أنواع الدلائل والبينات، وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم، وأنهم لا يعلمون أن القيامة متى تفاجئهم ومتى كان الأمر كذلك، وجب على العاقل أن يجد ويجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد، ولما كان الرسول يهددهم بنزول القيامة وأكثر في ذلك، وأنهم ما رأوا منه أثراً قالوا على سبيل السخرية: فمتى تقوم القيامة، وليتها قامت حتى يظهر لنا أن الحق ما نحن عليه أو الذي عليه محمد وأصحابه، فلدفع هذه الشبهة قال تعالى: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا ﴾ والمعنى ظهر، وإنما يشفقون ويخافون لعلمهم أن عندها تمتنع التوبة، وأما منكر البعث فلأن لا يحصل له هذا الخوف.

ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ فَي الساعة لَفِي ضلال بَعِيدٍ ﴾ والممارة الملاجة، قال الزجاج: الذين تدخلهم المرية والشك في وقوع الساعة، فيمارون فيها ويجحدون ﴿ لَفِي ضلال بَعِيدٍ ﴾ لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب في العدل، فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله تعالى، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً.

ثم قال: ﴿ الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ﴾ أي كثير الإحسان بهم، وإنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله بعباده، وأيضاً المتفرقون استوجبوا العذاب الشديد، ثم إنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم ودفع أعظم المضار عنهم، لا جرم حسن ذكره هاهنا، ثم قال: ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ﴾ يعني أن أصل الإحسان والبر عام في حق كل العباد، وذلك هو الإحسان بالحياة والعقل والفهم، وإعطاء ما لابد منه من الرزق، ودفع أكثر الآفات والبليات عنهم، فأما مراتب العطية والبهجة فمتفاوتة مختلفة.

ثم قال: ﴿ وهو القوي ﴾ أي القادر على كل ما يشاء ﴿ العزيز ﴾ الذي لا يغالب ولا يدافع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَلِذَلِكَ ﴾ فلأجل التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعباً ﴿ فادع ﴾ إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القديمة ﴿ واستقم ﴾ عليها وعلى الدعوة إليها كما أمرك الله ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ المختلفة الباطنة بما أنزل الله من كتاب، أيّ كتاب صحّ أنّ الله أنزله، يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة؛ لأنّ المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، كقوله تعالى: ﴿ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ [النساء: 150] إلى قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً ﴾ [النساء: 151] ﴿ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إليّ ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ أي لا خصومة: لأنّ الحق قد ظهر وصرتم محجوبين به فلا حاجة إلى المحاجة.

ومعناه: لا إيراد حجة بيننا؛ لأنّ المتحاجين: يورد هذا حجته وهذا حجته ﴿ الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا ﴾ يوم القيامة فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم؛ وهذه محاجزة ومتاركة بعد ظهور الحق وقيام الحجة والإلزام.

فإن قلت: كيف حوجزوا وقد فعل بهم بعد ذلك ما فعل من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟

قلت: المراد محاجزتهم في مواقف المقاولة لا المقاتلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلِذَلِكَ ﴾ فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ أوِ الكِتابِ، أوِ العِلْمِ الَّذِي أُوتِيتَهُ.

﴿ فادْعُ ﴾ إلى الِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ أوِ الِاتِّباعِ لِما أُوتِيتَ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في مَوْضِعِ إلى لِإفادَةِ الصِّلَةِ والتَّعْلِيلِ.

﴿ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ واسْتَقِمْ عَلى الدَّعْوَةِ كَما أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى.

﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ ﴾ الباطِلَةَ.

﴿ وَقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ﴾ يَعْنِي جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ لا كالكُفّارِ الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ.

﴿ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ في تَبْلِيغِ الشَّرائِعِ والحُكُوماتِ، والأوَّلُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ وهَذا إشارَةٌ إلى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ.

﴿ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ ﴾ خالِقُ الكُلِّ ومُتَوَلِّي أمْرِهِ.

﴿ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ وكُلٌّ مُجازًى بِعَمَلِهِ.

﴿ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ ﴾ لا حِجاجَ بِمَعْنى لا خُصُومَةَ إذِ الحَقُّ قَدْ ظَهَرَ ولَمْ يَبْقَ لِلْمُحاجَّةِ مَجالٌ ولا لِلْخِلافِ مَبْدَأٌ سِوى العِنادِ.

﴿ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ وَإلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ مَرْجِعُ الكُلِّ لِفَصْلِ القَضاءِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى مُتارَكَةِ الكُفّارِ رَأْسًا حَتّى تَكُونَ مَنسُوخَةً بِآيَةِ القِتالِ.

﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ ﴾ في دِينِهِ.

﴿ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ﴾ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ لَهُ النّاسُ ودَخَلُوا فِيهِ، أوْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ فَأظْهَرَ دِينَهُ بِنَصْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ لَهُ أهْلُ الكِتابِ بِأنْ أقَرُّوا بِنُبُوَّتِهِ واسْتَفْتَحُوا بِهِ.

﴿ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ زائِلَةٌ باطِلَةٌ.

﴿ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ لِمُعانَدَتِهِمْ.

﴿ وَلَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ عَلى كُفْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَلِذَلِكَ} فلأجل ذلك التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعباً {فادع} إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القوية {واستقم} عليها وعلى الدعوة إليها {كَمَا أُمِرْتَ} كما أمرك الله {ولا تتبع أهواءهم} المختلفة الباطلة {وقل آمنت بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب} بأي كتاب صح أن الله تعالى أنزله يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض كفوله وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ إلى قوله اولئك هم الكافرون حقا {وَأُمِرْتُ لأَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ} في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إليّ {الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} أي كلنا عبيده {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} هو كفوله لكم دينكم ولى دين ويجوز أن يكون معناه إنا لا نؤاخذ بأعمالكم وأنتم لا تؤاخذون بأعمالنا {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} أي لا خصومة لأن الحق قد ظهر وصرتم محجوجين به فلا حاجة إلى المحاجة ومعناه لا إيراد حجة بيننا لأن المتحاجين يورد هذا حجته وهذا حجته {الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا} يوم القيامة {وإليه المصير} المرجع لفصل لاقضاء فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلِذَلِكَ ﴾ أيْ إذا كانَ اَلْأمْرُ كَما ذُكِرَ فَلِأجْلِ ذَلِكَ اَلتَّفَرُّقِ ولِما حَدَثَ بِسَبَبِهِ مِن تَشَعُّبِ اَلْكَفْرِ في اَلْأُمَمِ اَلسّالِفَةِ شُعَبًا ﴿ فادْعُ ﴾ إلى اَلِائْتِلافِ والِاتِّفاقِ عَلى اَلْمِلَّةِ اَلْحَنِيفِيَّةِ اَلْقَدِيمَةِ ﴿ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ أيِ اُثْبُتْ عَلى اَلدُّعاءِ كَما أُوحِيَ إلَيْكَ، وقِيلَ: اَلْإشارَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ ﴾ وما يَتَّصِلُ بِهِ ونُقِلَ عَنِ اَلْواحِدِيِّ أيْ ولِأجْلِ ذَلِكَ مِنَ اَلتَّوْصِيَةِ اَلَّتِي شُورِكْتَ فِيها مَعَ نُوحٍ ومَن بَعْدَهُ ولِأجْلِ ذَلِكَ اَلْأمْرِ بِالإقامَةِ والنَّهْيِ عَنِ اَلتَّفَرُّقِ فادْعُ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أنْ أقِيمُوا ﴾ شَمِلَ اَلنَّبِيَّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْباعَهُ كَما سَمِعْتَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴾ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلِذَلِكَ فادْعُ ﴾ إلَخْ لا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ لِما يَظْهَرُ مِنَ اَلتَّكْرارِ وهو تَفَرُّعُ اَلْأمْرِ عَنِ اَلْأمْرِ، وأمّا تَسَبُّبُهُ عَنْ تَفَرُّقِهِمْ فَظاهِرٌ عَلى مَعْنى فَلِما أحْدَثُوا مِنَ اَلتَّفَرُّقِ وأبْدَعُوا فاثْبُتْ أنْتَ عَلى اَلدُّعاءِ اَلَّذِي أُمِرْتَ بِهِ واسْتَقِمْ وهَذا ظاهِرٌ لِلْمُتَأمِّلِ.

ومِنَ اَلنّاسِ مَن جَعَلَ اَلْمُشارَ إلَيْهِ اَلشَّرْعَ اَلسّابِقَ ولَمْ يُدْخِلْ فِيهِ اَلْأمْرَ بِالإقامَةِ لِئَلّا يَلْزَمَ اَلتَّكْرارُ أيْ فَلِأجْلِ أنَّهُ شَرَعَ لَهُمُ اَلدِّينَ اَلْقَوِيمَ اَلْقَدِيمَ اَلْحَقِيقَ بِأنْ يَتَنافَسَ فِيهِ اَلْمُتَنافِسُونَ فادْعُ، وقِيلَ: هو اَلْكِتابُ، وقِيلَ: هو اَلْعِلْمُ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ وقِيلَ: هو اَلشَّكُّ ورُجِّحَ بِالقُرْبِ ولَيْسَ بِذاكَ، واللّامُ عَلى جَمِيعِ اَلْأقْوالِ اَلْمَذْكُورَةِ لِلتَّعْلِيلِ، وقِيلَ: عَلى بَعْضِها هي بِمَعْنى إلى صِلَةِ اَلدُّعاءِ فَما بَعْدَها هو اَلْمَدْعُوُّ إلَيْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ في إرادَةِ ذَلِكَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى إلى فَإنَّ اَلدُّعاءَ يَتَعَدّى بِها أيْضًا كَما في قَوْلِهِ: دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرا ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ اَلْفَرّاءِ والزَّجّاجِ، وأيًّا ما كانَ فالفاءُ اَلْأُولى واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ والفاءُ اَلثّانِيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى، وقِيلَ: كانَ اَلنّاسُ بَعْدَ اَلطُّوفانِ أُمَّةً واحِدَةً مُوَحِّدِينَ فاخْتَلَفَ أبْناؤُهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ حِينَ بَعَثَ اَللَّهُ تَعالى اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وجَعَلَ ضَمِيرَ (تَفَرَّقُوا) لِأخْلافِ أُولَئِكَ اَلْمُوَحِّدِينَ واَلَّذِينَ أُورِثُوا اَلْكِتابَ باقٍ عَلى ما تَقَدَّمَ والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقِيلَ: ضَمِيرُ تَفَرَّقُوا لِأهْلِ اَلْكِتابِ تَفَرَّقُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بِمَبْعَثِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ وإنَّما تَفَرَّقُوا حَسَدًا لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لا لِشُبْهَةٍ، والمُرادُ بِاَلَّذِينِ أُورِثُوا اَلْكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ وأحْزابُهم لِأنَّهم أُورِثُوا اَلْقُرْآنَ فالكِتابُ اَلْقُرْآنُ وضَمِيرُ مِنهُ لَهُ وقِيلَ لِلرَّسُولِ وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ، واخْتارَ كَوْنَ اَلْمُتَفَرِّقِينَ أهْلَ اَلْكِتابِ اَلْيَهُودَ والنَّصارى والمُورَثِينَ اَلشّاكِّينَ مُشْرِكِي مَكَّةَ وأحْزابَهم شَيْخُ اَلْإسْلامِ واسْتَظْهَرَ اَلْخِطابَ في ﴿ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ لِأُمَّتِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وتَعَقَّبَ اَلْقَوْلَ بِكَوْنِ اَلْمُتَفَرِّقِ كُلَّ أُمَّةٍ بَعْدَ نَبِيِّها والقَوْلَ بِكَوْنِهِ أخْلافَ اَلْمُوَحِّدِينَ اَلَّذِينَ كانُوا بَعْدَ اَلطُّوفانِ فَقالَ: يَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ فَإنَّ مَشاهِيرَ اَلْأُمَمِ اَلْمَذْكُورَةِ قَدْ أصابَهم عَذابُ اَلِاسْتِئْصالِ مِن غَيْرِ إنْظارٍ وإمْهالٍ عَلى أنَّ مَساقَ اَلنَّظْمِ اَلْكَرِيمِ لِبَيانِ أحْوالِ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وإنَّما ذَكَرَ مَن ذَكَرَ مِنَ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ لِتَحْقِيقِ أنَّ ما شُرِعَ لِهَؤُلاءِ دِينٌ قَدِيمٌ أجْمَعَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ اَلْأعْلامُ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تَأْكِيدَ اَلْوُجُوبِ إقامَتَهُ وتَشْدِيدًا لِلزَّجْرِ عَنِ اَلتَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ فِيهِ فالتَّعَرُّضُ لِبَيانِ تَفَرُّقِ أُمَمِهِمْ عَنْهُ رُبَّما يُوهِمُ اَلْإخْلالَ بِذَلِكَ اَلْمَرامِ اِنْتَهى.

وأُجِيبَ عَنِ اَلْأوَّلِ بِأنَّ ضَمِيرَ ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ لِأُولَئِكَ اَلَّذِينَ تَفَرَّقُوا وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ اَلْمُرادَ بِهِمُ اَلْمُتَفَرِّقُونَ بَعْدَ وفاةِ أنْبِيائِهِمْ وهم لَمْ يُصِبْهم عَذابُ اَلِاسْتِئْصالِ وإنَّما أصابَ اَلَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا في عَهْدِ أنْبِيائِهِمْ وإطْلاقُ اَلْمُتَفَرِّقِينَ لَيْسَ بِذاكَ اَلظُّهُورِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ لَقُضِيَ بَيْنَهم رَيْثَما اِفْتَرَقُوا ولَمْ يُمْهَلُوا أعْوامًا، وقِيلَ: اَلْمُرادُ لَقُضِيَ بَيْنَهم بِإهْلاكِ اَلْمُبْطِلِينَ وإثابَةِ اَلْمُحِقِّينَ إثابَتَهم في اَلْعُقْبى وهو كَما تَرى، وعَنِ اَلثّانِي بِأنّا لا نُسَلِّمُ إيهامَ اَلتَّعَرُّضِ لِبَيانِ تَفَرُّقِ اَلْأُمَمِ اَلْإخْلالَ بِالمَرامِ بَعْدَ بَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ أنْ جاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بِأنَّهُ ضَلالٌ وفَسادٌ وأمْرٌ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ وأنَّهُ كانَ بَغْيًا بَيْنَهم ولَمْ يَكُنْ لِشُبْهَةٍ في صِحَّةِ اَلدِّينِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ تَفَرَّقُوا ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ﴾ .

حُكِيَ في اَلْبَحْرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: وما تَفَرَّقُوا يَعْنِي قُرَيْشًا والعِلْمُ مُحَمَّدٌ صَلّى تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ اَلْآيَةَ، وقَدْ يُقالُ عَلَيْهِ: اَلْمُرادُ بِاَلَّذِينِ أُورِثُوا اَلْكِتابَ أهْلُ اَلْكِتابِ اَلَّذِينَ عاصَرُوا اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَعْنى مِن بَعْدِهِمْ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ مَن بَعْدَ أسْلافِهِمْ.

ونَقَلَ اَلطَّبْرَسِيُّ عَنِ اَلسُّدِّيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اَلْمُرادَ مِن بَعْدِ أحْبارِهِمْ وفُسِّرَ اَلْمَوْصُولُ بِعَوامِّ أهْلِ اَلْكِتابِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ بَعْدِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ أيْضًا والبَعْدِيَّةُ رُتَبِيَّةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: (والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها) ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ لا بَأْسَ بِعَوْدِ ضَمِيرِ ﴿ تَفَرَّقُوا ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ لَوْ وُجِدَ لِلَّذِينِ أُورِثُوا اَلْكِتابَ تَوْجِيهٌ يَقَعُ في حَيِّزِ اَلْقَبُولِ واَللَّهُ تَعالى اَلْمُوَفِّقُ، وجُعِلَ مُتَعَلِّقُ ”اِسْتَقِمْ“ اَلدُّعاءِ لا تَخْفى مُناسَبَتُهُ.

وجُوِّزَ جَعْلُهُ عامّا فَيَكُونُ اِسْتَقِمْ أمْرًا بِالِاسْتِقامَةِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، والِاسْتِقامَةُ أنْ يَكُونَ عَلى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ، وفَسَّرَها اَلرّاغِبُ بِلُزُومِ اَلْمَنهَجِ اَلْمُسْتَقِيمِ فَلا حاجَةَ إلى اَلتَّأْوِيلِ بِالدَّوامِ عَلى اَلِاسْتِقامَةِ أيْ دُمْ عَلى اَلِاسْتِقامَةِ ﴿ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ ﴾ أيْ شَيْئًا مِن أهْوائِهِمُ اَلْباطِلَةِ عَلى أنَّ اَلْإضافَةَ لِلْجِنْسِ ﴿ وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ﴾ أيْ بِجَمِيعِ اَلْكُتُبِ اَلْمُنْزَلَةِ لِأنَّ ما مِن أدَواتِ اَلْعُمُومِ، وتَنْكِيرُ (كِتابٍ) اَلْمُبَيَّنُ مُؤَيِّدٌ لِذَلِكَ، وفي هَذا اَلْقَوْلِ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وبَيانٌ لِاتِّفاقِ اَلْكُتُبِ في اَلْأُصُولِ وتَأْلِيفٌ لِقُلُوبِ أهْلِ اَلْكِتابَيْنِ وتَعْرِيضٌ بِهِمْ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِها ﴿ وأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ أيْ أمَرَنِي اَللَّهُ تَعالى بِما أمَرَنِي بِهِ لِأعْدِلَ بَيْنَكم في تَبْلِيغِ اَلشَّرائِعِ والأحْكامِ فَلا أخُصُّ بِشَيْءٍ مِنها شَخْصًا دُونَ شَخْصٍ وقِيلَ: لِأعْدِلَ بَيْنَكم في اَلْحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ، وقِيلَ: بِتَبْلِيغِ اَلشَّرائِعِ وفَصْلِ اَلْخُصُومَةِ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقِيلَ: لِأُسَوِّيَ بَيْنِي وبَيْنَكم ولا آمُرَكم بِما لا أعْمَلُهُ ولا أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ولا أُفَرِّقَ بَيْنَ أصاغِرِكم وأكابِرِكم في إجْراءِ حُكْمِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: اَللّامُ مَزِيدَةٌ أيْ أُمِرْتُ أنْ أعْدِلَ ويَحْتاجُ لِتَقْدِيرِ اَلْباءِ أيْ بِأنْ أعْدِلَ، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ ﴿ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ ﴾ أيْ خالِقُ اَلْكُلِّ ومُتَوَلِّي أمْرِهِ فَلَيْسَ اَلْمُرادُ خُصُوصَ اَلْمُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ ﴿ لَنا أعْمالُنا ﴾ لا يَتَخَطّانا جَزاؤُها ثَوابًا كانَ أوْ عِقابًا ﴿ ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ لا يُجاوِزُكم آثارُها لِنَنْتَفِعَ بِحَسَناتِكم ونَتَضَرَّرَ بِسَيِّئاتِكم ﴿ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ ﴾ أيْ لا اِحْتِجاجَ ولا خُصُومَةَ لِأنَّ اَلْحَقَّ قَدْ ظَهَرَ فَلَمْ يَبْقَ لِلِاحْتِجاجِ حاجَةٌ ولا لِلْمُخالَفَةِ مَحْمَلٌ سِوى اَلْمُكابَرَةِ والعِنادِ، وجاءَتِ اَلْحُجَّةُ هُنا عَلى أصْلِها فَإنَّها في اَلْأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اَلِاحْتِجاجِ كَما ذَكَرَهُ اَلرّاغِبُ وشاعَتْ بِمَعْنى اَلدَّلِيلِ ولَيْسَ بِمُرادٍ ﴿ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا ﴾ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ﴿ وإلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ فَيَفْصِلُ سُبْحانَهُ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ، ولَيْسَ في اَلْآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى مُتارَكَةِ اَلْكُفّارِ رَأْسًا حَتّى تَكُونَ مَنسُوخَةً بِآيَةِ اَلسَّيْفِ، وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّ ما يَظْهَرُ مِنها اَلْمُوادَعَةُ اَلْمَنسُوخَةُ بِتِلْكَ اَلْآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: هو خالق السموات والأرض، جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يعني: أصنافاً ذكراً، وأنثى، وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يعني: أصنافاً، ذكراً، وأنثى.

وقال القتبي: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يعني: من جنسكم إناثاً، وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يعني: إناثاً، يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ يعني: يخلقكم فيه.

أي: من الرحم.

وقال الكلبي: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ يعني: يكثرهم في التزويج.

وقال مقاتل: يعيشكم فيما جعل لكم من الذكور والإناث من الأنعام.

ثم قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في القدرة.

وقال أهل اللغة: هذا الكاف مؤكدة.

أي: ليس مثله شيء.

ويقال: المثل صلة في الكلام.

يعني: ليس هو كشيء، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ يعني: هو السميع لمقالتهم، البصير بهم وبأعمالهم.

ومعنى الآية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لأنه الخالق، العالم بكل شيء، والقادر على ما يشاء، الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255] وهذه المعاني بعيدة من غيره.

ثم قال عز وجل: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والأرض وهو المطر، وخزائن الأرض وهو النبات، يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ يعني: يوسع الرزق على من كان صلاحه في ذلك، وَيَقْدِرُ يعني: يقتر على من كان صلاحه في ذلك، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من البسط، والتقتير.

قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ قال مقاتل: أي: بيّن لكم الدين، وهو الإسلام.

ومِنَ هاهنا صلةِ وقال الكلبي: اختار لكم من الدين.

ومعناه: اختار لكم ديناً من الأديان، وأكرمكم به.

ثم قال: مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً يعني: الدين الذي أمر به نوحاً أن يدعو الخلق إليه، وأن يستقيم عليه، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يعني: الذي أوحينا إليك بأن تدعو الناس إليه: وَما وَصَّيْنا بِهِ يعني: والدين الذي أمرنا به إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى ثم بيّن ما أمرهم به، فقال: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ يعني: أقيموا التوحيد، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ يعني: لا تختلفوا في التوحيد، كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يعني: على مشركي مكة مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وهو التوحيد.

وقال أبو العالية: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ قال: الإخلاص لله في عبادته، لا شريك له، ولا تتفرقوا فيه.

قال: لا تتعالوا فيه، وكونوا عباد الله إخواناً كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ يعني: الإخلاص لله تعالى.

ويقال: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ يعني: ارفقوا في الدين.

اتفقوا ولا تتفرقوا فيه.

يعني: لا تختلفوا فيه، كما اختلف أهل الكتاب.

ثم قال: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ أي: يختار لدينه من يشاء، من كان أهلاً لذلك، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ يعني: يرشد إلى دينه، مَنْ يقبل إليه.

ويقال: يهدي من كان في علمه السابق أنه يتوب ويرجع.

ويقال: مَنْ يُنِيبُ يعني: من يجتهد بقلبه.

كما قال: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا قوله تعالى: وَما تَفَرَّقُوا يعني: مشركي مكة ما تفرقوا في الدين، إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ في كتابهم.

يعني: جاءهم محمد بالبينات.

ويقال: وَما تَفَرَّقُوا يعني: أهل الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ ما جاءهم العلم في كتابهم.

يعني: من نعت محمد  بَغْياً بَيْنَهُمْ يعني: حسداً فيما بينهم، لأنه كان من العرب.

وروى معمر عن قتادة أنه تلى: وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ قال: إياكم والفرقة فإنها مهلكة.

وروي في الخبر: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ آفَة وآفَةُ الدِّينِ الهَوَى» .

ثم قال: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني: بتأخير العذاب إلى وقت معلوم.

لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يعني: لفرغ منهم بالهلاك.

وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ يعني: أُعْطُوا التَّوْرَاة، والإنجيل، مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: من بعد نوح، وإبراهيم.

وقال مقاتل: يعني: من بعد الأنبياء لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يعني: من القرآن مُرِيبٍ أي: ظاهر الشك.

وقوله تعالى: فَلِذلِكَ فَادْعُ يعني: فإلى ذلك ادعهم يعني: إلى القرآن، ويقال: إلى التوحيد وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ يعني: استقم عليه كما أمر وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يعني: لا تعمل بهواهم، وذلك حين دعوه إلى ملة آبائه وَقُلْ آمَنْتُ يعني: صدقت بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ يعني: بجميع ما أنزل الله من الكتب عليَّ وعلى من كان قبلي وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ وهو الدعوة إلى التوحيد، وإلى قول: لا إله إلا الله اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ يعني: خالقنا وخالقكم لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ يعني: لنا ديننا، ولكم دينكم لاَ حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ يعني: لا خصومة بيننا وبينكم، يوم القيامة وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يعني: إليه المرجع في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

شواهِدُ كثيرة، وذهب الطَّبَرِيُّ «١» وغيره إلى أَنَّ المعنى: ليس كهو شيء، وقالوا: لفظة مَثَلُ في الآية توكيدٌ، وواقعةٌ موقع «هو» ، و «المقاليد» : المفاتيحُ قاله ابن عبَّاس وغيره «٢» ، وقال مجاهد هذا أصلها بالفارسيّة «٣» ، وهي هاهنا استعارة لوقوعِ كُلِّ أمرٍ تَحْتَ قدرته سبحانه، وقال السُّدِّيُّ: المقاليدُ: الخزائن «٤» ، وفي اللفظ على هذا حذفُ مضافٍ، قال قتادة: مَنْ ملك مقاليد خزائن، فالخزائن في ملكه «٥» .

وقوله سبحانه: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً ...

الآية، المعنى: شرع لكم وبَيَّنَ مِنَ المعتقدات والتوحيدِ ما وصى به نوحاً قَبْلُ.

وقوله: وَالَّذِي عطف على مَا، وكذلك ما ذكر بَعْدُ مِنْ إقامة الدِّينِ مشروعٌ اتفقت النُّبُوَّاتُ فِيهِ وذلك في المعتَقَدَاتِ، وأَمَّا الأحكامُ بانفرادها فَهِيَ في الشرائعِ مختلفةٌ، وهي المرادُ في قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨] وإقامة الدين هو توحيدُ اللَّهِ ورَفْضُ سِوَاهُ.

وقوله تعالى: وَلا تَتَفَرَّقُوا: نَهْيٌ عن المُهْلَكِ مِنْ تفرُّق الأنحاء والمذاهب، والخيرُ كُلُّه في الأُلْفَةِ واجتماع الكلمة، ثم قال تعالى لنبيّه ع: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: من توحيد اللَّه ورَفْضِ الأوثان قال قتادة: كَبُرَ عليهم «لا إله إلا اللَّه» وأبى اللَّه إلاَّ نَصْرها «٦» ، ثم سَلاَّه تعالى عنهم بقوله: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ ...

الآية،

أي: يختار ويصطفي قاله مجاهد وغيره «١» ويُنِيبُ يرجع عنِ الكُفْرِ ويحرص على الخير ويطلبه.

وَما تَفَرَّقُوا يعني: أوائل اليهود والنصارى إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ.

وقوله: بَغْياً بَيْنَهُمْ أي: بغى بعضُهم على بَعْضٍ، وأدَّاهم ذلك إلى اختلاف الرأْي وافتراقِ الكلمةِ، والكلمة السابقة قال المفسرون: هي حتمه تعالى القضاءَ بأَنَّ مجازاتهم إنَّما تقع في الآخرة، ولولا ذلك لَفَصَلَ بينهم في الدنيا، وغَلَّبَ المُحِقَّ على المُبْطِلِ.

وقوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ إشارة إلى معاصري نَبِيِّنا محمد- عليه السلام- من اليهود والنصارى.

وقيل: هو إشارة إلى العرب والكتاب على هذا هو القرآن، والضمير في قوله:

لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يحتمل أنْ يعودَ على الكتاب، أو على محمد، أو على الأجل المسمى، أي: في شَكٍّ من البعث على قول مَنْ رأى أَنَّ الإشارة إلى العرب، ووَصَفَ الشَّكّ ب مُرِيبٍ مبالغة فيه، واللام في قوله تعالى: فَلِذلِكَ فَادْعُ قالت فرقة: هي بمنزلة «إلى» كأنه قال: فإلى ما وَصَّى به الأنبياءَ من التوحيدِ فادع، وقالت فرقة: بل هي بمعنى «من أجل» كأنه قال: من أجلِ أَنَّ الأمر كذا وكذا، ولكونه كذا فادع أَنْتَ إلى ربك، وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ به، وقال الفخر «٢» : يعني فلأجلِ ذلك التفرُّقِ، ولأجْلِ ما حَدَثَ من الاختلافاتِ الكثيرةِ في الدينِ فادع إلى الاتفاقِ على المِلَّةِ الحنيفيَّة، واستقِمْ عليها وعلى الدعوة إليها كما أمرك اللَّه، ولا تتّبع أهواءهم الباطلة، انتهى، وخوطب ع بالاستقامة، وهو قد كان مستقيماً بمعنى: دُمْ على استقامتك، وهكذا الشَّأْنُ في كُلِّ مأمورٍ بشيءٍ هو مُتَلَبِّسٌ به، إنَّما معناه الدوام، وهذه الآية ونحوها كانت نُصْبَ عَيْنَي النبيِّ ع، وكانت شديدة الموقع من نفسه، أعني قوله تعالى: وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ، لأنَّها جملة تحتها جمِيعُ الطاعاتِ وتكاليفُ النبوَّة، وفي هذا المعنى- قال عليه السلام-: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُها» ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللَّه؟

فَقَالَ: لأَنَّ فِيهَا: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ «٣» [هود: ١١٢] وهذا الخطاب له ع بحسب قوّته في أمر الله عز وجل، وقال:

هو لأُمَّتِهِ بحسب ضعفهم: استقيموا ولن تحصوا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلِذَلِكَ فادْعُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَإلى ذَلِكَ، تَقُولُ: دَعَوْتُ إلى فُلانٍ، ودَعَوْتُ لِفُلانٍ، و "ذَلِكَ" بِمَعْنى "هَذا"؛ ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّوْحِيدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ، لِأنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: المَعْنى: أُمِرْتُ كَيْ أعْدِلَ.

وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: أُمِرْتُ بِالعَدْلِ.

وتَقَعُ "أُمِرْتُ" عَلى "أنْ"، وعَلى "كَيْ"، وعَلى "اللّامِ"؛ يُقالُ: أُمِرْتُ أنْ أعْدِلَ، وكَيْ أعْدِلَ، ولِأعْدِلَ.

ثُمَّ في ما أُمِرَ أنْ يَعْدِلَ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في الأحْكامِ إذا تَرافَعُوا إلَيْهِ.

والثّانِي: في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ ﴾ أيْ: هو إلَهُنا وإنِ اخْتَلَفْنا، فَهو يُجازِينا بِأعْمالِنا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ لَنا أعْمالُنا ﴾ أيْ: جَزاؤُها.

﴿ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: لا خُصُومَةَ بَيْنَنا وبَيْنَكم.

* فَصْلٌ وَفِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّها اقْتَضَتِ الِاقْتِصارَ عَلى الإنْذارِ، وذَلِكَ قَبْلَ القِتالِ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ السَّيْفِ فَنَسَخَتْها، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناها: إنَّ الكَلامَ -بَعْدَ ظُهُورِ الحُجَجِ والبَراهِينِ- قَدْ سَقَطَ بَيْنَنا، فَعَلى هَذا هي مُحْكَمَةٌ، حَكاهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ.

قالَ قَتادَةُ: هُمُ اليَهُودُ، قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنكم.

وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ: هُمُ المُشْرِكُونَ، طَمِعُوا أنْ تَعُودَ الجاهِلِيَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إجابَةِ النّاسِ إلى الإسْلامِ ﴿ حُجَّتُهم داحِضَةٌ ﴾ أيْ: خُصُومَتُهم باطِلَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فَلِذَلِكَ" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَنزِلَةِ "إلى"، كَما قالَ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها  ﴾ أيْ: إلَيْها، كَأنَّهُ قالَ: فَإلى ما وصّى بِهِ الأنْبِياءَ مِنَ التَوْحِيدِ فادْعُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي بِمَعْنى "مِن أجْلِ"، كَأنَّهُ قالَ: فَمِن أجْلِ أنَّ الأمْرَ كَذا ولِكَوْنِهِ كَذا، فادْعُ أنْتِ إلى رَبِّكَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ.

وخُوطِبَ  بِأمْرِ الِاسْتِقامَةِ، وهو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ كانَ مُسْتَقِيمًا، بِمَعْنى: دُمْ عَلى اسْتِقامَتِكَ، وهَكَذا الشَأْنُ في كُلِّ مَأْمُورٍ بِشَيْءٍ هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ إنَّما مَعْناهُ الدَوامُ، وهَذِهِ الآيَةُ ونَحْوَها كانَتْ نَصْبُ عَيْنِ النَبِيِّ  ، وكانَتْ شَدِيدَةُ المَوْقِعِ مِن نَفْسِهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ لِأنَّها جُمْلَةً تَحْتَها جَمِيعُ الطاعاتِ وتَكالِيفِ النُبُوَّةِ، وفي هَذا المَعْنى قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها"،» فَقِيلَ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ؟

فَقالَ: لِأنَّ فِيها ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ  ﴾ ، وهَذا الخِطابُ لَهُ  بِحَسَبِ قُوَّتِهِ في أمْرِ اللهِ تَعالى، وقالَ هو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِأُمَّتِهِ بِحَسَبِ ضَعْفِهِمِ: « "اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ ﴾ يَعْنِي: قُرَيْشًا فِيما كانُوا يَهْوَوْنَهُ مِن أنْ يُعَظِّمَ مُحَمَّدٌ  آلِهَتَهم وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُؤْمِنَ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، وهو أمْرٌ يَعُمُّ سائِرَ أُمَّتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ : قالَتْ فِرْقَةٌ: اللامُ" في ﴿ "لأعْدِلَ" ﴾ بَمَعْنى: أنْ، لَأنَّ التَقْدِيرَ: بِأنَّ أعْدِلَ بَيْنَكم.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: وأمَرْتُ بِما أُمِرْتُ بِهِ مِنَ التَبْلِيغِ والشَرْعِ لِكَيْ أعْدِلَ، فَحَذَفَ مِنَ الكَلامِ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ مَنسُوخٌ ما فِيهِ مِن مُوادَعَةٍ بِآيَةِ السَيْفِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ ﴾ أيْ: لا جِدالَ ولا مُناظَرَةَ، قَدْ وضَحَ الحَقُّ وأنْتُمْ تُعانِدُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا ﴾ وعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللهِ ﴾ : قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، ومُجاهِدٌ: إنَّها نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ الناسِ عَنِ الإسْلامِ وإضْلالِهِمْ ومُجادَلَتِهِمْ بِأنْ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، فَدِينُنا أفْضَلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، لِأنَّها كانَتْ أبَدًا تُحاوِلُ هَذا المَعْنى، وتَطْمَعُ في رَدِّ الجاهِلِيَّةِ، وُ ﴿ يُحاجُّونَ في اللهِ ﴾ مَعْناهُ: في تَوْحِيدِ اللهِ، أيْ: بِالإبْطالِ والإلْحادِ وما أشْبَهَ، والضَمِيرُ فِي: ﴿ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُوَدَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: بَعْدَ ما دَخَلَ في دِينِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُوَدَ عَلى الدِينِ والشَرْعِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى مُحَمَّدٍ  ، و"داحِضَةٌ" مَعْناهُ: زاهِقَةٌ.

والدَحْضُ: الزَلَقُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء للتفريع على قوله: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ [الشورى: 13] إلى آخره، المفسر بقوله: ﴿ أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ﴾ [الشورى: 13] المخلل بعضه بجمل معترضة من قوله: ﴿ كبر على المشركين إلى من ينيب ﴾ [الشورى: 13].

واللام يجوز أن تكون للتعليل وتكونَ الإشارة بذلك إلى المذكور، أي جميع ما تقدم من الأمر بإقامة الدّين والنهي عن التفرق فيه وتلقي المشركين للدعوة بالتجهم وتلقي المؤمنين لها بالقبول والإنابة، وتلقي أهل الكتاب لها بالشك، أي فلأجل جميع ما ذكر فادعُ واستقِم، أي لأجل جميع ما تقدم من حصول الاهتداء لمن هداهم الله ومن تبرم المشركين ومن شك أهل الكتاب فادْع.

ولم يذكر مفعول (ادْع) لدلالة ما تقدم عليه، أي ادع المشركين والذين أوتوا الكتاب والذين اهتدوا وأنابوا.

وتقديم (لذلك) على متعلقه وهو فعل (ادع) للاهتمام بما احتوى عليه اسم الإشارة إذ هو مجموع أسباب للأمر بالدوام على الدعوة.

ويجوز أن تكون اللام في قوله: ﴿ فلذلك ﴾ لامَ التقوية وتكون مع مجرورها مفعول (ادعُ).

والإشارة إلى ﴿ شرع لكم من الدين ﴾ [الشورى: 13] أي فادع لذلك الدّين.

وتقديم المجرور على متعلَّقه للاهتمام بالدّين.

وفعل الأمر في قوله: فادع } مستعمل في الدّوام على الدّعوة كقوله: ﴿ يا أيها الذّين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ﴾ [النساء: 136]، بقرينة قوله: ﴿ كما أُمرت ﴾ ، وفي هذا إبطال لشبهتهم في الجهة الثالثة المتقدمة عند قوله تعالى: ﴿ كَبُر على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ [الشورى: 13].

والفاء في قوله: ﴿ فادع ﴾ يجوز أن تكون مؤكدة لفاء التفريع التي قبلها، ويجوز أن تكون مضمنة معنى الجزاء لما في تقديم المجرور من مشابهة معنى الشرط كما في قوله تعالى: ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ [يونس: 58].

والاستقامة: الاعتدال، والسين والتاء فيها للمبالغة مثل: أجاب واستجاب.

والمراد هنا الاعتدال المجازي وهو اعتدال الأمور النفسانية من التقوى ومكارم الأخلاق، وإنّما أُمر بالاستقامة، أي الدوام عليها، للإشارة إلى أن كمال الدعوة إلى الحق لا يحصل إلا إذا كان الداعي مستقيماً في نفسه.

والكاف في ﴿ كما أمرت ﴾ لتشبيه معنى المماثلة، أي دعوة واستقامة مثل الذي أمرت به، أي على وفاقه، أي وافية بما أمرت به.

وهذه الكاف مما يسمى كاف التعليل كقوله تعالى: ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ [البقرة: 198]، وليس التعليل من معاني الكاف في التحقيق ولكنه حاصلُ معنًى يعرض في استعمال الكاف إذا أريد تشبيه عاملها بمدخولها على معنى المطابقة والموافقة.

والاتِّباع يطلق مجازاً على المجاراة والموافقة، وعلى المحاكاة والمماثلة في العمل، والمراد هنا كِلا الإطلاقين ليرجع النهي إلى النهي عن مخالفة الأمرين المأمور بهما في قوله ﴿ فادع واستقم ﴾ .

وضمير ﴿ أهواءهم ﴾ للذين ذكروا من قبل من المشركين والذين أوتوا الكتاب، والمقصود: نهي المسلمين عن ذلك من باب ﴿ لَئن أشركتَ ليحبَطَنَّ عَمَلُك ﴾ [الزمر: 65] ألا ترى إلى قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ﴾ في سورة هود (112).

ويجوز أن يكون معنى ﴿ ولاَ تتبع أهواءَهم ﴾ لا تجارِهم في معاملتهم، أي لا يحملك طعنهم في دعوتك على عدم ذكر فضائل رُسلهم وهدي كتبهم عدا ما بدَّلوه منها فأعْلِن بأنك مؤمن بكتبهم، ولذلك عطف على قوله: ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ قولُه: ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ﴾ الآية، فموقع واو العطف فيه بمنزلة موقع فاء التفريع.

ويكون المعنى كقوله تعالى: ﴿ ولا يَجْرِمنَّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ في سورة المائدة (8).

والأهواء: جمع هوى وهو المحبة، وغلب على محبة ما لاَ نفع فيه، أي ادعهم إلى الحق وإن كرهوه، واستقم أنت ومن معك وإن عادَاكم أهل الكتاب فهم يحبون أن تتبعوا ملتهم، وهذا من معنى قوله: ﴿ ولن ترضَى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قُل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ﴾ [البقرة: 120].

وقوله: ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ﴾ بعد قوله: ﴿ فادع ﴾ أمرٌ بمخالفة اليهود إذ قالوا: ﴿ نؤمن ببعضٍ ﴾ [النساء: 150] يعنون التوراة، ﴿ ونكفر ببعضٍ ﴾ [النساء: 150] يعنون الإنجيل والقرآن، فأمر الرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون بالإيمان بالكتب الثلاثة الموحى بها من الله كما قال تعالى: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كلّه ﴾ [آل عمران: 119].

فالمعنى: وقل لمن يهمه هذا القول وهم اليهود.

وإنما أمر بأن يقول ذلك إعلاناً به وإبلاغاً لأسماع اليهود، فلا يقابِل إنكارَهم حقّيَّةَ كتابه بإنكاره حقّيّةَ كتابهم وفي هذا إظهار لِما تشتمل عليه دعوته من الإنصاف.

و ﴿ من كتاب ﴾ بيان لما أنزل الله، فالتنكير في ﴿ كتاب ﴾ للنوعية، أي بأي كتاب أنزله الله وليس يومئذٍ كتاب معروف غير التوراة والإنجيل والقرآن.

وضمير ﴿ بينكم ﴾ خِطاب للذين أمر بأن يُوجه هذا القول إليهم وهم اليهود، أي أمرت أن أقيم بينَكم العدل بأن أدعوكم إلى الحق ولا أظلمكم لأجل عداواتكم ولكني أنفذ أمر الله فيكم ولا أنتمي إلى اليهود ولا إلى النصارى.

ومعنى ﴿ بينكم ﴾ أنني أقيم العدل بينكم فلا ترون بينكم جوراً مني، ف (بين) هنا ظرف متحد غير موزَّع فهو بمعنى وسَط الجَمع وخلالَه، بخلاف (بين) في قول القائل: قضَى بين الخصمين أو قسم المال بين العفاة.

فليس المعنى: لأعدل بين فرقكم إذ لا يقتضيه السياق.

وفي هذه الآية مع كونها نازلة في مكة في زمن ضعف المسلمين إعجاز بالغيب يدل على أن الرّسول صلى الله عليه وسلم سيكون له الحكم على يهود بلاد العرب مثل أهل خيبر وتيماءَ وقُريظة والنضِير وبني قَيْنُقَاع، وقد عَدَل فيهم وأقرهم على أمرهم حتى ظاهروا عليه الأحزاب كما تقدم في سورة الأحزاب.

واللام في قوله: ﴿ لأعدل ﴾ لامٌ يكثر وقوعها بعد أفعال مادتَيْ الأمر والإرَادة، نحو قوله تعالى: ﴿ يُريد الله ليبيّنَ لكم ﴾ [النساء: 26]، وتقدم الكلام عليها وبعضهم يجعلها زائدة.

وجملة ﴿ الله ربنا وربكم ﴾ من المأمور بأن يقوله.

فهي كلها جملة مستأنفة عن جُملة ﴿ آمنت بما أنزل الله من كتاب ﴾ مقررةٌ لمضمونها لأن المقصود من جملة ﴿ الله ربنا وربكم ﴾ بِحذَافِرها هو قوله: ﴿ لا حجة بيننا وبينكم ﴾ فهي مقررة لمضمون ﴿ آمنت بما أنزل الله من كتاب ﴾ ، وإنما ابتدئت بجملتي ﴿ الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ تمهيداً للغرض المقصود وهو لا حجة بيننا وبينكم، فلذلك كانت الجمل كلّها مفصولة عن جملة ﴿ آمنت بما أنزل الله من كتاب وأُمرت لأعدل بينكم ﴾ .

والمقصود من قوله: ﴿ الله ربنا وربكم ﴾ أننا متفقون على توحيد الله تعالى كقوله تعالى: ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ﴾ [آل عمران: 64] الآية، أي فالله الشهيد علينا وعليكم إذ كذبتم كتاباً أنزل من عنده، فالخبر مستعمل في التسجيل والإلزام.

وجملة ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ دعوةُ إنصاف، أي أن الله يجازي كُلاً بعمله.

وهذا خبر مستعمل في التهديد والتنبيه على الخطأ.

وجملة ﴿ لا حجة بيننا وبينكم ﴾ هي الغرض المقصود بعد قوله ﴿ وأُمرت لأعدل بينكم ﴾ أي أعدل بينكم ولا أخاصمكم على إنكاركم صدقي.

والحجة: الدليل الذي يدلّ المسوق إليه على صدق دعوى القائم به وإنما تكون الحجة بين مختلِفين في دعوى.

ونفيُ الحجة نفي جنس يجوز أن يكون كناية عن نفي المجادلة التي من شأنها وقوع الاحتجاج كناية عن عدم التصدّي لخصومتهم فيكون المعنى الامساكُ عن مجادلتهم لأن الحق ظهر وهم مكابرون فيه وهذا تعريض بأن الجدال معهم ليس بذي جدوَى.

ويجوز أن يكون المنفي جنسَ الحجة المفيدةِ، بمعونة القرينة مثل: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.

والمعنى: أن الاستمرار على الاحتجاج عليهم بعد ما أظهر لهم من الأدلة يكون من العبث، وهذا تعريض بأنهم مُكَابرون.

وأيّاً مّا كان فليس هذا النفي مستعملاً في النهي عن التصدّي للاحتجاج عليهم فقد حاجّهم القرآن في آيات كثيرة نزلت بعدَ هذه وحاجّهم النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الرجم وقد قال الله تعالى: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ﴾ [العنكبوت: 46] فالاستثناء صريح في مشروعية مجادلتهم.

و (بين) المكررة في قوله: ﴿ بيننا وبينكم ﴾ ظرف موزع على جماعاتتِ أو أفرادِ ضمير المتكلم المشارَككِ.

وضمير المخاطبين، كما يقال: قَسم بينهم، وهذا مخالف ل (بين) المتقدم آنفاً.

والمراد بالجمع في قوله: ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ الحشر لفصل القضاء، فيومئذٍ يتبين المحق من المبطل، وهذا كلام منصف.

ولما كان مثل هذا الكلام لا يصدر إلا من الواثق بحقه كان خطابُهم به مستعملاً في المتاركة والمحاجزة، أي سأترك جدالكم ومحاجّتكم لقلة جدواها فيكم وأفوض أمري إلى الله يقضي بيننا يوم يجمعنا، فهذا تعريض بأن القضاء سيكون له عليهم.

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ للتقوّي، أي تحقيق وقوع هذا الجمع وإلا فإن المخاطبين وهم اليهود يثبتون البعث.

و (بَين) هنا ظرف موزَّع مثلُ الذي في قوله: ﴿ لا حجة بيننا وبينكم ﴾ .

وجملة ﴿ وإليه المصير ﴾ عطف على جملة ﴿ يجمع بيننا ﴾ .

والتعريف في ﴿ المصير ﴾ للاستغراق، أي مصير النّاس كلّهم، فبذلك كانت الجملة تذييلاً بما فيها من العموم، أي مصيرنا ومصيركم ومصير الخلق كلهم.

وهذه الجمل الأربع تقتضي المحاجزة بين المؤمنين وبين اليهود وهي محاجزة في المقاولة ومتاركة في المقاتلة في ذلك الوقت حتى أذن الله في قتالهم لما ظاهروا الأحزاب.

وليس في صيغ هذه الجمل ما يقتضي دوام المتاركة إذ ليس فيها ما يقتضي عموم الأزمنة فليس الأمر بقتال بعضهم بعد يوم الأحزاب ناسخاً لهذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: التَّوْحِيدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ فادْعُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاعْتَمِدْ.

الثّانِي: فاسْتَدْعِ.

﴿ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: واسْتَقِمْ عَلى أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عَلى القُرْآنِ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: فاسْتَقِمْ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الأحْكامِ.

الثّانِي: في التَّبْلِيغِ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا خُصُومَةَ بَيْنَنا وبَيْنَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ السُّدِّيُّ: وهَذِهِ قَبْلَ السَّيْفِ، وقَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ بِالجِزْيَةِ.

الثّانِي: مَعْناهُ فَإنَّكم بِإظْهارِ العَداوَةِ قَدْ عَدَلْتُمْ عَنْ طَلَبِ الحُجَّةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: مَعْناهُ إنّا قَدْ أُعْذِرْنا بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْكم فَلا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكم نَحْتاجُ إلى إقامَتِها عَلَيْكم.

وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وقَدْ سَألا رَسُولَ اللَّهِ  أنْ يَرْجِعَ عَنْ دَعْوَتِهِ ودِينِهِ إلى دِينِ قُرَيْشٍ عَلى أنْ يُعْطِيَهُ الوَلِيدُ نِصْفَ مالِهِ ويُزَوِّجَهُ شَيْبَةُ بِابْنَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة، ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ قال: أمر نبي الله- صلى الله عليه وسلم- ان يَعْدلَ فعدل، حتى مات.

والعدل، ميزان الله في الأرض، به يأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل، يصدق الله الصادق ويكذب الكاذب، وبالعدل، يرد المعتدي ويوبخه.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا حجة بيننا وبينكم ﴾ قال: لا خصومة بيننا وبينكم.

قوله تعالى: ﴿ والذين يحاجون في الله ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ والذين يُحَاجُّون في الله من بعد ما استجيب له ﴾ قال: هم أهل الكتاب، كانوا يجادلون المسلمين ويصدونهم عن الهدى من بعد ما استجابوا لله.

وقال: هم قوم من أهل الضلالة، وكان استجيب على ضلالتهم، وهم يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ﴾ قال: طمع رجال بأن تعود الجاهلية.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين يحاجون في الله ﴾ الآية قال: هم اليهود والنصارى، حاجوا المسلمين في ربهم، فقالوا: أنزل كتابنا قبل كتابتكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أولى بالله منكم، فأنزل الله: ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ﴾ [ آل عمران: 6] وأما قوله: ﴿ من بعد ما استجيب له ﴾ قال: من بعد ما استجاب المسلمون لله وصلوا لله.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ﴾ الآية قال: قال أهل الكتاب لأصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم- نحن أولى بالله منكم، فأنزل الله: ﴿ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم ﴾ يعني أهل الكتاب.

وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ [ النصر: 1] قال المشركون بمكة: لمن بين أظهرهم من المؤمنين، قد دخل الناس في دين الله أفواجاً، فاخرجوا من بين أظهرنا، فعلام تقيمون بين أظهرنا؟

فنزلت ﴿ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلِذَلِكَ فادع ﴾ أي إلى ذلك الذي شرع الله، فادع الناس فاللام بمعنى إلى، والإشارة بذلك إلى قوله شرع لكم من الدين أو إلى قوله: ما تدعوهم إليه وقيل: ءن اللام بمعنى أجل، والإشارة إلى التفرق والاختلاف، أي لأجل ما حدث من التفرق ادع إلى الله وعلى هذا يكون قوله: واستقم معطوفاً، وعلى الأول يكون مستأنفاً فيوقف على ﴿ فادع واستقم ﴾ ﴿ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ أي دُمْ على ما أمرت به من عبادة الله وطاعته وتبليغ رسالته ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ لضمير الكفار وأهواؤهم ما كانوا يحبون من الكفر والباطل كله ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ قيل: يعني العدل في الأحكام إذا تخاصموا إليه، ويحتمل أن يريد بالعدل في دعائهم إلى دين الإسلام، أي أمرت أن أحملكم على الحق ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ أي لا جدال ولا مناضرة، فإن الحق قد ظهر وأنتم تعاندون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يوحي ﴾ على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس ﴿ يكاد ﴾ بالياء التحتانية: نافع وعلي ﴿ تنفطرن ﴾ بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.

﴿ يبشر الله ﴾ مخففاً من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي.

الوقوف: ﴿ حم عسق ﴾ كوفي ﴿ من قبلك ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يوحى ﴾ مجهولاً كأنه قيل: من الموحي فقال الله أي هو الله ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لمن في الأرض ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما قبله ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للفصل بين الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء ﴿ الموتى ﴾ ط فصلاً بين المقدور المخصوص وبين القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أزواجاً ﴾ الثاني ط لأن ضمير ﴿ فيه ﴾ يحتمل أن يعود إلى الازدواج الذي في مدلول الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل معنى الفعل في له أو في الملك.

﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط كذلك ما بعده ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فادع ﴾ ج ﴿ كما أمرت ﴾ ج ﴿ أهواءهم ﴾ ج ﴿ كتاب ﴾ ج كل ذلك للترتيل في القراءة وإن اتفقت الجملتان ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بيننا ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ والميزان ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ منها ﴾ ج للعطف أو الحال ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله ﴿ الله لطيف ﴾ وهما متفقتان ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ في حرثه ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ نصيب ﴾ ه ﴿ به الله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الجنات ﴾ ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ في القربى ﴾ ط ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه.

التفسير: الكلام في ﴿ حم ﴾ كما سبق وأما ﴿ عسق ﴾ فقد قيل: إنه مع ﴿ حم ﴾ اسم للسورة.

وقيل: رموز إلى فتن كان عليّ يعرفها.

وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته.

وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف قدرة المهدي.

وهذه الأقاويل مما لا معول عليها.

وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده.

أقسم أنه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات.

والأولى تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح.

وإنما فصل ﴿ حم ﴾ من ﴿ عسق ﴾ حتى عدا آيتين خلاف ﴿ كهيعص  ﴾ لتقدم ﴿ حم ﴾ قبله واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحاً إلا هذه فإنها دلت عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب.

روي عن ابن عباس أنه لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه ﴿ حم عسق ﴾ والله أعلم بصحة هذه الرواية.

والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الأنبياء قبلك.

والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى  ﴾ وفي ورود لفظ ﴿ يوحى ﴾ مستقبلاً لا ماضياً إشارة إلى أن إيحاء مثله عادته.

ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الخ.

ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال ﴿ تكاد السموات يتفطرن ﴾ وقد سبق في آخر سورة مريم.

ومعنى ﴿ من فوقهن ﴾ أن الانفطار يبتدىء من أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل.

قال جار الله: كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن.

وقيل: معناه من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء فوقنا.

وقيل: الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: يتفطرن من ثقل الرحمن.

فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة.

ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافاً محذوفاً أي من ثقل ملائكة الرحمن كقوله  "أطت السماء أطأ وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد." ثم انتقل من وصف الجسمانيات إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم إلى عالم الأرواح يسبحون بالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال ﴿ والملائكة ﴾ قيل: هو عام.

وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا أنه عمم ههنا فقال ﴿ لمن في الأرض ﴾ أي يطلبون أن لا يعاجل الله أهل الأرض بالعذاب طمعاً في توبة الكفار والفساق منهم.

وقيل: هو مخصوص بما مر أي يستغفرون للمؤمنين منهم.

ثم سلى نبيه  بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك إلا البلاغ.

قوله ﴿ وكذلك أوحينا ﴾ قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما اعترض بين الكلامين ما اعترض.

وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، ﴿ وذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم برقيب.

وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع.

﴿ وقرآناً عربياً ﴾ حال.

والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم معناه ولا يتجاوز حد الإنذار.

ويجوز أن يكون ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الإيحاء أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر.

قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا وبكذا.

فمن الاستعمال الثاني قوله ﴿ لتنذر أم القرى ﴾ أي أهل مكة على حذف المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف.

ومن الاستعمال الأول قوله ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ والمفعول الأول محذوف وتنذر الناس يوماً تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل عامل وعمله.

قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ان قوله ﴿ وتنذر ﴾ يكون مكرراً للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم الجمع.

وقد مر في القصص في قوله ﴿ حتى يبعث في أمها  ﴾ أن مكة لم سميت أم القرى.

وقوله ﴿ ومن حولها ﴾ يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو بنص آخر كقوله ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس  ﴾ وقوله ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة.

وقوله ﴿ فريق ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل حالهم بعد الحشر والاجتماع.

ثم بين بقوله ﴿ ولو شاء الله ﴾ الخ.

أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة متعلق بمشيئته وإرادته.

وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مراراً.

والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة أن يكونوا مسلمين كلهم.

وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياساً على قوله ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة  ﴾ ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة قائلاً ﴿ أم اتخذوا من دونه أولياء ﴾ إن أرادوا أولياء بحق ﴿ فالله هو الولي ﴾ الذي يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه ﴿ يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ وهو الحقيق بأن يتخذ ولياً.

وحين منع الرسول  من التحزن على من كفر أراد أن يمنع المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال ﴿ وما اختلفتم ﴾ والتقدير: قل يا محمد كذا بدليل قوله ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ الآية.

والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ومعاقبة المبطلين.

وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله  كقوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول  ﴾ وقيل: وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو إلى الظاهر من السنة.

وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره.

قال في الكشاف: ولا يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول  .

قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده.

وقوله ﴿ وما اختلفتم ﴾ شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل ﴿ يا أيها الناس ﴾ ومثل ﴿ أقيموا الصلاة ﴾ والأظهر أن اختلافهم يدخل فيه، وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد.

فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد.

قلنا: إذا كان القياس مأموراً به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيباً، كانت المخالفة في حكم الموافقة ولهذا قال "اختلاف أمتي رحمة" ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيداً لصحة أحكامه فقال ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ أنه خلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً حتى حصل بين الذكور والإناث التوالد والتناسل.

والضمير في ﴿ يذرؤكم ﴾ راجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فيه تغليبين تغليب المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على غيرهم.

وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل.

وإنما قال ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعاً ومعدناً للتكثير كقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة  ﴾ ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ومعنى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل والله  شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا التقرير مختص بنا.

قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل.

يعنون أنت لا تبخل.

وكذا ههنا يريد ليس كالله شيء.

وجوز أن يكون تكرير حرف التشبيه للتأكيد.

وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه  لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية.

قوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضاً.

وحين عظم وحيه إلى محمد  بقوله ﴿ كذلك يوحى إليك ﴾ إلى آخره ذكر تفصيل ذلك فقال ﴿ شرع لكم ﴾ أي أوجب وبين لأجلكم ﴿ من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وهو أقدم الأديان بعد الطوفان ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ وهو ختمها ﴿ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ وهي الملل المعتبرة المتوسطة.

ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ الحنيفي ومحله نصب بدلاً من مفعول ﴿ شرع ﴾ أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟

فقيل: هو إقامة الدين.

يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله { ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً  ﴾ وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في ﴿ أوحينا ﴾ والخطاب في ﴿ إليك ﴾ تفخيم شأن الرسول  .

ثم حكى حسد أهل الشرك بقوله ﴿ كبر على المشركين ﴾ أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من الدين المبرأ من عبادة غير الله.

ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه.

يقال: اجتباه إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي إلى الدين.

ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ ببعث محمد  وصحة نبوته كقوله في آل عمران ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم  ﴾ وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما أمروا به.

قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله ﴿ إلا من بعدما جاءهم العلم ﴾ حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ليكون محدوداً من الطرفين.

وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب ﴾ هم العرب ورثوا القرآن من بعدما أورث أهل الكتابين كتابهم أو هم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله  وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك من كتابهم وهو مع العلم غير مجتمعين ﴿ فلذلك ﴾ أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم ﴿ فادع ﴾ إلى الملة الحنيفية.

وقيل: اللام بمعنى "إلى" والإشارة إلى القرآن ﴿ وأستقم ﴾ عليها كما أمرت ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ المختلفة ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من ﴾ أي ﴿ كتاب ﴾ كان ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إليّ حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري.

ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال ﴿ الله ربنا وربكم لنا ﴾ جزاء ﴿ أعمالنا ولكم ﴾ جزاء ﴿ أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾ وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية وإنما بقي السيف.

وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ إشارة إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي المنتقم.

ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله ﴿ من بعدما استجيب له ﴾ أي من بعدما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر ﴿ حجتهم داحضة ﴾ أي باطلة زائلة ﴿ عند ربهم ﴾ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا.

وأيضاً أنتم تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية التوراة متفق عليها ونبوة محمد  مختلف فيها.

والجواب أن نبوّة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق محمد  كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضاً.

ثم حث على سلوك طريقة العدل حذراً من عقاب يوم القيامة فقال ﴿ الله الذي أنزل الكتاب ﴾ أي جنسه متلبساً بالغرض الصحيح ﴿ والميزان ﴾ أي أنزل العدل والسوية في كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان.

وقيل: هو العقل.

وقيل: الميزان نفسه وذلك في زمن نوح.

وقيل: هو محمد  يقضي بينهم بالكتاب ﴿ وما يدريك ﴾ يا محمد أو أيها المكلف ﴿ لعل الساعة ﴾ أي مجيئها ﴿ قريب ﴾ أو ذكر بتأويل البعث أو الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب.

ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف.

ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه.

ثم قبح طريقة منكري الساعة فقال ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ يقولون على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة؟

وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال.

ثم مدح المقربين بأنهم يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالاً له أو حذراً من تقصير وخلل وقع في العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجاً بالرجاء، وقد مر تحقيقه مراراً.

ثم هدد الشاكين المجادلين في أمر البعث بقوله ﴿ ألا إن الذين يمارون ﴾ وأصله من المرية الشك ﴿ لفي ضلال بعيد ﴾ عن الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن في إنكاره نسبة الله  إلى ضد العلم والقدرة.

ثم إنه لا ريب في أن إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ عمم البر ثم خصص بقوله ﴿ يرزق من يشاء ﴾ يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر أسباب المزية إلا أن أحداً منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا.

وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر في قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير  ﴾ وأما قوله ﴿ القوي العزيز ﴾ ففيه إشارة إلى أن لطفه مقرون بقهره.

وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ﴾ سماه حرثاً تشبيهاً للعامل الطالب لثواب الآخرة أضعافاً مضاعفة بالزارع الذي يلقي البذر في الأرض طلباً للزيادة والنماء، ومن فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله أضعافاً مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال ﴿ نؤته منها ﴾ أي بعض ذلك ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة أخرى وهي أن يعلم أن شيئاً من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق.

عن النبي  "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظه أو لفظ هذا معناه.

وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا.

وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة.

قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال بقوله ﴿ أم لهم شركاء ﴾ وهي المنقطعة عند بعضهم.

وقال آخرون: هي المعادلة لألف الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم من الدين أم لهم آلهة.

﴿ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ﴾ أي لم يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله ﴿ أتنبؤن الله بما لا يعلم  ﴾ والأذن بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ﴿ لقضي بينهم ﴾ والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء ﴿ ترى الظالمين ﴾ في القيامة ﴿ مشفقين ﴾ خائفين ﴿ مما كسبوا ﴾ من الجرائم ﴿ وهو ﴾ أي وبال ذلك ﴿ واقع بهم ﴾ واصل إليهم لا محالة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ أي منتزهاتها.

قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين وغيرهم ليس إلا بالذي آمن ولم يعمل صالحاً وهو الفاسق.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون الجنات كلها روضات.

ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا.

والفضل الكبير قد تقدم في "فاطر".

﴿ ذلك ﴾ المذكور أو الثواب أو التبشير هو ﴿ الذي يبشر الله ﴾ به ﴿ عباده ﴾ ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر رسوله بأن يقول ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ على هذا التبليغ ﴿ أجراً إلا المودة ﴾ الكائنة ﴿ في القربى ﴾ جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ولهذا لم يقل "مودة القربى" أو "المودة للقربى" وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم.

فإن قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في "الشعراء".

وقد جاء في حق نبينا  أيضاً ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم  ﴾ ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين  ﴾ والمعقول منه أن التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة.

وأيضاً أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة.

قلنا: إن من جعل الآية منسوخة باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب والمعنى لا أطلب منكم أجراً، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل  ﴾ ومنهم من قال: الاستثناء منقطع أي لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي تفسير ﴿ المودة في القربى ﴾ أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله  كان واسطة النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا عليّ.

القول الثاني: روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي  كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا.

ثم أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم.

القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح.

الرابع: عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟

فقال: علي وفاطمة وابناهما.

ولا ريب أن هذا فخر عظيم وشرف تام، ويؤيده ما روي أن علياً  شكا إلى رسول الله  حسد الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا وعنه  "حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة" " وكان يقول "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله ﴿ فاتبعوه  ﴾ وكفى شرفاً لآل رسول الله  وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة.

قال بعض المذكرين: إن النبي  قال "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق" وعنه  "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فنحن نركب سفينة حب آل محمد  ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج الشبه والضلالة.

ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ أي يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره ههنا للخير.

عن السدي أنها المودة في آل رسول الله  نزلت في أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه مرادة قصداً أولياً لذكرها عقيبها.

ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها ﴿ إن الله غفور ﴾ لمن أذنب ﴿ شكور ﴾ لمن أطاع الله والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ﴾ الدين يذكر، ويراد به الجزاء، وهو قوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ أي: يوم الجزاء، أو يذكر ويراد به الحكم؛ كقوله -  - خبراً عن يوسف -  -: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ  ﴾ أي: في حكم الملك، ويذكر ويراد به المذهب والمعتقد؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ  ﴾ ، فكأن المعنى في قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ﴾ : هو المذهب وما يعتقد، وقد ذكر الدين معرفاً بالألف واللام وأنه للجنس، فيكون كأنه قال: شرع لكم من الأديان جملة الدين الذي وصى به نوحاً ومن ذكر من الأنبياء، وهو التوحيد لله -  - والعبادة له، والأنبياء والرسل جميعاً إنما بعثوا للدعاء إلى توحيد الله، وجعل العبادة له، وإن اختلفت شرائعهم وأحكامهم، وذلك قوله: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً  ﴾ .

ومن الناس من يقول: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ ﴾ أي: شرع لكم الدين، ويجعل ﴿ مِّنَ ﴾ صلة زائدة فيه؛ أي: شرع لكم الدين الذي وصى به نوحاً ومن ذكر، والوجه فيه ما ذكرنا.

فإن قيل: [ما] معنى تخصيص نوح ومن ذكر من الأنبياء هنا، والكل بعثوا للدعاء إلى هذا الدين، وقد وصى الكل بهذا الدين.

فنقول: قال بعضهم: إنما خص نوحاً ومن ذكر بهذا؛ لأن التحليل والتحريم لم يكن قبل زمن نوح  ، وإنما جاء ذلك في زمن نوح؛ لذلك خصّ نوحاً بما ذكر.

ويحتمل أن يكون ذكر هؤلاء لا على تخصيصهم بذلك من بين غيرهم من الأنبياء، ولكن ذكر بعضاً هاهنا، وترك ذكر البعض، ليس أنه شرع له ما وصى به نوحاً ومن ذكر من الأنبياء ولم يشرع له ما وصى به غيرهم؛ بل شرع له ما وصى به هؤلاء وغيرهم من الدين؛ كقوله -  -: ﴿ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ  ﴾ ذكر بعض هؤلاء وغيرهم، ثم أمره أن يقتدي بما هم عليه؛ دل أن ذكر البعض في موضع ليس للتخصيص، لما ذكر البعض في موضع آخر، والكل في موضع آخر، والله أعلم.

ويحتمل تخصيص هؤلاء بالذكر لمعنى لم يطلعنا الله على ذلك المعنى، كما خص إبراهيم بالصلاة عليه على ما أمرنا به النبي  لقوله: "كما صليت على إبراهيم" لمعنى لم يطلعنا على ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ ، أي: في عبادة الله -  - أي: اعبدوه جميعاً.

والثاني: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ أي: في الدين الذي ذكر، وهو التوحيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ أي: عظم عليهم دعاؤكم إلى التوحيد وعبادة الله وحده.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ هذا ينقض على المعتزلة: إنه -  - أخبر أنه يجتبي إليه من يشاء، ولو كان على ما يقوله المعتزلة أنه قد أعطى الكافر جميع ما أعطى المؤمن، فالمؤمن حيث صار مجتبى مصطفى مختاراً إنما كان منه بفعله لا من الله -  - وقد أخبر أنه هو يجتبي من يشاء، وهو يهديه؛ فبطل قولهم.

وقوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ أي: هو يهدي من يطلب منه ما به يكون الهدى، وهو التوفيق؛ أي: ما لم يطلب منه ذلك ولم يسأل فإنه لا يهدي به ولا يوفقه.

وقال بعضهم: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ تفسير قوله -  -: ﴿ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: يجتبي للهداية من ينيب إليه، فأمّا من لم ينب إليه فلا يجتبيه للهداية، لكن المراد من الهداية - هاهنا - ليس هدى البيان؛ لأن هدى البيان قد كان عامّاً لمن أناب إليه ومن لم ينب، ولكن الهدى - هاهنا - هدى الرحمة، أو هدى النعمة، والنعمة سمّى التوحيد والإيمان مرة: رحمة؛ كقوله -  -: ﴿ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ  ﴾ ، وسمّاه: نعمة؛ كقوله: ﴿ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، وسمّاه: منة؛ كقوله -  - ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ  ﴾ ، وسماه: نوراً؛ كقوله  : ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ ؛ فلذلك قلنا: إن الهدى المذكور - هاهنا - ليس هو هدى البيان، ولكن سواه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: أنهم تفرقوا في رسول الله محمد - عليه أفضل الصلاة - بعدما جاءهم العلم في كتبهم أنه رسول؛ لما كانوا يجحدون نعته وصفته في كتبهم، لكنّهم اختلفوا وتفرقوا؛ فآمن بعضهم به على ما وجدوه في كتبهم، وكفر بعضهم، وحرفوا ما في كتبهم من نعته وصفته، والله أعلم.

والثاني: أي: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ ﴾ فيما جاء به محمد  من الدين ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ ؛ إذ الذي جاء به محمد  هو الذي وصى به نوحاً ومن ذكر من الأنبياء عليهم السلام.

ويحتمل أي: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ ﴾ في الإيمان بالرسل والكفر بهم ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ أنهم على الحق، وأنهم رسل الله مبعوثون إليهم، فتفرقوا، فآمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض بغياً بينهم.

ويحتمل: أي: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ : أن الفرقة ضلالة وهلاك، وعن علم بالفرقة أنها ضلال وهلاك تفرقوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل: حسداً بينهم؛ لما قيل: إنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث؛ لما وجدوا نعته وصفته في كتبهم ظنّاً منهم أنه يبعث منهم، فلما بعث من غيرهم حسدوه وكفروا به والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ أي: عدواناً وظلماً يكون فيما بينهم ذلك التفرق.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ ﴾ أي: لولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عنهم إلى وقت وإلا كانت الكلمة منه في تعجيل العذاب بهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أي: إنّ الذين أعطوا الكتاب من بعد الرسل الذين ذكر ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ ، أخبر أنهم كانوا في شك مما جاء به الرسل، لكنهم لم يعذروا في شكهم؛ لما تركوا النظر والتفكر في ذلك، ولو نظروا في ذلك وتفكروا فيه، لوقع ذلك لهم وبان الحق؛ فلم يعذروا في ذلك؛ لأنه منهم كان ذلك الشك والريب، ولو تفكروا ونظروا لتجلى لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ اختلف في قوله -  -: ﴿ فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ ﴾ : عن ابن عباس -  -: أي: فبهذا القرآن الذي أنزل إليك فادع.

وكذا قال قتادة: فبهذا القرآن فادعُ.

وقيل: فلذلك وعد أن ينزل عليك فادع.

وقال بعضهم: أي: وإلى ذلك الكتاب فادعُ.

وقيل: فإلى التوحيد الذي بعث الرسل إلى الدعاء إليه فادع.

وقال بعضهم: ﴿ فَلِذَلِكَ ﴾ ، أي: فلأجل الذي بعث الرسل فادع؛ أي: ادع إلى التوحيد الذي لأجله بعث الرسل، والله أعلم.

ثم إن قوله: ﴿ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ دليل على أنه كان قد سبق له الأمر بالاستقامة.

ثم يحتمل ما ذكر من الاستقامة التي أمر بها هو تبليغ الرسالة إليهم.

ويحتمل: العبادة له والطاعة.

ويحتمل: الاستقامة في التوحيد له ودعاء الخلق إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ مَعَكَ  ﴾ على هذين الوجهين الآخرين يخرج الأمر بالاستقامة لمن تاب معه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ أي: في ترك الدعاء إلى التوحيد؛ إذ هو هوى الكفرة أن يترك هو الدعاء إلى التوحيد.

ويحتمل أنه نهى عن إجابته إياهم فيما دعَوْا هم؛ إذ هوى الكفرة أن يجيبهم فيما دعَوْا هم إليه من الشرك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ ﴾ أمره بأن يخبر بأنه مؤمن بجميع الكتب التي أنزل الله؛ ليوافقوه في الإيمان بجميع الكتب، [و]أولئك الكفرة كانوا يؤمنون ببعض الكتب، ويكفرون ببعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أي: أمرت لأعدل بينكم يحتمل: في الحكم؛ أي: أحكم فيما بينكم بالعدل؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ في الدعاء إلى توحيد الله ودينه، والعدل في الدعاء، دعاؤهم إلى دينه الذي أمر أن يدعوهم إليه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ أي: أمرت أن أكون عدلا فيما بينكم؛ أي: يسوي بينهم.

ثم نعت الذي كان يدعوهم إلى توحيده، وهو قوله: ﴿ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ .

وقوله: ﴿ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على المنابذة؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ ، وإنما يقال هذا بعدما انتهت الحجج غايتها، والحجاج نهايته، فلم ينجع ذلك فيهم وأيسوا منهم.

والثاني: يقول: إنا لا نؤاخذ بأعمالكم، ولا أنتم تؤاخذون بأعمالنا، ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ أي: لا حجة بقيت فيما ادعيت ودعوتكم إليه إلا وقد أقمتها عليكم؛ أي: لم يبق حجة في ذلك وقد أقمتها.

ويحتمل أن يقول: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا ﴾ أي: لا حجة ولا خصومة بيننا بعدما بلغ الأمر ما بلغ.

ثم قال: ﴿ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ﴾ في الآخرة وإليه المصير.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ قال بعضهم: إن أهل الكفر قالوا للمؤمنين: إن دينكم الإسلام إنما كان ما دام محمد بين أظهركم وما دام حيّاً، فإذا مات فتصيرون أنتم ومن تبع الإسلام إلى ديننا أو كلام نحوه؛ فنزل لقولهم ذا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .

وقال بعضهم: إن اليهود قدموا على رسول الله  فقالوا للمؤمنين: إن ديننا أفضل؛ فنزلت الآية فيهم بقولهم هذا: إن ديننا أفضل - لأنه دين الأنبياء - عليهم السلام - فقال: ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ أي: هكذا إذا كانوا على دين الأنبياء، وهو الإسلام؛ فأما إذا تركوا دين الإسلام وتمسكوا باليهودية واختاروها فليس بأفضل، ولا شيء دونها.

وقال بعضهم: إن قريشاً قالوا: كيف نعبد من لم نره؟

ولم نعاينه إنه مم هو؟

وكيف هو؟

أو كلام نحوه فنزلت: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ عند ربهم؛ لأن التوحيد ومعرفة الله  إنما يكون بالدلائل والآيات في الدنيا عن غيب، ليس بالمعاينة والمشاهدة؛ فيزول الامتحان.

ثم احتمل أن يكون نزول الآية لقول كان من أولئك على ما ذكر أهل التأويل.

ويحتمل أن يكون على غير ذلك، ومعناه: والذين يحاجون في الله في دفع آيات الله وردها.

ويحتمل: أي: في دفع توحيد الله وألوهيته ﴿ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ أي: من بعد ما استجيب له بحق الخلقة: أنه واحد، وأنه رب كل شيء.

ويحتمل قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ بما في كتبهم من الإيمان بها وبما فيها من نعوت رسول الله  وصفاته.

ثم أخبر أن ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ هذا يخرج على هذين.

يحتمل: أي: ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ يوم القيامة؛ أي: باطلة غير مقبولة.

ويحتمل: أي: ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ في الدنيا بما أقام الله -  - من حجج التوحيد؛ فأبطل حججهم.

وقوله: ﴿ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ بيان الجزاء لهم في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ادعُ لهذا الدين المستقيم، واثبت عليه وفق ما أمرك الله، ولا تتبع أهواءهم الباطلة، وقل عند مجادلتهم: آمنت بالله وبالكتب التي أنزلها الله على رسله، وأمرني الله أن أحكم بينكم بالعدل، الله الذي أعبده ربنا وربكم جميعًا، لنا أعمالنا خيرًا كانت أو شرًّا، ولكم أعمالكم خيرًا كانت أو شرًّا، لا جدال بيننا وبينكم بعد أن تبينت الحجة، واتضحت المحجة، الله يجمع بيننا جميعًا، وإليه المرجع يوم القيامة، فيجازي كلًّا منا بما يستحقه، فيتبيَّن عندئذ الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل.

من فوائد الآيات دين الأنبياء في أصوله دين واحد.

أهمية وحدة الكلمة، وخطر الاختلاف فيها.

من مقومات نجاح الدعوة إلى الله: صحة المبدأ، والاستقامة عليه، والبعد عن اتباع الأهواء، والعدل والتركيز على المشترك، وترك الجدال العقيم، والتذكير بالمصير المشترك.

<div class="verse-tafsir" id="91.z6ZnK"

مزيد من التفاسير لسورة الشورى

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله