الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ١٤ من سورة الشورى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 90 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ) أي : إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم ، وقيام الحجة عليهم ، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشاقة .
ثم قال [ الله ] تعالى : ( ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى ) أي : لولا الكلمة السابقة من الله بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد ، لعجل لهم العقوبة في الدنيا سريعا .
وقوله : ( وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ) يعني : الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذب للحق ( لفي شك منه مريب ) أي : ليسوا على يقين من أمرهم ، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم ، بلا دليل ولا برهان ، وهم في حيرة من أمرهم ، وشك مريب ، وشقاق بعيد .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) يقول تعالى ذكره: وما تفرّق المشركون بالله في أديانهم فصاروا أحزابا, إلا من بعد ما جاءهم العلم, بأن الذي أمرهم الله به, وبعث به نوحا, هو إقامة الدين الحقّ, وأن لا تتفرّقوا فيه.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ) فقال: إياكم والفرقة فإنها هلكة ( بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) يقول: بغيا من بعضكم على بعض وحسدا وعداوة على طلب الدنيا.( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) يقول جلّ ثناؤه: ولولا قول سبق يا محمد من ربك لا يعاجلهم بالعذاب, ولكنه أخر ذلك إلى أجل مسمى, وذلك الأجل المسمى فيما ذُكر: يوم القيامة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) قال: يوم القيامة.
وقوله: ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) يقول: لفرغ ربك من الحكم بين هؤلاء المختلفين في الحق الذي بعث به نبيه نوحا من بعد علمهم به, بإهلاكه أهل الباطل منهم, وإظهاره أهل الحقّ عليهم.
وقوله: ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) يقول: وإن الذين أتاهم الله من بعد هؤلاء المختلفين في الحقّ كتابه التوراة والإنجيل.( لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ) يقول: لفي شكّ من الدين الذين وصّى الله به نوحا, وأوحاه إليك يا محمد, وأمركما بإقامته مريب.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) قال: اليهود والنصارى.
( وما تفرقوا ) قال ابن عباس : يعني قريشا .
( إلا من بعد ما جاءهم العلم ) محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وكانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي ؛ دليله قوله تعالى في سورة فاطر : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير يريد نبيا .
وقال في سورة البقرة : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) على ما تقدم بيانه هناك .
وقيل : أمم الأنبياء المتقدمين ، فإنهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى ، فآمن قوم وكفر قوم .
وقال ابن عباس أيضا : يعني أهل الكتاب ، دليله في سورة المنفكين : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة .
فالمشركون قالوا : لم خص بالنبوة!
واليهود حسدوه لما بعث ، وكذا النصارى .
( بغيهم بينهم ) أي : بغيا من بعضهم على بعض طلبا للرياسة ، فليس تفرقهم لقصور في البيان والحجج ، ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا .
ولولا كلمة سبقت من ربك [ ص: 13 ] في تأخير العقاب عن هؤلاء .
إلى أجل مسمى قيل : القيامة ، لقوله تعالى : بل الساعة موعدهم .
وقيل : إلى الأجل الذي قضي فيه بعذابهم .
( لقضي بينهم ) أي : بين من آمن وبين من كفر بنزول العذاب .
وإن الذين أورثوا الكتاب يريد اليهود والنصارى .
من بعدهم أي : من بعد المختلفين في الحق .
لفي شك منه مريب من الذي أوصى به الأنبياء .
والكتاب هنا التوراة والإنجيل .
وقيل : إن الذين أورثوا الكتاب قريش .
من بعدهم من بعد اليهود والنصارى .
لفي شك من القرآن أو من محمد .
وقال مجاهد : معنى من بعدهم من قبلهم ، يعني من قبل مشركي مكة ، وهم اليهود والنصارى .
لما أمر تعالى باجتماع المسلمين على دينهم، ونهاهم عن التفرق، أخبرهمأنكم لا تغتروا بما أنزل الله عليكم من الكتاب، فإن أهل الكتاب لم يتفرقوا حتى أنزل الله عليهم الكتاب الموجب للاجتماع، ففعلوا ضد ما يأمر به كتابهم، وذلك كله بغيا وعدوانا منهم، فإنهم تباغضوا وتحاسدوا، وحصلت بينهم المشاحنة والعداوة، فوقع الاختلاف، فاحذروا أيها المسلمون أن تكونوا مثلهم.{ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } أي: بتأخير العذاب القاضي { إلى أجل مسمى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } ولكن حكمته وحلمه، اقتضى تأخير ذلك عنهم.
{ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ } أي: الذين ورثوهم وصاروا خلفا لهم ممن ينتسب إلى العلم منهم { لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } أي: لفي اشتباه كثير يوقع في الاختلاف، حيث اختلف سلفهم بغيا وعنادا، فإن خلفهم اختلفوا شكا وارتيابا، والجميع مشتركون في الاختلاف المذموم.
( وما تفرقوا ) يعني أهل الأديان المختلفة ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : يعني أهل الكتاب كما ذكر في سورة المنفكين .
( إلا من بعد ما جاءهم العلم ) بأن الفرقة ضلالة ولكنهم فعلوا ذلك ، ( بغيا بينهم ) أي : للبغي ، قال عطاء : يعني بغيا بينهم على محمد - صلى الله عليه وسلم - ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) في تأخير العذاب عنهم ، ( إلى أجل مسمى ) وهو يوم القيامة ، ( لقضي بينهم ) بين من آمن وكفر ، يعني أنزل العذاب بالمكذبين في الدنيا ، ( وإن الذين أورثوا الكتاب ) يعني اليهود والنصارى ، ( من بعدهم ) من بعد أنبيائهم ، وقيل : من بعد الأمم الخالية .
وقال قتادة : معناه من قبلهم أي : من قبل مشركي مكة .
( لفي شك منه مريب ) أي : من محمد - صلى الله عليه وسلم - .
«وما تفرَّقوا» أي أهل الأديان في الدين بأن وحد بعض وكفر بعض «إلا من بعد ما جاءهم العلم» بالتوحيد «بغياً» من الكافرين «بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك» بتأخير الجزاء «إلى أجل مسمى» يوم القيامة «لقضي بينهم» بتعذيب الكافرين في الدنيا «وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم» وهم اليهود والنصارى «لفي شك منه» من محمد صلى الله عليه وسلم «مريب» موقع في الريبة.
وما تفرَّق المشركون بالله في أديانهم فصاروا شيعًا وأحزابًا إلا مِن بعد ما جاءهم العلم وقامت الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد، ولولا كلمة سبقت من ربك -أيها الرسول- بتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة، لقضي بينهم بتعجيل عذاب الكافرين منهم.
وإن الذين أورثوا التوراة والإنجيل من بعد هؤلاء المختلفين في الحق لفي شك من الدين والإيمان موقعٍ في الريبة والاختلاف المذموم.
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت إلى اختلاف المختلفين فى أمر الدين ، وإلى تفرقهم شيعا وأحزابا فقال : ( وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ ) .والاشتناء مفرغ من أعم الأوقات والأحوال والضمير فى قوله ( تفرقوا ) يعود على كل الذين اختلفوا على أنبيائهم ، واعرضوا عن دعوتهم .وقوله ( بَغْياً ) مفعول لأجله ، مبين السبب الحقيقى للتفرق والاختلاف .أى : وما تفرق المتفرقون فى أمر الدين .
وأعرضوا عما جاءتهم به رسلهم ، فى كل زمان ومكان ، إلا من بعد أن علموا الحق ، ووصل إليهم عن طريق أنبيائهم ، ولم يحملهم على هذا التفرق والاختلاف إلا البغى الذى استولى على نفوسهم ، والحسد لرسل الله - تعالى - على ما آتاهم الله من فضله .فقوله - تعالى - : ( إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم ) زيادة فى ذمهم ، فإن الاختلاف بعد العلم ، أدعى إلى الذم والتحقير ، لأنه يدل على أن هذا الاختلاف لم يكن عن جهل ، وإنما كان عن علم وإصرار على الباطل .وقوله - تعالى - : ( بَغْياً بَيْنَهُمْ ) زيادة أخرى تحمل كل عاقل على احتقارهم ونبذهم ، لأن هذه الجملة الكريمة تدل على أن اختلافهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق ، وإنما كان الدافع إليه ، البغى والحسد والعناد .أى : أن اختلافهم على أنبيائهم كان الدافع إليه الظلم وتجاوز الحد ، والحرص على شهوات الدنيا ولذائذها ، والخوف على ضياع شئ منها من بين أيديهم .ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله ورحمته بهذه الأمة فقال : ( وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ ) .والمراد بهذه الكلمة : ما وعد الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - من أنه لن يهلك أمته بعذاب يستأصل شأفتهم ، كما أهلك قوم نوح وغيرهم ، ومن انه - تعالى - سيؤخر عذابهم إلى الوقت الذى يختاره ويشاؤه - سبحانه - .أى : ولولا كلمة سبقت من ربك - أيها الرسول الكريم - بعدم إهلاكهم بعقوبة تستأصل شأفتهم ، وبتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى فى علمه - تعالى - لقضى بينهم بقطع دابرهم بسبب هذا الاختلاف الذى أدى بهم إلى الإِعراض عن دعوتك ، وإلى عكوفكم على كفرهم .( وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب ) وهم أهل الكتاب المعاصرين لك من اليهود والنصارى ( مِن بَعْدِهِمْ ) أى : من بعد الذين سبقوهم فى الاختلاف على أنبيائهم .( لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ) أى : لفى شك من هذا القرآن .
ومن كل ما جئتهم به من عند ربك ، هذا الشك أوقعهم فى الريبة وقلق النفس واضطرابها وتذبذبها ، ولذلك لم يؤمنوا بما جئتهم به من عند ربك .
اعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم ﴾ ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: ﴿ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ والمعنى شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحاً ومحمداً وإبراهيم وموسى وعيسى، هذا هو المقصود من لفظ الآية، وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة، إلا أنه بقي في لفظ الآية إشكالات أحدها: أنه قال في أول الآية ﴿ مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ وفي آخرها ﴿ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ وفي الوسط ﴿ والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ فما الفائدة في هذا التفاوت؟.
وثانيها: أنه ذكر نوحاً عليه السلام على سبيل الغيبة فقال: ﴿ مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ والقسمين الباقيين على سبيل التكلم فقال: ﴿ والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .
وثالثها: أنه يصير تقدير الآية: شرع الله لكم من الدين الذي أوحينا إليك فقوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم ﴾ خطاب الغيبة وقوله: ﴿ والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ خطاب الحضور، فهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد، وهو مشكل، فهذه المضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها، وبالجملة فالمقصود من الآية أنه يقال شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته، وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً للتكاليف والأحكام، وذلك لأنها مختلفة متفاوتة قال تعالى: ﴿ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا ﴾ فيجب أن يكون المراد منه الأمور التي لا تختلف باختلاف الشرائع، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والسعي في مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال، ويجوز عندي أن يكون المراد من قوله: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ ﴾ أي لا تتفرقوا بالآلهة الكثيرة، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿ أأربابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون ﴾ واحتج بعضهم بقوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ على أن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر كان مبعوثاً بشريعة نوح عليه السلام، والجواب ما ذكرناه أنه عطف عليه سائر الأنبياء وذلك يدل على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين الكل، ومحل ﴿ أَنْ أَقيمُوا الدين ﴾ إما نصب بدل من مفعول ﴿ شَرَعَ ﴾ والمعطوفين عليه، وإما رفع على الاستئناف كأنه قيل ما ذاك المشروع؟
فقيل هو إقامة الدين ﴿ كَبُرَ عَلَى المشركين ﴾ عظم عليهم وشق عليهم ﴿ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ من إقامة دين الله تعالى على سبيل الاتفاق والإجماع، بدليل أن الكفار قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: احتج نفاة القياس بهذه الآية قالوا إنه تعالى أخبر أن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والتنازع، والله تعالى ذكر في معرض المنّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة ومعلوم أن فتح باب القياس يفضي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة، فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على الأخذ بالقياس تفرقوا تفرقاً لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى آخر القيامة، فوجب أن يكون ذلك محرماً ممنوعاً عنه.
المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن هذه الشرائع قسمين منها ما يمتنع دخول النسخ والتغيير فيه، بل يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان، كالقول بحسن الصدق والعدل والإحسان، والقول بقبح الكذب والظلم والإيذاء، ومنها ما يختلف باختلاف الشرائع والأديان، ودلت هذه الآية على أن سعي الشرع في تقرير النوع الأول أقوى من سعيه في تقرير النوع الثاني، لأن المواظبة على القسم الأول مهمة في اكتساب الأحوال المفيدة لحصول السعادة في الدار الآخرة.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب في الشرع والعقل، وبيان منفعته من وجوه: الأول: أن للنفوس تأثيرات، وإذا تطابقت النفوس وتوافقت على واحد قوي التأثير الثاني: أنها إذا توافقت صار كل واحد منها معيناً للآخر في ذلك المقصود المعين، وكثرة الأعوان توجب حصول المقصود، أما إذا تخالفت تنازعت وتجادلت فضعفت فلا يحصل المقصود الثالث: أن حصول التنازع ضد مصلحة العالم لأن ذلك يفضي إلى الهرج والمرج والقتل والنهب، فلهذا السبب أمر الله تعالى في هذه الآية بإقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق وقال في آية أخرى ﴿ وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ وفيه وجهان الأول: أنه تعالى لما أرشد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى التمسك بالدين المتفق عليه بيّن أنه تعالى إنما أرشدهم إلى هذا الخير، لأنه اجتباهم واصطفاهم وخصهم بمزيد الرحمة والكرامة الثاني: أنه إنما كبّر عليهم هذا الدعاء من الرسل لما فيه من الانقياد لهم تكبراً وأنفة فبيّن تعالى أنه يخص من يشاء بالرسالة ويلزم الانقياد لهم، ولا يعتبر الحسب والنسب والغنى، بل الكل سواء في أنه يلزمهم اتباع الرسل الذين اجتباهم الله تعالى، واشتقاق لفظ الاجتباء يدل على الضم والجمع، فمنه جبى الخراج واجتباه وجبى الماء في الحوض فقوله: ﴿ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ ﴾ أي يضمه إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة، وقوله: ﴿ مَن يَشَآء ﴾ كقوله تعالى: ﴿ يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء ﴾ .
ثم قال: ﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ وهو كما روي في الخبر من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة أي من أقبل إليّ بطاعته أقبلت إليه بهدايتي وإرشادي بأن أشرح له صدره وأسهل أمره.
واعلم أنه تعالى لما بيّن أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه، كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟
فأجاب الله تعالى عنهم بقوله: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة فحملتهم الحمية النفسانية والأنفة الطبعية، على أن ذهب كل طائفة إلى مذهب ودعا الناس إليه وقبح ما سواه طلباً للذكر والرياسة، فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف، ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب، لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمى، أي وقتاً معلوماً، إما لمحض المشيئة كما هو قولنا، أو لأنه علم أن الصلاح تحقيقه به كما عند المعتزلة، وهو معنى قوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ ﴾ والأجل المسمى قد يكون في الدنيا وقد يكون في القيامة، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة من هم؟
فقال الأكثرون هم اليهود والنصارى، والدليل قوله تعالى في آل عمران ﴿ وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ وقال في سورة لم يكن ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة ﴾ ولأن قوله: ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم ﴾ لائق بأهل الكتاب، وقال آخرون: إنهم هم العرب، وهذا باطل للوجوه المذكورة، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ ﴾ لا يليق بالعرب، لأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم، هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ من كتابهم ﴿ مُرِيبٍ ﴾ لا يؤمنون به حق الإيمان.
ثم قال تعالى: ﴿ فَلِذَلِكَ فادع واستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ يعني فلأجل ذلك التفرق ولأجل ما حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين، فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية واستقم عليها وعلى الدعوة إليها، كما أمرك الله، ولا تتبع أهواءهم المختلفة الباطلة ﴿ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب ﴾ أي بأي كتاب صح أن الله أنزله، يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة، لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ونظيره قوله: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هُمُ الكافرون ﴾ ثم قال: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ أي في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي، قل القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي وأنفسكم بأن آمركم بما لا أعمله، أو أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه، لكني أسوي بينكم وبين نفسي، وكذلك أسوي بين أكابركم وأصاغركم فيما يتعلق بحكم الله.
ثم قال: ﴿ الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المصير ﴾ والمعنى أن إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه، فإن الله يجمع بين الكل في يوم القيامة ويجازيه على عمله، والمقصود منه المتاركة واشتغال كل أحد بمهم نفسه، فإن قيل كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟
قلنا هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء، ودخل فيه التوحيد، وترك عبادة الأصنام، والإقرار بنبوة الأنبياء، وبصحة البعث والقيامة، فلما لم يقبلوا هذا الدين، فحينئذٍ فات الشرط، فلا جرم فات المشروط.
وأعلم أنه ليس المراد من قوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ تحريم ما يجري مجرى محاجتهم، ويدل عليه وجوه: الأول: أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجة، فلو كان المقصود من هذه الآية تحريم المحاجة، لزم كونها محرمة لنفسها وهو متناقض والثاني: أنه لولا الأدلة لما توجه التكليف الثالث: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه، بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما تركوا تصديقه بغياً وعناداً، فبيّن تعالى أنه قد حصل الاستغناء عن محاجتهم لأنهم عرفوا بالحجة صدقه فلا حاجة معهم إلى المحاجة ألبتة، ومما يقوي قولنا: أنه لا يجوز تحريم المحاجة، قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هِىَ أَحْسَنُ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ ﴾ وقوله: ﴿ ولا تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ وقوله: ﴿ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ﴾ وقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ والذين يُحَاجُّونَ فِي الله ﴾ أي يخاصمون في دينه ﴿ مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ ﴾ أي من بعد ما استجاب الناس لذلك الدين ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ أي باطلة وتلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف؟
فنبوّة موسى وحقية التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد ليست متفقاً عليها، فإذا بنيتم كلامكم في هذه الآية على أن الأخذ بالمتفق أولى، وجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى، فبيّن تعالى أن هذه الحجة داحضة، أي باطلة فاسدة، وذلك لأن اليهود أطبقوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه السلام لأجد ظهور المعجزات على وفق قوله، وهاهنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد عليه السلام، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق، فهاهنا يجب الإعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته.
وأما الإقرار بنبوة موسى والإصرار على إنكار نبوة محمد مع استوائهما في ظهور المعجزة يكون متناقضاً، ولما قرر الله هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة، فقال: ﴿ الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ ﴾ والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على أنواع الدلائل والبينات، وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم، وأنهم لا يعلمون أن القيامة متى تفاجئهم ومتى كان الأمر كذلك، وجب على العاقل أن يجد ويجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد، ولما كان الرسول يهددهم بنزول القيامة وأكثر في ذلك، وأنهم ما رأوا منه أثراً قالوا على سبيل السخرية: فمتى تقوم القيامة، وليتها قامت حتى يظهر لنا أن الحق ما نحن عليه أو الذي عليه محمد وأصحابه، فلدفع هذه الشبهة قال تعالى: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا ﴾ والمعنى ظهر، وإنما يشفقون ويخافون لعلمهم أن عندها تمتنع التوبة، وأما منكر البعث فلأن لا يحصل له هذا الخوف.
ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ فَي الساعة لَفِي ضلال بَعِيدٍ ﴾ والممارة الملاجة، قال الزجاج: الذين تدخلهم المرية والشك في وقوع الساعة، فيمارون فيها ويجحدون ﴿ لَفِي ضلال بَعِيدٍ ﴾ لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب في العدل، فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله تعالى، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً.
ثم قال: ﴿ الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ﴾ أي كثير الإحسان بهم، وإنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله بعباده، وأيضاً المتفرقون استوجبوا العذاب الشديد، ثم إنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم ودفع أعظم المضار عنهم، لا جرم حسن ذكره هاهنا، ثم قال: ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ﴾ يعني أن أصل الإحسان والبر عام في حق كل العباد، وذلك هو الإحسان بالحياة والعقل والفهم، وإعطاء ما لابد منه من الرزق، ودفع أكثر الآفات والبليات عنهم، فأما مراتب العطية والبهجة فمتفاوتة مختلفة.
ثم قال: ﴿ وهو القوي ﴾ أي القادر على كل ما يشاء ﴿ العزيز ﴾ الذي لا يغالب ولا يدافع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا تَفَرَّقُواْ ﴾ يعني أهل الكتاب بعد أنبيائهم ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ ﴾ أن علموا أنّ الفرقة ضلال وفساد، وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ وهي عدة التأخير إلى يوم القيامة ﴿ لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ ﴾ حين افترقوا لعظم ما اقترفوا ﴿ وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ ﴾ وهم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لَفِى شَكٍّ ﴾ من كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان.
وقيل: كان الناس أمّة واحدة مؤمنين بعد أن أهلك الله أهل الأرض أجمعين بالطوفان، فلما مات الآباء اختلف الأبناء فيما بينهم، وذلك حين بعث الله إليهم النبيين مبشرين ومنذرين وجاءهم العلم.
وإنما اختلفوا للبغي بينهم.
وقيل: وما تفرّق أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة ﴾ [البينة: 4] ﴿ وإنّ الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ﴾ هم المشركون: أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب التوراة والإنجيل.
وقرئ ﴿ ورّثوا ﴾ وورثوا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ﴾ أيْ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ دِينِ نُوحٍ ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن بَيْنَهُما مِن أرْبابِ الشَّرائِعِ، وهو الأصْلُ المُشْتَرَكُ فِيما بَيْنَهُمُ المُفَسَّرُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ﴾ وهو الإيمانُ بِما يَجِبُ تَصْدِيقُهُ والطّاعَةُ في أحْكامِ اللَّهِ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى البَدَلِ مِن مَفْعُولِ شَرَعَ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ كَأنَّهُ جَوابٌ وما ذَلِكَ المَشْرُوعُ أوِ الجَرُّ عَلى البَدَلِ مِن هاءِ بِهِ.
﴿ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ ولا تَخْتَلِفُوا في هَذا الأصْلِ أمّا فُرُوعُ الشَّرائِعِ فَمُخْتَلِفَةٌ كَما قالَ.
﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ ﴿ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ﴾ عَظُمَ عَلَيْهِمْ.
﴿ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ.
﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ﴾ يَجْتَلِبُ إلَيْهِ والضَّمِيرُ لِما تَدْعُوهم أوْ لِلدِّينِ.
﴿ وَيَهْدِي إلَيْهِ ﴾ بِالإشارَةِ والتَّوْفِيقِ.
﴿ مَن يُنِيبُ ﴾ يُقْبِلُ إلَيْهِ.
﴿ وَما تَفَرَّقُوا ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ السّالِفَةَ.
وقِيلَ: أهْلُ الكِتابِ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ ﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ العِلْمُ بِأنَّ التَّفَرُّقَ ضَلالٌ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ، أوِ العِلْمُ بِمَبْعَثِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ أسْبابِ العِلْمِ مِنَ الرُّسُلِ والكُتُبِ وغَيْرِهِما فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها.
﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ عَداوَةً أوْ طَلَبًا لِلدُّنْيا.
﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ بِالإمْهالِ.
﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ آخِرُ أعْمارِهِمُ المُقَدَّرَةِ.
﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِاسْتِئْصالِ المُبْطِلِينَ حِينَ افْتَرَقُوا لِعِظَمِ ما اقْتَرَفُوا.
﴿ وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ الرَّسُولِ ، أوِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُورِثُوا القُرْآنَ مِن بَعْدِ أهْلِ الكِتابِ.
وقُرِئَ «وَرَّثُوا» و «وُورِثُوا» .
﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ مِن كِتابِهِمْ لا يَعْلَمُونَهُ كَما هو أوْ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَقَّ الإيمانِ، أوْ مِنَ القُرْآنِ.
﴿ مُرِيبٍ ﴾ مُقْلِقٍ أوْ مُدْخَلٍ في الرِّيبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا تَفَرَّقُواْ} أي أهل الكتاب بعد أنبيائهم {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم} إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء عليهم السلام {بَغْياً بَيْنَهُمْ} حسداً وطلباً للرياسة والاستطالة بغير
حق {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} وهي بل الساعة موعدهم {لقضي بينهم} لاهلكوا حين اقترفوا لعظم ما اقترفوا {وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ} هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ} من كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان {مُرِيبٍ} مدخل في الريبة وقيل وما تفرق اهل
الشورى (١٧ - ١٥)
الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب الا من بعد ماجاءتهم البينة وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ هم المشركون أورثوا القرآن من بعد ما اورث اهل الكتاب التوارة والانجيل
﴿ وما تَفَرَّقُوا ﴾ أيْ أُمَمِ اَلْأنْبِياءِ بَعْدَ وفاةِ أنْبِيائِهِمْ كَما في اَلْكَشْفِ مُنْذُ بَعْثِ نُوحٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلدِّينِ اَلَّذِي دُعُوا إلَيْهِ واخْتَلَفُوا فِيهِ في وقْتٍ مِنَ اَلْأوْقاتِ ﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ مِن أنْبِيائِهِمْ بِأنَّ اَلْفُرْقَةَ ضَلالٌ وفَسادٌ وأمْرٌ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ وهَذا يُؤَيِّدُ ما دَلَّ عَلَيْهِ سابِقًا مِن أنَّ اَلْأُمَمَ اَلْقَدِيمَةَ والحَدِيثَةَ أُمِرُوا بِاتِّفاقِ اَلْكَلِمَةِ وإقامَةِ اَلدِّينِ، والمُرادُ بِالعِلْمِ سَبَبُهُ مَجازًا مُرْسَلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلتَّجَوُّزُ في اَلْإسْنادِ، وأنْ يَكُونَ اَلْكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ جاءَهم سَبَبُ اَلْعِلْمِ، وقَدْ يُقالُ جاءَ مَجازٌ عَنْ حَصَلَ، والِاسْتِثْناءُ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْأوْقاتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن أعَمِّ اَلْأحْوالِ أيْ ما تَفَرَّقُوا في حالٍ مِنَ اَلْأحْوالِ إلّا حالَ مَجِيءِ اَلْعِلْمِ ﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ عَداوَةً عَلى أنَّ اَلْبَغْيَ اَلظُّلْمُ والتَّجاوُزُ والعَداوَةُ سَبَبٌ لَهُ وهي اَلدّاعِي لِلتَّفَرُّقِ أوْ طَلَبًا لِلدُّنْيا والرِّياسَةِ عَلى أنَّ اَلْبَغْيَ مَصْدَرُ بَغى بِمَعْنى طَلَبَ ﴿ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ هي عِدَتُهُ تَعالى بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ ﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ مَعْلُومٍ لَهُ سُبْحانَهُ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ أوْ آخِرُ أعْمارِهِمُ اَلْمُقَدَّرَةِ لَهم ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِاسْتِئْصالِ اَلْمُبْطِلِينَ حِينَ اِفْتَرَقُوا لِعِظَمِ ما اِقْتَرَفُوا ﴿ وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ هم أهْلُ اَلْكِتابِ اَلَّذِينَ كانُوا في عَهْدِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (وُرِّثُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ اَلْواوِ ﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ أيْ مِن كِتابِهِمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ حَقَّ اَلْإيمانِ ﴿ مُرِيبٍ ﴾ مُقْلِقٍ أوْ مُدْخِلٍ في اَلرِّيبَةِ، والجُمْلَةُ اِعْتِراضٌ يُؤَكِّدُ أنَّ تَفَرُّقَهم ذَلِكَ باقٍ في أعْقابِهِمْ مُنْضَمًّا إلَيْهِ اَلشَّكُّ في كِتابِهِمْ مَعَ اِنْتِسابِهِمْ إلَيْهِ فَهم تَفَرَّقُوا بَعْدَ اَلْعِلْمِ اَلْحاصِلِ لَهم مِنَ اَلنَّبِيِّ اَلْمَبْعُوثِ إلَيْهِمُ اَلْمُصَدِّقِ لِكِتابِهِمْ وتَفَرَّقُوا قَبْلَهُ شَكًّا في كِتابِهِمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يُصَدِّقُوا حَقَّهُ.
<div class="verse-tafsir"
فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: هو خالق السموات والأرض، جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يعني: أصنافاً ذكراً، وأنثى، وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يعني: أصنافاً، ذكراً، وأنثى.
وقال القتبي: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يعني: من جنسكم إناثاً، وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يعني: إناثاً، يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ يعني: يخلقكم فيه.
أي: من الرحم.
وقال الكلبي: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ يعني: يكثرهم في التزويج.
وقال مقاتل: يعيشكم فيما جعل لكم من الذكور والإناث من الأنعام.
ثم قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في القدرة.
وقال أهل اللغة: هذا الكاف مؤكدة.
أي: ليس مثله شيء.
ويقال: المثل صلة في الكلام.
يعني: ليس هو كشيء، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ يعني: هو السميع لمقالتهم، البصير بهم وبأعمالهم.
ومعنى الآية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لأنه الخالق، العالم بكل شيء، والقادر على ما يشاء، الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255] وهذه المعاني بعيدة من غيره.
ثم قال عز وجل: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والأرض وهو المطر، وخزائن الأرض وهو النبات، يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ يعني: يوسع الرزق على من كان صلاحه في ذلك، وَيَقْدِرُ يعني: يقتر على من كان صلاحه في ذلك، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من البسط، والتقتير.
قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ قال مقاتل: أي: بيّن لكم الدين، وهو الإسلام.
ومِنَ هاهنا صلةِ وقال الكلبي: اختار لكم من الدين.
ومعناه: اختار لكم ديناً من الأديان، وأكرمكم به.
ثم قال: مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً يعني: الدين الذي أمر به نوحاً أن يدعو الخلق إليه، وأن يستقيم عليه، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يعني: الذي أوحينا إليك بأن تدعو الناس إليه: وَما وَصَّيْنا بِهِ يعني: والدين الذي أمرنا به إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى ثم بيّن ما أمرهم به، فقال: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ يعني: أقيموا التوحيد، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ يعني: لا تختلفوا في التوحيد، كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يعني: على مشركي مكة مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وهو التوحيد.
وقال أبو العالية: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ قال: الإخلاص لله في عبادته، لا شريك له، ولا تتفرقوا فيه.
قال: لا تتعالوا فيه، وكونوا عباد الله إخواناً كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ يعني: الإخلاص لله تعالى.
ويقال: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ يعني: ارفقوا في الدين.
اتفقوا ولا تتفرقوا فيه.
يعني: لا تختلفوا فيه، كما اختلف أهل الكتاب.
ثم قال: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ أي: يختار لدينه من يشاء، من كان أهلاً لذلك، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ يعني: يرشد إلى دينه، مَنْ يقبل إليه.
ويقال: يهدي من كان في علمه السابق أنه يتوب ويرجع.
ويقال: مَنْ يُنِيبُ يعني: من يجتهد بقلبه.
كما قال: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا قوله تعالى: وَما تَفَرَّقُوا يعني: مشركي مكة ما تفرقوا في الدين، إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ في كتابهم.
يعني: جاءهم محمد بالبينات.
ويقال: وَما تَفَرَّقُوا يعني: أهل الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ ما جاءهم العلم في كتابهم.
يعني: من نعت محمد بَغْياً بَيْنَهُمْ يعني: حسداً فيما بينهم، لأنه كان من العرب.
وروى معمر عن قتادة أنه تلى: وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ قال: إياكم والفرقة فإنها مهلكة.
وروي في الخبر: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ آفَة وآفَةُ الدِّينِ الهَوَى» .
ثم قال: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني: بتأخير العذاب إلى وقت معلوم.
لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يعني: لفرغ منهم بالهلاك.
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ يعني: أُعْطُوا التَّوْرَاة، والإنجيل، مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: من بعد نوح، وإبراهيم.
وقال مقاتل: يعني: من بعد الأنبياء لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يعني: من القرآن مُرِيبٍ أي: ظاهر الشك.
وقوله تعالى: فَلِذلِكَ فَادْعُ يعني: فإلى ذلك ادعهم يعني: إلى القرآن، ويقال: إلى التوحيد وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ يعني: استقم عليه كما أمر وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يعني: لا تعمل بهواهم، وذلك حين دعوه إلى ملة آبائه وَقُلْ آمَنْتُ يعني: صدقت بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ يعني: بجميع ما أنزل الله من الكتب عليَّ وعلى من كان قبلي وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ وهو الدعوة إلى التوحيد، وإلى قول: لا إله إلا الله اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ يعني: خالقنا وخالقكم لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ يعني: لنا ديننا، ولكم دينكم لاَ حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ يعني: لا خصومة بيننا وبينكم، يوم القيامة وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يعني: إليه المرجع في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
شواهِدُ كثيرة، وذهب الطَّبَرِيُّ «١» وغيره إلى أَنَّ المعنى: ليس كهو شيء، وقالوا: لفظة مَثَلُ في الآية توكيدٌ، وواقعةٌ موقع «هو» ، و «المقاليد» : المفاتيحُ قاله ابن عبَّاس وغيره «٢» ، وقال مجاهد هذا أصلها بالفارسيّة «٣» ، وهي هاهنا استعارة لوقوعِ كُلِّ أمرٍ تَحْتَ قدرته سبحانه، وقال السُّدِّيُّ: المقاليدُ: الخزائن «٤» ، وفي اللفظ على هذا حذفُ مضافٍ، قال قتادة: مَنْ ملك مقاليد خزائن، فالخزائن في ملكه «٥» .
وقوله سبحانه: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً ...
الآية، المعنى: شرع لكم وبَيَّنَ مِنَ المعتقدات والتوحيدِ ما وصى به نوحاً قَبْلُ.
وقوله: وَالَّذِي عطف على مَا، وكذلك ما ذكر بَعْدُ مِنْ إقامة الدِّينِ مشروعٌ اتفقت النُّبُوَّاتُ فِيهِ وذلك في المعتَقَدَاتِ، وأَمَّا الأحكامُ بانفرادها فَهِيَ في الشرائعِ مختلفةٌ، وهي المرادُ في قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨] وإقامة الدين هو توحيدُ اللَّهِ ورَفْضُ سِوَاهُ.
وقوله تعالى: وَلا تَتَفَرَّقُوا: نَهْيٌ عن المُهْلَكِ مِنْ تفرُّق الأنحاء والمذاهب، والخيرُ كُلُّه في الأُلْفَةِ واجتماع الكلمة، ثم قال تعالى لنبيّه ع: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: من توحيد اللَّه ورَفْضِ الأوثان قال قتادة: كَبُرَ عليهم «لا إله إلا اللَّه» وأبى اللَّه إلاَّ نَصْرها «٦» ، ثم سَلاَّه تعالى عنهم بقوله: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ ...
الآية،
أي: يختار ويصطفي قاله مجاهد وغيره «١» ويُنِيبُ يرجع عنِ الكُفْرِ ويحرص على الخير ويطلبه.
وَما تَفَرَّقُوا يعني: أوائل اليهود والنصارى إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ.
وقوله: بَغْياً بَيْنَهُمْ أي: بغى بعضُهم على بَعْضٍ، وأدَّاهم ذلك إلى اختلاف الرأْي وافتراقِ الكلمةِ، والكلمة السابقة قال المفسرون: هي حتمه تعالى القضاءَ بأَنَّ مجازاتهم إنَّما تقع في الآخرة، ولولا ذلك لَفَصَلَ بينهم في الدنيا، وغَلَّبَ المُحِقَّ على المُبْطِلِ.
وقوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ إشارة إلى معاصري نَبِيِّنا محمد- عليه السلام- من اليهود والنصارى.
وقيل: هو إشارة إلى العرب والكتاب على هذا هو القرآن، والضمير في قوله:
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يحتمل أنْ يعودَ على الكتاب، أو على محمد، أو على الأجل المسمى، أي: في شَكٍّ من البعث على قول مَنْ رأى أَنَّ الإشارة إلى العرب، ووَصَفَ الشَّكّ ب مُرِيبٍ مبالغة فيه، واللام في قوله تعالى: فَلِذلِكَ فَادْعُ قالت فرقة: هي بمنزلة «إلى» كأنه قال: فإلى ما وَصَّى به الأنبياءَ من التوحيدِ فادع، وقالت فرقة: بل هي بمعنى «من أجل» كأنه قال: من أجلِ أَنَّ الأمر كذا وكذا، ولكونه كذا فادع أَنْتَ إلى ربك، وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ به، وقال الفخر «٢» : يعني فلأجلِ ذلك التفرُّقِ، ولأجْلِ ما حَدَثَ من الاختلافاتِ الكثيرةِ في الدينِ فادع إلى الاتفاقِ على المِلَّةِ الحنيفيَّة، واستقِمْ عليها وعلى الدعوة إليها كما أمرك اللَّه، ولا تتّبع أهواءهم الباطلة، انتهى، وخوطب ع بالاستقامة، وهو قد كان مستقيماً بمعنى: دُمْ على استقامتك، وهكذا الشَّأْنُ في كُلِّ مأمورٍ بشيءٍ هو مُتَلَبِّسٌ به، إنَّما معناه الدوام، وهذه الآية ونحوها كانت نُصْبَ عَيْنَي النبيِّ ع، وكانت شديدة الموقع من نفسه، أعني قوله تعالى: وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ، لأنَّها جملة تحتها جمِيعُ الطاعاتِ وتكاليفُ النبوَّة، وفي هذا المعنى- قال عليه السلام-: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُها» ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللَّه؟
فَقَالَ: لأَنَّ فِيهَا: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ «٣» [هود: ١١٢] وهذا الخطاب له ع بحسب قوّته في أمر الله عز وجل، وقال:
هو لأُمَّتِهِ بحسب ضعفهم: استقيموا ولن تحصوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو عامٌّ ﴿ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ.
والثّانِي: هو يَحْكُمُ فِيهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كَفَرَ بَعْضُهم بِالقُرْآنِ، وآمَنَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ اللَّهُ: أنا الَّذِي أحْكُمُ فِيهِ ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ ﴾ الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ هو ﴿ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ في مُهِمّاتِي ﴿ وَإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ أيْ: أرْجِعُ في المَعادِ.
﴿ فاطِرُ السَّماواتِ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٤]، ﴿ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ: مِن مِثْلِ خَلْقِكم ﴿ أزْواجًا ﴾ نِساءً ﴿ وَمِنَ الأنْعامِ أزْواجًا ﴾ أصْنافًا ذُكُورًا وإناثًا؛ والمَعْنى أنَّهُ خَلَقَ لَكُمُ الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَخْلُقُكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: يُعَيِّشُكُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: يُكَثِّرُكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
و[فِي قَوْلِهِ] ﴿ فِيهِ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها عَلى أصْلِها، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
فَعَلى هَذا في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى بُطُونِ الإناثِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأزْواجِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَخْلُقُكم في بُطُونِ النِّساءِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: يَخْلُقُكم في الرَّحِمِ أوْ في الزَّوْجِ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَخْلُقُكم فِيما جُعِلَ لَكم مِن أزْواجِكُمْ، ويُعَيِّشُكم فِيما جَعَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ.
والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يُعَيِّشُكم فِيما جُعِلَ مِنَ الأنْعامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: يَخْلُقُكم في هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن جَعْلِ الأزْواجِ، قالَهُ الواحِدِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ "فِيهِ" بِمَعْنى "بِهِ"؛ والمَعْنى: يُكَثِّرُكم بِما جُعِلَ لَكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ، والعَرَبُ تُقِيمُ المَثَلَ مَقامَ النَّفْسِ، فَتَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: الكافُ مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الزُّمَرِ: ٦٣، الرَّعْدِ: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ ﴾ أيْ: بَيَّنَ وأوْضَحَ ﴿ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال.
أحَدُها: أنَّهُ تَحْلِيلُ الحَلالِ وتَحْرِيمُ الحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: تَحْرِيمُ الأخَواتِ والأُمَّهاتِ، قالَهُ الحَكَمُ.
والثّالِثُ: التَّوْحِيدُ وتَرْكُ الشِّرْكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ وشَرائِعِ الإسْلامِ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وشَرَعَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وشَرَعَ لَكم ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ وَمُوسى وعِيسى.
وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ﴾ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ﴾ ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِـ ﴿ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿ وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ﴾ ، فَيَكُونُ المَعْنى: شَرَعَ لَكم ولِمَن قَبْلَكم إقامَةَ الدِّينِ وتَرْكَ الفِرْقَةِ، وشَرَعَ الِاجْتِماعَ عَلى اتِّباعِ الرُّسُلِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ ﴿ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ أيْ: لا تَخْتَلِفُوا ﴿ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ: عَظُمَ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴾ يا مُحَمَّدُ مِنَ التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ ﴾ أيْ: يَصْطَفِي مِن عِبادِهِ لِدِينِهِ ﴿ مَن يَشاءُ ويَهْدِي ﴾ إلى دِينِهِ، ﴿ مَن يُنِيبُ ﴾ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ افْتِراقَهم بَعْدَ أنْ أوْصاهُ بِتَرْكِ الفُرْقَةِ، فَقالَ: ﴿ وَما تَفَرَّقُوا ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ ﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِن بَعْدِ كَثْرَةِ عِلْمِهِمْ لِلْبَغْيِ.
والثّانِي: مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالٌ.
والثّالِثُ: مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ القُرْآنُ، بَغْيًا مِنهم عَلى مُحَمَّدٍ .
﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ في تَأْخِيرِ المُكَذِّبِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِإنْزالِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ ﴿ وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أنْبِيائِهِمْ ﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ أيْ: مِن مُحَمَّدٍ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِينِ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مِنَ يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مِنَ يُنِيبُ ﴾ ﴿ وَما تَفَرَّقُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ ﴾ المَعْنى: شَرَعَ اللهُ تَعالى لَكم وبَيَّنَ مَنِ المُعْتَقَداتِ والتَوْحِيدِ ما وصّى بِهِ نُوحًا قَبْلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والَّذِي" ﴾ عَطْفٌ عَلى "ما"، وكَذَلِكَ ما ذُكِرَ بَعْدَ مِن إقامَةُ الدِينِ مَشْرُوعٌ اتَّفَقَتِ النُبُوّاتُ فِيهِ، وذَلِكَ في المُعْتَقَداتِ أو في جُمْلَةِ أمْرِها مِن أنَّ كُلَّ نُبُوَّةٍ فَإنَّما مُضَمَّنُها مُعْتَقَداتٌ وأحْكامٌ، فَيَجِيءُ المَعْنى عَلى هَذا: شَرَعَ لَكم شِرْعَةً هي كَشِرْعَةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَلامُ في أنَّها ذاتِ المُعْتَقَداتِ المَشْهُورَةِ الَّتِي هي في كُلِّ نُبُوءَةٍ، وذاتُ أحْكامٍ كَما كانَتْ تِلْكَ كُلُّها، وعَلى هَذا يَتَخَرَّجُ ما حَكاهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ، فَقالَ: ﴿ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴾ يُرِيدُ: الحَلالُ والحَرامُ، وعَلَيْهِ رَوِيٌّ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ مَن أتى بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأُمَّهاتِ، وأمّا الأحْكامُ بِانْفِرادِها فَهي في الشَرائِعِ مُخْتَلِفَةٌ، وهي المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ ، و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ أقِيمُوا الدِينَ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعٍ نَصُبُّ بَدَلًا مِن "ما"، ويَجُوزُ في مَوْضِعٍ خَفَّضَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، أو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنْ، و[يَجُوزُ] أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى: "أيْ" لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، و"إقامَةُ الدِينِ" هو تَوْحِيدُ اللهِ تَعالى ورَفَضَ ما سِواهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَفَرَّقُوا ﴾ نَهْيٌ عَنِ المُهْلِكِ مِن تَفَرُّقِ الأنْحاءِ والمَذاهِبِ، والخَيْرُ كُلُّهُ في الأُلْفَةِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِصُعُوبَةِ مَوْقِعِ هَذِهِ الدَعْوَةِ إلى إقامَةِ الدِينِ عَلى المُشْرِكِينَ بِاللهِ تَعالى العابِدِينَ الأصْنامَ.
قالَ قَتادَةُ: كُبُرَتْ عَلَيْهِمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، وأبى اللهُ تَعالى إلّا نَصْرَها وإظْهارَها، ثُمَّ سَلّاهُ تَعالى عنهم بِقَوْلِهِ: ﴿ اللهُ يَجْتَبِي ﴾ أيْ: يَخْتارُ ويَصْطَفِي، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: و"يُنِيبُ" مَعْناهُ: يَرْجِعُ عَنِ الكُفْرِ ويَحْرِصُ عَلى الخَيْرِ ويَطْلُبُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَفَرَّقُوا ﴾ : عِبارَةٌ يَجْمَعُ خِطابُها كُفّارَ العَرَبِ واليَهُودِ والنَصارى وكُلِّ مَدْعُوٍّ إلى الإسْلامِ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ أنْ يُقالَ: "ما تَفَرَّقُوا"، يَعْنِي بِذَلِكَ: أوائِلَ اليَهُودِ والنَصارى، والعِلْمَ الَّذِي جاءَهم هو ما كانَ حَصَلَ في نُفُوسِهِمْ مِن عِلْمِ كُتِبِ اللهِ تَعالى، فَبَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وأدّاهُمُ ذَلِكَ إلى الِاخْتِلافِ في الرَأْيِ، و"الكَلِمَةُ السابِقَةُ" قالَ المُفَسِّرُونَ: هي حَتْمُهُ تَعالى القَضاءَ بِأنَّ مُجازاتَهم إنَّما تَقَعُ في الآخِرَةِ، فَلَوْلا ذَلِكَ لَفَصَلَ بَيْنِهِمْ في الدُنْيا وغُلِّبَ المُحِقُّ عَلى المُبْطِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ ﴾ إشارَةٌ إلى مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى، وقِيلَ: هي إشارَةٌ إلى العَرَبِ، و"الكِتابُ": هو القُرْآنُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَفِي شَكٍّ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوِّدَ عَلى "الكِتابَ، أو عَلى مُحَمَّدٍ ، أو عَلى "الأجَلِ المُسَمّى"، أيْ: في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ عَلى قَوْلِ مَن رَأى الإشارَةَ إلى العَرَبِ، ووَصْفُ الشَكِّ بِـ "مُرِيبٍ" مُبالَغَةٌ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُنِيبُ * وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ .
عطف على جملة ﴿ ولا تتفرقوا فيه ﴾ [الشورى: 13] وما بينهما اعتراض كما علمت، وفي الكلام حذف يدل عليه قوله: ﴿ وما تفرقوا ﴾ تقديره: فتفرقوا.
وضمير ﴿ تفرقوا ﴾ عائد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ أن أقيموا الدّين ولا تتفرقوا ﴾ [الشورى: 13] وهم أمم الرّسل المذكورين، أي أوصيناهم بواسطة رسلهم بأن يقيموا الدّين.
دلّ على تقديره ما في فعل ﴿ وصَّى ﴾ [الشورى: 13] من معنى التبليغ كما تقدم.
والعلم: إدراك العقل جزماً أو ظنّاً.
ومجيء العِلم إليهم يؤذن بأن رسلهم بيّنوا لهم مضارّ التفرق من عهد نوح كما حكى الله عنه في قوله: ﴿ ثم إنّي دعوتُهم جِهاراً ثم إنِيَ أعلنتُ لهم وأسررت لهم إسراراً ﴾ إلى قوله: ﴿ سُبُلاً فِجَاجاً ﴾ في سورة نوح (8 20).
وإنما تلقَّى ذلك العِلمَ علماؤهم.
ويجوز أن يكون المراد بالعلم سببَ العلم، أي إلاّ من بعد مجيء النبي بصفاته الموافقة لما في كِتابهم فتفرقوا في اختلاق المطاعن والمعاذير الباطلة لينفوا مطابقة الصفات، فيكون كقوله تعالى: ﴿ وما تَفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البيَّنة ﴾ [البينة: 4] على أحد تفسيرين.
والمعنى: وما تفرقت أممهم في أديانهم إلا من بعد ما جاءهم العلم على لسان رسلهم من النهي عن التفرق في الدّين مع بيانهم لهم مفاسد التفرق وأضراره، أي أنهم تفرقوا عالمين بمفاسد التفرق غير معذورين بالجهل.
وهذا كقوله تعالى: ﴿ وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البيّنة ﴾ [البينة: 4] على التفسير الآخر.
وذُكر سبب تفرقهم بقوله: ﴿ بغياً بينهم ﴾ أي تفرّقوا لأجل العداوة بينهم، أي بين المتفرقين، أي لم يحافظوا على وصَايَا الرّسل.
وهذا تعريض بالمشركين في إعراضهم عن دعوة الإسلام لعداوتهم للمؤمنين وقولُه: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ الخ تحذير للمؤمنين من مثل ذلك الاختلاف.
وتنكير ﴿ كلمة ﴾ للتنويع لأن لكل فريق من المتفرقين في الدّين كلمة من الله في تأجيلهم فهو على حدّ قوله تعالى: ﴿ وعلى أبصارهم غشاوة ﴾ [البقرة: 7].
وتنكير ﴿ أجل ﴾ أيضاً للتنويع لأن لكل أمة من المتفرقين أجلاً مسمى، فهي آجال متفاوتة في الطّول والقصر ومختلفة بالأزمنة والأمكنة.
والمراد بالكلمة ما أراده الله من إمهالهم وتأخير مؤاخذتهم إلى أجل لهم اقتضته حكمتُه في نظام هذا العالم، فربّما أخرهم ثم عذّبهم في الدنيا، وربّما أخرهم إلى عذاب الآخرة، وكل ذلك يدخل في الأجل المسمّى، ولكل ذلك كلمته.
فالكلمة هنا مستعارة للإرادة والتقدير.
وسبقها تقدمها من قَبل وقت تفرقهم وذلك سبْق علم الله بها وإرادته إيّاها على وقف علمه وقدره، وقد تقدم نظير هذه الكلمة في سورة هود وفي سورة طه.
﴿ بِيْنَهُمْ وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ .
عطف على جملة ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ إلى قوله: ﴿ لقضي بينهم ﴾ .
وهذه الجملة هي المقصود من جملة ﴿ شَرع لكم من الدّين ما وصَّى به نوحاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا تتفرقوا فيه ﴾ [الشورى: 13]، لأن المقصود أهل الكتاب الموجودون في زمن نزول الآية.
وإذ قد كانت من الأمم التي أوحى الله إلى رسلهم أمتَاننِ موجودتان في حين نزول هذه الآية وهما اليهود والنصارى، وكانتا قد تفرقتا فيما جاءهم به العلم، وكان الله قد أخّر القضاء بين المختلفين منهم إلى أجل مسمّى، وكانوا لمَّا بلغتهم رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم شَكُّوا في انطباق الأوصاف التي وردت في الكتاب بوصف النبي الموعود به.
فالمعنى: أنه كما تفرق أسلافهم في الدّين قبل بعثة النبي الموعود به تفرق خلَفُهم مثلهم وزادوا تفرقاً في تطبيق صفات النبي الموعود به تفرقاً ناشئاً عن التردد والشك، أي دونَ بذل الجهد في تحصيل اليقين، فلم يزل الشك دأبهم.
فالمخبر عنهم بأنهم في شك: هم الذين أُورثوا الكتاب من بعدِ سلفهم.
وقد جاء نظم الآية على أسلوب إيجاز يتحمل هذه المعاني الكثيرةَ وما يتفرع عنها، فجيء بضمير ﴿ منه ﴾ بعد تقدُّم ألفاظ صالحة لأن تكون معادَ ذلك الضمير، وهي لفظ ﴿ الدِّين في قوله من الدّين ﴾ [الشورى: 13]، ولفظ الذي } في قوله: ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ [الشورى: 13]، و ﴿ ما تدعوهم إليه ﴾ [الشورى: 13]، وهذه الثلاثة مدلولها الإسلام.
وهنالك لفظ ﴿ ما وصيّنا ﴾ [الشورى: 13] المتعدّي إلى موسى وعيسى، ولفظ ﴿ الكتاب ﴾ في قوله ﴿ وإن الذين أُورثوا الكتاب ﴾ .
وهذان مدلولهما كتابَا أهل الكتاب.
وهؤلاء الذين أوتوا الكتاب هم الموجودون في وقت نزول الآية.
والإخبار عنهم بأنهم في شك ناشئ من تلك المعادات للضمير معناه: أن مبلغ كفرهم وعنادهم لا يتجاوز حالة الشك في صدق الرّسالة المحمدية، أي ليسوا مع ذلك بموقنين بأن الإسلام باطل، ولكنهم تردّدوا ثم أقدموا على التكذيب به حسداً وعناداً.
فمنهم من بقي حالهم في الشك.
ومنهم من أيقن بأن الإسلام حق، كما قال تعالى: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ﴾ [البقرة: 146].
ويحتمل أن المعنى لفي شك بصدق القرآن أو في شك مما في كتابهم من الأمور التي تفرقوا فيها، أو ما في كتابهم من الدّلالة على مجيء النبي الموعود به وصفاته.
فهذه معان كثيرة تتحملها الآية وكلها منطبقة على أهل الكتابَيْن وبذلك يظهر أنه لا داعي إلى صرف كلمة ﴿ شك ﴾ عن حقيقتها.
ومعنى ﴿ أورثوا الكتاب ﴾ صار إليهم علم الكتاب الذي اختلف فيه سلفُهم فاستعير الإرث للخَلفِيّة في علم الكتاب.
والتعريف في ﴿ الكتاب ﴾ للجنس ليشمل كتاب اليهود وكتاب النصارى.
فضمير ﴿ من بعدهم ﴾ عائِد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ تفرقوا ﴾ وهم الذين خوطبوا بقوله ﴿ ولا تتفرقوا فيه ﴾ [الشورى: 13].
وظرفية قوله: ﴿ في شك ﴾ ظرفية مجازية وهي استعارة تبعية، شُبه تمكن الشك من نفوسهم بإحاطة الظرف بالمظروف.
و (من) في قوله: ﴿ لفي شك منه ﴾ ابتدائية وهو ابتداء مجازي معناه المصاحبة والملابسة، أي شك متعلق به أو في شك بسببه.
ففي حرف (من) استعارة تبعية، وقع حرف (مِن) موقع باء المصاحبة أو السببية.
وتأكيد الخبر ب ﴿ إنَّ ﴾ للاهتمام ومجرد تحقيقه للنبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وهذا الاهتمام كناية عن التحريض للحذر من مكرهم وعدم الركون إليهم لظهور عداوتهم لئلا يركنوا إليهم، ولعل اليهود قد أخذوا يومئذٍ في تشكيك المسلمين واختلطوا بهم في مكّة ليتطلعوا حال الدعوة المحمدية.
هذا هو الوجه في تفسير هذه الآية وهو الذي يلتئم مع ما قبله ومع قوله بعده ﴿ ولا تتبع أهواءهم وقُل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأُمرتُ لأعدل بينكم الله رَبّنا وربّكم ﴾ [الشورى: 15] الآية.
والمريب: الموجب الريب وهو الاتهام.
فالمعنى: لفي شك يفضي إلى الظنة والتهمة، أي شك مشوب بتكذيب، ف ﴿ مريب ﴾ اسم فاعل من أراب الذي همزته للتعدية، أي جاعل الريب، وليست همزةَ أراب التي هي للجعل في قولهم: أرابني بمعنى أوهمني منه ريبة وهو ليس بذي ريب، كما في قول بشار: أخوك الذي إن رِبْتَه قال إنّما *** أرَبْتَ وإن عاتبته لان جانبه على رواية فتح التاء من أربتَ، وتقدم قوله ﴿ وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب ﴾ في سورة هود (62).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴾ وفي ﴿ شَرَعَ لَكُمْ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: سَنَّ لَكم.
الثّانِي: بَيَّنَ لَكم.
الثّالِثُ: اخْتارَ لَكم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: أوْجَبَ عَلَيْكم.
﴿ مِنَ الدِّينِ ﴾ يَعْنِي الدِّينَ ومِن زائِدَةٌ في الكَلامِ.
وَفي ﴿ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَحْرِيمُ الأُمَّهاتِ والبَناتِ والأخَواتِ، لِأنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ أتى أُمَّتَهُ بِتَحْرِيمِ.
ذَلِكَ، قالَهُ الحَكَمُ.
الثّانِي: تَحْلِيلُ الحَلالِ وتَحْرِيمُ الحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اعْمَلُوا بِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ادْعُوا إلَيْهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: دِينُ اللَّهِ في طاعَتِهِ وتَوْحِيدِهِ واحِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: جاهِدُوا عَلَيْهِ مَن عانَدَهُ.
﴿ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَتَعادَوْا عَلَيْهِ، وكُونُوا عَلَيْهِ إخْوانًا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِيَةُ: لا تَخْتَلِفُوا فِيهِ فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُصَدِّقٌ لِمَن قَبْلَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مِن شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاعْتِرافِ بِنُبُوَّتِهِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِمْ أشَدُّ وهم مِنهُ أنْفَرُ.
﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ هو مَن يُولَدُ عَلى الإسْلامِ.
﴿ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ هو مَن يُسْلِمُ مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: يَسْتَخْلِصُ إلَيْهِ مَن يَشاءُ.
قالَهُ مُجاهِدٌ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُقْبِلُ عَلى طاعَتِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما تَفَرَّقُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنْ مُحَمَّدٍ .
الثّانِي: في القُرْآنِ.
﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلّا مِن بَعْدِ ما تَبَحَّرُوا في العِلْمِ، قالَهُ الأعْمَشُ.
الثّانِي: إلّا مِن بَعْدِ ما عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالٌ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الثّالِثُ: إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ القُرْآنُ، وسَمّاهُ عِلْمًا لِأنَّهُ يُتَعَلَّمُ مِنهُ.
﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِابْتِغاءِ الدُّنْيا وطَلَبِ مُلْكِها، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
الثّانِي: لِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في رَحْمَتِهِ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ.
الثّانِي: في تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ، قالَ قَتادَةُ.
﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ إلى قِيامِ السّاعَةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ﴾ الآيَةَ.
وَيَحْتَمِلُ إلى الأجَلِ الَّذِي قُضِيَ فِيهِ بِعَذابِهِمْ.
﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ لَعُجِّلَ هَلاكُهم.
﴿ وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهم نُبِّئُوا مِن بَعْدِ الأنْبِياءِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَفي شَكٍّ مِنَ القُرْآنِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الثّانِي: لَفي شَكٍّ مِنَ الإخْلاصِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّالِثُ: لَفي شَكٍّ مِن صِدْقِ الرَّسُولِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه، في قوله، ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ : قال: وصاك يا محمد وأنبياءه كلهم ديناً واحداً.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ قال: الحلال والحرام.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه قال: بعث نوح عليه السلام، حين بعث بالشريعة، بتحليل الحلال وتحريم الحرام.
وأخرج ابن المنذر، عن زيد بن رفيع، بقية أهل الجزيرة، قال: بعث الله نوحاً عليه السلام، وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة نوح عليه السلام، ما كانوا، فما أطفأها إلا الزندقة، ثم بعث الله موسى عليه السلام، وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة من بعد موسى، ما كانوا، فما أطفأها إلا الزندقة، ثم بعث الله عيسى عليه السلام، وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة عيسى عليه السلام، ما كانوا فما أطفأها إلا الزندقة، قال: ولا يخاف على هلاك هذا الدين، إلا الزندقة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن الحكم، قال: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ ، قال: جاء نوح عليه السلام بالشريعة، بتحريم الأمهات والأخوات والبنات.
وأخرج ابن جرير، عن السدي رضي الله عنه ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ ، قال: اعملوا به.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة: ﴿ أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ﴾ .
قال: تعلموا أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة، ﴿ كَبُرَ على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ .
قال: استكبر المشركون أن قيل لهم: لا إله إلا الله، ضانها إبليس وجنوده ليردوها، فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها ويظهرها على ما ناوأها، وهي كلمة من خاصم بها فلج، ومن انتصر بها نصر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ الله يجتبي إليه من يشاء ﴾ قال: يخلص لنفسه من يشاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ بغياً بينهم ﴾ قال: كثرت أموالهم فبغى بعضهم على بعض.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ ويهدي إليه من ينيب ﴾ قال: من يقبل إلى طاعة الله، وفي قوله: ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ﴾ ، قال: اليهود والنصارى.
وأخرج عبد بن حميد، عن كعب رضي الله عنه ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾ قال: في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا تفرقوا ﴾ يعني أهل الأديان المختلفة من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ ﴾ يعني القضاء السابق بأن لا يفصل بينهم في الدنيا ﴿ وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب ﴾ يعني المعاصرين لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، وقيل: يعني العرب، والكتاب على هذا القرآن ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ الضمير للكتاب، أو للدين أو لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يوحي ﴾ على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس ﴿ يكاد ﴾ بالياء التحتانية: نافع وعلي ﴿ تنفطرن ﴾ بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.
﴿ يبشر الله ﴾ مخففاً من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي.
الوقوف: ﴿ حم عسق ﴾ كوفي ﴿ من قبلك ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يوحى ﴾ مجهولاً كأنه قيل: من الموحي فقال الله أي هو الله ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لمن في الأرض ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما قبله ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للفصل بين الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء ﴿ الموتى ﴾ ط فصلاً بين المقدور المخصوص وبين القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أزواجاً ﴾ الثاني ط لأن ضمير ﴿ فيه ﴾ يحتمل أن يعود إلى الازدواج الذي في مدلول الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل معنى الفعل في له أو في الملك.
﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط كذلك ما بعده ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فادع ﴾ ج ﴿ كما أمرت ﴾ ج ﴿ أهواءهم ﴾ ج ﴿ كتاب ﴾ ج كل ذلك للترتيل في القراءة وإن اتفقت الجملتان ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بيننا ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ والميزان ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ منها ﴾ ج للعطف أو الحال ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله ﴿ الله لطيف ﴾ وهما متفقتان ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ في حرثه ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ نصيب ﴾ ه ﴿ به الله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الجنات ﴾ ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ في القربى ﴾ ط ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه.
التفسير: الكلام في ﴿ حم ﴾ كما سبق وأما ﴿ عسق ﴾ فقد قيل: إنه مع ﴿ حم ﴾ اسم للسورة.
وقيل: رموز إلى فتن كان عليّ يعرفها.
وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته.
وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف قدرة المهدي.
وهذه الأقاويل مما لا معول عليها.
وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده.
أقسم أنه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات.
والأولى تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح.
وإنما فصل ﴿ حم ﴾ من ﴿ عسق ﴾ حتى عدا آيتين خلاف ﴿ كهيعص ﴾ لتقدم ﴿ حم ﴾ قبله واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحاً إلا هذه فإنها دلت عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب.
روي عن ابن عباس أنه لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه ﴿ حم عسق ﴾ والله أعلم بصحة هذه الرواية.
والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الأنبياء قبلك.
والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ وفي ورود لفظ ﴿ يوحى ﴾ مستقبلاً لا ماضياً إشارة إلى أن إيحاء مثله عادته.
ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الخ.
ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال ﴿ تكاد السموات يتفطرن ﴾ وقد سبق في آخر سورة مريم.
ومعنى ﴿ من فوقهن ﴾ أن الانفطار يبتدىء من أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل.
قال جار الله: كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن.
وقيل: معناه من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء فوقنا.
وقيل: الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: يتفطرن من ثقل الرحمن.
فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة.
ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافاً محذوفاً أي من ثقل ملائكة الرحمن كقوله "أطت السماء أطأ وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد." ثم انتقل من وصف الجسمانيات إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم إلى عالم الأرواح يسبحون بالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال ﴿ والملائكة ﴾ قيل: هو عام.
وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا أنه عمم ههنا فقال ﴿ لمن في الأرض ﴾ أي يطلبون أن لا يعاجل الله أهل الأرض بالعذاب طمعاً في توبة الكفار والفساق منهم.
وقيل: هو مخصوص بما مر أي يستغفرون للمؤمنين منهم.
ثم سلى نبيه بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك إلا البلاغ.
قوله ﴿ وكذلك أوحينا ﴾ قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما اعترض بين الكلامين ما اعترض.
وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، ﴿ وذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم برقيب.
وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع.
﴿ وقرآناً عربياً ﴾ حال.
والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم معناه ولا يتجاوز حد الإنذار.
ويجوز أن يكون ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الإيحاء أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر.
قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا وبكذا.
فمن الاستعمال الثاني قوله ﴿ لتنذر أم القرى ﴾ أي أهل مكة على حذف المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف.
ومن الاستعمال الأول قوله ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ والمفعول الأول محذوف وتنذر الناس يوماً تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل عامل وعمله.
قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ان قوله ﴿ وتنذر ﴾ يكون مكرراً للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم الجمع.
وقد مر في القصص في قوله ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ أن مكة لم سميت أم القرى.
وقوله ﴿ ومن حولها ﴾ يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو بنص آخر كقوله ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس ﴾ وقوله ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة.
وقوله ﴿ فريق ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل حالهم بعد الحشر والاجتماع.
ثم بين بقوله ﴿ ولو شاء الله ﴾ الخ.
أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة متعلق بمشيئته وإرادته.
وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مراراً.
والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة أن يكونوا مسلمين كلهم.
وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياساً على قوله ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة قائلاً ﴿ أم اتخذوا من دونه أولياء ﴾ إن أرادوا أولياء بحق ﴿ فالله هو الولي ﴾ الذي يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه ﴿ يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ وهو الحقيق بأن يتخذ ولياً.
وحين منع الرسول من التحزن على من كفر أراد أن يمنع المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال ﴿ وما اختلفتم ﴾ والتقدير: قل يا محمد كذا بدليل قوله ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ الآية.
والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ومعاقبة المبطلين.
وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله كقوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وقيل: وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو إلى الظاهر من السنة.
وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره.
قال في الكشاف: ولا يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول .
قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده.
وقوله ﴿ وما اختلفتم ﴾ شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل ﴿ يا أيها الناس ﴾ ومثل ﴿ أقيموا الصلاة ﴾ والأظهر أن اختلافهم يدخل فيه، وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد.
فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد.
قلنا: إذا كان القياس مأموراً به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيباً، كانت المخالفة في حكم الموافقة ولهذا قال "اختلاف أمتي رحمة" ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيداً لصحة أحكامه فقال ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ أنه خلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً حتى حصل بين الذكور والإناث التوالد والتناسل.
والضمير في ﴿ يذرؤكم ﴾ راجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فيه تغليبين تغليب المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على غيرهم.
وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل.
وإنما قال ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعاً ومعدناً للتكثير كقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ومعنى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل والله شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا التقرير مختص بنا.
قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل.
يعنون أنت لا تبخل.
وكذا ههنا يريد ليس كالله شيء.
وجوز أن يكون تكرير حرف التشبيه للتأكيد.
وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية.
قوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضاً.
وحين عظم وحيه إلى محمد بقوله ﴿ كذلك يوحى إليك ﴾ إلى آخره ذكر تفصيل ذلك فقال ﴿ شرع لكم ﴾ أي أوجب وبين لأجلكم ﴿ من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وهو أقدم الأديان بعد الطوفان ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ وهو ختمها ﴿ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ وهي الملل المعتبرة المتوسطة.
ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ الحنيفي ومحله نصب بدلاً من مفعول ﴿ شرع ﴾ أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟
فقيل: هو إقامة الدين.
يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله { ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في ﴿ أوحينا ﴾ والخطاب في ﴿ إليك ﴾ تفخيم شأن الرسول .
ثم حكى حسد أهل الشرك بقوله ﴿ كبر على المشركين ﴾ أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من الدين المبرأ من عبادة غير الله.
ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه.
يقال: اجتباه إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي إلى الدين.
ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ ببعث محمد وصحة نبوته كقوله في آل عمران ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾ وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما أمروا به.
قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله ﴿ إلا من بعدما جاءهم العلم ﴾ حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ليكون محدوداً من الطرفين.
وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب ﴾ هم العرب ورثوا القرآن من بعدما أورث أهل الكتابين كتابهم أو هم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك من كتابهم وهو مع العلم غير مجتمعين ﴿ فلذلك ﴾ أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم ﴿ فادع ﴾ إلى الملة الحنيفية.
وقيل: اللام بمعنى "إلى" والإشارة إلى القرآن ﴿ وأستقم ﴾ عليها كما أمرت ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ المختلفة ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من ﴾ أي ﴿ كتاب ﴾ كان ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إليّ حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري.
ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال ﴿ الله ربنا وربكم لنا ﴾ جزاء ﴿ أعمالنا ولكم ﴾ جزاء ﴿ أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾ وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية وإنما بقي السيف.
وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ إشارة إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي المنتقم.
ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله ﴿ من بعدما استجيب له ﴾ أي من بعدما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر ﴿ حجتهم داحضة ﴾ أي باطلة زائلة ﴿ عند ربهم ﴾ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا.
وأيضاً أنتم تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية التوراة متفق عليها ونبوة محمد مختلف فيها.
والجواب أن نبوّة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق محمد كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضاً.
ثم حث على سلوك طريقة العدل حذراً من عقاب يوم القيامة فقال ﴿ الله الذي أنزل الكتاب ﴾ أي جنسه متلبساً بالغرض الصحيح ﴿ والميزان ﴾ أي أنزل العدل والسوية في كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان.
وقيل: هو العقل.
وقيل: الميزان نفسه وذلك في زمن نوح.
وقيل: هو محمد يقضي بينهم بالكتاب ﴿ وما يدريك ﴾ يا محمد أو أيها المكلف ﴿ لعل الساعة ﴾ أي مجيئها ﴿ قريب ﴾ أو ذكر بتأويل البعث أو الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب.
ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف.
ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه.
ثم قبح طريقة منكري الساعة فقال ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ يقولون على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة؟
وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال.
ثم مدح المقربين بأنهم يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالاً له أو حذراً من تقصير وخلل وقع في العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجاً بالرجاء، وقد مر تحقيقه مراراً.
ثم هدد الشاكين المجادلين في أمر البعث بقوله ﴿ ألا إن الذين يمارون ﴾ وأصله من المرية الشك ﴿ لفي ضلال بعيد ﴾ عن الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن في إنكاره نسبة الله إلى ضد العلم والقدرة.
ثم إنه لا ريب في أن إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ عمم البر ثم خصص بقوله ﴿ يرزق من يشاء ﴾ يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر أسباب المزية إلا أن أحداً منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا.
وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر في قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وأما قوله ﴿ القوي العزيز ﴾ ففيه إشارة إلى أن لطفه مقرون بقهره.
وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ﴾ سماه حرثاً تشبيهاً للعامل الطالب لثواب الآخرة أضعافاً مضاعفة بالزارع الذي يلقي البذر في الأرض طلباً للزيادة والنماء، ومن فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله أضعافاً مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال ﴿ نؤته منها ﴾ أي بعض ذلك ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة أخرى وهي أن يعلم أن شيئاً من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق.
عن النبي "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظه أو لفظ هذا معناه.
وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا.
وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة.
قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال بقوله ﴿ أم لهم شركاء ﴾ وهي المنقطعة عند بعضهم.
وقال آخرون: هي المعادلة لألف الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم من الدين أم لهم آلهة.
﴿ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ﴾ أي لم يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله ﴿ أتنبؤن الله بما لا يعلم ﴾ والأذن بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ﴿ لقضي بينهم ﴾ والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء ﴿ ترى الظالمين ﴾ في القيامة ﴿ مشفقين ﴾ خائفين ﴿ مما كسبوا ﴾ من الجرائم ﴿ وهو ﴾ أي وبال ذلك ﴿ واقع بهم ﴾ واصل إليهم لا محالة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ أي منتزهاتها.
قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين وغيرهم ليس إلا بالذي آمن ولم يعمل صالحاً وهو الفاسق.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون الجنات كلها روضات.
ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا.
والفضل الكبير قد تقدم في "فاطر".
﴿ ذلك ﴾ المذكور أو الثواب أو التبشير هو ﴿ الذي يبشر الله ﴾ به ﴿ عباده ﴾ ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر رسوله بأن يقول ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ على هذا التبليغ ﴿ أجراً إلا المودة ﴾ الكائنة ﴿ في القربى ﴾ جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ولهذا لم يقل "مودة القربى" أو "المودة للقربى" وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم.
فإن قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في "الشعراء".
وقد جاء في حق نبينا أيضاً ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ﴾ ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ﴾ والمعقول منه أن التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة.
وأيضاً أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة.
قلنا: إن من جعل الآية منسوخة باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب والمعنى لا أطلب منكم أجراً، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ ومنهم من قال: الاستثناء منقطع أي لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي تفسير ﴿ المودة في القربى ﴾ أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله كان واسطة النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا عليّ.
القول الثاني: روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا.
ثم أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم.
القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح.
الرابع: عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟
فقال: علي وفاطمة وابناهما.
ولا ريب أن هذا فخر عظيم وشرف تام، ويؤيده ما روي أن علياً شكا إلى رسول الله حسد الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا وعنه "حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة" " وكان يقول "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله ﴿ فاتبعوه ﴾ وكفى شرفاً لآل رسول الله وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة.
قال بعض المذكرين: إن النبي قال "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق" وعنه "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فنحن نركب سفينة حب آل محمد ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج الشبه والضلالة.
ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ أي يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره ههنا للخير.
عن السدي أنها المودة في آل رسول الله نزلت في أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه مرادة قصداً أولياً لذكرها عقيبها.
ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها ﴿ إن الله غفور ﴾ لمن أذنب ﴿ شكور ﴾ لمن أطاع الله والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ﴾ الدين يذكر، ويراد به الجزاء، وهو قوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ أي: يوم الجزاء، أو يذكر ويراد به الحكم؛ كقوله - - خبراً عن يوسف - -: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ ﴾ أي: في حكم الملك، ويذكر ويراد به المذهب والمعتقد؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ﴾ ، فكأن المعنى في قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ﴾ : هو المذهب وما يعتقد، وقد ذكر الدين معرفاً بالألف واللام وأنه للجنس، فيكون كأنه قال: شرع لكم من الأديان جملة الدين الذي وصى به نوحاً ومن ذكر من الأنبياء، وهو التوحيد لله - - والعبادة له، والأنبياء والرسل جميعاً إنما بعثوا للدعاء إلى توحيد الله، وجعل العبادة له، وإن اختلفت شرائعهم وأحكامهم، وذلك قوله: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ .
ومن الناس من يقول: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ ﴾ أي: شرع لكم الدين، ويجعل ﴿ مِّنَ ﴾ صلة زائدة فيه؛ أي: شرع لكم الدين الذي وصى به نوحاً ومن ذكر، والوجه فيه ما ذكرنا.
فإن قيل: [ما] معنى تخصيص نوح ومن ذكر من الأنبياء هنا، والكل بعثوا للدعاء إلى هذا الدين، وقد وصى الكل بهذا الدين.
فنقول: قال بعضهم: إنما خص نوحاً ومن ذكر بهذا؛ لأن التحليل والتحريم لم يكن قبل زمن نوح ، وإنما جاء ذلك في زمن نوح؛ لذلك خصّ نوحاً بما ذكر.
ويحتمل أن يكون ذكر هؤلاء لا على تخصيصهم بذلك من بين غيرهم من الأنبياء، ولكن ذكر بعضاً هاهنا، وترك ذكر البعض، ليس أنه شرع له ما وصى به نوحاً ومن ذكر من الأنبياء ولم يشرع له ما وصى به غيرهم؛ بل شرع له ما وصى به هؤلاء وغيرهم من الدين؛ كقوله - -: ﴿ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ ﴾ ذكر بعض هؤلاء وغيرهم، ثم أمره أن يقتدي بما هم عليه؛ دل أن ذكر البعض في موضع ليس للتخصيص، لما ذكر البعض في موضع آخر، والكل في موضع آخر، والله أعلم.
ويحتمل تخصيص هؤلاء بالذكر لمعنى لم يطلعنا الله على ذلك المعنى، كما خص إبراهيم بالصلاة عليه على ما أمرنا به النبي لقوله: "كما صليت على إبراهيم" لمعنى لم يطلعنا على ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ ، أي: في عبادة الله - - أي: اعبدوه جميعاً.
والثاني: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ أي: في الدين الذي ذكر، وهو التوحيد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ أي: عظم عليهم دعاؤكم إلى التوحيد وعبادة الله وحده.
وقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ هذا ينقض على المعتزلة: إنه - - أخبر أنه يجتبي إليه من يشاء، ولو كان على ما يقوله المعتزلة أنه قد أعطى الكافر جميع ما أعطى المؤمن، فالمؤمن حيث صار مجتبى مصطفى مختاراً إنما كان منه بفعله لا من الله - - وقد أخبر أنه هو يجتبي من يشاء، وهو يهديه؛ فبطل قولهم.
وقوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ أي: هو يهدي من يطلب منه ما به يكون الهدى، وهو التوفيق؛ أي: ما لم يطلب منه ذلك ولم يسأل فإنه لا يهدي به ولا يوفقه.
وقال بعضهم: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ تفسير قوله - -: ﴿ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: يجتبي للهداية من ينيب إليه، فأمّا من لم ينب إليه فلا يجتبيه للهداية، لكن المراد من الهداية - هاهنا - ليس هدى البيان؛ لأن هدى البيان قد كان عامّاً لمن أناب إليه ومن لم ينب، ولكن الهدى - هاهنا - هدى الرحمة، أو هدى النعمة، والنعمة سمّى التوحيد والإيمان مرة: رحمة؛ كقوله - -: ﴿ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ ، وسمّاه: نعمة؛ كقوله: ﴿ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وسمّاه: منة؛ كقوله - - ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ ، وسماه: نوراً؛ كقوله : ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ؛ فلذلك قلنا: إن الهدى المذكور - هاهنا - ليس هو هدى البيان، ولكن سواه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: أنهم تفرقوا في رسول الله محمد - عليه أفضل الصلاة - بعدما جاءهم العلم في كتبهم أنه رسول؛ لما كانوا يجحدون نعته وصفته في كتبهم، لكنّهم اختلفوا وتفرقوا؛ فآمن بعضهم به على ما وجدوه في كتبهم، وكفر بعضهم، وحرفوا ما في كتبهم من نعته وصفته، والله أعلم.
والثاني: أي: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ ﴾ فيما جاء به محمد من الدين ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ ؛ إذ الذي جاء به محمد هو الذي وصى به نوحاً ومن ذكر من الأنبياء عليهم السلام.
ويحتمل أي: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ ﴾ في الإيمان بالرسل والكفر بهم ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ أنهم على الحق، وأنهم رسل الله مبعوثون إليهم، فتفرقوا، فآمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض بغياً بينهم.
ويحتمل: أي: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ : أن الفرقة ضلالة وهلاك، وعن علم بالفرقة أنها ضلال وهلاك تفرقوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل: حسداً بينهم؛ لما قيل: إنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث؛ لما وجدوا نعته وصفته في كتبهم ظنّاً منهم أنه يبعث منهم، فلما بعث من غيرهم حسدوه وكفروا به والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ أي: عدواناً وظلماً يكون فيما بينهم ذلك التفرق.
وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ ﴾ أي: لولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عنهم إلى وقت وإلا كانت الكلمة منه في تعجيل العذاب بهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أي: إنّ الذين أعطوا الكتاب من بعد الرسل الذين ذكر ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ ، أخبر أنهم كانوا في شك مما جاء به الرسل، لكنهم لم يعذروا في شكهم؛ لما تركوا النظر والتفكر في ذلك، ولو نظروا في ذلك وتفكروا فيه، لوقع ذلك لهم وبان الحق؛ فلم يعذروا في ذلك؛ لأنه منهم كان ذلك الشك والريب، ولو تفكروا ونظروا لتجلى لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ اختلف في قوله - -: ﴿ فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ ﴾ : عن ابن عباس - -: أي: فبهذا القرآن الذي أنزل إليك فادع.
وكذا قال قتادة: فبهذا القرآن فادعُ.
وقيل: فلذلك وعد أن ينزل عليك فادع.
وقال بعضهم: أي: وإلى ذلك الكتاب فادعُ.
وقيل: فإلى التوحيد الذي بعث الرسل إلى الدعاء إليه فادع.
وقال بعضهم: ﴿ فَلِذَلِكَ ﴾ ، أي: فلأجل الذي بعث الرسل فادع؛ أي: ادع إلى التوحيد الذي لأجله بعث الرسل، والله أعلم.
ثم إن قوله: ﴿ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ دليل على أنه كان قد سبق له الأمر بالاستقامة.
ثم يحتمل ما ذكر من الاستقامة التي أمر بها هو تبليغ الرسالة إليهم.
ويحتمل: العبادة له والطاعة.
ويحتمل: الاستقامة في التوحيد له ودعاء الخلق إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ مَعَكَ ﴾ على هذين الوجهين الآخرين يخرج الأمر بالاستقامة لمن تاب معه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ أي: في ترك الدعاء إلى التوحيد؛ إذ هو هوى الكفرة أن يترك هو الدعاء إلى التوحيد.
ويحتمل أنه نهى عن إجابته إياهم فيما دعَوْا هم؛ إذ هوى الكفرة أن يجيبهم فيما دعَوْا هم إليه من الشرك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ ﴾ أمره بأن يخبر بأنه مؤمن بجميع الكتب التي أنزل الله؛ ليوافقوه في الإيمان بجميع الكتب، [و]أولئك الكفرة كانوا يؤمنون ببعض الكتب، ويكفرون ببعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أي: أمرت لأعدل بينكم يحتمل: في الحكم؛ أي: أحكم فيما بينكم بالعدل؛ كقوله - -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ في الدعاء إلى توحيد الله ودينه، والعدل في الدعاء، دعاؤهم إلى دينه الذي أمر أن يدعوهم إليه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ أي: أمرت أن أكون عدلا فيما بينكم؛ أي: يسوي بينهم.
ثم نعت الذي كان يدعوهم إلى توحيده، وهو قوله: ﴿ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على المنابذة؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ، وإنما يقال هذا بعدما انتهت الحجج غايتها، والحجاج نهايته، فلم ينجع ذلك فيهم وأيسوا منهم.
والثاني: يقول: إنا لا نؤاخذ بأعمالكم، ولا أنتم تؤاخذون بأعمالنا، ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ أي: لا حجة بقيت فيما ادعيت ودعوتكم إليه إلا وقد أقمتها عليكم؛ أي: لم يبق حجة في ذلك وقد أقمتها.
ويحتمل أن يقول: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا ﴾ أي: لا حجة ولا خصومة بيننا بعدما بلغ الأمر ما بلغ.
ثم قال: ﴿ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ﴾ في الآخرة وإليه المصير.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ قال بعضهم: إن أهل الكفر قالوا للمؤمنين: إن دينكم الإسلام إنما كان ما دام محمد بين أظهركم وما دام حيّاً، فإذا مات فتصيرون أنتم ومن تبع الإسلام إلى ديننا أو كلام نحوه؛ فنزل لقولهم ذا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .
وقال بعضهم: إن اليهود قدموا على رسول الله فقالوا للمؤمنين: إن ديننا أفضل؛ فنزلت الآية فيهم بقولهم هذا: إن ديننا أفضل - لأنه دين الأنبياء - عليهم السلام - فقال: ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ أي: هكذا إذا كانوا على دين الأنبياء، وهو الإسلام؛ فأما إذا تركوا دين الإسلام وتمسكوا باليهودية واختاروها فليس بأفضل، ولا شيء دونها.
وقال بعضهم: إن قريشاً قالوا: كيف نعبد من لم نره؟
ولم نعاينه إنه مم هو؟
وكيف هو؟
أو كلام نحوه فنزلت: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ عند ربهم؛ لأن التوحيد ومعرفة الله إنما يكون بالدلائل والآيات في الدنيا عن غيب، ليس بالمعاينة والمشاهدة؛ فيزول الامتحان.
ثم احتمل أن يكون نزول الآية لقول كان من أولئك على ما ذكر أهل التأويل.
ويحتمل أن يكون على غير ذلك، ومعناه: والذين يحاجون في الله في دفع آيات الله وردها.
ويحتمل: أي: في دفع توحيد الله وألوهيته ﴿ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ أي: من بعد ما استجيب له بحق الخلقة: أنه واحد، وأنه رب كل شيء.
ويحتمل قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ بما في كتبهم من الإيمان بها وبما فيها من نعوت رسول الله وصفاته.
ثم أخبر أن ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ هذا يخرج على هذين.
يحتمل: أي: ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ يوم القيامة؛ أي: باطلة غير مقبولة.
ويحتمل: أي: ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ في الدنيا بما أقام الله - - من حجج التوحيد؛ فأبطل حججهم.
وقوله: ﴿ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ بيان الجزاء لهم في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
وما تفرق الكفار والمشركون إلا من بعد ما قامت عليهم الحجة ببعثة محمد إليهم، وما كان تفرُّقهم إلا بسبب البغي والظلم، ولولا ما سبق في علم الله من أنه يؤخر عنهم العذاب إلى أَمَدٍ محدد في علمه هو يوم القيامة لحكم الله بينهم، فعجل لهم العذاب بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم لرسله، وإن الذين أورثوا التوراة من اليهود، والإنجيل من النصارى من بعد أسلافهم، ومن بعد هؤلاء المشركين، لفي شك من هذا القرآن الذي جاء به محمد ومكذبون به.
<div class="verse-tafsir" id="91.dXWlJ"