الإسلام > القرآن > سور > سورة 45 الجاثية > الآية ٢٣ من سورة الجاثية
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٣ من سورة الجاثية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال [ تعالى ] ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) أي : إنما يأتمر بهواه ، فمهما رآه حسنا فعله ، ومهما رآه قبيحا تركه : وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين .
وعن مالك فيما روي عنه من التفسير : لا يهوى شيئا إلا عبده .
وقوله : ( وأضله الله على علم ) يحتمل قولين : أحدهما : وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك .
والآخر : وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه ، وقيام الحجة عليه .
والثاني يستلزم الأول ، ولا ينعكس .
( وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ) أي : فلا يسمع ما ينفعه ، ولا يعي شيئا يهتدي به ، ولا يرى حجة يستضيء بها ; ولهذا قال : ( فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ) كقوله : ( من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون ) [ الأعراف : 186 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: أفرأيت من اتخذ دينه بهواه, فلا يهوى شيئا إلا ركبه, لأنه لا يؤمن بالله, ولا يحرِّم ما حَرَّمَ, ولا يحلل ما حَللَ, إنما دينه ما هويته نفسه يعمل به.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) قال: ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) قال: لا يهوي شيئا إلا ركبه لا يخاف الله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أفرأيت من اتخذ معبوده ما هويت عبادته نفسه من شيء.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد, قال: كانت قريش تعبد العُزّى, وهو حجر أبيض, حينا من الدهر, فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأوّل وعبدوا الآخر, فأنـزل الله ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) .
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أفرأيت يا محمد من اتخذ معبوده هواه, فيعبد ما هوي من شيء دون إله الحقّ الذي له الألوهة من كلّ شيء, لأن ذلك هو الظاهر من معناه دون غيره.
وقوله ( وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ) يقول تعالى ذكره: وخذله عن محجة الطريق, وسبيل الرشاد في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي, ولو جاءته كل آية.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس ( وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ) يقول: أضله الله في سابق علمه.
وقوله ( وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ) يقول تعالى ذكره: وطَبَع على سمعه أن يسمع مواعظ الله وآي كتابه, فيعتبر بها ويتدبرها, ويتفكر فيها, فيعقل ما فيها من النور والبيان والهدى.
وقوله ( وَقَلْبِهِ ) يقول: وطبع أيضًا على قلبه, فلا يعقل به شيئا, ولا يعي به حقا.
وقوله ( وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) يقول: وجعل على بصره غشاوة أن يبصر به حجج الله, فيستدّل بها على وحدانيته, ويعلم بها أن لا إله غيره.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة ( غِشَاوَةً ) بكسر الغين وإثبات الألف فيها على أنها اسم, وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة (غَشْوَةً) بمعنى: أنه غشاه شيئا في دفعة واحدة, ومرّة واحدة, بفتح الغين بغير ألف, وهما عندي قراءتان صحيحتان فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله ( فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: فمن يوفِّقه لإصابة الحقّ, وإبصار محجة الرشد بعد إضلال الله إياه ( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) أيها الناس, فتعلموا أن من فعل الله به ما وصفنا, فلن يهتدي أبدا, ولن يجد لنفسه وليا مرشدا.
قوله تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون .قال ابن عباس والحسن وقتادة : ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه ، فلا يهوى شيئا إلا [ ص: 156 ] ركبه .
وقال عكرمة : أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو يستحسنه ، فإذا استحسن شيئا وهويه اتخذه إلها .
قال سعيد بن جبير : كان أحدهم يعبد الحجر ، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر .
وقال مقاتل : نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين ، لأنه كان يعبد ما تهواه نفسه .
وقال سفيان بن عيينة : إنما عبدوا الحجارة لأن البيت حجارة .
وقيل : المعنى أفرأيت من ينقاد لهواه ومعبوده تعجيبا لذوي العقول من هذا الجهل .
وقال الحسن بن الفضل : في هذه الآية تقديم وتأخير ، مجازه : أفرأيت من اتخذ هواه إلهه .
وقال الشعبي : إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار .
وقال ابن عباس : ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه ، قال الله تعالى : واتبع هواه فمثله كمثل الكلب .
وقال تعالى : واتبع هواه وكان أمره فرطا .
وقال تعالى : بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله .
وقال تعالى : ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله .
وقال تعالى : ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله وقال عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به وقال أبو أمامة : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى وقال شداد بن أوس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت .
والفاجر من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله وقال - عليه السلام - : إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة وقال - صلى الله عليه وسلم - : ثلاث مهلكات وثلاث منجيات ؛ فالمهلكات : شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه .
[ ص: 157 ] والمنجيات : خشية الله في السر والعلانية ، والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه - : إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه ، فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء ، وإن كان عمله تبعا لعلمه فيومه يوم صالح .
وقال الأصمعي سمعت رجلا يقول :إن الهوان هو الهوى قلب اسمه فإذا هويت فقد لقيت هواناوسئل ابن المقفع عن الهوى فقال : هوان سرقت نونه ، فأخذه شاعر فنظمه وقال :نون الهوان من الهوى مسروقة فإذا هويت فقد لقيت هواناوقال آخر :إن الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد كسبت هواناوإذا هويت فقد تعبدك الهوى فاخضع لحبك كائنا من كاناولعبد الله بن المبارك :ومن البلايا للبلاء علامة ألا يرى لك عن هواك نزوعالعبد عبد النفس في شهواتها والحر يشبع تارة ويجوعولابن دريد :إذا طالبتك النفس يوما بشهوة وكان إليها للخلاف طريقفدعها وخالف ما هويت فإنما هواك عدو والخلاف صديقولأبي عبيد الطوسي :والنفس إن أعطيتها مناها فاغرة نحو هواها فاهاوقال أحمد بن أبي الحواري : مررت براهب فوجدته نحيفا فقلت له : أنت عليل .
قال نعم .
قلت مذ كم ؟
قال : مذ عرفت نفسي!
قلت فتداوي ؟
قال : قد أعياني الدواء وقد عزمت على الكي .
قلت وما الكي ؟
قال : مخالفة الهوى .
وقال سهل بن عبد الله التستري : هواك داؤك .
فإن خالفته فدواؤك .
وقال وهب : إذا شككت في أمرين ولم تدر خيرهما فانظر أبعدهما من هواك فأته .
[ ص: 158 ] وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى ومخالفته كتب وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه ، وحسبك بقوله تعالى : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى .
فإن الجنة هي المأوى .قوله تعالى : وأضله الله على علم أي على علم قد علمه منه .
وقيل : أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه .
وقال ابن عباس : أي : على علم قد سبق عنده أنه سيضل .
مقاتل : على علم منه أنه ضال ، والمعنى متقارب .
وقيل : على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر .
ثم قيل : على علم يجوز أن يكون حالا من الفاعل ، المعنى : أضله على علم منه به ، أي : أضله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه .
ويجوز أن يكون حالا من المفعول ، فيكون المعنى : أضله في حال علم الكافر بأنه ضال .
وختم على سمعه وقلبه أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى .
وجعل على بصره غشاوة أي غطاء حتى لا يبصر الرشد .
وقرأ حمزة والكسائي ( غشوة ) بفتح الغين من غير ألف وقد مضى في البقرة وقال الشاعر :أما والذي أنا عبد له يمينا وما لك أبدي اليمينالئن كنت ألبستني غشوة لقد كنت أصفيتك الود حينافمن يهديه من بعد الله أي من بعد أن أضله .
أفلا تذكرون تتعظون وتعرفون أنه قادر على ما يشاء .وهذه الآية ترد على القدرية والإمامية ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد ، إذ هي مصرحة بمنعهم من الهداية .
ثم قيل : وختم على سمعه وقلبه إنه خارج مخرج الخبر عن أحوالهم .
وقيل : إنه خارج مخرج الدعاء بذلك عليهم ، كما تقدم في أول ( البقرة ) وحكى ابن جريج أنها نزلت في الحارث بن قيس من الغياطلة .
وحكى النقاش أنها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف .
وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل ، وذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة ، فتحدثا في شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال أبو جهل : والله إني لأعلم إنه لصادق!
فقال له مه!
وما دلك على ذلك ؟
!
قال : يا أبا عبد شمس ، كنا نسميه في صباه الصادق الأمين ، فلما تم عقله وكمل رشده ، نسميه الكذاب الخائن!!
والله إني لأعلم إنه لصادق!
قال : فما [ ص: 159 ] يمنعك أن تصدقه وتؤمن به ؟
قال : تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة ، واللات والعزى إن اتبعته أبدا .
فنزلت : وختم على سمعه وقلبه
يقول تعالى: { أَفَرَأَيْتَ } الرجل الضال الذي { اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } فما هويه سلكه سواء كان يرضي الله أو يسخطه.
{ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ } من الله تعالى أنه لا تليق به الهداية ولا يزكو عليها.
{ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ } فلا يسمع ما ينفعه، { وَقَلْبِهِ } فلا يعي الخير { وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً } تمنعه من نظر الحق، { فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ } أي: لا أحد يهديه وقد سد الله عليه أبواب الهداية وفتح له أبواب الغواية، وما ظلمه الله ولكن هو الذي ظلم نفسه وتسبب لمنع رحمة الله عليه { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } ما ينفعكم فتسلكونه وما يضركم فتجتنبونه.
( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) قال ابن عباس والحسن وقتادة : ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه ، فلا يهوى شيئا إلا ركبه لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه ، ولا يحرم ما حرم الله .
وقال آخرون : معناه اتخذ معبوده هواه فيعبد ما تهواه نفسه .
قال سعيد بن جبير : كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة ، فإذا وجدوا شيئا أحسن من الأول رموه أو كسروه ، وعبدوا الآخر .
قال الشعبي : إنما سمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه في النار .
( وأضله الله على علم ) منه بعاقبة أمره ، وقيل على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه ( وختم ) طبع ( على سمعه ) فلم يسمع الهدى ( وقلبه ) فلم يعقل الهدى ( وجعل على بصره غشاوة ) قرأ حمزة والكسائي " غشوة " بفتح الغين وسكون الشين ، والباقون " غشاوة " ظلمة فهو لا يبصر الهدى ( فمن يهديه من بعد الله ) [ أي فمن يهديه ] بعد أن أضله الله ( أفلا تذكرون ) .
«أفرأيت» أخبرني «من اتخذ إلهه هواه» ما يهواه من حجر بعد حجر يراه أحسن «وأضله الله على علم» منه تعالى: أي عالما بأنه من أهل الضلاله قبل خلق «وختم على سمعه وقلبه» فلم يسمع الهدى ولم يعقله «وجعل على بصره غشاوة» ظلمة فلم يبصر الهدى، ويقدر هنا المفعول الثاني لرأيت أيهتدي «فمن يهديه من بعد الله» أي بعد إضلاله إياه، أي لا يهتدي «أفلا تذكرون» تتعظون، فيه إدغام إحدى التاءين في الذال.
أفرأيت -أيها الرسول- من اتخذ هواه إلهًا له، فلا يهوى شيئًا إلا فَعَله، وأضلَّه الله بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه، فلا يسمع مواعظ الله، ولا يعتبر بها، وطبع على قلبه، فلا يعقل به شيئًا، وجعل على بصره غطاء، فلا يبصر به حجج الله؟
فمن يوفقه لإصابة الحق والرشد بعد إضلال الله إياه؟
أفلا تذكرون -أيها الناس- فتعلموا أنَّ مَن فَعَل الله به ذلك فلن يهتدي أبدًا، ولن يجد لنفسه وليًا مرشدًا؟
والآية أصل في التحذير من أن يكون الهوى هو الباعث للمؤمنين على أعمالهم.
والاستفهام فى قوله - سبحانه - : ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ ) للتعجب من حال هؤلاء المشركين ، ولتسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم من أذى .والمراد بهواه : ما يستحسنه من تصرفات ، حتى ولو كانت تلك التصرفات فى نهاية القبح والشناعة والجهالة .والمعنى : انظر وتأمل - أيها الرسول الكريم - فى أحوال هؤلاء الكافرين فإنك لن ترى جهالة كجهالاتهم ، لأنهم إذا حسن لهم هواهم شيئا اتخذوه إلها لهم ، مهما كان قبح تصرفهم ، وانحطاط تفكيرهم ، وخضعوا له كما يخضع العابد لمعبوده .قال ابن عباس : كان الرجل فى الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا .
فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثانى وترك الأول .وقوله : ( وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ ) أى : وأضل الله - تعالى - هذا الشقى ، بأن خلق فيه الضلالة ، على علم منه - سبحانه - بأن هذا الشقى أهل لذلك لاستحبابه العمى على الهدى .فيكون قوله ( على عِلْمٍ ) حال من الفاعل ، أى أضله - سبحانه - حالة كونه عالما بأنه من أهل الضلال .ويصح أن يكون حالا من المفعول ، أى : وأضل الله - تعالى - هذا الشقى ، والحال أن هذا الشقى عالم بطريق الإِيمان ، ولكنه استحب الغى على الرشد .وقوله ( وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ) والختم : الوسم بطابع ونحوه ، مأخوذ من وضع الخاتم على الشئ ، وطبعه فيه للاستيثاق ، لكى لا يخرج منهما بداخله ولا يدخله ما هو خارج عنه .أى : وطبع على سمعه وقلبه ، فجعله لا يسمع سماع تدبر وانتفاع ، ولا يفقه ما فيه هدايته ورشده .( وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) أى : وجعل على بصره غطاء ، يجب عنه الرؤية السليمة للأشياء وأصل الغشاوة ما يغطى به الشئ ، من غشاه إذا غطاه .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله ) للإِنكار والنفى .أى : لا أحد يستطيع أن يهدى هذا الإِنسان الذى اتخذ إلهه هواه من بعد أن أضله الله - عز وجل - .( أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) أى : أفلا تتفكرون وتتأملون فيما سقت لكم من مواعظ وعبر ، تفكرا يهيدكم إلى الرشد ، ويبعثكم على الإِيمان .فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من المشركين ، وتعجيب من أحوالهم التى بلغت الغاية فى الجهالة والضلالة .
ودعوة لهم إلى التذكير والاعتبار ، لأن ذلك ينقلهم من الكفر إلى الإِيمان .
اعلم إنه تعالى لما أفتى بأن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السعادات، أتبعه بالدلالة الظاهرة على صحة هذه الفتوى، فقال: ﴿ وَخَلَقَ الله السموات والأرض بالحق ﴾ ولو لم يوجد البحث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل، لأنه تعالى لما خلق الظالم وسلّطه على المظلوم الضعيف، ثم لا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً، ولو كان ظالماً لبطل أنه خلق السموات والأرض بالحق وتمام تقرير هذه الدلائل مذكور في أول سورة يونس، قال القاضي هذه الآية تدل على أن في مقدور الله ما لو حصل لكان ظلماً، وذلك لا يصح إلا على مذهب المجبرة الذين يقولون لو فعل كل شيء أراده لم يكن ظلماً، وعلى قول من يقول إنه لا يوصف بالقدرة على الظلم، وأجاب الأصحاب عنه بأن المراد فعل ما لو فعله غيره لكان ظلماً كما أن المراد من الابتلاء والاختبار فعل ما لو فعله غيره لكان ابتلاءً واختباراً، وقوله تعالى: ﴿ ولتجزى ﴾ فيه وجهان: الأول: أنه معطوف على قوله: ﴿ بالحق ﴾ فيكون التقدير وخلق الله السموات والأرض لأجل إظهار الحق ولتجزى كل نفس.
الثاني: أن يكون العطف على محذوف، والتقدير: وخلق الله السموات والأرض بالحق ليدل بهما على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العلم إظهار العدل والرحمة، وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث والقيامة وحصل التفاوت في الدرجات والدركات بين المحقين وبين المبطلين، ثم عاد تعالى إلى شرح أحوال الكفار وقبائح طوائفهم، فقال: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ ﴾ يعني تركوا متابعة الهدى وأقبلوا على متابعة الهوى فكانوا يعبدون الهوى كما يعبد الرجل إلهه، وقرئ (آلهته هَوَاهُ) كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه وذهب خلفه، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى يعبد كل وقت واحداً منها.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ ﴾ يعني على علم بأن جوهر روحه لا يقبل الصلاح، ونظيره في جانب التعظيم قوله تعالى: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ وتحقيق الكلام فيه أن جواهر الأرواح البشرية مختلفة فمنها مشرقة نورانية علوية إلهية، ومنها كدرة ظلمانية سفلية عظيمة الميل إلى الشهوات الجسمانية، فهو تعالى يقابل كلاً منهم بحسب ما يليق بجوهره وماهيته، وهو المراد من قوله: ﴿ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ ﴾ في حق المردودين وبقوله: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ في حق المقبولين.
ثم قال: ﴿ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة ﴾ فقوله: ﴿ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ ﴾ هو المذكور في قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غشاوة ﴾ وكل ذلك قد مرّ تفسيره في سورة البقرة باللاستقصاء، والتفاوت بين الآيتين أنه في هذه الآية قدم ذكر السمع على القلب، وفي سورة البقرة قدم القلب على السمع، والفرق أن الإنسان قد يسمع كلاماً فيقع في قلبه منه أثر، مثل أن جماعة من الكفار كانوا يلقون إلى الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه، وأما كفار مكة فهم كانوا يبغضونه بقلوبهم بسبب الحسد الشديد فكانوا يستمعون إليه، ولو سمعوا كلامه ما فهموا منه شيئاً نافعاً، ففي الصورة الأولى كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الثانية كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فلما اختلف القسمان لا جرم أرشد الله تعالى إلى كلا هذين القسمين بهذين الترتيبين اللذين نبهنا عليهما ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام قال: ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله ﴾ أي من بعد أن أضله الله ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ أيها الناس، قال الواحدي وليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة، لأن الله تعالى صرّح بمنعه إياهم عن الهدى حين أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره، وأقول هذه المناظرة قد سبقت بالاستقصاء في أول سورة البقرة.
واعلم أنه تعالى حكى عنهم بعد ذلك شبهتهم في إنكار القيامة وفي إنكار الإله القادر، أما شبهتهم في إنكار القيامة فهي قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ فإن قالوا الحياة مقدمة على الموت في الدينا فمنكرو القيامة كان يجب أن يقولوا نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟
قلنا فيه وجوه: الأول: المراد بقوله: ﴿ نَمُوتُ ﴾ حال كونهم نطفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، وبقوله: ﴿ نحيا ﴾ ما حصل بعد ذلك في الدينا الثاني: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا الثالث: يموت بعض ويحيا بعض الرابع: وهو الذي خطر بالبال عند كتابة هذا الموضع أنه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: ﴿ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ ثم قال بعده: ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ يعني أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا، ومنها ما لم يطرأ الموت عليها، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد، وأما شبهتهم في إنكار الإله الفاعل المختار، فهو قولهم: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر ﴾ يعني تولد الأشخاص إنما كان بسبب حركات الأفلاك الموجبة لامتزاجات الطبائع، وإذا وقعت تلك الامتزاجات على وجه خاص حصلت الحياة، وإذا وقعت على وجه آخر حصل الموت، فالموجب للحياة والموت تأثيرات الطبائع وحركات الأفلاك، ولا حاجة في هذا الباب إلى إثبات الفاعل المختار، فهذه الطائفة جمعوا بين إنكار الإله وبين إنكار البعث والقيامة.
ثم قال تعالى: ﴿ وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ﴾ والمعنى أن قبل النظر ومعرفة الدليل الاحتمالات بأسرها قائمة، فالذي قالوه يحتمل وضده أيضاً يحتمل، وذلك هو أن يكون القول بالبعث والقيامة حقاً، وأن يكون القول بوجود الإله الحكيم حقاً، فإنهم لم يذكروا شبهة ضعيفة ولا قوية في أن هذا الاحتمال الثاني باطل، ولكنه خطر ببالهم ذلك الاحتمال الأول فجزموة به وأصروا عليه من غير حجة ولا بينة، فثبت أنه ليس علم ولا جزم ولا يقين في صحة القول الذي اختاروه بسبب الظن والحسبان وميل القلب إليه من غير موجب، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بغير حجة وبيّنة قول باطل فاسد، وأن متابعة الظن والحسبان منكر عند الله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بينات مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ حجتهم بالنصب والرفع على تقديم خبر كان وتأخيره.
المسألة الثانية: سمى قولهم حجة لوجوه: الأول: أنه في زعمهم حجة الثاني: أن يكون المراد من كان حجتهم هذا فليس لهم ألبتة حجة كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** (أي ليس بينهم تحية لمنافاة الضرب للتحية) الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها.
المسألة الثالثة: أن حجتهم على إنكار البعث أن قالوا لو صح ذلك فائتوا بآبائنا الذين ماتوا ليشهدوا لنا بصحة البعث.
واعلم أن هذه الشبهة ضعيفة جداً، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال وجب أن يكون ممتنع الحصول، فإن حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي حصلنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عدم حصولنا كذلك، وذلك باطل بالاتفاق.
ثم قال تعالى: ﴿ قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ فإن قيل هذا الكلام مذكور لأجل جواب من يقول: ﴿ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر ﴾ فهذا القائل كان منكراً لوجود الإله ولوجود يوم القيامة، فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله: ﴿ قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ وهل هذا إلا إثبات للشيء بنفسه وهو باطل، قلنا إنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الفاعل الحكيم في القرآن مراراً وأطواراً.
فقوله هاهنا ﴿ قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ﴾ إشارة إلى تلك الدلائل التي بيّنها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله بقول الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر.
ولما ثبت أن الإحياء من الله تعالى، وثبت أن الإعادا مثل الإحياء الأول، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله، ثبت أنه تعالى قادر على الإعادة، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها، وثبت أن القادر الحكيم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقة.
وأما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ فهو إشارة إلى ما تقدم ذكره في الآية المتقدمة، وهو أن كونه تعالى، عادلاً خالقاً بالحق منزّهاً عن الجور والظلم، يقتضي صحة البعث والقيامة.
ثم قال تعالى: ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لكن أكثر الناس لا يعلمون دلالة حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداءً وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً.
<div class="verse-tafsir"
أي: هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه.
وقرئ: ﴿ آلهة هواه ﴾ ، لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده، فإذا رأى ما هو أحسن رفضه إليه، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى: يعبد كل وقت واحداً منها ﴿ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ ﴾ وتركه عن الهداية واللطف وخذله على علم، عالماً بأنّ ذلك لا يجدى عليه، وأنه ممن لا لطف له.
أو مع علمه بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف المحصلة والمقرّبة ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ وقرئ ﴿ غشاوة ﴾ بالحركات الثلاث.
وغشوة، بالكسر والفتح.
وقرئ ﴿ تتذكرون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ تَرَكَ مُتابَعَةَ الهُدى إلى مُتابَعَةِ الهَوى فَكَأنَّهُ يَعْبُدُهُ، وقُرِئَ «آلِهَةَ هَواهُ» لِأنَّهُ كانَ أحَدُهم يَسْتَحْسِنُ حَجَرًا فَيَعْبُدُهُ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَفَضَهُ إلَيْهِ.
﴿ وَأضَلَّهُ اللَّهُ ﴾ وخَذَلَهُ.
﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ عالِمًا بِضَلالِهِ وفَسادِ جَوْهَرِ رُوحِهِ.
﴿ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ ﴾ فَلا يُبالِي بِالمَواعِظِ ولا يَتَفَكَّرُ في الآياتِ.
﴿ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ﴾ فَلا يَنْظُرُ بِعَيْنِ الِاسْتِبْصارِ والِاعْتِبارِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «غَشْوَةً».
﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ﴾ مِن بَعْدِ إضْلالِهِ.
﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ وقُرِئَ «تَتَذَكَّرُونَ».
﴿ وَقالُوا ما هِيَ ﴾ ما الحَياةُ أوِ الحالُ.
﴿ إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ الَّتِي نَحْنُ فِيها.
﴿ نَمُوتُ ونَحْيا ﴾ أيْ نَكُونُ أمْواتًا نُطَفًا وما قَبْلَها ونَحْيا بَعْدَ ذَلِكَ، أوْ نَمُوتُ بِأنْفُسِنا ونَحْيا بِبَقاءِ أوْلادِنا، أوْ يَمُوتُ بَعْضُنا ويَحْيا بَعْضُنا، أوْ يُصِيبُنا المَوْتُ والحَياةُ فِيها ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ حَياةٌ ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادُوا بِهِ التَّناسُخَ فَإنَّهُ عَقِيدَةُ أكْثَرِ عَبَدَةِ الأوْثانِ.
﴿ وَما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ ﴾ إلّا مُرُورُ الزَّمانِ وهو في الأصْلِ مُدَّةُ بَقاءِ العالَمِ مِن دَهْرِهِ إذا غَلَبَهُ.
﴿ وَما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ ﴾ يَعْنِي نِسْبَةَ الحَوادِثِ إلى حَرَكاتِ الأفْلاكِ وما يَتَعَلَّقُ بِها عَلى الِاسْتِقْلالِ، أوْ إنْكارَ البَعْثِ أوْ كِلَيْهِما.
﴿ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ ﴾ إذْ لا دَلِيلَ لَهم عَلَيْهِ وإنَّما قالُوهُ بِناءً عَلى التَّقْلِيدِ والإنْكارِ لَمّا لَمْ يُحِسُّوا بِهِ.
﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى ما يُخالِفُ مُعْتَقَدَهم أوْ مُبَيِّناتٍ لَهُ.
﴿ ما كانَ حُجَّتَهُمْ ﴾ ما كانَ لَهم مُتَشَبِّثٌ يُعارِضُونَها بِهِ.
﴿ إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ وإنَّما سَمّاهُ حُجَّةً عَلى حُسْبانِهِمْ ومَساقِهِمْ، أوْ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ.
فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ حُصُولِ الشَّيْءِ حالًا امْتِناعُهُ مُطْلَقًا.
<div class="verse-tafsir"
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)
{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} أي هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه {وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ} منه باختياره الضلال أو أنشأ فيه فعل الضلال على علم منه بذ لك {وَخَتَمَ على سَمْعِهِ} فلا يقبل وعظاً {وَقَلْبِهِ} فلا ي عتقد حقاً {وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة} فلا يبصر عبرة غشوة حمزة وعلي {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله} من بعد إضلال الله إياه {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} بالتخفيف حمزة وعلي وحفص وغيرهم بالتشديد فأصل الشر متابعة الهوى والخير كله في مخالفته فنعم ما قال
إذا طلبتك النفس يوماً بشهوة وكان إليها للخلاف طريق ...
فدعها وخالف ماهويت فإنما هواك عدو والخلاف صديق
...
} ٣٣ {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر}
﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِ مَن تَرَكَ مُتابَعَةَ اَلْهُدى إلى مُطاوَعَةِ اَلْهَوى فَكَأنَّهُ يَعْبُدُهُ فالكَلامُ عَلى اَلتَّشْبِيهِ اَلْبَلِيغِ أوِ اَلِاسْتِعارَةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ اَلْهَمْزَةُ أيْ أنَظَرْتَ مَن هَذِهِ حالُهُ فَرَأيْتَهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُقْضى مِنهُ اَلْعَجَبُ، وأبُو حَيّانَ جَعَلَ أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي وقالَ: اَلْمَفْعُولُ اَلْأوَّلُ مَنِ ﴿ اتَّخَذَ ﴾ والثّانِي مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ اَلصِّلاتِ أيْ أيَهْتَدِي بِدَلِيلِ ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ ﴾ والآيَةُ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ في اَلْحارِثِ بْنِ قَيْسٍ اَلسَّهْمِيِّ كانَ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، وحُكْمُها عامٌّ وفِيها مِن ذَمِّ اِتِّباعِ هَوى اَلنَّفْسِ ما فِيها، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ما ذَكَرَ اَللَّهُ تَعالى هَوًى إلّا ذَمَّهُ.
وقالَ وهْبٌ: إذا شَكَكْتَ في خَيْرِ أمْرَيْنِ فانْظُرْ أبْعَدَهُما مِن هَواكَ فَأْتِهِ، وقالَ سَهْلٌ اَلتَّسْتُرِيُّ: هَواكَ داؤُكَ فَإنْ خالَفْتَهُ فَدَواؤُكَ، وفي اَلْحَدِيثِ «(اَلْعاجِزُ مَنِ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اَللَّهِ تَعالى)» .
وقالَ أبُو عِمْرانَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ اَلْأشْبِيلِيُّ اَلزّاهِدُ: فَخالِفْ هَواها واعْصِها إنَّ مَن يُطِعْ هَوى نَفْسِهِ يَنْزِعْ بِهِ شَرَّ مَنزَعِ ومِن يُطِعِ اَلنَّفْسَ اَللَّجُوجَةَ تَرْدِهِ ∗∗∗ وتَرْمِ بِهِ في مَصْرَعٍ أيِّ مَصْرَعِ وقَدْ ذَمَّ ذَلِكَ جاهِلِيَّةٌ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: إنِّي اِمْرُؤٌ سَمْحُ اَلْخَلِيقَةِ ماجِدٌ ∗∗∗ لا أتْبَعُ اَلنَّفْسَ اَللَّجُوجَ هَواها ولَعَلَّ اَلْأمْرَ غَنِيٌّ عَنْ تَكْثِيرِ اَلنَّقْلِ.
وقَرَأ اَلْأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ (إلَهَةً) بِتاءِ اَلتَّأْنِيثِ بَدَلَ هاءِ اَلضَّمِيرِ، وعَنِ اَلْأعْرَجِ أنَّهُ قَرَأ (آلِهَةً) بِصِيغَةِ اَلْجَمْعِ.
قالَ اِبْنُ خالَوَيْهِ: كانَ أحَدُهم يَسْتَحْسِنُ حَجَرًا فَيَعْبُدُهُ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَفَضَهُ مائِلًا إلَيْهِ، فالظّاهِرُ أنَّ آلِهَةً بِمَعْناها مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ أوْ تَشْبِيهٍ والهَوى بِمَعْنى اَلْمَهْوِيِّ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: هَوايَ مَعَ اَلرَّكْبِ اَلْيَمانِينِ مِصْعَدُ ﴿ وأضَلَّهُ اللَّهُ ﴾ أيْ خَلَقَهُ ضالًّا أوْ خَلَقَ فِيهِ اَلضَّلالَ أوْ خَذَلَهُ وصَرَفَهُ عَنِ اَللُّطْفِ عَلى ما قِيلَ ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ حالٌ مِنَ اَلْفاعِلِ أيْ أضَلَّهُ اَللَّهُ تَعالى عالِمًا سُبْحانَهُ بِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ لِفَسادِ جَوْهَرِ رُوحِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اَلْمَفْعُولِ أيْ أضِلَّهُ عالِمًا بِطَرِيقِ اَلْهُدى فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما اخْتَلَفُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ ﴿ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَأثَّرُ بِالمَواعِظِ ولا يَتَفَكَّرُ في اَلْآياتِ.
﴿ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ﴾ مانِعَةً عَنِ اَلِاسْتِبْصارِ والِاعْتِبارِ والكَلامُ عَلى اَلتَّمْثِيلِ، وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ.
والأعْمَشُ (غَشاوَةً) بِفَتْحِ اَلْغَيْنِ وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ، والحَسَنُ.
وعِكْرِمَةُ.
وعَبْدُ اَللَّهِ أيْضًا بِضَمِّها وهي لُغَةٌ عُكَّلِيَّةٌ، وأبُو حَنِيفَةَ.
وحَمْزَةُ.
والكِسائِيُّ.
وطَلْحَةُ.
ومَسْعُودُ بْنُ صالِحٍ.
والأعْمَشُ أيْضًا (غَشْوَةً) بِفَتْحِ اَلْغَيْنِ وسُكُونِ اَلشِّينِ، وابْنُ مُصَرِّفٍ.
والأعْمَشُ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما كَسَرا اَلْغَيْنَ ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ﴾ أيْ مَن بَعْدَ إضْلالِهِ تَعالى إيّاهُ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى فَمَن يَهْدِيهِ غَيْرُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ ألا تُلاحِظُونَ فَلا تَذَكَّرُونَ، وقَرَأ اَلْجَحْدَرِيُّ (تَذْكُرُونَ) بِالتَّخْفِيفِ، والأعْمَشُ (تَتَذَكَّرُونَ) بِتاءَيْنِ عَلى اَلْأصْلِ <div class="verse-tafsir"
َسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (22) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ يعني: اكتسبوا السيئات، وذلك أنهم كانوا يقولون: إنا نعطى في الآخرة من الخير، ما لم تعطوا.
قال الله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ يعني: أيظن الذين عملوا الشرك، وهو عتبة وشيبة، والوليد وغيرهم أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: علياً وحمزة وعيينة بن الحارث- م- سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ يعني: يكونون سواء في نعم الآخرة، قرأ حمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص، سَوَاءً بالنصب والباقون بالضم، فمن قرأ بالنصب فمعناه: أحسبوا أن نجعلهم سواء، أي: مستوياً فيجعل أَن نَّجْعَلَهُمْ متعدياً إلى مفعولين.
ومن قرأ بالضم، جعل تمام الكلام عند قوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثم ابتدأ فقال: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ خبر الابتداء وقال مجاهد: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ قال: المؤمنون في الدنيا والآخرة، مؤمن يكون على إيمانه، يموت على إيمانه، ويبعث على إيمانه والكافر في الدنيا والآخرة، كافر يموت على الكفر، ويبعث على الكفر.
وروى أبو الزبير عن جابر قال: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ المُؤمِنُ عَلَى إيمانِه، والمُنَافِقُ عَلَى نِفَاقِه» ثم قال: ساءَ مَا يَحْكُمُونَ أي: بئس ما يقضون الخير لأنفسهم، حين يرون أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الآخرة، ما للمؤمنين.
قوله عز وجل: وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وقد ذكرناه وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يعني: ما عملت وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم، ولا يُزادون على سيئاتهم.
قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ قال: يعمل بهواه، ولا يهوى شيئاً إلا ركبه، ولا يخاف الله وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ يعني: علم منه، أنه ليس من أهل الهدى وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ يعني: خذله الله، فلم يسمع الهدى، وقلبه يعني: ختم على قلبه، فلا يرغب في الحق وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً يعني: غطاء.
كي لا يعتبر في دلائل الله تعالى.
قرأ حمزة والكسائي غشوة بنصب الغين بغير ألف، والباقون غِشَاوَةً.
كما اختلفوا في سورة البقرة، ومعناهما واحد فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ يعني: من بعد ما أضله الله أَفَلا تَذَكَّرُونَ أن من لا يقبل إلى دين الله، ولا يرغب في طاعته، لا يكرمه بالهدى والتوحيد.
<div class="verse-tafsir"
المعادلة بَيْنَ الاِجتراحِ وَعَمَلِ الصالحات، ويكونَ الإيمانُ في الفريقَيْنِ، ولهذا بكى الخائفون- رضي اللَّه عنهم-.
ت: وروى ابن المُبَارك في «رقائقه» بسنده أنَّ تَمِيماً الدَّارِيَّ- رضي اللَّه عنه- باتَ ليلةً إلى الصَّبَاحِ، يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَيُرَدِّدُ هذه الآية: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
الآية، ويبكي- رضي اللَّه عنه-، انتهى.
وقوله: ساءَ مَا يَحْكُمُونَ
: «ما» مصدريةٌ، والتقدير: ساء الحكم حكمهم.
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤)
وقوله سبحانه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ...
الآية: تسلية للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أي: لا تَهْتَمَّ بأمر الكَفَرَةِ من أجل إعراضهم عن الإيمان، وقوله: إِلهَهُ هَواهُ إشارة إلى الأصنام إذ كانوا يعبدون ما يَهْوَوْنَ من الحجارة، وقال قتادة: المعنى: لا يَهْوَى شيئاً إلا رَكِبَهُ، لا يخافُ اللَّه «١» فهذا كما يقال: الهوى إله مَعْبُودٌ، وهذه الآية وإنْ كانت نزلَتْ في هَوَى الكُفْر فهِي مُتَنَاوِلَةٌ جميعَ هوى النفس الأَمَّارَةِ قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وتمنى عَلَى اللَّهِ» «٢» ، وقال سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: هَوَاكَ دَاؤُكَ فَإنْ خَالَفْتَهُ فَدَوَاؤُك،، وقال وهْبٌ: إذا عَرَضَ لك أمران، وشككْتَ في خَيْرِهِمَا، فانظر أَبْعَدَهُمَا مِنْ هَوَاكَ فَأْتِهِ ومن الحكمة في هذا قول القائل: [الطويل]
إذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الهوى قَادَكَ الهوى ...
إلى كُلِّ مَا فيهِ عَلَيْكَ مَقَالُ
قال الشيخ ابن أبي جَمْرَةَ: قولُهُ/ صلّى الله عليه وسلّم: «فَيُقَالُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئاً فَلِيَتْبَعْهُ» «شيئاً» يعم جَمِيعَ الأشياء، مُدْرَكَةً كانَتْ أو غَيْرَ مُدْرَكَةٍ، فالمُدْرَكُ: كالشمس والقمر، وَغَيْرُ المُدْرَكِ، مِثْلُ: الملائكة والهوى لقوله عزَّ وجَلَّ: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ، وما أشبه ذلك، انتهى، قال القُشَيْرِيُّ في «رسالته» : وحُكِيَ عن أبي عمران الواسطيِّ قال:
انكسرت بنا السفينةُ، فَبَقِيتُ أنا وامرأتي على لَوْحٍ، وقد وَلَدَتْ في تِلْكَ الحَالِ صَبِيَّةٌ، فصَاحَتْ بي، وقالت: يَقْتُلُنِي العَطَشُ، فقلْتُ: هو ذا يرى حالَنَا، فرفعتُ رَأْسِي، فإذا رجُلٌ في الهواء جالِسٌ في يده سِلْسِلَةٌ من ذَهَبٍ، وفيها كُوزٌ من ياقوت أحمر، فقال: هاك،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [الفُرْقانِ: ٤٣] .
وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ أيْ: عَلى عِلْمِهِ السّابِقِ فِيهِ أنَّهُ لا يَهْتَدِي ﴿ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ ﴾ أيْ: طَبَعَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْمَعِ الهُدى "وَ" عَلى " قَلْبه " فَلَمْ يَعْقِلِ الهُدى.
وقَدْ ذَكَرْنا الغِشاوَةَ والخَتْمَ في [البَقَرَةِ: ٧] .
﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ﴾ ؟!
أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ إيّاهُ ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ فَتَعْرِفُوا قُدْرَتَهُ عَلى ما يَشاءُ؟!
.
وما بَعْدَ [هَذا] مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [المُؤْمِنُونَ: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ ﴾ أيِ: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴿ وَما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ ﴾ أيْ: ما قالُوهُ عَنْ عِلْمٍ، إنَّما قالُوهُ شاكِّينَ فِيهِ.
ومِن أجْلِ هَذا قالَ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرُ"،» أيْ: هو الَّذِي يُهْلِكُكُمْ، لا ما تَتَوَهَّمُونَهُ مِن مُرُورِ الزَّمانِ.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ٢٨، الشُّورى: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ ﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ الكافِرِينَ أصْحابَ الأباطِيلِ؛ والمَعْنى: يَظْهَرُ خُسْرانُهم يَوْمَئِذٍ.
﴿ وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَرى أهْلَ كُلِّ دِينٍ ﴿ جاثِيَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جالِسَةٌ عَلى الرُّكَبِ، يُقالُ: قَدْ جَثا فُلانٌ جُثُوًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، ومِثْلُهُ: جَذا يَجْذُو.
والجُذُوُّ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجُثُوِّ، لِأنَّ الجُذُوَّ: أنْ يَجْلِسَ صاحِبُهُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى أنَّها غَيْرُ مُطْمَئِنَّةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كِتابُها الَّذِي فِيهِ حَسَناتُها وسَيِّئاتُها، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ حِسابُها، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: كِتابُها الَّذِي أُنْزِلَ عَلى رَسُولِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
﴿ هَذا كِتابُنا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال.
أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ الأعْمالِ الَّذِي تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: القُرْآنُ، والمَعْنى أنَّهم يَقْرَؤُونَهُ فَيَدُلُّهم ويُذَكِّرُهُمْ، فَكَأنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: نَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِنَسْخِ أعْمالِكُمْ، أيْ: بِكَتْبِها وإثْباتِها.
وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِنْساخَ، مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، تَسْتَنْسِخُ المَلائِكَةُ كُلَّ عامٍ ما يَكُونُ مِن أعْمالِ بَنِي آدَمَ، فَيَجِدُونَ ذَلِكَ مُوافِقًا ما يَعْمَلُونَهُ.
قالُوا: والِاسْتِنْساخُ لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْفَعُ المَلَكانِ العَمَلَ كُلَّهُ، فَيُثْبِتُ اللَّهُ مِنهُ ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ، ويَطْرَحُ مِنهُ اللَّغْوَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: نَسْتَنْسِخُ ما تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ، ويَثْبُتُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: في جَنَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي ﴾ فِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهم ألَمْ تَكُنْ آياتِي، يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ ﴿ تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ عَنِ الإيمانِ بِها ﴿ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ ؟!
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كافِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مَنِ بَعْدِ اللهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ ﴾ المَعْنى: وخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ، فَإنَّ خَلْقَها حَقٌّ واجِبٌ مُتَأكِّدٌ في نَفْسِهِ لِما فِيهِ مِن فَيْضِ الخَيْراتِ، ولِتَدُلَّ عَلَيْهِ تَعالى، ولِتَكُونَ صَنْعَةً حاكِمَةً لِصانِعٍ، وقِيلَ لِبَعْضِ الحُكَماءِ: لِمَ خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ؟
فَقالَ: لِيُظْهِرَ جَوْدَةَ صُنْعِهِ، واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلِتُجْزى" يَظْهَرُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، فَكَأنَّ الجَزاءَ مِن أسْبابِ خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: وصارَ الأمْرُ فِيها مِن حَيْثُ اهْتَدى بِها قَوْمٌ وضَلَّ عنها آخَرُونَ لِأنْ يُجازى كُلُّ أحَدٍ بِعِلْمِهِ وبِما اكْتَسَبَ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أفَرَأيْتَ"، ﴾ سَهَّلَ بَعْضُ القُرّاءِ الهَمْزَةَ وحَقَّقَها قَوْمٌ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُخَفَّفَةً، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أفَرَأيْتَ" دُونَ هَمْزٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ عَنِ الكُفّارِ المُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ، أيْ: لا تَعْجَلْ بِهِمْ ولا تَهْتَمَّ بِأمْرِهِمْ، فَلَيْسَ فِيهِمْ حِيلَةً لِبَشَرٍ لِأنَّ اللهَ أضَلَّهُمْ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿ "إلَهَهُ هَواهُ" ﴾ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ؛ إذْ كانُوا يَعْبُدُونَ ما يَهْوُونَ مِنَ الحِجارَةِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، لا يَخافُ اللهَ تَعالى، فَهَذا كَما يُقالُ: الهَوى إلَهٌ مَعْبُودٌ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "إلَهَةُ هَواهُ" عَلى التَأْنِيثِ في "آلِهَةً"، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في هَوى الكُفْرِ فَهي مُتَناوِلَةٌ جَمِيعَ هَوى النَفْسِ الأمارَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَوًى إلّا ذِمَّةً، وقالَ الشَعْبِيُّ: سُمِّيَ هَوًى لَهَوِيَّةِ بِصاحِبِهِ، وقالَ النَبِيُّ : « "والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللهِ"،» وقالَ سَهْلُ التُسْتُرِيِّ: "هَواكَ داؤُكَ، فَإنْ خالَفْتَهُ فَدَواؤُكَ".
وقالَ وهْبٌ: "إذا شَكَكْتَ في خَيْرِ أمْرَيْنِ، فانْظُرْ أبْعَدَهُما مِن هَواكَ فَأْتِهِ"، ومِن حِكْمَةِ الشِعْرِ في هَذا قَوْلُ القائِلِ: إذا أنْتَ لَمْ تَعْصِ الهَوى قادَكَ الهَوى ∗∗∗ إلى كُلِّ ما فِيهِ عَلَيْكَ مَقالُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى عِلْمٍ" ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ سابِقٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أيْ: عَلى عِلْمٍ مِن هَذا الضَلالِ فَإنَّ الحَقَّ هو الَّذِي يُتْرَكُ ويُعْرَضُ عنهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِن آياتِ العِنادِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ﴾ وعَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى عِلْمٍ" حالٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ﴾ اسْتِعاراتٌ كُلُّها، إذْ هَذا الضالُّ لا يَنْفَعُهُ ما يَسْمَعُ ولا ما يَفْهَمُ ولا ما يَرى، فَكَأنَّهُ بِهَذِهِ الأوصافِ المَذْكُورَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ لا حُجَّةَ لِلْجَبْرِيَّةِ فِيها، لِأنَّ التَكَسُّبَ فِيها مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّخَذَ"، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى عِلْمٍ" عَلى التَأْوِيلِ الأخِيرِ فِيهِ، ولَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلى الِاكْتِسابِ لَكانَ مُرادًا في المَعْنى، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: ﴿ "غِشاوَةً" ﴾ بِكَسْرِ الغَيْنِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "غَشاوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ، وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ: "غُشاوَةً" بِضَمِّ الغَيْنِ، وهي لُغَةُ عَكْلٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "غَشْوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ وإسْكانِ الشِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: "غِشْوَةً" بِكَسْرِ الغَيْنِ دُونَ ألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ اللهِ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللهِ إيّاهُ، وقَرَأ عاصِمٌ -وَأراهُ الجَحْدَرِيُّ-: "تَذَكَّرُونَ" بِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَذَّكَّرُونَ" عَلى الخِطابِ أيْضًا بِتَشْدِيدِ الذالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُنْيا ﴾ الآيَةُ...
حِكايَةُ مُقالَةِ بَعْضِ قُرَيْشٍ، وهَذِهِ صِيغَةٌ دَهْرِيَّةٌ مِن كُفّارِ العَرَبِ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ما في الوُجُودِ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها ولَيْسَتْ ثَمَّ آخِرَةٌ ولا بَعْثٌ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ نَمُوتُ ونَحْيا ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَحْنُ مَوْتى قَبْلَ أنْ نُوجَدَ، ثُمَّ نَحْيا في وقْتِ وُجُودِنا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَمُوتُ حِينَ نَحْنُ نُطَفٌ ودَمٌ، ثُمَّ نَحْيا بِالأرْواحِ فِينا، وهَذا قَوْلٌ قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، ويَسْقُطُ عَلى القَوْلَيْنِ ذِكْرُ المَوْتِ المَعْرُوفِ الَّذِي هو خُرُوجُ الرُوحِ مِنَ الجَسَدِ، وهو الأهَمُّ في الذِكْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَحْيا ونَمُوتُ، فَوَقَعَ في اللَفْظِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَرَضُ مِنَ اللَفْظِ العِبارَةُ عن حالِ النَوْعِ، فَكَأنَّ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ يَقُولُ: إنَّما نَحْنُ تَمُوتُ طائِفَةٌ وتَحْيا طائِفَةٌ دَأْبًا، وقَوْلَهُمْ: ﴿ وَما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ ﴾ أيْ: طُولُ الزَمانِ، وهو المُهْلِكُ، لِأنَّ الأوقاتِ تَسْتَوِي فِيهِ كِمالاتُها، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهم عِلْمَهم بِهَذا، وأعْلَمَ أنَّها ظُنُونٌ مِنهُمْ، وتَخَرُّصٌ يَقْضِي بِهِمْ إلى الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى.
والدَهْرُ والزَمانُ تَسْتَعْمِلُهُما العَرَبُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يُهْلِكُنا إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ"، وقالَ مُجاهِدٌ: الدَهْرُ هُنا الزَمانُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: "كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّما يُهْلِكُنا اللَيْلُ والنَهارُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُفارِقُ هَذا الِاسْتِعْمالُ قَوْلَ النَبِيِّ : « "لا تَسُبُّوا الدَهْرَ، فَإنَّ اللهَ تَعالى هو الدَهْرُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ اللهُ تَعالى: « "يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَهْرَ، وأنا الدَهْرُ بِيَدِي اللَيْلُ والنَهارُ"»، ومَعْنى هَذا الحَدِيثِ: فَإنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَفْعَلُ ما تَنْسُبُونَهُ إلى الدَهْرِ وتَسُبُّونَهُ بِسَبِّهِ.
وإذا تُؤُمِّلَتْ أمْثِلَةُ هَذا في الكَلامِ ظَهَرَتْ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
لما كان الذين حسبوا أن يكونوا في الآخرة في نعمة وعزة كما كانوا في الدنيا قالوا ذلك عَنْ غير دليل ولا نظر ولكن عن اتباع ما يشتهون لأنفسهم من دوام الحال الحسن تفرع على حسبانهم التعجيب من حالهم، فعطف بالفاء الاستفهامُ المستعملُ في التعجيب، وجعل استفهاماً عن رؤية حالهم، للإشارة إلى بلوغ حالهم من الظهور إلى حد أن تكون مرئية.
وأصل التركيب: ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ الخ، فقدمت همزة الاستفهام، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود من معه من المسلمين، أو الخطاب لغير معيّن، أي تناهت حالهم في الظهور فلا يختص بها مخاطب.
و ﴿ مَنْ ﴾ الموصولة صادقة على فريق المستهزئينَ الذين حسبوا أن يكون مَحْياهم ومماتهم سواء بقرينة ضمير الجمع في الجملة المعطوفة بقوله: ﴿ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ [الجاثية: 24] الخ.
والمعنى: أن حجاجهم المسلمين مركَّز على اتباع الهوى والمغالطةِ، فلا نهوض لحجتهم لا في نفس الأمر ولا فيما أرادوه، على فرض وقوع البعث من أن يكونوا آمنين من أهوال البعث، وأنهم لا يرجى لهم اهتداء لأن الله خلقهم غير قابلين للهدَى فلا يستطيع غيره هداهم.
و ﴿ إلهه ﴾ يجوز أن يكون أطلق على ما يلازم طاعته حتى كأنه معبود فيكون هذا الإطلاق بطريقة التشبيه البليغ، أي اتخذ هواه كإله له لا يخالف له أمراً.
ويجوز أن يبقى ﴿ إلهه ﴾ على الحقيقة ويكون ﴿ هواه ﴾ بمعنى مَهْوِيَّهُ، أي عبد إلها لأنه يحب أن يعبده، يعني الذين اتخذوا الأصنام آلهة لا يقلعون عن عبادتها لأنهم أحبوها، أي ألِفوها وتعلقت قلوبهم بعبادتها، كقوله تعالى: ﴿ وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ﴾ [البقرة: 93].
ومعنى ﴿ أضلّه الله ﴾ أنه حفّهم بأسباب الضلالة من عقول مكابرة ونفوس ضعيفة، اعتادت اتباع ما تشتهيه لا تستطيع حَمل المصابرة والرضى بما فيه كراهية لها.
فصارت أسماعهم كالمختوم عليها في عدم الانتفاع بالمواعظ والبراهين، وقلوبُهم كالمختوم عليها في عدم نفوذ النصائح ودلائل الأدلة إليها، وأبصارُهم كالمغطاة بغشاوات فلا تنتفع بمشاهدة المصنوعات الإلهية الدالة على انفراد الله بالإلهية وعلى أنَّ بعد هذا العالم بعثاً وجزاء.
ومعنى ﴿ على علم ﴾ أنهم أحاطت بهم أسباب الضلالة مع أنهم أهل علم، أي عقول سليمةٍ أوْ مع أنهم بلغهم العِلم بما يهديهم وذلك بالقرآن ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام.
فحرف ﴿ على ﴾ هنا معناه المصاحبة بمعنى (مع) وأصل هذا المعنى استعارة معنى الاستعلاء للاستعلاء المجازي وهو التمكن بين الوصف والموصوف.
وشاع ذلك حتى صار معنى من معاني (على) كما في قول الحارث بن حلزة: فيَقيناً على الشَّنَاءة تَنْمينا *** حُصون وعِزّة قعساء والمعنى: أنه ضال مع مَا له من صفة العلم، فالعلم هنا من وصف من اتخذ إلهه هواه وهو متمكن من العلم لو خلع عن نفسه المكابرة والميل إلى الهوى.
وقرأ الجمهور ﴿ غشاوة ﴾ بكسر الغين وفتح الشين بعدها ألف.
وقرأه حمزة والكسائي وخلف ﴿ غَشْوةٌ ﴾ بفتح الغين وسكون الشين وهو من التسمية بالمصدر وهي لغة.
وتقدم معنى الختم والغشاوة في أول سورة البقرة.
وفرع على هذه الصلة استفهام إنكاري أن يكون غيرُ الله يستطيع أن يهديهم، والمراد به تسلية النبي صلى الله عليه وسلم لشدة أسفه لإعراضهم وبقائهم في الضلالة.
و ﴿ من بعد الله ﴾ بمعنى: دون الله، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فبأيّ حديثثٍ بعده يؤمنون ﴾ آخر سورة الأعراف (185).
وفرع على ذلك استفهام عن عدم تذكر المخاطبين لهذه الحقيقة، أي كيف نَسُوها حتى ألحُّوا في الطمع بهداية أولئك الضالّين وأسفوا لعدم جدوى الحجة لديهم وهو استفهام إنكاري.
ومن المفسرين من حمل مَن } الموصولة في قوله ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ على معيَّن فقال مقاتل: هو أبو جهل بسبب حديث جرى بينَه وبين الوليد بن المغيرة كانا يطوفان ليلة فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو جهل: والله إني لأعْلَم إنه لصادق فقال له المغيرة: مَهْ، وما دَلَّكَ على ذلك، قال: كنّا نسميه في صباه الصادق الأمين فلما تمّ عقله وكمل رشده نسميه الكذاب الخائن قال: فما يمنعك أن تؤمن به قال: تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كِسرَة، واللاتتِ والعُزّى إنْ اتبعتُه أبداً فنزلت هذه الآية.
وإذا صح هذا فإن مطابقة القصة لقوله تعالى: ﴿ وأضله الله على علم ﴾ ظاهرة.
وعن مقاتل أيضاً: أنها نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين كان يَعْبُد من الأصنام ما تهواه نفسه.
وهذه الآية أصل في التحذير من أن يكون الهوى الباعث للمؤمنين على أعمالهم ويتركوا اتباع أدلة الحق، فإذا كان الحق محبوباً لأحد فذلك من التخلق بمحبة الحق تبعاً للدليل مثل ما يهوى المؤمن الصلاة والجماعة وقيامَ رمضان وتلاوة القرآن وفي الحديث «أرِحْنا بها يا بلال» يعني الإقامة للصلاة.
وعن عبد الله بن عمْرو بن العاصي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به» وعن أبي الدرداء «إذا أصبح الرجل اجتمع هَواه وعَمله وعلمه فإن كان عمَلُه تبعاً لهواه فيومه يوم سوء وإن كان عمله تبعاً لِعلمه فيومه يوم صالح».
وأما اتباع الأمر المحبوب لإرضاء النفس دون نظر في صلاحه أو فساده فذلك سبب الضلال وسوء السيرة.
قال عمرو بن العاصي: إذا المرء لم يترك طعاماً يحبه *** ولم ينْه قلباً غاوياً حيثُ يَمَّمَا فيوشك أن تَلقَى له الدهرَ سبَّة *** إذا ذُكرت أمثالها تَمْلأ الفما ومن الكلمات المأثورة «ثلاث من المهلكات: شُحّ مطاع، وهوًى متبع، وإعجاب المرأ بنفسه» ويروى حديثاً ضعيف السند.
وقدم السمع على القلب هنا بخلاف آية سُورة البقرة ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ﴾ [البقرة: 7] لأن المخبَر عنهم هنا لما أخبر عنهم بأنهم اتخذوا إلههم هواهم، فقد تقرر أنهم عقدوا قلوبهم على الهوى فكان ذلك العَقد صَارفاً السمع عن تلقي الآيات فَقُدِّمَ لإفَادةِ أنهم كالمختوم على سمعهم، ثم عطف عليه ﴿ وقلبِه ﴾ تكميلاً وتذكيراً بذلك العقد الصارف للسمع ثم ذكر ما ﴿ على بصره ﴾ من شبهِ الغشاوة لأن ما عقد عليه قلبه بصره عن النظر في أدلة الكائنات.
وأما آية سورة البقرة فإن المتحدث عنهم هم هؤلاء أنفسهم ولكن الحديث عنهم ابتدئ بتساوي الإنذار وعدمه في جانبهم بقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ [البقرة: 6] فلما أريد تفصيله قدم الختم على قلوبهم لأنه الأصل كما كان اتخاذ الهوى كالإله أصلاً في وصف حالهم في آية سورة الجاثية.
فحالة القلوب هي الأصل في الانصراف عن التلقي والنظر في الآيتين ولكن نظم هذه الآية كان على حسب ما يقتضيه الذكر من الترتيب ونظم آية البقرة كان على حسب ما يقتضيه الطبْع.
وقرأ الجمهور ﴿ أفلا تذكرون ﴾ بتشديد الذال.
وقرأه عاصم بتخفيف الذال وأصله عند الجميع ﴿ تتذكرون ﴾ .
فأما الجمهور فقراءتهم بقلب التاء الثانية ذالاً لتقارب مخرجيهما قصداً للتخفيف، وأما عاصم فقراءته على حذف إحدى التاءين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ أيِ اكْتَسَبُوا الشِّرْكَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الَّذِينَ أُرِيدَ بِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ.
﴿ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ أُرِيدَ بِهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ حِينَ بَرَزُوا إلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلُوهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ دِينَهُ ما يَهْواهُ، فَلا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أفَرَأيْتَ مَن جَعَلَ إلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ ما يَهْواهُ ويَسْتَحْسِنُهُ، فَإذا اسْتَحْسَنَ شَيْئًا وهو بِهِ اتَّخَذَهُ إلَهًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ أحَدُهم يَعْبُدُ الحَجَرَ.
فَإذا رَأى ما هو أحْسَنُ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ.
الثّالِثُ: أفَرَأيْتَ مَن يَنْقادُ لِهَواهُ انْقِيادَهُ لِإلَهِهِ ومَعْبُودِهِ تَعَجُّبًا لِذَوِي العُقُولِ مِن هَذا الجَهْلِ.
﴿ وَأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: وجَدَهُ ضالًّا، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ ضَلَّ عَنِ اللَّهِ.
وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ هَبُونِي امْرَأً مِنكم أضَلَّ بَعِيرَهُ لَهُ ذِمَّةٌ إنَّ الذِّمامَ كَثِيرٌ أيْ ضَلَّ عَنْهُ بَعِيرُهُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى عِلْمٍ مِنهُ أنَّهُ ضالٌّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ في سابِقِ عِلْمِهِ أنَّهُ سَيِضَلُّ.
﴿ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ ﴾ أيْ طَبَعَ عَلى سَمْعِهِ حَتّى لا يَسْمَعَ الوَعْظَ وطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ حَتّى لا يَفْقَهَ الهُدْىَ.
﴿ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ﴾ حَتّى لا يُبْصِرَ الرُّشْدَ.
ثُمَّ في هَذا الكَلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الخَبَرِ عَنْ أحْوالِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجِ الدُّعاءِ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
وَحَكى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ مِنَ الغَياطِلَةِ، وحَكى الضَّحّاكُ أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ قال: ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان ﴿ وأضله الله على علم ﴾ يقول: أضله الله في سابق علمه.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ قال: لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله عز وجل.
وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الرجل من العرب يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن منه أخذه وألقى الآخر، فأنزل الله: ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ ذكر المفسرون في هذا قولين: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر، ونحو هذا قال الكلبي (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قوله: ﴿ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد علم ما يكون قبل أن يخلقه (٦) (٧) (٨) قولى تعالى: ﴿ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ﴾ وقال ابن عباس: يريد بالأمر الذي سبق في أم (٩) (١٠) قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ﴾ قالا: يعني: ظلمة فلا يبصر الهدى (١١) ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ الآية، وليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح بمنعه إياهم عن الهدى حين أخبر أنه ختم على قلب هذا الكافر وسمعه (١٢) ﴿ فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ﴾ قال مقاتل: بعد إذ أضله الله، والتقدير: بعد إضلال الله ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ أيها المنكرون قدرة الله وتوحيده فتعرفون أنه قادر على ما يشاء (١٣) (١) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 10 ب، و"تفسير الماوردي" 5/ 265، و"تفسير البغوي" 7/ 245، و"تفسير الوسيط" 4/ 99، و"تنوير المقباس" ص 501.
(٢) هو: الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم السهمي كان أحد المستهزئين الذين يؤذون النبي - -، وهو ابن العيطلة رهط أمه، وكان يأخذ حجرًا يعبده فإذا رأى أحسن منه ترك الأول وعبد الثاني، أكل حوتًا مملوحًا فلم يزل يشرب الماء حتى مات.
انظر: "الكامل" لابن الأثير 2/ 48.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 839، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 167.
(٤) أخرج ذلك الطبري عن قتادة.
انظر: تفسيره 13/ 150، و"تفسير البغوي" 7/ 245.
(٥) انظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 281، و"تفسير البغوي" 7/ 245، و"تفسير الوسيط" 4/ 99، و"تفسير الشوكاني" 5/ 8.
(٦) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 151، و"تفسير الماوردي" 5/ 265، و"تفسير البغوي" 7/ 245 ولم ينسبه.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 840، و"تفسير الوسيط" 4/ 99 عن سعيد بن جبير.
(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 433.
(٩) لم أقف عليه.
(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 840.
(١١) انظر: "تنوير المقباس" ص 551، و"تفسير مقاتل" 3/ 840.
(١٢) قال ابن جرير: في قوله: ﴿ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾ يقول تعالى ذكره: وخذله عن محجة الطريق وسبيل الرشاد في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية.
﴿ فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ﴾ يقول تعالى ذكره: فمن يوقفه لإصابة الحق وإبصار محجة الرشد بعد إضلال الله إياه ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ أيها الناس فتعلموا أن من فعل الله به ما وصفنا فلن يهتدي أبدًا، ولن يجد لنفسه وليًّا مرشدًا، 13/ 150، 151.
(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 840.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اتخذ إلهه هَوَاهُ ﴾ أي أطاعه حتى صار له كالإله ﴿ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ ﴾ أي علم من الله سابق، وقيل: على علم من هذا الضال بأنه على ضلال، ولكنه يتبع الضلال معاندة ﴿ وَخَتَمَ ﴾ ذكر في [البقرة: 7] ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله ﴾ قال ابن عطية: فيه حذف مضاف تقديره: من بعد إضلال الله إياه، ويحتمل أن يريد؛ فمن يهديه غيره الله ﴿ وَقَالُواْ ﴾ الضمير لمن اتخذ إلهه هواه أو لقريش ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ فيه أربع تأويلات: أحدها أنهم أرادوا يموت قوم ويحيا قوم، والآخر نموت نحن ويحيا أولادنا، الثالث نموت حين كنا عدماً أو نطفاً، ونحيا في الدنيا، والرابع نموت الموت المعروف، ونحيا قبله في الدنيا فوقع في اللفظ تقديم وتأخير، ومقصودهم على كل وجه إنكار الآخرة، ويظهر أنهم كانوا على مذهب الدهرية لقولهم: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر ﴾ ، فردّ الله عليهم بقوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ﴾ الآية ﴿ قَالُواْ ائتوا بِآبَآئِنَآ ﴾ ذكر في [الدخان: 36] ﴿ قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ﴾ الآية: ردّ على المنكرين للحشر والاستدلال على وقوعه بقدرة الله تعالى على الإحياء والإماتة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وفي خلقكم ﴾ مدغماً: عباس.
﴿ آيات ﴾ بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ يؤمنون ﴾ على الغيبة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ أليم ﴾ مذكور في "سبأ" ﴿ لنجزي ﴾ بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف ﴿ ليجزي ﴾ بالياء مبنياً للمفعول ﴿ قوم ﴾ بالرفع: يزيد.
الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ قوماً ﴾ سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد ﴿ غشوة ﴾ بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 ﴿ كل أمة تدعي ﴾ بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب ﴿ الساعة ﴾ بالنصب: حمزة ﴿ لا يخرجون ﴾ من الخروج حمزة وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط ومن نصب، ﴿ آيات ﴾ لم يقف لأنها عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين ﴿ يوقنون ﴾ ه لا للعطف على ﴿ عاملين ﴾ كما يجيء ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ يسمعها ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف ﴿ عذاب جهنم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ أولياء ﴾ ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ منه ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ج ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ فعليها ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ من الأمر ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج ﴿ بعض ﴾ ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ قف ومن نصب ﴿ سواء ﴾ لم يقف.
﴿ ومماتهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ غشاوة ﴾ ط ﴿ من بعد الله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ الدهر ﴾ ج لاحتمال الواو الحال ﴿ من علم ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ يظنون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ جاثية ﴾ قف لمن قرأ ﴿ كل ﴾ بالرفع ﴿ كتابها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ ما الساعة ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بقول الكفار ﴿ بمستيقنين ﴾ ه ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول "المؤمن" وتفسيره وقوله ﴿ إن في السموات ﴾ إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما.
استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين.
مختلفين وهما في قراءة النصب "أن" وفي أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي.
وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله ﴿ آيات ﴾ تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيداً وفي الحجرة زيداً والمسجد زيداً، وأنت تريد أن في الدار زيداً والحجرة والمسجد.
والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب ﴿ آيات ﴾ على الاختصاص.
ويرتفع بإضمار هي.
وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مراراً ولا سيما في أواسط "البقرة" ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولاً ثم قال ﴿ لقوم يوقنون ﴾ ثم ﴿ يعقلون ﴾ فما سبب هذا الترتيب؟
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال.
وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم.
وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية.
فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية.
فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود.
﴿ تلك ﴾ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و ﴿ نتلوها ﴾ في محل الحال.
وقوله ﴿ بعد الله وآياته ﴾ كقولهم: أعجبني زيد وكرمه.
وأصله بعد آيات الله.
والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.
وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله.
فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي.
ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان.
قوله ﴿ وإذا علم ﴾ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كافتراض ابن الزبعري في قوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ وإنما أنّث الضمير في قوله ﴿ اتخذها ﴾ لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزواً ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه.
قوله ﴿ من ورائهم جهنم ﴾ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم ﴿ هذا هدى ﴾ أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد.
ثم ذكر دليلاً آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مراراً.
وقوله ﴿ ولتبتغوا ﴾ أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري.
ثم عمم بعد التخصيص وقوله ﴿ منه ﴾ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه.
عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟
قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه.
فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله ﴿ قل للذين آمنوا ﴾ يعني عمر ﴿ يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض.
عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله ﴾ قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه.
وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما أنكر ﴿ قوماً ﴾ مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوماً كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق.
ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله ﴿ من عمل صالحاً ﴾ الآية.
ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين.
وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب.
وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسداً.
﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ أي منهاج وطريقة ﴿ من الأمر ﴾ أمر الدين وقيل: من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا.
قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله عن ذلك بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك.
ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله .
ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته ﴿ هذا ﴾ القرآن.
وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشاراً إليه أولى لقوله ﴿ بصائر من ربكم ﴾ إلى آخره.
وقد مر في آخر "الأعراف" مثله.
ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلاً ﴿ أم حسب ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة والآية نظيرة ما سلف في "ص" ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين ﴾ والاجتراح الاكتساب.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فمعناه مستوياً والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي ﴿ نجعل ﴾ وهو الكاف.
من قرأ بالرفع بخبر ﴿ ومحياهم ﴾ مبتدأ والجملة بدل أيضاً لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً.
والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتاً، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد.
وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن.
فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة.
وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلاً من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه لقوله : " كما تعيشون تموتون" وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله ﴿ وخلق الله ﴾ الآية.
قال جار الله: ﴿ ولتجزى ﴾ معطوف على ﴿ بالحق ﴾ لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء.
ويجوز أن يكون المعلل محذوفاً وهو فعلنا ونحوه.
والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة.
ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلاً ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان ﴿ وأضله الله على علم ﴾ بحالة أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها.
وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم ﴿ فمن يهديه من بعد ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في "البقرة" لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه.
ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه.
ثم ذكر من أسباب الضلال سبباً آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلاّ هذه.
وليس قولهم الدنيا تسلماً لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب.
وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتاً حال كونهم نطفاً، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر.
ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب.
ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادىء فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ وما لهم بذلك من علم ﴾ أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظناً تخميناً واستبعاداً فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مراراً وأطوراً.
وليس قولهم ﴿ ائتوا بآبائنا ﴾ من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال ﴿ قل الله يحييكم ﴾ إلى آخره.
ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ العامل فيه يخسر وقوله ﴿ يومئذ ﴾ بدل من ﴿ يوم ﴾ وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف.
قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها.
وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم.
وقيل: مستوفزاً لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله.
والجثو للكفار خاصة.
وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين كفروا ﴾ ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ يريد كتاب الحفظة ليقرؤه.
وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا.
ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن.
﴿ اليوم تجزون ﴾ بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله ﴿ هذا كتابنا ﴾ إلى قوله ﴿ إنا كنا نستنسخ ﴾ أي نأمر بالنسخ.
وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله لأنه أمر ملائكته بكتبه.
قوله ﴿ أفلم تكن ﴾ القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله ﴿ إن نظن إلا ظناً ﴾ قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظناً.
وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظناً منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون.
وقال جار الله: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب.
فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ وما نحن بمستيقنين ﴾ وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ .
وقال بعض أهل التأويل: نفر من الكفرة قالوا: والله إن كان ما يقوله محمد من الثواب والنعيم في الجنة حقّاً فنحن أولى بذلك منهم، كما كنا في نعيم الدنيا ولذاتها أولى منهم، ولنعطين أفضل مما يعطون، ولنفضلن عليهم كما فضلنا في الدنيا؛ فأنزل الله - وتعالى - في ذلك: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...
﴾ الآية.
لكن هذا التأويل ضعيف؛ لأن هذا لا يصلح أن يكون جواباً للنازلة التي ذكرها أهل التأويل؛ لأن أولئك قالوا: نحن أولى بما يكون في الآخرة من النعيم واللذات منهم كما كنا في الدنيا أولى، وكما فضلنا في الدنيا نفضل في الآخرة؛ فلا يكون قوله - -: ﴿ أَن نَّجْعَلَهُمْ ...
سَوَآءً ﴾ جواباً لما قالوا، وهم إنما قالوا: نحن أولى بذلك، ونحن نفضل فيها كما فضلنا في الدنيا؛ فإذا كانوا حسبوا هم أنهم يفضلون على المؤمنين في الآخرة دون المساواة كيف يخبر عنهم أنهم حسبوا التساوي، ولا خلف في خبر الله - عز وجل - والله أعلم.
لكن الآية عندنا إنما كانت في منكري البعث وجاحديه، يقول - والله أعلم -: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً...
﴾ الآية أي: لو كان الأمر على ما ظن أولئك بأن لا بعث ولا نشور كان في ذلك جعل ﴿ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ - أي: الشرك - ﴿ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾ ؛ لأنهم جميعاً قد استووا في هذه الدنيا، في لذاتها، ونعيمها، وشدتها، وآلامها، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما والتمييز، وإنزال كل واحد منهما منزلته، وما يستحقه المسيء العقوبة، وجزاء الإساءة، والمحسن الإحسان والإفضال وجزاء إحسانه، فإذا جمع بينهما في هذه الدنيا على ما ذكرنا دل أن هنالك داراً أخرى فيها يفرق ويميز بينهما في حق الثواب والعقاب - والله أعلم - وهو كقوله - -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ لو كان كما ظن أولئك الكفرة أن لا بعث ولا نشور كان خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما باطلا على ظنهم، فكذلك قوله : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] صير خلق السماوات والأرض إذا لم يكن هنالك رجوع إليه عبثاً باطلا، فهذا أولى وأحق أن يصرف إليه الآية، وعلى ذلك ما ذكر في قوله - -: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ...
﴾ الآية [الأنعام: 50]، وقوله - عز وجل -: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ أي: لا يستويان، ولو كان الأمر على ما ظن أولئك أن لا بعث ولا نشور ولا حياة، كان في ذلك استواء بين من ذكر، وقد سوى بينهما في الدنيا، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما والتمييز؛ إذ لا يجوز التسوية بين الولي والعدوّ، وقد سوى بينهما في الدنيا؛ فعلم أن المراد به نفي الاستواء بينهما في دار أخرى، والله الموفق.
ثم اختلف أهل الكلام فيما يعطى الولي والعدو في هذه الدنيا من الصحة والسلامة؛ على قول أكثر المعتزلة أن الله - - لا يعطي أحداً في الدنيا من كافر أو مؤمن شيئاً إلا وهو أصلح له في الدين، ثم على قولهم لا يظهر عفو الله في الآخرة؛ لأنهم يقولون: إنما يستوجبون الثواب والجنة بأعمالهم، لا برحمة الله - - فإذا عفا عن المسيء فلا يعلم أنه كان مستحقّاً لذلك أو يعفو عنه فضلا.
وعندنا أن ما أعطاهم إنما يعطيهم إفضالا منه ورحمة، فيعرفون فضله وإحسانه وعفوه، وأكثر أصحابنا يقولون: إن جميع ما أعطى الكافر في الدنيا فهو شر له؛ كقوله - -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\]، ونحو ذلك ما يخبر أن ما يعطي إياهم يكون شرّاً لهم، وما أعطى [المؤمنين] يكون خيراً لهم.
ولكن عندنا ليس هذا على الإطلاق والإرسال، ولكن ما كان توفيقاً منه على الخيرات في نفسها فهو خير له، وما كان خذلاناً فهو شرّ له، وليس على الله حفظ الأصلح لهم؛ على ما يقوله المعتزلة، ولكنه يفعل بهم ما هو حكمة [و]عدل كما يفعل ما هو إحسان وفضل، والله الموفق.
قال القتبي: ﴿ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ أي: اكتسبوها، ومنه قيل لكلاب الصيد: جوارح.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ كأنه يقول - والله أعلم -: ﴿ وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ أي: إنما خلق ما ذكر بالحق لتجزى كل نفس بما كسبت، فلو لم يكن جزاء لما كسبوا في الدنيا في الآخرة على ما قال أولئك الكفرة أن لا جزاء من الثواب والعقاب؛ لإنكارهم البعث - لم يكن خلقهما بالحق؛ على ما ذكرنا، فتبين أنه إنما صار خلقهما [بالحق] إذا كان هنالك جزاء؛ وهذا يدل على أن الآية الأولى هي في منكري البعث، ليست فيما ذكر أهل التأويل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على التحقيق؛ على ما قاله عامة أهل التأويل: أنهم عبدوا كل شيء [استحسنوه، فإذا] استحسنوا شيئاً آخر أحسن منه تركوا عبادة الأول وعبدوا الثاني: فتلك كانت عادتهم، وذلك اتخاذ الآلهة بهواهم؛ إذ الإله هو المعبود عندهم، وهو التحقيق الذي ذكرنا.
والثاني: على التمثيل، وهو ما قال قتادة أنهم ما هووا شيئاً إلا ركبوه، لا تمنعهم مخافة الله عما هووه، ولا تردعهم خشيته عما اشتهوا، فصيروا هواهم متبعاً، فهو كالإله لهم، لا يتبعون أمر الله، فلا يكترثون له، أو كلام نحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: أضله الله على علم من ذلك الإنسان بطريق الهدى والحق، لا أنه أضله على خفاء من ذلك الإنسان بالطريق الحق وسبيله؛ أي: قد بين له السبيل وطريق الحق، لكنه باختياره الضلال أضله؛ لما علم منه أنه يختار الضلال والكفر؛ ليكون ما علم أنه يكون ويختار، والله أعلم.
والثالث: أضله الله - - على علم؛ أي: أنشأ منه فعل الضلال على علم منه بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً ﴾ ؛ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: غطى قلبه بما هواه، وجعل فيه ظلمة، فتلك الظلمة وذلك الغطاء أوجب غطاء السمع والبصر، وحال بينه وبين سماع الحجج والبراهين، وصارت ظلمة البصر وغطاؤه مانعاً لهم عن اكتساب التدبّر والتفكر.
ويحتمل أن يكون ما هووه مانعاً لهم عن اكتساب الحياة الدائمة لما لو اتبعوا أمر الله - - وما دعاهم إليه كانت لهم تلك الحياة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ ، وكقوله - -: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ ﴾ ، فما هووه واتبعوه منعهم عن اكتساب الحياة الدائمة المدعو إليها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ ﴾ هذا - أيضاً - يحتمل وجهين: أحدهما: حقيقة الهداية، وهو التوفيق والعصمة، فكأنه يقول - والله أعلم -: فمن يقدر دون الله [على] هدايته وتوفيقه بعد اختياره الضلال.
والثاني: الهدى: البيان؛ فكأنه يقول: فمن يقدر أن يأتي ببيان أكثر وأبين من بعد بيان الله - - الذي بين له؟
أي: لا أحد يقدر [على] ذلك ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ أي: أفلا تتعظون، أو ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ بيان الله أو ما بين لكم، والله أعلم.
ثم الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً؛ لئلا يشتغل بهم، ولا يهمّ لهم، ولكن يشتغل بغيرهم، ويقطع طمعه عن إيمانهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: ما قالوا: ما الحياة إلا حياة الدنيا.
ويحتمل أنهم يقولون: ﴿ مَا هِيَ ﴾ أي: لا حياة إلا الحياة التي دنت منا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: نموت نحن وتحيا أبناؤنا وأولادنا.
والثاني: ﴿ نَمُوتُ ﴾ أي: كنا ميتين فحيينا ﴿ نَمُوتُ ﴾ بمعنى: كنا أمواتاً ﴿ وَنَحْيَا ﴾ أي: فصرنا أحياء، ثم لا حياة بعد تلك الحياة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما يهلكنا إلا مرور الأزمنة والأوقات؛ أي: بسبب مرور الأوقات ينتهي آجالنا، ونبلغ إلى الهلاك، وكذلك قال القتبي: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ أي: إلا مرور السنين والأيام.
والثاني: أن يكون الدهر عندهم عبارة عن الأبد؛ فكأنهم يقولون في قوله: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ : وما يهلك أنفسنا إلا الدهر؛ لأن أنفسنا لم تجعل للأبد، ولا للبقاء للأبد، بل جعلت للانقضاء والفناء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ أي: ما هم إلا على ظن يظنون.
والثاني: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ ﴾ أي: وما لهم بما قالوا: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ - ﴿ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ أي: ما هم إلا على ظن يظنون؛ أي: على ظن يقولون ذلك، لا عن علم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: وإذا تتلى عليهم آياتنا في البعث والحياة بعد الموت ﴿ بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: ما يوضح ويبين لهم البعث والحياة بعد الموت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، والإشكال: أنه [لماذا] ذكر ﴿ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ ﴾ إذ لم يعذروا.
فنقول: الحجة هي التي إذا أقامها الإنسان وأتى بها عذر في ذلك، وما قالوا لم يكن حجة؛ إذ لم يعذروا، فيكون معنى قوله: ﴿ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ ﴾ أي: ما كان احتجاجهم إلا أن قالوا كذا.
أو نقول: ما كانوا يحتجون إلا أن قالوا كذا.
ثم قوله: ﴿ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ فيه دلالة ألا يلزم المسئول أن يأتي بحجة وآية يختارها السائل ويشتهيها، لكن يلزمه أن يأتي بما هو حجة في نفسه، ويلزمه الاتباع بها، فأما أن يلزم على ما يختاره السائل أو يتمناه فلا، وقد أتاهم الله - - من الآيات والحجج ما ألزمهم القول بالبعث والإقرار به.
ثم أخبر أن الله - - هو يحييكم ثم يميتكم، لا الدهر الذي قالوا، وهو قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ﴾ أي: يحييكم في قبوركم، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ فيها، ﴿ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
أو يقول: ﴿ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ﴾ في ابتداء الأمر، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ في الدنيا عند انقضاء آجالكم، ﴿ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: ولكن أكثر الناس لا ينتفعون بما يعلمون.
أو يقول: ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ لما تركوا النظر بالتأمل في أسباب العلم.
<div class="verse-tafsir"
انظر -أيها الرسول- إلى من اتبع هواه وجعله بمنزلة المعبود له الذي لا يخالفه، فقد أضلّه الله على علم منه؛ لأنه يستحقّ الإضلال، وختم على قلبه فلا يسمع سماعًا ينتفع به، وجعل الله على بصره غطاء يمنعه من إبصار الحق، فمن الذي يوفِّقه للحق بعد أن أضله الله؟!
أفلا تتذكرون ضرر اتباع الهوى، ونفع اتباع شرع الله؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.ZnGDZ"