الآية ٣٥ من سورة الجاثية

الإسلام > القرآن > سور > سورة 45 الجاثية > الآية ٣٥ من سورة الجاثية

ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًۭا وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة الجاثية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة الجاثية عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا ) أي : إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حجج الله عليكم سخريا ، تسخرون وتستهزئون بها ، ( وغرتكم الحياة الدنيا ) أي : خدعتكم فاطمأننتم إليها ، فأصبحتم من الخاسرين ; ولهذا قال : ( فاليوم لا يخرجون منها ) أي : من النار ( ولا هم يستعتبون ) أي : لا يطلب منهم العتبى ، بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب ، كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنة بغير عذاب ولا حساب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) يقول تعالى ذكره: يقال لهم: هذا الذي حلّ بكم من عذاب الله اليوم (بِأَنَّكُمْ) في الدنيا( اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ), وهي حججه وأدلته وآي كتابه التي أنـزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم (هُزُوًا) يعني سخرية تسخرون منها( وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) يقول: وخدعتكم زينة الحياة الدنيا.

فآثرتموها على العمل لما ينجيكم اليوم من عذاب الله، يقول تعالى ذكره: ( فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا ) مِنَ النَّارِ ( وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) يقول: ولا هم يردّون إلى الدنيا ليتوبوا ويراجعوا الإنابة مما عوقبوا عليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون .قوله تعالى : ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله يعني القرآن .

هزوا : لعبا .

وغرتكم الحياة الدنيا أي خدعتكم بأباطيلها وزخارفها ، فظننتم أن ليس ثم غيرها ، وأن لا بعث .

فاليوم لا يخرجون منها أي من النار .

ولا هم يستعتبون يسترضون .

وقد تقدم وقرأ حمزة والكسائي ( فاليوم لا يخرجون ) بفتح الياء وضم الراء لقوله تعالى : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها الباقون بضم الياء وفتح الراء ، لقوله تعالى : ربنا أخرجنا ونحوه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ذَلِكُمْ } الذي حصل لكم من العذاب { بـ } سبب { أنكم اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا } مع أنها موجبة للجد والاجتهاد وتلقيها بالسرور والاستبشار والفرح.

{ وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } بزخارفها ولذاتها وشهواتها فاطمأننتم إليها، وعملتم لها وتركتم العمل للدار الباقية.

{ فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } أي: ولا يمهلون ولا يردون إلى الدنيا ليعملوا صالحا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا ) حتى قلتم : لا بعث ولا حساب ( فاليوم لا يخرجون منها ) قرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم الراء ، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الراء ( ولا هم يستعتبون ) لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله ، لأنه لا يقبل ذلك اليوم عذرا ولا توبة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله» القرآن «هزواً وغرتكم الحياة الدنيا» حتى قلتم لا بعث ولا حساب «فاليوم لا يخرجون» بالبناء للفاعل وللمفعول «منها» من النار «ولا هم يستعتبون» لا يطلب منهم أن يرضوا ربهم بالتوبة والطاعة لأنها لا تنفع يومئذ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذا الذي حلَّ بكم مِن عذاب الله؛ بسبب أنكم اتخذتم آيات الله وحججه هزوًا ولعبًا، وخدعتكم زينة الحياة الدنيا، فاليوم لا يُخرجون من النار، ولا هم يُرَدُّون إلى الدنيا؛ ليتوبوا ويعملوا صالحًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السئ فقال : ( ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً ) .أى : ذلكم العذاب المبين الذى نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم ، وسخرتم منها ، وكذبتم من جاء بها .( وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا ) أى : وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها .( فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا ) أى : من النار .( وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ ) أى : ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم ، بان يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق فى الدنيا ، لأن التوبة قد فات أوانها .فقوله : ( يُسْتَعَتَبُونَ ) من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهى الموجدة .

يقال : عتب عليه يعتب ، إذا وجد عليه ، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه ، قيل : عاتبه .والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم فى هذا اليوم عذب أو توبة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ والساعة رفعاً ونصباً قال الزجاج من نصب عطف على الوعد ومن رفع فعلى معنى وقيل: الساعة لا ريب فيها قال الأخفش الرفع أجود في المعنى وأكثر في كلام العرب، إذا جاء بعد خبر إن لأنه كلام مستقل بنفسه بعد مجيء الكلام الأول بتمامه.

المسألة الثانية: حكى الله تعالى عن الكفار أنهم إذا قيل إن وعد الله بالثواب والعقاب حق وإن الساعة آتية لا ريب فيها قالوا ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين.

أقول الأغلب على الظن أن القوم كانوا في هذه المسألة على قولين منهم من كان قاطعاً بنفي البعث والقيامة، وهم الذين ذكرهم الله في الآية المتقدمة بقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا  ﴾ ومنهم من كان شاكاً متحيراً فيه، لأنهم لكثرة ما سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحته صاروا شاكين فيه وهم الذين أرادهم الله بهذه الآية، والذي يدل عليه أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤلاء فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول.

ثم قال تعالى: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ ﴾ أي في الآخرة ﴿ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ﴾ وقد كانوا من قبل يعدونها حسنات فصار ذلك أول خسرانهم ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ ﴾ وهذا كالدليل على أن هذه الفرقة لما قالوا: ﴿ إن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ إنما ذكروه على سبيل الاستهزاء والسخرية، وعلى هذا الوجه فهذا الفريق شر من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا منكرين وما كانوا مستهزئين، وهذا الفريق ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا ﴾ وفي تفسير هذا النسيان وجهان الأول: نترككم في العذاب كما تركتم الطاعة التي هي الزاد ليوم المعاد الثاني: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم ولم تلتفتوا إليه بل جعلتموه كالشيء الذي يطرح نسياً منسياً، فجمع الله تعالى عليهم من وجوه العذاب الشديد ثلاثة أشياء فأولها: قطع رحمة الله تعالى عنهم بالكلية.

وثانيها: أنه يصير مأواهم النار.

وثالثها: أن لا يحصل لهم أجر من الأعوان والأنصار، ثم بيّن تعالى أنه يقال لهم إنكم إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب الشديد؛ لأجل أنكم أتيتم بثلاثة أنواع من الأعمال القبيحة فأولها: الإصرار على إنكار الدين الحق.

وثانيها: الاستهزاء به والسخرية منه، وهذان الوجهان داخلان تحت قوله تعالى: ﴿ ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزواً ﴾ .

وثالثها: الاستغراق في حب الدنيا والإعراض بالكلية عن الآخرة، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا ﴾ قرأ حمزة والكسائي ﴿ يُخْرَجُونَ ﴾ بفتح الياء، والباقون بضمها ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ أي ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم، أي يرضوه، ولما تم الكلام في هذه المباحث الشريفة الروحانية ختم السورة بتحميد الله تعالى، فقال: ﴿ فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السموات وَرَبِّ الأرض رَبّ العالمين ﴾ أي فاحمدوا الله الذي هو خالق السموات والأرض، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الربوبية توجب الحمد والثناء على كل أحد من المخلوقين والمربوبين.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَهُ الكبرياء فِي السموات والأرض ﴾ وهذا مشعر بأمرين أحدهما: أن التكبير لابد وأن يكون بعد التحميد، والإشارة إلى أن الحامدين إذا حمدوه وجب أن يعرفوا أنه أعلى وأكبر من أن يكون الحمد الذي ذكروه لائقاً بإنعامه، بل هو أكبر من حمد الحامدين، وأياديه أعلى وأجل من شكر الشاكرين والثاني: أن هذا الكبرياء له لا لغيره، لأن واجب الوجود لذاته ليس إلا هو.

ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ يعني أنه لكمال قدرته يقدر على خلق أي شيء أراد، ولكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة والفضل والكرم، وقوله: ﴿ وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ يفيد الحصر، فهذا يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلا هو، وذلك يدل على أنه لا إله للخلق إلا هو، ولا محسن ولا متفضل إلا هو.

قال مولانا رضي الله عنه: تمّ تفسير هذه السورة يوم الجمعة بعد الصلاة الخامس عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة، والحمد لله حمداً دائماً طيباً مباركاً مخلداً مؤبداً، كما يليق بعلو شأنه وباهر برهانه وعظيم إحسانه، والصلاة على الأرواح الطاهرة المقدسة من ساكني أعالي السموات، وتخوم الأرضين، من الملائكة والأنبياء والأولياء والموحدين، خصوصاً على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ نَنسَاكُمْ ﴾ نترككم في العذاب كما تركتم عدة ﴿ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا ﴾ وهي الطاعة، أو نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم ولم تخطروه ببال، كالشيء الذي يطرح نسياً منسياً.

فإن قلت: فما معنى إضافة اللقاء إلى اليوم؟

قلت: كمعنى إضافة المكر في قوله تعالى: ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ [سبأ: 33] أي نسيتم لقاء اليوم في يومكم هذا ولقاء جزائه.

وقرئ ﴿ لا يخرجون ﴾ بفتح الياء ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكُمْ ﴾ نَتْرُكُكم في العَذابِ تَرْكَ ما يُنْسى.

﴿ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ كَما تَرَكْتُمْ عِدَتَهُ ولَمْ تُبالُوا بِهِ، وإضافَةُ لِقاءَ إلى يَوْمٍ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى ظَرْفِهِ.

﴿ وَمَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ ﴾ يُخَلِّصُونَكم مِنها.

﴿ ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ اسْتَهْزَأْتُمْ بِها ولَمْ تَتَفَكَّرُوا فِيها.

﴿ وَغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ فَحَسِبْتُمْ أنْ لا حَياةَ سِواها.

﴿ فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ.

﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ لا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يُعْتِبُوا رَبَّهم أيْ يُرْضُوهُ لِفَواتِ أوانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)

{ذلكم} العذاب {بأنكم} بسببب انكم {اتخذتم آيات الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا} لاَ يَخْرُجُونَ حمزة وعلي {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ العَذابُ ﴿ بِأنَّكُمُ ﴾ بِسَبَبِ أنَّكُمُ ﴿ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ أيْ مَهْزُوءًا بِها ولَمْ تَرْفَعُوا لَها رَأْسًا ﴿ وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ فَحَسِبْتُمْ أنْ لا حَياةَ سِواها ﴿ فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ﴾ أيِ النّارَ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (لا يَخْرُجُونَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ اسْتِهانَةً بِهِمْ أوْ بِنَقْلِهِمْ مِن مَقامِ الخَطابَةِ إلى غَيابَةِ النّارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا ابْتِداءَ كَلامٍ فَلا التِفاتَ.

﴿ ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ أيْ يُطْلَبُ مِنهم أنْ يَعْتِبُوا رَبَّهم سُبْحانَهُ أيْ يُزِيلُوا عَتَبَهُ جَلَّ وعَلا، وهو كِنايَةٌ عَنْ إرْضائِهِ تَعالى أيْ لا يُطْلَبُ مِنهم إرْضاؤُهُ عَزَّ وجَلَّ لِفَواتِ أوانِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الرُّومِ.

والسَّجْدَةِ أوْجُهٌ أُخَرُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: إذا قال لكم الرسل في الدنيا، إن البعث بعد الموت حق وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيها أي: لا شك فيها.

قرأ حمزة وَالسَّاعَةُ بالنصب، عطف على قوله: أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ قرأ الباقون بالضم، ومعناه: وَإِذَا قيل: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيها، أي: لا شك فيها قُلْتُمْ مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ يعني: ما القيامة، وما البعث إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا يعني: قلتم ما نظن إلا ظناً غير اليقين وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ أنها كائنة.

قوله عز وجل: وَبَدا لَهُمْ أي: ظهر لهم سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا يعني: عقوبات ما عملوا في الدنيا.

ويقال: تشهد عليهم جوارحهم وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: نزل بهم العذاب، ووجب عليهم العذاب، باستهزائهم إنه غير نازل بهم وَقِيلَ يعني: قالت لهم الخزنة الْيَوْمَ نَنْساكُمْ يعني: نترككم في النار.

كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يعني: كما تركتم الإيمان والعمل، لحضور يومكم هذا.

وَمَأْواكُمُ النَّارُ يعني: مثواكم ومستقركم النار وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ يعني: ليس لكم مانع يمنعكم، مما نزل بكم من العذاب ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً يعني: هذا العذاب، بأنكم لم تؤمنوا وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا يعني: ما في الدنيا من زينتها وزهرتها فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْها قرأ حمزة، والكسائي بنصب الياء، فيجعلان الفعل لهم.

والباقون بالضم على فعل، ما لم يسم فاعله.

وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ يعني: لا يرجعون إلى الدنيا.

وقال الكلبي: لا يعاتبون بعد هذا القول، ويتركون في النار.

ويقال: لا يراجعون الكلام بعد دخولهم النار فَلِلَّهِ الْحَمْدُ يعني: عند ذلك، يحمد المؤمنون الله في الجنة.

كقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ [الزمر: 74] ويقال: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ يعني: له آثار الحمد، فعلى جميع الخلق أن يحمدوه.

ويقال: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ يعني: الألوهية والربوبية رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ يعني: الحمد لرب الأرض رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: لرب جميع الخلق الحمد والثناء وَلَهُ الْكِبْرِياءُ يعني: العظمة، والقدرة، والسلطان، والعزة فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ في أمره وقضائه، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ أي: فيقال لهم: أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ وقرأ حمزة وحده: «وَالسَّاعَةَ» «١» - بالنصب- عطفاً على قوله: وَعْدَ اللَّهِ، وقرأ ابن مسعود «٢» : «وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا» ، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا ...

الآية، حكايةُ حالِ يوم القيامة وَحاقَ معناه: نزل وأحَاطَ، وهي مُسْتَعْمَلَة في المَكْرُوهِ، وفي قوله: مَّا كانُوا حذفُ مضافٍ، تقديره: جزاءَ ما كانوا به يستهزئون.

وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)

وقوله عز وجل: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ معناه: نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا، وآياتِ اللَّهِ هنا: لفظ جامعٌ لآِيات القرآن وللأدِلَّةِ التي نَصَبَهَا اللَّهُ تعالى، للنَّظَرِ، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي: لا يُطْلَبُ منهم مراجعةٌ إلى عملٍ صَالِحٍ.

وقوله سبحانه: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ ...

إلى آخر السورة- تحميدٌ للَّه عزَّ وجلَّ، وتحقيقٌ لأُلُوهِيَّتِهِ، وفي ذلك كَسْرٌ لأمرِ الأصنام وسائر ما تعبده الكفرة، والْكِبْرِياءُ: بناء مبالغة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ بِالبَعْثِ ﴿ حَقٌّ ﴾ أيْ: كائِنٌ ﴿ والسّاعَةُ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: "والسّاعَةَ" بِالنَّصْبِ "لا رَيْبَ فِيها" أيْ: كائِنَةٌ بِلا شَكٍّ ﴿ قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ ﴾ أيْ: أنْكَرْتُمُوها ﴿ إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا ﴾ أيْ: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا ظَنًّا وحَدْسًا، ولا نَسْتَيْقِنُ كَوْنَها.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ [الزُّمَرِ: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكُمْ ﴾ أيْ: نَتْرُكُكم في النّارِ ﴿ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ أيْ: كَما تَرَكْتُمُ الإيمانَ والعَمَلَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ الَّذِي فَعَلْنا بِكم ﴿ بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ أيْ: مَهْزُوءًا بِها ﴿ وَغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ حَتّى قُلْتُمْ: إنَّهُ لا بَعْثَ ولا حِسابَ ﴿ فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَخْرُجُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ.

وقَرَأ الباقُونَ: ["لا يُخْرَجُونَ"] بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مِنها أيْ: مِنَ النّارِ ﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ أيْ: لا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يَرْجِعُوا إلى طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِحِينِ تَوْبَةٍ ولا اعْتِذارٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ الكِبْرِياءُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: السُّلْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: الشَّرَفُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: العَظَمَةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والزَّجّاجُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ ﴾ ﴿ ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ ﴿ فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ نَنْساكم مَعْناهُ: نَتْرُكُكم كَما تَرَكْتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا، فَلَمْ يَقَعْ مِنكُمُ اسْتِعْدادٌ لَهُ ولا تَأهَّبْتُمْ، فَسُمِّيَتِ العُقُوبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمِ الذَنَبِ، والمَأْوى: المَوْضِعُ الَّذِي يَسْكُنُهُ الإنْسانُ ويَكُونُ فِيهِ عامَّةَ أوقاتِهِ أو كُلَّها أجْمَعُ، و"آياتِ اللهِ": لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ القُرْآنِ ولِلْأدِلَّةِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِيَنْظُرَ فِيها العِبادُ.

وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "لا يَخْرُجُونَ" بِضَمِّ الياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتٍ وفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "لا يَخْرُجُونَ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، و ﴿ "يُسْتَعْتَبُونَ" ﴾ تَطَلَّبَ مِنهم مُراجَعَةً إلى عَمَلٍ صالِحٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلِلَّهِ الحَمْدُ ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، تَحْمِيدٌ لَهُ تَعالى وتَحْقِيقٌ لِأُلُوهِيَّتِهِ، وفي ذَلِكَ كَسْرٌ لِأمْرِ الأصْنامِ والأنْصابِ، وقِراءَةُ الناسِ: "رَبِّ" بِالخَفْضِ في الثَلاثَةِ عَلى الصِفَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَفْعِ فِيها، عَلى مَعْنى: هو رَبٌّ، و ﴿ "الكِبْرِياءُ" ﴾ بِناءُ مُبالَغَةٍ، وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ تَعالى: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي مِنهُما شَيْئًا قَصَمْتُهُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما أودعوا جهنم وأحاطت بهم نودوا ﴿ اليوم ننساكم ﴾ إلى آخره تأييساً لهم من العفو عنهم.

وبُني فعل ﴿ قيل ﴾ للنائب حطّاً لهم عن رتبة أن يصرح باسم الله في حكاية الكلام الذي واجههم به كما أشرنا إليه عند قوله آنفاً ﴿ وإذا قيل إن وعد الله حقٌ ﴾ [الجاثية: 32] بناء على أن ضمير ﴿ ننساكم ﴾ ضمير الجلالة وَليس من قول الملائكة، فإن كان من قول خزنة جهنم ببناءِ فِعل ﴿ وقيل ﴾ للنائب للعلم بالفاعل.

وأطلق النسيان على الترك المؤبد على سبيل المجاز المرسل لأن النسيان يستلزم ترك الشيء المنسي في محله أو تركه على حالته، ويجوز أن يكون النسيان مستعاراً للإهمال وعدم المبالاة، أي فلا تتعلق الإرادة بالتخفيف عنهم وعلى هذين الاعتبارين يفسر معنى النسيان الثاني.

والكاف في ﴿ كما نسيتم لقاء يومكم ﴾ للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ [البقرة: 198]، أي جزاء نسيانكم هذا اليوم، أي إعراضكم عن الإيمان به.

واللقاء: وجدان شيء شيئاً في مكان، وهو المصادفة يُقال: لقي زيد عمراً، ولقي العصفور حبة.

ولقاء اليوم، أطلق اليومُ على ما فيه من الأحداث على سبيل المجاز المرسل لأنه أوجزُ من تعداد الأهوال الحاصلة منذ البعث إلى قضاء الجزاء على الأعمال.

وإضافة يوم إلى ضمير المخاطبين في ﴿ يومكم ﴾ باعتبار أن ذلك اليوم ظرف لأحوال تتعلق بهم فإن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، ألا ترى أنه أضيف إلى ضمير المؤمنين في قوله تعالى: ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ [الأنبياء: 103].

ووصف اليوم باسم الإشارة تمييزه أكمل تمييز تكميلاً لتعريفه بالإضافة لئلا يلتبس عليهم بيوم آخر.

وعطف ﴿ ومأواكم النار ﴾ على ﴿ اليوم ننساكم ﴾ ليعلموا أن تركهم في النار ترك مؤبد فإن المأوى هو مسكن الشخص الذي يأوي إليه بعد أعماله، فالمعنى أنكم قد أَويْتم إلى النار فأنتم باقون فيها، وتقدم نظير قوله: ﴿ وما لكم من ناصرين ﴾ قريباً، والمقصود تخطئة زعمهم السابق أن الأصنام تنفعهم في الشدائد.

و ﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى ﴿ مأواكم ﴾ والباء للسببية، أي ذلكم المأوى بسبب اتخاذكم آيات الله، وهي آيات القرآن هزؤاً، أي مستهزأ بها، ﴿ هزؤاً ﴾ مصدر مراد به اسم المفعول مثل خلق.

وتغرير الحياة الدنيا إياهم سبب أيضا لجعل النار مأواهم.

والتغرير: الإطماع الباطل.

ومعنى تغرير الحياة الدنيا إياهم: أنهم قاسوا أحوال الآخرة على أحوال الدنيا فظنوا أن الله لا يحيي الموتى وتطرقوا من ذلك إلى إنكار الجزاء في الآخرة على ما يعمل في الدنيا وغرّهم أيضاً ما كانوا عليه من العزة والمنعة فخالوه منتهى الكمال فلم يصيخوا إلى داعي الرشد وعظة النصح وأعرضوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن القرآن المرشد ولولا ذلك لأقبلوا على التأمل فيما دعوا إليه فاهتدوا فسلموا من عواقب الكفر ولكون هذه المغررات حاصلة في الحياة الدنيا أسند التغرير إلى الحياة على سبيل المجاز العقلي لأن ذلك أجمع لأسباب الغرور.

وفرع على ذلك ﴿ فاليوم لا يخرجون منها ﴾ بالفاء وهذا من تمام الكلام الذي قيل لهم لأن وقوع كلمة (اليوم) في أثنائه يعين أنه من القيل الذي يقال لهم يومئذٍ.

واتفق القراء على قراءة ﴿ لا يخرجون ﴾ بياء الغيبة.

وكان مقتضى الظاهر أن يقال: لا تُخرجون، بأسلوب الخطاب مثل سابقه ولكن عدل عن طريقة الخطاب إلى الغيبة على وجه الالتفات.

ويحسّنه هنا أنه تخييل للإعراض عنهم بعد توبيخهم وتأييسهم وصرف بقية الإخبار عنهم إلى مخاطب آخر ينبّأ ببقية أمرهم تحقيراً لهم.

وقرأ الجمهور ﴿ يُخرجون ﴾ بضم الياء وفتح الراء، فالمعنى: أنهم يسألون مَن يُخرجهم فلا يُخرجهم أحد كما في قوله تعالى: ﴿ ربّنا أخرجنا منها ﴾ [المؤمنون: 107] وقوله: ﴿ فهل إلى خروج من سبيل ﴾ [غافر: 11].

وقرأه حمزة والكسائي ﴿ يخرُجون ﴾ بفتح الياء وضم الراء.

فالمعنى: أنهم يفزعون إلى الخروج فلا يستطيعون لقوله تعالى: ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أعيدوا فيها ﴾ [الحج: 22].

والاستعتاب بمعنى: الإعتاب، فالسين والتاء للمبالغة كما يقال: أجاب واستجاب.

ومعنى الإعتاب: إعطاء العُتبى وهي الرضا.

وهو هنا مبني للمجهول.

أي لا يستعتبهم أحد، أي ولا يُرضون بما يسألون، وتقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ فيومئذٍ لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون ﴾ في سورة الروم (57).

وتقدم ﴿ هم ﴾ على ﴿ يستعتبون ﴾ وهو مسند فعلي بعد حرف النفي هنا تعريض بأن الله يُعتِب غيرهم، أي يُرضي المؤمنين، أي يغفر لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اليَوْمُ نَتْرُكُكم في النّارِ كَما تَرَكْتُمْ أمْرِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: اليَوْمَ نَتْرُكُكم مِنَ الرَّحْمَةِ كَما تَرَكْتُمُ الطّاعَةَ، وهو مُحَتْمَلٌ الثّالِثُ: اليَوْمَ نَتْرُكُكم مِنَ الخَيْرِ كَما تَرَكْتُمُونا مِنَ العَمَلِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الكِبْرِياءَ العَظَمَةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ السُّلْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: الشَّرَفُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الرّابِعُ: البَقاءُ والخُلُودُ.

﴿ وَهُوَ العَزِيزُ ﴾ في انْتِقامِهِ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ في تَدْبِيرِهِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه مرّ على قوم وعليه بردة حمراء حسناء، فقال رجل من القوم إن أنا سلبته بردته فما لي عندكم؟

فجعلوا له شيئاً فأتاه فقال: يا أبا عبد الرحمن!

بردتك هذه لي.

فقال: إني اشتريتها أمس.

قال: قد أعلمتك وأنت في حرج من لبسها.

فخلعها ليدفعها إليه فضحك القوم.

فقال: ما لكم؟

فقالوا: هذا رجل بطال.

فالتفت إليه فقال يا أخي: أما علمت أن الموت أمامك لا تدري متى يأتيك صباحاً أو مساء أو نهاراً ثم القبر ومنكر ونكير، وبعد ذلك القيامة يوم يخسر فيه المبطلون فأبكاهم ومضى.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وترى كل أمة جاثية ﴾ قال: متميزة.

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وترى كل أمة جاثية ﴾ قال: تستفز على الركب.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وترى كل أمة جاثية ﴾ يقول: على الركب عند الحساب.

وأخرج سعيد بن منصور، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن عبدالله بن باباه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين» ثم قرأ سفيان ﴿ وترى كل أمة جاثية ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وترى كل أمة جاثية ﴾ كل أمة مع نبيها حتى يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم على كوم قد علا الخلائق فذلك المقام المحمود.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل أمة تدعى إلى كتابها ﴾ قال يعلمون أنه يدعى أمة قبل أمة، وقوم قبل قوم، ورجل قبل رجل، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «يمثل لكل أمة يوم القيامة ما كانت تعبد من حجر أو وثن أو خشبة أو دابة، ثم يقال: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيكون أول ذلك الأوثان قادة إلى النار حتى تقذفهم فيها فيبقى أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟

فيقولون: كنا نعبد الله وعزيراً إلا قليلاً منهم ثم يقال لهم: أما عزير فليس منكم ولستم منه، فيؤخذ بهم ذات الشمال فينطلقون ولا يستطيعون مكوثاً.

ثم يدعى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟

فيقولون: كنا نعبد الله والمسيح ابن مريم إلا قليلاً منهم، فيقال: أما المسيح فليس منكم ولستم منه، فيؤخذ بهم ذات الشمال فينطلقون ولا يستطيعون مكوثاً.

وتبقى أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقال: ما كنتم تعبدون؟

فيقولون: كنا نعبد الله وحده وإنما فارقنا في الدنيا مخافة يومنا هذا، فيؤذن للمؤمنين في السجود، فيسجد المؤمنون، ويمنع كل منافق، فيقصم ظهر المنافق عن السجود ويجعل الله سجود المؤمنين عليه توبيخاً وصغاراً وحسرة وندامة» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ﴾ قال: هو أم الكتاب فيه أعمال بني آدم ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ قال: هم الملائكة عليهم الصلاة والسلام يستنسخون أعمال بني آدم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن هذه الآية ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ فقال: إن أوّل ما خلق الله القلم، ثم خلق النون وهي الدواة، ثم خلق الألواح، فكتب الدنيا وما يكون فيها حتى تفنى من خلق مخلوق، وعمل معمول، من بر أو فاجر، وما كان من رزق حلال أو حرام، وما كان من رطب ويابس، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا حي وبقاؤه فيها كم وإلى كم تفنى، ثم وكل بذلك الكتاب الملائكة، ووكل بالخلق ملائكة، فتأتي ملائكة الخلق إلى ملائكة ذلك الكتاب فيستنسخون ما يكون في كل يوم وليلة مقسوم على ما وكلوا به ثم يأتون إلى الناس فيحفظونهم بأمر الله، ويسوقونهم إلى ما في أيديهم من تلك النسخ.

فقام رجل يا ابن عباس.

ألستم قوماً عرباً ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ هل يستنسخ الشيء إلا من كتاب؟

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله خلق النون وهو الدواة، وخلق القلم فقال: اكتب.

قال: ما أكتب؟

قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فاجر أو رزق مقسوم حلال أو حرام، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا، ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة وعلى الكتاب خزاناً تحفظه ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني ذلك الرزق انقطع الأمر وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة يقولون ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل.

وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن لله ملائكة يتولون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن أوّل شيء خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول بر أو فاجر رطب أو يابس فأحصاه عنده في الذكر وقال اقرؤوا إن شئتم ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فرغ منه؟» .

وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ قال: «هي أعمال أهل الدنيا الحسنات والسيئات تنزل من السماء كل غداة أو عشية ما يصيب الإِنسان في ذلك اليوم أو الليلة الذي يقتل، والذي يغرق والذي يقع من فوق بيت، والذي يتردى من فوق جبل، والذي يقع في بئر، والذي يحرق بالنار، فيحفظون عليه ذلك كله.

فإذا كان العشي صعدوا به إلى السماء فيجدونه كما في السماء مكتوباً في الذكر الحكيم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: تستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم، فإنما يعمل الإِنسان على ما استنسخ الملك من أم الكتاب.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كتب في الذكر عنده كل شيء هو كائن ثم بعث الحفظة على آدم عليه السلام وذريته فالحفظة ينسخون من الذكر ما يعمل العباد، ثم قرأ ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ قال: إن الله وكل ملائكة ينسخون من ذلك العام في رمضان ليلة القدر ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المستقبلة، فيعارضون به حفظة الله على العباد عشية كل خميس فيجدون ما رفع الحفظة موافقاً لما في كتابهم ذلك ليس فيه زيادة ولا نقصان.

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ﴾ قال: تركتم ذكري وطاعتي فكذا أترككم ﴿ كما نسيتم لقاء يومكم هذا ﴾ قال: تركتم ذكري وطاعتي، فكذا تركتم في النار.

وأخرج ابن عساكر عن عمر بن ذر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما قعد قوم يذكرون الله إلا قعد معهم عددهم من الملائكة، فإذا حمدوا الله حمدوه، وإن سبحوا الله سبحوه، وإن كبروا الله كبروه، وإن استغفروا الله أمنوا، ثم عرجوا إلى ربهم فيسألهم، فقالوا: ربنا عبيد لك في الأرض ذكروك فذكرناك.

قال: ماذا قالوا؟

قالوا: ربنا حمدوك فقال: أوّل من عبد وآخر من حمد.

قالوا: وسبحوك.

قال: مدحي لا ينبغي لأحد غيري قالوا: ربنا كبروك.

قال: لي الكبرياء في السموات والأرض وأنا العزيز الحكيم.

قالوا: ربنا استغفروك.

قال: أشهدكم أني قد غفرت لهم» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه أن لله ثلاثة أثواب: اتزر بالعزة، وتسربل الرحمة، وارتدى بالكبرياء فمن تعزز بغير ما أعز الله فذلك الذي يقال له ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ [ الدخان: 49] ومن رحم رحمه الله، ومن تكبر فقد نازع الله الذي ينبغي له، فإنه تبارك وتعالى يقول: لا ينبغي لمن نازعني أن أدخله الجنة.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في النار» والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ قال ابن عباس: لا يقبل الله منهم توبة ولا عذرًا، وروي عنه: لا يعاتبون بعد ذلك، انقطعت المعاتبة (١) قال الفراء: لا يراجَعون الكلامَ بعد دخولهم النار (٢) وقال أبو إسحاق: لا يُلتمسُ منهم عملٌ ولا طاعة (٣) وذكرنا معنى الاستعتاب فيما تقدم [فصلت: 24].

تمت.

(١) ذكر ذلك البغوي في تفسيره، ولم ينسبه 7/ 248، وكذلك ذكره ابن الجوزي ولم ينسبه 7/ 366.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 49.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 436.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ ﴾ من العتبى وهي الرضا.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفي خلقكم ﴾ مدغماً: عباس.

﴿ آيات ﴾ بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ يؤمنون ﴾ على الغيبة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ أليم ﴾ مذكور في "سبأ" ﴿ لنجزي ﴾ بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف ﴿ ليجزي ﴾ بالياء مبنياً للمفعول ﴿ قوم ﴾ بالرفع: يزيد.

الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ قوماً ﴾ سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد ﴿ غشوة ﴾ بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 ﴿ كل أمة تدعي ﴾ بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب ﴿ الساعة ﴾ بالنصب: حمزة ﴿ لا يخرجون ﴾ من الخروج حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط ومن نصب، ﴿ آيات ﴾ لم يقف لأنها عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين ﴿ يوقنون ﴾ ه لا للعطف على ﴿ عاملين ﴾ كما يجيء ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ يسمعها ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف ﴿ عذاب جهنم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ أولياء ﴾ ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ منه ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ج ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ فعليها ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ من الأمر ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج ﴿ بعض ﴾ ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ قف ومن نصب ﴿ سواء ﴾ لم يقف.

﴿ ومماتهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ غشاوة ﴾ ط ﴿ من بعد الله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ الدهر ﴾ ج لاحتمال الواو الحال ﴿ من علم ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ يظنون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ جاثية ﴾ قف لمن قرأ ﴿ كل ﴾ بالرفع ﴿ كتابها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ ما الساعة ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بقول الكفار ﴿ بمستيقنين ﴾ ه ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول "المؤمن" وتفسيره وقوله ﴿ إن في السموات ﴾ إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما.

استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين.

مختلفين وهما في قراءة النصب "أن" وفي أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي.

وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله ﴿ آيات ﴾ تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيداً وفي الحجرة زيداً والمسجد زيداً، وأنت تريد أن في الدار زيداً والحجرة والمسجد.

والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب ﴿ آيات ﴾ على الاختصاص.

ويرتفع بإضمار هي.

وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مراراً ولا سيما في أواسط "البقرة" ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولاً ثم قال ﴿ لقوم يوقنون ﴾ ثم ﴿ يعقلون ﴾ فما سبب هذا الترتيب؟

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال.

وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم.

وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية.

فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية.

فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود.

﴿ تلك ﴾ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و ﴿ نتلوها ﴾ في محل الحال.

وقوله ﴿ بعد الله وآياته ﴾ كقولهم: أعجبني زيد وكرمه.

وأصله بعد آيات الله.

والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.

وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله.

فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي.

ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان.

قوله ﴿ وإذا علم ﴾ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كافتراض ابن الزبعري في قوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله  ﴾ وإنما أنّث الضمير في قوله ﴿ اتخذها ﴾ لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزواً ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه.

قوله ﴿ من ورائهم جهنم ﴾ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم  ﴿ هذا هدى ﴾ أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد.

ثم ذكر دليلاً آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مراراً.

وقوله ﴿ ولتبتغوا ﴾ أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري.

ثم عمم بعد التخصيص وقوله ﴿ منه ﴾ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه.

عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟

قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه.

فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله  ﴿ قل للذين آمنوا ﴾ يعني عمر ﴿ يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض.

عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله  ﴾ قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه.

وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما أنكر ﴿ قوماً ﴾ مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوماً كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق.

ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله ﴿ من عمل صالحاً ﴾ الآية.

ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين.

وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي  أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب.

وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسداً.

﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ أي منهاج وطريقة ﴿ من الأمر ﴾ أمر الدين وقيل: من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا.

قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي  وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله  عن ذلك بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك.

ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله  .

ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته ﴿ هذا ﴾ القرآن.

وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشاراً إليه أولى لقوله ﴿ بصائر من ربكم ﴾ إلى آخره.

وقد مر في آخر "الأعراف" مثله.

ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلاً ﴿ أم حسب ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة والآية نظيرة ما سلف في "ص" ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين  ﴾ والاجتراح الاكتساب.

من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فمعناه مستوياً والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي ﴿ نجعل ﴾ وهو الكاف.

من قرأ بالرفع بخبر ﴿ ومحياهم ﴾ مبتدأ والجملة بدل أيضاً لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً.

والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتاً، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد.

وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن.

فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة.

وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلاً من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه لقوله  : " كما تعيشون تموتون" وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله ﴿ وخلق الله ﴾ الآية.

قال جار الله: ﴿ ولتجزى ﴾ معطوف على ﴿ بالحق ﴾ لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء.

ويجوز أن يكون المعلل محذوفاً وهو فعلنا ونحوه.

والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة.

ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلاً ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان ﴿ وأضله الله على علم ﴾ بحالة أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها.

وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم ﴿ فمن يهديه من بعد ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في "البقرة" لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي  شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه.

ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه.

ثم ذكر من أسباب الضلال سبباً آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلاّ هذه.

وليس قولهم الدنيا تسلماً لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب.

وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتاً حال كونهم نطفاً، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر.

ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب.

ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادىء فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ وما لهم بذلك من علم ﴾ أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظناً تخميناً واستبعاداً فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مراراً وأطوراً.

وليس قولهم ﴿ ائتوا بآبائنا ﴾ من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال ﴿ قل الله يحييكم ﴾ إلى آخره.

ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ العامل فيه يخسر وقوله ﴿ يومئذ ﴾ بدل من ﴿ يوم ﴾ وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف.

قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها.

وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم.

وقيل: مستوفزاً لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله.

والجثو للكفار خاصة.

وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين كفروا ﴾ ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ يريد كتاب الحفظة ليقرؤه.

وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا.

ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن.

﴿ اليوم تجزون ﴾ بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله ﴿ هذا كتابنا ﴾ إلى قوله ﴿ إنا كنا نستنسخ ﴾ أي نأمر بالنسخ.

وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله  لأنه أمر ملائكته بكتبه.

قوله ﴿ أفلم تكن ﴾ القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله ﴿ إن نظن إلا ظناً ﴾ قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظناً.

وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظناً منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون.

وقال جار الله: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب.

فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ وما نحن بمستيقنين ﴾ وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: ولله ملك كل ملك في السماوات والأرض.

أو ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ؛ أي: خزائن السماوات والأرض، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود،  .

أو يقول: ولله حقيقة ملك السماوات والأرض.

فإن كان التأويل هو الأول فإن له ملك كل ملك في السماوات والأرض، ففيه إخبار وإعلام بليغ أتباعَ أولئك الملوك، و[ذوي] التعظيم لهم، والإجلال، والخدمة لهم بما في أيديهم من الملك والسلطان وفضل الأموال [ألا يصرفوا ذلك إليهم]؛ بل فيه الأمر بصرف ذلك كله إلى الله -  - والقيام له بالشكر، لا لأولئك؛ لأن الذي في أيديهم لله -  - وهو الجاعل في أيديهم، والواضع عندهم، فإليه يلزم صرف الشكر والعبادة، والله أعلم.

وإن كان تأويل الملك: الخزائن، ففيه قطع الأطماع عما في أيدي الناس، والأمر بصرف ذلك إلى الله -  - والرجاء منه دون من سواه، والله أعلم.

وإن كان الثالث، وهو أن حقيقة الملك لله -  - ففيه أنه فيما امتحنهم في الدنيا بأنواع المحن لم يمتحنهم لمنفعة ترجع إلى نفسه، أو لمضرة يدفع عنها، وكذلك ما يثيبهم في الآخرة ويعاقبهم، ليس يفعل ذلك لمنفعة كانت له في الدنيا أو دفع مضرة عنه، ولكن لحكمة أوجبت ذلك لهم وعليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ ﴾ سمى القيامة: ساعة، فجائز أن يكون سماها [بذلك]؛ لسرعة قيامها، أو نفاذها؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ .

أو أن يكون سماها بذلك؛ لما يكون حسابهم وأمرهم يوم القيامة إنما يكون في ساعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴾ يحتمل: أي: يومئذ يبين خسران المبطلين في الدنيا، وعلى ذلك يبين خسران كل مشتركين في تجارة الدنيا؛ إذا [اشتركوا] في عمل عند القسمة يتبين خسران عملهم وتجارتهم.

وأصله أن الله -  - جعل الدنيا وما أنشأ فيها من الأموال والأملاك رءوس أموال لأهلها يتجرون ويكتسبون بها الربح في الآخرة، وأنه إنما أنشأ الدنيا للآخرة، لا أنه أنشأها لنفسها؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ الآية [التوبة: 111]، وقال: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ يحتمل أن يكون ما ذكر من الجثو للركب في الآخرة تعريف لهم وإنباء أنهم يختصمون يوم القيامة جاثين للركب، كما يختصم في الدنيا عند الحكام والأمراء جاثين للركب، والله أعلم.

ويحتمل أن يذكر جثوهم؛ لما لا تقوم بهم الأقدام، أو لا تحملهم؛ لهول ذلك اليوم والخوف فيها؛ فيكونون جاثين للركب ويقومون بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ يحتمل: ﴿ كِتَابِهَا ﴾ : كتاب كل في نفسه، وهو كقوله -  -: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ  ﴾ ، وقوله -  : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ  ﴾ و ﴿ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ  ﴾ ونحوه.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ الذي دعيت كل أمة إليه في الدنيا؛ من نحو القرآن، ونحوه؛ فيقال: يأهل الإنجيل، يأهل التوراة، ونحو ذلك، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون ﴿ كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ أي: إلى حسابها الذي عملت في الدنيا؛ تفسير ذلك ما ذكر: ﴿ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل الكتاب الذي أضاف إلى نفسه هو القرآن الذي كان ينطق لهم بالحق؛ أي: بالحق الذي لله عليهم، وما لبعضهم على بعض.

أو ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالصدق بأنه من الله -  - والله أعلم.

ويحتمل أن يكون ذلك الكتاب هو الكتاب الذي يكون لكلٍّ بالانفراد للذي كتبته له الملائكة مما عملوا من خير أو شر، وهو كقوله -  -: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ اختلف في تأويله: قال بعضهم: إن الحفظة تكتب أعمال بني آدم ثم يعارضون ذلك بما في اللوح المحفوظ المكتوب فيه: أن فلاناً يعمل كذا وكذا، فلا يزيد شيء ولا ينقص.

وعن ابن عباس -  - يقول قريباً من هذا: إن في السماء كتاباً عليه ملائكة، والملائكة الذين مع بني آدم يستنسخون من ذلك الكتاب ما يعملون، ثم قال: وهل تكون النسخة إلا من كتاب أو شيء، والله أعلم.

وقال بعضهم: ملكان موكلان بالكتابة، يكتب كل واحد منهما ما يعمله، فإذا أرادا أن يصعدا إلى السماء فيعارض كل واحد منهما كتابه الذي كتبه مع كتاب الآخر فلا يخطئ حرفاً مما كتب هذا ما كتب الآخر، والله أعلم.

وقال بعضهم: عرض كتاب الناس الذي عملوا كل يوم أو كل خميس، فينسخ منه الخير والشر، وما يثاب عليه وما يعاقب، ويلقى ما سوى ذلك مما لا ثواب له ولا عقاب، والله أعلم.

ويحتمل أن يراد من الانتساخ: ابتداء الكتابة من غير أخذ من كتاب أو نحوه، فإنه يجوز أن يستعمل الانتساخ في ابتداء الكتابة على غير أخذ من الكتاب أو غيره، نحو أن يقول الرجل: انتسخته، أي: كتبته، فيكون كأنه قال: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ ﴾ أي: نكتب ما كنتم تعملون ونثبته عليكم من خير أو شر، فيخرج لهم كتبهم التي فيها أعمالهم، فكانت عليهم حجة، وهي التي كتبت عليهم الحفظة.

وقال أبو عوسجة: الجاثية هي التي جثت واجتمعت، ويقال: تجاثينا: أي: بركنا على ركبنا للخصومة.

وقال القتبي: جاثية على الركب، يراد: أنها غير مطمئنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ﴾ أي: إلى حسابها.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ يريد: أنهم يقرءونه فيدلهم ويذكرهم؛ فكأنه ينطق عليهم.

وقوله  : ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ ﴾ أي: نكتب على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ أي: آمنوا بجميع ما كان عليهم الإيمان به والتصديق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: عملوا بما فيه صلاحهم، وما يوجبه الحكمة من العمل ﴿ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ أي: في جنته، سمى الجنة: رحمة؛ لأنها تنال برحمته، ويدخل فيها.

أو سماها: رحمة؛ لأنها هي النهاية والغاية التي تطلب بالرحمة وتراد بها.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴾ الآية.

الفوز: هو الظفر بما يؤمل ويرجو من العمل، أو يقال: الفوز: هو الفلاح الذي لا خوف بعده، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ كأن فيه إضماراً؛ لأن قوله -  -: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ إنما هو إخبار عن المعاينة.

وقوله -  -: ﴿ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ خطاب ومشافهة، فليس هو من جواب الأول، ولا من نوعه؛ فكأنه قال - والله أعلم -: وأما الذين كفروا في الدنيا فيقال لهم في الآخرة إذا طلبوا الرجوع والإقامة أو التخفيف ذلك: ﴿ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ في الدنيا.

ثم يحتمل: آياته: آيات وحدانيته وألوهيته، أو آيات قدرته وسلطانه على التعذيب، أو آيات قدرته على البعث أو آيات رسالته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ لا أحد يقصد قصد الاستكبار على آيات الله، لكنهم لما كذبوها وردوا آياته ولم يعملوا بها، فكأنهم استكبروا عليها، وهو كما قال: ﴿ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم لما عبدوا الأصنام بأمر الشيطان فكأنهم عبدوه.

ويحتمل أن يكونوا استكبروا على رسله؛ فيكون استكبارهم على رسله كأنهم استكبروا على آياته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ قيل: المجرم هو الوثاب في المعصية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ كان عندهم فيها ريب، لكنهم لو تأملوا ونظروا فيما أقام من آياته، زال عنهم الريب الذي كان لهم فيها.

ويحتمل أن يقال هذا على الإيقان إذا كان القائل به موقناً، وإن كان الذي يقال له شاكّاً في ذلك.

والأول أقرب وأشبه.

ثم الناس رجلان في الساعة: موقن بها ومتحقق، ولكن في العمل لها والاستعداد لها كالظان.

والثاني: ظان بها، شاك فيها جاحد لها ومكذب كالموقن ألا تكون.

ثم الإيقان بالشيء هو العلم بالأسباب الظاهرة، وقد يدخل في تلك الأسباب أدنى شبهة وشك؛ لذلك ذكر فيه الظن، والله أعلم.

وأما العلم بالشيء قد يكون بالسبب، وقد يكون بالتجلي له بلا سبب؛ ولذلك وصف الله -  - بالعلم، ولم يوصف بالإيقان، ولا يقال: إنه موقن؛ لما ذكرنا: أن أحدهما يكون بأسباب والآخر لا - والله أعلم - فيتمكن في الإيقان أدنى شبهة وشك، وقد يعمل غالباً لأسباب على حقيقة الأعمال؛ نحو المكره على الشرّ يعلم بما أوعد به بغالب أسبابه ليس على الحقيقة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: بدا لهم أنّ الأعمال في الدنيا أنها أسباب في الآخرة؛ لأنهم عملوها في الدنيا وعندهم أنها حسنات، فيظهر لهم في الآخرة أنها سيئات.

والثاني: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي: ظهر لهم في الآخرة وتذكروا سيئات ما عملوا في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي: نزل بهم، ووجب ما كانوا يستعجلون من الرسل، وهو العذاب الذي كانوا يوعدونهم؛ لأنهم كانوا يستعجلون ذلك استهزاء منهم بهم بأنه غير كائن، ولا نازل بهم ما كانوا يوعدونهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ ، والإشكال: أنهم كيف ينسون يومئذ؟

لأنهم لو كانوا ينسون، لسلموا من العذاب، لكن ما ذكر من النسيان يخرج على وجهين: أحدهما: كنى بالنسيان عن الترك؛ يقول: اليوم نترككم في النار وفي العذاب كما تركتم أنتم العمل لذلك اليوم والنظر فيه.

والثاني: على التمثيل؛ أي: اليوم نصيركم في النار كالشيء المنسي لا يكترث إليكم، ولا يلتفت، ولا يعبأ بكم كما صيرتم أنتم ذلك اليوم كالشيء المنسي، لم تكترثوا إليه، ولم تعملوا له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ جعل الله -  - النار لهم مأوى بإزاء كل ما افتخروا في الدنيا على رسل الله - عليهم السلام - وأتباعهم من المنازل، والمراكب، والملابس، وغير ذلك، وأخبر أنه لا ناصر لهم يملك إخراجهم من تلك النار والمأوى الذي جعل لهم، ولا يقدر دفع ذلك عنهم، والله أعلم.

ثم أخبر أن بعض ذلك الذي أصابهم ونزل بهم إنما كان بما ذكر من اتخاذهم آيات الله هزوا في الدنيا، هزوا بها وسُخراً بالرسل، عليهم السلام.

ثم آيات الله يحتمل ما ذكرنا من آيات وحدانيته وألوهيته، أو آيات قدرته وسلطانه على البعث، أو آيات رسالة الرسول،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم معنى نسبة التغرير إلى الحياة الدنيا، وإضافته إليها وإن لم يكن منها على التحقيق تغرير وخداع، وهو أنهم إنما اغتروا بها، فنسب فعل التغرير إليها، هي غرتهم، وقد ينسب الفعل إلى السبب الذي به صار ذلك، وإن لم يكن منه حقيقة ذلك؛ نحو قوله -  -: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ أي: يبصر به، وذلك كثير في اللغة.

أو يقال: إن ما كان منها، لو كان ذلك ممن يحتمل التغرير ويملك ذلك كانوا تغريراً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ ﴾ : قال بعضهم: إنهم يعاتبون إلى أن يدخلوا النار: إنكم فعلتم كذا، وتركتم كذا، ولم فعلتم كذا؟

فإذا دخلوا النار يترك العتاب ويجعل كالشيء المنسي فيها، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ ﴾ أي: لا يسترجعون إلى ما يطلبون من العود والرجوع إلى العمل الصالح؛ لقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ...

﴾ الآية [فاطر: 37].

ثم في قوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ...

﴾ الآية [الكهف: 53]، وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ  ﴾ - دلالة ألا يجب أن يفهم على ظاهر ما خرج الخطاب؛ لأنه ذكر الظن في المؤمنين، والمراد به: الإيقان، لا ظاهر الظن، وذكر في الكافرين الظن وأريد به الحقيقة، ولا يجوز أن يفهم من الظن في الفريقين معنى واحد، بل يفهم من هذا غير الذي فهم من الآخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ إن جميع ما ذكر في القرآن من الحمد له فإنما ذكر لأحد شيئين: أحدهما: بما يستحق من الثناء بتعاليه عن جميع معاني الخلق وأوصافهم.

والثاني: بما يستحق من الثناء [بتفضله] عليهم بالنعم والإحسان الذي منه إليهم، وهو ما قال: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ و ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ  ﴾ ، ونحو ذلك، والله أعلم.

وأصل آخر: أنه إذا أضيفت كلية الأشياء إلى الله -  - ففيه وصف له بالعظمة والجلال وإذا أضيفت جزئية الأشياء إليه وخاصيتها، فإنما فيه تعظيم تلك الخاصية المضافة إليه، وفي قوله -  -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ إضافة كلية الأشياء إليه والخاصية والجزئية، ففيه الأمران جميعاً، فإن قوله - عز وجل -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ ﴾ إضافة جزئية الأشياء إليه وخاصيته، وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ إضافة كلية الأشياء إليه، والله أعلم.

وقد تقدم ذكر الرب في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: وله الوصف بالكبرياء والعظمة على أهل السماوات وأهل الأرض أن يصفوه بالكبرياء والعظمة.

أو: من حقه على أهل السماوات وأهل الأرض أن يصفوه بالكبرياء والعظمة والجلال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ أي: هو العزيز الذي لا يلحقه الذل بخلاف الخلق له ولا بعصيانهم.

أو ﴿ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ﴾ بما به يتعزز من أعز دونه، ومن وصف بعز دونه، فذلك راجع في الحقيقة إليه، ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ الذي وضع كل شيء موضعه، أو الحكيم الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، والله الموفق، والحمد لله رب العالمين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلكم العذاب الذي عذبتم به بسبب أنكم اتخذتم آيات الله هزؤًا تسخرون منها، وخدعتكم الحياة بلذّاتها وشهواتها، فاليوم لا يخرج هؤلاء الكفار المستهزئون بآيات الله من النار، بل يبقون فيها خالدين أبدًا، ولا يردّون إلى الحياة الدنيا ليعملوا عملًا صالحًا، ولا يرضى عنهم ربهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.0Od9L"

مزيد من التفاسير لسورة الجاثية

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده