الآية ١١ من سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ١١ من سورة الأحقاف

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْ كَانَ خَيْرًۭا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا۟ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌۭ قَدِيمٌۭ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الأحقاف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) أي : قالوا عن المؤمنين بالقرآن : لو كان القرآن خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه .

يعنون بلالا وعمارا وصهيبا وخبابا وأشباههم وأقرانهم من المستضعفين والعبيد والإماء ، وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة وله بهم عناية .

وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا ، وأخطئوا خطأ بينا ، كما قال تعالى : ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) [ الأنعام : 53 ] أي : يتعجبون : كيف اهتدى هؤلاء دوننا ; ولهذا قالوا : ( لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة : هو بدعة ; لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه ؛ لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها .

وقوله : ( وإذ لم يهتدوا به ) أي : بالقرآن ( فسيقولون هذا إفك ) أي : كذب ) قديم ) أي : مأثور عن الأقدمين ، فينتقصون القرآن وأهله ، وهذا هو الكبر الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بطر الحق ، وغمط الناس " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) يقول تعالى ذكره: وقال الذين جحدوا نبوة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من يهود بني إسرائيل للذين آمنوا به, لو كان تصديقكم محمدا على ما جاءكم به خيرا, ما سبقتمونا إلى التصديق به, وهذا التأويل على مذهب من تأوّل قوله وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ أنه معنيّ به عبد الله بن سلام, فأما على تأويل من تأوّل أنه عُني به مشركو قريش, فإنه ينبغي أن يوجه تأويل قوله ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ) أنه عُني به مشركو قريش وكذلك كان يتأوّله قتادة, وفي تأويله إياه كذلك ترك منه تأويله, قوله وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ أنه معني به عبد الله بن سلام.

* ذكر الرواية عنه ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ) قال: قال ذاك أناس من المشركين: نحن أعزّ, ونحن, ونحن, فلو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان, فإن الله يختصّ برحمته من يشاء.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ) قال: قد قال ذلك قائلون من الناس, كانوا أعزّ منهم في الجاهلية, قالوا: والله لو كان هذا خيرا ما سبقنا إليه بنو فلان وبنو فلان, يختص الله برحمته من يشاء, ويكرم الله برحمته من يشاء, تبارك وتعالى.

وقوله ( وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ) يقول تعالى ذكره: وإذ لم يبصروا بمحمد وبما جاء به من عند الله من الهدى, فيرشدوا به الطريق المستقيم ( فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ) يقول: فسيقولون هذا القرآن الذي جاء به محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أكاذيب من أخبار الأوّلين قديمة, كما قال جل ثناؤه مخبرًا عنهم, وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم .قوله تعالى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه اختلف في سبب نزولها على ستة أقوال : الأول : أن أبا ذر الغفاري دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام بمكة فأجاب ، واستجار به قومه فأتاه زعيمهم فأسلم ، ثم دعاهم الزعيم فأسلموا ، فبلغ ذلك قريشا فقالوا : غفار الحلفاء لو كان هذا خيرا ما سبقونا إليه ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو المتوكل .الثاني : أن زنيرة أسلمت فأصيب بصرها فقالوا لها : أصابك اللات والعزى ، فرد الله عليها بصرها .

فقال عظماء قريش : لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه زنيرة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، قاله عروة بن الزبير .[ ص: 178 ] الثالث : أن الذين كفروا هم بنو عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع قالوا لمن أسلم من غفار وأسلم وجهينة ومزينة وخزاعة : لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه رعاة البهم إذ نحن أعز منهم ، قاله الكلبي والزجاج ، وحكاه القشيري عن ابن عباس .الرابع : وقال قتادة : نزلت في مشركي قريش ، قالوا : لو كان ما يدعونا إليه محمد خيرا ما سبقنا إليه بلال وصهيب وعمار وفلان وفلان .الخامس : أن الذين كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا يعني عبد الله بن سلام وأصحابه : لو كان دين محمد حقا ما سبقونا إليه ، قاله أكثر المفسرين ، حكاه الثعلبي .

وقال مسروق : إن الكفار قالوا لو كان خيرا ما سبقتنا إليه اليهود ، فنزلت هذه الآية .وهذه المعارضة من الكفار في قولهم : لو كان خيرا ما سبقونا إليه من أكبر المعارضات بانقلابها عليهم لكل من خالفهم ، حتى يقال لهم : لو كان ما أنتم عليه خيرا ما عدلنا عنه ، ولو كان تكذيبكم للرسول خيرا ما سبقتمونا إليه ، ذكره الماوردي .

ثم قيل : قوله : ما سبقونا إليه يجوز أن يكون من قول الكفار لبعض المؤمنين ، ويجوز أن يكون على الخروج من الخطاب إلى الغيبة ، كقوله تعالى : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهموإذ لم يهتدوا به يعني الإيمان .

وقيل : القرآن .

وقيل : محمد صلى الله عليه وسلم .

فسيقولون هذا إفك قديم أي لما لم يصيبوا الهدى بالقرآن ولا بمن جاء به عادوه ونسبوه إلى الكذب ، وقالوا هذا إفك قديم ، كما قالوا : أساطير الأولين وقيل لبعضهم : هل في القرآن : من جهل شيئا عاداه ؟

فقال نعم ، قال الله تعالى : وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ومثله : بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قال الكفار بالحق معاندين له ورادين لدعوته: { لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } أي: ما سبقنا إليه المؤمنون أي: لكنا أول مبادر به وسابق إليه وهذا من البهرجة في مكان، فأي دليل يدل على أن علامة الحق سبق المكذبين به للمؤمنين؟

هل هم أزكى نفوسا؟

أم أكمل عقولا؟

أم الهدى بأيديهم؟

ولكن هذا الكلام الذي صدر منهم يعزون به أنفسهم بمنزلة من لم يقدر على الشيء ثم طفق يذمه ولهذا قال: { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ } أي: هذا السبب الذي دعاهم إليه أنهم لما لم يهتدوا بهذا القرآن وفاتهم أعظم المواهب وأجل الرغائب قدحوا فيه بأنه كذب وهو الحق الذي لا شك فيه ولا امتراء يعتريه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقال الذين كفروا ) من اليهود ( للذين آمنوا لو كان ) [ دين محمد - صلى الله عليه وسلم - ] ( خيرا ما سبقونا إليه ) يعني عبد الله بن سلام وأصحابه .

وقال قتادة : نزلت في مشركي مكة ، قالوا : لو كان ما يدعونا إليه محمد خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان .

وقال الكلبي : الذين كفروا : أسد وغطفان ، قالوا للذين آمنوا يعني : جهينة ومزينة : لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا إليه رعاء البهم .

قال الله تعالى : ( وإذ لم يهتدوا به ) يعني بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان ( فسيقولون هذا إفك قديم ) كما قالوا أساطير الأولين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال الذين كفروا للذين آمنوا» أي في حقهم «لو كان» الإيمان «خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا» أي القائلون «به» أي القرآن «فسيقولون هذا» أي القرآن «إفك» كذب «قديم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم للذين آمنوا به: لو كان تصديقكم محمدًا على ما جاء به خيرًا ما سبقتمونا إلى التصديق به، وإذ لم يهتدوا بالقرآن ولم ينتفعوا بما فيه من الحق فسيقولون: هذا كذب، مأثور عن الناس الأقدمين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعض الأعذار الفاسدة ، التى اعتذر بها الكافرون عن عدم دخولهم فى الإِسلام ، ورد عليهم بما يكبتهم ، وبشر المؤمنين الصادقين بما يشرح صدورهم فقال : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ .

.

.

بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ) روايات منها : أن مشركى مكة حين رأوا أن أكثر المؤمنين من الفقراء ، كعمار ، وبلال ، وعبد الله بن مسعود .

قالوا ذلك .وسبب قولهم هذا ، اعتقادهم الباطل ، أنهم هم الذين لهم عند الله العظمة والجاه والسبق إلى كل مكرمة ، لأنهم هم أصحاب المال والسلطان ، أما أولئك الفقراء فلا خير فيهم ، ولا سبق لهم إلى خير .أى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا - على سبيل السخرية والاستخفاف بهم - ، لو كان هذا الذى أنتم عليه من الإِيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - حقا وخيرا ، لما سبقتمونا إليه ، ولما سبقنا إليه غيركم من المؤمنين لأننا نحن العظماء الأغنياء .

.

وأنتم الضعفاء الفقراء .

.فهم - لانطماس بصائرهم وغرورهم - توهموا أنهم لغناهم وجاههم هم المستحقون للسبق إلى كل خير ، وأن غيرهم من الفقراء لا يعقل ما يعقلونه ، ولا يفهم ما يفهمونه .

.

ومن الآيات الكريمة التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : ( وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ليقولوا أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ) وقوله - سبحانه - : ( وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هاذآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ) تعجيب من غرروهم وعنادهم ، ورميهم بما هو برئ منه .و " إذ " ظرف لكلام محذوف دل عليه الكلام ، أى : وإذا لم يهتدوا بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه ، ظهر عنادهم واستكبارهم وقالوا هذا القرآن كذب قديم من اخبار السابقين ، نسبة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه .وشبيه بهذا الآية .

قوله - تعالى - : ( وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم في كون القرآن معجزاً، بأن قالوا إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى أنه كلام الله على سبيل الفرية، حكى عنهم نوعاً آخر من الشبهات، وهو أنهم كانوا يقترحون منه معجزات عجيبة قاهرة، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات، فأجاب الله تعالى عنه بأن قال: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل ﴾ والبدع والبديع من كل شيء المبدأ والبدعة ما اخترع مما لم يكن موجوداً قبله بحكم السنة، وفيه وجوه: الأول: ﴿ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل ﴾ أي ما كنت أولهم، فلا ينبغي أن تنكروا إخباري بأني رسول الله إليكم، ولا تنكروا دعائي لكم إلى التوحيد، ونهيي عن عبادة الأصنام، فإن كل الرسل إنما بعثوا بهذا الطريق الوجه الثاني: أنهم طلبوا منه معجزات عظيمة وأخباراً عن الغيوب فقال: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل ﴾ والمعنى أن الإتيان بهذه المعجزات القاهرة والإخبار عن هذه الغيوب ليس في وسع البشر، وأنا من جنس الرسل واحد منهم لم يقدر على ما تريدونه فكيف أقدر عليه؟

الوجه الثالث: أنهم كانوا يعيبونه أنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وبأن أتباعه فقراء فقال: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل ﴾ وكلهم كانوا على هذه الصفة وبهذه المثابة فهذه الأشياء لا تقدح في نبوتي كما لا تقدح في نبوتهم.

ثم قال: ﴿ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير الآية وجهان: أحدهما: أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا والثاني: أن يحمل على أحوال الآخرة أما الأول: ففيه وجوه: الأول: لا أدري ما يصير إليه أمري وأمركم، ومن الغالب منا والمغلوب والثاني: قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما اشتد البلاء بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا أن ذلك فرج مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك،، فقالوا يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى نهاجر إلى الأرض التي رأيتها في المنام؟

فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ وهو شيء رأيته في المنام، وأنا لا أتبع إلا ما أوحاه الله إليّ الثالث: قال الضحاك لا أدري ما تؤمرون به ولا أؤمر به في باب التكاليف والشرائع والجهاد ولا في الابتلاء والامتحان وإنما أنذركم بما أعلمني الله به من أحوال الآخرة في الثواب والعقاب والرابع: المراد أنه يقول لا أدري ما يفعل بي في الدنيا أأموت أم أقتل كما قتل الأنبياء قبلي ولا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون، أترمون بالحجارة من السماء، أم يخسف بكم أم يفعل بكم ما فعل بسائر الأمم، أما الذين حملوا هذه الآية على أحوال الآخرة، فروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به وبنا؟

فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً  ﴾ فبيّن تعالى ما يفعل به وبمن أتبعه ونسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف المنافقين والمشركين.

وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لابد وأن يعلم من نفسه كونه نبياً ومتى علم كونه نبياً علم أنه لا تصدر عنه الكبائر وأنه مغفور له، وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكاً في أنه هل هو مغفور له أم لا الثاني: لا شك أن الأنبياء أرفع حالاً من الأولياء، فلما قل في هذا ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأتقياء وقدوة الأنبياء والأولياء شاكاً في أنه هل هو من المغفورين أو من المعذبين؟

الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ والمراد منه كمال حاله ونهاية قربه من حضرة الله تعالى، ومن هذا حاله كيف يليق به أن يبقى شاكاً في أنه من المعذبين أو من المغفورين؟

فثبت أن هذا القول ضعيف.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ مَّا يُفْعَلُ ﴾ يفتح الياء أي يفعل الله عزّ وجلّ فإن قالوا: ﴿ مَّا يَفْعَلُ ﴾ مثبت وغير منفي وكان وجه الكلام أن يقال: ما يفعل بي وبكم؟

قلنا التقدير ما أدري ما يفعل بي وما أدري ما يفعل بكم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ ﴾ يعني إني لا أقول قولاً ولا أعمل عملاً إلا بمقتضى الوحي واحتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا النبي صلى الله عليه وسلم ما قال قولاً ولا عمل عملاً إلا بالنص الذي أوحاه الله إليه، فوجب أن يكون حالنا كذلك بيان الأول: قوله تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ ﴾ بيان الثاني: قوله تعالى: ﴿ واتبعوه  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ كانوا يطالبونه بالمعجزات العجيبة وبالإخبار عن الغيوب فقال قل: ﴿ وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ والقادر على تلك الأعمال الخارجة عن قدرة البشر والعالم بتلك الغيوب ليس إلا الله سبحانه.

ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ فَئَامَنَ واستكبرتم إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: جواب الشرط محذوف والتقدير أن يقال إن كان هذا الكتاب من عند الله ثم كفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على صحته ثم استكبرتم لكنتم من الخاسرين ثم حذف هذا الجواب، ونظيره قولك إن أحسنت إليك وأسأت إليّ وأقبلت عليك وأعرضت عني فقد ظلمتني، فكذا هاهنا التقدير أخبروني إن ثبت أن القرآن من عند الله بسبب عجز الخلق عن معارضته ثم كفرتم به وحصل أيضاً شهادة أعلم بني إسرائيل بكونه معجزاً من عند الله فلو استكبرتم وكفرتم ألستم أضل الناس وأظلمهم، واعلم أن جواب الشرط قد يحذف في بعض الآيات وقد يذكر، أما الحذف فكما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلّمَ بِهِ الموتى  ﴾ وأما المذكور، فكما في قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ  ﴾ وقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء  ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إسراءيل ﴾ على قولين الأول: وهو الذي قال به الأكثرون أن هذا الشاهد عبد الله بن سلاّم، روى صاحب الكشاف أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب وتأمله وتحقق أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم المنتظر، فقال له إني سائلك عن ثلاث ما يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعات، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟

فقال صلى الله عليه وسلم: «أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزع له وإن سبق ماء المرأة نزع لها» فقال أشهد أنك لرسول الله حقاً، ثم قال يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أي رجل عبد الله فيكم؟

فقالوا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا فقال أرأيتم إن أسلم عبد الله؟

فقالوا أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه فقال هذا ما كنت أخاف يا رسول الله فقال سعد بن أبي وقاص ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلاّم، وفيه نزل ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إسراءيل على مِثْلِهِ ﴾ .

واعلم أن الشعبي ومسروقاً وجماعة آخرين أنكروا أن يكون الشاهد المذكور في هذه الآية هو عبد الله بن سلاّم قالوا لأن إسلامه كان بالمدينة قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامين وهذه السورة مكية فكيف يمكن حمل هذه الآية المكية على واقعة حدثت في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأجاب الكلبي بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنها مدنية وكانت الآية تنزل فيؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها في سورة كذا فهذا الآية نزلت بالمدينة وإن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها في هذه السورة المكية في هذا الموضع المعين، ولقائل أن يقول إن الحديث الذي رويتم عن عبد الله بن سلاّم مشكل، وذلك لأن ظاهر الحديث يوهم أنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاثة، وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الجوابات من عبد الله بن سلاّم لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تلك الجوابات وهذا بعيد جداً لوجهين: الأول: أن الإخبار عن أول أشراط الساعة وعن أول طعام يأكله أهل الجنة إخبار عن وقوع شيء من الممكنات، وما هذا سبيله فإنه لا يعرف كون ذلك الخبر صدقاً إلا إذا عرف أولاً كون المخبر صادقاً فلو أنا عرفنا صدق المخبر يكون ذلك الخبر صدقاً لزم الدور وإنه محال والثاني: أنا نعلم بالضرورة أن الجوابات المذكورة عن هذه المسائل لا يبلغ العلم بها إلى حد الإعجاز ألبتة، بل نقول الجوابات القاهرة عن المسائل الصعبة لما لم تبلغ إلى حد الإعجاز فأمثال هذه الجوابات عن هذه السؤالات كيف يمكن أن يقال إنها بلغت إلى حد الإعجاز والجواب: يحتمل أنه جاء في بعض كتب الأنبياء المتقدمين أن رسول آخر الزمان يسأل عن هذه المسائل وهو يجيب عنها بهذه الجوابات وكان عبد الله بن سلام عالماً بهذا المعنى فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم وأجاب بتلك الأجوبة عرف بهذا الطريق كونه رسولاً حقاً من عند الله، وعلى هذا الوجه فلا حاجة بنا إلى أن نقول العلم بهذه الجوابات معجز، والله أعلم.

القول الثاني: في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إسراءيل ﴾ أنه ليس المراد منه شخصاً معيناً بل المراد منه أن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم موجود في التوراة والبشارة بمقدمه حاصلة فيها فتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به، ثم إنه آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنكرتم ألستم كنتم ظالمين لأنفسكم ضالين عن الحق؟

فهذا الكلام مقرر سواء كان المراد بذلك الشاهد شخصاً معيناً أو لم يكن كذلك لأن المقصود الأصلي من هذا الكلام أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب من عند الله وثبت أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم ومع هذين الأمرين كيف يليق بالعقل إنكار نبوته.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ على مِثْلِهِ ﴾ ذكروا فيه وجوهاً، والأقرب أن نقول إنه صلى الله عليه وسلم قال لهم أرأيتم إن كان هذا القرآن من عند الله كما أقول وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثل ما قلت فآمن واستكبرتم ألستم كنتم ظالمين أنفسكم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تهديد وهو قائم مقام الجواب المحذوف والتقدير قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به فإنكم لا تكونون مهتدين بل تكونون ضالين.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى إنما منعهم الهداية بناء على الفعل القبيح الذي صدر منهم أولاً، فإن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ صريح في أنه تعالى لا يهديهم لكونهم ظالمين أنفسهم فوجب أن يعتقدوا في جميع الآيات الواردة في المنع من الإيمان والهداية أن يكون الحال فيها كما هاهنا، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه شبهة أخرى للقوم في إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي سبب نزوله وجوه: الأول: أن هذا كلام كفار مكة قالوا إن عامة من يتبع محمداً الفقراء والأراذل مثل عمار وصهيب وابن مسعود، ولو كان هذا الدين خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الثاني: قيل لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لو كان هذا خيراً ما سبقنا إليه رعاء البهم الثالث: قيل إن أمة لعمر أسلمت وكان عمر يضربها حتى يفتر، ويقول لولا أني فترت لزدتك ضرباً، فكان كفار قريش يقولون لو كان ما يدعو محمد إليه حقاً ما سبقتنا إليه فلانة.

الرابع: قيل كان اليهود يقولون هذا الكلام عند إسلام عبد الله بن سلاّم.

المسألة الثانية: اللام في قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ ذكروا فيه وجهين: الأول: أن يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا، على وجه الخطاب كما تقول قال زيد لعمرو، ثم تترك الخطاب وتنتقل إلى الغيبة كقوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم  ﴾ الثاني: قال صاحب الكشاف ﴿ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ لأجلهم يعني أن الكفار قالوا لأجل إيمان الذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه، وعندي فيه وجه الثالث: وهو أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين، وقالوا لهم لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون الذين أسلموا.

واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا الكلام أجاب عنه بقوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ والمعنى أنهم لما لم يقفوا على وجه كونه معجزاً، فلابد من عامل في الظرف في قوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ ﴾ ومن متعلق لقوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ وغير مستقيم أن يكون ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ هو العامل في الظرف لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟

وأجاب عنه بأن العامل في إذ محذوف لدلالة الكلام عليه، والتقدير ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ ﴾ ظهر عنادهم ﴿ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إَمَامًا وَرَحْمَةً ﴾ كتاب موسى مبتدأ، ومن قبله ظرف واقع خبراً مقدماً عليه، وقوله: ﴿ إِمَاماً ﴾ نصب على الحال كقولك في الدار زيد قائماً، وقرئ ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى ﴾ والتقدير: وآتينا الذي قبله التوراة، ومعنى ﴿ إِمَاماً ﴾ أي قدوة ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ لمن آمن به وعمل بما فيه، ووجه تعلق هذا الكلام بما قبله أن القوم طعنوا في صحة القرآن، وقالوا لو كان خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الصعاليك، وكأنه تعالى قال: الذي يدل على صحة القرآن أنكم لا تنازعون في أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، وجعل هذا الكتاب إماماً يقتدى به، ثم إن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا سلمتم كون التوراة إماماً يقتدى به، فاقبلوا حكمه في كون محمد صلى الله عليه وسلم حقاً من الله.

ثم قال تعالى: ﴿ وهذا كتاب مُّصَدّقٌ لّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ أي هذا القرآن مصدق لكتاب موسى في أن محمداً رسول حقاً من عند الله وقوله تعالى: ﴿ لّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ نصب على الحال، ثم قال: ﴿ لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ قال ابن عباس مشركي مكة، وفي قوله: ﴿ لّتُنذِرَ ﴾ قراءتان التاء لكثرة ما ورد من هذا المعنى بالمخاطبة كقوله تعالى: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ والياء لتقدم ذكر الكتاب فأسند الإنذار إلى الكتاب كما أسند إلى الرسول، وقوله تعالى: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا  قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ قال الزجاج الأجود أن يكون قوله: ﴿ وبشرى ﴾ في موضع رفع، والمعنى وهو بشرى للمحسنين، قال ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى ﴿ لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ وحاصل الكلام أن المقصود من إنزال هذا الكتاب إنذار المعرضين وبشارة المطيعين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ لأجلهم وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامّة من يتبع محمداً السقاط، يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود، فلو كان ما جاء به خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء.

وقيل: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار: قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان خيراً ما سبقنا إليه رعاء البهم.

وقيل: إن أمة لعمر أسلمت، فكان عمر يضربها حتى يفتر ثم يقول لولا أني فترت لزدتك ضرباً، وكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعو إليه محمد حقاً ما سبقتنا إليه فلانة.

وقيل: كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.

فإن قلت: لابد من عامل في الظرف في قوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ ﴾ ومن متعلق لقوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ وغير مستقيم أن يكون ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ هو العامل في الظرف، لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟

قلت: العامل في إذ محذوف، لدلالة الكلام عليه، كما حذف في قوله: ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ [يوسف: 15] وقولهم: حينئذٍ الآن، وتقديره: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم، فسيقولون هذا إفك قديم، فهذا المضمر صحّ به الكلام، حيث انتصب به الظرف وكان قوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ مسبباً عنه كما صحَّ بإضمار أنّ قوله: ﴿ حتى يَقُولَ الرسول ﴾ [البقرة: 214] لمصادفة (حتى) مجرورها، والمضارع ناصبه.

وقولهم: ﴿ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ كقولهم: أساطير الأوّلين ﴿ كتاب موسى ﴾ مبتدأ ومن قبله ظرف واقع خبراً مقدماً عليه، وهو ناصب ﴿ إِمَاماً ﴾ على الحال، كقولك: في الدار زيد قائماً.

وقرئ: ومن قبله كتاب موسى، على: وآتينا الذين قبله التوراة.

ومعنى ﴿ إِمَاماً ﴾ : قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ لمن آمن به وعمل بما فيه ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ كتاب مُّصَدِّقٌ ﴾ لكتاب موسى.

أو لما بين يديه وتقدّمه من جميع الكتب.

وقرئ ﴿ مصدق لما بين يديه ﴾ ﴿ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ حال من ضمير الكتاب في مصدق، والعامل فيه (مصدق) ويجوز أن ينتصب حالاً عن كتاب لتخصصه بالصفة، ويعمل فيه معنى الإشارة.

وجوّز أن يكون مفعولاً لمصدق، أي: يصدق ذا لسان عربي وهو الرسول.

وقرئ: ﴿ لينذر ﴾ بالياء والتاء، ولينذر: من نذر ينذر إذا حذر ﴿ وبشرى ﴾ في محل النصب معطوف على محل لينذر، لأنه مفعول له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِأجْلِهِمْ.

﴿ لَوْ كانَ ﴾ الإيمانُ أوْ ما أتى بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ وهم سُقّاطٌ إذْ عامَّتُهم فُقَراءُ ومَوالٍ ورُعاةٌ، وإنَّما قالَهُ قُرَيْشٌ وقِيلَ: بَنُو عامِرٍ وغَطَفانُ وأسَدٌ وأشْجَعُ لَمّا أسْلَمَ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأسْلَمُ وغِفارٌ، أوِ اليَهُودُ حِينَ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ.

﴿ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ مِثْلَ ظَهَرَ عِنادُهم وقَوْلُهُ: ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْهُ وهو كَقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ ﴾ ومِن قَبْلِ القُرْآنِ وهو خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ كِتابُ مُوسى ﴾ ناصِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ إمامًا ورَحْمَةً ﴾ عَلى الحالِ.

﴿ وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ ﴾ لِكِتابِ مُوسى أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وقَدْ قُرِئَ بِهِ.

﴿ لِسانًا عَرَبِيًّا ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ كِتابٌ في مُصَدِّقٌ أوْ مِنهُ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، وعامِلُها مَعْنى الإشارَةِ وفائِدَتُها الإشْعارُ بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ كَما دَلَّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ دَلَّ عَلى أنَّهُ وحْيٌ وتَوْقِيفٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وَقِيلَ: مَفْعُولُ مُصَدِّقٌ أيْ يُصَدِّقُ ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ بِإعْجازِهِ.

﴿ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ عِلَّةُ مُصَدِّقٌ، وفِيهِ ضَمِيرُ الكِتابِ أوِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ، ويُؤَيِّدُ الأخِيرَ قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ والبِزِّيِّ بِخِلافٍ عَنْهُ ويَعْقُوبَ بِالتّاءِ ﴿ وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وقال الذين كفروا للذين آمنوا} أي لأجلهم وهو كلام كفار مكة قالوا إن عامة من يتبع محمداً السقاط يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود {لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} لو كان ما جاء به محمد خيرا اما سبقنا إليه هؤلاء {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ} العامل في إذ محذوف لدلالة الكلام عليه

تقديره وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم وقوله {فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ} مسبب عنه وقولهم افك قديم اى كذب متقدم كقولهم أساطير الاولين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلى آخِرِهِ، وهو حِكايَةٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ في حَقِّ القُرْآنِ العَظِيمِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ.

وفِيهِ تَحْقِيقٌ لِاسْتِكْبارِهِمْ أيْ وقالَ كُفّارُ مَكَّةَ: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ وفي شَأْنِهِمْ فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ كَما سَمِعْتَ في ﴿ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ ﴾ .

وقِيلَ: هي لامُ المُشافَهَةِ والتَّبْلِيغِ والتَفَتُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ كانَ ﴾ أيْ ما جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ: الإيمانُ ﴿ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ ولَوْلاهُ لَقالُوا: سَبَقْتُمُونا بِالخِطابِ أوْ لِما سَمِعُوا أنَّ جَماعَةً آمَنُوا خاطَبُوا جَماعَةً أُخْرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْ قالُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنا إيمانُهم.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن مُواطِنِ الِالتِفاتِ، وكَوْنُهم قَصَدُوا تَحْقِيرَ المُؤْمِنِينَ بِالغِيبَةِ لا وجْهَ لَهُ، وكَوْنُ المُشافِهِينَ طائِفَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُخْبَرِ عَنْهم طائِفَةً أُخْرى خِلافُ الظّاهِرِ، فالأوْلى كَوْنُها لِلتَّعْلِيلِ وقالُوا ذَلِكَ لِما رَأوْا أنَّ أكْثَرَ المُؤْمِنِينَ كانُوا فُقَراءَ ضُعَفاءَ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الخَيْرَ الدِّينِيَّ يَتْبَعُ الخَيْرَ الدُّنْيَوِيَّ وأنَّهُ لا يَتَأهَّلُ لِلْأوَّلِ إلّا مَن كانَ لَهُ القَدَحُ المُعَلّى مِنَ الثّانِي، ولِذا قالُوا: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ وخَطَؤُهم في ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ قالَ: كانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمَةٌ أسْلَمَتْ قَبْلَهُ يُقالُ لَها زَنِيرَةُ فَكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَضْرِبُها عَلى إسْلامِها وكانَ كَفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زَنِيرَةُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِها ﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةَ، ولَعَلَّهم لَمْ يُرِيدُوا زَنِيرَةَ بِخُصُوصِها بَلْ مَن شابَهَها أيْضًا.

وفِي الآيَةِ تَغْلِيبُ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، وقالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: أسْلَمَ َبُو ذَرٍّ ثُمَّ أسْلَمَتْ غِفارُ فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ، وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: قالَ ذَلِكَ بَنُو عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وغَطَفانُ وأسَدٌ وأشْجَعُ لَمّا أسْلَمَ أسْلَمُ وجُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وغِفارُ وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ، وأصْحابُهُ مِنهُمْ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ القَوْلُ بِأنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ وعَدَّها في المُسْتَثْنَياتِ أوْ كَوْنُ ( قالَ ) فِيها كَنادى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونادى أصْحابُ الأعْرافِ ﴾ وهَذا كَما تَرى والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ ﴿ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، و( إذْ ) عَلى ما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ ظَرْفٌ لِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ السّابِقُ واللّاحِقُ أيْ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ظَهَرَ عِنادُهم واسْتِكْبارُهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أيْ يَتَحَقَّقُ مِنهم هَذا القَوْلُ والطَّعْنُ حِينًا فَحِينًا كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ صِيغَةُ المُضارِعِ مُسَبَّبٌ عَنِ العِنادِ والِاسْتِكْبارِ، وإذا جازَ مِثْلُ حِينَئِذٍ الآنَ أيْ كانَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ واسْمَعِ الآنَ بِدَلِيلِ قَرِينَةِ الحالِ فَهَذا أجْوَزُ، والإشارَةُ إلى القُرْآنِ العَظِيمِ، وقَوْلُهُمْ: ذَلِكَ فِيهِ كَقَوْلِهِمْ: ( أساطِيرُ الأوَّلِينَ ) ولَمْ يُجَوَّزْ أنْ يَكُونَ ( فَسَيَقُولُونَ ) عامِلًا في الظَّرْفِ لِتَدافُعِ دَلالَتَيِ المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ، وإنَّما لَمْ يَجْعَلْهُ مِن قَبِيلِ ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إذِ الأغْلالُ ﴾ نَظْمًا لِلْمُسْتَقْبَلِ في سِلْكِ المَقْطُوعِ كَما اخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ في الأمالِي لِأنَّ المَعْنى هاهُنا- كَما في الكَشْفِ- عَلى أنَّ عَدَمَ الهِدايَةِ مُحَقَّقٌ واقِعٌ لا أنَّهُ سَيَقَعُ البَتَّةَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بَعْدَما بَيَّنَ اسْتِكْبارَهم وعِنادَهم كَيْفَ يَنُصُّ عَلى أنَّهم مُجادِلُونَ مُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ غَيْرَ مُهْتَدِينَ بِبَشائِرِهِ ونُذُرِهِ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الظَّرْفُ مَعْمُولٌ- لِسَيَقُولُونَ- والفاءُ لا تَمْنَعُ عَنْ عَمَلِ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها كَما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ، والتَّسَبُّبُ المُشْعِرَةُ بِهِ عَنْ كُفْرِهِمْ، و(سَيَقُولُونَ) بِمَعْنى قالُوا، والعُدُولُ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِالِاسْتِمْرارِ وتُعِقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَعَ السِّينِ بَعِيدٌ، وقِيلَ: إذْ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلْقَوْلِ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ كَما آذَنَتْ بِهِ الفاءُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ العامِلَ المَحْذُوفَ قالُوا ما قالُوا، ورَجَّحَهُ عَلى التَّقْدِيرِ السّابِقِ ولَيْسَ بِراجِحٍ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى راجِحٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: قال رؤساء المشركين لضعفاء المسلمين لَوْ كانَ خَيْراً يعني: لو كان هذا الدين حقاً مَّا سَبَقُونا إِلَيْهِ وقال قتادة: قال أناس من المشركين: نحن أعز، ونحن أغنى، ونحن أكرم، فلو كان خيراً، ما سبقنا إليه فلان وفلان.

قال الله تعالى: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [البقرة: 105 وآل عمران: 74] يعني: يختار لدينه، من كان أهلاً لذلك وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ يعني: لم يؤمنوا بهذا.

أي: القرآن كما اهتدى به أصحاب النبيّ  فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ يعني: القرآن كذب قديم، أي: تقادم من محمد  .

قوله تعالى وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى يعني: قد أنزل قبل هذا القرآن، الكتاب على موسى، يعني: التوراة إِماماً يقتدى به وَرَحْمَةً من العذاب، لمن آمن به وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ يعني: وأنزل إليك هذا الكتاب، مصدق للكتب التي قبله لِساناً عَرَبِيًّا بلغتكم، لتفهموا ما فيه لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: مشركي مكة.

قرأ نافع، وابن عامر لتنذر، بالتاء على معنى المخاطبة يعني: لتنذر أنت يا محمد.

والباقون بالياء، على معنى الخبر عنه، يعني: ليخوف محمد  بالقرآن وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ يعني: بشارة بالجنة للموحدين إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وقد ذكرناه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فاللَّه حَسْبِي في ذلك، وهو كان يعاقبني ولا يُمْهِلُنِي، ثم رجَعَ القَوْلُ إلى الاستسلامِ إلى اللَّه، والاستنصارِ به عليهم، وانتظارِ ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ بما يُفِيضُونَ فيه مِنَ البَاطِلِ ومُرَادَّة الحَقِّ، وذلك يقتضي مُعَاقَبَتَهُمْ ففي اللفظ تهديد، والضمير في بِهِ عائدٌ على اللَّه عزَّ وجَلَّ.

وقوله سبحانه: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ تَرجيةٌ واستدعاءٌ إلى التوبة، ثم أمره عزَّ وجلَّ أنْ يحتجَّ عليهم بأَنَّه لم يكن بِدْعاً من الرسل، والبِدْعُ والبَدِيعُ من الأشياءِ ما لم يُرَ مِثْلُهُ، المعنى: قد جاء قَبْلِي غيري قاله ابن عَبَّاس وغيره «١» .

ت: ولفظ البخاريِّ: وقال ابن عباس: بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ أي: لَسْتُ بأوَّلِ الرُّسُلِ «٢» ، واختلف الناسُ في قوله: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ فقال ابن عباس وجماعةٌ: كان هذا في صَدْرِ الإسْلاَمِ، ثم بعد ذلك عَرَّفَهُ/ اللَّه عزَّ وجلَّ بأَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، وبأَنَّ المؤمنين لهم من اللَّه فضلٌ كبيرٌ، وهو الجَنَّةُ، وبأَنَّ الكافرين في نار جَهَنَّمَ «٣» والحديثُ الصَّحِيحُ الذي وقع في جنازة عُثْمانَ بنِ مَظْعُونٍ يُؤَيِّدُ هذا «٤» ، وقالت فرقة: معنى الآية: وما أدري ما يُفْعَلُ بي ولا بكم من الأوامر والنواهي، وقيل غير هذا.

وقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ معناه: الاِستسلامُ والتَّبَرِّي من عِلْمِ المُغَيَّبَاتِ، والوقوفُ مع النذارةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ.

وقوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ...

الآية، جوابُ هذا التوقيفِ محذوفٌ، تقديره: أَلَيْسَ قد ظلمتم؟!

ودَلَّ على هذا المُقَدَّرِ قولُهُ تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قال مجاهد وغيره: هذه الآية مدنية «١» ، والشاهد عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وقد قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ: فيَّ نَزَلَتْ، وقال مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ والجمهورُ: الشاهد موسَى بْنُ عِمْرَانَ ع، والآية مكية «٢» ، ورَجَّحَه الطَّبْرِيُّ «٣» .

وقوله: عَلى مِثْلِهِ يريد بالمثل التوراةَ، والضمير عائد في هذا التأويل على القرآن، أي: جاء شاهد من بني إسرائيل بمثله أَنَّه من عند اللَّه سبحانه.

وقوله: فَآمَنَ، على هذا التأويل، يعني به تصديقَ موسى وتبشيره بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله سبحانه: وَمِنْ قَبْلِهِ أي: مِنْ قَبْلِ القرآنِ كِتابُ مُوسى يعني: التوراة وَهذا كِتابٌ يعني القرآن مُصَدِّقٌ للتوراة التي تَضَمَّنَتْ خبره، وفي مصحف ابن مسعود «٤» : «مُصَدِّقٌ لِّمَا بَيْنَ يديه» والَّذِينَ ظَلَمُوا هم: الكفار، وعَبَّرَ عن المؤمنين بالمحسنين ليناسِبَ لفظ «الإحسان» في مقابلة «الظلم» .

ثم أخبر تعالى عن حُسْنِ [حال] المستقيمين، وذهب كَثِيرٌ من الناس إلى أَنَّ المعنى:

ثم استقاموا بالطاعات والأعمال الصالحات، وقال أبو بكر الصديق- رضي اللَّه عنه- المعنى: ثم استقاموا بالدَّوَامِ على الإيمان «٥» قال ع «٦» : وهذا أَعَمُّ رجاءً وأَوْسَعُ، وإن كان في الجملة المؤمنة من يُعَذَّبُ وَيَنْفُذُ عليه الوعيد، فهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ، وينتفي عنه الخوفُ والحُزْنُ الحَالُّ بالكَفَرَةِ.

وقوله تعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قد جعل اللَّه سبحانه الأعمالَ أَمَارَاتٍ على ما سَيَصِيرُ إليه العَبْدُ، لا أَنَّهَا توجب على الله شيئا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا.

.

.

﴾ الآيَةُ، في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ قالُوا: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ اليَهُودُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.

والثّانِي: «أنَّ امْرَأةً ضَعِيفَةَ البَصَرِ أسْلَمَتْ، وكانَ الأشْرافُ مِن قُرَيْشٍ يَهْزَؤُونَ بِها ويَقُولُونَ: واللَّهِ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا هَذِهِ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أبُو الزِّنادِ.

والثّالِثُ: أنَّ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ أسَلَمَ واسْتَجابَ بِهِ قَوْمُهُ إلى الإسْلامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو المُتَوَكِّلِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا اهْتَدَتْ مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأسْلَمَتْ، قالَتْ أسَدُ وغَطَفانُ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ رِعاءُ الشّاءِ، يَعْنُونَ مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ما سَبَقْتُمُونا إلَيْهِ، لِأنَّهُ لا عِلْمَ لَكم بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ حَقًّا لَدَخَلْنا فِيهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ وقالَ: [هُوَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ؛ ومَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، قالَ]: هو قَوْلُ المُشْرِكِينَ.

فَقَدْ خَرَجَ في "الَّذِينَ كَفَرُوا" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.

والثّانِي: اليَهُودُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ﴾ أيْ: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ﴿ ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ .

فَمَن قالَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، قالَ: أرادُوا: إنّا أعَزُّ وأفْضَلُ؛ ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، [قالَ]: أرادُوا: لِأنّا أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أيْ: كَذِبٌ مُتَقَدِّمٌ، يَعْنُونَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ القُرْآنِ التَّوْراةُ.

وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يَهْتَدُوا، لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِالتَّوْارَةِ.

﴿ إمامًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿ وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ ﴾ المَعْنى: مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ ﴿ لِسانًا عَرَبِيًّا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ المَعْنى: مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ عَرَبِيًّا؛ وذُكِرَ "لِسانًا" تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، تُرِيدُ: جاءَنِي زَيْدٌ صالِحًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيُنْذِرَ" بِالياءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتّاءِ.

وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ كالقِراءَتَيْنِ.

و "الَّذِينَ ظَلَمُوا" المُشْرِكِينَ ﴿ وَبُشْرى ﴾ أيْ: وهو بُشْرى ﴿ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ وهُمُ المُوَحِّدُونَ يُبَشِّرُهم بِالجَنَّةِ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [فُصِّلَتْ: ٣٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا" بِألِفٍ.

﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِضَمِّها.

قالَ الفَرّاءُ: والنَّحْوِيُّونَ يَسْتَحِبُّونَ الضَّمَّ هاهُنا، ويَكْرَهُونَ الفَتْحَ، لِلْعِلَّةِ الَّتِي بَيَّنّاها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ  ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: حَمَلَتْهُ عَلى مَشَقَّةٍ ﴿ وَوَضَعَتْهُ ﴾ عَلى مَشَقَّةٍ.

﴿ وَفِصالُهُ ﴾ أيْ: فِطامُهُ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَفَصْلُهُ" بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا" يُرِيدُ بِهِ شِدَّةَ الطَّلْقِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ قُدِّرَتْ لِأقَلِّ الحَمْلِ وأكْثَرِ الرَّضاعِ؛ فَأمّا الأشُدُّ، فَفِيهِ أقْوالٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ واخْتارَ الزَّجّاجُ أنَّهُ بُلُوغُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، لِأنَّهُ وقْتُ كَمالِ الإنْسانِ في بَدَنِهِ وقُوَّتِهِ واسْتِحْكامِ شَأْنِهِ وتَمْيِيزِهِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أشُدُّ الرَّجُلِ غَيْرُ أشُدِّ اليَتِيمِ، لِأنَّ أشُدَّ الرَّجُلِ: الِاكْتِهالُ والحُنْكَةُ وأنْ يَشْتَدَّ رَأْيُهُ وعَقْلُهُ، وذَلِكَ ثَلاثُونَ سَنَةً، ويُقالُ: ثَمانٍ وثَلاثُونَ سَنَةً، وأشُدُّ الغُلامِ: أنْ يَشْتَدَّ خَلْقُهُ ويَتَناهى نَباتُهُ.

وقَدْ ذَكَرْنا بَيانَ الأشُدِّ في [الأنْعامِ: ١٥٣] وفي [يُوسُفَ: ٢٢] وهَذا تَحْقِيقُهُ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّها] نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ «أنَّهُ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ  وهو ابْنُ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً ورَسُولُ اللَّهِ  ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وهم يُرِيدُونَ الشّامَ في تِجارَةٍ، فَنَزَلُوا مَنزِلًا فِيهِ سِدْرَةٌ، فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ  في ظِلِّها، ومَضى أبُو بَكْرٍ إلى راهِبٍ هُناكَ يَسْألُهُ عَنِ الدِّينِ، فَقالَ [لَهُ]: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي في ظِلِّ السِّدْرَةِ؟

فَقالَ: ذاكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالَ: هَذا واللَّهِ نَبِيٌّ، وما اسْتَظَلَّ تَحْتَها أحَدٌ بَعْدَ عِيسى إلّا مُحَمَّدٌ نَبِيُّ اللَّهِ، فَوَقَعَ في قَلْبِ أبِي بَكْرٍ اليَقِينُ والتَّصْدِيقُ، فَكانَ لا يُفارِقُ رَسُولَ اللَّهِ  في أسْفارِهِ وحَضَرِهِ، فَلَمّا نُبِّئَ رَسُولُ اللَّهِ  -وَهُوَ ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً وأبُو بَكْرٍ ابْنُ ثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً- صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَلَمّا بَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ: رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ؛ قالُوا: فَلَمّا بَلَغَ أبُو بَكْرٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، دَعا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَأجابَهُ اللَّهُ، فَأسْلَمَ والِداهُ وأوْلادُهُ ذُكُورُهم وإناثُهُمْ، ولَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وقَدْ شَرَحْنا قِصَّتَهُ في سُورَةِ [العَنْكَبُوتِ: ٨]، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ عَلى العُمُومِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقَدْ شَرَحْنا في سُورَةِ [النَّمْلِ: ١٩] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أوْزِعْنِي ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أجابَهُ اللَّهُ -يَعْنِي أبا بَكْرٍ- فَأعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُعَذَّبُونَ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ إلّا أعانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، واسْتَجابَ لَهُ في ذُرِّيَّتِهِ فَآمَنُوا، ﴿ إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ أيْ: رَجَعْتُ إلى كُلِّ ما تُحِبُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يُتَقَبَّلُ" "وَيُتَجاوَزُ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ فِيهِما.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ: "نَتَقَبَّلُ" "وَنَتَجاوَزُ" بِالنُّونِ فِيهِما.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "يَتَقَبَّلُ" "وَيَتَجاوَزُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ فِيهِما، يَعْنِي أهْلَ هَذا القَوْلِ.

والأحْسَنُ بِمَعْنى الحَسَنِ.

﴿ فِي أصْحابِ الجَنَّةِ ﴾ أيْ: في جُمْلَةِ مَن يُتَجاوَزُ عَنْهُمْ، وهم أصْحابُ الجَنَّةِ.

وقِيلَ: "فِي" بِمَعْنى "مَعَ" .

﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ بِمَعْنى الوَعْدِ، لِأنَّهُ وعَدَهُمُ القَبُولَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ ﴾ ، يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنْ اللهِ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَوْقِيفٍ عَلى الخَطَرِ العَظِيمِ الَّذِي هم بِسَبِيلِهِ في أنْ يُكَذِّبُوا بِأمْرٍ نافِعٍ لَهم مُنْجٍ مِنَ العَذابِ دُونَ حُجَّةٍ ولا دَلِيلَ لَهم عَلى التَكْذِيبِ، فالمَعْنى: كَيْفَ حالُكم مَعَ اللهِ تَعالى؟

وماذا تَنْتَظِرُونَ مِنهُ وأنْتُمْ قَدْ كَفَرْتُمْ بِما جاءَ مِن عِنْدِهِ؟، وجَوابُ هَذا التَوْقِيفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ألَيْسَ قَدْ ظَلَمْتُمْ؟، ودَلَّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ .

و ﴿ "أرَأيْتُمْ" ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ "كانَ" وما عَمِلَتْ فِيهِ تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِـ "الشاهِدِ" فَقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينَ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، والشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ.

وقَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ "عَلى مِثْلِهِ" ﴾ الضَمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى قَوْلِ مُحَمَّدٍ  في القُرْآنِ: إنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: الشاهِدُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ كانَ بِمَكَّةَ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وقَدْ رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ قالَ: فِيَّ نَزَلَتْ.

وقالَ مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ والجُمْهُورُ: الشاهِدُ مُوسى بْنُ عَمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى مِثْلِهِ" ﴾ يُرِيدُ بِالمِثْلِ: التَوْراةُ، والضَمِيرُ عائِدٌ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عَلى القُرْآنِ، أيْ: جاءَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمِثْلِهِ وشَهِدَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قُلْ أرَأيْتُمْ" ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَعْنِي بِهِ تَصْدِيقُ مُوسى بِأمْرِ مُحَمَّدٍ  وتَبْشِيرِهِ بِهِ، فَذَلِكَ إيمانٌ بِهِ، وأمّا مَن قالَ: الشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ فَإيمانُهُ بَيِّنٌ، وكَذَلِكَ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي كانَ بِمَكَّةَ في قَوْلِ مَن قالَهُ، وحَكى بَعْضُهم أنَّ العامِلَ بِـ "آمَنَ" هو مُحَمَّدٌ  ، وهَذا مِنَ القائِلِينَ بِأنَّ الشاهِدَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ قَرَنَ تَعالى اسْتِكْبارَهم وكُفْرَهم بِإيمانِ هَذا المَذْكُورِ، فَبانَ ذَنْبُهم وخَطَؤُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ أشْرافِ قُرَيْشٍ، يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَبِيِّ  .

وقالَ الزَجّاجُ، والكَلْبِيُّ، وغَيْرُهُما: هي مُقالَةٌ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ، وقالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم.

و"الإفْكُ": الكَذِبُ، ووَصَفُوهُ بِالقِدَمِ، بِمَعْنى أنَّهُ في أُمُورٍ مُتَقادِمَةٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ حَدَّثَكَ عن أخْبارِ كِسْرى وقَيْصَرَ، هَذا حَدِيثٌ قَدِيمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا أنَّهُ إفْكٌ قِيلَ قَدِيمًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ الظالمين * وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هاذآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ .

هذا حكاية خطأ آخر من أخطاء حجج المشركين الباطلة وهو خطأ منشؤه الإعجاب بأنفسهم وغرورهم بدينهم فاستدلوا على أن لا خير في الإسلام بأن الذين ابتدروا الأخذ به ضعفاء القوم وهم يعدونهم منحطين عنهم، فهم الذين قالوا ﴿ أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا ﴾ كما تقدم في الأنعام (53)، وهو نظير قول قوم نوح ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أرَاذِلُنا بادي الرأي ﴾ (هود 27)، ومناسبته لما قبله أنه من آثار استكبارهم فناسب قوله: ﴿ واستكبرتم ﴾ [الأحقاف: 10].

واللام في قوله: ﴿ للذين آمنوا ﴾ لام التعليل متعلقة بمحذوف، هو حال من الذين كفروا تقديره: مخصصين أو مريدين كاللام في قوله تعالى: ﴿ وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزَّى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ [آل عمران: 156]، وقوله في الآية السابقة ﴿ قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين ﴾ [الأحقاف: 7].

وليست هي لام تعدية فعل القول إلى المخاطب بالقول نحو ﴿ ألمْ أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ [الكهف: 72] المسمّاة لام التبليغ.

والضمير المستتر في ﴿ كان ﴾ عائد إلى ما عد إليه ضمير ﴿ إن كان من عند الله ﴾ [الأحقاف: 10] وهو القرآن المفهوم من السياق أو ﴿ ما يوحى إليّ ﴾ [الأحقاف: 9].

والسبق أطلق على تحصيل شيء قبل أن يحصله آخر، شبّه بأسرع الوصول بين المتجارين، والمراد: الأخذ بما جاء به القرآن من العقائد والأعمال.

وضمير الغيبة في قوله: ﴿ سبقونا ﴾ عائد إلى غير مذكور في الآية ولكنه مذكور في كلام الذين كفروا الذي حكته الآية أرادوا به المؤمنين الأولين من المستضعفين مثل بلال وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وسمية، وزنّيرة (بزاي معجمة مكسورة ونون مكسورة مشددة مشبعة وراء مهملة) أمة رومية كانت من السابقات إلى الإسلام وممن عذبهنّ المشركون ومن أعتقهن أبو بكر الصديق.

وعن عروة بن الزبير قال: عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقتنا إليه زنّيرة، أي من جملة أقوالهم التي جمعها القرآن في ضمير سبقونا.

﴿ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هاذآ إِفْكٌ ﴾ .

عطف على جملة ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا ﴾ الآية، أي فقد استوفوا بمزاعمهم وجوه الطعن في القرآن فقالوا: ﴿ سحر مبين ﴾ [الأحقاف: 7] وقالوا ﴿ افتراه ﴾ [الأحقاف: 8]، وقالوا ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ ، وبقي أن يقولوا هو ﴿ إفك قديم ﴾ .

وقد نبه الله على أن مزاعمهم كلها ناشئة عن كفرهم واستكبارهم بقوله: ﴿ قال الذين كفروا ﴾ وقوله: ﴿ وكفرتم به ﴾ [الأحقاف: 10] وقوله: ﴿ واستكبرتم ﴾ [الأحقاف: 10] وقوله: ﴿ وإذ لم يهتدوا به ﴾ الآية.

وإذ قد كانت مقالاتهم رامية إلى غرض واحد وهو تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم كان توزيع أسبابها على مختلف المقالات مشعراً بأن جميعها أسباب لِجميعها.

وضمير ﴿ به ﴾ عائد إلى القرآن واسم الإشارة راجع إليه.

ومعنى الآية: وإذ لم تحصل هدايتهم بالقرآن فيما مضى فسيستمرون على أن يقولوا هو ﴿ إفك قديم ﴾ إذ لا مطمع في إقلاعهم عن ضلالهم في المستقبل.

ولمّا كانت ﴿ إذ ﴾ ظرفاً للزمن الماضي وأضيفت هنا إلى جملة واقعة في الزمن الماضي كما يقتضيه النفي بحرف ﴿ لَم ﴾ تعين أن الإخبار عنه بأنهم سيقولون ﴿ هذا إفك ﴾ أنهم يقولونه في المستقبل، وهو مؤذن بأنهم كانوا يقولون ذلك فيما مضى أيضاً لأن قولهم ذلك من تصاريف أقوالهم الضالة المحكية عنهم في سور أخرى نَزلت قبل هذه السورة، فمعنى ﴿ فسيقولون ﴾ سيدومون على مقالتهم هذه في المستقبل.

فالاستقبال زمن للدوام على هذه المقالة وتكريرها مثله في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﴿ وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ [الزخرف: 27] فإنه قد هداه من قبل وإنما أراد سيديم هدايته إياي.

فليس المقصود إخبار الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأنهم ﴿ سيقولون هذا ﴾ ولم يقولوه في الماضي إذ ليس لهذا الإخبار طائل.

وإذ قد حكي أنهم قالوا ما يرادف هذا في آيات كثيرة سابقة على هذه الآية وأنهم لا يقلعون عنه ولا حاجة إلى تقدير فعل محذوف تتعلق به ﴿ إذ ﴾ .

وحيث قدم الظرف في الكلام على عامله أشرب معنى الشرط وهو إشراب وارد في الكلام، وكثير في ﴿ إذ ﴾ ، ولذلك دخلت الفاء في جوابه هنا في قوله: ﴿ فسيقولون ﴾ .

ويجوز أن تكون ﴿ إذْ ﴾ للتعليل، وتتعلق ﴿ إذ ﴾ ب (يقولون) ولا تمنع الفاء من عمل ما بعدها فيما قبلها على التحقيق.

وإنما انتظمت الجملة هكذا لإفادة هذه الخصوصيات البلاغية، فالواو للعطف والمعطوف في معنى شرط والفاء لجواب الشرط.

وأصل الكلام: وسيقولون هذا إفك قديم إذ لم يهتدوا به وهذا التفسير جار على ما اختاره ابن الحاجب في «الأمالي» دون ما ذهب إليه صاحب «الكشاف»، فإنه تكلف له تكلفاً غير شاف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْ كانَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، قالَهُ يَحْيى.

الثّانِي: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ  نَبِيًّا مِن عَنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

﴿ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ شَهِدَ عَلى اليَهُودِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ آمِينُ بْنُ يامِينَ، قالَ لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: أنا شاهِدٌ مِثْلَ شَهادَتِهِ ومُؤْمِنٌ كَإيمانِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّ مُوسى مِثْلُ مُحَمَّدٍ  يَشْهَدُ بِنُبُوَّتِهِ، والتَّوْراةُ مِثْلُ القُرْآنِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.

وَلَمْ يَكُنْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ والآيَةُ مَكِّيَّةٌ.

الرّابِعُ: هو مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُ مُوسى الَّذِي هو مِثْلُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما شَهِدَ عَلى التَّوْراةِ الَّتِي هي مِثْلُ القُرْآنِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ  ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَآمَنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ بِرَسُولِ اللَّهِ  وبِالقُرْآنِ واسْتَكْبَرَ الباقُونَ عَنِ الإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فَآمَنَ مَن آمَنَ بِمُوسى وبِالتَّوْراةِ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ  والقُرْآنِ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.

وَحَكى النَّقّاشُ أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ هو وكَفَرْتُمْ.

وَقالَ ابْنُ عِيسى: الكَلامُ عَلى سِياقِهِ ولَكِنْ حُذِفَ مِنهُ جَوابٌ ﴿ (إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ) ﴾ وفي المَحْذُوفِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَقْدِيرُهُ: وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَآمَنَ، أتُؤْمِنُونَ؟

قالَهُ الزَّجّاجُ.

الثّانِي: تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ أفَما تُهْلَكُونَ، قالَهُ مَذْكُورٌ.

الثّالِثُ: تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ مِن جَوابِهِ: فَمَن أضَلُّ مِنكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ دَعاهُ النَّبِيُّ  إلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ فَأجابَ واسْتَجابَ بِهِ قَوْمُهُ فَأتاهُ زَعِيمُهم فَأسْلَمَ، ثُمَّ دَعاهُمُ الزَّعِيمُ فَأسْلَمُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَقالُوا: غِفارُ الخُلَفاءِ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ.

فَنَزَلَتْ، قالَهُ أبُو المُتَوَكِّلِ.

الثّانِي: أنَّ زُنَيْرَةَ أسْلَمَتْ فَأُصِيبَ بَصَرُها، فَقالُوا لَها: أصابَكِ اللّاتِ والعُزّى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْها بَصَرَها، فَقالَ عُظَماءُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرٌ ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زَنِيرَةُ فَنَزَلَتْ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.

الثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هم عامِرٌ وغَطَفانُ وأسَدٌ وحَنْظَلَةُ قالُوا لِمَن أسْلَمَ مِن غِفارٍ وأسْلَمَ وغَطَفانَ وجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وأشْجَعَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ رُعاةُ البُهْمِ.

فَنَزَلَتْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّ الكُفّارَ قالُوا: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ اليَهُودُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.

وَهَذِهِ المُعارَضَةُ مِنَ الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ مِن أقْبَحِ المُعارَضاتِ لِانْقِلابِها عَلَيْهِمْ لِكُلِّ مَن خالَفَهم حَتّى يُقالَ لَهُمْ: لَوْ كانَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا ما عُدْنا عَنْهُ، ولَوْ كانَ تَكْذِيبُكم لِلرَّسُولِ خَيْرًا ما سَبَقْتُمُونا إلَيْهِ.

﴿ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ يَعْنِي إلى الإيمانِ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِمُحَمَّدٍ  ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: بِالقُرْآنِ.

﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَسَيَقُولُونَ هَذا القُرْآنُ كَذِبٌ قَدِيمٌ، تَشْبِيهًا بِدِينِ مُوسى القَدِيمِ، تَكْذِيبًا بِهِما جَمِيعًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى أنَّ اللَّهَ رَبُّهم، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّانِي: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: عَلى أداءِ فَرائِضِ اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: عَلى أنْ أخْلِصُوا لَهُ الدِّينَ والعَمَلَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الخامِسُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْهُ إلى مَوْتِهِمْ، رَواهُ أنَسٌ مَرْفُوعًا.

﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ.

﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ يَعْنِي عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: قال ناس من المشركين: نحن أعز ونحن ونحن فلو كان خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمة أسلمت قبله يقال لها زنيرة، فكان عمر رضي الله عنه يضربها على اسلامها.

وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله في شأنها ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ﴾ الآية.

وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بنو غفار وأسلم كانوا الكثير من الناس فتنة يقولون لو كان خيراً ما جعلهم الله أول الناس فيه يقولون لو كان خيراً ما جعلهم الله أول الناس فيه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يعني من كفر من اليهود للذين آمنوا، يعني ابن سلام وأصحابه، وهذا قول السدي وقال في رواية الكلبي (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وقال مقاتل: الذين كفروا قريش، والذين آمنوا أصحاب محمد -  - (٧) وقال الحسن: كانت غفار وأسلم أهل سلة في الجاهلية، أي سرقة، فلما أسلموا قالت قريش: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه (٨) وذكر صاحب النظم في اللام في قوله: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وجهين: أحدهما أن تكون اللام بمنزلة الإيماء إليهم، كأنه يقول: وقال الذين كفروا لو كان هذا الذي جاء به محمد خيرًا لما سبقنا هؤلاء إليه، فقام قوله: (للذين آمنوا) مقام هؤلاء بالتفسير لهم مَن هم، والوجه الآخر: أن يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا على المخاطبة كما تقول: قال زيد لعمرو، ثم ترك المخاطبة (٩) ﴿ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ  ﴾ قوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ أي: ولما لم يصيبوا الهداية بالقرآن فسينسبونه إلى الكذب وهو قوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أي: أساطير الأولين.

ويدل على أن المراد بقوله: (الذين كفروا) اليهود قوله: ﴿ وَمِنْ قَبْلِهِ ﴾ يعني قبل: القرآن ﴿ كِتَابُ مُوسَى ﴾ يريد التوراة ﴿ إِمَامًا ﴾ يقتدى به ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ من الله عز وجل للناظر فيه بما يجد من نور الهدى، وفي الكلام محذوف به يتم المعنى على تقدير: فلم يهتدوا به، ودل على هذا المحذوف قوله في الآية الأولى: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ (١٠)  - والإيمان به فتركوا ذلك، وهذا معنى قول مقاتل؛ لأنه قال: ومن قبل هذا القرآن قد كذبوا بالتوراة لقولهم (١١) ﴿ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ  ﴾ .

قال أبو إسحاق: (إمامًا) منصوب على الحال ورحمةً عطف عليه (١٢) (١٣) ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ ﴾ قال المفسرون: للكتب التي قبله (١٤) قال أبو إسحاق: مصدق لما بين يديه، كما قال: ﴿ كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  ﴾ وحذف هاهنا التقدم (١٥) (١) ذكر ذلك الثعلبي في تفسيره 10/ 109 ب، والبغوي في تفسيره 7/ 256، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 375، والقرطبي في "الجامع" 16/ 190.

(٢) هو: بنو أسد بن خزيمة: قبيلة عظيمة من العدنانية تنتسب إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، وهي ذات بطون كثيرة منازلهم كانت بلادهم فيما يلي الكرخ من أرض نجد وفي مجاورة طي.

انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 47، و"معجم قبائل العرب" لكحالة 1/ 21.

(٣) هم: بنو غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بطن عظيم متسع كثير الشعوب والأفخاد وقد حاربهم رسول الله -  - في غزوة الخندق وهي الأحزاب.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 248، و"معجم قبائل العرب" 3/ 888.

(٤) هم: بنو جهينة بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم حي عظيم من قضاعة من القحطانية كانت مساكنهم ما بين الينبع ويثرب قاتلوا مع خالد بن الوليد في فتح مكة وقاتلوا في غزوة حنين.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 444، و"معجم قبائل العرب" 1/ 216.

(٥) هم: بنو عمرو بن أد عثمان وأوس، وأمهما مزينة بنت كلب بن وبرة، فنسب ولدها إليها، كانت مساكن مزينة بين المدينة ووادي القرى.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 201، و"معجم قبائل العرب" 3/ 1083.

(٦) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 109 ب، والماوردي في "تفسيره" 5/ 274، وانظر: "تنوير المقباس" ص 503.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19.

(٨) لم أقف عليه.

(٩) ذكر السمين الحلبي في "الدر المصون" أن اللام يجوز أن تكون لام العلة أي لأجلهم، وأن تكون للتبليغ.

انظر: "الدر المصون" 6/ 137.

(١٠) ذكر ذلك البغوي في تفسيره / 256، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 376، والقرطبي في "الجامع" 16/ 191، والمؤلف في "تفسير الوسيط" 4/ 105.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19.

(١٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 440.

(١٣) انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 661، و"المكتفى" للداني ص 521.

(١٤) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 256، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 191.

(١٥) الذي في "معاني القرآن" للزجاج: (وحذف له هاهنا أعني من قوله: "وهذا كتاب مصدق" لأن قبله ومن قبله كتاب موسى، فالمعنى وهذا كتاب مصدق له، أي مصدق التوراة) 4/ 441.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ أي لو كان الإسلام خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء، والقائلون لهذه المقالة هم أكابر قريش لما أسلم الضعفاء؛ كبلال وعمار وصهيب وقيل بل قالها كنانة وقبائل من العرب لما أسلمت غفار ومزينة وجهينة، وقيل: بل قالها اليهود لما أسلم عبد الله بن سلام، والأول أرجح لأن الآية مكية، وكانت مقالة قريش بمكة.

وأما مقالة الآخرين فإنما كانت بعد الهجرة، ومعنى الذين آمنوا من أجل الذين آمنوا: أي قالوا ذلك عنهم في غيبتهم، وليس المعنى أنهم خاطبوهم بهذا الكلام، لأنه لو كان خطاباً لقالوا ما سبقتمونا ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هاذآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أي لما لم يهتدوا قالوا هذا إفك قديم ونحو هذا ما جاء في المثل: مَنْ جَهِل شيئاً عاداه، ووصفه بالقدم لأنه قد قيل قديماً، فإن قيل: كيف تعمل فسيقولون في إذ وهي للماضي والعامل مستقبل؟

فالجواب: أن العامل في إذ محذوف تقديره إذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم فسيقولون، قال ذلك الزمخشري، ويظهر لي أن إذ هنا بمعنى التعليل لا ظرفية بمعنى الماضي فلا يلزم السؤال، والمعنى أنهم قالوا: هذا إفك بسبب أنهم لم يهتدوا به، وقد جاءت إذ بمعنى التعليل في القرآن وفي كلام العرب، ومنه ﴿ وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم إِذ ظَّلَمْتُمْ ﴾ [الزخرف: 39] أي بسبب ظلمكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب.

الباقون: على الغيبة.

والضمير للكتاب ﴿ إحساناً ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم.

الباقون: ﴿ حسناً ﴾ ﴿ كرهاً ﴾ في الموضعين بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وجبلة وهشام.

الباقون: بالضم وفصله يعقوب.

الآخرون ﴿ وفصاله ﴾ ﴿ أوزعني أن ﴾ بالفتح: إبن كثير غير القوّاس والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني ﴿ نتقبل ﴾ بالنون ﴿ أحسن ﴾ بالنصب ﴿ ونتجاوز ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وحفص.

الآخرون بياء الغيبة مبنياً للمفعول في الفعلين ﴿ أحسن ﴾ بالرفع ﴿ أف ﴾ بالكسر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.

وقرأ ابن كثير بالفتح من غير تنوين.

الباقون: بالكسر ولا تنوين ﴿ أتعدانني أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وقرأ هشام مدغمة النون ﴿ وليوفيهم ﴾ بالياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.

الباقون: بالنون ﴿ أءذهبتم ﴾ بتحقيق الهمزتين: ابن ذكوان ﴿ آذهبتم ﴾ بالمدّ: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وهشام.

الباقون: بهمزة واحدة.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ السموات ﴾ ه لانتهاء الاستفهام إلى الخطاب ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لأن "أم" تتضمن استفهام إنكار ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ واستكبرتم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ قديم ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ للمحسنين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مفعولاً له ومفعول فعل محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ط ﴿ ووضعته كرهاً ﴾ ط ﴿ شهراً ﴾ ط ﴿ سنة ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ذرّيتي ﴾ ط للابتداء بإن مع اتحاد الكلام ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لأن التقدير وعد لله وعداً صدقاً وهو مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ نتقبل ﴾ في معنى الوعد ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ج لأن الواو تكون مقحمة ويتصل اللام بما قبله وقد يكون المعلل محذوفاً كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ط لتقدير القول وهو العامل في يوم ﴿ بها ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ تفسقون ﴾ ه.

التفسير: إنما كرر تنزيل الكتاب لأنه بمنزلة عنوان الكتب ثم ذكر ما أنزل فقال ﴿ ما خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجل مسمى ﴾ وقد مر في أوّل "الروم" أنه الوقت الذي عينه لإفناء الدنيا.

وحين بين الدليل على وجود الإله ووقوع الحشر فرع عليه الردّ على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وقد مر في "فاطر".

والمراد أنهم لا يستحقون العبادة أصلاً لأنهم ما خلقوا شيئاً في هذا العالم لا في الأرض ولا في السماء، ولم يدل وحي من الله على عبادتهم لأن هذا القرآن ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك وما من كتاب قبله إلا هو ناطق بمثل ذلك.

فقوله ﴿ ائتوني ﴾ من باب إرخاء العنان وتوسيع المجال على الخصم أي إن كنتم في شك مما قلت فقد أمهلتكم حتى تأتوني بعد الاستقراء ﴿ بكتاب ﴾ فيه شيء من ذلك ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال الواحدي: كلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أوجه: أحدها البقية من قولهم "سمنت الناقة على إثارة من شحم" أي على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب.

والثاني أنه من الأثر بمعن الرواية.

والثالث من الأثر بمعنى العلامة والمراد ما بقي أو روي عن أسلافهم ويعدّونه علماً.

عن ابن عباس مرفوعاً أنه الخط.

قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم علمه.

ثم زاد في تبكيتهم وتوبيخهم بقوله ﴿ ومن أضل ﴾ الآية.

وبالجملة فالدليل الأوّل دل على نفي القدرة عنهم من كل الوجوه، وهذا الدليل دل على نفي العلم عنهم من كل الوجوه، فإذا انتفى العلم والقدرة عن الجسم لم يكن إلا جماداً وعبادة الجماد محض الضلال.

وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ تأبيد على عادة العرب، ويحتمل أن يكون توقيتاً بدليل قوله ﴿ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ﴾ وهذا التبري والتخاطب نوع من الاستجابة.

ثم قرر غاية عنادهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ ثم عجب من حالهم بقوله ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ الآية أي إن كذبت على الله كما زعمتم عاجلني بالعقوبة فلا تقدرون على دفع عذابه عني فأي فائدة لي في الافتراء.

ثم فوّض أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ هو أعلم بما تفيضون ﴾ أي تتدفعون فيه من القدح في الوحي، وتسميته سحراً تارة وافتراء أخرى وفي قوله ﴿ وهو الغفور الرحيم ﴾ إشارة إلى أنهم لو رجعوا إلى الحق وتابوا عن الشرك قبل الله توبتهم، وفيه إشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه.

ثم أراد أن يزيل شبهتهم بنوع آخر من البيان فقال ﴿ قل ما كنت بدعاً ﴾ هو بمعنى البديع كالخف بمعنى الخفيف أي لست بأوّل رسول أرسله الله ولا جئتكم بأمر بديع لم يكن إلى مثله سابق.

وفيه إن اقتراح الآيات الغريبة فيه غير موجه لأنه لا يتبع إلا الوحيوما هو إلا نذير وليس إليه أن يأتي بكل ما يقترح عليه، وفيه أنه غير عالم بالمغيبات إلا بطريق الوحي فلا وجه لاستدعاء الغيوب عنه سواء تتعلق بأحوال الدنيا أو بأحوال الآخرة من الأحكام والتكاليف وما يؤل أمر المكلفين إليه، وفيه أنه لا وجه لتعييره بالفقر وبأكل الطعام والمشي في الأسواق والرسل كلهم أو جلهم كانوا كذلك.

قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أشتدّ البلاء على أصحاب رسول الله  رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى تهاجر؟

فسكت رسول الله  وأنزل الله الآية.

وعنه في رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بأمته، فأنزل الله  ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً  ﴾ إلى قوله ﴿ فوزاً عظيماً  ﴾ فبين الله  ما يفعل به وبأمته ونسخت هذه الآية.

والأصح عند العلماء أنه لا حاجة إلى التزام النسخ، فإن الدراية المفصلة غير حاصلة، وعلى تقدير حصولها فإنه لم ينف إلا الدراية من قبل نفسه، وما نفي الدراية من جهة الوحي.

وقوله ﴿ ولا بكم ﴾ في حيز النفي ولا أدري ما يفعل بكم.

و "ما" موصولة أو استفهامية، ومحل الأولى نصب، والثانية رفع.

ثم قرر أنه لا أظلم منهم فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وقد مر نظيره في آخر "حم السجدة" إلا أنه زاد ههنا حديث الشاهد وفيه أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله  المدينة نظر إلى وجهه وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فآمن به.

وعن سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله  يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزل ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ على مثل القرآن.

والمعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة للقرآن من التوحيد والمعاد.

وعلى هذا فقوله ﴿ على مثله ﴾ يتعلق بشاهد أي ويشهد على صحة القرآن.

ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ مثله ﴾ إلى المذكور وهو كونه من عند الله، فيكون الجار متعلقاً بـ ﴿ شهد ﴾ قال جار الله: الواو الأخيرة عاطفة ﴿ لاستكبرتم ﴾ على ﴿ شهد ﴾ وأما الواو في ﴿ وشهد ﴾ فقد عطفت جملة قوله ﴿ وشهد ﴾ إلى آخره على جملة قوله ﴿ كان من عند الله وكفرتم به ﴾ والمعنى أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟

يدل على هذا الجواب المحذوف قوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قلت: هذا كلام حسن.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ واستكبرتم ﴾ معطوفاً على قوله ﴿ فآمن ﴾ .

ويجوز أن يكون الواو في ﴿ وشهد ﴾ للحال بإضمار "قد".

قال: وقد جعل الإيمان في قوله ﴿ فآمن ﴾ مسبباً عن الشهادة لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى وأنصف من نفسه اعترف بصحته وآمن.

القول الثاني ما ذكر الشعبي في جماعة أن السورة مكية وقد أسلم ابن سلام بالمدينة، فالشاهد هو موسى وشهادته هو ما في التوراة من بعث محمد  وإيمانه تصديقه ذلك.

القول الثالث أن الشاهد ليس شخصياً معيناً وتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به ثم آمن بمحمد واستكبرتم أنتم، ألم تكونوا ظالمين ضالين؟

والمقصود أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب هو من عند الله، وثبت بشهادة الثقات أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم النبي  ، ومع ثبوت هذين الأمرين كيف يليق بالعاقل إنكار نبوته؟

ثم ذكر شبهة أخرى لهم وهي أنهم قالوا ﴿ للذين آمنوا ﴾ أي لأجلهم وفي حقهم ﴿ لو كان ﴾ ما أتى به محمد ﴿ خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وقيل: اللام كما في قولك "قلت له".

وضعف بأنه لو كان كذلك لقيل ما سبقتمونا إليه.

وأجيب بأنه وارد على طريقة الالتفات، أو المراد أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله  خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين بأنه لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون.

قال المفسرون: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالاً وأكثر مالاً وهؤلاء رعاة الغنم.

وقيل: قاله أغنياء قريش للفقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود.

وقيل: هم اليهود قالوه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.

والعامل في قوله ﴿ وإذ لم يهتدوا به ﴾ محذوف وهو ظهر عنادهم وذلك أن "إذ" للمضي، والسين للاستقبال وبينهما تدافع.

والإفك القديم كقولهم أساطير الأوّلين.

وقيل: كذب ككذب عيسى  قوله ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ خبر ومبتدأ وقوله ﴿ إماماً ﴾ أي قدوة يؤتم به في أصول شرائع الله، نصب على الحال كقولك "في الدار زيد قائماً".

وقوله ﴿ لساناً عربياً ﴾ حال من ضمير الكتاب في ﴿ مصدّق ﴾ أي لما بين يديه وهو العامل فيه ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ كتاب ﴾ لأنه موصوف والعامل معنى الإشارة.

وجوز أن يكون مفعولاً ﴿ لصدّق ﴾ على حذف المضاف أي يصدّق ذا لسان عربي هو الرسول.

قوله ﴿ وبشرى ﴾ معطوف على محل ﴿ لتنذر ﴾ لأنه مفعول له.

وحين قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبه المنكرين مع أجوبتها، أراد أن يذكر طريقة المحقين فقال ﴿ إن الذين قالوا ﴾ الآية.

وقد مر في "حم السجدة" إلا أنه رفع واسطة الملائكة ههنا من البين.

ثم إن أعظم أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق الله ولا سيما على الوالدين فلذلك قال ﴿ ووصينا ﴾ الآية.

وقد مرّ في "الروم" و "لقمان".

والكره بالضم، والفتح المشقة أي ذات كره أو حملاً ذاكره.

والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى، والمقصود بيان مدّة الرضاع.

ولما كان منتهياً بالفصال صح التعبير عن آخر الرضاع بالفصال، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال.

وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله { ﴿ والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين  ﴾ أن مدة الحمل ستة أشهر.

وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها، فأخبر علياً رضى الله عنه بذلك فمنعه محتجاً بالآية فصدّقه عمر وقال: لولا عليّ لهلك عمر.

قال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة.

وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك.

وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا: إن لتكوّن الجنين زماناً مقدّراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين.

وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوماً فإذا أتى عليه مثل ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل، ولو تمت خلقته في خمسة وثلاثين يوماً تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر، ولو تمت خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر، وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب.

ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وأنفصل في مائتين وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر، أما أكثر مدّة الحمل فليس يعرف له دليل من القرآن.

وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس من المقالة التاسعة، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش.

وعن أرسطا طاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى الإنسان.

هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً.

وعلى هذا قوله ﴿ حتى إذا بلغ أشدّه ﴾ أكثر المفسرين كما مر في آخر "الأنعام" وأوّل "يوسف" و "القصص".

على أن وقت الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة تقريباً، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتفاص، والقوّة العقلية والنطقية في الاستكمال، وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول ﴿ رب أوزعني ﴾ أي ألهمني ووفقني كما مر في "النمل".

قال علماء المعاني: قوله ﴿ في ذرّيتي ﴾ كقوله "يجرح في عراقيبها نصلي" فكأنه سأل أن يجعل ذرّيته موقعاً للصلاح ومظنة له.

وقوله ﴿ أحسن ما عملوا ﴾ إما بمعنى الحسن أو المراد الواجب والندب دون المباح.

وقوله ﴿ في أصحاب الجنة ﴾ في موضع الحال أي معدودين فيهم.

عن ابن عباس وجم غفير من المفسرين أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وفيه أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، ولم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر.

قالوا: ومما يؤيد هذا القول أنه  حكى عن ذلك الإنسان أنه قال بعد أربعين سنة رب أوزعني الخ.

ومعلوم أنه ليس كل إنسان قد يقول هذا القول.

والأظهر أن هذا عام لهذا الجنس، وأن الإنسان قد يقول هذا القول ولا أقل من أن يكون وارداً على طريقة الإرشاد والتعليم.

سلمنا ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

قوله ﴿ والذي قال ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ والمراد بالذي جنس القائل فلذلك أورد الخبر مجموعاً.

ويجوز أن يكون الخبر عاماً في القائل وفي أمثاله فيندرج فيه القائل.

وقيل: تقديره واذكر الذي ومن القائل.

عن الحسن وقتادة: هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث.

وذهب السدّي إلى أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وأنه كان يقول ﴿ لوالديه أف لكما ﴾ وهي كلمة تضجر وتبرم كما مر في "سبحان" و "الأنبياء" ﴿ أتعدانني أن أخرج ﴾ من القبر ﴿ وقد خلت القرون من قبلي ﴾ فلم يرجع أحدهم ﴿ وهما ﴾ يعني أبويه ﴿ يستغيثان الله ﴾ أي بالله فحذف الجار وأوصل الفعل والمراد يسألانه أن يوفقه للإيمان ويقولان له ﴿ ويلك آمن ﴾ بالله وبالبعث.

والمراد بالدعاء عليه الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.

قال السدّي: فاستجاب الله دعوة أبي بكر فيه فأسلم وحسن إسلامه ولما أسلم نزل فيه ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ وأكثر المفسرين ينكرون هذا القول لأنه  قال فيه ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول ﴾ كائنين ﴿ في أمم ﴾ إلى آخره.

وأن عبد الرحمن لم يبق كافراً بل كان من سادات المسلمين.

وروي عن عائشة إنكاره إيضاً.

وذلك أنه حين كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ابن أبي العاص بأن يبايع الناس ليزيد، ردّ عليه عبد الرحمن وقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه ﴿ والذي قال لوالديه ﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه.

ثم ميز حال المؤمن من حال الكافر بقوله ﴿ ولكل ﴾ أي من الجنسين ﴿ درجات ﴾ من جزاء ما عملوا فغلب أهل الدرجات على أهل الدركات، أو الدرجات هي المراتب متصاعدة أو متنازلة، والباقي واضح مما مرّ.

والاستكبار عن قبول الحق ذنب القلب، والفسق عمل الجوارح، والأوّل أولى بالتقديم لعظم موقعه.

وقد يحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع.

قال مؤلف الكتاب: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها لقوله  ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق  ﴾ ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له وقد يجر بعضه بعضاً إلى أن يقع المرء في حدّ البعد عن الله.

وفي الحديث أن رسول الله  دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: " أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر البيت كما تستر الكعبة؟

قالوا: نحن يومئذ خير.

قال: بل أنتم اليوم خير." وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكنني أستبقي طيباتي لأن الله وصف قوماً فقال ﴿ أذهبتم طيباتكم ﴾ وعنه أن رجلاً دعاه إلى طعام فأكل ثم قدّم شيئاً حلوا فامتنع وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال ﴿ أذهبتم ﴾ الآية.

فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا ﴾ ولست منهم فأكل وسرّه ما سمع.

والتحقيق أن المراد هو أنه ما كتب للكافر حظ من الطيبات إلا الذي أصابه في دنياه، وليس في الآية إن كل من أصاب الطيبات في الدنيا فإنه لا يكون له منها حظ في الآخرة والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: بينات أنها من الله  .

أو بينات: واضحات، ما يبين لهم ما عليهم مما لهم، وما لبعض على بعض وما لله عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يحتمل أن يكون الحق الذي قالوا: إنه سحر، هو تلك الآيات البينات التي ذكر أنها بينت عليهم قالوا لها: إنها سحر، ودل قولهم: إنها سحر، على أنها كانت معجزات خارجات عن وسعهم، حيث نسبوها إلى السحر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ هذا حرف المنابذة، يقول: إن افتريته فلا تملكون أنتم دفع عقوبة ذلك الافتراء عن نفسي، وهو كقوله  : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي  ﴾ يقول علي إثم ذلك وجرمه، وإنما يقال هذا عند انتهاء الحجج والبراهين غايتها، وحتى لا يطمع منهم القبول والنجع فيهم، ويؤيس منهم، فعند ذلك يقال وينابذ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أي: بما تخوضون فيه، يقول هذا ويذكر؛ لئلا يقولوا ولا يدعوا غفلته عن ذلك؛ بل يذكرهم أنه كان عالماً بما يسرون ويعلنون.

وقيل: ﴿ تُفِيضُونَ ﴾ من قولهم: أفاضوا، إذا علموا وتحدثوا؛ وهو قول القتبي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: يشهدون في الآخرة: أنّه قد بلغ رسالته.

والثاني: أي: كفى به شهيداً بيني وبينكم في الدنيا بما علم ما كان منهم من الشرك والتكذيب، ومني من التبليغ، فهو شاهد بما كان مني ومنكم في الدنيا من سرّ وعلانية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ ذكر هذا في هذا الموضع على إثر ما ذكر من غاية سفههم وتعنتهم - والله أعلم - كأنه يقول: إنكم وإن بلغتم في السفه ما بلغتم فإنكم إذا رجعتم عن ذلك وتبتم يغفر لكم ما كان منكم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ إن كان على حقيقة العبادة فهو صلة قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ...

﴾ الآية [الأحقاف: 4]؛ يقول - والله أعلم -: ومن أضل ممن يعبد من لا يملك ما ذكر من خلق الأرض، ولا له شرك في السماوات وما ذكر، وترك عبادة من خلق السماوات، وخلق الأرض، وشهد كل شيء له بذلك، وأتى بالحجج والبراهين على ذلك؛ أي: لا أحد أضل ممن ترك عبادة من هذا وصفه، وصرف العبادة إلى الذي لا يملك شيئاً من ذلك، والله أعلم.

وإن كان على الدعاء نفسه فهو صلة ما ذكر من قوله: ﴿ لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ  ﴾ أي: ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يملك إجابته، ولا يسمع دعاءه، وترك دعاء من يملك إجابته ويسمع دعاءه، ويقدر قضاء ما يدعون ويسألون؛ أي: لا أحد أضل ممن اختار دعاء من لا يملك شيئاً من ذلك على دعاء من يملك ذلك كله؛ يسفههم في صنيعهم واختيارهم على ما اختاروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ كأن هذا إنما ذكر - والله أعلم - لإنكار أهل مكة الرسل من البشر، واستعظامهم وضع الرسالة فيهم، فقال عند ذلك: ﴿ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ أي: لست أنا بأول رسول من البشر؛ بل لم يزل الرسل من قبل كانوا من البشر في آفاق الأرض وأطرافها، فما بالكم تنكرون رسالتي؛ لأني كنت من البشر وتستعظمونها وسائر الرسل الذين من قبلي كانوا من البشر؟!

والله أعلم.

قال أبو عوسجة: ﴿ مَا كُنتُ بِدْعاً ﴾ أي: ما أنا بأولهم، قد أرسل قبلي.

وقال القتبي: وما كنت بدءاً منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: ما كنت أدري قبل ذلك ما يفعل بي ولا بكم: أرسل، وأختص للرسالة، وأختار لها، وأبعث إليكم، وتلزمون أنتم اتباعي والإجابة إلى ما أدعوكم إليه، والله أعلم.

والثاني: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ من إخراجي من بين أظهركم وإهلاككم كما فعل بالرسل الذين كانوا من قبل وأقوامهم، أمروا بالخروج من بين أظهرهم، ثم تعقب ذلك استئصال قومهم؛ أي: ما أدري أيفعل بي وبكم ما ذكرنا كما فعل بمن تقدمنا من الرسل وقومهم، والله أعلم.

والثالث: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ مخافة التغيير عليه والتبديل؛ ولم يزل الرسل - عليهم السلام - يخافون تغيير الأحوال عليهم، وتبديل ما أنعم عليهم، وذهاب ما اختصوا هم به؛ كقول إبراهيم -  -: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ وقال شعيب -  -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ الآية [الأعراف: 89]، وما ذكر في سورة يوسف -  -: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [يوسف: 76]، وقول يوسف -  -: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ  ﴾ ، وقول يعقوب -  -: ﴿ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ  ﴾ ، وقول رسول الله  : "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك" لم تزل كانت الرسل - عليهم الصلاة والسلام - على خوف من تغيير الأحوال التي كانوا عليها، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ أتغير على وعليكم الأحوال التي نحن عليها اليوم أم نترك على ذلك؟

وحقيقة هذا الكلام على الاستقصاء قد مرت، والله أعلم.

وذكر بعض أهل التأويل: "أن أهل مكة كانوا يؤذون رسول الله  وأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - بأنواع الأذية، فشكوا إلى رسول الله  ما كانوا يلقون منهم، فقال: إني لم أومر بشيء فيهم من القتال وغيره فاصبروا على ذلك، ولكني رأيت في المنام أن أهاجر إلى أرض أخرى ذات..." كذا؛ فاستبشروا بذلك، [و]مكثوا بعد ذلك زماناً لا يرون شيئاً مما ذكر، " فشكوا إليه ثانياً بما يلقون منهم، وقالوا: ما نرى ما قلت لنا من الخروج عنهم، فقال: إنما رأيت ذلك في المنام ولم يأت به وحي من السماء أيكون ذلك أم لا يكون؟" أو نحو هذا من الكلام، وهذا لا يحتمل أن يكون؛ فإنه لا يُظن بأصحابه -  م - أن يقولوا له: ما نرى الذي قلت لنا من الخروج عنهم، وفي ذلك اتهامه بذلك، وترك تعظيمه، ولا نظن بالنبي  أن يقول لهم: "أنا رأيت ذلك في المنام، ولم يأت به وحي من السماء" ؛ جواباً لقولهم، ورؤيا الأنبياء - عليهم السلام - كالوحي من السماء، دل أن هذا لا يحتمل أن يصح ويثبت، والله أعلم.

وإنما جائز بعض ما ذكر في القصة من الشكاية منهم من الأذى، والوعد لهم بالخروج من بينهم، والله أعلم.

والوجوه التي ذكرنا أشبه وأقرب إلى العقل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ...

﴾ الآية.

قال بعضهم: إن عبد الله بن سلام آمن برسول الله  وشهد أنه رسول الله، ثم شهد بمثل ذلك ابن يامين.

وقال بعضهم: شهد ابن يامين أولا: أنه رسول، وآمن وصدقه، ثم شهد بمثله ابن سلام، والله أعلم.

والأشبه في هذا أن يكون قوله -  -: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ التوراة أو موسى -  - على ذلك، كقوله -  : ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً  ﴾ شهد كتاب رسول الله ورسوله -  - والله أعلم.

ولأن عبد الله بن سلام إنما أسلم بالمدينة، وكذلك ابن يامين، وهذه السورة مكية، لكنهم يقولون: هذه السورة مكية إلا هذه الآيات الثلاث، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ يحتمل أن يكون هذا القول من الأجلة والرؤساء منهم الذين كان منهم صلة الأرحام وأنواع الخيرات والأعمال الصالحة، قالوا: إنا قد سبقناهم في الخيرات سوى ذلك، فلو كان ذلك الذي تدعونا إليه خيراً ما سبقونا كما لم يسبقونا إلى سائر الخيرات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أي: وإذ لم يهتدوا به هم من بيننا فيقولون: هذا القرآن إفك قديم، أي: كذب قديم، فكأن قولهم: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ بحق الاحتجاج، وقولهم: ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ تكذيب منهم ورد لذلك.

ثم قوله: ﴿ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ يقولون - والله أعلم -: لم يزل من ادعى الرسالة يدعي على الله ما يدعي محمد  من إنزال الكتاب عليهم، وبعثه إياهم ابن سلام إلى الناس يطلب الرسالة له عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ أي: إماماً يقتدى به، ورحمة لمن اتبعه في دفع العذاب عنه.

وقوله -  -: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ ﴾ ذكر - هاهنا - مصدق، ولم يذكر أنه مصدق لماذا؟

لكن قد ذكر في غير آي من القرآن ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  ﴾ ، ثم قوله: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  ﴾ يحتمل: أي: موافقاً لما لم يحرف ولم يغير من تلك الكتب؛ لأن تلك الكتب قد حرفوها وغيروها، ولم يحرف هذا الكتاب، وقد حفظه الله -  - عن التبديل والتغيير، فهو مصدق موافق لما لم يغير ولم يحرف من تلك الكتب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ أي: أنزله بلسان عربي؛ ليعلم أنه لم يأخذه محمد  من تلك الكتب؛ لأن تلك الكتب كانت على غير لسان العرب، ولسانه عربي، ولكن جاءه من الله -  - بلسانه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ فمن قرأ: ﴿ لِتُنذِرَ ﴾ بالتاء فتأويله: لتنذر يا محمد الذين ظلموا، ومن قرأ بالياء ﴿ لِّيُنذِرَ ﴾ أي: لينذرهم القرآن، وقد ذكرنا فيما تقدم تفسير النذارة والبشارة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ الاستقامة تحتمل وجهين: أحدهما: أي: ﴿ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ على ذلك القول الذي قالوا، وثبتوا على ذلك، ولم تتغير، ولم تتبدل حالتهم تلك، والله أعلم.

والثاني: ﴿ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ بحق الوفاء بالعلم بما أعطوا بلسانهم وقلوبهم ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ وقد ذكرناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ جعل ذلك لهم جزاء أعمالهم بفضله ورحمته، لا أنهم يستوجبون ذلك بنفس عملهم، ولكن بالتفضل والرحمة، وذكر جزاءه الأعمال فضلا منه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال الذين كفروا بالقرآن وبما جاءهم به رسولهم للذين آمنوا: لو كان ما جاء به محمد حقًّا يهدي إلى الخير ما سبقنا إليه هؤلاء الفقراء والعبيد والضعفاء.

ولأنهم لم يهتدوا بما جاءهم به رسولهم فسيقولون: هذا الذي جاءنا به كذب قديم، ونحن لا نتبع الكذب.

<div class="verse-tafsir" id="91.16w34"

مزيد من التفاسير لسورة الأحقاف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله