الآية ١٢ من سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ١٢ من سورة الأحقاف

وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةًۭ ۚ وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّسَانًا عَرَبِيًّۭا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة الأحقاف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( ومن قبله كتاب موسى ) وهو التوراة ( إماما ورحمة وهذا كتاب ) يعني القرآن ) مصدق ) أي : لما قبله من الكتب ( لسانا عربيا ) أي : فصيحا بينا واضحا ، ( لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ) أي : مشتمل على النذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) يقول تعالى ذكره: ومن قبل هذا الكتاب, كتاب موسى, وهو التوراة, إماما لبني إسرائيل يأتمون به, ورحمة لهم أنـزلناه عليهم.

وخرج الكلام مخرج الخبر عن الكتاب بغير ذكر تمام الخبر اكتفاء بدلالة الكلام على تمامه; وتمامه: ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أنـزلناه عليه, وهذا كتاب أنـزلناه لسانا عربيا.

اختلف في تأويل ذلك, وفي المعنى الناصب ( لِسَانًا عَرَبِيًّا ) أهل العربية, فقال بعض نحويي البصرة: نصب اللسان والعربي, لأنه من صفة الكتاب, فانتصب على الحال, أو على فعل مضمر, كأنه قال: أعني لسانا عربيا.

قال: وقال بعضهم على مصدق جعل الكتاب مصدق اللسان, فعلى قول من جعل اللسان نصبا على الحال, وجعله من صفة الكتاب, ينبغي أن يكون تأويل الكلام, وهذا كتاب بلسان عربيّ مصدّق التوراة كتاب موسى, بأن محمدا لله رسول, وأن ما جاء به من عند الله حقّ.

وأما القول الثاني الذي حكيناه عن بعضهم, أنه جعل الناصب للسان مصدّق, فقول لا معنى له, لأن ذلك يصير إذا يؤوّل كذلك إلى أن الذي يصدق القرآن نفسه, ولا معنى لأن يقال: وهذا كتاب يصدّق نفسه, لأن اللسان العربيّ هو هذا الكتاب, إلا أن يجعل اللسان العربيّ محمدا عليه الصلاة والسلام , ويوجه تأويله إلى: وهذا كتاب وهو القرآن يصدّق محمدا, وهو اللسان العربيّ, فيكون ذلك وجها من التأويل.

وقال بعض نحويي الكوفة: قوله: ( لِسَانًا عَرَبِيًّا ) من نعت الكتاب, وإنما نُصب لأنه أريد به: وهذا كتاب يصدّق التوراة والإنجيل لسانا عربيا, فخرج لسانا عربيا من يصدّق, لأنه فعل, كما تقول: مررت برجل يقوم محسنا, ومررت برجل قائم محسنا, قال: ولو رفع لسان عربيّ جاز على النعت للكتاب.

وقد ذُكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود " وهذا كتاب مصدّق لما بين يديه لسانا عربيا " ، فعلى هذه القراءة يتوجه النصب في قوله ( لِسَانًا عَرَبِيًّا ) من وجهين: أحدهما على ما بيَّنت من أن يكون اللسان خارجا من قوله (مصَدّقٌ) والآخر: أن يكون قطعا من الهاء التي في بين يديه.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يكون منصوبا على أنه حال مما في مصدّق من ذكر الكتاب, لأن قوله: (مصَدّقٌ) فعل, فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك: وهذا القرآن يصدق كتاب موسى بأن محمدا نبي مرسل لسانا عربيا.

وقوله ( لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) يقول: لينذر هذا الكتاب الذي أنـزلناه إلى محمد عليه الصلاة والسلام الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله بعبادتهم غيره.

وقوله ( وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ) يقول: وهو بشرى للذين أطاعوا الله فأحسنوا في إيمانهم وطاعتهم إياه في الدنيا, فحسن الجزاء من الله لهم في الآخرة على طاعتهم إياه.

وفي قوله (وبُشْرى) وجهان من الإعراب: الرفع على العطف على الكتاب بمعنى: وهذا كتاب مصدّق وبشرى للمحسنين.

والنصب على معنى: لينذر الذين ظلموا ويبشر, فإذا جعل مكان يبشر وبُشرى أو وبشارة, نصبت كما تقول أتيتك لأزورك وكرامة لك, وقضاء لحقك, بمعنى لأزورك وأكرمك, وأقضي حقك, فتنصب الكرامة والقضاء بمعنى مضمر.

واختلفت القرّاء في قراءة (لِيُنْذِرَ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز " لِتُنْذِرَ" بالتاء بمعنى: لتنذر أنت يا محمد, وقرأته عامة قرّاء العراق بالياء بمعنى: لينذر الكتاب, وبأي القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين .قوله تعالى : ومن قبله أي ومن قبل القرآن كتاب موسى أي التوراة إماما يقتدى بما فيه .

وإماما نصب على الحال ; لأن المعنى : وتقدمه كتاب موسى إماما .

ورحمة معطوف عليه .

وقيل : انتصب بإضمار فعل ، أي : أنزلناه [ ص: 179 ] إماما ورحمة .

وقال الأخفش : على القطع ; لأن كتاب موسى معرفة بالإضافة ; لأن النكرة إذا أعيدت أو أضيفت أو أدخل عليها ألف ولام صارت معرفة .

وهذا كتاب يعني القرآن مصدق يعني للتوراة ولما قبله من الكتب .

وقيل : مصدق للنبي صلى الله عليه وسلم .

لسانا عربيا منصوب على الحال ، أي : مصدق لما قبله عربيا ، ولسانا توطئة للحال أي : تأكيد ، كقولهم : جاءني زيد رجلا صالحا ، فتذكر رجلا توكيدا .

وقيل : نصب بإضمار فعل تقديره : وهذا كتاب مصدق أعني لسانا عربيا .

وقيل : نصب بإسقاط حرف الخفض تقديره : بلسان عربي .

وقيل : إن لسانا مفعول والمراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي : وهذا كتاب مصدق للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه معجزته ، والتقدير : مصدق ذا لسان عربي .

فاللسان منصوب بمصدق ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم .

ويبعد أن يكون اللسان القرآن ; لأن المعنى يكون يصدق نفسه .لينذر الذين ظلموا قراءة العامة لينذر بالياء خبر عن الكتاب ، أي : لينذر الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية .

وقيل : هو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقرأ نافع وابن عامر والبزي بالتاء ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، على خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال الله تعالى : إنما أنت منذر .

وبشرى للمحسنين بشرى في موضع رفع ، أي : وهو بشرى .

وقيل : عطفا على الكتاب ، أي : وهذا كتاب مصدق وبشرى .

ويجوز أن يكون منصوبا بإسقاط حرف الخفض ، أي : لينذر الذين ظلموا وللبشرى ، فلما حذف الخافض نصب .

وقيل : على المصدر ، أي : وتبشر المحسنين بشرى ، فلما جعل مكان وتبشر بشرى أو بشارة نصب ، كما تقول : أتيتك لأزورك ، وكرامة لك وقضاء لحقك ، يعني لأزورك وأكرمك وأقضي حقك ، فنصب الكرامة بفعل مضمر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الذي قد وافق الكتب السماوية خصوصا أكملها وأفضلها بعد القرآن وهي التوراة التي أنزلها الله على موسى { إِمَامًا وَرَحْمَةً } أي: يقتدي بها بنو إسرائيل ويهتدون بها فيحصل لهم خير الدنيا والآخرة.

{ وَهَذَا } القرآن { كِتَابٌ مُصَدِّقٌ } للكتب السابقة شهد بصدقها وصدَّقها بموافقته لها وجعله الله { لِسَانًا عَرَبِيًّا } ليسهل تناوله ويتيسر تذكره، { لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } أنفسهم بالكفر والفسوق والعصيان إن استمروا على ظلمهم بالعذاب الوبيل ويبشر المحسنين في عبادة الخالق وفي نفع المخلوقين بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة ويذكر الأعمال التي ينذر عنها والأعمال التي يبشر بها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومن قبله ) أي ومن قبل القرآن ( كتاب موسى ) يعني التوراة ( إماما ) يقتدى به ( ورحمة ) من الله لمن آمن به ، ونصبا على الحال عن الكسائي ، وقال أبو عبيدة : فيه إضمار ، أي جعلناه إماما ورحمة ، وفي الكلام محذوف ، تقديره : وتقدمه كتاب موسى إماما ولم يهتدوا به ، كما قال في الآية الأولى : " وإذ لم يهتدوا به " .

( وهذا كتاب مصدق ) أي القرآن مصدق للكتب التي قبله ( لسانا عربيا ) نصب على الحال ، وقيل بلسان عربي ( لينذر الذين ظلموا ) يعني مشركي مكة ، قرأ أهل الحجاز والشام ويعقوب : " لتنذر " بالتاء على خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقرأ الآخرون بالياء يعني الكتاب ( وبشرى للمحسنين ) " وبشرى " في محل الرفع ، أي هذا كتاب مصدق وبشرى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن قبله» أي القرآن «كتاب موسى» أي التوراة «إماما ورحمة» للمؤمنين به حالان «وهذا» أي القرآن «كتاب مصدق» للكتب قبله «لسانا عربيا» قال لمن الضمير في مصدق «لينذر الذين ظلموا» مشركي مكة «و» هو «بشرى للمحسنين» المؤمنين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن قبل هذا القرآن أنزلنا التوراة إمامًا لبني إسرائيل يقتدون بها، ورحمة لمن آمن بها وعمل بما فيها، وهذا القرآن مصدق لما قبله من الكتب، أنزلناه بلسان عربي؛ لينذر الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وبشرى للذين أطاعوا الله، فأحسنوا في إيمانهم وطاعتهم في الدنيا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن هذا القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية التى سبقته فقال - تعالى - : ( وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَاماً وَرَحْمَةً .

.

) .أى : ومن قبل هذا القرآن الذى أنزلناه على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - كان كتاب موسى وهو التوراة ( إِمَاماً ) يهتدى به فى الدين ( وَرَحْمَةً ) من الله - تعالى - لمن آمن به .وقوله : ( وَمِن قَبْلِهِ ) خبر مقدم ، و ( كِتَابُ موسى ) مبتدأ مؤخر ، وقوله : ( إِمَاماً وَرَحْمَةً ) حالان من ( كِتَابُ موسى ) .والمقصود من هذه الجملة الكريمة ، الرد على قولهم فى القرآن ( هاذآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ) فكأنه - تعالى - يقول لهم : كيف تصفون القرآن بذلك ، مع أنه قد سبقه كتاب موسى الذى تعرفونه ، والذى وافق القرآن فى الأمر بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، وفى غير ذلك من أصول الشرائع .ثم مدح - سبحانه - هذا القرآن بقوله : ( وهذا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ ) .أى : وهذا القرآن الذى أنزلناه على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - مصدق لكتاب موسى الذى هو إمام ورحمة ، ومصدق لغيره من الكتب السماوية السابقة وأمين عليها ، وقد أنزلناه بلسان عربى مبين ، امتنانا منا على من بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم وهم العرب .وقد اقتضت حكمتنا أن نجعل من وظيفة هذا الكتاب : الإِنذار للظالمين بسوء المصير إذا ما أصروا على ظلمهم ، والبشارة للمحسنين بحسن عاقبتهم بسبب إيمانهم وإحسانهم .فاسم الاشارة فى قوله : ( وهذا ) يعود للقرآن الكريم ، وقوله مصدق صفة لكتاب .وقوله ( لِّسَاناً عَرَبِيّاً ) حال من الضمير فى " مصدق " الذى هو صفة للكتاب والضمير فى " لينذر " يعود إلى الكتاب ، و " الذين ظلموا " مفعوله .

أى : لينذر الكتاب الذين ظلموا ، وقوله : ( وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ ) فى محل نصب عطفا على محل " لينذر " .وقال - سبحانه - فى صفة هذا الكتاب ( مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ) ولم يقل : مصدق لكتاب موسى ، للتنبيه على أنه مصدق لكتاب موسى ولغيره من الكتب السماوية السابقة .والتعبير بقوله ( لِّسَاناً عَرَبِيّاً ) فيه تكريم للعرب ، وتذكير لهم بنعمة الله عليهم ، حيث جعل القرآن الذى هو أجمع الكتب السماوية للهدايات والخيرات بلسانهم ، وهذا يقتضى إيمانهم به ، وحصرهم على اتباع إرشاداته .وقوله - تعالى - : ( لِّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ ) بيان لوظيفة هذا الكتاب ، وتحديد لمصير كل فريق ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من من حى عن بينه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم في كون القرآن معجزاً، بأن قالوا إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى أنه كلام الله على سبيل الفرية، حكى عنهم نوعاً آخر من الشبهات، وهو أنهم كانوا يقترحون منه معجزات عجيبة قاهرة، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات، فأجاب الله تعالى عنه بأن قال: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل ﴾ والبدع والبديع من كل شيء المبدأ والبدعة ما اخترع مما لم يكن موجوداً قبله بحكم السنة، وفيه وجوه: الأول: ﴿ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل ﴾ أي ما كنت أولهم، فلا ينبغي أن تنكروا إخباري بأني رسول الله إليكم، ولا تنكروا دعائي لكم إلى التوحيد، ونهيي عن عبادة الأصنام، فإن كل الرسل إنما بعثوا بهذا الطريق الوجه الثاني: أنهم طلبوا منه معجزات عظيمة وأخباراً عن الغيوب فقال: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل ﴾ والمعنى أن الإتيان بهذه المعجزات القاهرة والإخبار عن هذه الغيوب ليس في وسع البشر، وأنا من جنس الرسل واحد منهم لم يقدر على ما تريدونه فكيف أقدر عليه؟

الوجه الثالث: أنهم كانوا يعيبونه أنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وبأن أتباعه فقراء فقال: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل ﴾ وكلهم كانوا على هذه الصفة وبهذه المثابة فهذه الأشياء لا تقدح في نبوتي كما لا تقدح في نبوتهم.

ثم قال: ﴿ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير الآية وجهان: أحدهما: أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا والثاني: أن يحمل على أحوال الآخرة أما الأول: ففيه وجوه: الأول: لا أدري ما يصير إليه أمري وأمركم، ومن الغالب منا والمغلوب والثاني: قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما اشتد البلاء بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا أن ذلك فرج مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك،، فقالوا يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى نهاجر إلى الأرض التي رأيتها في المنام؟

فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ وهو شيء رأيته في المنام، وأنا لا أتبع إلا ما أوحاه الله إليّ الثالث: قال الضحاك لا أدري ما تؤمرون به ولا أؤمر به في باب التكاليف والشرائع والجهاد ولا في الابتلاء والامتحان وإنما أنذركم بما أعلمني الله به من أحوال الآخرة في الثواب والعقاب والرابع: المراد أنه يقول لا أدري ما يفعل بي في الدنيا أأموت أم أقتل كما قتل الأنبياء قبلي ولا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون، أترمون بالحجارة من السماء، أم يخسف بكم أم يفعل بكم ما فعل بسائر الأمم، أما الذين حملوا هذه الآية على أحوال الآخرة، فروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به وبنا؟

فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً  ﴾ فبيّن تعالى ما يفعل به وبمن أتبعه ونسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف المنافقين والمشركين.

وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لابد وأن يعلم من نفسه كونه نبياً ومتى علم كونه نبياً علم أنه لا تصدر عنه الكبائر وأنه مغفور له، وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكاً في أنه هل هو مغفور له أم لا الثاني: لا شك أن الأنبياء أرفع حالاً من الأولياء، فلما قل في هذا ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأتقياء وقدوة الأنبياء والأولياء شاكاً في أنه هل هو من المغفورين أو من المعذبين؟

الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ والمراد منه كمال حاله ونهاية قربه من حضرة الله تعالى، ومن هذا حاله كيف يليق به أن يبقى شاكاً في أنه من المعذبين أو من المغفورين؟

فثبت أن هذا القول ضعيف.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ مَّا يُفْعَلُ ﴾ يفتح الياء أي يفعل الله عزّ وجلّ فإن قالوا: ﴿ مَّا يَفْعَلُ ﴾ مثبت وغير منفي وكان وجه الكلام أن يقال: ما يفعل بي وبكم؟

قلنا التقدير ما أدري ما يفعل بي وما أدري ما يفعل بكم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ ﴾ يعني إني لا أقول قولاً ولا أعمل عملاً إلا بمقتضى الوحي واحتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا النبي صلى الله عليه وسلم ما قال قولاً ولا عمل عملاً إلا بالنص الذي أوحاه الله إليه، فوجب أن يكون حالنا كذلك بيان الأول: قوله تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ ﴾ بيان الثاني: قوله تعالى: ﴿ واتبعوه  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ كانوا يطالبونه بالمعجزات العجيبة وبالإخبار عن الغيوب فقال قل: ﴿ وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ والقادر على تلك الأعمال الخارجة عن قدرة البشر والعالم بتلك الغيوب ليس إلا الله سبحانه.

ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ فَئَامَنَ واستكبرتم إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: جواب الشرط محذوف والتقدير أن يقال إن كان هذا الكتاب من عند الله ثم كفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على صحته ثم استكبرتم لكنتم من الخاسرين ثم حذف هذا الجواب، ونظيره قولك إن أحسنت إليك وأسأت إليّ وأقبلت عليك وأعرضت عني فقد ظلمتني، فكذا هاهنا التقدير أخبروني إن ثبت أن القرآن من عند الله بسبب عجز الخلق عن معارضته ثم كفرتم به وحصل أيضاً شهادة أعلم بني إسرائيل بكونه معجزاً من عند الله فلو استكبرتم وكفرتم ألستم أضل الناس وأظلمهم، واعلم أن جواب الشرط قد يحذف في بعض الآيات وقد يذكر، أما الحذف فكما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلّمَ بِهِ الموتى  ﴾ وأما المذكور، فكما في قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ  ﴾ وقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء  ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إسراءيل ﴾ على قولين الأول: وهو الذي قال به الأكثرون أن هذا الشاهد عبد الله بن سلاّم، روى صاحب الكشاف أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب وتأمله وتحقق أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم المنتظر، فقال له إني سائلك عن ثلاث ما يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعات، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟

فقال صلى الله عليه وسلم: «أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزع له وإن سبق ماء المرأة نزع لها» فقال أشهد أنك لرسول الله حقاً، ثم قال يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أي رجل عبد الله فيكم؟

فقالوا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا فقال أرأيتم إن أسلم عبد الله؟

فقالوا أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه فقال هذا ما كنت أخاف يا رسول الله فقال سعد بن أبي وقاص ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلاّم، وفيه نزل ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إسراءيل على مِثْلِهِ ﴾ .

واعلم أن الشعبي ومسروقاً وجماعة آخرين أنكروا أن يكون الشاهد المذكور في هذه الآية هو عبد الله بن سلاّم قالوا لأن إسلامه كان بالمدينة قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامين وهذه السورة مكية فكيف يمكن حمل هذه الآية المكية على واقعة حدثت في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأجاب الكلبي بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنها مدنية وكانت الآية تنزل فيؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها في سورة كذا فهذا الآية نزلت بالمدينة وإن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها في هذه السورة المكية في هذا الموضع المعين، ولقائل أن يقول إن الحديث الذي رويتم عن عبد الله بن سلاّم مشكل، وذلك لأن ظاهر الحديث يوهم أنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاثة، وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الجوابات من عبد الله بن سلاّم لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تلك الجوابات وهذا بعيد جداً لوجهين: الأول: أن الإخبار عن أول أشراط الساعة وعن أول طعام يأكله أهل الجنة إخبار عن وقوع شيء من الممكنات، وما هذا سبيله فإنه لا يعرف كون ذلك الخبر صدقاً إلا إذا عرف أولاً كون المخبر صادقاً فلو أنا عرفنا صدق المخبر يكون ذلك الخبر صدقاً لزم الدور وإنه محال والثاني: أنا نعلم بالضرورة أن الجوابات المذكورة عن هذه المسائل لا يبلغ العلم بها إلى حد الإعجاز ألبتة، بل نقول الجوابات القاهرة عن المسائل الصعبة لما لم تبلغ إلى حد الإعجاز فأمثال هذه الجوابات عن هذه السؤالات كيف يمكن أن يقال إنها بلغت إلى حد الإعجاز والجواب: يحتمل أنه جاء في بعض كتب الأنبياء المتقدمين أن رسول آخر الزمان يسأل عن هذه المسائل وهو يجيب عنها بهذه الجوابات وكان عبد الله بن سلام عالماً بهذا المعنى فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم وأجاب بتلك الأجوبة عرف بهذا الطريق كونه رسولاً حقاً من عند الله، وعلى هذا الوجه فلا حاجة بنا إلى أن نقول العلم بهذه الجوابات معجز، والله أعلم.

القول الثاني: في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إسراءيل ﴾ أنه ليس المراد منه شخصاً معيناً بل المراد منه أن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم موجود في التوراة والبشارة بمقدمه حاصلة فيها فتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به، ثم إنه آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنكرتم ألستم كنتم ظالمين لأنفسكم ضالين عن الحق؟

فهذا الكلام مقرر سواء كان المراد بذلك الشاهد شخصاً معيناً أو لم يكن كذلك لأن المقصود الأصلي من هذا الكلام أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب من عند الله وثبت أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم ومع هذين الأمرين كيف يليق بالعقل إنكار نبوته.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ على مِثْلِهِ ﴾ ذكروا فيه وجوهاً، والأقرب أن نقول إنه صلى الله عليه وسلم قال لهم أرأيتم إن كان هذا القرآن من عند الله كما أقول وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثل ما قلت فآمن واستكبرتم ألستم كنتم ظالمين أنفسكم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تهديد وهو قائم مقام الجواب المحذوف والتقدير قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به فإنكم لا تكونون مهتدين بل تكونون ضالين.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى إنما منعهم الهداية بناء على الفعل القبيح الذي صدر منهم أولاً، فإن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ صريح في أنه تعالى لا يهديهم لكونهم ظالمين أنفسهم فوجب أن يعتقدوا في جميع الآيات الواردة في المنع من الإيمان والهداية أن يكون الحال فيها كما هاهنا، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه شبهة أخرى للقوم في إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي سبب نزوله وجوه: الأول: أن هذا كلام كفار مكة قالوا إن عامة من يتبع محمداً الفقراء والأراذل مثل عمار وصهيب وابن مسعود، ولو كان هذا الدين خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الثاني: قيل لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لو كان هذا خيراً ما سبقنا إليه رعاء البهم الثالث: قيل إن أمة لعمر أسلمت وكان عمر يضربها حتى يفتر، ويقول لولا أني فترت لزدتك ضرباً، فكان كفار قريش يقولون لو كان ما يدعو محمد إليه حقاً ما سبقتنا إليه فلانة.

الرابع: قيل كان اليهود يقولون هذا الكلام عند إسلام عبد الله بن سلاّم.

المسألة الثانية: اللام في قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ ذكروا فيه وجهين: الأول: أن يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا، على وجه الخطاب كما تقول قال زيد لعمرو، ثم تترك الخطاب وتنتقل إلى الغيبة كقوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم  ﴾ الثاني: قال صاحب الكشاف ﴿ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ لأجلهم يعني أن الكفار قالوا لأجل إيمان الذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه، وعندي فيه وجه الثالث: وهو أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين، وقالوا لهم لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون الذين أسلموا.

واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا الكلام أجاب عنه بقوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ والمعنى أنهم لما لم يقفوا على وجه كونه معجزاً، فلابد من عامل في الظرف في قوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ ﴾ ومن متعلق لقوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ وغير مستقيم أن يكون ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ هو العامل في الظرف لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟

وأجاب عنه بأن العامل في إذ محذوف لدلالة الكلام عليه، والتقدير ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ ﴾ ظهر عنادهم ﴿ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إَمَامًا وَرَحْمَةً ﴾ كتاب موسى مبتدأ، ومن قبله ظرف واقع خبراً مقدماً عليه، وقوله: ﴿ إِمَاماً ﴾ نصب على الحال كقولك في الدار زيد قائماً، وقرئ ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى ﴾ والتقدير: وآتينا الذي قبله التوراة، ومعنى ﴿ إِمَاماً ﴾ أي قدوة ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ لمن آمن به وعمل بما فيه، ووجه تعلق هذا الكلام بما قبله أن القوم طعنوا في صحة القرآن، وقالوا لو كان خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الصعاليك، وكأنه تعالى قال: الذي يدل على صحة القرآن أنكم لا تنازعون في أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، وجعل هذا الكتاب إماماً يقتدى به، ثم إن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا سلمتم كون التوراة إماماً يقتدى به، فاقبلوا حكمه في كون محمد صلى الله عليه وسلم حقاً من الله.

ثم قال تعالى: ﴿ وهذا كتاب مُّصَدّقٌ لّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ أي هذا القرآن مصدق لكتاب موسى في أن محمداً رسول حقاً من عند الله وقوله تعالى: ﴿ لّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ نصب على الحال، ثم قال: ﴿ لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ قال ابن عباس مشركي مكة، وفي قوله: ﴿ لّتُنذِرَ ﴾ قراءتان التاء لكثرة ما ورد من هذا المعنى بالمخاطبة كقوله تعالى: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ والياء لتقدم ذكر الكتاب فأسند الإنذار إلى الكتاب كما أسند إلى الرسول، وقوله تعالى: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا  قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ قال الزجاج الأجود أن يكون قوله: ﴿ وبشرى ﴾ في موضع رفع، والمعنى وهو بشرى للمحسنين، قال ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى ﴿ لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ وحاصل الكلام أن المقصود من إنزال هذا الكتاب إنذار المعرضين وبشارة المطيعين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ لأجلهم وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامّة من يتبع محمداً السقاط، يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود، فلو كان ما جاء به خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء.

وقيل: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار: قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان خيراً ما سبقنا إليه رعاء البهم.

وقيل: إن أمة لعمر أسلمت، فكان عمر يضربها حتى يفتر ثم يقول لولا أني فترت لزدتك ضرباً، وكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعو إليه محمد حقاً ما سبقتنا إليه فلانة.

وقيل: كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.

فإن قلت: لابد من عامل في الظرف في قوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ ﴾ ومن متعلق لقوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ وغير مستقيم أن يكون ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ هو العامل في الظرف، لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟

قلت: العامل في إذ محذوف، لدلالة الكلام عليه، كما حذف في قوله: ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ [يوسف: 15] وقولهم: حينئذٍ الآن، وتقديره: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم، فسيقولون هذا إفك قديم، فهذا المضمر صحّ به الكلام، حيث انتصب به الظرف وكان قوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ مسبباً عنه كما صحَّ بإضمار أنّ قوله: ﴿ حتى يَقُولَ الرسول ﴾ [البقرة: 214] لمصادفة (حتى) مجرورها، والمضارع ناصبه.

وقولهم: ﴿ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ كقولهم: أساطير الأوّلين ﴿ كتاب موسى ﴾ مبتدأ ومن قبله ظرف واقع خبراً مقدماً عليه، وهو ناصب ﴿ إِمَاماً ﴾ على الحال، كقولك: في الدار زيد قائماً.

وقرئ: ومن قبله كتاب موسى، على: وآتينا الذين قبله التوراة.

ومعنى ﴿ إِمَاماً ﴾ : قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ لمن آمن به وعمل بما فيه ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ كتاب مُّصَدِّقٌ ﴾ لكتاب موسى.

أو لما بين يديه وتقدّمه من جميع الكتب.

وقرئ ﴿ مصدق لما بين يديه ﴾ ﴿ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ حال من ضمير الكتاب في مصدق، والعامل فيه (مصدق) ويجوز أن ينتصب حالاً عن كتاب لتخصصه بالصفة، ويعمل فيه معنى الإشارة.

وجوّز أن يكون مفعولاً لمصدق، أي: يصدق ذا لسان عربي وهو الرسول.

وقرئ: ﴿ لينذر ﴾ بالياء والتاء، ولينذر: من نذر ينذر إذا حذر ﴿ وبشرى ﴾ في محل النصب معطوف على محل لينذر، لأنه مفعول له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِأجْلِهِمْ.

﴿ لَوْ كانَ ﴾ الإيمانُ أوْ ما أتى بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ وهم سُقّاطٌ إذْ عامَّتُهم فُقَراءُ ومَوالٍ ورُعاةٌ، وإنَّما قالَهُ قُرَيْشٌ وقِيلَ: بَنُو عامِرٍ وغَطَفانُ وأسَدٌ وأشْجَعُ لَمّا أسْلَمَ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأسْلَمُ وغِفارٌ، أوِ اليَهُودُ حِينَ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ.

﴿ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ مِثْلَ ظَهَرَ عِنادُهم وقَوْلُهُ: ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْهُ وهو كَقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ ﴾ ومِن قَبْلِ القُرْآنِ وهو خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ كِتابُ مُوسى ﴾ ناصِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ إمامًا ورَحْمَةً ﴾ عَلى الحالِ.

﴿ وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ ﴾ لِكِتابِ مُوسى أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وقَدْ قُرِئَ بِهِ.

﴿ لِسانًا عَرَبِيًّا ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ كِتابٌ في مُصَدِّقٌ أوْ مِنهُ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، وعامِلُها مَعْنى الإشارَةِ وفائِدَتُها الإشْعارُ بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ كَما دَلَّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ دَلَّ عَلى أنَّهُ وحْيٌ وتَوْقِيفٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وَقِيلَ: مَفْعُولُ مُصَدِّقٌ أيْ يُصَدِّقُ ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ بِإعْجازِهِ.

﴿ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ عِلَّةُ مُصَدِّقٌ، وفِيهِ ضَمِيرُ الكِتابِ أوِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ، ويُؤَيِّدُ الأخِيرَ قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ والبِزِّيِّ بِخِلافٍ عَنْهُ ويَعْقُوبَ بِالتّاءِ ﴿ وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمِن قَبْلِهِ} أي القرآن {كِتَابُ موسى} أي التوراة وهو مبتدأ ومن قبله ظرف واقع خبر مقدماً عليه وهو ناصب {إِمَاماً} على الحال نحو في الدار زيد قائماً ومعنى إِمَاماً قدوة

يؤتم به في دين الله وشرائعه كما يؤتم بالإمام {وَرَحْمَةً} لمن آمن به وعمل بما فيه {وهذا} القرآن {كتاب مُّصَدِّقٌ} لكتاب موسى أو لما بين يديه وتقدمه من جميع الكتب {لِّسَاناً عَرَبِيّاً} حال من ضمير الكتاب في مُّصَدّق والعامل فيه مُّصَدّق أو من كتاب لتخصصه بالصفة ويعمل فيه معنى الاشارة وجواز ان يكون مفعولا لمصدق أي يصدق ذا لسان عربي وهو الرسول {لِّيُنذِرَ} أي الكتاب لّتُنذِرَ حجازي وشامي {الذين ظَلَمُواْ} كفروا {وبشرى} في محل النصب معطوف على محل لّيُنذِرَ لأنه مفعول له {لِّلْمُحْسِنِينَ} للمؤمنين المطيعين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِن قَبْلِهِ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ القُرْآنِ وهو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كِتابُ مُوسى ﴾ قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ، وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ كَوْنَ ( كِتابُ ) مَعْطُوفًا عَلى ﴿ شاهِدٌ ﴾ والظَّرْفُ فاصِلٌ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ، والمَعْنى وشَهِدَ كِتابُ مُوسى مِن قَبْلِهِ، وجُعِلَ ضَمِيرُ ( قَبْلِهِ ) لِلْقُرْآنِ أيْضًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إمامًا ورَحْمَةً ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ أوْ مِن ( كِتابُ ) عِنْدَ مَن جَوَّزَ الحالَ مِنَ المُبْتَدَأِ، وقِيلَ: حالٌ مِن مَحْذُوفٍ والعامِلُ كَذَلِكَ أيْ أنْزَلْناهُ إمامًا وهو كَما تَرى.

والمَعْنى وكائِنٌ مِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى يُقْتَدى بِهِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ كَما يُقْتَدى بِالإمامِ ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِمَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِمُوجِبِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهَذا ﴾ أيِ القُرْآنُ الَّذِي يَقُولُونَ في شَأْنِهِ ما يَقُولُونَ ﴿ كِتابُ ﴾ مُبْتَدَأُ خَبَرٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مُصَدِّقٌ ﴾ نَعْتُ ( كِتابُ ) وهو مَصَبُّ الفائِدَةِ أيْ مُصَدِّقٌ لِكِتابِ مُوسى الَّذِي هو إمامٌ ورَحْمَةٌ أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ قُرِئَ (مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها وهي حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ وإبْطالٌ لَهُ، والمَعْنى كَيْفَ يَصِحُّ كَوْنُهُ إفْكًا قَدِيمًا وقَدْ سَلَّمُوا كِتابَ مُوسى والقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لَهُ مُتَّحِدٌ مَعَهُ في المَعْنى أوْ لِجَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِسانًا عَرَبِيًّا ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( كِتابُ ) المُسْتَتِرِ في ( مُصَدِّقٌ ) أوْ مِنهُ نَفْسِهِ لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ، وعامِلُهُ عَلى الأوَّلِ ( مُصَدِّقٌ ) وعَلى الثّانِي ما في هَذا مِن مَعْنى الفِعْلِ، وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ مَعَ أنَّ عَرَبِيَّتَهُ أمْرٌ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ الإشْعارُ بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا كَما دَلَّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ دَلَّ عَلى أنَّهُ وحْيٌ وتَوْقِيفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مَعَ كُفّارِ مَكَّةَ فَلِأنَّهم قَدْ يُسَلِّمُونَ التَّوْراةَ ونَحْوَها مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ السّابِقَةِ وإنْ كانُوا أحْيانًا يُنْكِرُونَ إنْزالَ الكُتُبِ وإرْسالَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُطْلَقًا.

وفي الكَشْفِ وجْهُ تَقْدِيمِ الخَبَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ كائِنٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَمِن قَبْلِ إنْزالِ القُرْآنِ إمامًا ورَحْمَةً كانَ إنْزالُ التَّوْراةِ كَذَلِكَ، ولَيْسَ مِن تَقْدِيمِ الِاخْتِصاصِ بَلْ لِأنَّ العِنايَةَ والِاهْتِمامَ بِذِكْرِهِ، ولَمّا ألْزَمَ الكَفّارَ بِنُزُولِ مِثْلِهِ وشَهادَةِ أعْلَمِ بَنِي إسْرائِيلَ ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ مِن حالِ كِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما يُؤَكِّدُ كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ ما يُطابِقُهُ يَكُونُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ لا مَحالَةَ وتُوِصِّلَ مِنهُ إلى أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ مُصَدِّقَهُ بَلْ مُصَدِّقَ سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وجَبَ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُتَلَقّى بِالقَبُولِ وهو بِالحَقِيقَةِ إعادَةٌ لِلدَّعْوى الأُولى عَلى وجْهٍ أخْصَرَ وأشْمَلَ إذْ دَلَّ فِيهِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا كافٍ شَهِدَ شاهِدُ بَنِي إسْرائِيلَ أوْ لا، وإنْ قِيلَ: نَزَلُوا لِعِنادِهِمْ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْرِفُ أنَّ كِتابَ مُوسى قَبْلَهُ إذْ لَوْ عَرَفُوا وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّهُ مِثْلُهُ لَأذْعَنُوا فَقِيلَ: ( ومِن قَبْلِهِ ) لا مِن بَعْدِهِ لَكانَ وجْهًا مُوَفًّى فِيهِ حَقُّ الِاخْتِصاصِ كَما آثَرَهُ السَّكّاكِيُّ مِن أنَّهُ لازِمُ التَّقْدِيمِ انْتَهى.

وهو ظاهِرٌ في أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ حالِيَّةً.

وجُوِّزَ كَوْنُ ( لِسانًا ) مَفْعُولًا لِمُصَدِّقٌ.

والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ وهو النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَصْدِيقُهُ إيّاهُ بِمُوافَقَتِهِ كِتابَ مُوسى أوِ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ مُطْلَقًا وإعْجازُهُ، وجُوِّزَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ كَوْنُ ( هَذا ) إشارَةً إلى كِتابِ مُوسى فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ويُرادُ بِلَسانًا عَرَبِيًّا: القُرْآنُ، ووُضِعَتِ الإشارَةُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْظِيمِ، والأصْلُ وهو مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ مُصَدِّقٌ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ والكُلُّ كَما تَرى.

وقَرَأ الكَلْبِيُّ (ومَن قَبْلَهُ) بِفَتْحِ المِيمِ (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، وخَرَجَتْ عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ مَعْمُولَةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وكَذا ( كِتابُ ) أيْ وآتَيْنا الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كِتابَ مُوسى.

﴿ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُصَدِّقٌ.

وفِيهِ ضَمِيرٌ لِلْكِتابِ أوْ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُؤَيِّدُ الأخِيرَ قِراءَةُأبِي رَجاءٍ وشَيْبَةَ والأعْرَجِ وأبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ ونافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ (لِتُنْذِرَ) بِتاءِ الخِطابِ فَإنَّهُ لا يَصْلُحُ بِدُونِ تَكَلُّفٍ لِغَيْرِ الرَّسُولِ، والتَّعْلِيلُ صَحِيحٌ عَلى الكُلِّ، ولا يُتَوَهَّمُ لُزُومُ حَذْفِ اللّامِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْكِتابِ لِوُجُودِ شَرْطِ النَّصْبِ لِأنَّهُ شَرْطُ الجَوازِ ﴿ وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى المَصْدَرِ الحاصِلِ مِن أنْ والفِعْلِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: هو في مَحَلِّ النَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ( لِيُنْذِرَ ) لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّ المَحَلَّ لَيْسَ بِحَقِّ الأصالَةِ وهم يَشْتَرِطُونَ في الحَمْلِ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذِ الأصْلُ في المَفْعُولِ لَهُ الجَرُّ، والنَّصْبُ ناشِئٌ مِن نَزْعِ الخافِضِ لَكِنَّهُ كَثُرَ بِشَرْطِهِ، وحَكى في إعْرابِهِ أوْجُهًا فَقالَ: قِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُصَدِّقٌ ) وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو بُشْرى، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى (يُنْذِرَ) أيْ ويُبَشِّرَ بُشْرى، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ ولِبُشْرى، والظّاهِرُ أنَّ المُحْسِنِينَ في مُقابَلَةِ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) والمُرادُ بِالأوَّلِ الكَفَرَةُ وبِالثّانِي المُؤْمِنُونَ.

وفي شَرْحِ الطَّيِّبِيِّ إنَّما عَدَلَ عَنِ العادِلِينَ إلى المُحْسِنِينَ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى البِشارَةِ بِنَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ لِمَن قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا، وقِيلَ: المُحْسِنِينَ دُونَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ لِيَكُونَ المَعْنى لِيُنْذَرَ الَّذِينَ وجَدَ مِنهُمُ الظُّلْمَ ويُبَشِّرَ الَّذِينَ ثَبَتُوا واسْتَقامُوا عَلى الصِّراطِ السَّوِيِّ فَيُناسِبَ تَعْلِيلَ البِشارَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: قال رؤساء المشركين لضعفاء المسلمين لَوْ كانَ خَيْراً يعني: لو كان هذا الدين حقاً مَّا سَبَقُونا إِلَيْهِ وقال قتادة: قال أناس من المشركين: نحن أعز، ونحن أغنى، ونحن أكرم، فلو كان خيراً، ما سبقنا إليه فلان وفلان.

قال الله تعالى: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [البقرة: 105 وآل عمران: 74] يعني: يختار لدينه، من كان أهلاً لذلك وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ يعني: لم يؤمنوا بهذا.

أي: القرآن كما اهتدى به أصحاب النبيّ  فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ يعني: القرآن كذب قديم، أي: تقادم من محمد  .

قوله تعالى وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى يعني: قد أنزل قبل هذا القرآن، الكتاب على موسى، يعني: التوراة إِماماً يقتدى به وَرَحْمَةً من العذاب، لمن آمن به وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ يعني: وأنزل إليك هذا الكتاب، مصدق للكتب التي قبله لِساناً عَرَبِيًّا بلغتكم، لتفهموا ما فيه لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: مشركي مكة.

قرأ نافع، وابن عامر لتنذر، بالتاء على معنى المخاطبة يعني: لتنذر أنت يا محمد.

والباقون بالياء، على معنى الخبر عنه، يعني: ليخوف محمد  بالقرآن وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ يعني: بشارة بالجنة للموحدين إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وقد ذكرناه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فاللَّه حَسْبِي في ذلك، وهو كان يعاقبني ولا يُمْهِلُنِي، ثم رجَعَ القَوْلُ إلى الاستسلامِ إلى اللَّه، والاستنصارِ به عليهم، وانتظارِ ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ بما يُفِيضُونَ فيه مِنَ البَاطِلِ ومُرَادَّة الحَقِّ، وذلك يقتضي مُعَاقَبَتَهُمْ ففي اللفظ تهديد، والضمير في بِهِ عائدٌ على اللَّه عزَّ وجَلَّ.

وقوله سبحانه: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ تَرجيةٌ واستدعاءٌ إلى التوبة، ثم أمره عزَّ وجلَّ أنْ يحتجَّ عليهم بأَنَّه لم يكن بِدْعاً من الرسل، والبِدْعُ والبَدِيعُ من الأشياءِ ما لم يُرَ مِثْلُهُ، المعنى: قد جاء قَبْلِي غيري قاله ابن عَبَّاس وغيره «١» .

ت: ولفظ البخاريِّ: وقال ابن عباس: بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ أي: لَسْتُ بأوَّلِ الرُّسُلِ «٢» ، واختلف الناسُ في قوله: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ فقال ابن عباس وجماعةٌ: كان هذا في صَدْرِ الإسْلاَمِ، ثم بعد ذلك عَرَّفَهُ/ اللَّه عزَّ وجلَّ بأَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، وبأَنَّ المؤمنين لهم من اللَّه فضلٌ كبيرٌ، وهو الجَنَّةُ، وبأَنَّ الكافرين في نار جَهَنَّمَ «٣» والحديثُ الصَّحِيحُ الذي وقع في جنازة عُثْمانَ بنِ مَظْعُونٍ يُؤَيِّدُ هذا «٤» ، وقالت فرقة: معنى الآية: وما أدري ما يُفْعَلُ بي ولا بكم من الأوامر والنواهي، وقيل غير هذا.

وقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ معناه: الاِستسلامُ والتَّبَرِّي من عِلْمِ المُغَيَّبَاتِ، والوقوفُ مع النذارةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ.

وقوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ...

الآية، جوابُ هذا التوقيفِ محذوفٌ، تقديره: أَلَيْسَ قد ظلمتم؟!

ودَلَّ على هذا المُقَدَّرِ قولُهُ تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قال مجاهد وغيره: هذه الآية مدنية «١» ، والشاهد عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وقد قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ: فيَّ نَزَلَتْ، وقال مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ والجمهورُ: الشاهد موسَى بْنُ عِمْرَانَ ع، والآية مكية «٢» ، ورَجَّحَه الطَّبْرِيُّ «٣» .

وقوله: عَلى مِثْلِهِ يريد بالمثل التوراةَ، والضمير عائد في هذا التأويل على القرآن، أي: جاء شاهد من بني إسرائيل بمثله أَنَّه من عند اللَّه سبحانه.

وقوله: فَآمَنَ، على هذا التأويل، يعني به تصديقَ موسى وتبشيره بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله سبحانه: وَمِنْ قَبْلِهِ أي: مِنْ قَبْلِ القرآنِ كِتابُ مُوسى يعني: التوراة وَهذا كِتابٌ يعني القرآن مُصَدِّقٌ للتوراة التي تَضَمَّنَتْ خبره، وفي مصحف ابن مسعود «٤» : «مُصَدِّقٌ لِّمَا بَيْنَ يديه» والَّذِينَ ظَلَمُوا هم: الكفار، وعَبَّرَ عن المؤمنين بالمحسنين ليناسِبَ لفظ «الإحسان» في مقابلة «الظلم» .

ثم أخبر تعالى عن حُسْنِ [حال] المستقيمين، وذهب كَثِيرٌ من الناس إلى أَنَّ المعنى:

ثم استقاموا بالطاعات والأعمال الصالحات، وقال أبو بكر الصديق- رضي اللَّه عنه- المعنى: ثم استقاموا بالدَّوَامِ على الإيمان «٥» قال ع «٦» : وهذا أَعَمُّ رجاءً وأَوْسَعُ، وإن كان في الجملة المؤمنة من يُعَذَّبُ وَيَنْفُذُ عليه الوعيد، فهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ، وينتفي عنه الخوفُ والحُزْنُ الحَالُّ بالكَفَرَةِ.

وقوله تعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قد جعل اللَّه سبحانه الأعمالَ أَمَارَاتٍ على ما سَيَصِيرُ إليه العَبْدُ، لا أَنَّهَا توجب على الله شيئا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا.

.

.

﴾ الآيَةُ، في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ قالُوا: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ اليَهُودُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.

والثّانِي: «أنَّ امْرَأةً ضَعِيفَةَ البَصَرِ أسْلَمَتْ، وكانَ الأشْرافُ مِن قُرَيْشٍ يَهْزَؤُونَ بِها ويَقُولُونَ: واللَّهِ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا هَذِهِ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أبُو الزِّنادِ.

والثّالِثُ: أنَّ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ أسَلَمَ واسْتَجابَ بِهِ قَوْمُهُ إلى الإسْلامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو المُتَوَكِّلِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا اهْتَدَتْ مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأسْلَمَتْ، قالَتْ أسَدُ وغَطَفانُ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ رِعاءُ الشّاءِ، يَعْنُونَ مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ما سَبَقْتُمُونا إلَيْهِ، لِأنَّهُ لا عِلْمَ لَكم بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ حَقًّا لَدَخَلْنا فِيهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ وقالَ: [هُوَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ؛ ومَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، قالَ]: هو قَوْلُ المُشْرِكِينَ.

فَقَدْ خَرَجَ في "الَّذِينَ كَفَرُوا" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.

والثّانِي: اليَهُودُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ﴾ أيْ: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ﴿ ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ .

فَمَن قالَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، قالَ: أرادُوا: إنّا أعَزُّ وأفْضَلُ؛ ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، [قالَ]: أرادُوا: لِأنّا أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أيْ: كَذِبٌ مُتَقَدِّمٌ، يَعْنُونَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ.

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ القُرْآنِ التَّوْراةُ.

وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يَهْتَدُوا، لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِالتَّوْارَةِ.

﴿ إمامًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿ وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ ﴾ المَعْنى: مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ ﴿ لِسانًا عَرَبِيًّا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ المَعْنى: مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ عَرَبِيًّا؛ وذُكِرَ "لِسانًا" تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، تُرِيدُ: جاءَنِي زَيْدٌ صالِحًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيُنْذِرَ" بِالياءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتّاءِ.

وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ كالقِراءَتَيْنِ.

و "الَّذِينَ ظَلَمُوا" المُشْرِكِينَ ﴿ وَبُشْرى ﴾ أيْ: وهو بُشْرى ﴿ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ وهُمُ المُوَحِّدُونَ يُبَشِّرُهم بِالجَنَّةِ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [فُصِّلَتْ: ٣٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا" بِألِفٍ.

﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِضَمِّها.

قالَ الفَرّاءُ: والنَّحْوِيُّونَ يَسْتَحِبُّونَ الضَّمَّ هاهُنا، ويَكْرَهُونَ الفَتْحَ، لِلْعِلَّةِ الَّتِي بَيَّنّاها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ  ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: حَمَلَتْهُ عَلى مَشَقَّةٍ ﴿ وَوَضَعَتْهُ ﴾ عَلى مَشَقَّةٍ.

﴿ وَفِصالُهُ ﴾ أيْ: فِطامُهُ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَفَصْلُهُ" بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا" يُرِيدُ بِهِ شِدَّةَ الطَّلْقِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ قُدِّرَتْ لِأقَلِّ الحَمْلِ وأكْثَرِ الرَّضاعِ؛ فَأمّا الأشُدُّ، فَفِيهِ أقْوالٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ واخْتارَ الزَّجّاجُ أنَّهُ بُلُوغُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، لِأنَّهُ وقْتُ كَمالِ الإنْسانِ في بَدَنِهِ وقُوَّتِهِ واسْتِحْكامِ شَأْنِهِ وتَمْيِيزِهِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أشُدُّ الرَّجُلِ غَيْرُ أشُدِّ اليَتِيمِ، لِأنَّ أشُدَّ الرَّجُلِ: الِاكْتِهالُ والحُنْكَةُ وأنْ يَشْتَدَّ رَأْيُهُ وعَقْلُهُ، وذَلِكَ ثَلاثُونَ سَنَةً، ويُقالُ: ثَمانٍ وثَلاثُونَ سَنَةً، وأشُدُّ الغُلامِ: أنْ يَشْتَدَّ خَلْقُهُ ويَتَناهى نَباتُهُ.

وقَدْ ذَكَرْنا بَيانَ الأشُدِّ في [الأنْعامِ: ١٥٣] وفي [يُوسُفَ: ٢٢] وهَذا تَحْقِيقُهُ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّها] نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ «أنَّهُ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ  وهو ابْنُ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً ورَسُولُ اللَّهِ  ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وهم يُرِيدُونَ الشّامَ في تِجارَةٍ، فَنَزَلُوا مَنزِلًا فِيهِ سِدْرَةٌ، فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ  في ظِلِّها، ومَضى أبُو بَكْرٍ إلى راهِبٍ هُناكَ يَسْألُهُ عَنِ الدِّينِ، فَقالَ [لَهُ]: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي في ظِلِّ السِّدْرَةِ؟

فَقالَ: ذاكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالَ: هَذا واللَّهِ نَبِيٌّ، وما اسْتَظَلَّ تَحْتَها أحَدٌ بَعْدَ عِيسى إلّا مُحَمَّدٌ نَبِيُّ اللَّهِ، فَوَقَعَ في قَلْبِ أبِي بَكْرٍ اليَقِينُ والتَّصْدِيقُ، فَكانَ لا يُفارِقُ رَسُولَ اللَّهِ  في أسْفارِهِ وحَضَرِهِ، فَلَمّا نُبِّئَ رَسُولُ اللَّهِ  -وَهُوَ ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً وأبُو بَكْرٍ ابْنُ ثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً- صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَلَمّا بَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ: رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ؛ قالُوا: فَلَمّا بَلَغَ أبُو بَكْرٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، دَعا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَأجابَهُ اللَّهُ، فَأسْلَمَ والِداهُ وأوْلادُهُ ذُكُورُهم وإناثُهُمْ، ولَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وقَدْ شَرَحْنا قِصَّتَهُ في سُورَةِ [العَنْكَبُوتِ: ٨]، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ عَلى العُمُومِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقَدْ شَرَحْنا في سُورَةِ [النَّمْلِ: ١٩] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أوْزِعْنِي ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أجابَهُ اللَّهُ -يَعْنِي أبا بَكْرٍ- فَأعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُعَذَّبُونَ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ إلّا أعانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، واسْتَجابَ لَهُ في ذُرِّيَّتِهِ فَآمَنُوا، ﴿ إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ أيْ: رَجَعْتُ إلى كُلِّ ما تُحِبُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يُتَقَبَّلُ" "وَيُتَجاوَزُ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ فِيهِما.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ: "نَتَقَبَّلُ" "وَنَتَجاوَزُ" بِالنُّونِ فِيهِما.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "يَتَقَبَّلُ" "وَيَتَجاوَزُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ فِيهِما، يَعْنِي أهْلَ هَذا القَوْلِ.

والأحْسَنُ بِمَعْنى الحَسَنِ.

﴿ فِي أصْحابِ الجَنَّةِ ﴾ أيْ: في جُمْلَةِ مَن يُتَجاوَزُ عَنْهُمْ، وهم أصْحابُ الجَنَّةِ.

وقِيلَ: "فِي" بِمَعْنى "مَعَ" .

﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ بِمَعْنى الوَعْدِ، لِأنَّهُ وعَدَهُمُ القَبُولَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ ﴾ ، يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابُ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَمِن قَبْلِهِ" ﴾ لِلْقُرْآنِ، و ﴿ "كِتابُ مُوسى" ﴾ هو التَوْراةُ.

وقَرَأ الكَلْبِيُّ: "كِتابَ مُوسى" بِنَصْبِ الباءِ عَلى إضْمارِ: أنْزَلَ اللهُ، أو نَحْوَ ذَلِكَ.

و"الإمامُ": خَيْطُ البِناءِ، وكُلُّ ما يُهْتَدى ويُقْتَدى بِهِ فَهو إمامٌ، ونُصِبَ "إمامًا" عَلى الحالِ، و"رَحْمَةً" عُطِفَ عَلى "إمامًا"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهَذا كِتابٌ ﴾ إلى القُرْآنِ، و"مُصَدِّقٌ" مَعْناهُ: لِلتَّوْراةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وأمْرَ مُحَمَّدٍ  ، فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِذَلِكَ الإخْبارِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ لِسانًا".

واخْتَلَفَ الناسُ في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿ "لِسانًا" ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لِسانًا" تَوْطِئَةً مُؤَكَّدَةً، و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةُ: "لِسانًا" مَفْعُولُ بِـ "مُصَدِّقٌ"، والمُرادُ -عَلى هَذا القَوْلِ- بِاللِسانِ مُحَمَّدٌ  ولِسانُهُ، فَكانَ القُرْآنُ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ يُصَدِّقُ الَّذِي جاءَ بِهِ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحُ المَعْنى جَيِّدٌ، وغَيْرُهُ مِمّا قَدَّمْناهُ مُتَّجِهٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والناسُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ: ﴿ "لِيُنْذِرَ" ﴾ أيِ: القُرْآنُ، و ﴿ "الَّذِينَ ظَلَمُوا" ﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ جَعَلُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها في جِهَةِ الأوثانِ والأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبُشْرى" ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مُصَدِّقٌ"، ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، واقِعَةً مَوْقِعَ فَعَلَ عَطْفًا عَلى ﴿ "لِيُنْذِرَ"، ﴾ أيْ: وتُبَشِّرُ المُحْسِنِينَ.

ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِـ "الَّذِينَ ظَلَمُوا"، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِـ "المُحْسِنِينَ" لِتَناسُبِ لَفْظِ الإحْسانِ في مُقابَلَةِ الظُلْمِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حُسْنِ حالَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَقِيمِينَ، ورَفَعَ عنهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ والأعْمالِ الصالِحاتِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَعْنى: بِالدَوامِ عَلى الإيمانِ وتَرْكِ الِانْحِرافِ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ أعَمُّ رَجاءً وأوسَعُ، وإنْ كانَ في الجُمْلَةِ المُؤْمِنَةِ مَن يُعَذَّبُ ويُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ، فَهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ ويَنْتَفِي عنهُ الخَوْفُ والحُزْنُ الحالُّ بِالكَفَرَةِ.

وَ"الخَوْفُ" هو الهَمُّ لِما يُسْتَقْبَلُ، و"الحُزْنُ" هو الهَمُّ بِما مَضى، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما يُسْتَقْبَلُ اسْتِعارَةً، لِأنَّهُ حَزِنَ لِخَوْفِ أمْرٍ ما، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فَلا خَوْفَ" دُونَ تَنْوِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، "ما" واقِعَةٌ عَلى الجُزْءِ الَّذِي هو اكْتِسابُ العَبْدِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى الأعْمالَ أماراتٍ عَلى صَبُورِ العَبْدِ، لا أنَّها تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى شَيْئًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ ﴾ ، يُرِيدُ: النَوْعَ، أيْ: هَكَذا مَضَتْ شَرائِعِي وكُتُبِي لِأنْبِيائِي، فَهي وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى في عِبادِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "حُسْنًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ، ونَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: وصَّيْناهُ لِيَفْعَلَ أمْرًا ذا حُسْنٍ، فَكَأنَّ الفِعْلَ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَفْعُولًا ثانِيًا، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى: "حَسَنًا" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، وهَذا كالأوَّلِ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُما مَصْدَرَيْنِ كالبَخْلِ والبُخْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الثانِيَ اسْمًا لا مَصْدَرًا، أيْ: ألْزَمْناهُ بِهِما فِعْلًا حَسَنًا، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا"، ونَصِبَ هَذا عَلى المَصْدَرِ الصَرِيحِ، والمَفْعُولِ الثانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "وَصَّيْنا" أو بِقَوْلِهِ تَعالى: "إحْسانًا".

وبِرُّ الوالِدَيْنِ واجِبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، وعُقُوقُهُما كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبائِرِ، وقالَ النَبِيُّ  : « "كُلُّ شَيْءٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى حِجابٌ إلّا شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ ودَعْوَةُ الوالِدَيْنِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَنْ يَدْعُوا إلّا إذا ظَلَمَهُما الوَلَدُ، فَهَذا الحَدِيثُ في عُمُومِ قَوْلِهِ  : « "اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وبَيْنَ اللهِ حِجابٌ"».

ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الأبْناءِ مِنَنَ الأُمَّهاتِ، وذَكَرَ الأُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ في أرْبَعِ مَراتِبَ، والأبَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وجَمَعَهُما الذِكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِوالِدَيْهِ"، ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَمْلَ لِلْأُمِّ، ثُمَّ الوَضْعَ لَها ثُمَّ الرَضاعَ الَّذِي عَبَّرَ عنهُ بِالفِصالِ، فَهَذا يُناسِبُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ  حِينَ جَعَلَ لِلْأُمِّ ثَلاثَةَ أرْباعِ البِرِّ، والرُبْعَ لِلْأبِ، وذَلِكَ إذْ «قالَ لَهُ رَجُلٌ: "يا رَسُولَ اللهِ، مَن أبَرُّ؟

قالَ: أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟

قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟

قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟

قالَ: أباكَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كُرْهًا" ﴾ مَعْناهُ: في باقِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ حِينَ تَتَوَقَّعُ حَوادِثُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: في وقْتِ الحَمْلِ، إذْ لا نَذِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ، قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى: حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "كُرْهًا" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ:: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ بِهِما مَعًا مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما بِمَعْنًى، الضَمُّ: الِاسْمُ، والفَتْحُ: المَصْدَرُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ- المَشَقَّةُ، والكُرْهُ -بِفَتْحِ الكافِ- هو الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا -عَلى هَذا- قِراءَةَ الفَتْحِ.

قالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ "كُرْهًا" لَرَمَتْ بِهِ عن نَفْسِها، إذِ الكُرْهُ القَهْرُ والغَلَبَةُ، والقَوْلُ الَّذِي قَدَّمْناهُ أصْوَبُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفِصالُهُ" وذَلِكَ أنَّها مُفاعَلَةٌ مِنَ الِاثْنَيْنِ، كَأنَّهُ فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَفَصْلُهُ" كَأنَّ الأُمَّ هي الَّتِي فَصَلَتْهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ والرَضاعِ هَذِهِ المُدَّةَ، لِأنَّ فِي القَوْلِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدَ الطَرَفَيْنِ ناقِصًا، وذَلِكَ إمّا أنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ العامِ، فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَضاعِ، وبِالعَكْسِ، فَيَتَرَتَّبُ مِن هَذا أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وأقَلُّ ما تُرْضِعُ الأُمُّ الطِفْلَ عامًا وتِسْعَةَ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ هو لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَضاعَ، وهَذا في أمْرِ الحَمْلِ هو مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "الأشُدِّ": فَقالَ الشَعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: البُلُوغُ إذا كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَيِّئاتُ ولَهُ الحَسَناتُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، وقِيلَ: عِشْرُونَ عامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ النُظّارِ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ وغَيْرُهُ: أرْبَعُونَ عامًا، وأقْوى الأقْوالِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، ومَن قالَ بِالأرْبَعِينَ قالَ في الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى أكَّدَ وفَسَّرَ الأشُدَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الأرْبَعِينَ لِأنَّها حَدٌّ لِلْإنْسانِ في صَلاحِهِ ونَجابَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ الشَيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ فَيَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ"،» وقالَ أيْمَنُ بْنُ خَرِيمِ الأسَدِيُّ: إذا المَرْءُ وفّى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لَهُ دُونَ ما يَأْتِي حَياءٌ ولا سِتْرٌ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي ارْتَأى ∗∗∗ ∗∗∗ وإنَّ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَتّى إذا اسْتَوى أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً".

وقَوْلُهُ: ﴿ "أوزِعْنِي" ﴾ مَعْناهُ: ادْفَعْنِي عَنِ المَوانِعِ وازْجُرْنِي عَنِ القَواطِعِ لِأجْلِ أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أوزِعْنِي" بِمَعْنى: اجْعَلْ حَظِّي ونَصِيبِي، وهَذا مِنَ التَوْزِيعِ والقَوْمِ الأوزاعِ، ومِن قَوْلِكَ: تَوَزَّعُوا المالَ، فَـ "أنَّ" -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ صَرِيحٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نِعْمَتُكَ في التَوْحِيدِ.

و ﴿ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ : الصَلَواتُ، و"الإصْلاحُ في الذُرِّيَّةِ" كَوْنُهم أهْلَ طاعَةٍ وخَيْرِيَّةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعْناها أنَّ هَكَذا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَفْعَلَ، وهَذِهِ وصِيَّةُ اللهِ تَعالى لِلْإنْسانِ في كُلِّ الشَرائِعِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ مِن بَعْدِهِ، وكانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَدْ أسْلَمَ أبَواهُ، فَإنَّما يَتَّجِهُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَطْمَعُ بِإيمانِ أبَوَيْهِ ويَرى مَخايِلَ ذَلِكَ فِيهِما، فَكانَتْ هَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِما، أنْ لَيْسا مِمَّنْ عَسى في الكُفْرِ ولَجَ وحُتِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ إيمانُهُما بَعْدُ، والقَوْلُ بِأنَّها عامَّةٌ في نَوْعِ الإنْسانِ لَمْ يَقْصِدْ بِها أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرَهُ أصَحُّ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مِنَ المُسْلِمِينَ".

﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أتبع إبطال ترّهاتهِمْ الطاعنة في القرآن بهذا الكلام المفيد زيادة الإبطال لمزاعمهم بالتذكير بنظير القرآن ومثيل له من كتب الله تعالى هو مشهور عندهم وهو «التوراة» مع التنويه بالقرآن ومزيته والنعي عليهم إذ حرموا أنفسهم الانتفاع بها، فعطفت هذه الآية على التي قبلها لارتباطها بها في إبطال مزاعمهم وفي أنها ناظرة إلى قوله: ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ [الأحقاف: 10] كما تقدم.

ففي قوله: ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ إبطال لإحالتهم أن يُوحي الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم بأن الوحي سُنّة إلهاية سابقة معلومة أشهره «كتاب موسى»، أي «التوراة» وهم قد بلغتهم نبوءته من اليهود.

وضمير ﴿ من قبله ﴾ عائد إلى القرآن.

وتقديم ﴿ من قبله ﴾ للاهتمام بهذا الخبر لأنه محل القصد من الجملة.

وعبر عن «التّوراة» ب ﴿ كتاب موسى ﴾ بطريق الإضافة دون الاسم العلم وهو «التوراة» لما تؤذن به الإضافة إلى اسم موسى من التذكير بأنه كتاب أنزل على بشر كما أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم تلميحاً إلى مثار نتيجة قياس القرآن على «كتاب موسى» بالمشابهة في جميع الأحوال.

و ﴿ إماماً ورحمة ﴾ حالان من ﴿ كتاب موسى ﴾ ، ويجوز كونهما حالين من ﴿ موسى ﴾ والمعنيان متلازمان.

والإمام: حقيقته الشيء الذي يجعله العامل مقياساً لعمل شيء آخر ويطلق إطلاقاً شائعاً على القدوة قال تعالى: ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً ﴾ [الفرقان: 74].

وأصل هذا الإطلاق استعارة صارت بمنزلة الحقيقة، واستعير الإمام لكتاب موسى لأنه يرشد إلى ما يجب عمله فهو كمن يرشد ويعظ، وموسى إمام أيضاً بمعنى القدوة.

والرحمة: اسم مصدر لِصفة الراحم وهي من صفات الإنسان فهي، رقة في النفس تبعث على سَوق الخير لمن تتعدى إليه.

ووصف الكتاب بها استعارة لكونه سبباً في نفع المتبعين لما تضمنه من أسباب الخير في الدنيا والآخرة.

ووصف الكتاب بالمصدر مبالغة في الاستعارة، وموسى أيضاً رحمة لرسالته كما وصف محمد صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107].

وقوله: ﴿ وهذا كتاب مصدق ﴾ الخ هو المقيس على ﴿ كتاب موسى ﴾ .

والإشارة إلى القرآن لأنه حَاضر بالذِكر فهو كالحاضر بالذات.

والمصدِّق: المخبر بصدق غيره.

وحذف مفعول المصدِّق ليشمل جميع الكتب السماوية، قال تعالى: ﴿ مصدقا لما بين يديه ﴾ ، أي مخبر بأحقيّة كل المقاصد التي جاءت بها الكتب السماوية السالفة.

وهذا ثناء عظيم على القرآن بأنه احتوى على كل ما في الكتب السماوية وجاء مغنياً عنها ومبيناً لما فيها.

والتصديق يشعر بأنه حاكم على ما اختُلف فيه منها.

وما حُرّف فهمه بها قال تعالى: ﴿ مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ﴾ [المائدة: 48].

وزاده ثناء بكونه ﴿ لساناً عربياً ﴾ ، أي لغة عربيّة فإنها أفصح اللغات وأنفذها في نفوس السامعين وأحب اللغات للناس، فإنها أشرف وأبلغ وأفصح من اللغة التي جاء بها كتاب موسى، ومن اللغة التي تكلّم بها عيسى ودوّنها أتباعُه أصحاب الأناجيل.

وأدمج لفظ ﴿ لسانا ﴾ للدلالة على أن المراد بعربيته عربية ألفاظه لا عربيّة أخلاقه وتعاليمه لأن أخلاق العرب يومئذٍ مختلطة من محاسن ومساو فلما جاء الإسلام نفَى عنها المساوي، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «إنما بعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق» وغلب إطلاق اللسان على اللغة لأن أشرف ما يستعمل فيه اللسان هو الكلام قال تعالى: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ [إبراهيم: 4]، وقال: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك ﴾ [مريم: 97].

وقوله: ﴿ لتنذر الذين ظلموا ﴾ يجوز أن يتعلق ب ﴿ مصدقا لما بين يديه ﴾ لأن ما سبقه مشتمل على الإنذار والبشارة والأحسن أن يتعلق بما في ﴿ كتاب ﴾ من معنى الإرشاد المشتمل على الإنذار والبشارة.

وهذا أحسن ليكون ﴿ لتنذر ﴾ علة للكتاب باعتبار صفته وحاله.

والذين ظلموا هم المشركون ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13] ويلحق بهم الذين ظلموا أنفسهم من المؤمنين ولذلك قوبل بالمحسنين وهم المؤمنون الأتقياء لأن المراد ظلم النفس ويقابله الإحسان.

والنّذارة مراتب والبشارة مثلها.

و ﴿ بشرى ﴾ عطف على ﴿ مصدق ﴾ ، والتقدير: وهو بشرى للمحسنين، أي الكتاب، وهذا النظم يجعل الجملة بمنزلة الاحتراس والتتميم.

وقرأ نافع وابن عامر والبزّي عن ابن كثير ويعقوبُ ﴿ لتنذر ﴾ بالمثناة الفوقية خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم فيحصل وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه منذر ووصفُ كتابه بأنه ﴿ بشرى ﴾ وفيه احتباك.

وقرأه الجمهور بالمثناة التحتية على أنه خبر عن الكتاب فإسناد الإنذار إلى الكتاب مجاز عقلي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْ كانَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، قالَهُ يَحْيى.

الثّانِي: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ  نَبِيًّا مِن عَنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

﴿ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ شَهِدَ عَلى اليَهُودِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ آمِينُ بْنُ يامِينَ، قالَ لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: أنا شاهِدٌ مِثْلَ شَهادَتِهِ ومُؤْمِنٌ كَإيمانِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّ مُوسى مِثْلُ مُحَمَّدٍ  يَشْهَدُ بِنُبُوَّتِهِ، والتَّوْراةُ مِثْلُ القُرْآنِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.

وَلَمْ يَكُنْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ والآيَةُ مَكِّيَّةٌ.

الرّابِعُ: هو مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُ مُوسى الَّذِي هو مِثْلُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما شَهِدَ عَلى التَّوْراةِ الَّتِي هي مِثْلُ القُرْآنِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ  ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَآمَنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ بِرَسُولِ اللَّهِ  وبِالقُرْآنِ واسْتَكْبَرَ الباقُونَ عَنِ الإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فَآمَنَ مَن آمَنَ بِمُوسى وبِالتَّوْراةِ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ  والقُرْآنِ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.

وَحَكى النَّقّاشُ أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ هو وكَفَرْتُمْ.

وَقالَ ابْنُ عِيسى: الكَلامُ عَلى سِياقِهِ ولَكِنْ حُذِفَ مِنهُ جَوابٌ ﴿ (إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ) ﴾ وفي المَحْذُوفِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَقْدِيرُهُ: وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَآمَنَ، أتُؤْمِنُونَ؟

قالَهُ الزَّجّاجُ.

الثّانِي: تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ أفَما تُهْلَكُونَ، قالَهُ مَذْكُورٌ.

الثّالِثُ: تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ مِن جَوابِهِ: فَمَن أضَلُّ مِنكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ دَعاهُ النَّبِيُّ  إلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ فَأجابَ واسْتَجابَ بِهِ قَوْمُهُ فَأتاهُ زَعِيمُهم فَأسْلَمَ، ثُمَّ دَعاهُمُ الزَّعِيمُ فَأسْلَمُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَقالُوا: غِفارُ الخُلَفاءِ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ.

فَنَزَلَتْ، قالَهُ أبُو المُتَوَكِّلِ.

الثّانِي: أنَّ زُنَيْرَةَ أسْلَمَتْ فَأُصِيبَ بَصَرُها، فَقالُوا لَها: أصابَكِ اللّاتِ والعُزّى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْها بَصَرَها، فَقالَ عُظَماءُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرٌ ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زَنِيرَةُ فَنَزَلَتْ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.

الثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هم عامِرٌ وغَطَفانُ وأسَدٌ وحَنْظَلَةُ قالُوا لِمَن أسْلَمَ مِن غِفارٍ وأسْلَمَ وغَطَفانَ وجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وأشْجَعَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ رُعاةُ البُهْمِ.

فَنَزَلَتْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّ الكُفّارَ قالُوا: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ اليَهُودُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.

وَهَذِهِ المُعارَضَةُ مِنَ الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ مِن أقْبَحِ المُعارَضاتِ لِانْقِلابِها عَلَيْهِمْ لِكُلِّ مَن خالَفَهم حَتّى يُقالَ لَهُمْ: لَوْ كانَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا ما عُدْنا عَنْهُ، ولَوْ كانَ تَكْذِيبُكم لِلرَّسُولِ خَيْرًا ما سَبَقْتُمُونا إلَيْهِ.

﴿ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ يَعْنِي إلى الإيمانِ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِمُحَمَّدٍ  ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: بِالقُرْآنِ.

﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَسَيَقُولُونَ هَذا القُرْآنُ كَذِبٌ قَدِيمٌ، تَشْبِيهًا بِدِينِ مُوسى القَدِيمِ، تَكْذِيبًا بِهِما جَمِيعًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى أنَّ اللَّهَ رَبُّهم، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّانِي: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: عَلى أداءِ فَرائِضِ اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: عَلى أنْ أخْلِصُوا لَهُ الدِّينَ والعَمَلَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الخامِسُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْهُ إلى مَوْتِهِمْ، رَواهُ أنَسٌ مَرْفُوعًا.

﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ.

﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ يَعْنِي عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: قال ناس من المشركين: نحن أعز ونحن ونحن فلو كان خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمة أسلمت قبله يقال لها زنيرة، فكان عمر رضي الله عنه يضربها على اسلامها.

وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله في شأنها ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ﴾ الآية.

وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بنو غفار وأسلم كانوا الكثير من الناس فتنة يقولون لو كان خيراً ما جعلهم الله أول الناس فيه يقولون لو كان خيراً ما جعلهم الله أول الناس فيه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى ﴾ والمعنى: وهذا كتاب مصدق له أي لكتاب موسى، فحذف للعلم به، و ﴿ لِسَانًا عَرَبِيًّا ﴾ منصوب على الحال، المعنى: مصدق لما بين يديه عربيًّا، وذكر (لسانًا) توكيد كما تقول: جاءني زيد رجلاً صالحًا، فتذكر رجلاً توكيدًا، قال وفيه وجه آخر وهو: وهذا كتاب مصدق النبي -  - فيكون التقدير مصدق ذا لسان عربي (١) (٢) قوله: ﴿ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ قال ابن عباس: أشركوا (٣) (٤) وفي قوله (لينذر) قراءتان (٥) ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا  ﴾ و ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ والياء لتقدم ذكر الكتاب، فأسند الإنذار إلى الكتاب كما أسند إلى الرسول -  - في قوله: ﴿ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾ ، ﴿ قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَبُشْرَى ﴾ ، قال إسحاق: الأجود أن يكون (وبشرى) في موضع رفع، المعنى: وهو بشرى للمحسنين.

قال: ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: لتنذر الذين ظلموا وتبشر المحسنين بشرى (٦) (٧) قوله تعالى: ﴿ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ قال عطاء والكلبي (٨) (٩) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 441.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 693.

(٣) انظر: "تنوير المقباس" ص 503.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19.

(٥) قرأ ابن نافع وابن عامر والبزي بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.

انظر: "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 271، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 662.

(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 441.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 52، والكشف والبيان للثعلبي 10/ 110 أ.

(٨) انظر: "تنوير المقباس" ص 503.

(٩) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ الضمير في قبله للقرآن وكتاب موسى هو التوراة، وإماماً حال، ومعناه: يقتدي به ﴿ وهذا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ الإشارة بهذا إلى القرآن، ومعنى مصدق مصدق بما قبله من الكتب، وقد ذكرنا ذلك في [البقرة: 89] ولسان حال من الضمير في مصدق، وقيل: مفعول بمصدق أي صدق ذا لسان عربي وهو محمد صلى الله عليه وسلم، واختار هذا ابن عطية ﴿ استقاموا ﴾ ذكر في حم [السجدة: 30].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب.

الباقون: على الغيبة.

والضمير للكتاب ﴿ إحساناً ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم.

الباقون: ﴿ حسناً ﴾ ﴿ كرهاً ﴾ في الموضعين بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وجبلة وهشام.

الباقون: بالضم وفصله يعقوب.

الآخرون ﴿ وفصاله ﴾ ﴿ أوزعني أن ﴾ بالفتح: إبن كثير غير القوّاس والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني ﴿ نتقبل ﴾ بالنون ﴿ أحسن ﴾ بالنصب ﴿ ونتجاوز ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وحفص.

الآخرون بياء الغيبة مبنياً للمفعول في الفعلين ﴿ أحسن ﴾ بالرفع ﴿ أف ﴾ بالكسر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.

وقرأ ابن كثير بالفتح من غير تنوين.

الباقون: بالكسر ولا تنوين ﴿ أتعدانني أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وقرأ هشام مدغمة النون ﴿ وليوفيهم ﴾ بالياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.

الباقون: بالنون ﴿ أءذهبتم ﴾ بتحقيق الهمزتين: ابن ذكوان ﴿ آذهبتم ﴾ بالمدّ: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وهشام.

الباقون: بهمزة واحدة.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ السموات ﴾ ه لانتهاء الاستفهام إلى الخطاب ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لأن "أم" تتضمن استفهام إنكار ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ واستكبرتم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ قديم ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ للمحسنين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مفعولاً له ومفعول فعل محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ط ﴿ ووضعته كرهاً ﴾ ط ﴿ شهراً ﴾ ط ﴿ سنة ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ذرّيتي ﴾ ط للابتداء بإن مع اتحاد الكلام ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لأن التقدير وعد لله وعداً صدقاً وهو مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ نتقبل ﴾ في معنى الوعد ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ج لأن الواو تكون مقحمة ويتصل اللام بما قبله وقد يكون المعلل محذوفاً كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ط لتقدير القول وهو العامل في يوم ﴿ بها ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ تفسقون ﴾ ه.

التفسير: إنما كرر تنزيل الكتاب لأنه بمنزلة عنوان الكتب ثم ذكر ما أنزل فقال ﴿ ما خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجل مسمى ﴾ وقد مر في أوّل "الروم" أنه الوقت الذي عينه لإفناء الدنيا.

وحين بين الدليل على وجود الإله ووقوع الحشر فرع عليه الردّ على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وقد مر في "فاطر".

والمراد أنهم لا يستحقون العبادة أصلاً لأنهم ما خلقوا شيئاً في هذا العالم لا في الأرض ولا في السماء، ولم يدل وحي من الله على عبادتهم لأن هذا القرآن ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك وما من كتاب قبله إلا هو ناطق بمثل ذلك.

فقوله ﴿ ائتوني ﴾ من باب إرخاء العنان وتوسيع المجال على الخصم أي إن كنتم في شك مما قلت فقد أمهلتكم حتى تأتوني بعد الاستقراء ﴿ بكتاب ﴾ فيه شيء من ذلك ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال الواحدي: كلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أوجه: أحدها البقية من قولهم "سمنت الناقة على إثارة من شحم" أي على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب.

والثاني أنه من الأثر بمعن الرواية.

والثالث من الأثر بمعنى العلامة والمراد ما بقي أو روي عن أسلافهم ويعدّونه علماً.

عن ابن عباس مرفوعاً أنه الخط.

قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم علمه.

ثم زاد في تبكيتهم وتوبيخهم بقوله ﴿ ومن أضل ﴾ الآية.

وبالجملة فالدليل الأوّل دل على نفي القدرة عنهم من كل الوجوه، وهذا الدليل دل على نفي العلم عنهم من كل الوجوه، فإذا انتفى العلم والقدرة عن الجسم لم يكن إلا جماداً وعبادة الجماد محض الضلال.

وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ تأبيد على عادة العرب، ويحتمل أن يكون توقيتاً بدليل قوله ﴿ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ﴾ وهذا التبري والتخاطب نوع من الاستجابة.

ثم قرر غاية عنادهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ ثم عجب من حالهم بقوله ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ الآية أي إن كذبت على الله كما زعمتم عاجلني بالعقوبة فلا تقدرون على دفع عذابه عني فأي فائدة لي في الافتراء.

ثم فوّض أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ هو أعلم بما تفيضون ﴾ أي تتدفعون فيه من القدح في الوحي، وتسميته سحراً تارة وافتراء أخرى وفي قوله ﴿ وهو الغفور الرحيم ﴾ إشارة إلى أنهم لو رجعوا إلى الحق وتابوا عن الشرك قبل الله توبتهم، وفيه إشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه.

ثم أراد أن يزيل شبهتهم بنوع آخر من البيان فقال ﴿ قل ما كنت بدعاً ﴾ هو بمعنى البديع كالخف بمعنى الخفيف أي لست بأوّل رسول أرسله الله ولا جئتكم بأمر بديع لم يكن إلى مثله سابق.

وفيه إن اقتراح الآيات الغريبة فيه غير موجه لأنه لا يتبع إلا الوحيوما هو إلا نذير وليس إليه أن يأتي بكل ما يقترح عليه، وفيه أنه غير عالم بالمغيبات إلا بطريق الوحي فلا وجه لاستدعاء الغيوب عنه سواء تتعلق بأحوال الدنيا أو بأحوال الآخرة من الأحكام والتكاليف وما يؤل أمر المكلفين إليه، وفيه أنه لا وجه لتعييره بالفقر وبأكل الطعام والمشي في الأسواق والرسل كلهم أو جلهم كانوا كذلك.

قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أشتدّ البلاء على أصحاب رسول الله  رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى تهاجر؟

فسكت رسول الله  وأنزل الله الآية.

وعنه في رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بأمته، فأنزل الله  ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً  ﴾ إلى قوله ﴿ فوزاً عظيماً  ﴾ فبين الله  ما يفعل به وبأمته ونسخت هذه الآية.

والأصح عند العلماء أنه لا حاجة إلى التزام النسخ، فإن الدراية المفصلة غير حاصلة، وعلى تقدير حصولها فإنه لم ينف إلا الدراية من قبل نفسه، وما نفي الدراية من جهة الوحي.

وقوله ﴿ ولا بكم ﴾ في حيز النفي ولا أدري ما يفعل بكم.

و "ما" موصولة أو استفهامية، ومحل الأولى نصب، والثانية رفع.

ثم قرر أنه لا أظلم منهم فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وقد مر نظيره في آخر "حم السجدة" إلا أنه زاد ههنا حديث الشاهد وفيه أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله  المدينة نظر إلى وجهه وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فآمن به.

وعن سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله  يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزل ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ على مثل القرآن.

والمعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة للقرآن من التوحيد والمعاد.

وعلى هذا فقوله ﴿ على مثله ﴾ يتعلق بشاهد أي ويشهد على صحة القرآن.

ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ مثله ﴾ إلى المذكور وهو كونه من عند الله، فيكون الجار متعلقاً بـ ﴿ شهد ﴾ قال جار الله: الواو الأخيرة عاطفة ﴿ لاستكبرتم ﴾ على ﴿ شهد ﴾ وأما الواو في ﴿ وشهد ﴾ فقد عطفت جملة قوله ﴿ وشهد ﴾ إلى آخره على جملة قوله ﴿ كان من عند الله وكفرتم به ﴾ والمعنى أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟

يدل على هذا الجواب المحذوف قوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قلت: هذا كلام حسن.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ واستكبرتم ﴾ معطوفاً على قوله ﴿ فآمن ﴾ .

ويجوز أن يكون الواو في ﴿ وشهد ﴾ للحال بإضمار "قد".

قال: وقد جعل الإيمان في قوله ﴿ فآمن ﴾ مسبباً عن الشهادة لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى وأنصف من نفسه اعترف بصحته وآمن.

القول الثاني ما ذكر الشعبي في جماعة أن السورة مكية وقد أسلم ابن سلام بالمدينة، فالشاهد هو موسى وشهادته هو ما في التوراة من بعث محمد  وإيمانه تصديقه ذلك.

القول الثالث أن الشاهد ليس شخصياً معيناً وتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به ثم آمن بمحمد واستكبرتم أنتم، ألم تكونوا ظالمين ضالين؟

والمقصود أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب هو من عند الله، وثبت بشهادة الثقات أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم النبي  ، ومع ثبوت هذين الأمرين كيف يليق بالعاقل إنكار نبوته؟

ثم ذكر شبهة أخرى لهم وهي أنهم قالوا ﴿ للذين آمنوا ﴾ أي لأجلهم وفي حقهم ﴿ لو كان ﴾ ما أتى به محمد ﴿ خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وقيل: اللام كما في قولك "قلت له".

وضعف بأنه لو كان كذلك لقيل ما سبقتمونا إليه.

وأجيب بأنه وارد على طريقة الالتفات، أو المراد أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله  خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين بأنه لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون.

قال المفسرون: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالاً وأكثر مالاً وهؤلاء رعاة الغنم.

وقيل: قاله أغنياء قريش للفقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود.

وقيل: هم اليهود قالوه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.

والعامل في قوله ﴿ وإذ لم يهتدوا به ﴾ محذوف وهو ظهر عنادهم وذلك أن "إذ" للمضي، والسين للاستقبال وبينهما تدافع.

والإفك القديم كقولهم أساطير الأوّلين.

وقيل: كذب ككذب عيسى  قوله ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ خبر ومبتدأ وقوله ﴿ إماماً ﴾ أي قدوة يؤتم به في أصول شرائع الله، نصب على الحال كقولك "في الدار زيد قائماً".

وقوله ﴿ لساناً عربياً ﴾ حال من ضمير الكتاب في ﴿ مصدّق ﴾ أي لما بين يديه وهو العامل فيه ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ كتاب ﴾ لأنه موصوف والعامل معنى الإشارة.

وجوز أن يكون مفعولاً ﴿ لصدّق ﴾ على حذف المضاف أي يصدّق ذا لسان عربي هو الرسول.

قوله ﴿ وبشرى ﴾ معطوف على محل ﴿ لتنذر ﴾ لأنه مفعول له.

وحين قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبه المنكرين مع أجوبتها، أراد أن يذكر طريقة المحقين فقال ﴿ إن الذين قالوا ﴾ الآية.

وقد مر في "حم السجدة" إلا أنه رفع واسطة الملائكة ههنا من البين.

ثم إن أعظم أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق الله ولا سيما على الوالدين فلذلك قال ﴿ ووصينا ﴾ الآية.

وقد مرّ في "الروم" و "لقمان".

والكره بالضم، والفتح المشقة أي ذات كره أو حملاً ذاكره.

والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى، والمقصود بيان مدّة الرضاع.

ولما كان منتهياً بالفصال صح التعبير عن آخر الرضاع بالفصال، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال.

وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله { ﴿ والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين  ﴾ أن مدة الحمل ستة أشهر.

وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها، فأخبر علياً رضى الله عنه بذلك فمنعه محتجاً بالآية فصدّقه عمر وقال: لولا عليّ لهلك عمر.

قال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة.

وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك.

وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا: إن لتكوّن الجنين زماناً مقدّراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين.

وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوماً فإذا أتى عليه مثل ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل، ولو تمت خلقته في خمسة وثلاثين يوماً تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر، ولو تمت خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر، وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب.

ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وأنفصل في مائتين وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر، أما أكثر مدّة الحمل فليس يعرف له دليل من القرآن.

وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس من المقالة التاسعة، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش.

وعن أرسطا طاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى الإنسان.

هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً.

وعلى هذا قوله ﴿ حتى إذا بلغ أشدّه ﴾ أكثر المفسرين كما مر في آخر "الأنعام" وأوّل "يوسف" و "القصص".

على أن وقت الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة تقريباً، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتفاص، والقوّة العقلية والنطقية في الاستكمال، وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول ﴿ رب أوزعني ﴾ أي ألهمني ووفقني كما مر في "النمل".

قال علماء المعاني: قوله ﴿ في ذرّيتي ﴾ كقوله "يجرح في عراقيبها نصلي" فكأنه سأل أن يجعل ذرّيته موقعاً للصلاح ومظنة له.

وقوله ﴿ أحسن ما عملوا ﴾ إما بمعنى الحسن أو المراد الواجب والندب دون المباح.

وقوله ﴿ في أصحاب الجنة ﴾ في موضع الحال أي معدودين فيهم.

عن ابن عباس وجم غفير من المفسرين أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وفيه أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، ولم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر.

قالوا: ومما يؤيد هذا القول أنه  حكى عن ذلك الإنسان أنه قال بعد أربعين سنة رب أوزعني الخ.

ومعلوم أنه ليس كل إنسان قد يقول هذا القول.

والأظهر أن هذا عام لهذا الجنس، وأن الإنسان قد يقول هذا القول ولا أقل من أن يكون وارداً على طريقة الإرشاد والتعليم.

سلمنا ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

قوله ﴿ والذي قال ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ والمراد بالذي جنس القائل فلذلك أورد الخبر مجموعاً.

ويجوز أن يكون الخبر عاماً في القائل وفي أمثاله فيندرج فيه القائل.

وقيل: تقديره واذكر الذي ومن القائل.

عن الحسن وقتادة: هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث.

وذهب السدّي إلى أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وأنه كان يقول ﴿ لوالديه أف لكما ﴾ وهي كلمة تضجر وتبرم كما مر في "سبحان" و "الأنبياء" ﴿ أتعدانني أن أخرج ﴾ من القبر ﴿ وقد خلت القرون من قبلي ﴾ فلم يرجع أحدهم ﴿ وهما ﴾ يعني أبويه ﴿ يستغيثان الله ﴾ أي بالله فحذف الجار وأوصل الفعل والمراد يسألانه أن يوفقه للإيمان ويقولان له ﴿ ويلك آمن ﴾ بالله وبالبعث.

والمراد بالدعاء عليه الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.

قال السدّي: فاستجاب الله دعوة أبي بكر فيه فأسلم وحسن إسلامه ولما أسلم نزل فيه ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ وأكثر المفسرين ينكرون هذا القول لأنه  قال فيه ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول ﴾ كائنين ﴿ في أمم ﴾ إلى آخره.

وأن عبد الرحمن لم يبق كافراً بل كان من سادات المسلمين.

وروي عن عائشة إنكاره إيضاً.

وذلك أنه حين كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ابن أبي العاص بأن يبايع الناس ليزيد، ردّ عليه عبد الرحمن وقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه ﴿ والذي قال لوالديه ﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه.

ثم ميز حال المؤمن من حال الكافر بقوله ﴿ ولكل ﴾ أي من الجنسين ﴿ درجات ﴾ من جزاء ما عملوا فغلب أهل الدرجات على أهل الدركات، أو الدرجات هي المراتب متصاعدة أو متنازلة، والباقي واضح مما مرّ.

والاستكبار عن قبول الحق ذنب القلب، والفسق عمل الجوارح، والأوّل أولى بالتقديم لعظم موقعه.

وقد يحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع.

قال مؤلف الكتاب: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها لقوله  ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق  ﴾ ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له وقد يجر بعضه بعضاً إلى أن يقع المرء في حدّ البعد عن الله.

وفي الحديث أن رسول الله  دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: " أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر البيت كما تستر الكعبة؟

قالوا: نحن يومئذ خير.

قال: بل أنتم اليوم خير." وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكنني أستبقي طيباتي لأن الله وصف قوماً فقال ﴿ أذهبتم طيباتكم ﴾ وعنه أن رجلاً دعاه إلى طعام فأكل ثم قدّم شيئاً حلوا فامتنع وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال ﴿ أذهبتم ﴾ الآية.

فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا ﴾ ولست منهم فأكل وسرّه ما سمع.

والتحقيق أن المراد هو أنه ما كتب للكافر حظ من الطيبات إلا الذي أصابه في دنياه، وليس في الآية إن كل من أصاب الطيبات في الدنيا فإنه لا يكون له منها حظ في الآخرة والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: بينات أنها من الله  .

أو بينات: واضحات، ما يبين لهم ما عليهم مما لهم، وما لبعض على بعض وما لله عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يحتمل أن يكون الحق الذي قالوا: إنه سحر، هو تلك الآيات البينات التي ذكر أنها بينت عليهم قالوا لها: إنها سحر، ودل قولهم: إنها سحر، على أنها كانت معجزات خارجات عن وسعهم، حيث نسبوها إلى السحر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ هذا حرف المنابذة، يقول: إن افتريته فلا تملكون أنتم دفع عقوبة ذلك الافتراء عن نفسي، وهو كقوله  : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي  ﴾ يقول علي إثم ذلك وجرمه، وإنما يقال هذا عند انتهاء الحجج والبراهين غايتها، وحتى لا يطمع منهم القبول والنجع فيهم، ويؤيس منهم، فعند ذلك يقال وينابذ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أي: بما تخوضون فيه، يقول هذا ويذكر؛ لئلا يقولوا ولا يدعوا غفلته عن ذلك؛ بل يذكرهم أنه كان عالماً بما يسرون ويعلنون.

وقيل: ﴿ تُفِيضُونَ ﴾ من قولهم: أفاضوا، إذا علموا وتحدثوا؛ وهو قول القتبي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: يشهدون في الآخرة: أنّه قد بلغ رسالته.

والثاني: أي: كفى به شهيداً بيني وبينكم في الدنيا بما علم ما كان منهم من الشرك والتكذيب، ومني من التبليغ، فهو شاهد بما كان مني ومنكم في الدنيا من سرّ وعلانية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ ذكر هذا في هذا الموضع على إثر ما ذكر من غاية سفههم وتعنتهم - والله أعلم - كأنه يقول: إنكم وإن بلغتم في السفه ما بلغتم فإنكم إذا رجعتم عن ذلك وتبتم يغفر لكم ما كان منكم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ إن كان على حقيقة العبادة فهو صلة قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ...

﴾ الآية [الأحقاف: 4]؛ يقول - والله أعلم -: ومن أضل ممن يعبد من لا يملك ما ذكر من خلق الأرض، ولا له شرك في السماوات وما ذكر، وترك عبادة من خلق السماوات، وخلق الأرض، وشهد كل شيء له بذلك، وأتى بالحجج والبراهين على ذلك؛ أي: لا أحد أضل ممن ترك عبادة من هذا وصفه، وصرف العبادة إلى الذي لا يملك شيئاً من ذلك، والله أعلم.

وإن كان على الدعاء نفسه فهو صلة ما ذكر من قوله: ﴿ لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ  ﴾ أي: ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يملك إجابته، ولا يسمع دعاءه، وترك دعاء من يملك إجابته ويسمع دعاءه، ويقدر قضاء ما يدعون ويسألون؛ أي: لا أحد أضل ممن اختار دعاء من لا يملك شيئاً من ذلك على دعاء من يملك ذلك كله؛ يسفههم في صنيعهم واختيارهم على ما اختاروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ كأن هذا إنما ذكر - والله أعلم - لإنكار أهل مكة الرسل من البشر، واستعظامهم وضع الرسالة فيهم، فقال عند ذلك: ﴿ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ أي: لست أنا بأول رسول من البشر؛ بل لم يزل الرسل من قبل كانوا من البشر في آفاق الأرض وأطرافها، فما بالكم تنكرون رسالتي؛ لأني كنت من البشر وتستعظمونها وسائر الرسل الذين من قبلي كانوا من البشر؟!

والله أعلم.

قال أبو عوسجة: ﴿ مَا كُنتُ بِدْعاً ﴾ أي: ما أنا بأولهم، قد أرسل قبلي.

وقال القتبي: وما كنت بدءاً منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: ما كنت أدري قبل ذلك ما يفعل بي ولا بكم: أرسل، وأختص للرسالة، وأختار لها، وأبعث إليكم، وتلزمون أنتم اتباعي والإجابة إلى ما أدعوكم إليه، والله أعلم.

والثاني: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ من إخراجي من بين أظهركم وإهلاككم كما فعل بالرسل الذين كانوا من قبل وأقوامهم، أمروا بالخروج من بين أظهرهم، ثم تعقب ذلك استئصال قومهم؛ أي: ما أدري أيفعل بي وبكم ما ذكرنا كما فعل بمن تقدمنا من الرسل وقومهم، والله أعلم.

والثالث: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ مخافة التغيير عليه والتبديل؛ ولم يزل الرسل - عليهم السلام - يخافون تغيير الأحوال عليهم، وتبديل ما أنعم عليهم، وذهاب ما اختصوا هم به؛ كقول إبراهيم -  -: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ وقال شعيب -  -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ الآية [الأعراف: 89]، وما ذكر في سورة يوسف -  -: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [يوسف: 76]، وقول يوسف -  -: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ  ﴾ ، وقول يعقوب -  -: ﴿ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ  ﴾ ، وقول رسول الله  : "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك" لم تزل كانت الرسل - عليهم الصلاة والسلام - على خوف من تغيير الأحوال التي كانوا عليها، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ أتغير على وعليكم الأحوال التي نحن عليها اليوم أم نترك على ذلك؟

وحقيقة هذا الكلام على الاستقصاء قد مرت، والله أعلم.

وذكر بعض أهل التأويل: "أن أهل مكة كانوا يؤذون رسول الله  وأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - بأنواع الأذية، فشكوا إلى رسول الله  ما كانوا يلقون منهم، فقال: إني لم أومر بشيء فيهم من القتال وغيره فاصبروا على ذلك، ولكني رأيت في المنام أن أهاجر إلى أرض أخرى ذات..." كذا؛ فاستبشروا بذلك، [و]مكثوا بعد ذلك زماناً لا يرون شيئاً مما ذكر، " فشكوا إليه ثانياً بما يلقون منهم، وقالوا: ما نرى ما قلت لنا من الخروج عنهم، فقال: إنما رأيت ذلك في المنام ولم يأت به وحي من السماء أيكون ذلك أم لا يكون؟" أو نحو هذا من الكلام، وهذا لا يحتمل أن يكون؛ فإنه لا يُظن بأصحابه -  م - أن يقولوا له: ما نرى الذي قلت لنا من الخروج عنهم، وفي ذلك اتهامه بذلك، وترك تعظيمه، ولا نظن بالنبي  أن يقول لهم: "أنا رأيت ذلك في المنام، ولم يأت به وحي من السماء" ؛ جواباً لقولهم، ورؤيا الأنبياء - عليهم السلام - كالوحي من السماء، دل أن هذا لا يحتمل أن يصح ويثبت، والله أعلم.

وإنما جائز بعض ما ذكر في القصة من الشكاية منهم من الأذى، والوعد لهم بالخروج من بينهم، والله أعلم.

والوجوه التي ذكرنا أشبه وأقرب إلى العقل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ...

﴾ الآية.

قال بعضهم: إن عبد الله بن سلام آمن برسول الله  وشهد أنه رسول الله، ثم شهد بمثل ذلك ابن يامين.

وقال بعضهم: شهد ابن يامين أولا: أنه رسول، وآمن وصدقه، ثم شهد بمثله ابن سلام، والله أعلم.

والأشبه في هذا أن يكون قوله -  -: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ التوراة أو موسى -  - على ذلك، كقوله -  : ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً  ﴾ شهد كتاب رسول الله ورسوله -  - والله أعلم.

ولأن عبد الله بن سلام إنما أسلم بالمدينة، وكذلك ابن يامين، وهذه السورة مكية، لكنهم يقولون: هذه السورة مكية إلا هذه الآيات الثلاث، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ يحتمل أن يكون هذا القول من الأجلة والرؤساء منهم الذين كان منهم صلة الأرحام وأنواع الخيرات والأعمال الصالحة، قالوا: إنا قد سبقناهم في الخيرات سوى ذلك، فلو كان ذلك الذي تدعونا إليه خيراً ما سبقونا كما لم يسبقونا إلى سائر الخيرات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أي: وإذ لم يهتدوا به هم من بيننا فيقولون: هذا القرآن إفك قديم، أي: كذب قديم، فكأن قولهم: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ بحق الاحتجاج، وقولهم: ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ تكذيب منهم ورد لذلك.

ثم قوله: ﴿ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ يقولون - والله أعلم -: لم يزل من ادعى الرسالة يدعي على الله ما يدعي محمد  من إنزال الكتاب عليهم، وبعثه إياهم ابن سلام إلى الناس يطلب الرسالة له عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ أي: إماماً يقتدى به، ورحمة لمن اتبعه في دفع العذاب عنه.

وقوله -  -: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ ﴾ ذكر - هاهنا - مصدق، ولم يذكر أنه مصدق لماذا؟

لكن قد ذكر في غير آي من القرآن ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  ﴾ ، ثم قوله: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  ﴾ يحتمل: أي: موافقاً لما لم يحرف ولم يغير من تلك الكتب؛ لأن تلك الكتب قد حرفوها وغيروها، ولم يحرف هذا الكتاب، وقد حفظه الله -  - عن التبديل والتغيير، فهو مصدق موافق لما لم يغير ولم يحرف من تلك الكتب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ أي: أنزله بلسان عربي؛ ليعلم أنه لم يأخذه محمد  من تلك الكتب؛ لأن تلك الكتب كانت على غير لسان العرب، ولسانه عربي، ولكن جاءه من الله -  - بلسانه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ فمن قرأ: ﴿ لِتُنذِرَ ﴾ بالتاء فتأويله: لتنذر يا محمد الذين ظلموا، ومن قرأ بالياء ﴿ لِّيُنذِرَ ﴾ أي: لينذرهم القرآن، وقد ذكرنا فيما تقدم تفسير النذارة والبشارة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ الاستقامة تحتمل وجهين: أحدهما: أي: ﴿ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ على ذلك القول الذي قالوا، وثبتوا على ذلك، ولم تتغير، ولم تتبدل حالتهم تلك، والله أعلم.

والثاني: ﴿ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ بحق الوفاء بالعلم بما أعطوا بلسانهم وقلوبهم ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ وقد ذكرناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ جعل ذلك لهم جزاء أعمالهم بفضله ورحمته، لا أنهم يستوجبون ذلك بنفس عملهم، ولكن بالتفضل والرحمة، وذكر جزاءه الأعمال فضلا منه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن قبل هذا القرآن التوراةُ الكتاب الذي أنزله الله على موسى  إمامًا يُقْتَدى به في الحق، ورحمة لمن آمن به واتبعه من بني إسرائيل، وهذا القرآن المنزل على محمد  كتاب مصدق لما سبقه من الكتب بلسان عربي؛ لينذر به الذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله وبفعل المعاصي، وهو بشارة للمحسنين الذين أحسنوا علاقتهم مع خالقهم وعلاقتهم مع خلقه.

<div class="verse-tafsir" id="91.lePEo"

مزيد من التفاسير لسورة الأحقاف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله