الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ١٩ من سورة الأحقاف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولكل درجات مما عملوا ) أي : لكل عذاب بحسب عمله ، ( وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ) أي : لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها .
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : درجات النار تذهب سفالا ودرجات الجنة تذهب علوا .
وقوله ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) يقول تعالى ذكره: ولكلّ هؤلاء الفريقين: فريق الإيمان بالله واليوم الآخر, والبرّ بالوالدين, وفريق الكفر بالله واليوم الآخر, وعقوق الوالدين اللذين وصف صفتهم ربنا عزّ وجلّ في هذه الآيات منازل ومراتب عند الله يوم القيامة, مما عملوا, يعني من عملهم الذي عملوه في الدنيا من صالح وحسن وسيىء يجازيهم الله به.
وقد حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) قال: درج أهل النار يذهب سفالا ودرج أهل الجنة يذهب علوا( وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: وليعطى جميعهم أجور أعمالهم التي عملوها في الدنيا, المحسن منهم بإحسانه ما وعد الله من الكرامة, والمسيء منهم بإساءته ما أعدّه من الجزاء ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) يقول: وجميعهم لا يظلمون: لا يجازى المسيء منهم إلا عقوبة على ذنبه, لا على ما لم يعمل, ولا يحمل عليه ذنب غيره, ولا يبخس المحسن منهم ثوابَ إحسانه.
قوله تعالى : ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون .قوله تعالى : ولكل درجات أي ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجن والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم .
قال ابن زيد : درجات أهل النار في هذه الآية تذهب سفالا ، ودرج أهل الجنة علوا .
وليوفيهم أعمالهم قرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بالياء لذكر الله قبله ، وهو قوله تعالى : إن وعد الله حق واختاره أبو حاتم .
الباقون بالنون ردا على قوله تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه وهو اختيار أبي عبيد .
وهم لا يظلمون أي لا يزاد على مسيء ولا ينقص من محسن .
{ وَلِكُلٍّ } من أهل الخير وأهل الشر { دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا } أي: كل على حسب مرتبته من الخير والشر ومنازلهم في الدار الآخرة على قدر أعمالهم ولهذا قال: { وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } بأن لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم.
( ولكل درجات مما عملوا ) قال ابن عباس - رضي الله عنه - ما : يريد من سبق إلى الإسلام ، فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو بساعة .
وقال مقاتل : ولكل فضائل بأعمالهم فيوفيهم الله جزاء أعمالهم .
وقيل : " ولكل " : يعني ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين " درجات " منازل ومراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم ، فيجازيهم عليها .
قال ابن زيد في هذه الآية : درج أهل النار تذهب سفلا ودرج أهل الجنة تذهب علوا .
( وليوفيهم ) قرأ ابن كثير ، وأهل البصرة ، وعاصم : بالياء ، وقرأ الباقون بالنون .
( أعمالهم وهم لا يظلمون ) .
«ولكل» من جنس المؤمن والكافر «درجات» فدرجات المؤمنين في الجنة عالية ودرجات الكافرين في النار سافلة «مما عملوا» أي المؤمنون من الطاعات والكافرون من المعاصي «وليوفيهم» أي الله، وفي قراءة بالنون «أعمالهم» أي جزاءها «وهم لا يظلمون» شيئا ينقص للمؤمنين ويزاد للكفار.
ولكل فريق من أهل الخير وأهل الشر منازل عند الله يوم القيمة؛ بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، كل على وَفْق مرتبته؛ وليوفيهم الله جزاء أعمالهم، وهم لا يُظلمون بزيادة في سيئاتهم، ولا بنقص من حسناتهم.
ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر عدالته فى حكمه بين عباده فقال : ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) .والتنوين فى قوله ( وَلِكُلٍّ ) عوض عن المضاف إليه المحذوف ، والجار والجرور فى قوله ( مِّمَّا عَمِلُواْ ) صفة لقوله ( دَرَجَاتٌ ) ، و ( مِّنَ ) بيانية ، ( مَّا ) موصولة .وقوله : ( وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ) علة لمحذوف .
.
والمعنى : ولك فريق من الفريقين : فريق المؤمنين المعبر عنهم بقوله : - تعالى - : ( أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ .
.
) وفريق الكافرين المعبر عنهم بقوله - تعالى - : ( أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول ) .
لكل فريق من هؤلاء وهؤلاء ( دَرَجَاتٌ ) حاصلة من الذى عملوه من الخير والشر ، وقد فعل - سبحانه - ذلك معهم ، ليوفيهم جزاء أعمالهم .( وَهُمْ ) جميعا ( لاَ يُظْلَمُونَ ) شيئا ، بل كل فريق منهم يجازى على حسب عمله .
كما قال - تعالى - : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ).
اعلم أنه تعالى لما وصف الولد البار بوالديه في الآية المتقدمة، وصف الولد العاق لوالديه في هذه الآية، فقال: ﴿ والذي قَالَ لوالديه أُفّ لَّكُمَا ﴾ وفي هذه الآية قولان الأول: أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، قالوا كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى، وهو ﴿ أُفٍّ لَّكُمَا ﴾ واحتج القائلون بهذا القول على صحته، بأنه لما كتب معاوية إلى مروان يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم؟
فقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه ﴿ والذي قَالَ لوالديه أُفٍّ لَّكُمَا ﴾ .
والقول الثاني: أنه ليس المراد من شخص معين، بل المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحق فأباه وأنكره، وهذا القول هو الصحيح عندنا، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني بقوله: ﴿ أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين ﴾ ولا شك أن عبد الرحمن آمن وحسن إسلامه، وكان من سادات المسلمين، فبطل حمل الآية عليه، فإن قالوا: روي أنه لما دعاه أبواه إلى الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت، قال: ﴿ أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ﴾ من القبر، يعني أبعث بعد الموت ﴿ وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي ﴾ يعني الأمم الخالية، فلم أر أحداً منهم بعث فأين عبد الله بن جدعان، وأين فلان وفلان؟
إذا عرفت هذا فنقول قوله: ﴿ أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول ﴾ المراد هؤلاء الذين ذكرهم عبد الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله، وهم الذين حق عليهم القول، وبالجملة فهو عائد إلى المشار إليهم بقوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي ﴾ لا إلى المشار إليه بقوله: ﴿ والذي قَالَ لوالديه أُفٍّ لَّكُمَا ﴾ هذا ما ذكره الكلبي في دفع ذلك الدليل، وهو حسن والوجه الثاني: في إبطال ذلك القول، ما روي أن مروان لما خاطب عبد الرحمن بن أبي بكر بذلك الكلام سمعت عائشة ذلك فغضبت وقالت: والله ما هو به، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه الوجه الثالث: وهو الأقوى، أن يقال إنه تعالى وصف الولد البار بأبويه في الآية المتقدمة، ووصف الولد العاق لأبويه في هذه الآية، وذكر من صفات ذلك الولد أنه بلغ في العقوق إلى حيث لما دعاه أبواه إلى الدين الحق، وهو الإقرار بالبعث والقيامة أصر على الإنكار وأبى واستكبر، وعول في ذلك الإنكار على شبهات خسيسة وكلمات واهية، وإذا كان كذلك كان المراد كل ولد اتصف بالصفات المذكورة ولا حاجة ألبتة إلى تخصيص اللفظ المطلق بشخص معين، قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ أُفّ ﴾ بالفتح والكسر بغير تنوين، وبالحركات الثلاث مع التنوين، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال حس، علم أنه متوجع، واللام للبيان معناه هذا التأفيف لكما خاصة، ولأجلكما دون غيركما، وقرئ ﴿ أَتَعِدَانِنِي ﴾ بنونين، وأتعداني بأحدهما وأتعداني بالإدغام، وقرأ بعضهم: أتعدانني بفتح النون كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرين والياء، ففتح الأولى تحرياً للتخفيف كما تحراه من أدغم ومن طرح أحدهما.
ثم قال: ﴿ أَنْ أُخْرِجْ ﴾ أي أن أبعث وأخرج من الأرض، وقرئ ﴿ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي ﴾ يعني ولم يبعث منهم أحد.
ثم قال: ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ الله ﴾ أي الوالدان يستغيثان الله، فإن قالوا: كان الواجب أن يقال يستغيثان بالله؟
قلنا الجواب: من وجهين: الأول: أن المعنى أنهما يستغيثان الله من كفره وإنكاره، فلما حذف الجار وصل الفعل الثاني: يجوز أن يقال الباء حذف، لأنه أريد بالاستغاثة هاهنا الدعاء على ما قاله المفسرون ﴿ يدعون الله ﴾ فلما أريد بالاستغاثة الدعاء حذف الجار، لأن الدعاء لا يقتضيه، وقوله: ﴿ وَيْلَكَ ﴾ أي يقولان له ويلك ﴿ آمِنْ ﴾ وصدق بالبعث وهو دعاء عليه بالثبور، والمراد به الحث، والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.
ثم قال: ﴿ إِنَّ وَعْدَ الله ﴾ بالبعث ﴿ حق فيقول ﴾ لهما ﴿ ما هذا ﴾ الذي تقولان من أمر البعث وتدعوانني إليه ﴿ إِلاَّ أساطير الأولين ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول ﴾ أي حقت عليهم كلمة العذاب، ثم هاهنا قولان: فالذين يقولون المراد بنزول الآية عبد الرحمن بن أبي بكر، قالوا المراد بهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب هم القرون الذين خلوا من قبله، والذين قالوا المراد به ليس عبد الرحمن، بل كل ولد كان موصوفاً بالصفة المذكورة؛ قالوا هذا الوعيد مختص بهم، وقوله: ﴿ فِي أُمَمٍ ﴾ نظير لقوله: ﴿ فِي أصحاب الجنة ﴾ وقد ذكرنا أنه نظير لقوله: أكرمني الأمير في أناس من أصحابه، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم.
ثم قال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين ﴾ وقرئ أن بالفتح على معنى آمن بأن وعد الله حق.
ثم قال: ﴿ وَلِكُلٍّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ وفيه قولان الأول: أن الله تعالى ذكر الولد البار، ثم أردفه بذكر الولد العاق، فقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ خاص بالمؤمنين، وذلك لأن المؤمن البار بوالديه له درجات متفاوتة، ومراتب مختلفة في هذا الباب والقول الثاني: أن قوله: ﴿ لِكُلٍّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ عائد إلى الفريقين، والمعنى ولكل واحد من الفريقين درجات في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، فإن قالوا كيف يجوز ذكر لفظ الدرجات في أهل النار، وقد جاء في الأثر الجنة الدرجات، والنار دركات؟
قلنا فيه وجوه: الأول: يجوز أن يقال ذلك على جهة التغليب الثاني: قال ابن زيد: درج أهل الجنة يذهب علواً، ودرج أهل النار ينزلوا هبوطاً.
الثالث: أن المراد بالدرجات المراتب المتزايدة، إلا أن زيادات أهل الجنة في الخيرات والطاعات، وزيادات أهل النار في المعاصي والسيئات.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيُوَفِّيَهُمْ ﴾ وقرئ بالنون وهذا تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه كأنه وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات، ولما بيّن الله تعالى أنه يوصل حق كل أحد إليه بين أحوال أهل العقاب أولاً، فقال: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار ﴾ قيل يدخلون النار، وقيل تعرض عليهم النار ليروا أهوالها ﴿ أَذْهَبْتُمْ طيباتكم فِي حياتكم الدنيا ﴾ قرأ ابن كثير ﴿ أَذْهَبْتُمْ ﴾ استفهام بهمزة ومدة، وابن عامر استفهام بهمزتين بلا مدة والباقون ﴿ أَذْهَبْتُمْ ﴾ بلفظ الخبر والمعنى أن كل ما قدر لكم من الطيبات والراحات فقد استوفيتموه في الدنيا وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها، وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: «أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر بيته كما تستر الكعبة، قالوا نحن يومئذ خير قال بل أنتم اليوم خير؟»، رواه صاحب الكشاف قال الواحدي: إن الصالحين يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل، إلا أن هذه الآية لا تدل على المنع من التنعم، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر، وإنما وبخ الله الكافر لأنه يتمتع بالدنيا ولم يؤد شكر المنعم بطاعته والإيمان به، وأما المؤمن فإنه يؤدي بإيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق ﴾ نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعم أولى، لأن النفس إذا اعتادت التنعم صعب عليها الاحتراز والإنقباض، وحينئذ فربما حمله الميل إلى تلك الطيبات على فعل ما لا ينبغي، وذلك مما يجر بعضه إلى بعض ويقع في البعد عن الله تعالى بسببه.
ثم قال تعالى: ﴿ فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون ﴾ أي الهوان، وقرئ عذاب الهوان ﴿ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ فعلل تعالى ذلك العذاب بأمرين: أولهما: الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب الثاني: الفسق وهو ذنب الجوارح، وقدم الأول على الثاني لأن أحوال القلوب أعظم وقعاً من أعمال الجوارح، ويمكن أن يكون المراد من الاستكبار أنهم يتكبرون عن قبول الدين الحق، ويستنكفون عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، وأما الفسق فهو المعاصي واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، قالوا لأنه تعالى علل عذابهم بأمرين: أولهما: الكفر وثانيهما: الفسق، وهذا الفسق لابد وأن يكون مغايراً لذلك الكفر، لأن العطف يوجب المغايرة، فثبت أن فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ من الجنسين المذكورين ﴿ درجات مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ أي منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، أومن أجل ما عملوا منهما.
فإن قلت: كيف قيل: درجات، وقد جاء: الجنة درجات والنار دركات؟
قلت: يجوز أن يقال ذلك على وجه التغليب، لاشتمال كل على الفريقين ﴿ وَلِيُوَفّيَهُمْ ﴾ وقرئ: بالنون تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه، كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم، فجعل الثواب درجات والعقاب دركات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ بِأنَّهم أهْلُ النّارِ وهو يَرُدُّ النُّزُولَ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن أهْلِها لِذَلِكَ وقَدْ جَبَّ عَنْهُ إنْ كانَ لِإسْلامِهِ.
﴿ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ كَقَوْلِهِ في أصْحابِ الجَنَّةِ.
﴿ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ بَيانٌ لِلْأُمَمِ.
﴿ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ﴾ مَراتِبُ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، أوْ مِن أجْلِ ما عَمِلُوا وال دَرَجاتٌ غالِبَةٌ في المَثُوبَةِ وها هُنا جاءَتْ عَلى التَّغْلِيبِ.
﴿ وَلِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ ﴾ جَزاءَها، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ بِالنُّونِ.
﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ وزِيادَةِ عِقابٍ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلِكُلّ} من الجنسين المذكورين الأبرار والفجار {درجات مِّمَّا عَمِلُواْ} أي منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر أو من اجل ما عملوا منها وإنما قال درجات وقد جاء الجنة درجات والنار دركات على وجه التغليب {وَلِيُوَفِّيَهُمْ أعمالهم} بالياء مكي وبصري وعاصم {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات واللام متعلقة بمحذوف
﴿ ولِكُلٍّ ﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ وإنْ شِئْتَ فَقُلْ في الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ ﴿ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ﴾ أيْ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا، فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ ( دَرَجاتٌ ) و( مِن) بَيانِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ و(ما) مَوْصُولَةٌ أيْ مِنَ الَّذِي عَمِلُوهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ مِن عَمَلِهِمُ الخَيْرَ والشَّرَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) تَعْلِيلِيَّةً بِدُونِ تَقْدِيرِ مُضافٍ والجارِّ والمَجْرُورِ كَما تَقَدَّمَ.
والدَّرَجاتُ جَمْعُ دَرَجَةٍ وهي نَحْوُ المَنزِلَةِ لَكِنْ يُقالُ لِلْمَنزِلَةِ دَرَجَةٌ إذا اعْتُبِرَتْ بِالصُّعُودِ ودَرْكًا إذا اعْتُبِرَتْ بِالحُدُورِ، ولِهَذا قِيلَ: دَرَجاتُ الجَنَّةِ ودَرَكاتُ النّارِ.
والتَّعْبِيرُ بِالدَّرَجاتِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى وجْهِ التَّغْلِيبِ لِاشْتِمالِ (كُلٍّ) عَلى الفَرِيقَيْنِ أيْ لِكُلٍّ مَنازِلُ ومَراتِبُ سَواءٌ كانَتْ دَرَجاتٍ أوْ دَرَكاتٍ، وإنَّما غَلَبَ أصْحابُ الدَّرَجاتِ لِأنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِهِ لا سِيَّما، وقَدْ ذُكِرَ جَزاؤُهم مِرارًا وجَزاءُ المُقابِلِ مَرَّةً ﴿ ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ جَزاءَ أعْمالِهِمْ والفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى.
وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأخَوانِ وابْنُ ذَكْوانَ ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ (لِنُوَفِّيَهُمْ) بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ عَلى الإسْنادِ لِلدَّرَجاتِ مَجازًا ﴿ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ وزِيادَةِ عِقابٍ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في مِثْلِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والجُمْلَةُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْفِيَةِ أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لَها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم ولا يَظْلِمَهم فِعْلَ ما فُعِلَ مِن تَقْدِيرِ الأجْزِيَةِ عَلى مَقادِيرِ أعْمالِهِمْ فَجُعِلَ الثَّوابُ دَرَجاتٍ والعِقابُ دِرْكاتٍ.
<div class="verse-tafsir"
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما يعني: عبد الرحمن بن أبي بكر قال لوالديه: أف لكما يعني: قدراً لكما، وهو الرديء من الكلام، وقد ذكرنا الاختلاف في موضع آخر، وقد قرئ على سبع قراءات: بالنصب والضم والكسر، وكل قراءة تكون بالتنوين وبغير تنوين، فتلك ست قراءات، والسابع أفْ بالسكون أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ يعني: أن أبعث بعد الموت، وذلك قبل أن يسلم وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي أي: مضت الأمم، ولم يبعث أحدهم وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ يعني: أبويه يدعوان الله تعالى له بالهدى.
اللهم اهده، وارزقه الإيمان ويقولان له: وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: ويحك أسلم وصدق بالبعث، فإن البعث كائن فَيَقُولُ لهما مَا هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: كذبهم فقال عبد الرحمن: إن كنتما صادقين، فأخرجا فلاناً وفلاناً من قبورهما فنزل أُولئِكَ يعني: القرون التي ذكر الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: وجب عليهم العذاب.
فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: في أمم قد مضت من قبلهم، من كفار مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ في الآخرة بالعقوبة، فأسلم عبد الرحمن وحسن إسلامه، وذكر في الخبر، أن مروان بن الحكم قال: نزلت هذه الآية في شأن عبد الرحمن، أخ عائشة، فبلغ ذلك عائشة فقالت: بل نزلت في أبيك وأخيك.
قوله عز وجل وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا يعني: فضائل في الثواب مما عملوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ أي أجورهم وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً، ولا يزادون على سيئات أعمالهم.
قوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ يعني: يكشف الغطاء عنها، فينظرون إليها، فيقال لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ يعني: أكلتم حسناتكم فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها يعني: انتفعتم بها في الدنيا.
وقرأ ابن عامر أَأَذْهَبْتُمْ بهمزتين، وقرأ ابن كثير آذْهَبْتُمْ بالمد، ومعناهما واحد، ويكون استفهاماً على وجه التوبيخ.
والباقون أَذْهَبْتُمْ بهمزة واحدة، بغير مد، على معنى الخبر.
وروي عن عمر: أنه اشتهى شراباً، فأتي بقدح فيه عسل، فأدار القدح في يده قال: أشربها فتذهب حلاوتها، أو تبقى نقمتها.
ثم ناول القدح رجلاً، فسئل عن ذلك فقال: خشيت أن أكون من أهل هذه الآية أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا.
وروي عن عمر، أنه دخل على رسول الله وهو على حصير، وقد أثر بجنبه الشريط، فبكى عمر فقال: ما يبكيك يا عمر؟
فقال: ذكرت كسرى وقيصر، وما كانا فيه من الدنيا، وأنت رسول رب العالمين قد أثر بجنبك الشريط.
فقال النبيّ : «أُوْلَئِكَ قَوْمٌ، عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِم الدُّنْيا، وَنَحْنُ قَوْمٌ، أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي الآخِرَةِ» .
قوله: فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ يعني: العذاب الشديد بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني: تستكبرون عن الإيمان وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ يعني: تعصون الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
وصالِحاً تَرْضاهُ: الصلواتِ، والإصلاحُ في الذُّرِّيَّةِ: كونُهم أَهْلَ طاعة وخير «١» ، وهذه الآية معناها: أن هكذا ينبغي للإنسان أنْ يَكُونَ، فهي وَصِيَّةُ اللَّه تعالى للإنسان في كُلِّ الشرائع، وقولُ مَنْ قال: إنَّها في أبي بكر وأبويه- ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت بمَكَّةَ بلاَ خِلاَفٍ، وأبو قُحَافَةَ أَسْلَمَ عامَ الفتح، وفي قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ...
الآية: دليلٌ على أَنَّ الإشارة بقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ إنما أراد بها الجِنْسَ.
وقوله: فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ يريد: الذين سبقت لهم رحمةُ اللَّه، قال أبو حَيَّان «٢» فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ قيل: فِي على بابها، أي: في جملتهم كما تقول: أَكْرَمَنِي الأمِيرُ في نَاسٍ، أي: في جملةِ مَنْ أَكْرَمَ، وقيل: فِي بمعنى مع، انتهى.
وقوله تعالى: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ قال الثعلبيُّ: معناه: إذ دَعَوَاهُ إلى الإيمان «٣» ، أُفٍّ لَكُما ...
الآية، انتهى، والَّذِي يعنى به الجِنْسِ على حَدِّ العموم في التي قبلها في قوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ هذا قول الحسن وجماعة «٤» ، ويشبه أَنَّ لها سبباً من رَجُلٍ قال ذلك لأبويه، فلما فرغ من ذكر المُوَفَّقِ، عَقَّبَ بذكر هذا العَاقِّ، وقد أنكرتِ عائِشَةُ أنْ تكونَ الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بَكْر، وقالت: مَا نَزَلَ في آلِ أبي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَرَاءَتِي «٥» .
ت: ولا يُعْتَرَضُ عليها بقوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ [التوبة: ٤٠] ، ولا بقوله:
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ [النور: ٢٢] كما بَيَّنَّا ذلك في غير هذه الآية، قال ع «٦» :
والأَصوبُ أنْ تكونَ الآية عامَّةً في أَهل هذه الصفات، والدليلُ القاطعُ على ذلك: قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ/ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ وكان عبدُ الرحمن بن أبي بكر- رضي اللَّه عنه- من أفاضل الصحابة، ومن أبطال المسلمين، ومِمَّنْ له في الإسلام غَنَاءٌ يوم اليمامة وغيره، وأُفٍّ بالتنوين قراءة نافع وغيره «١» ، والتنوينُ في ذلك عَلاَمَةُ تنكيرٍ كما تَسْتَطْعِمُ رَجُلاً حَدِيثاً غَيْرَ مُعَيَّنٍ فتقول: «إيهٍ» منونةً، وإنْ كان حديثاً مُشَاراً إليه قلت: «إيهِ» بغير تنوين.
وقوله: أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ المعنى: أَنْ أُخْرَجَ مِنَ القَبْرِ إلى الحَشْرِ، وهذا منه استفهامٌ بمعنى الهُزْءِ والاِستبعاد.
وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي معناه: هَلَكَتْ ومَضَتْ، ولم يخرجْ منهم أحد، وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ يعني: الوالدَيْنِ يقُولاَنِ له: وَيْلَكَ آمِنْ.
وقوله: مَا هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي: ما هذا القول الذي يتضمَّنُ البَعْثَ من القبور إلاَّ شيءٌ سَطَرَهُ الأَوَّلُون في كتبهم، يعني: الشرائعَ، وظاهر ألفاظ هذه الآية أَنَّها نزلَتْ في مُشَارٍ إليه، قال: وقِيلَ له، فنعى اللَّه إلينا أقواله تحذيراً من الوقوع في مثلها.
وقوله: أُولئِكَ ظاهره أَنَّها إشارة إلى جنس، وحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: قول اللَّه: إنَّهُ يُعَذِّبُهُم قال أبو حَيَّان «٢» فِي أُمَمٍ أي: في جملة أُمَمٍ ف «في» على بابها، وقيل:
فِي بمعنى مع، وقد تقدم ذلك، انتهى.
وقوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يقتضى أَنَّ الجِنَّ يموتون، وهكذا فَهِمَ الآية قتادة «٣» ، وقد جاء حديثٌ يقتضى ذلك.
وقوله سبحانه: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ يعني: المحسنين والمُسِيئِين، قال ابن زيد:
ودرجات المحسنين تذهبُ/ عُلْواً، ودرجاتُ المسيئين تذهب سُفْلاً «٤» ، وباقي الآية بَيِّنٌ في أنّ كلّ امرئ يجتني ثَمَرَةَ عَمَلِهِ مِنْ خَيْرٍ أو شَرٍّ، ولا يظلم في مجازاته.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ أُفٍّ لَكُما ﴾ بِالخَفْضِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ.
وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ الفاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أُفٍّ" بِالخَفْضِ والتَّنْوِينِ.
وقَرَأ ابْنُ يَعَمَرَ: "أُفٌّ" بِتَشْدِيدِ الفاءِ مَرْفُوعَةً مُنَوَّنَةً.
وقَرَأ حُمَيْدٌ، والجَحْدَرِيُّ: "أُفًّا" بِتَشْدِيدِ الفاءِ وبِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "أُفُّ" بِتَشْدِيدِ الفاءِ وبِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، [وَعِكْرِمَةُ]، وأبُو رَجاءٍ: "أُفْ لَكُما" بِإسْكانِ الفاءِ خَفِيفَةً.
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ: "أُفِّي" بِتَشْدِيدِ الفاءِ وياءٍ ساكِنَةٍ مُمالَةٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ قَبْلَ إسْلامِهِ، كانَ أبَواهُ يَدْعُوانِهِ إلى الإسْلامِ، وهو يَأْبى، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تُنْكِرُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وتَحْلِفُ عَلى ذَلِكَ وتَقُولُ: لَوْشِئْتُ لَسَمَّيْتُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، باطِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُؤْمِنٌ؛ والتَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ أنا نَزَلَتْ في الكافِرِ العاقِّ.
ورُوِيَ [عَنْ] مُجاهِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، وعَنِ الحَسَنِ [أنَّها] نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ قالُوا ذَلِكَ لِآبائِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَضَتِ القُرُونُ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنهم أحَدٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: مَضَتِ القُرُونُ مُكَذِّبَةً بِهَذا، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ﴾ أيْ: يَدْعُوانِ اللَّهَ لَهُ بِالهُدى، ويَقُولانِ لَهُ: ﴿ وَيْلَكَ آمِن ﴾ أيْ: صَدِّقَ بِالبَعْثِ، ﴿ فَيَقُولُ ما هَذا ﴾ الَّذِي تَقُولانِ ﴿ إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُها [الأنْعامِ: ٢٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ يُعْنى الكُفّارَ ﴿ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ أيْ: وجَبَ عَلَيْهِمْ قَضاءُ اللَّهِ أنَّهم مِن أهْلِ النّارِ ﴿ فِي أُمَمٍ ﴾ أيْ: مَعَ أُمَمٍ.
فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآيَتَيْنِ قَبْلَ هَذِهِ مَن بَرَّ والِدَيْهِ وعَمِلَ بِوَصِيَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ ذَكَرَ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِالوَصِيَّةِ ولَمْ يُطِعْ رَبَّهُ ولا والِدَيْهِ، ﴿ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو عِمْرانَ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ﴾ أيْ: مَنازِلُ ومَراتِبُ بِحَسَبَ ما اكْتَسَبُوهُ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ، فَيَتَفاضَلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الكَرامَةِ، وأهْلُ النّارِ في العَذابِ ﴿ وَلِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَلِيُوَفِّيَهُمْ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ؛ أيْ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ لَهم يَوْمَ يُعْرَضُ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ ﴾ أيْ: ويُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ["آذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ.
وقَرَأ] ابْنُ عامِرٍ: "أأذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أذْهَبْتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وهو تَوْبِيخٌ لَهم.
قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: [العَرَبُ] تُوَبِّخُ بِالألِفِ وبِغَيْرِ الألِفِ، فَتَقُولُ: أذَهَبْتَ وفَعَلْتَ كَذا؟!
و: ذَهَبْتَ فَفَعَلْتَ؟!
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِطَيِّباتِهِمْ: ما كانُوا فِيهِ مِنَ اللَّذّاتِ مُشْتَغِلِينَ بِها عَنِ الآخِرَةِ مُعْرِضِينَ عَنْ شُكْرِها.
ولَمّا وبَّخَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، آثَرَ النَّبِيُّ وأصْحابُهُ والصّالِحُونَ بَعْدَهُمُ اجْتِنابَ نَعِيمِ العَيْشِ ولَذَّتِهُ لِيَتَكامَلَ أجْرُهم ولِئَلّا يُلْهِيَهِمْ عَنْ مَعادِهِمْ.
وقَدْ رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وهو مُضْطَجِعٌ عَلى خَصْفَةٍ وبَعْضُهُ عَلى التُّرابِ وتَحْتَ رَأْسِهِ وِسادَةٌ مَحْشُوَّةٌ لِيفًا، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وصَفْوَتُهُ، وكِسْرى وقَيْصَرُ عَلى سُرُرِ الذَّهَبِ وفُرُشِ الدَّيْباجِ والحَرِيرِ؟!
فَقالَ : "يا عُمَرُ، إنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهم طَيِّباتُهُمْ، وهي وشِيكَةُ الِانْقِطاعِ، وإنّا أُخِّرَتْ لَنا طَيِّباتُنا" .» ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لَحْمًا مُعَلَّقًا في يَدِي، فَقالَ: ما هَذا يا جابِرُ؟
فَقُلْتُ: اشْتَهَيْتُ لَحْمًا فاشْتَرَيْتُهُ، فَقالَ: أوَ كُلَّما اشْتَهَيْتَ اشْتَرَيْتَ يا جابِرُ؟!
أما تَخافُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ "أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا" .
﴾ ورُوِيَ عَنْ عُمْرَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَوْ أمَرْتَ أنْ نَصْنَعَ لَكَ طَعامًا ألْيَنَ مِن هَذا، فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ عَيَّرَ أقْوامًا فَقالَ: ﴿ "أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا" .
﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ ﴾ أيْ: تَتَكَبَّرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ والإيمانِ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عنهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عن سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللهَ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإشارَةَ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ ﴾ إلى الجِنْسِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَتَقَبَّلُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وكَذَلِكَ "يَتَجاوَزُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ فِيهِما بِالنُونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، "أحْسَنَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والأعْمَشِ بِخِلافٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَتَقَبَّلُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، "وَيَتَجاوَزُ" كَذَلِكَ، أيِ: اللهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أصْحابِ الجَنَّةِ ﴾ يُرِيدُ: الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم رَحْمَةُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ وَعْدَ الصِدْقِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لِما قَبْلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ﴾ الآيَةُ، "الَّذِي" يُعْنى بِهِ الجِنْسُ عَلى حَدِّ العُمُومِ الَّذِي في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ ﴾ ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٌ، ويُشْبِهُ أنَّ لَها سَبَبًا مِن رَجُلٍ قالَ ذَلِكَ لِأبَوَيْهِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ المُوَفَّقُ عَقَّبَ بِذِكْرِ هَذا العاقِّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: نَزَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ في ابْنٍ لِأبِي بَكْرٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ.
وقالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَهُ قَتادَةُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أكْبَرَ أولادِ أبِي بَكْرٍ وشَهِدَ بَدْرًا وأُحُدًا مَعَ الكُفّارِ، وقالَ لِأبِيهِ في الحَرْبِ: لَمْ يَبْقَ إلّا شَكَّةً ويَعْبُوبُ ∗∗∗ وصارِمٌ يَقْتُلُ ضُلّالَ الشَيْبِ ودَعاهُ لِلْمُبارَزَةِ، فَكانَ بِمَكَّةَ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الخُلُقِ، فَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ فِيهِ.
ورُوِيَ أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ خَطَبَ وهو أمِيرُ المَدِينَةِ فَدَعا الناسَ إلى بَيْعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: جَعَلْتُمُوها هَرْقَلِيَّةً، كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِي هِرَقْلُ، وكُلَّما ماتَ قَيْصَرُ ولِي قَيْصَرُ، فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بَيْتَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها، فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا هو الَّذِي قالَ اللهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ﴾ ، فَسَمِعَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، فَأنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وسَبَتْ مَرْوانَ، وقالَتْ: واللهِ ما نَزَلَ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وإنِّي لِأعْرِفُ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ الَّذِي خَطَبَ هو مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ وهْمٌ، والأصْوَبُ أنْ تَكُونَ عامَّةً في أهْلِ هَذِهِ الصِفاتِ ولَمْ يَقْصِدْ بِها عَبْدَ الرَحْمَنِ ولا غَيْرَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والدَلِيلُ القاطِعُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وكانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِن أفْضَلِ الصَحابَةِ، ومِنَ الأبْطالِ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غِناءٌ، ويَكْفِيهِ مَقامُهُ مَعَ مَرْوانَ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أُفٍّ" بِكَسْرِ الفاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وذَلِكَ فِيها عَلامَةُ تَعْرِيفٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وشِبْلُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "أُفَّ" بِالفَتْحِ، وهي لُغَةٌ، الكَسْرُ والفَتْحُ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "أُفِّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وذَلِكَ عَلامَةُ تَنْكِيرٍ، وهي كَصُهٍ، وكَما تَسْتَطْعِمُ رَجُلًا حَدِيثًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَتَقُولُ: "إيهٍ" مُنَوَّنَةً، فَإنْ كانَ حَدِيثًا مُشارًا إلَيْهِ قُلْتَ: "إيهَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، و"أُفٍّ": أصْلُها في الأقْذارِ، وكانَتِ العَرَبُ إذا رَأتْ قَذِرًا قالَتْ: "أُفٍّ"، ثُمَّ صَيَّرَهُ الِاسْتِعْمالُ يُقالُ في كُلِّ ما يُكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عنهُ-: "أتَعِدانِي"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "أتَعِدانِنِي" ﴾ بِنُونَيْنِ، والقِراءَةُ الأولى هي بِإدْغامِ النُونِ في النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: "أتَعِدانِي" بِنُونٍ واحِدَةٍ وإظْهارِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أُخْرَجَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الراءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَحّاكُ: "أنْ أخْرُجَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ الراءِ.
والمَعْنى: أنْ أخْرُجَ مِنَ القَبْرِ لِلْحَشْرِ والمَعادِ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الهَزْءِ والِاسْتِبْعادِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي ﴾ مَعْناهُ: هَلَكَتْ ومَضَتْ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ ﴾ يَعْنِي: الوالِدَيْنِ، ويُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللهَ واسْتَغَثْتُ بِاللهِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
و ﴿ "وَيْلَكَ" ﴾ دُعاءٌ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ ما يُسْتَعْجَلُ إلَيْهِ.
وقَرَأ الأعْرَجُ: "أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والناسِ عَلى كَسْرِها، وقَوْلُهُ: ﴿ ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: ما هَذا القَوْلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ قَدْ سَطَرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، يَعْنِي: الشَرائِعَ، وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَعى اللهُ تَعالى أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مَثْلِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ ﴾ ، ظاهِرٌ أنَّها إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والَّذِي قالَ"، ﴾ ويُحْتَمَلُ -إنْ كانَتِ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" بِمَعْنى: صِنْفُ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسُهُ هُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، أيْ: قَوْلُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الجِنِّ يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ البَشَرُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وقَدْ جاءَ حَدِيثٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: "الجِنُّ لا تَمُوتُ"، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ ﴾ يَعْنِي المُحْسِنِينَ والمُسِيئِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "وَلِتُوَفِّيَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، أيِ الدَرَجاتِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلِيُوَفِّيَهُمْ" ﴾ بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَلِنُوَفِّيَهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ اللُؤْلُؤِيُّ في حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَنُوَفِّيَنَّهُمْ" بِنُونٍ أُولى ونُونٍ ثانِيَةٍ مُشَدَّدَةٍ وبِفَتْحِ اللامِ، وكُلُّ امْرِئٍ يَجْنِي ثَمَرَةَ عَمَلِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ ولا يَظْلِمُ في مَجازاتِهِ، بَلْ يُوضَعُ كُلُّ أمْرٍ مَوْضِعَهُ مِن ثَوابٍ أو عِقابٍ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على الكلام السابق من قوله: ﴿ أولئك الذين يتقبل عنهم ﴾ [الأحقاف: 16] ثم قوله: ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول ﴾ [الأحقاف: 18] الخ.
وتنوين (كلَ) تنوين عوض عما تضاف إليه ﴿ كل ﴾ وهو مقدر يعلم من السياق، أي ولكل الفريقين المؤمن البار بوالديه والكافر الجامع بين الكفر والعقوق درجات، أي مراتب من التفاوت في الخبر بالنسبة لأهل جزاء الخير وهم المؤمنون، ودركات في الشر لأهل الكفر.
والتعبير عن تلك المراتب بالدرجات تغليب لأن الدرجة مَرتَبَة في العلو وهو علوّ اعتباري إنما يناسب مراتب الخير وأما المرتبة السفلى فهي الدركة قال تعالى: ﴿ إن المنافقين في الدَّرَك الأسفل من النار ﴾ [النساء: 145].
ووجه التغليظ التنويه بشأن أهل الخير.
و (من) في قوله: ﴿ مما عملوا ﴾ تبعيضية.
والمراد ب ﴿ ما عملوا ﴾ جَزاء ما عملوا فيقدر مضاف.
والدرجات: مراتب الأعمال في الخير وضده التي يكون الجزاء على وفقها.
ويجوز كون (من) ابتدائية، وما عملوا نفس العمل فلا يقدر مضاف والدرجات هي مراتب الجزاء التي تكون على حسب الأعمال، ومقادير ذلك لا يعلمها إلا الله وهي تتفاوت بالكثرة وبالسبق وبالخصوص، فالذي قال لوالديه أف لكما وأنكر البعث ثم أسلم بعد ذلك قد يكون هو دون درجة الذي بادر بالإسلام وبِرّ والديه وما يعقب إسلامَه من العمل الصالح.
وكل ذلك على حسب الدرجات.
وأشار إلى أن جزاء تلك الدرجات كلها بقدر يعلمه الله، وقوله بعده: ﴿ ولنوفيهم أعمالهم ﴾ هو علة لمحذوف دل عليه الكلام وتقديره: قدرنا جزاءهم على مقادير درجاتهم لنوفيهم جزاء أعمالهم، أي نجازيهم تاماً وافياً لا غبن فيه.
وقرأ الجمهور ﴿ ولنوفيهم ﴾ بنون العظمة.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وهشام عن ابن عَامر ويعقوب بالتحتية مراداً به العَود إلى الله تعالى لأنه معلوم من المقام.
وجملة ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ احتراس منظور فيه إلى توفية أحد الفريقين وهو الفريق المستحق للعقوبة لئلا يُحسب أن التوفية بالنسبة إليهم أن يكون الجزاء أشد مما تقتضيه أعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ ﴾ أيْ أُبْعَثَ.
﴿ وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي ﴾ فَلَمْ يُبْعَثُوا.
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وأُمِّهِ أُمِّ رُومانَ يَدْعُوانِهِ إلى الإسْلامِ ويَعِدانِهِ بِالبَعْثِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِما بِما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَ هَذا مِنهُ قَبْلَ إسْلامِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قالَ السُّدِّيُّ: فَلَقَدْ رَأيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ بِالمَدِينَةِ، وما بِالمَدِينَةِ أعْبَدُ مِنهُ، ولَقَدِ اسْتَجابَ اللَّهُ فِيهِ دَعْوَةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولَمّا أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ﴾ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، وكانَ يَدْعُوهُ أبَواهُ إلى الإسْلامِ فَيُجِيبُهُما بِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ الكُفّارِ قالُوا ذَلِكَ لِآبائِهِمْ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ والعَرَبُ قَدْ تَذْكُرُ الواحِدَ وتُرِيدُ بِهِ الجَمْعَ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
فَأمّا ال ﴿ أُفٍّ ﴾ فَهي كَلِمَةُ تَبَرُّمٍ يُقْصَدُ بِها إظْهارُ السُّخْطِ وقُبْحِ الرَّدِّ.
قالَ الشّاعِرُ ما يُذْكَرُ الدَّهْرُ إلّا قُلْتَ أُفٍّ لَهُ إذا لَقِيتُكَ لَوْلا قالَ لِي لاقِي وَفِي أصْلِ الأُفِّ والتَّفِّ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الأُفَّ وسَخُ الأُذُنِ، والتَّفَّ وسَخُ الأنْفِ.
الثّانِي: الأُفُّ وسَخُ الأظْفارِ، والتَّفُّ الَّذِي يَكُونُ في أُصُولِ الأظافِرِ.
الثّالِثُ: أنَّ الأُفَّ العَلِيلُ الأنْفِ، والتَّفَّ الإبْعادُ.
﴿ وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ﴾ أيْ يَدْعُوانِ اللَّهِ: اللَّهُمَّ اهْدِهِ، اللَّهُمَّ اقْبِلْ بِقَلْبِهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ.
﴿ وَيْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ في الثَّوابِ عَلى الإيمانِ، والعِقابِ عَلى الكُفْرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في الآخِرَةِ بِمَعاصِيكم في الدُّنْيا.
الثّانِي: ألْهَتْكُمُ الشَّهَواتُ عَنِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
الثّالِثُ: أذْهَبْتُمْ لَذَّةَ طَيِّباتِكم في الدُّنْيا بِما اسْتَوْجَبْتُمُوهُ مِن عِقابِ مَعاصِيكم في الآخِرَةِ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ اقْتَنَعْتُمْ بِعاجِلِ الطَّيِّباتِ في الدُّنْيا بَدَلًا مِن آجِلِ الطِّيِّباتِ في الآخِرَةِ.
وَرَوى الحَسَنُ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ يَقُولُ: لَأنا أعْلَمُ بِخَفْضِ العَيْشِ، ولَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ أكْبادًا وأسْنِمَةً وصِلاءً وصَنابًا وسَلائِقَ، ولَكِنْ أسْتَبْقِي حَسَناتِي، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ قَوْمًا فَقالَ: ﴿ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ﴾ والصِّلاءُ، والشِّواءُ، والصِّنابُ الأُصْبُغَةُ والسَّلائِقُ الرِّقاقُ العَرِيضُ.
وَقالَ ابْنُ بَحْرٍ فِيهِ تَأْوِيلٌ خامِسٌ: أنَّ الطَّيِّباتِ: الشَّبابُ والقُوَّةُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ذَهَبَ أطْيَباهُ أيْ شَبابُهُ وقُوَّتُهُ.
وَوَجَدْتُ الضَّحّاكُ قالَهُ أيْضًا.
﴿ واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالدُّنْيا.
الثّانِي: بِالطِّيِّباتِ.
﴿ فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الهُونُ الهَوانُ.
قالَ قَتادَةُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ.
﴿ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَسْتَعْلُونَ عَلى أهْلِها بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ.
الثّانِي: تَتَغَلَّبُونَ عَلى أهْلِها بِغَيْرِ دِينٍ.
الثّالِثُ: تَعْصُونَ اللَّهَ فِيها بِغَيْرِ طاعَةٍ.
﴿ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَفْسُقُونَ في أعْمالِكم بَغْيًا وظُلْمًا.
الثّانِي: في اعْتِقادِكم كُفْرًا وشِرْكًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك، قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه شيئاً، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة رضي الله عنها، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا أنزل فيه ﴿ والذي قال لوالديه أف لكما ﴾ فقالت عائشة رضي الله عنها من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري.
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه قال مروان: سنة أبي بكر وعمر فقال عبد الرحمن: سنة هرقل وقيصر.
فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه ﴿ والذي قال لوالديه أف لكما ﴾ الآية فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت: كذب مروان كذب مروان والله ما هو به ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان في صلبه فمروان فضفض من لعنة الله.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال إن الله قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأياً حسناً وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر.
فقال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه: أهرقلية؟
إن أبا بكر رضي الله عنه والله ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه أفّ لكما؟
فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن أباك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: وسمعتها عائشة فقالت: يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟
كذبت والله ما فيه نزلت، نزلت في فلان ابن فلان.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في ﴿ والذي قال لوالديه أفّ لكما ﴾ الآية قال: هذا ابن لأبي بكر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: نزلت هذه الآية ﴿ والذي قال لوالديه أفّ لكما ﴾ في عبد الرحمن بن أبي بكر قال لوالديه وكانا قد أسلما وأبى هو أن يسلم فكانا يأمرانه بالإِسلام ويرد عليهما ويكذبهما فيقول فأين فلان؟
وأين فلان؟
يعني مشايخ قريش ممن قد مات.
ثم أسلم بعد فحسن إسلامه فنزلت توبته في هذه الآية ﴿ ولكل درجات ما عملوا ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه من طريق ميناء أنه سمع عائشة رضي الله عنها تنكر أن تكون الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، وقالت: إنما نزلت في فلان ابن فلان، سمت رجلاً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أتعدانني أن أخرج ﴾ قال: يعني البعث بعد الموت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ ذكر ابن عباس ومقاتل: أن هذه الآية خاصة في المؤمنين.
قال ابن عباس: يريد من سبق إلى الإسلام فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو بساعة (١) وقال مقاتل: يعني ولكل فضائل بأعمالهم (٢) (٣) وقوله: ﴿ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ يعني: أن الدرجات المتفاوتة كانت لهم من أعمالهم ﴿ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ يريد مجازاة أعمالهم وثواب أعمالهم قاله ابن عباس، ومقاتل (٤) (١) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 259، فقد ذكر هذا القول ونسبه لابن عباس، وكذلك نسبه في "الوسيط" لابن عباس.
انظر: 4/ 110.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22.
(٣) أخرج ذلك الطبري عن ابن زيد.
انظر: "تفسيره" 13/ 2 / 20، وانظر تفسير البغوي" 7/ 259، و"تفسير ابن كثير" 6/ 285، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 199.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22.
ولم أقف على نسبته لابن عباس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ أي للمحسنين والمسيئين درجات في الآخرة بسبب أعمالهم، فدرجات أهل الجنة إلى علو، ودرجات أهل النار إلى سفل، وليوفيهم تعليل بفعل محذوف وبه يتعلق تقديره: جعل جزاءهم درجات ليوفيهم أعمالهم ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ﴾ العامل في محذوف تقديره اذكر ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ ﴾ تقديره يقال لهم: أذهبتم طيباتكم، والطيبات هنا الملاذ من المآكل وغيرها؛ وقرأ أكثر القراء أذهبتم بهمزة واحدة على الخبر، وابن عامر بهمزتين على التوبيخ، والآية في الكفار بدليل قوله: ﴿ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ ﴾ وهي مع ذلك واعظة لأهل التقوى من المؤمنين، ولذلك قال عمر لجابر بن عبد الله وقد رآه اشترى لحماً أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية ﴿ عَذَابَ الهون ﴾ أي العذاب يقترن به هوان.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب.
الباقون: على الغيبة.
والضمير للكتاب ﴿ إحساناً ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم.
الباقون: ﴿ حسناً ﴾ ﴿ كرهاً ﴾ في الموضعين بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وجبلة وهشام.
الباقون: بالضم وفصله يعقوب.
الآخرون ﴿ وفصاله ﴾ ﴿ أوزعني أن ﴾ بالفتح: إبن كثير غير القوّاس والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني ﴿ نتقبل ﴾ بالنون ﴿ أحسن ﴾ بالنصب ﴿ ونتجاوز ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وحفص.
الآخرون بياء الغيبة مبنياً للمفعول في الفعلين ﴿ أحسن ﴾ بالرفع ﴿ أف ﴾ بالكسر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.
وقرأ ابن كثير بالفتح من غير تنوين.
الباقون: بالكسر ولا تنوين ﴿ أتعدانني أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وقرأ هشام مدغمة النون ﴿ وليوفيهم ﴾ بالياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.
الباقون: بالنون ﴿ أءذهبتم ﴾ بتحقيق الهمزتين: ابن ذكوان ﴿ آذهبتم ﴾ بالمدّ: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وهشام.
الباقون: بهمزة واحدة.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ السموات ﴾ ه لانتهاء الاستفهام إلى الخطاب ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لأن "أم" تتضمن استفهام إنكار ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ واستكبرتم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ قديم ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ للمحسنين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مفعولاً له ومفعول فعل محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ط ﴿ ووضعته كرهاً ﴾ ط ﴿ شهراً ﴾ ط ﴿ سنة ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ذرّيتي ﴾ ط للابتداء بإن مع اتحاد الكلام ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لأن التقدير وعد لله وعداً صدقاً وهو مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ نتقبل ﴾ في معنى الوعد ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ج لأن الواو تكون مقحمة ويتصل اللام بما قبله وقد يكون المعلل محذوفاً كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ط لتقدير القول وهو العامل في يوم ﴿ بها ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ تفسقون ﴾ ه.
التفسير: إنما كرر تنزيل الكتاب لأنه بمنزلة عنوان الكتب ثم ذكر ما أنزل فقال ﴿ ما خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجل مسمى ﴾ وقد مر في أوّل "الروم" أنه الوقت الذي عينه لإفناء الدنيا.
وحين بين الدليل على وجود الإله ووقوع الحشر فرع عليه الردّ على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وقد مر في "فاطر".
والمراد أنهم لا يستحقون العبادة أصلاً لأنهم ما خلقوا شيئاً في هذا العالم لا في الأرض ولا في السماء، ولم يدل وحي من الله على عبادتهم لأن هذا القرآن ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك وما من كتاب قبله إلا هو ناطق بمثل ذلك.
فقوله ﴿ ائتوني ﴾ من باب إرخاء العنان وتوسيع المجال على الخصم أي إن كنتم في شك مما قلت فقد أمهلتكم حتى تأتوني بعد الاستقراء ﴿ بكتاب ﴾ فيه شيء من ذلك ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال الواحدي: كلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أوجه: أحدها البقية من قولهم "سمنت الناقة على إثارة من شحم" أي على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب.
والثاني أنه من الأثر بمعن الرواية.
والثالث من الأثر بمعنى العلامة والمراد ما بقي أو روي عن أسلافهم ويعدّونه علماً.
عن ابن عباس مرفوعاً أنه الخط.
قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم علمه.
ثم زاد في تبكيتهم وتوبيخهم بقوله ﴿ ومن أضل ﴾ الآية.
وبالجملة فالدليل الأوّل دل على نفي القدرة عنهم من كل الوجوه، وهذا الدليل دل على نفي العلم عنهم من كل الوجوه، فإذا انتفى العلم والقدرة عن الجسم لم يكن إلا جماداً وعبادة الجماد محض الضلال.
وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ تأبيد على عادة العرب، ويحتمل أن يكون توقيتاً بدليل قوله ﴿ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ﴾ وهذا التبري والتخاطب نوع من الاستجابة.
ثم قرر غاية عنادهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ ثم عجب من حالهم بقوله ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ الآية أي إن كذبت على الله كما زعمتم عاجلني بالعقوبة فلا تقدرون على دفع عذابه عني فأي فائدة لي في الافتراء.
ثم فوّض أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ هو أعلم بما تفيضون ﴾ أي تتدفعون فيه من القدح في الوحي، وتسميته سحراً تارة وافتراء أخرى وفي قوله ﴿ وهو الغفور الرحيم ﴾ إشارة إلى أنهم لو رجعوا إلى الحق وتابوا عن الشرك قبل الله توبتهم، وفيه إشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه.
ثم أراد أن يزيل شبهتهم بنوع آخر من البيان فقال ﴿ قل ما كنت بدعاً ﴾ هو بمعنى البديع كالخف بمعنى الخفيف أي لست بأوّل رسول أرسله الله ولا جئتكم بأمر بديع لم يكن إلى مثله سابق.
وفيه إن اقتراح الآيات الغريبة فيه غير موجه لأنه لا يتبع إلا الوحيوما هو إلا نذير وليس إليه أن يأتي بكل ما يقترح عليه، وفيه أنه غير عالم بالمغيبات إلا بطريق الوحي فلا وجه لاستدعاء الغيوب عنه سواء تتعلق بأحوال الدنيا أو بأحوال الآخرة من الأحكام والتكاليف وما يؤل أمر المكلفين إليه، وفيه أنه لا وجه لتعييره بالفقر وبأكل الطعام والمشي في الأسواق والرسل كلهم أو جلهم كانوا كذلك.
قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أشتدّ البلاء على أصحاب رسول الله رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى تهاجر؟
فسكت رسول الله وأنزل الله الآية.
وعنه في رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بأمته، فأنزل الله ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ إلى قوله ﴿ فوزاً عظيماً ﴾ فبين الله ما يفعل به وبأمته ونسخت هذه الآية.
والأصح عند العلماء أنه لا حاجة إلى التزام النسخ، فإن الدراية المفصلة غير حاصلة، وعلى تقدير حصولها فإنه لم ينف إلا الدراية من قبل نفسه، وما نفي الدراية من جهة الوحي.
وقوله ﴿ ولا بكم ﴾ في حيز النفي ولا أدري ما يفعل بكم.
و "ما" موصولة أو استفهامية، ومحل الأولى نصب، والثانية رفع.
ثم قرر أنه لا أظلم منهم فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وقد مر نظيره في آخر "حم السجدة" إلا أنه زاد ههنا حديث الشاهد وفيه أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله المدينة نظر إلى وجهه وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فآمن به.
وعن سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزل ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ على مثل القرآن.
والمعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة للقرآن من التوحيد والمعاد.
وعلى هذا فقوله ﴿ على مثله ﴾ يتعلق بشاهد أي ويشهد على صحة القرآن.
ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ مثله ﴾ إلى المذكور وهو كونه من عند الله، فيكون الجار متعلقاً بـ ﴿ شهد ﴾ قال جار الله: الواو الأخيرة عاطفة ﴿ لاستكبرتم ﴾ على ﴿ شهد ﴾ وأما الواو في ﴿ وشهد ﴾ فقد عطفت جملة قوله ﴿ وشهد ﴾ إلى آخره على جملة قوله ﴿ كان من عند الله وكفرتم به ﴾ والمعنى أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟
يدل على هذا الجواب المحذوف قوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قلت: هذا كلام حسن.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ واستكبرتم ﴾ معطوفاً على قوله ﴿ فآمن ﴾ .
ويجوز أن يكون الواو في ﴿ وشهد ﴾ للحال بإضمار "قد".
قال: وقد جعل الإيمان في قوله ﴿ فآمن ﴾ مسبباً عن الشهادة لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى وأنصف من نفسه اعترف بصحته وآمن.
القول الثاني ما ذكر الشعبي في جماعة أن السورة مكية وقد أسلم ابن سلام بالمدينة، فالشاهد هو موسى وشهادته هو ما في التوراة من بعث محمد وإيمانه تصديقه ذلك.
القول الثالث أن الشاهد ليس شخصياً معيناً وتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به ثم آمن بمحمد واستكبرتم أنتم، ألم تكونوا ظالمين ضالين؟
والمقصود أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب هو من عند الله، وثبت بشهادة الثقات أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم النبي ، ومع ثبوت هذين الأمرين كيف يليق بالعاقل إنكار نبوته؟
ثم ذكر شبهة أخرى لهم وهي أنهم قالوا ﴿ للذين آمنوا ﴾ أي لأجلهم وفي حقهم ﴿ لو كان ﴾ ما أتى به محمد ﴿ خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وقيل: اللام كما في قولك "قلت له".
وضعف بأنه لو كان كذلك لقيل ما سبقتمونا إليه.
وأجيب بأنه وارد على طريقة الالتفات، أو المراد أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين بأنه لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون.
قال المفسرون: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالاً وأكثر مالاً وهؤلاء رعاة الغنم.
وقيل: قاله أغنياء قريش للفقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود.
وقيل: هم اليهود قالوه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.
والعامل في قوله ﴿ وإذ لم يهتدوا به ﴾ محذوف وهو ظهر عنادهم وذلك أن "إذ" للمضي، والسين للاستقبال وبينهما تدافع.
والإفك القديم كقولهم أساطير الأوّلين.
وقيل: كذب ككذب عيسى قوله ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ خبر ومبتدأ وقوله ﴿ إماماً ﴾ أي قدوة يؤتم به في أصول شرائع الله، نصب على الحال كقولك "في الدار زيد قائماً".
وقوله ﴿ لساناً عربياً ﴾ حال من ضمير الكتاب في ﴿ مصدّق ﴾ أي لما بين يديه وهو العامل فيه ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ كتاب ﴾ لأنه موصوف والعامل معنى الإشارة.
وجوز أن يكون مفعولاً ﴿ لصدّق ﴾ على حذف المضاف أي يصدّق ذا لسان عربي هو الرسول.
قوله ﴿ وبشرى ﴾ معطوف على محل ﴿ لتنذر ﴾ لأنه مفعول له.
وحين قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبه المنكرين مع أجوبتها، أراد أن يذكر طريقة المحقين فقال ﴿ إن الذين قالوا ﴾ الآية.
وقد مر في "حم السجدة" إلا أنه رفع واسطة الملائكة ههنا من البين.
ثم إن أعظم أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق الله ولا سيما على الوالدين فلذلك قال ﴿ ووصينا ﴾ الآية.
وقد مرّ في "الروم" و "لقمان".
والكره بالضم، والفتح المشقة أي ذات كره أو حملاً ذاكره.
والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى، والمقصود بيان مدّة الرضاع.
ولما كان منتهياً بالفصال صح التعبير عن آخر الرضاع بالفصال، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال.
وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله { ﴿ والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ أن مدة الحمل ستة أشهر.
وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها، فأخبر علياً رضى الله عنه بذلك فمنعه محتجاً بالآية فصدّقه عمر وقال: لولا عليّ لهلك عمر.
قال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة.
وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك.
وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا: إن لتكوّن الجنين زماناً مقدّراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين.
وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوماً فإذا أتى عليه مثل ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل، ولو تمت خلقته في خمسة وثلاثين يوماً تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر، ولو تمت خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر، وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب.
ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وأنفصل في مائتين وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر، أما أكثر مدّة الحمل فليس يعرف له دليل من القرآن.
وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس من المقالة التاسعة، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش.
وعن أرسطا طاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى الإنسان.
هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً.
وعلى هذا قوله ﴿ حتى إذا بلغ أشدّه ﴾ أكثر المفسرين كما مر في آخر "الأنعام" وأوّل "يوسف" و "القصص".
على أن وقت الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة تقريباً، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتفاص، والقوّة العقلية والنطقية في الاستكمال، وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول ﴿ رب أوزعني ﴾ أي ألهمني ووفقني كما مر في "النمل".
قال علماء المعاني: قوله ﴿ في ذرّيتي ﴾ كقوله "يجرح في عراقيبها نصلي" فكأنه سأل أن يجعل ذرّيته موقعاً للصلاح ومظنة له.
وقوله ﴿ أحسن ما عملوا ﴾ إما بمعنى الحسن أو المراد الواجب والندب دون المباح.
وقوله ﴿ في أصحاب الجنة ﴾ في موضع الحال أي معدودين فيهم.
عن ابن عباس وجم غفير من المفسرين أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وفيه أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، ولم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر.
قالوا: ومما يؤيد هذا القول أنه حكى عن ذلك الإنسان أنه قال بعد أربعين سنة رب أوزعني الخ.
ومعلوم أنه ليس كل إنسان قد يقول هذا القول.
والأظهر أن هذا عام لهذا الجنس، وأن الإنسان قد يقول هذا القول ولا أقل من أن يكون وارداً على طريقة الإرشاد والتعليم.
سلمنا ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قوله ﴿ والذي قال ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ والمراد بالذي جنس القائل فلذلك أورد الخبر مجموعاً.
ويجوز أن يكون الخبر عاماً في القائل وفي أمثاله فيندرج فيه القائل.
وقيل: تقديره واذكر الذي ومن القائل.
عن الحسن وقتادة: هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث.
وذهب السدّي إلى أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وأنه كان يقول ﴿ لوالديه أف لكما ﴾ وهي كلمة تضجر وتبرم كما مر في "سبحان" و "الأنبياء" ﴿ أتعدانني أن أخرج ﴾ من القبر ﴿ وقد خلت القرون من قبلي ﴾ فلم يرجع أحدهم ﴿ وهما ﴾ يعني أبويه ﴿ يستغيثان الله ﴾ أي بالله فحذف الجار وأوصل الفعل والمراد يسألانه أن يوفقه للإيمان ويقولان له ﴿ ويلك آمن ﴾ بالله وبالبعث.
والمراد بالدعاء عليه الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.
قال السدّي: فاستجاب الله دعوة أبي بكر فيه فأسلم وحسن إسلامه ولما أسلم نزل فيه ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ وأكثر المفسرين ينكرون هذا القول لأنه قال فيه ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول ﴾ كائنين ﴿ في أمم ﴾ إلى آخره.
وأن عبد الرحمن لم يبق كافراً بل كان من سادات المسلمين.
وروي عن عائشة إنكاره إيضاً.
وذلك أنه حين كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ابن أبي العاص بأن يبايع الناس ليزيد، ردّ عليه عبد الرحمن وقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه ﴿ والذي قال لوالديه ﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه.
ثم ميز حال المؤمن من حال الكافر بقوله ﴿ ولكل ﴾ أي من الجنسين ﴿ درجات ﴾ من جزاء ما عملوا فغلب أهل الدرجات على أهل الدركات، أو الدرجات هي المراتب متصاعدة أو متنازلة، والباقي واضح مما مرّ.
والاستكبار عن قبول الحق ذنب القلب، والفسق عمل الجوارح، والأوّل أولى بالتقديم لعظم موقعه.
وقد يحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع.
قال مؤلف الكتاب: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها لقوله ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له وقد يجر بعضه بعضاً إلى أن يقع المرء في حدّ البعد عن الله.
وفي الحديث أن رسول الله دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: " أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر البيت كما تستر الكعبة؟
قالوا: نحن يومئذ خير.
قال: بل أنتم اليوم خير." وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكنني أستبقي طيباتي لأن الله وصف قوماً فقال ﴿ أذهبتم طيباتكم ﴾ وعنه أن رجلاً دعاه إلى طعام فأكل ثم قدّم شيئاً حلوا فامتنع وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال ﴿ أذهبتم ﴾ الآية.
فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا ﴾ ولست منهم فأكل وسرّه ما سمع.
والتحقيق أن المراد هو أنه ما كتب للكافر حظ من الطيبات إلا الذي أصابه في دنياه، وليس في الآية إن كل من أصاب الطيبات في الدنيا فإنه لا يكون له منها حظ في الآخرة والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً ﴾ و ﴿ حُسْناً ﴾ ؛ كأنه قال: أمرنا الإنسان أن يحسن إلى والديه، فالحسن: هو اسم ما يقع بهم من البر، وهو المفعول، والإحسان هو اسم فعله الذي يفعل بهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾ أي: إنها في أول ما حملت [حملت] حملا خفيفاً، فلما كبر أثقلت، وهو وصف الولد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ﴾ وذلك في الأم؛ لأنها لا تزال تضعف وتوهن من أول ما حملت إلى آخر ما وضعت.
وقوله - - ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ في أول ما تحمل تجد كراهة في نفسها إلى وقت وضعها.
والثاني: يشبه أن يكون على الجمع في الأم دون الولد على اختلاف الأحوال، وهو في الابتداء يخف عليها الحمل، ويثقل ذلك عليها إذا دنا وقت وضعها، وما ذكر من الوهن فهو ما ذكرنا أنها لا تزال تزداد ضعفاً فيها ووهناً من أوّل حملها إلى وقت وضعها، وما ذكر من الكراهة فهو إذا تم حملها شق ذلك عليها، وكذلك الوضع، لا شك أن ذلك يشق عليها.
والتأويل الأوّل على التفريق في حال يرجع الوصف إلى الولد، وفي حال إلى الوالدة، والثاني يرجع ذلك كله إلى وصف الأم، وعلى التأويلين حصل التوفيق بين الآيات؛ لرجوعها إلى اختلاف الأحوال، فأمكن الجمع بين الكل في أحوال، والاختلاف إنما يكون في حال واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق - - حملته أمه كرهاً؛ أي: بمشقة، ووضعته بمشقة، ثم وضعته على تمام ستة أشهر.
وقال بعضهم: الآية نزلت في الحسن أو الحسين - ما - وضعته [أمه] على ما ذكر في المدّة.
ثم منهم من يقول: الآية وإن نزلت في نازلة بعينها، لكن ما ذكر من الحكم فذلك في كل إنسان وهو أن يكون الولد ثابت النسب من الأب بهذه المدة، فإنه روي عن عمر - - أنه أتي بامرأة وضعت في ستة أشهر، فأراد أن يرجمها، فقال ابن عباس - - يا أمير المؤمنين، إن الله - - قد جعل في كتابه مخرجاً؛ قال الله - -: ﴿ وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ﴾ ستة أشهر لحملها، ورضاعه سنتين، فأخذ بقول ابن عباس - - ودرأ عن الرجم.
وكذلك روي عن عثمان - - أنه أتي بامرأة وضعت لستة أشهر، فهمّ أن يرجمها، فقال له ابن عباس: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم، ثم تلا هذه الآية.
وكذلك ذكر عن علي - - أن عثمان - - لما أمر برجم المرأة التي وضعت لستة أشهر، فسمع علي - - فأتى عثمان - - فقال له: ما صنعت؟
فقال له عثمان - -: وهل تلد المرأة الولد التام لستة أشهر؟
قال: نعم، ثم تلا عليه هذه الآية.
فهؤلاء الصحابة - م - قد رأوا الآية في كل امرأة وضعت لتلك المدة في حق ذلك الحكم الذي ذكر، والله أعلم.
ثم روي عن ابن عباس - - قال: إذا وضعت المرأة لستة أشهر أرضعته حولين كاملين؛ لأن الله - - يقول: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ﴾ وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعته ثلاثة وعشرين شهراً، وإذا وضعته لتسعة أشهر، أرضعته أحداً وعشرين شهراً، فعلى قياس هذا جائز أنها [إن] وضعته لسنتين أن يكفي رضاع ستة أشهر، يزاد وينقص على ذلك القدر؛ ألا ترى أنه روي أن المرأة التي حملت سنتين ولدت وقد ثبتت له سنتان؛ فمثل هذا الولد لا يحتاج من الرضاع ما يحتاج الذي ولد لستة أشهر؛ لذلك كان ما ذكرنا.
ثم إذا احتمل النقصان عن الحولين؛ لما ذكرنا جازت الزيادة على الحولين؛ على ما قال أبو حنيفة - رحمه الله - لأن ما ذكر من الحولين إنما هو رضاع أقل الحمل، وهو ستة أشهر؛ لأن الذي ولد لستة أشهر كان إلى الاغتذاء بالطعام أبعد من الذي ولد لتسعة أشهر؛ لضعفه في نفسه، والذي ولد لتسعة أشهر فهو إلى الاغتذاء بالطعام أقرب منه، والذي ولد لسنتين هو أقرب إلى الاغتذاء بالطعام من المولود لتسعة أشهر؛ لقوته وقلة حاجته إلى الغذاء باللبن، فإذا كان قوله - -: ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ هو أقل رضاع يكون؛ لأنه ذكر للمولود لأقل الحمل؛ حيث قال: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ﴾ ثم قال: ﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ﴾ فإذا كان أقل احتمل الزيادة التي ذكر أبو حنيفة - رحمه الله - وهو ستة أشهر على السنتين، كما يصير رضاع أكثر الحمل ستة أشهر، واعتبر في الباب إلى قوة الولد، واحتمال الغذاء بالطعام، وعدم الاحتمال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً...
﴾ إلى آخر [ما] ذكر.
دلت هذه الآية على أن الآية التي ذكرنا نزلت في نازلة؛ حيث أخبر أنه إذا بلغ ذلك المبلغ قال: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ...
﴾ الآية.
ثم قوله - -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ذكر أوّل ما يشتد عقله، ويدخل في القوة إلى الوقت الذي يكون على الزيادة، فإذا جاوز ذلك الوقت يأخذ في الانتقاص، وهو أربعون سنة.
وقال أهل التأويل: بلوغ الأشد هو ثماني عشرة سنة إلى أربعين، وهو ما ذكرنا: أنه أول وقت دخوله في الزيادة والقوة إلى الوقت الذي إذا بلغ ذلك يأخذ في النقصان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ دل قوله: ﴿ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ على أن [على] الرجل شكر ما أنعم على والديه وأحسن إليهما كما يلزمه شكر ما أنعم عليه؛ لما يكون بدء إسلام الأولاد الصغار بالوالدين وما لهما من النعم يصل نفعها إليهم - أيضاً - فيلزمهم شكر ما أنعم عليهم بالإيمان والنعم في وقته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ ﴾ هذا على كل مسلم أن يدعو بمثل هذا الدعاء، يسأل ربه التوفيق على عمل صالح يرضاه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أصلح لي ذريتي؛ على طرح حرف ﴿ فِي ﴾ منه؛ كقوله: ﴿ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ ﴾ ، والله أعلم.
ثم قوله - -: ﴿ أَوْزِعْنِيۤ ﴾ : ألهمني.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه سأل ربه أن يوزعه شكر ما أنعم عليه، ومن قولهم أن ليس على المرء الشكر إلا بعد إعطاء جميع ما به يشكر حتى لا يبقى عنده مزيد؛ فيكون مثل هذا الدعاء من العباد ردّاً على قولهم؛ لأنهم يسألون ما يعلمون أن ليس عنده ذلك، وأنّه لا يملكه، وكذلك قوله: ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ ﴾ ، ومن قولهم أنه ليس عنده ما يغيثه، فيخرج دعاؤهم على ما ذكرنا على مذهبهم، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ كأنْ لهم عملان: حسنات وسيئات، فأخبر أنه يتقبل عنهم حسناتهم، ويجزيهم جزاءها، ويتجاوز عن سيئاتهم ويكفرها، ولا يجزيهم جزاءها؛ فضلا منه ورحمة، والمراد من الأحسن: الحسن، ويجوز ذلك في اللغة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ أي: ذلك الذي أخبر وذكر أنه يفعل لهم هو وعد الصدق يفي ذلك لهم، وهو قادر على وفاء الوعد، ومن يكون منه الخلف في الوعد في الشاهد إنما يكون لأحد وجوه ثلاثة: إما لعجز يمنعه عن وفاء ما وعد.
أو جهل وبدو شيء رآه فرجع عن ذلك.
أو حاجة.
والله - وتعالى - يتعالى عن ذلك كله؛ للقدرة الذاتية، والغنى الذاتي، والعلم الأزلي، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
خرج أهل التأويل هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر - ما - ووالدته فلانة، والآية الأولى في أبي بكر ووالديه، وهي قوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ ﴾ فيقولون: إن أبا بكر الصديق - - أطاع والديه وأمر بالإحسان إليهما، والشكر لهما، وسأل التوفيق في الشكر له به على ما أنعم عليه وأنعم على والديه، وعبد الرحمن ابنه قد عصى والديه وخالفهما فيما يدعوانه إليه، وقال لهما قولا رديّاً؛ حيث قال: ﴿ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ ﴾ من القبر وأحيا ﴿ وَقَدْ خَلَتِ ﴾ من قبلي من القرون فلا أراهم بعثوا، ونحو ذلك من الكلام.
إلا أن هذا لا يصح؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في أجلة الصحابة - م - فالظاهر أنه لم يكن منه مثل هذه المجادلة؛ ولأن أهل التأويل قالوا: إنه كان قال لوالديه: إن كان ما تقولون حقّاً أخرجوا فلاناً وفلاناً؛ ذكر نفراً من أجداده، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ...
﴾ الآية، ولا يحتمل أن يكون هذا جواب ما تقدم من القول؛ لأنه في وجوب ما ذكر - وهو استحقاق العذاب عليهم - منع العود والإحياء في الدنيا، ولأنهم لو كانوا يعادون لا يسقط ذلك الذي حق عليهم؛ إذ هم لا يؤمنون؛ ألا ترى أن الله - - قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
لكن جائز أن تكون الآيتان في رجلين من ولد بني آدم مع والديهما: أطاع أحدهما والديه وأجابهما إلى ما دعواه إليه، وأبى الآخر إجابة والديه إلى ما دعواه إليه، وخالفهما في أمرهما فاستغاث والداه ممن عصاهما وخالفهما في أمرهما وقالا ما ذكر في الآية، وقال من أجابهما ما ذكر، وهو كما ذكرنا في قوله - -: ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾ صرف أهل التأويل بأجمعهم هذه الآية إلى آدم وزوجته حوّاء - عليهما السلام - وقلنا نحن: جائز أن يكون هذا في كل والد ووالدة يقولان ما ذكر ويدعوان إلى ما ذكر، فلما آتاهما ما ذكر من الصلاح كانا ما ذكر، فعلى ذلك جائز أن تكون الآيتان اللتان ذكرناهما تكونان في كل ولد مع والديه: من أجاب والديه ومن عصاهما - والله أعلم - فلا تصرف الآية إلى من ذكروا إلا ببيان من الله - - على لسان رسوله : أنها في كذا وكذا، وفي فلان وفلان، على طريق التواتر، فعند ذلك يقال ما قالوا، فأما إذا لم تثبت النصوص والإشارة إلى قوم بالتواتر فالكف عن ذلك أسلم، والله أعلم.
ودل قوله: ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ ﴾ أن عند الله لطفاً لو أعطى ذلك لآمن.
وقوله: ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ ﴾ \[أي:\] فيقولان: ﴿ وَيْلَكَ آمِنْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ من خير أو شر ﴿ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ أي: ليوفينهم أجر أعمالهم، وجزاء أعمالهم من خير أو شر ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ أي: لا ينقصون من خيراتهم، ولا يزداد لهم في سيئاتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾ ، ونحوها؛ يذكرهم بهذه الآيات وأمثالها؛ ليعرفوا ما كان منهم، وما استوجبوا من العقوبات إنما استوجبوا بما كان منهم في الدنيا من التكذيب والاستهزاء بآياته؛ لينزجروا عن ذلك.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما أذهبتم طيباتكم التي أعطيتموها في منافعكم وأتلفتموها ولم تؤدوا شكرها، ولم تقوموا بوفائها، والله أعلم.
والثاني: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: أتلفتموها، ولم تكتسبوا بها الطيبات الموعودة في الآخرة والنعم الدائمة، فكل ما أعطى في هذه الدنيا من الأموال إنما أعطى ليستعينوا بها على عمل الآخرة، وليتزودوا بها، ويجعلوها زداً للآخرة، فأما إذا جعلوها في غير ذلك فهو إتلاف، وجعل في غير ما جعل، وذلك وبال عليهم وحسرة، وهو ما قال الله - -: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ وكذا ذكر: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ ﴾ ، فكل نفقة كانت في غير ما ذكر من الاستعانة على زاد الآخرة والتزود لها فهي لحياة الدنيا، وهي لعب ولهو، وهو ما ذكر من الريح فيها صرّ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ ﴾ أي: عذاب تهانون فيه، يهينكم ذلك العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل استكبارهم الذي ذكر على الرسل، استكبروا على الرسل فتركوا اتباعهم، فاستكبروا على آياته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ والفسق هو الخروج عن أمر الله .
<div class="verse-tafsir"
ولكلا الفريقين -فريق الجنة، وفريق السعير- مراتب حسب أعمالهم، فمراتب أهل الجنة درجات عالية، ومراتب أهل النار دركات سافلة، وليوفيهم الله جزاء أعمالهم، وهم لا يظلمون يوم القيامة بنقص حسناتهم، ولا بزيادة سيئاتهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.760XW"