الآية ٢٠ من سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ٢٠ من سورة الأحقاف

وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة الأحقاف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ) أي : يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا .

وقد تورع [ أمير المؤمنين ] عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن كثير من طيبات المآكل والمشارب ، وتنزه عنها ، ويقول : [ إني ] أخاف أن أكون كالذين قال الله تعالى لهم وقرعهم : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ) وقال أبو مجلز : ليتفقدن أقوام حسنات كانت لهم في الدنيا ، فيقال لهم : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) وقوله : ( فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ) فجوزوا من جنس عملهم ، فكما نعموا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق ، وتعاطوا الفسق والمعاصي ، جازاهم الله بعذاب الهون ، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة ، والحسرات المتتابعة والمنازل في الدركات المفظعة ، أجارنا الله من ذلك كله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20) يقول تعالى ذكره: ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بِاللَّهِ ( عَلَى النَّارِ ) يقال لهم ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ) فيها.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ) قرأ يزيد حتى بلغ ( وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) تعلمون والله أن أقواما يشترطون حسناتهم استبقى رجل طيباته إن استطاع, ولا قوّة إلا بالله.

ذُكر أن عمر بن الخطاب كان يقول: لو شئت كنت أطيبكم طعاما, وألينكم لباسا, ولكني أستبقي طيباتي.

وذُكر لنا أنه لما قدم الشأم, صنع له طعام لم ير قبله مثله, قال: هذا لنا, فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟

قال خالد بن الوليد: لهم الجنة, فاغرورقت عينا عمر, وقال: لئن كان حظنا في الحطام, وذهبوا- قال أبو جعفر فيما أرى أنا- بالجنة, لقد باينونا بونا بعيدا.

وذُكر لنا " أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم دخل على أهل الصفة مكانا يجتمع - فيه فقراء المسلمين, وهم يرقَعون ثيابهم بالأدَم, ما يجدون لها رقاعا, قال: أنتم اليوم خير, أو يوم يغدو أحدكم في حلة, ويروح في أُخرى, ويغدى عليه بحفنة, ويُراح عليه بأخرى, ويستر بيته كما تستر الكعبة.

قالوا: نحن يومئذ خير, قال: " بل أنتم اليوم خير " .

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: حدثنا صاحب لنا عن أبي هريرة, قال: إنما كان طعامنا مع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الأسودين: الماء, والتمر, والله ما كنا نرى سمراءكم هذه, ولا ندري ما هي.

قال: ثنا سعيد, عن قتادة, عن أبي بردة بن عبد الله بن قيس الأشعريّ, عن أبيه, قال: أي بنيّ لو شهدتنا مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ونحن مع نبينا إذا أصابتنا السماء, حسبت أن ريحنا ريح الضأن, إنما كان لباسنا الصوف.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله عزّ وجلّ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا )...

إلى آخر الآية, ثم قرأ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ وقرأ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وقرأ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ...

إلى آخر الآية, وقال: هؤلاء الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ ) , فقرأته عامة قرّاء الأمصار (أَذْهَبْتُمْ) بغير استفهام, سوى أبي جعفر القارئ, فإنه قرأه بالاستفهام, والعرب تستفهم بالتوبيخ, وتترك الاستفهام فيه, فتقول: أذهبت ففعلت كذا وكذا, وذهبت ففعلت وفعلت.

وأعجب القراءتين إليّ ترك الاستفهام فيه, لإجماع الحجة من القرّاء عليه, ولأنه أفصح اللغتين.

وقوله ( فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ) يقول تعالى ذكره: يقال لهم: فاليوم أيها الكافرون الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا تجزون: أي تثابون عذاب الهون, يعني عذاب الهوان, وذلك عذاب النار الذي يهينهم.

كما حدثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( عَذَابَ الْهُونِ ) قال: الهوان ( بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) يقول: بما كنتم تتكبرون في الدنيا على ظهر الأرض على ربكم, فتأبون أن تخلصوا له العبادة, وأن تذعنوا لأمره ونهيه بغير الحقّ, أي بغير ما أباح لكم ربكم, وأذن لكم به ( وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) يقول: بما كنتم فيها تخالفون طاعته فتعصونه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون .قوله تعالى : ويوم يعرض أي ذكرهم يا محمد يوم يعرض .

الذين كفروا على النار أي يكشف الغطاء فيقربون من النار وينظرون إليها .

أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها أي يقال لهم [ ص: 186 ] أذهبتم ، فالقول مضمر .

وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية ويعقوب وابن كثير ( أأذهبتم ) بهمزتين مخففتين ، واختاره أبو حاتم .

وقرأ أبو حيوة وهشام ( آذهبتم ) بهمزة واحدة مطولة على الاستفهام .

الباقون بهمزة واحدة من غير مد على الخبر ، وكلها لغات فصيحة ومعناها التوبيخ ، والعرب توبخ بالاستفهام وبغير الاستفهام ، وقد تقدم .

واختار أبو عبيد ترك الاستفهام لأنه قراءة أكثر أئمة السبعة نافع وعاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي ، مع من وافقهم شيبة والزهري وابن محيصن والمغيرة بن أبي شهاب ويحيى بن الحارث والأعمش ويحيى بن وثاب وغيرهم ، فهذه عليها جلة الناس .

وترك الاستفهام أحسن ; لأن إثباته يوهم أنهم لم يفعلوا ذلك ، كما تقول : أنا ظلمتك ؟

تريد أنا لم أظلمك .

وإثباته حسن أيضا ، يقول القائل : ذهبت ؟

فعلت كذا ؟

، يوبخ ويقول : أذهبت ؟

فعلت ؟

.

كل ذلك جائز .

ومعنى أذهبتم طيباتكم أي : تمتعتم بالطيبات في الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات ، يعني المعاصي .

فاليوم تجزون عذاب الهون أي عذاب الخزي والفضيحة .

قال مجاهد : الهون الهوان .

قتادة : بلغة قريش .[ قوله تعالى : ] بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق أي تستعلون على أهلها بغير استحقاق .

وبما كنتم تفسقون في أفعالكم بغيا وظلما .

وقيل : أذهبتم طيباتكم أي : أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي .

قال ابن بحر : الطيبات الشباب والقوة ، مأخوذ من قولهم : ذهب أطيباه ، أي : شبابه وقوته .

قال الماوردي : ووجدت الضحاك قاله أيضا .قلت : القول الأول أظهر ، روى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول : لأنا أعلم بخفض العيش ، ولو شئت لجعلت أكبادا وصلاء وصنابا وصلائق ، ولكني أستبقي حسناتي ، فإن الله - عز وجل - وصف أقواما فقال : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها وقال أبو عبيد في حديث عمر : لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكراكر وأسنمة .

وفي بعض الحديث : وأفلاذ .

قال أبو عمرو وغيره : الصلاء ( بالمد والكسر ) : الشواء ، سمي بذلك لأنه يصلى بالنار .

والصلاء أيضا : صلاء النار ، فإن فتحت الصاد قصرت وقلت : صلى النار .

والصناب : الأصبغة المتخذة من الخردل والزبيب .

قال أبو عمرو : ولهذا قيل للبرذون : صنابي ، وإنما شبه لونه بذلك .

قال : والسلائق ( بالسين ) هو ما يسلق من البقول وغيرها .

وقال غيره : هي الصلائق بالصاد ، قال جرير :تكلفني معيشة آل زيد ومن لي بالصلائق والصنابوالصلائق : الخبز الرقاق العريض .

وقد مضى هذا المعنى في ( الأعراف ) .

وأما [ ص: 187 ] الكراكر فكراكر الإبل ، واحدتها كركرة وهي معروفة ، هذا قول أبي عبيد .

وفي الصحاح : والكركرة رحى زور البعير ، وهي إحدى النفثات الخمس .

والكركرة أيضا الجماعة من الناس .

وأبو مالك عمرو بن كركرة رجل من علماء اللغة .

قال أبو عبيد : وأما الأفلاذ فإن واحدها فلذ ، وهي القطعة من الكبد .

قال أعشى باهلة :تكفيه حزة فلذ إن ألم بها من الشواء ويروي شربه الغمروقال قتادة : ذكر لنا أن عمر - رضي الله عنه - قال : لو شئت كنت أطيبكم طعاما ، وألينكم لباسا ، ولكني أستبقي طيباتي للآخرة .

ولما قدم عمر الشام صنع له طعام لم ير قط مثله قال : هذا لنا!

فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وما شبعوا من خبز الشعير فقالخالد بن الوليد : لهم الجنة ، فاغرورقت عينا عمر بالدموع وقال : لئن كان حظنا من الدنيا هذا الحطام ، وذهبوا هم في حظهم بالجنة فلقد باينونا بونا بعيدا .

وفي صحيح مسلم وغيره أن عمر - رضي الله عنه - دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في مشربته حين هجر نساءه قال : فالتفت فلم أر شيئا يرد البصر إلا أهبا جلودا معطونة قد سطع ريحها ، فقلت : يا رسول الله ، أنت رسول الله وخيرته ، وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير ؟

قال : فاستوى جالسا وقال : ( أفي شك أنت يا ابن الخطاب .

أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا ) فقلت : استغفر لي فقال : ( اللهم اغفر له ) .وقال حفص بن أبي العاص : كنت أتغدى عند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الخبز والزيت ، والخبز والخل ، والخبز واللبن ، والخبز والقديد ، وأقل ذلك اللحم الغريض .

وكان يقول : لا تنخلوا الدقيق فإنه طعام كله ، فجيء بخبز متفلع غليظ ، فجعل يأكل ويقول : كلوا ، فجعلنا لا نأكل ، فقال : ما لكم لا تأكلون ؟

فقلنا : والله يا أمير المؤمنين نرجع إلى طعام ألين من طعامك هذا ، فقال : يا ابن أبي العاص أما ترى بأني عالم أن لو أمرت بعناق سمينة فيلقى عنها شعرها ثم تخرج مصلية كأنها كذا وكذا ، أما ترى بأني عالم أن لو أمرت بصاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ثم أشن عليه من الماء فيصبح كأنه دم غزال ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أجل ما تنعت العيش ، قال : أجل والله الذي لا إله إلا هو لولا أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركناكم في العيش ولكني سمعت الله تعالى يقول لأقوام : [ ص: 188 ] أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون أي : الهوان .

بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق أي : تتعظمون عن طاعة الله وعلى عباد الله .

وبما كنتم تفسقون تخرجون عن طاعة الله .

وقال جابر : اشتهى أهلي لحما فاشتريته لهم فمررت بعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال : ما هذا يا جابر ؟

فأخبرته ، فقال : أوكلما اشتهى أحدكم شيئا جعله في بطنه أما يخشى أن يكون من أهل هذه الآية : أذهبتم طيباتكم الآية .

قال ابن العربي : وهذا عتاب منه له على التوسع بابتياع اللحم والخروج عن جلف الخبز والماء ، فإن تعاطي الطيبات من الحلال تستشره لها الطباع وتستمرئها العادة فإذا فقدتها استسهلت في تحصيلها بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة واستشراه الهوى على النفس الأمارة بالسوء .

فأخذ عمر الأمر من أوله وحماه من ابتدائه كما يفعله مثله .

والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه : على المرء أن يأكل ما وجد ، طيبا كان أو قفارا ، ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشبع إذا وجد ، ويصبر إذا عدم ، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها ، ويشرب العسل إذا اتفق له ، ويأكل اللحم إذا تيسر ، ولا يعتمد أصلا ، ولا يجعله ديدنا .

ومعيشة النبي - صلى الله عليه وسلم - معلومة ، وطريقة الصحابة منقولة ، فأما اليوم عند استيلاء الحرام وفساد الحطام فالخلاص عسير ، والله يهب الإخلاص ، ويعين على الخلاص برحمته .

وقيل : إن التوبيخ واقع على ترك الشكر لا على تناول الطيبات المحللة ، وهو حسن ، فإن تناول الطيب الحلال مأذون فيه ، فإذا ترك الشكر عليه واستعان به على ما لا يحل له فقد أذهبه .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يذكر تعالى حال الكفار عند عرضهم على النار حين يوبخون ويقرعون فيقال لهم: { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا } حيث اطمأننتم إلى الدنيا، واغتررتم بلذاتها ورضيتم بشهواتها وألهتكم طيباتها عن السعي لآخرتكم وتمتعتم تمتع الأنعام السارحة فهي حظكم من آخرتكم، { فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } أي: العذاب الشديد الذي يهينكم ويفضحكم بما كنتم تقولون على الله غير الحق، أي: تنسبون الطريق الضالة التي أنتم عليها إلى الله وإلى حكمه وأنتم كذبة في ذلك، { وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ } أي: تتكبرون عن طاعته، فجمعوا بين قول الباطل والعمل بالباطل والكذب على الله بنسبته إلى رضاه والقدح في الحق والاستكبار عنه فعوقبوا أشد العقوبة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويوم يعرض الذين كفروا على النار ) فيقال لهم : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، ويعقوب : " أأذهبتم " ، بالاستفهام ويهمز ابن عامر همزتين ، والآخرون بلا استفهام على الخبر ، وكلاهما فصيحان ، لأن العرب تستفهم بالتوبيخ ، وترك الاستفهام فتقول : أذهبت ففعلت كذا ؟

( واستمتعتم بها ) يقول : أذهبتم طيباتكم يعني اللذات وتمتعتم بها ؟

( فاليوم تجزون عذاب الهون ) أي العذاب الذي فيه ذل وخزي ( بما كنتم تستكبرون ) [ تتكبرون ] ( في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ) فلما وبخ الله الكافرين بالتمتع بالطيبات في الدنيا آثر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والصالحون اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة .

وروينا عن عمر قال : دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر الرمال بجنبه ، فقلت : يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله ، فقال : " أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا " .

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني ، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب ، حدثنا أبو عيسى الترمذي ، ثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال : سمعت عبد الرحمن بن يزيد يحدث ، عن الأسود بن يزيد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا أحمد بن المنصور الرمادي ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : لقد كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا وما هو إلا الماء والتمر ، غير أن جزى الله نساء من الأنصار خيرا ، كن ربما أهدين لنا شيئا من اللبن .

أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني ، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي ، أخبرنا الهيثم بن كليب ، حدثنا أبو عيسى الترمذي ، حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي ، حدثنا ثابت بن يزيد ، عن هلال بن خباب عن عكرمة ، عن ابن عباس - رضي الله عنه - ما قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيت الليالي المتتابعة طاويا ، وأهله لا يجدون عشاء ، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير .

أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني ، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي ، أخبرنا الهيثم بن كليب ، حدثنا أبو عيسى ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن ، حدثنا روح بن أسلم ، حدثنا أبو حاتم البصري ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين ليلة ويوم وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، [ حدثنا محمد بن إسماعيل ] حدثنا يوسف بن عيسى ، حدثنا ابن فضيل ، عن أبيه ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة أنه قال : لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء ، إما إزار وإما كساء ، قد ربطوا في أعناقهم ، فمنها ما يبلغ نصف الساقين ، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني ، حدثنا أبو طاهر محمد بن الحارث ، حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، حدثنا عبد الله بن مبارك ، عن شعبة بن الحجاج ، عن سعد بن إبراهيم ، [ عن أبيه إبراهيم ] أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام وكان صائما ، فقال : قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن في بردة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه ، وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه ، قال : وأراه قال : وقتل حمزة وهو خير مني ، فلم يوجد ما يكفن فيه إلا بردة ، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط ، أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام .

وقال جابر بن عبد الله : رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي ، فقال : ما هذا يا جابر ؟

قلت : اشتهيت لحما فاشتريته ، فقال عمر : أو كلما اشتهيت شيئا يا جابر اشتريت ، أما تخاف هذه الآية : " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويوم يُعرض الذي كفروا على النار» بأن تكشف لهم يقال لهم «أذهبتم» بهمزة وبهمزتين وبهمزة ومدة وبهما وتسهيل الثانية «طيباتكم» باشتغالكم بلذاتكم «في حياتكم الدنيا واستمتعتم» تمتعتم «بها فاليوم تجزون عذاب الهُون» أي الهوان «بما كنتم تستكبرون» تتكبرون «في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون» به وتعذبون بها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويوم يعرض الذين كفروا على النار للعذاب، فيقال لهم توبيخًا: لقد أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فاليوم - أيها الكفار- تُجْزَون عذاب الخزي والهوان في النار؛ بما كنتم تتكبرون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تخرجون عن طاعة الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما سيكون عليه الكافرون يوم القيامة من حال سيئة فقال : ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدنيا ..

) .والظرف متلعق بمحذوف تقديره : اذكر .

وقوله ( يُعْرَضُ ) من العرض بمعنى الوقوف على الشئ ، وتلقى ما يترتب على هذا الوقوف على هذا الشئ من خير أو شر .والمراد بالعرض على النار هنا : مباشرة عذابها ، وإلقائهم فيها ، ويشهد لهذا قوله - تعالى - بعد ذلك ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ على النار أَلَيْسَ هذا بالحق قَالُواْ بلى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) قال الآلوسى : قوله : ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار ) .

أى : يعذبون بها ، من قولهم : عُرِض بنو فلان على السيف ، إذا قتلوا به ، وهو مجاز شائع .

.وقوله : ( أَذْهَبْتُمْ .

.

) إلخ مقول لقول محذوف .

وهذا اللفظ قرأه ابن كثير وابن عامر ( أأذهبتم ) بهمزتين على الاستفهام الذى هو للتقريع والتوبيخ ، وقرأه الجمهور ( أذهبتم ) بهمزة واحدة على الخبر من غير استفهام .أى : واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ ، يوم يقف الذين كفروا على النار ، فيرون سعيرها ثم يلقون فيها ، ويقال لهم - على سبيل الزجر والتأنيب - ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدنيا ) أى : ضيعتم وأتلفتم بالطيبات التى أنعم الله بها عليكم فى حياتكم الدنيا ، حيث ( استمتعتم بِهَا ) استمتاعا دنيويا دون أن تدخروا للآخرة منها شيئا .

.( فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون ) أى : تجزون عذاب الهون والخزى والذل .( بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق ) أى : بسبب استكبارهم فى الأرض بغير الحق .

.( وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ) أى : وبسبب خروجكم فى الدنيا عن طاعة الله - تعالى - ، وعن هدى أنبيائه .وقيد - سبحانه - استكبارهم فى الأرض بكونه بغري الحق ، ليسجل عليهم هذه الرذيلة ، وليبين أنهم قوم دينهم التكبر والغرور وإيثار اتباع الباطل على الحق .قال الجمل : والحاصل أنه - تعالى - علل ذلك العذاب بأمرين :أحدهما : الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب .والثانى : الفسق وهو ذنب الجوارح ، وقدم الأول على الثانى ، لأن أحوال القلب أعظم وقعا من أعمال الجوارح .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وصف الولد البار بوالديه في الآية المتقدمة، وصف الولد العاق لوالديه في هذه الآية، فقال: ﴿ والذي قَالَ لوالديه أُفّ لَّكُمَا ﴾ وفي هذه الآية قولان الأول: أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، قالوا كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى، وهو ﴿ أُفٍّ لَّكُمَا ﴾ واحتج القائلون بهذا القول على صحته، بأنه لما كتب معاوية إلى مروان يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم؟

فقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه ﴿ والذي قَالَ لوالديه أُفٍّ لَّكُمَا ﴾ .

والقول الثاني: أنه ليس المراد من شخص معين، بل المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحق فأباه وأنكره، وهذا القول هو الصحيح عندنا، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني بقوله: ﴿ أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين ﴾ ولا شك أن عبد الرحمن آمن وحسن إسلامه، وكان من سادات المسلمين، فبطل حمل الآية عليه، فإن قالوا: روي أنه لما دعاه أبواه إلى الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت، قال: ﴿ أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ﴾ من القبر، يعني أبعث بعد الموت ﴿ وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي ﴾ يعني الأمم الخالية، فلم أر أحداً منهم بعث فأين عبد الله بن جدعان، وأين فلان وفلان؟

إذا عرفت هذا فنقول قوله: ﴿ أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول ﴾ المراد هؤلاء الذين ذكرهم عبد الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله، وهم الذين حق عليهم القول، وبالجملة فهو عائد إلى المشار إليهم بقوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي ﴾ لا إلى المشار إليه بقوله: ﴿ والذي قَالَ لوالديه أُفٍّ لَّكُمَا ﴾ هذا ما ذكره الكلبي في دفع ذلك الدليل، وهو حسن والوجه الثاني: في إبطال ذلك القول، ما روي أن مروان لما خاطب عبد الرحمن بن أبي بكر بذلك الكلام سمعت عائشة ذلك فغضبت وقالت: والله ما هو به، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه الوجه الثالث: وهو الأقوى، أن يقال إنه تعالى وصف الولد البار بأبويه في الآية المتقدمة، ووصف الولد العاق لأبويه في هذه الآية، وذكر من صفات ذلك الولد أنه بلغ في العقوق إلى حيث لما دعاه أبواه إلى الدين الحق، وهو الإقرار بالبعث والقيامة أصر على الإنكار وأبى واستكبر، وعول في ذلك الإنكار على شبهات خسيسة وكلمات واهية، وإذا كان كذلك كان المراد كل ولد اتصف بالصفات المذكورة ولا حاجة ألبتة إلى تخصيص اللفظ المطلق بشخص معين، قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ أُفّ ﴾ بالفتح والكسر بغير تنوين، وبالحركات الثلاث مع التنوين، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال حس، علم أنه متوجع، واللام للبيان معناه هذا التأفيف لكما خاصة، ولأجلكما دون غيركما، وقرئ ﴿ أَتَعِدَانِنِي ﴾ بنونين، وأتعداني بأحدهما وأتعداني بالإدغام، وقرأ بعضهم: أتعدانني بفتح النون كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرين والياء، ففتح الأولى تحرياً للتخفيف كما تحراه من أدغم ومن طرح أحدهما.

ثم قال: ﴿ أَنْ أُخْرِجْ ﴾ أي أن أبعث وأخرج من الأرض، وقرئ ﴿ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي ﴾ يعني ولم يبعث منهم أحد.

ثم قال: ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ الله ﴾ أي الوالدان يستغيثان الله، فإن قالوا: كان الواجب أن يقال يستغيثان بالله؟

قلنا الجواب: من وجهين: الأول: أن المعنى أنهما يستغيثان الله من كفره وإنكاره، فلما حذف الجار وصل الفعل الثاني: يجوز أن يقال الباء حذف، لأنه أريد بالاستغاثة هاهنا الدعاء على ما قاله المفسرون ﴿ يدعون الله ﴾ فلما أريد بالاستغاثة الدعاء حذف الجار، لأن الدعاء لا يقتضيه، وقوله: ﴿ وَيْلَكَ ﴾ أي يقولان له ويلك ﴿ آمِنْ ﴾ وصدق بالبعث وهو دعاء عليه بالثبور، والمراد به الحث، والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.

ثم قال: ﴿ إِنَّ وَعْدَ الله ﴾ بالبعث ﴿ حق فيقول ﴾ لهما ﴿ ما هذا ﴾ الذي تقولان من أمر البعث وتدعوانني إليه ﴿ إِلاَّ أساطير الأولين ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول ﴾ أي حقت عليهم كلمة العذاب، ثم هاهنا قولان: فالذين يقولون المراد بنزول الآية عبد الرحمن بن أبي بكر، قالوا المراد بهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب هم القرون الذين خلوا من قبله، والذين قالوا المراد به ليس عبد الرحمن، بل كل ولد كان موصوفاً بالصفة المذكورة؛ قالوا هذا الوعيد مختص بهم، وقوله: ﴿ فِي أُمَمٍ ﴾ نظير لقوله: ﴿ فِي أصحاب الجنة ﴾ وقد ذكرنا أنه نظير لقوله: أكرمني الأمير في أناس من أصحابه، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم.

ثم قال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين ﴾ وقرئ أن بالفتح على معنى آمن بأن وعد الله حق.

ثم قال: ﴿ وَلِكُلٍّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ وفيه قولان الأول: أن الله تعالى ذكر الولد البار، ثم أردفه بذكر الولد العاق، فقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ خاص بالمؤمنين، وذلك لأن المؤمن البار بوالديه له درجات متفاوتة، ومراتب مختلفة في هذا الباب والقول الثاني: أن قوله: ﴿ لِكُلٍّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ عائد إلى الفريقين، والمعنى ولكل واحد من الفريقين درجات في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، فإن قالوا كيف يجوز ذكر لفظ الدرجات في أهل النار، وقد جاء في الأثر الجنة الدرجات، والنار دركات؟

قلنا فيه وجوه: الأول: يجوز أن يقال ذلك على جهة التغليب الثاني: قال ابن زيد: درج أهل الجنة يذهب علواً، ودرج أهل النار ينزلوا هبوطاً.

الثالث: أن المراد بالدرجات المراتب المتزايدة، إلا أن زيادات أهل الجنة في الخيرات والطاعات، وزيادات أهل النار في المعاصي والسيئات.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيُوَفِّيَهُمْ ﴾ وقرئ بالنون وهذا تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه كأنه وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات، ولما بيّن الله تعالى أنه يوصل حق كل أحد إليه بين أحوال أهل العقاب أولاً، فقال: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار ﴾ قيل يدخلون النار، وقيل تعرض عليهم النار ليروا أهوالها ﴿ أَذْهَبْتُمْ طيباتكم فِي حياتكم الدنيا ﴾ قرأ ابن كثير ﴿ أَذْهَبْتُمْ ﴾ استفهام بهمزة ومدة، وابن عامر استفهام بهمزتين بلا مدة والباقون ﴿ أَذْهَبْتُمْ ﴾ بلفظ الخبر والمعنى أن كل ما قدر لكم من الطيبات والراحات فقد استوفيتموه في الدنيا وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها، وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: «أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر بيته كما تستر الكعبة، قالوا نحن يومئذ خير قال بل أنتم اليوم خير؟»، رواه صاحب الكشاف قال الواحدي: إن الصالحين يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل، إلا أن هذه الآية لا تدل على المنع من التنعم، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر، وإنما وبخ الله الكافر لأنه يتمتع بالدنيا ولم يؤد شكر المنعم بطاعته والإيمان به، وأما المؤمن فإنه يؤدي بإيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق  ﴾ نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعم أولى، لأن النفس إذا اعتادت التنعم صعب عليها الاحتراز والإنقباض، وحينئذ فربما حمله الميل إلى تلك الطيبات على فعل ما لا ينبغي، وذلك مما يجر بعضه إلى بعض ويقع في البعد عن الله تعالى بسببه.

ثم قال تعالى: ﴿ فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون ﴾ أي الهوان، وقرئ عذاب الهوان ﴿ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ فعلل تعالى ذلك العذاب بأمرين: أولهما: الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب الثاني: الفسق وهو ذنب الجوارح، وقدم الأول على الثاني لأن أحوال القلوب أعظم وقعاً من أعمال الجوارح، ويمكن أن يكون المراد من الاستكبار أنهم يتكبرون عن قبول الدين الحق، ويستنكفون عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، وأما الفسق فهو المعاصي واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، قالوا لأنه تعالى علل عذابهم بأمرين: أولهما: الكفر وثانيهما: الفسق، وهذا الفسق لابد وأن يكون مغايراً لذلك الكفر، لأن العطف يوجب المغايرة، فثبت أن فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ناصب الظرف هو القول المضمر قبل ﴿ أَذْهَبْتُمْ ﴾ وعرضهم على النار: تعذيبهم بها، من قولهم: عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به ومنه قوله تعالى: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ [غافر: 46] ويجوز أن يراد: عرض النار عليهم من قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون: عرض الحوض عليها فقلبوا.

ويدل عليه تفسير ابن عباس رضي الله عنه: يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها ﴿ أَذْهَبْتُمْ طيباتكم ﴾ أي: ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم، وقد ذهبتم به وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها.

وعن عمر رضي الله عنه: لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكراكر وأسمنة، ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم طيباتهم فقال: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا.

وعنه: لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباسا، ولكني أستبقي طيباتي: وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً، فقال: «أأنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة.

قالوا: نحن يومئذٍ خير.

قال: بل أنتم اليوم خير» وقرئ: ﴿ أأذهبتم ﴾ بهمزة الاستفهام.

و ﴿ آأذهبتم ﴾ بألف بين همزتين: ﴿ الهون ﴾ و ﴿ الهوان ﴾ وقرئ ﴿ عذاب الهوان ﴾ ، وقرئ: ﴿ يفسقون ﴾ بضم السين وكسرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ﴾ يُعَذَّبُونَ بِها.

وقِيلَ: تُعْرَضُ النّارُ عَلَيْهِمْ فَقُلِبَ مُبالَغَةً كَقَوْلِهِمْ: عَرَضَتِ النّاقَةُ عَلى الحَوْضِ.

﴿ أذْهَبْتُمْ ﴾ أيْ يُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ، وهو ناصِبُ اليَوْمَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالِاسْتِفْهامِ غَيْرَ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَقْرَؤُهُ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وهُما يَقْرَآنِ بِها وبِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ.

﴿ طَيِّباتِكُمْ ﴾ لَذّاتِكم.

﴿ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ﴾ بِاسْتِيفائِها.

﴿ واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ﴾ فَما بَقِيَ لَكم مِنها شَيْءٌ.

﴿ فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ الهَوانِ وقَدْ قُرِئَ بِهِ.

﴿ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ بِسَبَبِ الِاسْتِكْبارِ الباطِلِ والفُسُوقِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، وقُرِئَ «تَفْسِقُونَ» بِالكَسْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار} عرضهم على النار تعذيبهم بها من قولهم عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به وقيل المراد عرض النار عليهم من قولهم عرضت الناقة على الحوض يريدون عرض الحوض عليها فغلبوا {أَذْهَبْتُمْ} أي يقال لهم أذهبتم وهو ناصب الظرف {طيباتكم فِى حياتكم الدنيا} أي ما كتب لكم حظمن الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم وقد دهبتم به وأخذتموه فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شىء منها وعن عمر رضى الله عنه لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكى أستبقي طيباتي {واستمتعتم بِهَا} بالطيبات {فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون} أي الهوان وقرىء به {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} تتكبرون {فِى الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} أي باستكباركم وفسقكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ﴾ أيْ يُعَذَّبُونَ بِها مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضَ بَنُو فُلانٍ عَلى السَّيْفِ إذا قُتِلُوا بِهِ وهو مَجازٌ شائِعٌ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّهُ مِن بابِ القَلْبِ المَعْنَوِيِّ والمَعْنى يَوْمَ تُعَرَضُ النّارُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا نَحْوَ عَرَضَتِ النّاقَةُ عَلى الحَوْضِ فَإنَّ مَعْناهُ أيْضًا كَما قالُوا: عَرَضَ الحَوْضُ عَلى النّاقَةِ لِأنَّ المَعْرُوضَ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ إدْراكٌ لِيَمِيلَ بِهِ إلى المَعْرُوضِ أوْ يَرْغَبَ عَنْهُ لَكِنَّ لَمّا كانَ المُناسِبُ هو أنْ يُؤْتى بِالمَعْرُوضِ عِنْدَ المَعْرُوضِ عَلَيْهِ ويُحَرَّكَ نَحْوَهُ وهاهُنا الأمْرُ بِالعَكْسِ لِأنَّ الحَوْضَ لَمْ يُؤْتَ بِهِ وكَذا النّارُ قُلِبَ الكَلامُ رِعايَةً لِهَذا الِاعْتِبارِ، وفي الِانْتِصافِ إنْ كانَ قَوْلُهُمْ: عَرَضَتِ النّاقَةُ عَلى الحَوْضِ مَقْلُوبًا فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ﴾ كَذَلِكَ لِأنَّ المُلْجِئَ ثَمَّ إلى اعْتِقادِ القَلْبِ أنَّ الحَوْضَ جَمادٌ لا إدْراكَ لَهُ والنّاقَةُ هي المُدْرِكَةُ فَهي الَّتِي يَعْرِضُ عَلَيْها الحَوْضُ حَقِيقَةً، وأمّا النّارُ فَقَدْ ورَدَتِ النُّصُوصُ بِأنَّها حِينَئِذٍ مُدْرَكَةٌ إدْراكَ الحَيَواناتِ بَلْ إدْراكَ أُولِي العِلْمِ فالأمْرُ في الآيَةِ عَلى ظاهِرِهِ كَقَوْلِكَ عَرَضَتِ الأسْرى عَلى الأمِيرِ، ورُبَّما يُقالُ: لا مانِعَ مِن تَنْزِيلِها مَنزِلَةَ المُدْرَكَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ حِينَئِذٍ مُدْرَكَةً وكَذا تَنْزِيلُ الحَوْضِ مَنزِلَتَهُ حَتّى كَأنَّهُ يَسْتَعْرِضُ النّاقَةَ كَما قالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّي: إذا اشْتاقَتِ الخَيْلُ المَناهِلَ أعْرَضَتْ عَنِ الماءِ فاشْتاقَتْ إلَيْها المَناهِلُ وبَعْدَ ذَلِكَ قَدْ لا يَحْتاجُ إلى اعْتِبارِ القَلْبِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَنْبَغِي حَمْلُ القُرْآنِ عَلى القَلْبِ إنَّ الصَّحِيحَ فِيهِ أنَّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ في الشِّعْرِ، وإذا كانَ المَعْنى صَحِيحًا واضِحًا بِدُونِهِ فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ؟

والمِثالُ المَذْكُورُ لا قَلْبَ فِيهِ أيْضًا، فَإنَّ عَرْضَ النّاقَةِ عَلى الحَوْضِ وعَرْضَ الحَوْضِ عَلى النّاقَةِ كُلٌّ مِنهُما صَحِيحٌ إذِ العَرْضُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَصِحُّ إسْنادُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاقَةِ والحَوْضِ.

وابْنُ السِّكِّيتِ في كِتابِ التَّوْسِعَةِ ذَهَبَ إلى أنَّ عَرَضَتِ الحَوْضُ عَلى النّاقَةِ مَقْلُوبٌ والأصْلُ إنَّما هو عَرَضَتِ النّاقَةُ عَلى الحَوْضِ وهو مُخالِفٌ لِلْمَشْهُورِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ مِمّا ذَكَّرْنا أوَّلًا أنَّ سَبَبَ اعْتِبارِهِمُ القَلْبَ في المِثالِ كَوْنُ المُناسِبِ في العَرْضِ أنْ يُؤْتى بِالمَعْرُوضِ عِنْدَ المَعْرُوضِ عَلَيْهِ وإنَّ الأمْرَ في عَرَضَتِ الحَوْضُ عَلى النّاقَةِ بِالعَكْسِ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يُعْرَفُ مِنهُ مَنشَأُ الخِلافِ إنَّ العَرْضَ مُطْلَقًا لا يَقْتَضِي ذَلِكَ وإنَّما المُقْتَضِي لَهُ المَعْنى المَقْصُودُ مِنَ العَرْضِ في المِثالِ وهو المَيْلُ إلى المَعْرُوضِ، ومَن لَمْ يَنْظُرْ إلى هَذا المَعْنى ونَظَرَ إلى أنَّ المُعْرِضَ يَتَحَرَّكُ إلى المَعْرُوضِ عَلَيْهِ قالَ إنَّهُ الأصْلُ، ومَن لَمْ يَنْظُرْ إلى الِاعْتِبارَيْنِ وقالَ العَرْضَ إظْهارُ شَيْءٍ لِشَيْءٍ قالَ: إنَّ كُلًّا مِنَ القَوْلَيْنِ عَلى الأصْلِ، وهو كَما قالَ العَلّامَةُ السّالَكُوتِيُّ الحَقُّ لِأنَّ كِلا الِاعْتِبارَيْنِ خارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ العَرْضِ فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ نَفِيسٌ.

والظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ مَقُولُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ أيْ فَيُقالُ لَهم يَوْمَ يُعْرَضُونَ أذْهَبْتُمْ لَذّاتِكم ﴿ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ﴾ بِاسْتِيفائِها ﴿ واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ﴾ فَلَمْ يَبْقَ لَكم بَعْدُ شَيْءٌ مِنها، وهو عَطْفُ تَفْسِيرٍ لَأذْهَبْتُمْ، وقَرَأ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ وابْنُ وثّابٍ وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ كَثِيرٍ (آذْهَبْتُمْ) بِهَمْزَةٍ بَعْدَها مَدَّةٌ مُطَوَّلَةٌ، وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَتَيْنِ حَقَّقَهُما ابْنُ ذَكْوانَ ولَيَّنَ الثّانِيَةَ ابْنُ هِشامٍ.

وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ، وعَنْ هِشامٍ الفَصْلُ بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ بِألِفٍ، والِاسْتِفْهامُ عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ فَهو خَبَرٌ في المَعْنى ولَوْ كانَ اسْتِفْهامًا مَحْضًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ أيِ الهَوانِ وكَذَلِكَ قُرِئَ ﴿ بِما كُنْتُمْ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِذَلِكَ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ سِرِّ ( في الأرْضِ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) أيْ تَخْرُجُونَ مِن طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ بِسَبَبِ اسْتِكْبارِكم وفِسْقِكُمُ المُسْتَمِرَّيْنِ، وفي البَحْرِ أُرِيدَ بِالِاسْتِكْبارِ التَّرَفُّعُ عَنِ الإيمانِ وبِالفِسْقِ مَعاصِي الجَوارِحِ وقُدِّمَ ذَنْبُ القَلْبِ عَلى ذَنْبِ الجَوارِحِ إذْ أعْمالُ الجَوارِحِ ناشِئَةٌ عَنْ مُرادِ القَلْبِ، وقُرِئَ (تَفْسِقُونَ) بِكَسْرِ السِّينِ وهَذِهِ الآيَةُ مُحَرِّضَةٌ عَلى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا وتَرْكِ التَّنَعُّمِ فِيها والأخْذِ بِالتَّقَشُّفِ، أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَأى في يَدِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ دِرْهَمًا فَقالَ ما هَذا الدِّرْهَمُ؟

قالَ: أُرِيدُ أنْ أشْتَرِيَ بِهِ لِأهْلِي لَحْمًا قَرَمُوا إلَيْهِ فَقالَ أكُلَّما اشْتَهَيْتُمْ شَيْئًا اشْتَرَيْتُمُوهُ أيْنَ تَذْهَبُ عَنْكم هَذِهِ الآيَةُ ﴿ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قَدِمَ وفْدُ أهْلِ البَصْرَةِ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَعَ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ فَكانَ لَهُ في كُلِّ يَوْمٍ خُبْزٌ يُلَتُّ فَرُبَّما وافَقْناهُ مَأْدُومًا بِزَيْتٍ ورُبَّما وافَقْناهُ مَأْدُومًا بِسَمْنٍ ورُبَّما وافَقْناهُ مَأْدُومًا بِلَبَنٍ ورُبَّما وافَقْنا القَدائِدَ اليابِسَةَ قَدْ دُقَّتْ ثُمَّ أُغْلِيَ عَلَيْها ورُبَّما وافَقْنا اللَّحْمَ الغَرِيضَ- أيِ الطَّرِيَّ- وهو قَلِيلٌ قالَ وقالَ لَنا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنِّي واللَّهِ ما أجْهَلُ عَنْ كَراكِرَ وأسْنِمَةٍ وعَنْ صِلاءٍ وصِنابٍ وسَلائِقَ ولَكِنْ وجَدْتُ اللَّهَ تَعالى عَيَّرَ قَوْمًا بِأمْرٍ فَعَلُوهُ فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ﴾ والكَراكِرُ جَمْعُ كِرْكِرَةٍ بِالكَسْرَةِ زَوْرُ البَعِيرِ الَّذِي إذا بَرَكَ أصابَ الأرْضَ وهو مِن أطْيَبِ ما يُؤْكَلُ مِنهُ والأسْنِمَةُ جَمْعُ سَنامٍ مَعْرُوفٌ.

والصِّلاءُ بِالكَسْرِ والمَدِّ الشِّواءُ، والصِّنابُ كَكِتابٍ صِباغٍ يُتَّخَذُ مِنَ الخَرْدَلِ والزَّبِيبِ، والسَّلائِقُ جَمْعُ سَلِيقَةٍ كَسَفِينَةٍ ما سُلِقَ مِنَ البُقُولِ وغَيْرِها ويُرْوى بِالصّادِّ الخُبْزُ الرُّقاقُ واحِدَتُها صَلِيقَةٌ كَسَفِينَةٍ أيْضًا، وقِيلَ: هي الحُمْلانُ المَشْوِيَّةُ، وقِيلَ: اللَّحْمُ المَشْوِيُّ المُنْضَجُ وأنْشَدُوا لِجَرِيرٍ: يُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالصَّلائِقِ والصِّنابِ وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ ثَوْبانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ «(كانَ رَسُولُ اللَّهِ  إذا سافَرَ آخِرُ عَهْدِهِ مِن أهْلِهِ بِفاطِمَةَ وأوَّلُ مَن يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنهم فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَقَدِمَ مِن غَزاةٍ لَهُ فَأتاها فَإذا بِمِسْحٍ عَلى بابِها ورَأى عَلى الحَسَنِ والحُسَيْنِ قُلْبَيْنِ مِن فِضَّةٍ فَرَجَعَ ولَمْ يَدْخُلْ عَلَيْها فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ ظَنَّتْ أنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ مِن أجْلِ ما رَأى فَهَتَكَتِ السِّتْرَ ونَزَعَتِ القُلْبَيْنِ مِنَ الصَّبِيَّيْنِ فَقَطَعَتْهُما فَبَكَيا فَقَسَمَتْ ذَلِكَ بَيْنَهُما فانْطَلَقا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهُما يَبْكِيانِ فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنهُما فَقالَ: يا ثَوْبانَ اذْهَبْ بِهَذا إلى بَنِي فُلانٍ أهْلِ بَيْتٍ بِالمَدِينَةِ واشْتَرِ لِفاطِمَةَ قِلادَةً مِن عَصْبٍ وسُوارَيْنِ مِن عاجٍ؛ فَإنَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي ولا أُحِبُّ أنْ يَأْكُلُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا)».

والمِسْحُ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ثَوْبٌ مِن شَعْرٍ غَلِيظٍ، والقُلْبَيْنِ تَثْنِيَةُ قُلْبٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ السُّوارُ، والعَصْبُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ قالَ الخَطّابِيُّ: إنْ لَمْ يَكُنِ الثِّيابَ اليَمانِيَةَ فَما أدْرِي ما هو وما أدْرِي أنَّ القَلائِدَ تَكُونُ مِنها، ويَحْتَمِلُ أنَّ الرِّوايَةَ بِفَتْحِ الصّادِ وهو أطْنابُ مَفاصِلِ الحَيَوانِ فَلَعَلَّهم كانُوا يَتَّخِذُونَ مِن طاهِرِهِ مِثْلَ الخَرَزِ.

قالَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ اليَمَنِ أنَّ العَصْبَ سِنُّ دابَّةٍ بَحَرِّيَّةٍ تُسَمّى فَرَسَ فِرْعَوْنَ يُتَّخَذُ مِنها الخَرَزُ البِيضُ وغَيْرُها، وأحادِيثُ الزُّهْدِ في طَيِّباتِ الحَياةِ الدُّنْيا كَثِيرَةٌ وحالُ رَسُولِ اللَّهِ  في ذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَ الأُمَّةِ.

وفي البَحْرِ بَعْدَ حِكايَةِ حالِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى نَحْوٍ مِمّا ذَكَرْنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: وهَذا مِن بابِ الزُّهْدِ وإلّا فالآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى أنَّهُ كانَتْ لَكم طَيِّباتُ الآخِرَةِ لَوْ آمَنتُمْ لَكِنَّكم لَمْ تُؤْمِنُوا فاسْتَعْجَلْتُمْ طَيِّباتِكم في الحَياةِ الدُّنْيا.

فَهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ ولِذَلِكَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ﴿ فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ ولَوْ أُرِيدَ الظّاهِرُ ولَمْ يَكُنْ كِنايَةً عَمّا ذَكَرْنا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الجَزاءُ بِالعَذابِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما يعني: عبد الرحمن بن أبي بكر قال لوالديه: أف لكما يعني: قدراً لكما، وهو الرديء من الكلام، وقد ذكرنا الاختلاف في موضع آخر، وقد قرئ على سبع قراءات: بالنصب والضم والكسر، وكل قراءة تكون بالتنوين وبغير تنوين، فتلك ست قراءات، والسابع أفْ بالسكون أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ يعني: أن أبعث بعد الموت، وذلك قبل أن يسلم وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي أي: مضت الأمم، ولم يبعث أحدهم وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ يعني: أبويه يدعوان الله تعالى له بالهدى.

اللهم اهده، وارزقه الإيمان ويقولان له: وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: ويحك أسلم وصدق بالبعث، فإن البعث كائن فَيَقُولُ لهما مَا هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: كذبهم فقال عبد الرحمن: إن كنتما صادقين، فأخرجا فلاناً وفلاناً من قبورهما فنزل أُولئِكَ يعني: القرون التي ذكر الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: وجب عليهم العذاب.

فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: في أمم قد مضت من قبلهم، من كفار مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ في الآخرة بالعقوبة، فأسلم عبد الرحمن وحسن إسلامه، وذكر في الخبر، أن مروان بن الحكم قال: نزلت هذه الآية في شأن عبد الرحمن، أخ عائشة، فبلغ ذلك عائشة فقالت: بل نزلت في أبيك وأخيك.

قوله عز وجل وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا يعني: فضائل في الثواب مما عملوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ أي أجورهم وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً، ولا يزادون على سيئات أعمالهم.

قوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ يعني: يكشف الغطاء عنها، فينظرون إليها، فيقال لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ يعني: أكلتم حسناتكم فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها يعني: انتفعتم بها في الدنيا.

وقرأ ابن عامر أَأَذْهَبْتُمْ بهمزتين، وقرأ ابن كثير آذْهَبْتُمْ بالمد، ومعناهما واحد، ويكون استفهاماً على وجه التوبيخ.

والباقون أَذْهَبْتُمْ بهمزة واحدة، بغير مد، على معنى الخبر.

وروي عن عمر: أنه اشتهى شراباً، فأتي بقدح فيه عسل، فأدار القدح في يده قال: أشربها فتذهب حلاوتها، أو تبقى نقمتها.

ثم ناول القدح رجلاً، فسئل عن ذلك فقال: خشيت أن أكون من أهل هذه الآية أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا.

وروي عن عمر، أنه دخل على رسول الله  وهو على حصير، وقد أثر بجنبه الشريط، فبكى عمر فقال: ما يبكيك يا عمر؟

فقال: ذكرت كسرى وقيصر، وما كانا فيه من الدنيا، وأنت رسول رب العالمين قد أثر بجنبك الشريط.

فقال النبيّ  : «أُوْلَئِكَ قَوْمٌ، عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِم الدُّنْيا، وَنَحْنُ قَوْمٌ، أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي الآخِرَةِ» .

قوله: فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ يعني: العذاب الشديد بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني: تستكبرون عن الإيمان وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ يعني: تعصون الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله عز وجل: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ...

الآية، المعنى: واذكر يومَ يُعْرَضُ، وهذا العرض هو بالمباشرة أَذْهَبْتُمْ أي: يقال لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا و «الطَّيِّبَاتُ» هنا: المَلاَذُّ، وهذه الآية، وإنْ كانت في الكُفَّار، فهي رادعة لأُولي النهى من المؤمنين عن الشهوات واستعمالِ الطَّيِّبَاتِ ومن ذلك قولُ عُمَرَ- رضي اللَّه عنه-: أتَظُنُّونَ أَنَّا لا نَعْرِفُ طَيِّبَ الطَّعَامِ؟

ذلك لُبَابُ البُرِّ بِصِغَارِ المعزى، ولكنِّي رأيتُ اللَّه تعالى نعى على قومٍ أَنَّهم أَذْهَبُوا طَيِّبَاتِهِمْ في حياتِهِمُ الدنيا، ذكَرَ هذا في كلامِهِ مع الرَّبيع بْنِ زِيَادٍ «١» ، وقال أيضاً نحو هذا لخالد بن الوَلِيدِ حينَ دَخَلَ الشَّامَ، فَقُدِّمَ إليه طعام طَيِّبٌ، فقال عمر: هذا لنا، فما لفقراءِ المسلمينَ الَّذِينَ ماتوا ولم يَشْبَعُوا من خُبْزِ الشَّعِير؟

فقال خالدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فبكى عُمَرُ، وقال: لَئِنْ كَانَ حَظُّنَا في الحُطَامَ، وذَهَبُوا بالجَنَّةِ- فَقَدْ بَانُوا بُوْناً بَعِيداً «٢» ، وقال جابرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اشتريت لحماً بدرهم، فرآني عمر، فقال:

أو كلّما اشتهى أَحَدُكم شَيْئاً اشتراه فأكَلَهُ؟!

أما تخشى أنْ تكون من أهل هذه الآية، وتلا:

أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا «٣» ت: والآثار في هذا المعنى كثيرةٌ جِدًّا، فمنها ما رواه أبو داود في سُنَنِهِ، عن عبد اللَّه بن بُرَيْدَةَ أَنَّ رجُلاً من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، رَحَلَ إلى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وهو بِمَصْرَ، فَقَدِمَ عليه، فقال: أَمَا إنِّي لم آتِكَ زَائِراً/ ولكنْ سَمِعْتُ أَنا وأَنْتَ حَدِيثاً مِنْ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رَجَوْتُ أَنْ يكونَ عندَكَ منْهُ عِلْمٌ، قال: ما هو؟

قال:

كذا وكذا، قال: فمالي أَرَاكَ شَعْثاً وأَنْتَ أَمِيرُ الأَرْضِ؟!

قال: إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كان ينهى عن كثيرٍ من الإرفَاهِ «٤» ، قال: فما لي لا أرى عَلَيْكَ حِذَاءً؟

قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يأمرنا أَنْ نَحْتَفِيَ أحياناً، وروى أبو داوُدَ عَنْ أَبي أُمَامَةَ قال: ذكر أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، يوما عنده الدنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أَلاَ تَسْمَعُونَ أَنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإيمَانِ؟

إِنَّ البذاذة من

الإيمَانِ، إن الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ» «١» قال أبو داوُدَ: يعني: التَّقَحُّلَ، وفسر أبو عمر بن عبد البَرِّ: «البَذَاذَةَ» بِرَثِّ الْهَيْئَةِ، ذكر ذلك في «التمهيد» ، وكذلك فَسَّرَهَا غيره، انتهى، وروى ابن المبارك في «رَقَائِقِهِ» من طريق الحسن عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ خَرَجَ في أَصْحَابِهِ إلَى بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنْهُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُم!

ثُمَّ أَقْبَلَ على أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: هَؤُلاَءِ خَيْرٌ مِنْكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إخْوانُنَا، أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا، وَهَاجَرْنَا كَمَا هَاجَرُوا، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا، وَأَتَوا على آجَالِهِمْ فَمَضَوْا فِيهَا وَبَقِينَا في آجالِنَا، فَمَا يَجْعَلُهُمْ خَيْراً مِنَّا؟!

قال: هَؤُلاَءِ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَخَرَجُوا وَأَنا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ، وإنَّكُمْ قَدْ أَكَلْتُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ، وَلاَ أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ مِنْ بَعْدِي؟

قال: فَلَمَّا سَمِعَهَا الْقَوْمُ عَقَلُوهَا وَانْتَفَعُوا بِهَا، وَقَالُوا: إنَّا لَمُحاسَبُونَ بِمَا/ أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا، وَإنهُ لَمُنْتَقَصٌ بِهِ مِنْ أُجُورِنَا» «٢» انتهى،، ومنها حديثُ ثَوْبَانَ في «سنن أَبي دَاوُدَ» : قال ثَوْبَانُ: كانَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذَا سَافَرَ كَانَ آخِرُ عَهْدِهِ بِإنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ فَاطِمَةَ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَاطِمَةَ، فَقَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ، وَقَدْ عَلَّقَتْ مِسْحاً أوْ سِتْراً على بَابِهَا، وَحَلَّتِ الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ قُلْبَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَظَنَّتْ أَنَّما مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَا رأى فَهَتَكَتِ السِّتْرَ، وَفَكَّتِ القُلْبَيْنِ عَنِ الصَّبِيَّيْنِ وَقَطَعَتْهُمَا عَنْهُمَا، فانطلقا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَبْكِيَانِ، فَأَخَذَهُمَا مِنْهُمَا، وَقَالَ: يَا ثَوْبَانُ، اذهب بِهِمَا إلَى آلِ فُلاَنٍ إنَّ هَؤُلاَءِ أَهْلِي أَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلُوا طَيِّبَاتِهِمْ في حَيَاتِهُمْ الدُّنْيَا، يَا ثَوْبَانُ، اشتر لِفَاطِمَةَ قَلاَدَةً مِنْ عَصْبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ» انتهى «٣» ، - ص-: قرأ الجمهور: «أَذْهَبْتُمْ» على الخبر، أي: فيقال لهم: أذهبتم طَيِّبَاتكم، وابن كثير بهمزة بعدها مَدَّة مُطَوَّلَةً، وابن عامر بهمزتين حقّقها ابن ذَكْوَانَ، ولَيَّنَ الثانيةَ هشامٌ وابن كثير في روايةٍ «٤» ، والاستفهامُ هنا على معنى التوبيخ والتقريرِ، فهو خبر في المعنى، ولهذا حَسُنَتِ الفاء في قوله: فَالْيَوْمَ، ولو كان استفهاما محضا لما دخلت الفاء، انتهى، وعَذابَ الْهُونِ هو الذي اقترن به هوانٌ، فالهُونُ والهوان بمعنى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ أُفٍّ لَكُما ﴾ بِالخَفْضِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ.

وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ الفاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أُفٍّ" بِالخَفْضِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ ابْنُ يَعَمَرَ: "أُفٌّ" بِتَشْدِيدِ الفاءِ مَرْفُوعَةً مُنَوَّنَةً.

وقَرَأ حُمَيْدٌ، والجَحْدَرِيُّ: "أُفًّا" بِتَشْدِيدِ الفاءِ وبِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "أُفُّ" بِتَشْدِيدِ الفاءِ وبِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، [وَعِكْرِمَةُ]، وأبُو رَجاءٍ: "أُفْ لَكُما" بِإسْكانِ الفاءِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ: "أُفِّي" بِتَشْدِيدِ الفاءِ وياءٍ ساكِنَةٍ مُمالَةٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ قَبْلَ إسْلامِهِ، كانَ أبَواهُ يَدْعُوانِهِ إلى الإسْلامِ، وهو يَأْبى، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تُنْكِرُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وتَحْلِفُ عَلى ذَلِكَ وتَقُولُ: لَوْشِئْتُ لَسَمَّيْتُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، باطِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُؤْمِنٌ؛ والتَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ أنا نَزَلَتْ في الكافِرِ العاقِّ.

ورُوِيَ [عَنْ] مُجاهِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، وعَنِ الحَسَنِ [أنَّها] نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ قالُوا ذَلِكَ لِآبائِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَضَتِ القُرُونُ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنهم أحَدٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: مَضَتِ القُرُونُ مُكَذِّبَةً بِهَذا، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ﴾ أيْ: يَدْعُوانِ اللَّهَ لَهُ بِالهُدى، ويَقُولانِ لَهُ: ﴿ وَيْلَكَ آمِن ﴾ أيْ: صَدِّقَ بِالبَعْثِ، ﴿ فَيَقُولُ ما هَذا ﴾ الَّذِي تَقُولانِ ﴿ إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُها [الأنْعامِ: ٢٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ يُعْنى الكُفّارَ ﴿ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ أيْ: وجَبَ عَلَيْهِمْ قَضاءُ اللَّهِ أنَّهم مِن أهْلِ النّارِ ﴿ فِي أُمَمٍ ﴾ أيْ: مَعَ أُمَمٍ.

فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآيَتَيْنِ قَبْلَ هَذِهِ مَن بَرَّ والِدَيْهِ وعَمِلَ بِوَصِيَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ ذَكَرَ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِالوَصِيَّةِ ولَمْ يُطِعْ رَبَّهُ ولا والِدَيْهِ، ﴿ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو عِمْرانَ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ﴾ أيْ: مَنازِلُ ومَراتِبُ بِحَسَبَ ما اكْتَسَبُوهُ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ، فَيَتَفاضَلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الكَرامَةِ، وأهْلُ النّارِ في العَذابِ ﴿ وَلِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَلِيُوَفِّيَهُمْ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ؛ أيْ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ لَهم يَوْمَ يُعْرَضُ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ ﴾ أيْ: ويُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ["آذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ.

وقَرَأ] ابْنُ عامِرٍ: "أأذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أذْهَبْتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وهو تَوْبِيخٌ لَهم.

قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: [العَرَبُ] تُوَبِّخُ بِالألِفِ وبِغَيْرِ الألِفِ، فَتَقُولُ: أذَهَبْتَ وفَعَلْتَ كَذا؟!

و: ذَهَبْتَ فَفَعَلْتَ؟!

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِطَيِّباتِهِمْ: ما كانُوا فِيهِ مِنَ اللَّذّاتِ مُشْتَغِلِينَ بِها عَنِ الآخِرَةِ مُعْرِضِينَ عَنْ شُكْرِها.

ولَمّا وبَّخَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، آثَرَ النَّبِيُّ  وأصْحابُهُ والصّالِحُونَ بَعْدَهُمُ اجْتِنابَ نَعِيمِ العَيْشِ ولَذَّتِهُ لِيَتَكامَلَ أجْرُهم ولِئَلّا يُلْهِيَهِمْ عَنْ مَعادِهِمْ.

وقَدْ رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وهو مُضْطَجِعٌ عَلى خَصْفَةٍ وبَعْضُهُ عَلى التُّرابِ وتَحْتَ رَأْسِهِ وِسادَةٌ مَحْشُوَّةٌ لِيفًا، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وصَفْوَتُهُ، وكِسْرى وقَيْصَرُ عَلى سُرُرِ الذَّهَبِ وفُرُشِ الدَّيْباجِ والحَرِيرِ؟!

فَقالَ  : "يا عُمَرُ، إنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهم طَيِّباتُهُمْ، وهي وشِيكَةُ الِانْقِطاعِ، وإنّا أُخِّرَتْ لَنا طَيِّباتُنا" .» ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لَحْمًا مُعَلَّقًا في يَدِي، فَقالَ: ما هَذا يا جابِرُ؟

فَقُلْتُ: اشْتَهَيْتُ لَحْمًا فاشْتَرَيْتُهُ، فَقالَ: أوَ كُلَّما اشْتَهَيْتَ اشْتَرَيْتَ يا جابِرُ؟!

أما تَخافُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ "أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا" .

﴾ ورُوِيَ عَنْ عُمْرَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَوْ أمَرْتَ أنْ نَصْنَعَ لَكَ طَعامًا ألْيَنَ مِن هَذا، فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ عَيَّرَ أقْوامًا فَقالَ: ﴿ "أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا" .

﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ ﴾ أيْ: تَتَكَبَّرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ والإيمانِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ ﴿ واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عن آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ يُعْرَضُ، وهَذا العَرْضُ هو بِالمُباشَرَةِ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النارِ والجانِي عَلى السَوْطِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ عَلى الخَبَرِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "آذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ عَلى التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ الَّذِي هو في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أأذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ تَقْرِيرًا أيْضًا، التَوْبِيخُ والتَقْرِيرُ إخْبارٌ بِالمَعْنى، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، وإلّا فَهي لا تَحْسُنُ في جَوابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ.

والطَيِّباتُ: المَلاذُّ، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ فَهي وازِعَةٌ لِأُولِي النُهى مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الشَهَواتِ واسْتِعْمالِ الطَيِّباتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ طَيِّبَ الطَعامِ؟

ذَلِكَ لُبابُ البِرِّ بِصِغارِ المِعْزى، ولَكُنّا رَأيْنا اللهَ تَعالى نَعى عَلى قَوْمٍ أنَّهم أذْهَبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُنْيا"، ذَكَرَ هَذا في كَلامِهِ مَعَ الرَبِيعِ بْنِ زِيادٍ، وقالَ أيْضًا نَحْوَ هَذا لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ دَخَلَ الشامَ، فَقُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ طَيِّبٌ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذا لَنا، فَما لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يِشْبَعُوا مِن خُبْزِ الشَعِيرِ؟

فَقالَ خالِدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فَبَكى عُمَرُ وقالَ: لَئِنْ كانَ حَظُّنا في الحُطامِ وذَهَبُوا بِالجَنَّةِ لَقَدْ بايَنُونا بَوْنًا بَعِيدًا.

وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اشْتَرَيْتُ لَحْمًا بِدِرْهَمٍ فَرَآنِي عُمَرُ، فَقالَ: أوَ كُلَّما اشْتَهى أحَدُكم شَيْئًا اشْتَراهُ فَأكَلَهُ؟

أما تَخْشى أنْ تَكُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.

وعَذابُ الهُونِ: العَذابُ الَّذِي اقْتَرَنَ بِهِ هَوانٌ، وهو عَذابُ العُصاةِ المُواقِعِينَ ما قَدْ نُهُوا عنهُ، وهَذا بَيِّنٌ في عَذابِ الدُنْيا، فَعَذابُ المَحْدُودِ في مَعْصِيَةٍ كالحِرابَةِ ونَحْوِها مُقْتَرِنٌ بِهُونٍ، وعَذابِ المَقْتُولِ في حَرْبٍ لا هَوْنَ مَعَهُ، فالهَوْنُ والهَوانُ بِمَعْنًى.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  بِذِكْرِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمِهِ عادٌ عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ هي أُخُوَّةُ القَرابَةِ، لِأنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مِن أشْرافِ القَبِيلَةِ الَّتِي هي عادٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الأحْقافِ، أيْنَ كانَتْ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي جَبَلٌ بِالشامِ، وقِيلَ: كانَتْ بِلادَ نَخِيلٍ، وقِيلَ: هي الرِمالُ بَيْنَ مَهَرَةٍ وعَدَنٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَيْنَ عُمانَ ومَهَرَةَ، وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشَحْرِ المُواصَلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وعُمانَ، والصَحِيحُ مِنَ الأقْوالِ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ في اليَمَنِ ولَهم إرَمُ ذاتُ العِمادِ، و"الأحْقافُ": جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الجَبَلُ المُسْتَطِيلُ والمُعْوَجُّ مِنَ الرَمْلِ، قالَ الخَلِيلُ: هي الرِمالُ العِظامُ، وكَثِيرًا ما تَحْدُثُ هَذِهِ الأحْقافُ في بِلادِ الرَمْلِ في الصَحارِي، لِأنَّ الرِيحَ تَصْنَعُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ مُقِيمٌ لِلْحُجَّةِ أثْناءَ قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ ﴾ هو مِن نَذارَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، و ﴿ "خَلَتِ": ﴾ مَعْناهُ: مَضَتْ إلى الخَلاءِ ومَرَّتْ أزْمانُها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن قَبْلِهِ وبَعْدِهِ"، ورُوِيَ فِيهِ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن بَعْدِهِ"، والنُذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لِتَأْفِكَنا" ﴾ مَعْناهُ: لِتَصْرِفَنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ تَصْمِيمٌ عَلى التَكْذِيبِ وتَعْجِيزٌ مِنهم لَهُ في زَعْمِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال إلى وعيد الكافرين على الكفر بحذافره، وذلك زائد على الوعيد المتقدم المتعلق بإنكارهم البعث مع عقوقهم الوالدين المسلمين.

فالجملة معطوفة على جملة ﴿ والذي قال لوالديه أفّ لكما ﴾ [الأحقاف: 17] الآيات.

والكلام مقول قول محذوف تقديره: ويقال للذين كفروا يومَ يعرضون على النار ﴿ أذهبتم طيباتكم ﴾ ، ومناسبة ذكره هنا أنه تقرير لمعنى ﴿ لا يظلمون ﴾ [الأحقاف: 19]، أي لا يظلمون في جزاء الآخرة مع أننا أنعمنا عليهم في الدنيا ولو شئنا لعجلنا لهم الجزاء على كفرهم من الحياة الدنيا، ولكن الله لم يحرمهم من النعمة في الحياة الدنيا فإن نعمة الكافر في الدنيا نعمة عند المحققين من المتكلمين.

وعن الأشعري: أن الكافر غير منعم عليه في الدنيا، وتُؤُوِّل بأنه خلاف لفظي، أي باعتبار أن عاقبتها سيئة.

ونعمة الله في الدنيا معاملة بفضل الرّبوبية وجزاؤهم على أعمالهم في الآخرة معاملة بِعدل الإلهية والحكمة.

وانتصب ﴿ يوم يعرض ﴾ على الظرفية لفعل القول المحذوف.

والعرض تقدم في قوله: ﴿ أولئك يعرضون على ربهم ﴾ في سورة هود (18) وقوله: ﴿ النار يُعرضون عليها ﴾ في سورة غافر (46) وفي قوله: ﴿ وتراهم يعرضون عليها ﴾ في سورة الشورى (45).

وإذهاب الطيبات مستعار لمفارقتها كما أن إذهاب المرء إبعادٌ له عن مكان له.

والذهاب: المبارحة.

والمعنى: استوفيتم ما لكم من الطيبات بما حصل لكم من نعيم الدنيا ومتعتها فلم تبق لكم طيبات بعدها لأنكم لم تعملوا لنوال طيبات الآخرة، وهو إعذار لهم وتقرير لكونهم لا يظلمون فرتب عليه قوله: فاليوم تجزون عذاب الهون}.

فالفاء فصيحة.

والتقدير: إن كان كذلك فاليوم لم يبق لكم إلا جزاء سيّئ أعمالكم، وليست الفاء للتفريع ولا للتسبب.

وليس في الآية ما يقتضي منع المسلم من تناول الطيبات في الدنيا إذا توخّى حلالها وعمل بواجبه الديني فيما عدا ذلك وإن كان الزهد في الاعتناء بذلك أرفع درجة وهي درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة من أصحابه.

وروى الحسن عن الأحنف بن قيْس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: لأنا أعلم بخفض العيش ولو شئت لجعلت أكباداً، وصلائق وصِنَاباً وكَراكر وأسْنِمَة ولكني رأيت الله نعى على قوم فقال: ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ﴾ .

وإنما أراد عمر بذلك الخشيةَ من أن يشغله ذلك عن واجبه من تدبير أمور الأمة فيقع في التفريط ويؤاخذ عليه.

وذكر ابن عطية: أن عمر حين دخل الشام قدّم إليه خالد بن الوليد طعاماً طيباً.

فقال عمر: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير؟

فقال خالد: لهم الجنة، فبكى عمر.

وقال: لئن كان حظنا في المقام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بونا بعيداً.

والهُون: الهوان وهو الذلّ وإضافة ﴿ عذاب ﴾ إلى ﴿ الهون ﴾ مع إضافة الموصوف إلى الصفة.

والباء في قوله: ﴿ بما كنتم تستكبرون ﴾ للسببية وهي متعلقة بفعل ﴿ تجزون ﴾ .

والمراد بالاستكبار، الاستكبار على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى قبول التوحيد.

والفسوق: الخروج عن الدين وعن الحق، وقد يأخذ المسلم بحظ من هذين الجرمين فيكون له حظ من جزائهما الذي لقيه الكافرون، وذلك مبين في أحكام الدين.

والفسوق: هنا الشرك.

وقرأ الجمهور ﴿ أذهبتم ﴾ بهمزة واحدة على أنه خبر مستعمل في التوبيخ.

وقرأه ابن كثير ﴿ أأذهبتم ﴾ بهمزتين على الاستفهام التوبيخي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ ﴾ أيْ أُبْعَثَ.

﴿ وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي ﴾ فَلَمْ يُبْعَثُوا.

وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وأُمِّهِ أُمِّ رُومانَ يَدْعُوانِهِ إلى الإسْلامِ ويَعِدانِهِ بِالبَعْثِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِما بِما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَ هَذا مِنهُ قَبْلَ إسْلامِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَ السُّدِّيُّ: فَلَقَدْ رَأيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ بِالمَدِينَةِ، وما بِالمَدِينَةِ أعْبَدُ مِنهُ، ولَقَدِ اسْتَجابَ اللَّهُ فِيهِ دَعْوَةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولَمّا أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ﴾ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، وكانَ يَدْعُوهُ أبَواهُ إلى الإسْلامِ فَيُجِيبُهُما بِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ الكُفّارِ قالُوا ذَلِكَ لِآبائِهِمْ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ والعَرَبُ قَدْ تَذْكُرُ الواحِدَ وتُرِيدُ بِهِ الجَمْعَ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.

فَأمّا ال ﴿ أُفٍّ ﴾ فَهي كَلِمَةُ تَبَرُّمٍ يُقْصَدُ بِها إظْهارُ السُّخْطِ وقُبْحِ الرَّدِّ.

قالَ الشّاعِرُ ما يُذْكَرُ الدَّهْرُ إلّا قُلْتَ أُفٍّ لَهُ إذا لَقِيتُكَ لَوْلا قالَ لِي لاقِي وَفِي أصْلِ الأُفِّ والتَّفِّ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الأُفَّ وسَخُ الأُذُنِ، والتَّفَّ وسَخُ الأنْفِ.

الثّانِي: الأُفُّ وسَخُ الأظْفارِ، والتَّفُّ الَّذِي يَكُونُ في أُصُولِ الأظافِرِ.

الثّالِثُ: أنَّ الأُفَّ العَلِيلُ الأنْفِ، والتَّفَّ الإبْعادُ.

﴿ وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ﴾ أيْ يَدْعُوانِ اللَّهِ: اللَّهُمَّ اهْدِهِ، اللَّهُمَّ اقْبِلْ بِقَلْبِهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ.

﴿ وَيْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ في الثَّوابِ عَلى الإيمانِ، والعِقابِ عَلى الكُفْرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في الآخِرَةِ بِمَعاصِيكم في الدُّنْيا.

الثّانِي: ألْهَتْكُمُ الشَّهَواتُ عَنِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

الثّالِثُ: أذْهَبْتُمْ لَذَّةَ طَيِّباتِكم في الدُّنْيا بِما اسْتَوْجَبْتُمُوهُ مِن عِقابِ مَعاصِيكم في الآخِرَةِ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ اقْتَنَعْتُمْ بِعاجِلِ الطَّيِّباتِ في الدُّنْيا بَدَلًا مِن آجِلِ الطِّيِّباتِ في الآخِرَةِ.

وَرَوى الحَسَنُ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ يَقُولُ: لَأنا أعْلَمُ بِخَفْضِ العَيْشِ، ولَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ أكْبادًا وأسْنِمَةً وصِلاءً وصَنابًا وسَلائِقَ، ولَكِنْ أسْتَبْقِي حَسَناتِي، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ قَوْمًا فَقالَ: ﴿ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ﴾ والصِّلاءُ، والشِّواءُ، والصِّنابُ الأُصْبُغَةُ والسَّلائِقُ الرِّقاقُ العَرِيضُ.

وَقالَ ابْنُ بَحْرٍ فِيهِ تَأْوِيلٌ خامِسٌ: أنَّ الطَّيِّباتِ: الشَّبابُ والقُوَّةُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ذَهَبَ أطْيَباهُ أيْ شَبابُهُ وقُوَّتُهُ.

وَوَجَدْتُ الضَّحّاكُ قالَهُ أيْضًا.

﴿ واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالدُّنْيا.

الثّانِي: بِالطِّيِّباتِ.

﴿ فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الهُونُ الهَوانُ.

قالَ قَتادَةُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ.

﴿ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَسْتَعْلُونَ عَلى أهْلِها بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ.

الثّانِي: تَتَغَلَّبُونَ عَلى أهْلِها بِغَيْرِ دِينٍ.

الثّالِثُ: تَعْصُونَ اللَّهَ فِيها بِغَيْرِ طاعَةٍ.

﴿ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَفْسُقُونَ في أعْمالِكم بَغْيًا وظُلْمًا.

الثّانِي: في اعْتِقادِكم كُفْرًا وشِرْكًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن حفص بن أبي العاصي قال: كنا نتغدى مع عمر رضي الله عنه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله في كتابه ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم ﴾ الآية.

وأخرج سعيب بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه رأى في يد جابر بن عبد الله درهماً فقال: ما هذا الدرهم؟

قال: أريد أن أشتري به لحماً لأهلي قرموا إليه فقال: أفكلما اشتهيتم شيئاً اشتريتموه أين تذهب عنكم هذه الآية ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ﴾ .

وأخرج أحمد في الزهد عن الأعمش قال: مر جابر بن عبد الله وهو متعلق لحماً على عمر رضي الله عنه فقال ما هذا يا جابر؟

قال: هذا لحم اشتهيته اشتريته.

قال: وكلما اشتهيت شيئاً اشتريته؟

أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ﴾ .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عمر كان يقول: والله ما يعني بلذات العيش أن نأمر بصغار المعزى فتسمط لنا، ونأمر بلباب الحنطة فتخبز لنا، ونأمر بالزبيب فينبذ لنا في الاسعان حتى إذا صار مثل عين اليعقوب أكلنا هذا وشربنا هذا، ولكنا نريد أن نستبقي طيباتنا لأنا سمعنا الله يقول ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ﴾ الآية.

وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: قدم على عمر رضي الله عنه ناسٌ من العراق فرأى كأنهم يأكلون هديراً فقال يا أهل العراق لو شئت أن يدهمق لي كما يدهمق لكم لفعلت ولكنا نستبقي من ربنا ما نجده في آخرتنا أما سمعتم الله يقول لقوم ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ﴾ قال: تعلموا أن أقواماً يسترطون حسناتهم في الدنيا استبقى رجل طيباته إن استطاع ولا قوّة إلا بالله.

قال: وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وألينكم لباساً ولكني أستبقي طيباتي، وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قدم الشام صنع له طعاماً لم ير قبله مثله قال: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟

فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: لهم الجنة.

فاغرورقت عينا عمر رضي الله عنه فقال: لئن كان حظنا من هذا الحطام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بوناً بعيداً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: ليطلبن ناس حسنات عملوها فيقال لهم ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: أتي عمر رضي الله عنه بشربة عسل فقال: والله لا أتحمل فضلها اسقوها فلاناً.

وأخرج عبد بن حميد عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: رآني عمر رضي الله عنه وأنا متعلق لحماً فقال يا جابر ما هذا؟

قلت: لحم اشتريته بدرهم لنسوة عندي قرمن إليه فقال أما يشتهي أحدكم شيئاً إلا صنعه أما يجد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره وابن عمه؟

أين تذهب هذه الآية ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ﴾ قال فما انفلتّ منه حتى كدت أن لا أنفلت.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن حميد بن هلال قال: كان حفص رضي الله عنه يكثر غشيان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وكان إذا قرب طعامه اتقاه، فقال له عمر رضي الله عنه: ما لك ولطعامنا؟

فقال: يا أمير المؤمنين إن أهلي يصنعون لي طعاماً هو ألين من طعامك فاختار طعامهم على طعامك، فقال: ثكلتك أمك أما تراني لو شئت أمرت بشاة فتية سمينة فألقي عنها شعرها ثم أمرت بدقيق فنخل في خرقة فجعل خبزاً مرققاً، وأمرت بصاع من زبيب فجعل في سمن حتى يكون كدم الغزال؟

فقال حفص: إني أراك تعرف لين الطعام.

فقال عمر رضي الله عنه: ثكلتك أمك والذي نفسي بيده لولا كراهية أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لأشركتكم في لين طعامكم.

وأخرج ابن المبارك وابن سعد وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد وأبو نعيم في الحلية عن الحسن قال: قدم وفد أهل البصرة على عمر مع أبي موسى الأشعري فكان له في كل يوم خبز فربما وافقناها مأدومة بزيت، وربما وافقناها مأدومة بسمن، وربما وافقناها مأدومة بلبن، وربما وافقنا القدائد اليابسة قد دقت ثم أغلي لها، وربما وافقنا اللحم الغريض وهو قليل.

قال وقال لنا عمر رضي الله عنه: إني والله لقد أرى تقديركم وكراهيتكم طعامي، أما والله لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأرقكم عيشاً أما والله ما أجهل عن كراكر وأسنمة وعن صلى وصناب وسلائق، ولكني وجدت الله عير قوماً بأمر فعلوه فقال: ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ﴾ .

وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن ثوبان رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة، وأوّل من يدخل عليه إذا قدم فاطمة.

فقدم غزاة فأتاها فإذا بمسح على بابها، ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة فرجع ولم يدخل عليها، فلما رأت ذلك فاطمة ظنت أنه لم يدخل من أجل ما رأى فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكى الصبيان فقسمته بينهما فانطلقا إلى رسوله الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما، فقال: يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج فإن هؤلاء أهل بيتي ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا والله تعالى أعلم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ﴾ قال مقاتل: يعني يكشف الغطاء عنها لهم فينظرون إليها، يعني كفار مكة (١) قوله: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ ﴾ قرئ بالاستفهام والخبر، قال الفراء (٢) (٣) ﴿ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ  ﴾ ، {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [آل عمران: 106] ووجه الخبر أن المراد هاهنا التقرير، فالاستفهام مثل الخبر، ألا ترى أن هذا الاستفهام الذي يراد به التقرير لا يجاب بالفاء كما يجاب بها إذا لم يكن تقريرًا، فكأنهم يوبَّخُون بهذا الذي يخبرون به وُيبَكَّتُون (٤) (٥) وذكر المفسرون عن النبي -  - والصحابة أخبارًا في هذه الآية، أنهم كانوا يجتنبون نعيم العيش ولذته بالطيبات في الدنيا (٦) (٧) ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ أي: تتكبرون عن عبادة الله والإيمان به ﴿ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ تعصون.

(١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22.

ولم أقف على نسبته لابن عباس.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 54.

(٣) انظر: "معانى القرآن" للزجاج 4/ 444.

(٤) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 189.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" ص 504، و"تفسير الوسيط" 4/ 110.

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 21، و"زاد المسير" 7/ 382، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 200، و"تفسير الوسيط" 4/ 110.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ أي للمحسنين والمسيئين درجات في الآخرة بسبب أعمالهم، فدرجات أهل الجنة إلى علو، ودرجات أهل النار إلى سفل، وليوفيهم تعليل بفعل محذوف وبه يتعلق تقديره: جعل جزاءهم درجات ليوفيهم أعمالهم ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ﴾ العامل في محذوف تقديره اذكر ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ ﴾ تقديره يقال لهم: أذهبتم طيباتكم، والطيبات هنا الملاذ من المآكل وغيرها؛ وقرأ أكثر القراء أذهبتم بهمزة واحدة على الخبر، وابن عامر بهمزتين على التوبيخ، والآية في الكفار بدليل قوله: ﴿ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ ﴾ وهي مع ذلك واعظة لأهل التقوى من المؤمنين، ولذلك قال عمر لجابر بن عبد الله وقد رآه اشترى لحماً أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية ﴿ عَذَابَ الهون ﴾ أي العذاب يقترن به هوان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب.

الباقون: على الغيبة.

والضمير للكتاب ﴿ إحساناً ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم.

الباقون: ﴿ حسناً ﴾ ﴿ كرهاً ﴾ في الموضعين بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وجبلة وهشام.

الباقون: بالضم وفصله يعقوب.

الآخرون ﴿ وفصاله ﴾ ﴿ أوزعني أن ﴾ بالفتح: إبن كثير غير القوّاس والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني ﴿ نتقبل ﴾ بالنون ﴿ أحسن ﴾ بالنصب ﴿ ونتجاوز ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وحفص.

الآخرون بياء الغيبة مبنياً للمفعول في الفعلين ﴿ أحسن ﴾ بالرفع ﴿ أف ﴾ بالكسر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.

وقرأ ابن كثير بالفتح من غير تنوين.

الباقون: بالكسر ولا تنوين ﴿ أتعدانني أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وقرأ هشام مدغمة النون ﴿ وليوفيهم ﴾ بالياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.

الباقون: بالنون ﴿ أءذهبتم ﴾ بتحقيق الهمزتين: ابن ذكوان ﴿ آذهبتم ﴾ بالمدّ: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وهشام.

الباقون: بهمزة واحدة.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ السموات ﴾ ه لانتهاء الاستفهام إلى الخطاب ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لأن "أم" تتضمن استفهام إنكار ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ واستكبرتم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ قديم ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ للمحسنين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مفعولاً له ومفعول فعل محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ط ﴿ ووضعته كرهاً ﴾ ط ﴿ شهراً ﴾ ط ﴿ سنة ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ذرّيتي ﴾ ط للابتداء بإن مع اتحاد الكلام ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لأن التقدير وعد لله وعداً صدقاً وهو مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ نتقبل ﴾ في معنى الوعد ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ج لأن الواو تكون مقحمة ويتصل اللام بما قبله وقد يكون المعلل محذوفاً كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ط لتقدير القول وهو العامل في يوم ﴿ بها ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ تفسقون ﴾ ه.

التفسير: إنما كرر تنزيل الكتاب لأنه بمنزلة عنوان الكتب ثم ذكر ما أنزل فقال ﴿ ما خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجل مسمى ﴾ وقد مر في أوّل "الروم" أنه الوقت الذي عينه لإفناء الدنيا.

وحين بين الدليل على وجود الإله ووقوع الحشر فرع عليه الردّ على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وقد مر في "فاطر".

والمراد أنهم لا يستحقون العبادة أصلاً لأنهم ما خلقوا شيئاً في هذا العالم لا في الأرض ولا في السماء، ولم يدل وحي من الله على عبادتهم لأن هذا القرآن ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك وما من كتاب قبله إلا هو ناطق بمثل ذلك.

فقوله ﴿ ائتوني ﴾ من باب إرخاء العنان وتوسيع المجال على الخصم أي إن كنتم في شك مما قلت فقد أمهلتكم حتى تأتوني بعد الاستقراء ﴿ بكتاب ﴾ فيه شيء من ذلك ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال الواحدي: كلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أوجه: أحدها البقية من قولهم "سمنت الناقة على إثارة من شحم" أي على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب.

والثاني أنه من الأثر بمعن الرواية.

والثالث من الأثر بمعنى العلامة والمراد ما بقي أو روي عن أسلافهم ويعدّونه علماً.

عن ابن عباس مرفوعاً أنه الخط.

قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم علمه.

ثم زاد في تبكيتهم وتوبيخهم بقوله ﴿ ومن أضل ﴾ الآية.

وبالجملة فالدليل الأوّل دل على نفي القدرة عنهم من كل الوجوه، وهذا الدليل دل على نفي العلم عنهم من كل الوجوه، فإذا انتفى العلم والقدرة عن الجسم لم يكن إلا جماداً وعبادة الجماد محض الضلال.

وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ تأبيد على عادة العرب، ويحتمل أن يكون توقيتاً بدليل قوله ﴿ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ﴾ وهذا التبري والتخاطب نوع من الاستجابة.

ثم قرر غاية عنادهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ ثم عجب من حالهم بقوله ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ الآية أي إن كذبت على الله كما زعمتم عاجلني بالعقوبة فلا تقدرون على دفع عذابه عني فأي فائدة لي في الافتراء.

ثم فوّض أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ هو أعلم بما تفيضون ﴾ أي تتدفعون فيه من القدح في الوحي، وتسميته سحراً تارة وافتراء أخرى وفي قوله ﴿ وهو الغفور الرحيم ﴾ إشارة إلى أنهم لو رجعوا إلى الحق وتابوا عن الشرك قبل الله توبتهم، وفيه إشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه.

ثم أراد أن يزيل شبهتهم بنوع آخر من البيان فقال ﴿ قل ما كنت بدعاً ﴾ هو بمعنى البديع كالخف بمعنى الخفيف أي لست بأوّل رسول أرسله الله ولا جئتكم بأمر بديع لم يكن إلى مثله سابق.

وفيه إن اقتراح الآيات الغريبة فيه غير موجه لأنه لا يتبع إلا الوحيوما هو إلا نذير وليس إليه أن يأتي بكل ما يقترح عليه، وفيه أنه غير عالم بالمغيبات إلا بطريق الوحي فلا وجه لاستدعاء الغيوب عنه سواء تتعلق بأحوال الدنيا أو بأحوال الآخرة من الأحكام والتكاليف وما يؤل أمر المكلفين إليه، وفيه أنه لا وجه لتعييره بالفقر وبأكل الطعام والمشي في الأسواق والرسل كلهم أو جلهم كانوا كذلك.

قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أشتدّ البلاء على أصحاب رسول الله  رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى تهاجر؟

فسكت رسول الله  وأنزل الله الآية.

وعنه في رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بأمته، فأنزل الله  ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً  ﴾ إلى قوله ﴿ فوزاً عظيماً  ﴾ فبين الله  ما يفعل به وبأمته ونسخت هذه الآية.

والأصح عند العلماء أنه لا حاجة إلى التزام النسخ، فإن الدراية المفصلة غير حاصلة، وعلى تقدير حصولها فإنه لم ينف إلا الدراية من قبل نفسه، وما نفي الدراية من جهة الوحي.

وقوله ﴿ ولا بكم ﴾ في حيز النفي ولا أدري ما يفعل بكم.

و "ما" موصولة أو استفهامية، ومحل الأولى نصب، والثانية رفع.

ثم قرر أنه لا أظلم منهم فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وقد مر نظيره في آخر "حم السجدة" إلا أنه زاد ههنا حديث الشاهد وفيه أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله  المدينة نظر إلى وجهه وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فآمن به.

وعن سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله  يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزل ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ على مثل القرآن.

والمعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة للقرآن من التوحيد والمعاد.

وعلى هذا فقوله ﴿ على مثله ﴾ يتعلق بشاهد أي ويشهد على صحة القرآن.

ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ مثله ﴾ إلى المذكور وهو كونه من عند الله، فيكون الجار متعلقاً بـ ﴿ شهد ﴾ قال جار الله: الواو الأخيرة عاطفة ﴿ لاستكبرتم ﴾ على ﴿ شهد ﴾ وأما الواو في ﴿ وشهد ﴾ فقد عطفت جملة قوله ﴿ وشهد ﴾ إلى آخره على جملة قوله ﴿ كان من عند الله وكفرتم به ﴾ والمعنى أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟

يدل على هذا الجواب المحذوف قوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قلت: هذا كلام حسن.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ واستكبرتم ﴾ معطوفاً على قوله ﴿ فآمن ﴾ .

ويجوز أن يكون الواو في ﴿ وشهد ﴾ للحال بإضمار "قد".

قال: وقد جعل الإيمان في قوله ﴿ فآمن ﴾ مسبباً عن الشهادة لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى وأنصف من نفسه اعترف بصحته وآمن.

القول الثاني ما ذكر الشعبي في جماعة أن السورة مكية وقد أسلم ابن سلام بالمدينة، فالشاهد هو موسى وشهادته هو ما في التوراة من بعث محمد  وإيمانه تصديقه ذلك.

القول الثالث أن الشاهد ليس شخصياً معيناً وتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به ثم آمن بمحمد واستكبرتم أنتم، ألم تكونوا ظالمين ضالين؟

والمقصود أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب هو من عند الله، وثبت بشهادة الثقات أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم النبي  ، ومع ثبوت هذين الأمرين كيف يليق بالعاقل إنكار نبوته؟

ثم ذكر شبهة أخرى لهم وهي أنهم قالوا ﴿ للذين آمنوا ﴾ أي لأجلهم وفي حقهم ﴿ لو كان ﴾ ما أتى به محمد ﴿ خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وقيل: اللام كما في قولك "قلت له".

وضعف بأنه لو كان كذلك لقيل ما سبقتمونا إليه.

وأجيب بأنه وارد على طريقة الالتفات، أو المراد أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله  خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين بأنه لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون.

قال المفسرون: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالاً وأكثر مالاً وهؤلاء رعاة الغنم.

وقيل: قاله أغنياء قريش للفقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود.

وقيل: هم اليهود قالوه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.

والعامل في قوله ﴿ وإذ لم يهتدوا به ﴾ محذوف وهو ظهر عنادهم وذلك أن "إذ" للمضي، والسين للاستقبال وبينهما تدافع.

والإفك القديم كقولهم أساطير الأوّلين.

وقيل: كذب ككذب عيسى  قوله ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ خبر ومبتدأ وقوله ﴿ إماماً ﴾ أي قدوة يؤتم به في أصول شرائع الله، نصب على الحال كقولك "في الدار زيد قائماً".

وقوله ﴿ لساناً عربياً ﴾ حال من ضمير الكتاب في ﴿ مصدّق ﴾ أي لما بين يديه وهو العامل فيه ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ كتاب ﴾ لأنه موصوف والعامل معنى الإشارة.

وجوز أن يكون مفعولاً ﴿ لصدّق ﴾ على حذف المضاف أي يصدّق ذا لسان عربي هو الرسول.

قوله ﴿ وبشرى ﴾ معطوف على محل ﴿ لتنذر ﴾ لأنه مفعول له.

وحين قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبه المنكرين مع أجوبتها، أراد أن يذكر طريقة المحقين فقال ﴿ إن الذين قالوا ﴾ الآية.

وقد مر في "حم السجدة" إلا أنه رفع واسطة الملائكة ههنا من البين.

ثم إن أعظم أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق الله ولا سيما على الوالدين فلذلك قال ﴿ ووصينا ﴾ الآية.

وقد مرّ في "الروم" و "لقمان".

والكره بالضم، والفتح المشقة أي ذات كره أو حملاً ذاكره.

والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى، والمقصود بيان مدّة الرضاع.

ولما كان منتهياً بالفصال صح التعبير عن آخر الرضاع بالفصال، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال.

وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله { ﴿ والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين  ﴾ أن مدة الحمل ستة أشهر.

وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها، فأخبر علياً رضى الله عنه بذلك فمنعه محتجاً بالآية فصدّقه عمر وقال: لولا عليّ لهلك عمر.

قال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة.

وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك.

وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا: إن لتكوّن الجنين زماناً مقدّراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين.

وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوماً فإذا أتى عليه مثل ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل، ولو تمت خلقته في خمسة وثلاثين يوماً تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر، ولو تمت خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر، وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب.

ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وأنفصل في مائتين وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر، أما أكثر مدّة الحمل فليس يعرف له دليل من القرآن.

وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس من المقالة التاسعة، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش.

وعن أرسطا طاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى الإنسان.

هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً.

وعلى هذا قوله ﴿ حتى إذا بلغ أشدّه ﴾ أكثر المفسرين كما مر في آخر "الأنعام" وأوّل "يوسف" و "القصص".

على أن وقت الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة تقريباً، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتفاص، والقوّة العقلية والنطقية في الاستكمال، وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول ﴿ رب أوزعني ﴾ أي ألهمني ووفقني كما مر في "النمل".

قال علماء المعاني: قوله ﴿ في ذرّيتي ﴾ كقوله "يجرح في عراقيبها نصلي" فكأنه سأل أن يجعل ذرّيته موقعاً للصلاح ومظنة له.

وقوله ﴿ أحسن ما عملوا ﴾ إما بمعنى الحسن أو المراد الواجب والندب دون المباح.

وقوله ﴿ في أصحاب الجنة ﴾ في موضع الحال أي معدودين فيهم.

عن ابن عباس وجم غفير من المفسرين أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وفيه أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، ولم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر.

قالوا: ومما يؤيد هذا القول أنه  حكى عن ذلك الإنسان أنه قال بعد أربعين سنة رب أوزعني الخ.

ومعلوم أنه ليس كل إنسان قد يقول هذا القول.

والأظهر أن هذا عام لهذا الجنس، وأن الإنسان قد يقول هذا القول ولا أقل من أن يكون وارداً على طريقة الإرشاد والتعليم.

سلمنا ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

قوله ﴿ والذي قال ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ والمراد بالذي جنس القائل فلذلك أورد الخبر مجموعاً.

ويجوز أن يكون الخبر عاماً في القائل وفي أمثاله فيندرج فيه القائل.

وقيل: تقديره واذكر الذي ومن القائل.

عن الحسن وقتادة: هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث.

وذهب السدّي إلى أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وأنه كان يقول ﴿ لوالديه أف لكما ﴾ وهي كلمة تضجر وتبرم كما مر في "سبحان" و "الأنبياء" ﴿ أتعدانني أن أخرج ﴾ من القبر ﴿ وقد خلت القرون من قبلي ﴾ فلم يرجع أحدهم ﴿ وهما ﴾ يعني أبويه ﴿ يستغيثان الله ﴾ أي بالله فحذف الجار وأوصل الفعل والمراد يسألانه أن يوفقه للإيمان ويقولان له ﴿ ويلك آمن ﴾ بالله وبالبعث.

والمراد بالدعاء عليه الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.

قال السدّي: فاستجاب الله دعوة أبي بكر فيه فأسلم وحسن إسلامه ولما أسلم نزل فيه ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ وأكثر المفسرين ينكرون هذا القول لأنه  قال فيه ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول ﴾ كائنين ﴿ في أمم ﴾ إلى آخره.

وأن عبد الرحمن لم يبق كافراً بل كان من سادات المسلمين.

وروي عن عائشة إنكاره إيضاً.

وذلك أنه حين كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ابن أبي العاص بأن يبايع الناس ليزيد، ردّ عليه عبد الرحمن وقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه ﴿ والذي قال لوالديه ﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه.

ثم ميز حال المؤمن من حال الكافر بقوله ﴿ ولكل ﴾ أي من الجنسين ﴿ درجات ﴾ من جزاء ما عملوا فغلب أهل الدرجات على أهل الدركات، أو الدرجات هي المراتب متصاعدة أو متنازلة، والباقي واضح مما مرّ.

والاستكبار عن قبول الحق ذنب القلب، والفسق عمل الجوارح، والأوّل أولى بالتقديم لعظم موقعه.

وقد يحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع.

قال مؤلف الكتاب: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها لقوله  ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق  ﴾ ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له وقد يجر بعضه بعضاً إلى أن يقع المرء في حدّ البعد عن الله.

وفي الحديث أن رسول الله  دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: " أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر البيت كما تستر الكعبة؟

قالوا: نحن يومئذ خير.

قال: بل أنتم اليوم خير." وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكنني أستبقي طيباتي لأن الله وصف قوماً فقال ﴿ أذهبتم طيباتكم ﴾ وعنه أن رجلاً دعاه إلى طعام فأكل ثم قدّم شيئاً حلوا فامتنع وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال ﴿ أذهبتم ﴾ الآية.

فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا ﴾ ولست منهم فأكل وسرّه ما سمع.

والتحقيق أن المراد هو أنه ما كتب للكافر حظ من الطيبات إلا الذي أصابه في دنياه، وليس في الآية إن كل من أصاب الطيبات في الدنيا فإنه لا يكون له منها حظ في الآخرة والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً ﴾ و ﴿ حُسْناً  ﴾ ؛ كأنه قال: أمرنا الإنسان أن يحسن إلى والديه، فالحسن: هو اسم ما يقع بهم من البر، وهو المفعول، والإحسان هو اسم فعله الذي يفعل بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً  ﴾ أي: إنها في أول ما حملت [حملت] حملا خفيفاً، فلما كبر أثقلت، وهو وصف الولد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ  ﴾ وذلك في الأم؛ لأنها لا تزال تضعف وتوهن من أول ما حملت إلى آخر ما وضعت.

وقوله -  - ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ في أول ما تحمل تجد كراهة في نفسها إلى وقت وضعها.

والثاني: يشبه أن يكون على الجمع في الأم دون الولد على اختلاف الأحوال، وهو في الابتداء يخف عليها الحمل، ويثقل ذلك عليها إذا دنا وقت وضعها، وما ذكر من الوهن فهو ما ذكرنا أنها لا تزال تزداد ضعفاً فيها ووهناً من أوّل حملها إلى وقت وضعها، وما ذكر من الكراهة فهو إذا تم حملها شق ذلك عليها، وكذلك الوضع، لا شك أن ذلك يشق عليها.

والتأويل الأوّل على التفريق في حال يرجع الوصف إلى الولد، وفي حال إلى الوالدة، والثاني يرجع ذلك كله إلى وصف الأم، وعلى التأويلين حصل التوفيق بين الآيات؛ لرجوعها إلى اختلاف الأحوال، فأمكن الجمع بين الكل في أحوال، والاختلاف إنما يكون في حال واحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق -  - حملته أمه كرهاً؛ أي: بمشقة، ووضعته بمشقة، ثم وضعته على تمام ستة أشهر.

وقال بعضهم: الآية نزلت في الحسن أو الحسين -  ما - وضعته [أمه] على ما ذكر في المدّة.

ثم منهم من يقول: الآية وإن نزلت في نازلة بعينها، لكن ما ذكر من الحكم فذلك في كل إنسان وهو أن يكون الولد ثابت النسب من الأب بهذه المدة، فإنه روي عن عمر -  - أنه أتي بامرأة وضعت في ستة أشهر، فأراد أن يرجمها، فقال ابن عباس -  - يا أمير المؤمنين، إن الله -  - قد جعل في كتابه مخرجاً؛ قال الله -  -: ﴿ وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ﴾ ستة أشهر لحملها، ورضاعه سنتين، فأخذ بقول ابن عباس -  - ودرأ عن الرجم.

وكذلك روي عن عثمان -  - أنه أتي بامرأة وضعت لستة أشهر، فهمّ أن يرجمها، فقال له ابن عباس: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم، ثم تلا هذه الآية.

وكذلك ذكر عن علي -  - أن عثمان -  - لما أمر برجم المرأة التي وضعت لستة أشهر، فسمع علي -  - فأتى عثمان -  - فقال له: ما صنعت؟

فقال له عثمان -  -: وهل تلد المرأة الولد التام لستة أشهر؟

قال: نعم، ثم تلا عليه هذه الآية.

فهؤلاء الصحابة -  م - قد رأوا الآية في كل امرأة وضعت لتلك المدة في حق ذلك الحكم الذي ذكر، والله أعلم.

ثم روي عن ابن عباس -  - قال: إذا وضعت المرأة لستة أشهر أرضعته حولين كاملين؛ لأن الله -  - يقول: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ﴾ وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعته ثلاثة وعشرين شهراً، وإذا وضعته لتسعة أشهر، أرضعته أحداً وعشرين شهراً، فعلى قياس هذا جائز أنها [إن] وضعته لسنتين أن يكفي رضاع ستة أشهر، يزاد وينقص على ذلك القدر؛ ألا ترى أنه روي أن المرأة التي حملت سنتين ولدت وقد ثبتت له سنتان؛ فمثل هذا الولد لا يحتاج من الرضاع ما يحتاج الذي ولد لستة أشهر؛ لذلك كان ما ذكرنا.

ثم إذا احتمل النقصان عن الحولين؛ لما ذكرنا جازت الزيادة على الحولين؛ على ما قال أبو حنيفة - رحمه الله - لأن ما ذكر من الحولين إنما هو رضاع أقل الحمل، وهو ستة أشهر؛ لأن الذي ولد لستة أشهر كان إلى الاغتذاء بالطعام أبعد من الذي ولد لتسعة أشهر؛ لضعفه في نفسه، والذي ولد لتسعة أشهر فهو إلى الاغتذاء بالطعام أقرب منه، والذي ولد لسنتين هو أقرب إلى الاغتذاء بالطعام من المولود لتسعة أشهر؛ لقوته وقلة حاجته إلى الغذاء باللبن، فإذا كان قوله -  -: ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ  ﴾ هو أقل رضاع يكون؛ لأنه ذكر للمولود لأقل الحمل؛ حيث قال: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ﴾ ثم قال: ﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ  ﴾ فإذا كان أقل احتمل الزيادة التي ذكر أبو حنيفة - رحمه الله - وهو ستة أشهر على السنتين، كما يصير رضاع أكثر الحمل ستة أشهر، واعتبر في الباب إلى قوة الولد، واحتمال الغذاء بالطعام، وعدم الاحتمال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً...

﴾ إلى آخر [ما] ذكر.

دلت هذه الآية على أن الآية التي ذكرنا نزلت في نازلة؛ حيث أخبر أنه إذا بلغ ذلك المبلغ قال: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ...

﴾ الآية.

ثم قوله -  -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ذكر أوّل ما يشتد عقله، ويدخل في القوة إلى الوقت الذي يكون على الزيادة، فإذا جاوز ذلك الوقت يأخذ في الانتقاص، وهو أربعون سنة.

وقال أهل التأويل: بلوغ الأشد هو ثماني عشرة سنة إلى أربعين، وهو ما ذكرنا: أنه أول وقت دخوله في الزيادة والقوة إلى الوقت الذي إذا بلغ ذلك يأخذ في النقصان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ دل قوله: ﴿ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ على أن [على] الرجل شكر ما أنعم على والديه وأحسن إليهما كما يلزمه شكر ما أنعم عليه؛ لما يكون بدء إسلام الأولاد الصغار بالوالدين وما لهما من النعم يصل نفعها إليهم - أيضاً - فيلزمهم شكر ما أنعم عليهم بالإيمان والنعم في وقته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ ﴾ هذا على كل مسلم أن يدعو بمثل هذا الدعاء، يسأل ربه التوفيق على عمل صالح يرضاه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أصلح لي ذريتي؛ على طرح حرف ﴿ فِي ﴾ منه؛ كقوله: ﴿ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً  يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ  ﴾ ، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ أَوْزِعْنِيۤ ﴾ : ألهمني.

وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه سأل ربه أن يوزعه شكر ما أنعم عليه، ومن قولهم أن ليس على المرء الشكر إلا بعد إعطاء جميع ما به يشكر حتى لا يبقى عنده مزيد؛ فيكون مثل هذا الدعاء من العباد ردّاً على قولهم؛ لأنهم يسألون ما يعلمون أن ليس عنده ذلك، وأنّه لا يملكه، وكذلك قوله: ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ ﴾ ، ومن قولهم أنه ليس عنده ما يغيثه، فيخرج دعاؤهم على ما ذكرنا على مذهبهم، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ كأنْ لهم عملان: حسنات وسيئات، فأخبر أنه يتقبل عنهم حسناتهم، ويجزيهم جزاءها، ويتجاوز عن سيئاتهم ويكفرها، ولا يجزيهم جزاءها؛ فضلا منه ورحمة، والمراد من الأحسن: الحسن، ويجوز ذلك في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ أي: ذلك الذي أخبر وذكر أنه يفعل لهم هو وعد الصدق يفي ذلك لهم، وهو قادر على وفاء الوعد، ومن يكون منه الخلف في الوعد في الشاهد إنما يكون لأحد وجوه ثلاثة: إما لعجز يمنعه عن وفاء ما وعد.

أو جهل وبدو شيء رآه فرجع عن ذلك.

أو حاجة.

والله -  وتعالى - يتعالى عن ذلك كله؛ للقدرة الذاتية، والغنى الذاتي، والعلم الأزلي، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

خرج أهل التأويل هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر -  ما - ووالدته فلانة، والآية الأولى في أبي بكر ووالديه، وهي قوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ ﴾ فيقولون: إن أبا بكر الصديق -  - أطاع والديه وأمر بالإحسان إليهما، والشكر لهما، وسأل التوفيق في الشكر له به على ما أنعم عليه وأنعم على والديه، وعبد الرحمن ابنه قد عصى والديه وخالفهما فيما يدعوانه إليه، وقال لهما قولا رديّاً؛ حيث قال: ﴿ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ ﴾ من القبر وأحيا ﴿ وَقَدْ خَلَتِ ﴾ من قبلي من القرون فلا أراهم بعثوا، ونحو ذلك من الكلام.

إلا أن هذا لا يصح؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في أجلة الصحابة -  م - فالظاهر أنه لم يكن منه مثل هذه المجادلة؛ ولأن أهل التأويل قالوا: إنه كان قال لوالديه: إن كان ما تقولون حقّاً أخرجوا فلاناً وفلاناً؛ ذكر نفراً من أجداده، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ...

﴾ الآية، ولا يحتمل أن يكون هذا جواب ما تقدم من القول؛ لأنه في وجوب ما ذكر - وهو استحقاق العذاب عليهم - منع العود والإحياء في الدنيا، ولأنهم لو كانوا يعادون لا يسقط ذلك الذي حق عليهم؛ إذ هم لا يؤمنون؛ ألا ترى أن الله -  - قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ .

لكن جائز أن تكون الآيتان في رجلين من ولد بني آدم مع والديهما: أطاع أحدهما والديه وأجابهما إلى ما دعواه إليه، وأبى الآخر إجابة والديه إلى ما دعواه إليه، وخالفهما في أمرهما فاستغاث والداه ممن عصاهما وخالفهما في أمرهما وقالا ما ذكر في الآية، وقال من أجابهما ما ذكر، وهو كما ذكرنا في قوله -  -: ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً  ﴾ صرف أهل التأويل بأجمعهم هذه الآية إلى آدم وزوجته حوّاء - عليهما السلام - وقلنا نحن: جائز أن يكون هذا في كل والد ووالدة يقولان ما ذكر ويدعوان إلى ما ذكر، فلما آتاهما ما ذكر من الصلاح كانا ما ذكر، فعلى ذلك جائز أن تكون الآيتان اللتان ذكرناهما تكونان في كل ولد مع والديه: من أجاب والديه ومن عصاهما - والله أعلم - فلا تصرف الآية إلى من ذكروا إلا ببيان من الله -  - على لسان رسوله  : أنها في كذا وكذا، وفي فلان وفلان، على طريق التواتر، فعند ذلك يقال ما قالوا، فأما إذا لم تثبت النصوص والإشارة إلى قوم بالتواتر فالكف عن ذلك أسلم، والله أعلم.

ودل قوله: ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ ﴾ أن عند الله لطفاً لو أعطى ذلك لآمن.

وقوله: ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ ﴾ \[أي:\] فيقولان: ﴿ وَيْلَكَ آمِنْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ من خير أو شر ﴿ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ أي: ليوفينهم أجر أعمالهم، وجزاء أعمالهم من خير أو شر ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ أي: لا ينقصون من خيراتهم، ولا يزداد لهم في سيئاتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً  ﴾ ، ونحوها؛ يذكرهم بهذه الآيات وأمثالها؛ ليعرفوا ما كان منهم، وما استوجبوا من العقوبات إنما استوجبوا بما كان منهم في الدنيا من التكذيب والاستهزاء بآياته؛ لينزجروا عن ذلك.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما أذهبتم طيباتكم التي أعطيتموها في منافعكم وأتلفتموها ولم تؤدوا شكرها، ولم تقوموا بوفائها، والله أعلم.

والثاني: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: أتلفتموها، ولم تكتسبوا بها الطيبات الموعودة في الآخرة والنعم الدائمة، فكل ما أعطى في هذه الدنيا من الأموال إنما أعطى ليستعينوا بها على عمل الآخرة، وليتزودوا بها، ويجعلوها زداً للآخرة، فأما إذا جعلوها في غير ذلك فهو إتلاف، وجعل في غير ما جعل، وذلك وبال عليهم وحسرة، وهو ما قال الله -  -: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ  ﴾ وكذا ذكر: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ  ﴾ ، فكل نفقة كانت في غير ما ذكر من الاستعانة على زاد الآخرة والتزود لها فهي لحياة الدنيا، وهي لعب ولهو، وهو ما ذكر من الريح فيها صرّ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ ﴾ أي: عذاب تهانون فيه، يهينكم ذلك العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل استكبارهم الذي ذكر على الرسل، استكبروا على الرسل فتركوا اتباعهم، فاستكبروا على آياته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ والفسق هو الخروج عن أمر الله  .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويوم يعرض الذين كفروا بالله وكذبوا رسله على النار ليعذبوا فيها، ويقال لهم توبيخًا لهم وتقريعًا: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، واستمتعتم بما فيها من الملذات، أما في هذا اليوم فتجزون العذاب الذي يهينكم ويذلكم بسبب تكبركم في الأرض بغير الحق، وبسبب خروجكم عن طاعة الله بالكفر والمعاصي.

من فوائد الآيات بيان مكانة بِرِّ الوالدين في الإسلام، بخاصة في حق الأم، والتحذير من العقوق.

بيان خطر التوسع في ملاذّ الدنيا؛ لأنها تشغل عن الآخرة.

بيان الوعيد الشديد لأصحاب الكبر والفسوق.

<div class="verse-tafsir" id="91.Wxe6p"

مزيد من التفاسير لسورة الأحقاف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل