الآية ٢٦ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٢٦ من سورة الفتح

إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوٓا۟ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا ٢٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 177 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦ من سورة الفتح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ) ، وذلك حين أبوا أن يكتبوا " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وأبوا أن يكتبوا : " هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله " ، ( فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى ) ، وهي قول : " لا إله إلا الله " ، كما قال ابن جرير ، وعبد الله ابن الإمام أحمد : حدثنا الحسن بن قزعة أبو علي البصري ، حدثنا سفيان بن حبيب ، حدثنا شعبة ، عن ثوير ، عن أبيه عن الطفيل - يعني : ابن أبي بن كعب [ رضي الله عنه ] - عن أبيه [ أنه ] سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( وألزمهم كلمة التقوى ) قال : " لا إله إلا الله " .

وكذا رواه الترمذي عن الحسن بن قزعة ، وقال : غريب لا نعرفه إلا من حديثه ، وسألت أبا زرعة عنه فلم يعرفه إلا من هذا الوجه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، حدثني عبد الرحمن بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة أخبره ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله ، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على الله " ، وأنزل الله في كتابه ، وذكر قوما فقال : ( إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ) [ الصافات : 35 ] ، وقال الله جل ثناؤه : ( وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ) وهي : " لا إله إلا الله ، محمد رسول الله " ، فاستكبروا عنها واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية ، وكاتبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قضية المدة .

وكذا رواه بهذه الزيادات ابن جرير من حديث الزهري ، والظاهر أنها مدرجة من كلام الزهري ، والله أعلم .

وقال مجاهد : ( كلمة التقوى ) : الإخلاص .

وقال عطاء بن أبي رباح : هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير .

وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن المسور : ( وألزمهم كلمة التقوى ) قال : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له .

وقال الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن عباية بن ربعي ، عن علي : ( وألزمهم كلمة التقوى ) قال : لا إله إلا الله ، والله أكبر .

وكذا قال ابن عمر ، رضي الله عنهما .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( وألزمهم كلمة التقوى ) قال : يقول : شهادة أن لا إله إلا الله ، وهي رأس كل تقوى .

وقال سعيد بن جبير : ( وألزمهم كلمة التقوى ) قال : لا إله إلا الله والجهاد في سبيله .

وقال عطاء الخراساني : هي : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله .

وقال عبد الله بن المبارك ، عن معمر عن الزهري : ( وألزمهم كلمة التقوى ) قال : بسم الله الرحمن الرحيم .

وقال قتادة : ( وألزمهم كلمة التقوى ) قال : لا إله إلا الله .

( وكانوا أحق بها وأهلها ) : كان المسلمون أحق بها ، وكانوا أهلها .

( وكان الله بكل شيء عليما ) أي : هو عليم بمن يستحق الخير ومن يستحق الشر .

وقد قال النسائي : حدثنا إبراهيم بن سعيد ، حدثنا شبابة بن سوار ، عن أبي رزين ، عن عبد الله بن العلاء بن زبر ، عن بسر بن عبيد الله ، عن أبي إدريس ، عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ : ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ) [ الفتح : 26 ] ، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام .

فبلغ ذلك عمر فأغلظ له ، فقال : إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيعلمني مما علمه الله .

فقال عمر : بل أنت رجل عندك علم وقرآن ، فاقرأ وعلم مما علمك الله ورسوله .

وهذا ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقصة الصلح : قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية يريد زيارة البيت ، لا يريد قتالا وساق معه الهدي سبعين بدنة ، وكان الناس سبعمائة رجل ، فكانت كل بدنة عن عشرة ، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي ، فقال : يا رسول الله ، هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل ، قد لبست جلود النمور ، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدا ، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموه إلى كراع الغميم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا ويح قريش !

قد أكلتهم الحرب ، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس ؟

فإن أصابوني كان الذي أرادوا ، وإن أظهرني الله [ عليهم ] دخلوا في الإسلام وهم وافرون ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ، فماذا تظن قريش ؟

فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة " .

ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة .

قال : فسلك بالجيش تلك الطريق ، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ، ركضوا راجعين إلى قريش ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا سلك ثنية المرار ، بركت ناقته ، فقال الناس : خلأت .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما خلأت ، وما ذلك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم ، إلا أعطيتهم إياها " [ ثم ] قال للناس : " انزلوا " .

قالوا : يا رسول الله ، ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس .

فأخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه ، فنزل في قليب من تلك القلب ، فغرزه فيه فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعطن .

فلما اطمأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة ، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان ، فرجعوا إلى قريش فقالوا : يا معشر قريش ، إنكم تعجلون على محمد ، وإن محمدا لم يأت لقتال ، إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحقه ، فاتهموهم .

قال محمد بن إسحاق : قال الزهري : [ و ] كانت خزاعة في عيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشركها ومسلمها ، لا يخفون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا كان بمكة ، فقالوا : وإن كان إنما جاء لذلك فوالله لا يدخلها أبدا علينا عنوة ، ولا يتحدث بذلك العرب .

ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص ، أحد بني عامر بن لؤي ، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " هذا رجل غادر " .

فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحو ما كلم به أصحابه ، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله [ - صلى الله عليه وسلم - ] ; فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني ، وهو يومئذ سيد الأحابيش ، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " هذا من قوم يتألهون ، فابعثوا الهدي " في وجهه ، فبعثوا الهدي ، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله ، رجع ولم يصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إعظاما لما رأى ، فقال : يا معشر قريش ، قد رأيت ما لا يحل صده ، الهدي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله .

قالوا : اجلس ، إنما أنت أعرابي لا علم لك .

فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي ، فقال : يا معشر قريش ، إن قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم ، من التعنيف وسوء اللفظ ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد ، وقد سمعت بالذي نابكم ، فجمعت من أطاعني من قومي ، ثم جئت حتى آسيتكم بنفسي .

قالوا : صدقت ما أنت عندنا بمتهم .

فخرج حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس بين يديه ، فقال : يا محمد جمعت أوباش الناس ، ثم جئت بهم لبيضتك لتفضها ، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل ، قد لبسوا جلود النمور ، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدا ، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا .

قال : وأبو بكر قاعد خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : امصص بظر اللات !

أنحن ننكشف عنه ؟

!

قال : من هذا يا محمد ؟

قال : " هذا ابن أبي قحافة " .

قال : أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ، ولكن هذه بها .

ثم تناول لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديد ، قال : فقرع يده .

ثم قال : أمسك يدك عن لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل - والله - لا تصل إليك .

قال : ويحك !

ما أفظعك وأغلظك !

فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال : من هذا يا محمد ؟

قال - صلى الله عليه وسلم - : " هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة " .

قال : أغدر ، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس ؟

!

قال فكلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل ما كلم به أصحابه ، وأخبره أنه لم يأت يريد حربا .

قال : فقام من عند رسول الله [ - صلى الله عليه وسلم - ] وقد رأى ما يصنع به أصحابه ، لا يتوضأ وضوءا إلا ابتدروه ، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه .

فرجع إلى قريش فقال : يا معشر قريش ، إنى جئت كسرى في ملكه ، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما ، والله ما رأيت ملكا قط مثل محمد في أصحابه ، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا ، فروا رأيكم .

قال : وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك قد بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة ، وحمله على جمل له يقال له : " الثعلب " فلما دخل مكة عقرت به قريش ، وأرادوا قتل خراش ، فمنعتهم الأحابيش ، حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا عمر ليبعثه إلى مكة ، فقال : يا رسول الله ، إنى أخاف قريشا على نفسي ، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني : عثمان بن عفان .

قال : فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد ، وإنما جاء زائرا لهذا البيت ، معظما لحرمته .

فخرج عثمان حتى أتى مكة ، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص ، فنزل عن دابته وحمله بين يديه وردف خلفه ، وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش ، فبلغهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أرسله به ، فقالوا لعثمان : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به ، فقال : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله [ - صلى الله عليه وسلم - ] قال : واحتبسته قريش عندها ، قال : وبلغ رسول الله أن عثمان قد قتل .

قال محمد : فحدثني الزهري : أن قريشا بعثوا سهل بن عمرو ، وقالوا : ائت محمدا فصالحه ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا ، فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا .

فأتاه سهل بن عمرو فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل " .

فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكلما وأطالا الكلام ، وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح ، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب ، وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر ، أوليس برسول الله ؟

أولسنا بالمسلمين ؟

أوليسوا بالمشركين ؟

قال : بلى .

قال : فعلام نعطى الذلة في ديننا ؟

فقال أبو بكر : يا عمر ، الزم غرزه حيث كان ، فإني أشهد أنه رسول الله .

[ ثم ] قال عمر : وأنا أشهد .

ثم أتى رسول الله فقال : يا رسول الله ، أولسنا بالمسلمين أوليسوا بالمشركين ؟

قال : " بلى " قال : فعلام نعطى الذلة في ديننا ؟

فقال : " أنا عبد الله ورسوله ، لن أخالف أمره ولن يضيعني " .

ثم قال عمر : ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرا .

قال : ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب [ رضي الله عنه ] فقال : اكتب : " بسم الله الرحمن الرحيم " .

فقال سهل بن عمرو : ولا أعرف هذا ، ولكن اكتب : " باسمك اللهم ، فقال رسول الله : " اكتب باسمك اللهم .

هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ، سهل بن عمرو " ، فقال سهل بن عمرو : ولو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ، ولكن اكتب : هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله ، وسهل بن عمرو ، على وضع الحرب عشر سنين ، يأمن فيها الناس ، ويكف بعضهم عن بعض ، على أنه من أتى رسول الله من أصحابه بغير إذن وليه ، رده عليهم ، ومن أتى قريشا ممن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة ، وأنه لا إسلال ولا إغلال ، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب : أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده ، دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ، فتواثبت خزاعة فقالوا : نحن في عقد رسول الله وعهده ، وتواثبت بنو بكر فقالوا : نحن في عقد قريش وعهدهم ، وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة ، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك ، وأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب ، فبينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكتب الكتاب ، إذا جاءه أبو جندل بن سهل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح ، لرؤيا رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع ، وما تحمل رسول الله [ - صلى الله عليه وسلم - ] على نفسه ، دخل الناس من ذلك أمر عظيم ، حتى كادوا أن يهلكوا .

فلما رأى سهل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وقال : يا محمد ، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا .

قال : " صدقت " .

فقام إليه فأخذ بتلابيبه .

قال : وصرخ أبو جندل بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ، أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني ؟

قال : فزاد الناس شرا إلى ما بهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا أبا جندل ، اصبر واحتسب ، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهدا ، وإنا لن نغدر بهم " .

قال : فوثب إليه عمر بن الخطاب فجعل يمشي مع [ أبي ] جندل إلى جنبه وهو يقول : اصبر أبا جندل ، فإنما هم المشركون ، وإنما دم أحدهم دم كلب ، قال : ويدني قائم السيف منه ، قال : يقول : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه قال : فضن الرجل بأبيه .

قال : ونفذت القضية ، فلما فرغا من الكتاب ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في الحرم ، وهو مضطرب في الحل ، قال : فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يا أيها الناس ، انحروا واحلقوا " .

قال : فما قام أحد .

قال : ثم عاد بمثلها ، فما قام رجل حتى عاد - صلى الله عليه وسلم - بمثلها ، فما قام رجل .

فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل على أم سلمة فقال : " يا أم سلمة ما شأن الناس ؟

" قالت : يا رسول الله ، قد دخلهم ما رأيت ، فلا تكلمن منهم إنسانا ، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق ، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك .

فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحره ، ثم جلس فحلق ، قال : فقام الناس ينحرون ويحلقون .

قال : حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت سورة الفتح .

هكذا ساقه أحمد من هذا الوجه ، وهكذا رواه يونس بن بكير وزياد البكائي ، عن ابن إسحاق ، بنحوه ، وفيه إغراب ، وقد رواه أيضا عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، به نحوه وخالفه في أشياء وقد رواه البخاري ، رحمه الله ، في صحيحه ، فساقه سياقة حسنة مطولة بزيادات جيدة ، فقال في كتاب الشروط من صحيحه : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر : أخبرني الزهري : أخبرني عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه ، قالا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه ، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره ، وأحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة ، وسار حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه ، فقال : إن قريشا قد جمعوا لك جموعا ، وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك ومانعوك .

فقال : " أشيروا أيها الناس علي ، أترون أن نميل على عيالهم ، وذراري هؤلاء الذين يريدون أن صدونا عن البيت ؟

" وفي لفظ : " أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم .

فإن يأتونا كان الله قد قطع عنقا من المشركين وإلا تركناهم محزونين " ، وفي لفظ : " فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين محروبين وإن نجوا يكن عنقا قطعها الله ، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟

" .

فقال أبو بكر [ رضي الله عنه ] : يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت ، لا نريد قتل أحد ولا حربا ، فتوجه له ، فمن صدنا عنه قاتلناه .

وفي لفظ : فقال أبو بكر رضي الله عنه : الله ورسوله علم إنما جئنا معتمرين ، ولم نجئ لقتال أحد ، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " فروحوا إذن " ، وفي لفظ : " فامضوا على اسم الله " .

حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة ، فخذوا ذات اليمين " .

فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش ، فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها ، بركت به راحلته .

فقال الناس : حل حل فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء ، خلأت القصواء ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل " .

ثم قال : " والذي نفسي بيده ، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله ، إلا أعطيتهم إياها " .

ثم زجرها فوثبت ، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء ، يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبث الناس حتى نزحوه ، وشكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العطش ، فانتزع من كنانته سهما ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة ، وكانوا عيبة نصح رسول الله [ - صلى الله عليه وسلم - ] من أهل تهامة ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي ، نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكن جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب فأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس ، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا ، وإلا فقد جموا ، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، ولينفذن الله أمره " قال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد جئنا من عند هذا الرجل ، وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء .

وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته يقول قال : سمعته يقول كذا وكذا ، فحدثهم بما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام عروة بن مسعود فقال : أي قوم ، ألستم بالوالد ؟

قالوا : بلى .

قال : أولست بالولد ؟

قالوا : بلى .

قال : فهل تتهموني ؟

قالوا : لا .

قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ ، فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟

قالوا : بلى .

قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته .

قالوا : ائته .

فأتاه فجعل يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - له نحوا من قوله لبديل بن ورقاء .

فقال عروة عند ذلك : أي محمد ، أرأيت إن استأصلت أمر قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك ؟

وإن تك الأخرى فإني والله لأرى وجوها ، وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : امصص بظر اللات !

أنحن نفر وندعه ؟

!

قال : من ذا ؟

قالوا : أبو بكر .

قال : أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها ، لأجبتك .

قال : وجعل يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - فكلما كلمه أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنه قائم على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب يده بنعل السيف ، وقال له : أخر يدك من لحية النبي - صلى الله عليه وسلم - .

فرفع عروة رأسه وقال : من هذا ؟

قال : المغيرة بن شعبة .

فقال : أي غدر ، ألست أسعى في غدرتك ؟

!

وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شي " .

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعينيه ، قال : فوالله ما تنخم رسول الله [ - صلى الله عليه وسلم - ] نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه ، تعظيما له - صلى الله عليه وسلم - فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه تعظيما له ، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .

فقال رجل منهم من بني كنانة : دعوني آته .

فقالوا : ائته فلما أشرف على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " هذا فلان ، وهو من قوم يعظمون البدن ، فابعثوها له " فبعثت له ، واستقبله الناس يلبون ، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله !

ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت .

فلما رجع إلى أصحابه قال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت .

فقال رجل منهم يقال له : " مكرز بن حفص " ، فقال : دعوني آته .

فقالوا : ائته .

فلما أشرف عليهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " هذا مكرز [ بن حفص ] وهو رجل فاجر " ، فجعل يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينما هو يكلمه إذ جاء سهل بن عمرو .

وقال معمر : أخبرني أيوب ، عن عكرمة أنه قال : لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " قد سهل لكم من أمركم " .

قال معمر : قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو فقال : هات أكتب بيننا وبينك كتابا فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الكاتب ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " [ اكتب ] : بسم الله الرحمن الرحيم " ، فقال سهل [ بن عمرو ] : أما " الرحمن " فوالله ما أدري ما هو ، ولكن اكتب : " باسمك اللهم " ، كما كنت تكتب .

فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا " بسم الله الرحمن الرحيم " .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اكتب : باسمك اللهم " .

ثم قال : " هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله " .

فقال سهل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : " محمد بن عبد الله " ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " والله إني لرسول الله وإن كذبتموني .

اكتب محمد بن عبد الله " قال الزهري : وذلك لقوله : " والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها " .

فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به " .

فقال سهل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ، ولكن ذلك من العام المقبل ، فكتب ، فقال سهل : " وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا " .

فقال المسلمون : سبحان الله !

كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟

!

فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إنا لم نقض الكتاب بعد " .

قال : فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " فأجزه لي " فقال : ما أنا بمجيز ذلك لك ، قال : " بلى فافعل " .

قال : ما أنا بفاعل .

قال مكرز : بلى قد أجزناه لك .

قال أبو جندل : أي معشر المسلمين ، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ؟

ألا ترون ما قد لقيت ؟

!

وكان قد عذب عذابا شديدا في الله عز وجل .

قال عمر [ بن الخطاب ] رضي الله عنه : فأتيت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : ألست نبي الله حقا ؟

قال - صلى الله عليه وسلم - : " بلى " .

قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟

قال : " بلى " .

قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟

قال : " إني رسول الله ، ولست أعصيه ، وهو ناصري " ، قلت : أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟

قال : " بلى ، أفأخبرتك أنا نأتيه العام ؟

" قلت : لا قال : " فإنك آتيه ومطوف به " .

قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا ؟

قال : بلى .

قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟

قال : بلى .

قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟

قال : أيها الرجل ، إنه رسول الله ، وليس يعصي ربه ، وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه ، فوالله إنه على الحق .

قلت : أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟

قال : بلى قال : أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟

قلت : لا .

قال : فإنك تأتيه وتطوف به .

قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا .

قال : فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : " قوموا فانحروا ثم احلقوا " .

قال : فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات !

!

فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس ، قالت له أم سلمة : يا نبي الله ، أتحب ذلك ؟

اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك ، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ، نحر بدنه ، ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ، ثم جاءه نسوة مؤمنات ، فأنزل الله ، عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ) حتى بلغ : ( بعصم الكوافر ) [ الممتحنة : 10 ] .

فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان ، والأخرى صفوان بن أمية .

ثم رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة فجاءه أبو بصير - رجل من قريش - وهو مسلم ، فأرسلوا في طلبه رجلين ، فقالوا : العهد الذي جعلت لنا ، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا ، فاستله الآخر ، فقال : أجل !

والله إنه لجيد ، لقد جربت منه ثم جربت ، فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه ، فأمكنه منه فضربه حتى برد ، وفر الآخر حتى أتى المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رآه : " لقد رأى هذا ذعرا " ، فلما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قتل والله صاحبي ، وإني لمقتول .

فجاء أبو بصير فقال : يا رسول الله ، قد - والله - أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ويل أمه مسعر حرب !

لو كان له أحد " .

فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ، قال : وتفلت منهم أبو جندل بن سهل ، فلحق بأبي بصير ، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير ، حتى اجتمعت منهم عصابة ، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم ، وأخذوا أموالهم .

فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم : " فمن أتاه منهم فهو آمن " .

فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، وأنزل الله عز وجل : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ) حتى بلغ : ( حمية الجاهلية ) ، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه رسول الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينهم وبين البيت .

هكذا ساقه البخاري هاهنا ، وقد أخرجه في التفسير ، وفي عمرة الحديبية ، وفي الحج ، وغير ذلك من حديث معمر وسفيان بن عيينة ، كلاهما عن الزهري ، به ووقع في بعض الأماكن عن الزهري ، عن عروة ، عن مروان والمسور بن [ مخرمة ] ، عن رجال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك .

وهذا أشبه والله أعلم ، ولم يسقه أبسط من هاهنا ، وبينه وبين سياق ابن إسحاق تباين في مواضع ، وهناك فوائد ينبغي إضافتها إلى ما هاهنا ، ولذلك سقنا تلك الرواية وهذه ، والله المستعان وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم .

وقال البخاري في التفسير : حدثنا أحمد بن إسحاق السلمي ، حدثنا يعلى ، حدثنا عبد العزيز بن سياه ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : أتيت أبا وائل أسأله فقال : كنا بصفين فقال رجل : ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله ؟

فقال علي بن أبي طالب : نعم .

فقال سهل بن حنيف : اتهموا أنفسكم ، فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني : الصلح الذي كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - والمشركين - ولو نرى قتالا لقاتلنا ، فجاء عمر فقال : ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟

أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟

فقال : " بلى " قال : ففيم نعطي الدنية في ديننا ، ونرجع ولما يحكم الله بيننا ؟

فقال : " يابن الخطاب ، إني رسول الله ، ولن يضيعني الله أبدا " ، فرجع متغيظا ، فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال : يا أبا بكر ، ألسنا على الحق وهم على الباطل ، فقال : يابن الخطاب ، إنه رسول الله ، ولن يضيعه الله أبدا ، فنزلت سورة الفتح .

وقد رواه البخاري أيضا في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق أخر عن أبي وائل سفيان بن سلمة ، عن سهل بن حنيف به ، وفي بعض ألفاظه : " يا أيها الناس ، اتهموا الرأي ، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أقدر على أن أرد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره لرددته " وفي رواية : فنزلت سورة الفتح ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب فقرأها عليه .

قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس ، أن قريشا صالحوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم سهل بن عمرو ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي : " اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم " ، فقال سهل : لا ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم ، ولكن اكتب ما نعرف : " باسمك اللهم " .

فقال : " اكتب من محمد رسول الله " .

قال : لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اكتب : من محمد بن عبد الله " .

واشترطوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من جاء منكم لم نرده عليكم ، ومن جاءكم منا رددتموه علينا ، فقال : يا رسول الله أتكتب هذا ؟

قال : " نعم ، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله " .

رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة ، به .

وقال أحمد أيضا : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا عكرمة بن عمار قال : حدثني سماك ، عن عبد الله بن عباس قال : لما خرجت الحرورية اعتزلوا ، فقلت لهم : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية صالح المشركين ، فقال لعلي : " اكتب يا علي : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله " قالوا : لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك ، فقال رسول الله : " امح يا علي ، اللهم إنك تعلم أني رسولك ، امح يا علي ، واكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله " .

والله لرسول الله خير من علي ، وقد محا نفسه ، ولم يكن محوه ذلك يمحاه من النبوة ، أخرجت من هذه ؟

قالوا : نعم .

ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار اليمامي ، بنحوه .

وروى الإمام أحمد ، عن يحيى بن آدم : حدثنا زهير ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية سبعين بدنة فيها جمل لأبي جهل ، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26) يعني تعالى ذكره بقوله ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ) حين جعل سُهيل بن عمرو في قلبه الحمية, فامتنع أن يكتب في كتاب المقاضاة الذي كتب بين يدي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والمشركين: بسم الله الرحمن الرحيم, وأن يكتب فيه: محمد رسول الله, وامتنع هو وقومه من دخول رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عامه ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهريّ, قال: كانت حميتهم التي ذكر الله, إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية, حمية الجاهلية, أنهم لم يقرّوا " بسم الله الرحمن الرحيم " وحالوا بينهم وبين البيت.

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا يحيى بن سعيد, قال: ثنا عبد الله بن المبارك, عن معمر, عن الزهري بنحوه.

حدثني عمرو بن محمد العثماني, قال: ثنا إسماعيل بن أبي أويس, قال: ثني أخي, عن سليمان, عن يحيى بن سعيد, عن ابن شهاب, عن سعيد بن المسيب, أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " أمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتى يَقُولُوا لا إلَهَ إلا اللّهُ, فَمَنْ قال لا إلَه إلا اللّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مالَهُ وَنَفْسَهُ إلا بِحَقِّهِ وَحِسابُهُ على الله " .

وأنـزل الله في كتابه, فذكر قوما استكبروا فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وقال الله ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنـزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله, استكبر عنها المشركون يوم الحُدَيبية, يوم كاتبهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على قضية المدّة.

و " إذ " من قوله ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) من صلة قوله: لعذّبنا.

وتأويل الكلام: لعذّبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما, حين جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية, والحمية فعيلة من قول القائل: حمى فلان أنفه حمية ومحمية; ومنه قول المتلمس: ألا إنَّنِـي مِنْهُـمْ وَعِـرْضِي عِـرْضُهُمْ كَـذا الـرأس يَحْـمي أنْفَـهُ أنْ يُكشَمَّا (4) يعني بقوله: " يحمي": يمنع.

وقال ( حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ) لأن الذي فعلوا من ذلك كان جميعه من أخلاق أهل الكفر, ولم يكن شيء منه مما أذن الله لهم به, ولا أحد من رسله.

وقوله ( فَأَنـزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) يقول تعالى ذكره فأنـزل الله الصبر والطمأنينة والوقار على رسوله وعلى المؤمنين, إذ حمى الذين كفروا حمية الجاهلية, ومنعوهم من الطواف بالبيت, وأبوا أن يكتبوا في الكتاب بينه وبينهم بسم الله الرحمن الرحيم, ومحمد رسول الله ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) يقال: ألزمهم قول لا إله إلا الله التي يتقون بها النار, وأليم العذاب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف في ذلك منهم, ورُوي به الخبر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

* ذكر قائلي ذلك بما قلنا فيه, والخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي, قال: ثنا سفيان بن حبيب, قال: ثنا شعبة, عن ثور بن أبي فاختة, عن أبيه, عن الطفيل, عن أبيه, سمع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: " لا إلَه إلا اللّهُ" .

حدثني محمد بن خالد بن خِداش العَتَكِيّ, قال: سمعت سالما, سمع شعبة, سمعَ سَلَمة بن كهيل, سمع عبَايَة, سمع عليا رضي الله عنه في قوله ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: لا إله إلا الله.

حدثني ابن بشار, قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن, قالا ثنا سفيان, عن سلمة, عن عباية بن ربعي, عن علي رضي الله عنه, في قوله ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: لا إله إلا الله, والله أكبر.

حدثني محمد بن عيسى الدامغاني, قال ثنا ابن المبارك, عن سفيان وشعبة, عن سلمة بن كهيل, عن رجل, عن عليّ رضي الله عنه قال: لا إله إلا الله, والله أكبر.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا وهب بن جرير, عن شعبة, عن سلمة, عن عباية, عن رجل من بني تميم عن عليّ رضي الله عنه ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: لا إله إلا الله.

حدثني عليّ, قال ثنا أبو صالح.

قال ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) يقول: شهادة أن لا إله إلا الله, فهي كلمة التقوى, يقول: فهي رأس التقوى.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, قال: سمعت أبا إسحاق, يحدّث عن عمرو بن ميمون أنه كان يقول في هذه الآية ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: لا إله إلا الله.

حدثني محمد بن عيسى, قال: أخبرنا ابن المبارك, قال: أخبرني سفيان, عن أبي إسحاق, عن عمرو بن ميمون, مثله.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن عمرو بن ميمون ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: لا إله إلا الله.

حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: لا إله إلا الله.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) وهي: شهادة إن لا إله إلا الله.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: هي لا إله إلا الله.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) هي لا إله إلا الله.

حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: ثنا حفص بن عمر, قال: ثنا الحكم بن أبان, عن عكرِمة, في قوله ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال : شهادة أن لا إله إلا الله.

حدثني ابن البرقيّ, قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة, عن سعيد بن عبد العزيز, عن عطاء الخراسانيّ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

حدثني الصواريّ محمد بن إسماعيل, قال: ثنا محمد بن سوار, قال: ثنا سفيان بن عيينة, عن يزيد بن أبي خالد المكي, عن عليّ الأزدي, قال: كنت مع ابن عمر بين مكة ومنى بالمأزمين, فسمع الناس يقولون: لا إله إلا الله, والله أكبر, فقال: هي هي, فقلت: ما هي؟

قال ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) الإخلاص ( وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ).

وقال آخرون: بل: هي كلمة التقوى, الإخلاص.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن الحسين الأزديّ, قال: ثنا يحيى بن يمان, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: الإخلاص.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( كَلِمَةَ التَّقْوَى ) كلمة الإخلاص.

وقال آخرون: هي قوله: بسم الله الرحمن الرحيم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عيسى, قال: ثنا ابن المبارك, عن معمر, عن الزهريّ, في قوله ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

وقال آخرون: هي قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله &; 22-256 &; الحمد, وهو على كل شيء قدير.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, قال: أخبرنا ابن جُرَيج, عن مجاهد وعطاء ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: أحدهما الإخلاص, وقال الآخر: كلمة التقوى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له المُلك وله الحمد, وهو على كلّ شيء قدير.

وقوله ( وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) يقول تعالى ذكره: وكان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: والمؤمنون أحقّ بكلمة التقوى من المشركين وأهلها: يقول: وكان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والمؤمنون أهل كلمة التقوى دون المشركين.

وذُكر أنها في قراءة عبد الله ( وكانُوا أهْلَها وأحَقَّ بها ).

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) وكان المسلمون أحقّ بها, وكانوا أهلها: أي التوحيد, وشهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمدا عبده ورسوله.

وقوله ( وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) يقول تعالى ذكره: ولم يزل الله بكل شيء ذا علم, لا يخفى عليه شيء هو كائن, ولعلمه أيها الناس بما يحدث من دخولكم مكة وبها رجال مؤمنون, ونساء مؤمنات لم تعلموهم, لم يأذن لكم بدخولكم مكة في سفرتكم هذه.

------------------------ الهوامش: (4) البيت للمتلمس جرير بن عبد المسيح ( شعراء النصرانية 338 ) وكشم أنفه يكشمه ( كيضربه ) كشما : قطعه مستأصلا له .

ويقال : حمى فلان أنفه يحميه حمية ومحمية .

وفلان ذو حمية منكرة : إذا كان ذا غضب وأنفة .

وقد استشهد به المؤلف عند قوله تعالى " إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية " وهي مصدر على فعلية ، بمعنى الأنفة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما .العامل في إذ قوله تعالى : لعذبنا أي : لعذبناهم إذ جعلوا هذا .

أو فعل مضمر تقديره واذكروا .

الحمية فعيلة وهي الأنفة .

يقال : حميت عن كذا حمية ( بالتشديد ) ومحمية إذا أنفت منه وداخلك عار وأنفة أن تفعله .

ومنه قول المتلمس :ألا إنني منهم وعرضي عرضهم كذي الأنف يحمي أنفه أن يكشماأي : يمنع .

قال الزهري : حميتهم أنفتهم من الإقرار للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم ، ومنعهم من دخول مكة .

وكان الذي امتنع من كتابة بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله : سهيل بن عمرو ، على ما تقدم .

وقال ابن بحر : حميتهم عصبيتهم لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى ، والأنفة من أن يعبدوا غيرها .

وقيل : حمية الجاهلية إنهم قالوا : قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا في منازلنا ، واللات والعزى لا يدخلها أبدا .

فأنزل الله سكينته أي الطمأنينة والوقار .

على رسوله وعلى المؤمنين وقيل : ثبتهم على الرضا والتسليم ، ولم يدخل قلوبهم ما أدخل قلوب أولئك من الحمية .

وألزمهم كلمة التقوى قيل : لا إله إلا الله .

روي مرفوعا من حديث أبي بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وهو قول علي وابن عمر وابن عباس ، وعمرو بن ميمون ومجاهد وقتادة وعكرمة [ ص: 263 ] والضحاك ، وسلمة بن كهيل وعبيد بن عمير وطلحة بن مصرف ، والربيع والسدي وابن زيد .

وقاله عطاء الخراساني ، وزاد ( محمد رسول الله ) وعن علي وابن عمر أيضا هي لا إله إلا الله والله أكبر .

وقال عطاء بن أبي رباح ومجاهد أيضا : هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .

وقال الزهري : بسم الله الرحمن الرحيم .

يعني أن المشركين لم يقروا بهذه الكلمة ، فخص الله بها المؤمنين .

وكلمة التقوى هي التي يتقى بها من الشرك .

وعن مجاهد أيضا أن كلمة التقوى الإخلاص .

وكانوا أحق بها أي أحق بها من كفار مكة ; لأن الله تعالى اختارهم لدينه وصحبة نبيه .

وكان الله بكل شيء عليما

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ } حيث أنفوا من كتابة { بسم الله الرحمن الرحيم } وأنفوا من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إليهم في تلك السنة، لئلا يقول الناس: { دخلوا مكة قاهرين لقريش } وهذه الأمور ونحوها من أمور الجاهلية، لم تزل في قلوبهم حتى أوجبت لهم ما أوجبت من كثير من المعاصي، { فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ } فلم يحملهم الغضب على مقابلة المشركين بما قابلوهم به، بل صبروا لحكم الله، والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت، ولم يبالوا بقول القائلين، ولا لوم اللائمين.{ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى } وهي { لا إله إلا الله } وحقوقها، ألزمهم القيام بها، فالتزموها وقاموا بها، { وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا } من غيرهم { و } كانوا { أهلها } الذين استأهلوها لما يعلم الله عندهم وفي قلوبهم من الخير، ولهذا قال: { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ) حين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن البيت ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ، وأنكروا محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والحمية : الأنفة ، يقال : فلان ذو حمية إذا كان ذا غضب وأنفة .

قال مقاتل : قال أهل مكة : قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا ، [ فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا ] على رغم أنفنا ، واللات والعزى لا يدخلونها علينا ، فهذه " حمية الجاهلية " ، التي دخلت قلوبهم .

( فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) حتى لم يدخلهم ما دخلهم من الحمية فيعصوا الله في قتالهم ( وألزمهم كلمة التقوى ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وعكرمة ، والسدي ، وابن زيد ، وأكثر المفسرين : كلمة التقوى " لا إله إلا الله " .

وروي عن أبي بن كعب مرفوعا .

وقال علي وابن عمر : " كلمة التقوى " لا إله إلا الله والله أكبر .

وقال عطاء بن أبي رباح : هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .

وقال عطاء الخراساني : هي لا إله إلا الله محمد رسول الله .

وقال الزهري : هي بسم الله الرحمن الرحيم .

( وكانوا أحق بها ) من كفار مكة ( وأهلها ) أي وكانوا أهلها في علم الله ، لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل الخير ( وكان الله بكل شيء عليما ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إذ جعل» متعلق بعذبنا «الذين كفروا» فاعل «في قلوبهم الحمية» الأنفة من الشيء «حمية الجاهلية» بدل من الحمية وهي صدهم النبي وأصحابه عن المسجد الحرام «فأنزل الله سكينته على رسول وعلى المؤمنين» فصالحوهم على أن يعودوا من قابل ولم يلحقهم من الحمية ما لحق الكفار حتى يقاتلوهم «وألزمهم» أي المؤمنين «كلمة التقوى» لا إله إلا الله محمد رسول الله وأضيفت إلى التقوى لأنها سببها «وكانوا أحق بها» بالكلمة من الكفار «وأهلها» عطف تفسيري «وكان الله بكل شيء عليما» أي لم يزل منصفا بذلك ومن معلومة تعالى أنهم أهلها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الأنَفَة أنَفَة الجاهلية؛ لئلا يقروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك امتناعهم أن يكتبوا في صلح "الحديبية"بسم الله الرحمن الرحيم" وأبوا أن يكتبوا "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، فأنزل الله الطمأنينة على رسوله وعلى المؤمنين معه، وألزمهم قول "لا إله إلا الله" التي هي رأس كل تقوى، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه أحق بكلمة التقوى من المشركين، وكانوا كذلك أهل هذه الكلمة دون المشركين.

وكان الله بكل شيء عليمًا لا يخفى عليه شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما كان عليه المشركون من جهالات وحماقات استولت على نفوسهم فقال : ( إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية ) .والظرف ( إِذْ ) منصوب بفعل مقدر .

والحمية : الأنفة والتكبر والغرور والتعالى بغير حق .

يقال : حَمِىَ أنفه من الشئ - كرضى - إذا غضب منه ، وأعرض عنه .أى : واذكر - أيها العاقل - وقت أن تمسك الكافرون وقيدوا أنفسهم بالحمية الباطلة ، التى هى حمية المِلّة الجاهلية ، حيث منعوا المسلمين من دخول مكة ، ومن الطواف بالمسجد الحرام ، وحيث منعوا الهدى من أن يبلغ محله ، وحيث أبوا أن يكتب فى الصحيفة التى عقدت بينهم وبين المسلمين ، بسم الله الرحمن الرحيم ، أو محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا كله من حميتهم الجاهلية التى لا أساس لها من علم أو خلق أو دين ..وقوله : ( فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى .

.

.

) معطوف على ما قبله ، للمقابلة بين حال الفريقين ، مقابلة تتجلى فيها رعايته - سبحانه - للمؤمنين ، وغضبه على الكافرين .

أى : هذا هو حال الكافرين ، رسخت الجهالات فى قلوبهم حتى صرفتهم عن سبيل الرشد ، أما حال المؤمنين فأنهم قابلوا تصرفات هؤلاء الكافرين بالاحتقار والازدراء ومبايعة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - على الموت إذا لزم الأمر ذلك .فأنزل الله - تعالى - طمأنينته وسكينته على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى قلوب أصحابه ، حيث لم يجعلهم يقابلون سفاهات المشركين بسفاهات مثلها .

.( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى ) أى : وجعلهم ملتزمين بما تقتضيه كلمة التقوى ، وهى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوا الله ، من أناة وسكون وثبات ووقار وخلق كريم وإخلاص فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله .( وكانوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) أى : وكان المؤمنين أحق بهذه الكلمة من الكفار ، وكانوا أهلا لها دون الكفار ، لأن المؤمنين استجابوا للحق .

أما الكافرون فقد أنفوا منه ، وتطاولوا عليه ، بمقضتى حميتهم الجاهلية .

.

( وَكَانَ ) - سبحانه - وما زال ( بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) لا يخفى عليه أمر ، ولا يغيب عن علمه شئ ، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يرى ألوانا من المقابلات التى تدل على مدح الله - تعالى - للمؤمنين ، وعلى احتقاره للكافرين .فقد عبر - سبحانه - فى جانب الكافرين بكلمة جعل التى تشعر بأن الكافرين كأنهم قد ألقوا هذه الحمية الجاهلية فى قلوبهم إلقاء بدون تعقل أو تبدر ، بينما عبر فى جانب المؤمنين بكلمة أنزل التى تشعر كأن السكينة كانت فى خزائنه - تعالى - ثم أنزلها بعد ذلك على قلب رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى قلوب المؤمنين ، ليزدادوا إيمانا على إيمانهم .

.ونرى الفاعل لجعل هو الذين كفروا ، بينما الفاعل لأنزل هو الله - عز وجل - .ونرى المفعول لجعل هو الحمية ، وهى كلمة مشتعلة منفرة ، وقد كررها - سبحانه - ليزداد العقلاء نفورا منها .

.

ونرى المفعول لأنزل هو السكينة وهى كلمة فيها ما فيها من الوقار والسكون والثبات والطمأنينة .ونرى الحمية قد أضيفت إلى الجاهلية ، بينما السكينة أضيفت إلى الله - تعالى - .ونرى أن الله - تعالى - قد أضاف كل ذلك مدحا عظيما لعباده المؤمنين حيث ألزمهم كلمة التقوى ، وجعلهم بها وأهلا لها دون أعدائهم الذين آثروا الغى على الرشد ، والباطل على الحق .

.

وفى ذلك ما فيه من الثناء على المؤمنين والتحقير للكافرين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ إِذْ ﴾ يحتمل أن يكون ظرفاً فلابد من فعل يقع فيه ويكون عاملاً له، ويحتمل أن يكون مفعولاً به، فإن قلنا إنه ظرف فالفعل الواقع فيه يحتمل أن يقال هو مذكور، ويحتمل أن يقال هو مفهوم غير مذكور، فإن قلنا هو مذكور ففيه وجهان: أحدهما: هو قوله تعالى: ﴿ وَصَدُّوكُمْ  ﴾ أي وصدوكم حين جعلوا في قلوبهم الحمية.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ  ﴾ أي لعذبناهم حين جعلوا في قلوبهم الحمية والثاني: أقرب لقربه لفظاً وشدة مناسبته معنى لأنهم إذا جعلوا في قلوبهم الحمية لا يرجعون إلى الاستسلام والانقياد، والمؤمنون لما أنزل الله عليهم السكينة لا يتركون الاجتهاد في الجهاد والله مع المؤمنين فيعذبونهم عذاباً أليماً أو غير المؤمنين، وأما إن قلنا إن ذلك مفهوم غير مذكور ففيه وجهان: أحدهما: حفظ الله المؤمنين عن أن يطئوهم وهم الذين كفروا الذين جعل في قلوبهم الحمية.

وثانيها: أحسن الله إليكم إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ ﴾ تفسير لذلك الإحسان، وأما إن قلنا إنه مفعول به، فالعامل مقدر تقديره أذكر، أي: أذكر ذلك الوقت، كما تقول أتذكر إذ قام زيد، أي أتذكر وقت قيامه كما تقول أتذكر زيداً، وعلى هذا يكون الظرف للفعل المضاف إليه عاملاً فيه، وفي.

لطائف معنوية ولفظية: الأولى: هو أن الله تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن، فأشار إلى ثلاثة أشياء أحدها: جعل ما للكافرين بجعلهم فقال: ﴿ إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ ﴾ وجعل ما للمؤمنين بجعل الله، فقال: ﴿ فَأَنزَلَ الله ﴾ وبين الفاعلين ما لا يخفى ثانيها: جعل للكافرين الحمية وللمؤمنين السكينة وبين المفعولين تفاوت على ما سنذكره ثالثها: أضاف الحمية إلى الجاهلية وأضاف السكينة إلى نفسه حيث قال: حمية الجاهلية، وقال: سكينته، وبين الإضافتين ما لا يذكر الثانية: زاد المؤمنين خيراً بعد حصول مقابلة شيء بشيء فعلهم بفعل الله والحمية بالسكينة والإضافة إلى الجاهلية بالإضافة إلى الله تعالى: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى ﴾ وسنذكر معناه، وأما اللفظية فثلاث لطائف الأولى: قال في حق الكافر (جعل) وقال في حق المؤمن (أنزل) ولم يقل خلق ولا جعل سكينته إشارة إلى أن الحمية كانت مجعولة في الحال في العرض الذي لا يبقى، وأما السكينة فكانت كالمحفوظة في خزانة الرحمة معدة لعباده فأنزلها الثانية: قال الحمية ثم أضافها بقوله: ﴿ حَمِيَّةَ الجاهلية ﴾ لأن الحمية في نفسها صفة مذمومة وبالإضافة إلى الجاهلية تزداد قبحاً، وللحمية في القبح درجة لا يعتبر معها قبح القبائح كالمضاف إلى الجاهلية.

وأما السكينة في نفسها وإن كانت حسنة لكن الإضافة إلى الله فيها من الحسن ما لا يبقى معه لحسن اعتبار، فقال: ﴿ سَكِينَتَهُ ﴾ اكتفاه بحسن الإضافة الثالثة: قوله: ﴿ فَأنزَلَ ﴾ بالفاء لا بالواو إشارة إلى أن ذلك كالمقابلة تقول أكرمني فأكرمته للمجازاة والمقابلة ولو قلت أكرمني وأكرمته لا ينبئ عن ذلك، وحينئذ يكون فيه لطيفة: وهي أن عند اشتداد غضب أحد العدوين فالعدو الآخر إما أن يكون ضعيفاً أو قوياً، فإن كان ضعيفاً ينهزم وينقهر، وإن كان قوياً فيورث غضبه فيه غضباً، وهذا سبب قيام الفتن والقتال فقال في نفس الحركة عند حركتهم ما أقدمنا وما انهزمنا، وقوله تعالى: ﴿ فَأَنزَلَ الله ﴾ بالفاء يدل تعلق الإنزال بالفاء على ترتيبه على شيء، نقول فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا من أن إذ ظرف كأنه قال أحسن الله ﴿ إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ ﴾ وقوله: ﴿ فَأنزَلَ ﴾ تفسير لذلك الإحسان كما يقال أكرمني فأعطاني لتفسير الإكرام وثانيهما: أن تكون الفاء للدلالة على أن تعلق إنزال السكينة بجعلهم الحمية في قلوبهم على معنى المقابلة، تقول أكرمني فأثنيت عليه، ويجوز أن يكونا فعلين واقعين من غير مقابلة، كما تقول جاءني زيد وخرج عمرو، وهو هنا كذلك لأنهم لما جعلوا في قلوبهم الحمية فالمسلمون على مجرى العادة لو نظرت إليهم لزم أن يوجد منهم أحد الأمرين: إما إقدام، وإما انهزام لأن أحد العدوين إذا اشتد غضبه فالعدو الآخر إن كان مثله في القوة يغضب أيضاً وهذا يثير الفتن، وإن كان أضعف منه ينهزم أو ينقاد له فالله تعالى أنزل في مقابلة حمية الكافرين على المؤمنين سكينته حتى لم يغضبوا ولم ينهزموا بل يصبروا، وهو بعيد في العادة فهو من فضل الله تعالى، قوله تعالى: ﴿ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين ﴾ فإنه هو الذي أجاب الكافرين إلى الصلح، وكان في نفس المؤمنين أن لا يرجعوا إلا بأحد الثلاثة بالنحر في المنحر، وأبوا أن لا يكتبوا محمداً رسول الله وبسم الله، فلما سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكن المؤمنون، وقوله تعالى: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى ﴾ فيه وجوه أظهرها أنه قول لا إله إلا الله فإن بها يقع الاتقاء عن الشرك، وقيل هو بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله فإن الكافرين أبوا ذلك والمؤمنون التزموه، وقيل هي الوفاء بالعهد إلى غير ذلك ونحن نوضح فيه ما يترجح بالدليل فنقول: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ ﴾ يحتمل أن يكون عائداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين جميعاً يعني ألزم النبي والمؤمنين كلمة التقوى، ويحتمل أن يكون عائداً إلى المؤمنين فحسب، فإن قلنا إنه عائد إليهما جميعاً نقول هو الأمر بالتقوى فإن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ يا أيها النبي اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين  ﴾ وقال للمؤمنين ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ والأمر بتقوى الله حتى تذهله تقواه عن الالتفات إلى ما سوى الله، كما قال في حق النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه  ﴾ ثم بيّن له حال من صدقه بقوله: ﴿ الذين يُبَلّغُونَ رسالات الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله  ﴾ أما في حق المؤمنين فقال: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ وقال: ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني  ﴾ وإن قلنا بأنه راجع إلى المؤمنين فهو قوله تعالى: ﴿ وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا  ﴾ ألا ترى إلى قوله: ﴿ واتقوا الله  ﴾ وهو قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ ﴾ وفي معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى ﴾ على هذا معنى لطيف وهو أنه تعالى إذا قال: (اتقوا) يكون الأمر وارداً ثم إن من الناس من يقبله بتوفيق الله ويلتزمه ومنهم من لا يلتزمه، ومن التزمه فقد التزمه بإلزام الله إياه فكأنه قال تعالى: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى ﴾ وفي هذا المعنى رجحان من حيث إن التقوى وإن كان كاملاً ولكنه أقرب إلى الكلمة، وعلى هذا فقوله: ﴿ وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ معناه أنهم كانوا عند الله أكرم الناس فألزموا تقواه، وذلك لأن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم  ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معناه أن من يكون تقواه أكثر يكرمه الله أكثر والثاني: أن يكون معناه أن من سيكون أكرم عند الله وأقرب إليه كان أتقى، كما في قوله والمخلصون على خطر عظيم وقوله تعالى: ﴿ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ  ﴾ وعلى الوجه الثاني يكون معنى قوله: ﴿ وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا ﴾ لأنهم كانوا أعلم بالله لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَهْلَهَا ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يفهم من معنى الأحق أنه يثبت رجحاناً على الكافرين إن لم يثبت الأهلية، كما لو اختار الملك اثنين لشغل وكل واحد منهما غير صالح له ولكن أحدهما أبعد عن الاستحقاق فقال في الأقرب إلى الاستحقاق إذا كان ولا بد فهذا أحق، كما يقال الحبس أهون من القتل مع أنه لاهين هناك فقال: ﴿ وَأَهْلَهَا ﴾ دفعاً لذلك الثاني: وهو أقوى وهو أن يقال قوله تعالى: ﴿ وَأَهْلَهَا ﴾ فيه وجوه نبينها بعد ما نبين معنى الأحق، فنقول هو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الأحق بمعنى الحق لا للتفضيل كما في قوله تعالى: ﴿ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً  ﴾ إذ لا خير في غيره والثاني: أن يكون للتفضيل وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بالنسبة إلى غيرهم أي المؤمنون أحق من الكافرين والثاني: أن يكون بالنسبة إلى كلمة التقوى من كلمة أخرى غير تقوى، تقول زيد أحق بالإكرام منه بالإهانة، كما إذا سأل شخص عن زيد إنه بالطب أعلم أو بالفقه، نقول هو بالفقه أعلم أي من الطب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذْ ﴾ يجوز أن يعمل فيه ما قبله.

أي: لعذبناهم أو صدوهم عن المسجد الحرام في ذلك الوقت، وأن ينتصب بإضمار اذكر.

والمراد بحمية الذين كفروا وسكينة المؤمنين- والحمية الأنفة والسكينة والوقار- ما روى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بالحديبية بعثت قريش سهيل بن عمرو القرشي وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص بن الأخيف، على أن يعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، ففعل ذلك، وكتبوا بينهم كتاباً، فقال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» ، فقال سهيل وأصحابه: ما نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللَّهم، ثم قال: «اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة» فقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة، فقال عليه الصلاة والسلام: «اكتب ما يريدون، فأنا أشهد أني رسول الله وأنا محمد بن عبد الله» ، فهمَّ المسلمون أن يأبوا ذلك ويشمئزوا منه، فأنزل الله على رسوله السكينة فتوقروا وحلموا.

و ﴿ كَلِمَةَ التقوى ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله: قد اختارها الله لنبيه وللذين معه أهل الخير ومستحقيه ومن هم أولى بالهداية من غيرهم.

وقيل: هي كلمة الشهادة.

وعن الحسن رضي الله عنه: كلمة التقوى هي الوفاء بالعهد.

ومعنى إضافتها إلى التقوى: أنها سبب التقوى وأساسها.

وقيل: كلمة أهل التقوى.

وفي مصحف الحرث بن سويد صاحب عبد الله: ﴿ وكانوا أهلها وأحق بها ﴾ ، وهو الذي دفن مصحفه أيام الحجاج.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مُقَدَّرٌ بِـ اذْكُرْ أوْ ظَرْفِ ( لَعَذَّبْنا ) أوْ صَدُّوكم.

﴿ فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ ﴾ الأنَفَةَ.

﴿ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ ﴾ الَّتِي تَمْنَعُ إذْعانَ الحَقِّ.

﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ فَأنْزَلَ عَلَيْهِمُ الثَّباتَ والوَقارَ وذَلِكَ ما رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا هَمَّ بِقِتالِهِمْ بَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ العُزّى ومُكَرَّزَ بْنَ حَفْصٍ لِيَسْألُوهُ أنْ يَرْجِعَ مِن عامِهِ عَلى أنْ يُخْلِيَ لَهُ قُرَيْشٌ مَكَّةَ مِنَ القابِلِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَأجابَهم وكَتَبُوا بَيْنَهم كِتابًا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالُوا: ما نَعْرِفُ هَذا اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ثُمَّ قالَ: اكْتُبْ هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ أهْلَ مَكَّةَ فَقالُوا: لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ما صَدَدْناكَ عَنِ البَيْتِ وما قاتَلْناكَ، اكْتُبْ هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اكْتُبْ ما يُرِيدُونَ» فَهَمَّ المُؤْمِنُونَ أنْ يَأْبَوْا ذَلِكَ ويَبْطِشُوا عَلَيْهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ السِّكِّينَةَ عَلَيْهِمْ فَتَوَقَّرُوا وتَحَمَّلُوا.» ﴿ وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى ﴾ كَلِمَةَ الشَّهادَةِ أوْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ اخْتارَها لَهُمْ، أوِ الثَّباتَ والوَفاءَ بِالعَهْدِ وإضافَةُ ال ( كَلِمَةَ ) إلى التَّقْوى لِأنَّها سَبَبُها أوْ كَلِمَةُ أهْلِها.

﴿ وَكانُوا أحَقَّ بِها ﴾ مِن غَيْرِهِمْ.

﴿ وَأهْلَها ﴾ والمُسْتَأْهِلِينَ لَها.

﴿ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ فَيَعْلَمُ أهْلَ كُلِّ شَيْءٍ ويُيَسِّرُهُ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

والعامل في {إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ} أي قريش لعذبنا أي لعذبناهم في ذلك الوقت أو اذكر {فِى قُلُوبِهِمُ الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين} المراد بحمية الذين كفروا هى الأنفة وسكينة المؤمنين وهي الوقار ما يُروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بالحديبية بعث قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكر زبن حفص على ان يعرضوا على النبى صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام ففعل ذلك وكتبوا بينهم كتاباً فقال عليه السلام لعلى رضى الله عنه اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل وأصحابه ما نعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة فقالوا لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة فقال عليه السلام اكتب ما يريدون فأنا أشهد أني رسول الله وأنا محمد بن عبد الله فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك ويشمئزوا منه فأنزل الله على رسوله السكينة فتوقروا وحلموا {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى} الجمهور على أنها كلمة

الشهادة وقيل بسم الله الرحمن الرحيم والإضافة إلى التقوى باعتبار أنها سبب التقوى وأساسها وقيل كلمة أهل التقوى {وَكَانُواْ} أي المؤمنون {أَحَقَّ بِهَا} من غيرهم {وَأَهْلَهَا} بتأهيل الله إياهم {وَكَانَ الله بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً} ٦ فيجري الأمور على مصالحها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مَنصُوبٌ بِـ اذْكُرْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوْ- بِـ عَذَّبْنا- عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ- بِـ صَدُّوكُمْ- كَذَلِكَ، وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ هو أحْسَنَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكم.

وأيًّا ما كانَ.

فالَّذِينَ.

فاعِلُ ( جَعَلَ ) ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وتَعْلِيلُ الحُكْمِ بِهِ، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى الإلْقاءِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ أيْ جَعَلُوا الحَمِيَّةَ راسِخَةً في قُلُوبِهِمْ ولِكَوْنِها مُكْتَسَبَةً لَهم مِن وجْهٍ نُسِبَ جَعْلُها إلَيْهِمْ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ ( جَعَلَ ) ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى ( وفي قُلُوبِهِمُ ) بَيانٌ لِمَكانِ الجَعْلِ ومَآلُ المَعْنى إذْ جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الحَمِيَّةَ وهو كَما تَرى، والحَمِيَّةُ الأنَفَةُ يُقالُ: حَمَيْتُ عَنْ كَذا حَمِيَّةً إذا أنِفْتَ مِنهُ وداخَلَكَ عارٌ مِنهُ.

وقالَ الرّاغِبُ: عَبَّرَ عَنِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ إذا ثارَتْ وكَثُرَتْ بِالحَمِيَّةِ فَقِيلَ: حَمَيْتُ عَلى فُلانٍ أيْ غَضِبْتُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الحَمِيَّةِ أيْ حَمِيَّةِ المِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ أوِ الحَمِيَّةِ النّاشِئَةِ مِنَ الجاهِلِيَّةِ لِأنَّها بِغَيْرِ حُجَّةٍ وفي غَيْرِ مَوْضِعِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( جَعَلَ ) عَلى تَقْدِيرِ جَعَلَ ( إذْ ) مَعْمُولًا لِـ ﴿ اذْكُرْ ﴾ ، والمُرادُ تَذْكِيرُ حُسْنِ صَنِيعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وسُوءِ صَنِيعِ المُشْرِكِينَ وعَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِامْتِناعِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها ظَرْفًا لِـ ( عَذَّبْنا ) .

كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يَتَزَيَّلُوا فَلَمْ نُعَذِّبْ فَأنْزَلَ إلَخْ، وعَلى مُضْمَرٍ عامِلٍ فِيها عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ المَحْكِيِّ ويَكُونُ هَذا كالتَّفْسِيرِ لِذاكَ، وأمّا عَلى جَعْلِها ظَرْفًا - لِـ ﴿ صَدُّوكُمْ ﴾ - فَقِيلَ: العَطْفُ عَلى ( جَعَلَ ) وقِيلَ: عَلى ﴿ صَدُّوكُمْ ﴾ وهو نَظِيرُ الطّائِرِ فَيَغْضَبُ زَيْدُ الذُّبابِ والأوْلى مِن هَذِهِ الأوْجُهِ لا يَخْفى، والسَّكِينَةُ الِاطْمِئْنانُ والوَقارُ، رَوى غَيْرُ واحِدٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ بِمَن مَعَهُ إلى الحُدَيْبِيَةِ حَتّى إذا كانَ بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الهَدْيَ وأشْعَرَهُ وأحْرَمُ بِالعُمْرَةِ وبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنًا مِن خُزاعَةَ يُخْبِرُهُ عَنْ قُرَيْشٍ وسارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى كانَ بِغَدِيرِ الأشْطاطِ قَرِيبًا مِن عُسْفانَ أتاهُ عَيْنُهُ فَقالَ: إنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا وقَدْ جَمَعُوا لَكَ الأحابِيشَ وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيْتِ فاسْتَشارَ النّاسَ في الإغارَةِ عَلى ذَرارِيِّ مَن أعانَهم فَقالَ أبُو بَكْرٍ: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما جِئْنا مُعْتَمِرِينَ ولَمْ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ ولَكِنْ مَن حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ البَيْتِ قاتَلْناهُ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: امْضُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ فَسارَ حَتّى نَزَلَ بِأقْصى الحُدَيْبِيَةِ فَجاءَهُ بَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ الخُزاعِيُّ في نَفَرٍ مِن قَوْمِهِ فَقالَ لَهُ: إنِّي قَدْ تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وعامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا قَرِيبًا مَعَهُمُ العُوذُ المَطافِيلُ وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيْتِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنّا لَمْ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ ولَكِنْ مُعْتَمِرِينَ وإنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ وأضَرَّتْ بِهِمْ فَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَ سائِرِ العَرَبِ فَإنْ هم أصابُونِي كانَ ذَلِكَ الَّذِي أرادُوا وإنْ أظْهَرْنِي اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ دَخَلُوا في الإسْلامِ وافِرِينَ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا قاتَلْتُهم وبِهِمْ قُوَّةٌ فَما تَظُنُّ قُرَيْشٌ فَوَ اللَّهِ لا أزالُ أُجاهِدُهم عَلى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ حَتّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ تَعالى أوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السّالِفَةُ فَقالَ بَدِيلٌ: سَأُبَلِّغُهم ما تَقُولُ فَبَلَّغَهم فَقالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ لَهم: دَعُونِي آتِهِ فَأتاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ لَهُ نَحْوَ ما قالَ لِبَدِيلٍ وجَرى مِنَ الكَلامِ ما جَرى ورَأى مِنِ احْتِرامِ الصَّحابَةِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَعْظِيمِهِمْ إيّاهُ ما رَأى فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ وقالَ لَهم: إنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها فَقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ: دَعُونِي آتِهِ فَلَمّا أشْرَفَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَذا فُلانٌ وهو مِن قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ فابْعَثُوها لَهُ فَبُعِثَتْ واسْتَقْبَلَهُ القَوْمُ يُلَبُّونَ فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ما يَنْبَغِي لِهَؤُلاءِ أنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ فَرَجَعَ وأخْبَرَ أصْحابَهُ فَقالَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: مُكَرَّزُ بْنُ حَفْصٍ: دَعُونِي آتِهِ فَلَمّا أشْرَفَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَذا مُكَرَّزٌ وهو رَجُلٌ فاجِرٌ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَبَيْنَما هو يُكَلِّمُهُ إذْ جاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو أخُو بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قَدْ سَهَّلَ لَكم مِن أمْرِكم وكانَ قَدْ بَعَثَهُ قُرَيْشٌ وقالُوا لَهُ: ائْتِ مُحَمَّدًا فَصالِحْهُ ولا يَكُنْ في صُلْحِهِ إلّا أنْ يَرْجِعَ عَنّا عامَهُ هَذا فَو اللَّهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّهُ دَخَلَها عَلَيْنا عَنْوَةً أبَدًا فَلَمّا انْتَهى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَكَلَّمَ فَأطالَ وانْتَهى الأمْرُ إلى الصُّلْحِ وكِتابَةِ كِتابٍ في ذَلِكَ فَدَعا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقالَ سُهَيْلٌ: لا أعْرِفُ هَذا ولَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَكَتَبَها ثُمَّ قالَ: اكْتُبْ هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فَقالَ سُهَيْلٌ: لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ما صَدَدْناكَ عَنِ البَيْتِ ولا قاتَلْناكَ ولَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ واسْمَ أبِيكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: واللَّهِ إنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وإنْ كَذَّبْتُمُونِي اكْتُبْ هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو صُلْحًا عَلى وضْعِ الحَرْبِ عَنِ النّاسِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهِنَّ النّاسُ ويَكُفُّ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ عَلى أنَّهُ مَن أتى مُحَمَّدًا مِن قُرَيْشٍ بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّهِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ ومَن جاءَ قُرَيْشًا مِمَّنْ مَعَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ وإنَّ بَيْنَنا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً وأنَّهُ لا إسْلالَ ولا إغْلالَ وأنَّهُ مَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ مُحَمَّدٍ وعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ ومَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ وأنَّ مُحَمَّدًا يَرْجِعُ عَنْ مَكَّةَ عامَهُ هَذا فَلا يَدْخُلُها وأنَّهُ إذا كانَ عامَ قابِلٍ خَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ فَدَخَلَها بِأصْحابِهِ فَأقامَ بِها ثَلاثًا مَعَهُ سِلاحُ الرّاكِبِ السُّيُوفُ في القِرَبِ لا يَدْخُلُها بِغَيْرِها».

وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ «أنَّ سُهَيْلًا لَمْ يَرْضَ أنْ يَكْتُبَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ أنْ يَكْتُبَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ كَتَبَ فَلَمْ يَرْضَ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: امْحُهُ فَقالَ: ما أنا بِالَّذِي أمَحاهُ،» وجاءَ هَذا في رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ، ولِمُسْلِمٍ وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ في المَغازِي «فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الكِتابَ ولَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ فَكَتَبَ هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ»، وكَذا أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وأحْمَدُ ولَفْظُهُ فَأخَذَ الكِتابَ ولَيْسَ يَحْسُنُ أنْ يَكْتُبَ فَكَتَبَ مَكانَ رَسُولِ اللَّهِ هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وتَمَسَّكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الرِّوايَةِ كَما في فَتْحِ البارِي أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَتَبَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ أنْ يَكْتُبَ ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ شَيْخُهُ أبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ.

وأبُو الفَتْحِ النَّيْسابُورِيُّ وآخَرُونَ مِن عُلَماءِ إفْرِيقِيَّةَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكْتُبْ، وأنَّ قَوْلَهُ: وأخَذَ الكِتابَ ولَيْسَ يُحْسِنُ أنْ يَكْتُبَ لِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ احْتاجَ لِأنَّ يُرِيَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَوْضِعَ الكَلِمَةِ الَّتِي امْتَنَعَ مِن مَحْوِها لِكَوْنِهِ كانَ لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ، وقَوْلُهُ: فَكَتَبَ بِتَقْدِيرٍ فَمَحاها فَأعادَ الكِتابَ لِعَلِيٍّ فَكَتَبَ أوْ أطْلَقَ فِيهِ كَتَبَ عَلى أمْرٍ بِالكِتابَةِ، وتَمامُ الكَلامِ فِي مَحَلِّهِ فَكانَتْ حَمِيَّتُهم عَلى ما في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنْ جَماعَةٍ أنَّهم لَمْ يُقِرُّوا أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَسُولٌ ولَمْ يُقِرُّوا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وحالُوا بَيْنَ المُسْلِمِينَ والبَيْتِ وقَدْ هَمَّ المُؤْمِنُونَ لِذَلِكَ أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سَكِينَتَهُ عَلَيْهِمْ فَتَوَقَّرُوا وحَلَمُوا.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ في حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ: حَمِتْ قُرَيْشٌ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالُوا: لا يَدْخُلُها عَلَيْنا أبَدًا، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ - كَما في البَحْرِ- حَمِيَّتُهم عَصَبِيَّتُهم لِآلِهَتِهِمْ والأنَفَةُ أنْ يَعْبُدُوا غَيْرَها، وفي تَوْسِيطِ عَلى بَيْنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ إيماءٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أنْزَلَ عَلى كُلٍّ سَكِينَةً لائِقَةً بِهِ.

ووَجْهُ تَقْدِيمِ الإنْزالِ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَخْفى وقالَ الإمامُ: في هَذِهِ الآيَةِ لِطائِفُ مَعْنَوِيَّةٌ وهو أنَّهُ تَعالى أبانَ غايَةَ البَوْنِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ حَيْثُ بايَنَ بَيْنَ الفاعِلَيْنِ إذْ فاعِلُ ( جَعَلَ ) هو الكَفّارُ وفاعِلُ (أنْزَلَ) هو اللَّهُ تَعالى، وبَيْنَ المَفْعُولَيْنِ إذْ تِلْكَ حَمِيَّةٌ وهَذِهِ سَكِينَةٌ.

وبَيْنَ الإضافَتَيْنِ إضافَةُ الحَمِيَّةِ إلى الجاهِلِيَّةِ وإضافَةُ السَّكِينَةِ إلَيْهِ تَعالى، وبَيْنَ الفِعْلَيْنِ ( جَعَلَ ) و(أنْزَلَ) فالحَمِيَّةُ مَجْعُولَةٌ في الحالِ كالعَرَضِ الَّذِي لا يَبْقى والسَّكِينَةُ كالمَحْفُوظَةِ في خِزانَةِ الرَّحْمَةِ فَأنْزَلَها والحَمِيَّةُ قَبِيحَةٌ مَذْمُومَةٌ في نَفْسِها وازْدادَتْ قُبْحًا بِالإضافَةِ إلى الجاهِلِيَّةِ، والسَّكِينَةُ حَسَنَةٌ في نَفْسِها وازْدادَتْ حُسْنًا بِإضافَتِها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والعَطْفُ في فَأنْزَلَ بِالفاءِ لا بِالواوِ يَدُلُّ عَلى المُقابَلَةِ والمُجازاةِ تَقُولُ: أكْرَمَنِي زَيْدٌ فَأكْرَمْتُهُ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ إنْزالَ السَّكِينَةِ لِجَعْلِهِمُ الحَمِيَّةَ في قُلُوبِهِمْ حَتّى أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَغْضَبُوا ولَمْ يَنْهَزِمُوا بَلْ صَبَرُوا، وهو بَعِيدٌ في العادَةِ فَهو مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى انْتَهى وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ ﴿ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى ﴾ هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والدّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا وكَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ كَذَلِكَ وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ عَنْ حُمْرانَ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنِّي لَأعْلَمُ كَلِمَةً لا يَقُولُها عَبْدٌ حَقًّا مِن قَلْبِهِ إلّا حُرِّمَ عَلى النّارِ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنا أُحَدِّثُكم ما هي كَلِمَةُ الإخْلاصِ الَّتِي ألْزَمَها اللَّهُ سُبْحانَهُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ وهي كَلِمَةُ التَّقْوى الَّتِي ألاصَ عَلَيْها نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عِنْدَ المَوْتِ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ)» ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى ما نَقَلَ أبُو حَيّانَ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في آخَرِينَ، وأخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ بِزِيادَةِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وأُضِيفَتْ إلى التَّقْوى لِأنَّها بِها يُتَّقى الشِّرْكُ ومِن هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ: هي رَأْسُ كُلِّ تَقْوى، وظاهِرُ كَلامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ ضَمِيرَ- هُمْ- في ( ألْزَمَهم ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ وإلْزامُهم إيّاها بِالحُكْمِ والأمْرِ بِها، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ.

والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.

والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا نَحْوُهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ أيْضًا أنَّها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: هي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وضَمَّ بَعْضُهم إلى هَذا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، والمُرادُ بِإلْزامِهِمْ إيّاها اخْتِيارُها لَهم دُونَ مَن عَدَلَ عَنْها إلى بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: هي الثَّباتُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ، ونَسَبَهُ الخَفاجِيُّ إلى الحَسَنِ، وإلْزامُهم إيّاهُ أمْرُهم بِهِ، وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى الثَّباتِ عَلى العَهْدِ والوَفاءِ بِهِ قِيلَ: لِما أنَّ كُلًّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الغَرَضِ وهو نَظِيرُ ما قِيلَ في إطْلاقِ الكَلِمَةِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يُهْتَدى بِهِ، وجُعِلَتِ الإضافَةُ عَلى كَوْنِها بِمَعْنى الثَّباتِ مِن بابِ إضافَةِ السَّبَبِ إلى المُسَبِّبِ فَهي إضافَةٌ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اخْتِصاصِيَّةً حَقِيقِيَّةً بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَلِمَةَ أهْلِ التَّقْوى، وأُرِيدَ بِالعَهْدِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ سَبَبِ النُّزُولِ عَهْدُ الصُّلْحِ الَّذِي وقَعَ بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وقِيلَ: ما يَعُمُّ ذَلِكَ وسائِرُ عُهُودِهِمْ مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الوَجْهَ المَذْكُورَ في نَفْسِهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: المُرادُ بِالكَلِمَةِ قَوْلُهم في الأصْلابِ: بَلى مُقِرِّينَ بِوَحْدانِيَّتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وبِالإلْزامِ الأمْرُ بِالثَّباتِ والوَفاءِ بِها، وقِيلَ: هي قَوْلُ المُؤْمِنِينَ سَمْعًا وطاعَةً حِينَ يُؤْمَرُونَ أوْ يُنْهَوْنَ، والظّاهِرُ عَلَيْهِ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ ما رُوِيَ مَرْفُوعًا وذَهَبَ إلَيْهِ الجَمُّ الغَفِيرُ، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ في الأخْبارِ السّابِقَةِ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ، والمُرادُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.

( وكانُوا ) عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ أوْ حالٌ مِنَ المَنصُوبِ في ( ألْزَمَهم ) بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ والظّاهِرُ في الضَّمِيرِ عَوْدُهُ كَسابِقِهِ كَما اقْتَضاهُ كَلامُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم عَوْدَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ وكَأنَّهُ اعْتَبَرَ الأوَّلَ عائِدًا عَلَيْهِمْ أيْضًا وهو مِمّا لا بَأْسَ فِيهِ، ولَعَلَّهُ اعْتَبَرَ الأقْرَبِيَّةَ.

فالمَعْنى وكانَ المُؤْمِنُونَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ﴿ أحَقَّ بِها ﴾ أيْ بِكَلِمَةِ التَّقْوى، وأفْعَلُ لِزِيادَةِ الحَقِّيَّةِ في نَفْسِها أيْ مُتَّصِفِينَ بِمَزِيدِ اسْتِحْقاقٍ لَها أوْ عَلى ما هو المَشْهُورُ فِيهِ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ أحَقُّ بِها مِن كُفّارِ مَكَّةَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَهم لِدِينِهِ وصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وقِيلَ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ لِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ.

وحَكى المُبَرِّدُ أنَّ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَنا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنهم أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ إلّا مَرَّةً واحِدَةً لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقُولَها أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وكانَ قائِلُها يَمُدُّ بِها صَوْتَهُ إلى أنْ يَنْقَطِعَ نَفَسُهُ تَبَرُّكًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنْ يَقُولُوها مَتّى شاءُوا وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى ﴾ أيْ نَدَبَهم إلى ذِكْرِها ما اسْتَطاعُوا وكانُوا أحَقَّ بِها، وهَذا مِمّا لَمْ يَثْبُتْ، وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ التَّفْضِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ كَلِمَةِ التَّقْوى أيْ أحَقُّ بِها مِن كَلِمَةٍ غَيْرِ كَلِمَةِ تَقْوى وقالَ: وهَذا كَما تَقُولُ زَيْدٌ أحَقُّ بِالإكْرامِ مِنهُ بِالإهانَةِ، وقَوْلُكَ إذا سُئِلَ شَخْصٌ عَنْ زَيْدٍ بِالطِّبِّ أعْلَمُ أوْ بِالفِقْهِ: زَيْدٌ أعْلَمُ بِالفِقْهِ أيْ مِنَ الطِّبِّ، وفِيهِ غَفْلَةٌ لا تَخْفى ( وأهْلَها ) أيِ المُسْتَأْهِلَ لَها وهو أبْلَغُ مِنَ الأحَقِّ حَتّى قِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأحَقِّ كَما بَيْنَ الأحَقِّ والحَقِّ، وقِيلَ: إنَّ أحَقِّيَّتَهم بِها مِنَ الكُفّارِ تُفْهِمُ رُجْحانَهم رُجْحانًا ما عَلَيْهِمْ ولا تُثْبِتُ الأهْلِيَّةَ كَما إذا اخْتارَ المَلِكُ اثْنَيْنِ لِشُغْلٍ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ صالِحٍ لَهُ لَكِنَّ أحَدَهُما أبْعَدُ عَنِ الِاسْتِحْقاقِ فَيُقالُ لِلْأقْرَبِ إلَيْهِ إذا كانَ ولا بُدَّ فَهَذا أحَقُّ كَما يُقالُ: الحَبْسُ أهْوَنُ مِنَ القَتْلِ، ولِدَفْعِ تَوَهُّمِ مِثْلِ هَذا فِيما نَحْنُ فِيهِ قالَ سُبْحانَهُ: ( وأهْلَها ) وقِيلَ: أُرِيدَ أنَّهم أحَقُّ بِها في الدُّنْيا وأهْلُها بِالثَّوابِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ والأصْلُ وكانُوا أهْلَها وأحَقَّ بِها، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ صاحِبِ ابْنِ مَسْعُودٍ وهو الَّذِي دُفِنَ مُصْحَفُهُ لِمُخالَفَتِهِ الإمامَ أيّامَ الحَجّاجِ وكانَ مِن كِبارِ تابِعِي الكُوفَةِ وثِقاتِهِمْ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( كانُوا ) عائِدٌ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ أيْ وكانَ أُولَئِكَ الكُفّارُ الَّذِينَ جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ أحَقَّ بِكَلِمَةِ التَّقْوى لِأنَّهم أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ تَعالى ومِنهم رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ تَقَدَّمَ إنْذارُهم لَوْلا ما سُلِبُوا مِنَ التَّوْفِيقِ، وفِيهِ ما فِيهِ سَواءٌ رُجِّحَ ضَمِيرُ ( ألْزَمَهم ) إلى كُفّارِ مَكَّةَ أيْضًا أمْ لا، وأظُنُّ في قائِلِهِ نَزْغَةٌ رافِضِيَّةٌ دَعَتْهُ إلى ذَلِكَ لَكِنَّهُ لا يَتِمُّ بِهِ غَرَضُهُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( كانُوا ) لِلْمُؤْمِنِينَ إلّا أنَّ ضَمِيرَيْ ﴿ بِها وأهْلَها ﴾ لِلسَّكِينَةِ، وفِيهِ ارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ، وقِيلَ: هُما لِمَكَّةَ أيْ وكانُوا أحَقَّ بِمَكَّةَ أنْ يَدْخُلُوها وأهْلُها، وأشْعَرَ بِذِكْرِ مَكَّةَ ذِكْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ وكَذا مَحِلُّ الهَدْيِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ وفِيهِ ما لا يَخْفى ﴿ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ حَقَّ كُلِّ شَيْءٍ واسْتِئْهالَهُ لِما يَسْتَأْهِلُهُ فَيَسُوقُ عَزَّ وجَلَّ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّهِ والمُسْتَأْهِلَ إلى مُسْتَأْهِلِهِ أوْ فَيَعْلَمُ هَذا ويَعْلَمُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ مِن إنْزالِ السَّكِينَةِ والرِّضا بِالصُّلْحِ فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِلْجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها يعني: وعدكم الله غنيمة أخرى لم تقدروا عليها.

يعني: لم تملكوها بعد، وهو فتح مكة.

ويقال: هو فتح قرى فارس، والروم.

قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها يعني: علم الله أنكم ستفتحونها، وستغنمونها، فجمعها، وأحرزها لكم.

وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً من الفتح وغيره وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: كفار مكة يوم الحديبية.

ويقال: أسد وغطفان يوم خيبر.

لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ منهزمين ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً يعني: قريبا ينفعهم، ولا مانعاً يمنعهم من الهزيمة.

قوله عز وجل: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ يعني: هكذا سنة الله بالغلبة، والنصرة لأوليائه، والقهر لأعدائه.

وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا يعني: تغييراً، وتحويلاً.

وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ يعني: أيدي أهل مكة، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ يعني: أيديكم عن أهل مكة من بعد أن أَظْفَركم عليهم.

وذلك أن جماعة من أهل مكة، خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين، فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخلوهم بيوت مكة.

وروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: طلع قوم وهم ثمانون رجلاً على رسول الله  من قبل التنعيم عند صلاة الصبح ليأخذوه، فأخذهم رسول الله  ، وخلى سبيلهم.

فأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ يعني: بوسط مكة مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ يعني: سلطكم عليهم وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً بحرب بعضكم بعضاً.

قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بوحدانية الله تعالى وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَن تطوفوا به وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً يعني: محبوساً.

يقال: عكفته عن كذا إذا حبسته.

ومنه العاكف في المسجد لأنه حبس نفسه.

يعني: صيروا الهدي محبوساً عن دخول مكة، وهي سبعون بدنة.

ويقال: مائة بدنة.

أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ يعني: منحره، ومنحرة منى للحاج، وعند الصفا للمعتمر.

ثم قال: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ بمكة لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أنهم مؤمنون.

يعني: لم تعرفوا المؤمنين من المشركين أَنْ تَطَؤُهُمْ يعني: تحت أقدامكم.

ويقال: فتضربوهم بالسيف فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ يعني: تلزمكم الدية بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير علم منكم لهم، ولا ذنب لكم.

وذلك أن بعض المؤمنين كانوا مختلطين بالمشركين، غير متميزين، ولا معروفي الأماكن.

ثم قال: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ لو دخلتموها أن تقتلوهم لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لو فعلتم فيصيبكم من قتلهم معرة.

يعني: يعيركم المشركون بذلك، ويقولون: قتلوا أهل دينهم كما قتلونا، فتلزمكم الديات.

ثم قال: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: تميزوا من المشركين لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: لو تميزوا بالسيف.

وقال القتبي: صار قوله: لَعَذَّبْنَا جواباً لكلامين أحدهما، لولا رجال مؤمنون، والآخر لَوْ تَزَيَّلُوا يعني: لو تفرقوا، واعتزلوا.

يعني: المؤمنين من الكافرين لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً وهو القتل.

قوله تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ وذلك أنهم قالوا: قتل آباءنا، وإخواننا.

ثم أتانا يدخل علينا في منازلنا.

والله لا يدخل علينا، فهذه الحمية التي في قلوبهم.

فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ يعني: طمأنينته عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فأذهب عنهم الحمية، حتى اطمأنوا، وسكتوا.

وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى يعني: ألهمهم كلمة لا إله إلا الله حتى قالوا: وَكانُوا أَحَقَّ بِها يعني: كانوا في علم الله تعالى أحق بهذه الكلمة من كفار مكة وَأَهْلَها يعني: وكانوا أهل هذه الكلمة عند الله تعالى وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً يعني: عليماً بمن كان أهلاً لذلك وغيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ قال قتادة: يريد كَفَّ أَيديهم عن أهل المدينة في مغيب النبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين «١» ، وَلِتَكُونَ آيَةً أي: علامة على نصر المؤمنين، وحكى الثعلبيُّ عن قتادة أَنَّ المعنى: كَفَّ اللَّه غطفان ومن معها حين جاؤوا لنصر خيبر «٢» ، وقيل: أراد كفّ قريشا.

وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥)

وقوله سبحانه: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال ابن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم «٣» ، وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مَكَّةَ «٤» ، وهذا قول يَتَّسِقُ معه المعنى ويتأيَّد/.

وقوله: قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا معناه: بالقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ لأهلها، أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أَنَّهم لم يقدروا عليها.

ت: قوله: وظهر فيها إِلى آخرهِ كلامٌ غير محصل، ولفظ الثعلبيِّ: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، قد أحاط اللَّه بها لكم حَتَّى يفتحها عليكم، وقال ابن عباس «٥» : علم اللَّه أَنَّه يفتحها لكم، قال مجاهد «٦» : هو ما فتحوه حتى اليوم، ثم ذكر بَقِيَّةَ الأقوال، انتهى.

وقوله سبحانه: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني «١» : كفار قريش في تلك السنة لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً.

وقوله: سنة اللَّه أي: كَسُنَّةِ اللَّه، إشارةً إلى وقعة بدر، وقيل: إشارة إلى عادة اللَّه من نصر الأنبياء، ونصب «سنة» على المصدر.

وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ...

الآية، رُوِيَ في سببها أَنَّ قريشاً جمعت جماعة من فتيانها، وجعلوهم مع عِكْرِمَةَ بن أبي جهل، وخرجوا يطلبون غرَّةً في عسكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم واختلف الناسُ في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً فلذلك اختصرته، فلمَّا أَحَسَّ بهم المسلمون بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أَثَرِهِمْ خالدَ بنَ الوليد، وسَمَّاهُ يومئذٍ سَيْفَ اللَّه في جملة من الناس، فَفَرُّوا أمامهم، حَتَّى أدخلوهم بُيُوتَ مَكَّةَ، وأَسَرُوا منهم جملة، فسيقوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَمَنَّ عليهم وأطلقهم «٢» قال الوَاحِدِيُّ: وكان ذلك سَبَبَ الصلح بينهم، انتهى.

وقوله سبحانه: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: منعوكم من العمرة، وذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خرج من المدينة إلى الحديبية في/ ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء صلّى الله عليه وسلّم حتى نزل على بئر الحديبية وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش ثم بعث صلّى الله عليه وسلّم إليهم عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالاً آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على أن ينصرف صلّى الله عليه وسلّم ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو مستوعب في السير، والْهَدْيَ معطوف على الضمير في «صدوكم» [أي] وصدوا الهدي، ومَعْكُوفاً حال، ومعناه: محبوساً، تقول عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونَظَرِهِمْ في أَمرهم لأجل أَنْ يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وهو مَكَّةُ والبَيْتُ، وهذا هو حَبْسُ المسلمين، وذكر تعالى العِلَّةَ في أَنْ صَرَفَ المسلمين، ولم يمكنهم من دخول مَكَّةَ في تلك الوجهة، وهي أَنَّهُ كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خَفِيَ إيمانهم، فَلَوِ استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين قال قتادة «٣» : فدفع الله عن المشركين بأولئك

المؤمنين، والوَطْءُ هنا: الإهلاك بالسيف وغيره ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ «١» » قال أبو حيَّان «٢» : وَلَوْلا رِجالٌ جوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، أي: ما كَفَّ أيديَكم عنهم، انتهى، والمَعَرَّةُ: السوء والمكروه اللاحق مأخوذ من العُرِّ والعُرَّة وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللاَّزِمُ، واختلف/ في تعيين هذه المَعَرَّةِ، فقال الطبريُّ «٣» : وَحَكَاهُ الثعلبيُّ:

هي الكَفَّارة، وقال مُنْذِرٌ: المَعَرَّة: أنْ يعيبهم الكُفَّار، ويقولوا: قتلوا أهل دينهم، وقال بعضُ المفسِّرين: هي المَلاَمُ، والقولُ في ذلك، وتألمَ النفْسِ في باقي الزمان، وهذه أقوالٌ حِسَانٌ، وجواب «لولا» محذوفٌ، تقديره: لولا هؤلاءِ لدخلتم مكَّةَ، لكن شرَّفْنَا هؤلاءِ المؤمنِينَ بأنْ رَحِمْنَاهُمْ، ودفعنا بسببهم عن مَكَّةَ ليدخل اللَّه، أي: لِيُبَيِّنَ للناظر أنَّ اللَّه يدخُلَ من يشاء في رحمته أو، أي: لِيقعَ دخولهم في رحمة اللَّه ودفعه عنهم.

ت: وقال الثَّعْلَبِيُّ: قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» يحتمل أنْ يريد بغير علم مِمَّنْ تكلَّم بهذا، والمَعَرَّةُ: المشقة «لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ» أي: في دين الإِسلام «مَنْ يَشَاءُ» : من أهل مكة قبل أن تدخلوها، انتهى.

وقوله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو ذهبوا عن مَكَّةَ تقول: زِلْتُ زيداً عن موضعه إزالة، أي: أذهبته، وليس هذا الفعل من «زَالَ يَزُولُ» ، وقد قيل: هو منه، وقرأ أبو حيوة

وقتادة: «تَزَايَلُوا» بألف «١» ، أي: ذهب هؤلاء عن هؤلاء، وقال النَّحَّاس: وقد قيل: إنَّ قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ...

الآية: يريدُ: مَنْ في أصلاب الكافرين مِمَّنْ سيُؤْمِنُ في غابر الدهر، وحكاه الثعلبيُّ والنَّقَّاش عن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ- رضي اللَّه عنه- عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرفوعاً، والحَمِيَّةُ التي جعلوها هي حَمِيَّةُ أَهل مكة في الصَّدِّ قال الزُّهْرِيُّ: وهي حمية سُهَيْلٍ ومَنْ شَاهَدَ مِنْهُمْ عقدَ الصُّلْحِ، وجعلها سبحانه حَمِيَّةً جاهلية، لأَنَّها كانت منهم بغير حجّة، إذ لم يأت صلّى الله عليه وسلّم مُحِارِباً لهم، وإنما جاء معتمراً معظِّماً لبيت اللَّه، والسكينة: هي الطَّمْأَنِينَةُ إلى أَمْرِ رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، والثقةُ بوعد اللَّه، والطاعةُ، وزوالُ/ الأَنَفَةِ التي لحقت عُمَرَ وغيره، «وكَلِمَةُ التَّقْوَى» : قال الجمهور: هي لا إله إلا اللَّه، ورُوِيَ ذلك عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفي مصحف ابن مسعود «٢» : «وَكَانُوا أَهْلَهَا [وَأَحَقَّ بِهَا» والمعنى: كانوا أهلها] على الإطلاق في علم اللَّه وسابق قضائه لهم، وروى أبو أمامة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «إذَا نَادَى المُنَادِي فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ المُنَادِيَ، فَإذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الصادِقَةِ المُسْتَجَابِ لَهَا، دَعُوَةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التقوى، أَحْيِنَا عَلَيْهَا، وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا، وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَاً، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإِسناد «٣» ، انتهى من «السّلاح» .

فقد بيّن صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث معنى «كلمة التقوى» على نحو ما فسرَ به الجمهور، والصحيحِ أنه يعوض عن الحَيْعَلَةِ الحَوْقَلَةُ ففي «صحيح مسلم» ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَلاَةِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ثم قال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ «٤» » الحديث، انتهى.

وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية فيروى أنّه لما انعقد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ وَصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ أنْ تَطُوفُوا بِهِ وتُحِلُّوا مِن عُمْرَتِكم ﴿ والهَدْيَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: وصَدُّوا الهَدْيَ ﴿ مَعْكُوفًا ﴾ أيْ: مَحْبُوسًا ﴿ أنْ يَبْلُغَ ﴾ أيْ: عَنْ أنْ يَبْلُغَ مَحَلّه قالَ المُفَسِّرُونَ: "مَحِلُّهُ" مَنحَرُهُ، وهو حَيْثُ يَحِلُّ نَحْرُهُ ﴿ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ ﴾ وهْمُ المُسْتَضْعَفُونَ بِمَكَّةَ ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ أيْ: لَمْ تَعَرِفُوهم ﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ بِالقَتْلِ.

ومَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ تَطَؤُوا رِجالًا مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ بِالقَتْلِ، وتُوقِعُوا بِهِمْ ولا تَعْرِفُونَهُمْ، ﴿ فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: إثْمٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: غُرْمُ الدِّيَةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: كَفّارَةُ قَتْلِ الخَطَإ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: عَيْبٌ بِقَتْلِ مَن هو عَلى دِينِكُمْ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَأدْخَلْتُكم مِن عامِكم هَذا؛ وإنَّما حُلْتُ بَيْنَكم وبَيْنَهم ﴿ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ ﴾ أيْ: في دِينِهِ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا بَعْدَ الصُّلْحِ ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ تَفَرَّقُوا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لَوْ تَمَيَّزُوا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لَوِ انْمازَ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿ لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ بِأيْدِيكم.

وقالَ قَوْمٌ: لَوْ تَزَيَّلَ المُؤْمِنُونَ مِن أصْلابِ الكُفّارِ لَعَذَّبْنا الكُفّارَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: "لَعَذَّبْنا" جَوابٌ لِكَلامَيْنِ، أحَدُهُما: "لَوْلا رِجالٌ"، والثّانِي: "لَوْ تَزَيَّلُوا" وقَوْلُهُ: ﴿ إذْ جَعَلَ ﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ لَعَذَّبْنا ﴾ .

والحَمِيَّةُ: الأنَفَةُ والجَبْرِيَّةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما أخَذَتْهُمُ الحَمِيَّةُ حِينَ أرادَ رَسُولُ اللَّهِ  دُخُولَ مَكَّةَ، فَقالُوا: يَدْخُلُونَ عَلَيْنا [وَقَدْ قَتَلُوا] أبْناءَنا وإخْوانَنا فَتَتَحَدَّثُ العَرَبُ بِذَلِكَ!

واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ فَلَمْ يَدْخُلْهم ما دَخَلَ أُولَئِكَ فَيُخالِفُوا اللَّهَ في قِتالِهِمْ.

وقِيلَ: الحَمِيَّةُ ما تَداخَلَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِنَ الأنَفَةِ أنْ يَكْتُبَ في كِتابِ الصُّلْحِ ذِكْرَ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وذِكْرَ "رَسُولِ اللَّهِ"  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: "لا إلْهُ إلّا اللَّهُ"، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ  ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى: "ألْزَمَهُمْ": حَكَمَ لَهم بِها، وهي الَّتِي تَنْفِي الشِّرْكَ.

والثّانِي: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ"، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.

والرّابِعُ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، قالَهُ عَطاءٌ الخُرَسانِيُّ.

والخامِسُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لَمّا أبى المُشْرِكُونَ أنَّ يَكْتُبُوا هَذا في كِتابِ الصُّلْحِ، ألْزَمَهُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ ﴿ وَكانُوا أحَقَّ بِها ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ "وَ" كانُوا أهْلها في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها وكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ يُرِيدُ اللهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ هو مَنعُهُمُ النَبِيَّ  وأصْحابَهُ مِنَ العُمْرَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ «أنَّ النَبِيَّ  خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ يُرِيدُ العُمْرَةَ وتَعْظِيمَ البَيْتِ، وخَرَجَ مَعَهُ بِمِائَةِ بَدَنَةٍ،» قالَهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: بِسَبْعِينَ، قالَهُ المُسَوِّرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، «فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ قالَ أهْلُ مَكَّةَ: هَذا مُحَمَّدُ الَّذِي قَدْ حارَبَنا وقَتَلَ فِينا يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مُراغَمَةً لَنا، واللهِ لا تَرْكَناهُ حَتّى نَمَوْتَ دُونَ ذَلِكَ، فاجْتَمَعُوا لِحَرْبِهِ واسْتَنْجَدُوا بِقَبائِلَ مِنَ العَرَبِ وهُمُ الأحابِيشُ، وبَعَثُوا فَغَوَّرُوا لِرَسُولِ اللهِ  المِياهَ الَّتِي تُقَرِّبُ مِن مَكَّةَ، فَجاءَ رَسُولُ اللهِ  حَتّى نَزَلَ عَلى بِئْرِ الحُدَيْبِيَةِ، وحِينَئِذٍ وضَعَ سَهْمَهُ في الماءِ فَجَرى غَمْرًا حَتّى كَفى الجَيْشُ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللهِ  بَعَثَ إلى مَكَّةَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وبَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ إلَيْهِ رِجالًا مِنهم عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وبَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ، وتَوَقَّفَ رَسُولُ اللهِ  هُناكَ أيّامًا حَتّى سَفَرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وبِهِ انْعَقَدَ الصُلْحُ عَلى أنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللهِ  عنهم ويَعْتَمِرَ مِنَ العامِ القادِمِ، فَهَذا كانَ صَدُّهم إيّاهُ،» وهو مُسْتَوْعِبٌ في كُتُبِ السِيَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْناهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والهَدْيَ" بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والهَدِيُّ" بِكَسْرِ الدالِّ وشَدِّ الياءِ، وهُما لُغَتانِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَصَدُّوكُمْ ﴾ ، أيْ: وصَدُّوا الهَدْيَ، و"مَعْكُوفًا" حالٌ، ومَعْناهُ: مَحْبُوسًا، تَقُولُ: عَكَفْتُ الرَجُلَ عن حاجَتِهِ إذا حَبَسْتُهُ، وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّ "عَكَفَ" لا يَعْرِفُهُ مُتَعَدِّيًا، وحَكى ابْنُ سِيدَهْ وغَيْرُهُ تَعَدِّيهِ، وهَذا العَكْفُ الَّذِي وقَعَ لِلْهَدْيِ كانَ مِن قِبَلِ المُشْرِكِينَ بِصَدِّهِمْ، ومِن قِبَلِ المُسْلِمِينَ لِرُؤْيَتِهِمْ وتَصَرُّفِهِمْ في أمْرِهِمْ فَحَبَسُوا هَدْيَهُمْ، و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيها الصَدُّ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وصَدُّوا الهَدْيَ كَراهَةَ أنْ، أو عن أنْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيها العَكْفُ، فَتَكُونُ "أنْ" مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أيِ الهَدْيُ المَحْبُوسُ لِأجْلِ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وهَذا هو حَبْسُ المُسْلِمِينَ، وإلّا فَحَبْسُ المُشْرِكِينَ لَيْسَ لِأجْلِ أنْ يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ.

و ﴿ "مَحِلَّهُ": ﴾ مَكَّةُ والبَيْتُ.

وَذَكَرَ اللهُ تَعالى العِلَّةَ في أنَّ صَرْفَ المُسْلِمِينَ ولَمْ يُمَكِّنْهم مِن دُخُولِ مَكَّةَ في تِلْكَ الوُجْهَةِ، وهو أنَّهُ كانَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ، رِجالٌ ونِساءٌ، خَفِيَ إيمانُهُمْ، فَلَوِ اسْتَباحَ المُسْلِمُونَ بَيْضَتَها أهْلَكُوا أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ، قالَ قَتادَةُ: فَدَفَعَ اللهُ تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ بِبَرَكَةِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ يَدْفَعُ بِالمُؤْمِنِينَ عَنِ الكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن "رِجالٌ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَوْلا قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ أنْ تَطَؤُوهُمْ، أيْ: لَوْلا وطْئُكم قَوْمًا مُؤْمِنِينَ، فَهو عَلى هَذا في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ تَعْلَمُوا وطْأهم أنَّهُ وطْءُ المُؤْمِنِينَ، والوَطْءُ هُنا: الإهْلاكُ بِالسَيْفِ وغَيْرِهِ، عَلى وجْهِ التَشْبِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ووَطِئْتَنا وطْئًا عَلى حَنَقِ ∗∗∗ وطْءَ المُقَيَّدِ نابَتَ الهَرْمِ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "اللهُمَّ، اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،»، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ آخِرَ وطْأةِ الرَبِّ يَوْمَ وجٍّ بِالطائِفِ"؛» لِأنَّها كانَتْ آخِرَ وقْعَةٍ لِلنَّبِيِّ  ، ذَكَرَ هَذا المَعْنى النَقّاشُ.

وَ "المَعَرَّةُ": السُوءُ والمَكْرُوهُ اللاصِقُ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرِّ والعُرَّةِ وهي الجَرَبُ الصَعْبُ اللازِمُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِ هَذِهِ المَعَرَّةِ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي المَأْثَمُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي الدِيَةُ، وهَذانَ ضَعِيفانِ لِأنَّهُ لا إثْمَ ولا دِيَةَ في قَتْلِ مُؤْمِنٍ مَسْتُورِ الإيمانِ مِن أهْلِ الحَرْبِ، وقالَ الطَبَرِيُّ - حَكاهُ الثَعْلَبِيُّ -: هي الكَفّارَةُ، وقالَ مُنْذِرٌ: المَعَرَّةُ: أنْ يَعِيبَهُمُ الكُفّارُ ويَقُولُوا: قَتَلُوا أهْلَ دِينِهِمْ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي المَلامُ والقَوْلُ في ذَلِكَ وتَألُّمِ النَفْسِ مِنهُ في باقِي الزَمانِ، وهَذِهِ أقْوالُ حَسّانَ، وجَوابُ "لَوْلا" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَمَكَّنّاكم مِن دُخُولِ مَكَّةَ وأيَّدْناكم عَلَيْهِمْ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَتَنالُكم مِنهُ مَعَرَّةٌ".

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "لِيُدْخِلَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ مِنَ القَوْلِ تَقْدِيرُهُ: لَوْلا هَؤُلاءِ لَدَخَلْتُمْ مَكَّةَ، لَكِنْ شَرَّفَنا هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِأنْ رَحِمْناهم ودَفَعْنا بِسَبَبِهِمْ عن مَكَّةَ لِيُدْخِلَ اللهُ تَعالى، أيْ: لِيُبَيِّنَ لِلنّاظِرِ أنَّ اللهَ تَعالى يُدْخِلَ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، أو أيْ: لِيَقَعَ دُخُولُهم في رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ودَفُعُهُ عنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِالإيمانِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَوْلا قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ آمَنُوا لِيُدْخِلَ اللهُ في رَحْمَتِهِ، وهَذا مَذْكُورٌ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ "مَن يَشاءُ" ﴾ يَضْعُفُ هَذا التَأْوِيلُ.

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ أيْ: لَوْ ذَهَبُوا عن مَكَّةَ، تَقُولُ: زَيَّلْتُ زَيْدًا عن مَوْضِعِهِ إزالَةً، أيْ أذْهَبْتُهُ، ولَيْسَ هَذا الفِعْلُ مِن "زالَ يَزُولُ"، وقَدْ قِيلَ: هو مِنهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وقَتادَةُ: [تُزايِلُوا] بِألِفٍ بَعْدَ الزايِ، أيْ: ذَهَبَ هَؤُلاءِ عن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ عن هَؤُلاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنهُمْ" ﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ إذا كانَ الضَمِيرُ في [تَزَيَّلُوا] لِلْجَمِيعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقالَ النَحّاسُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُ تَعالى مَن في أصْلابِ الكافِرِينَ مَن سَيُؤْمِنُ في غابِرِ الدَهْرِ، وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ والنَقّاشُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  مَرْفُوعًا.

والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ جَعَلَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَذَّبْنا ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أذْكُرْ إذْ جَعَلَ، و"الحَمِيَّةَ" الَّتِي جَعَلُوها هي حَمِيَّةُ أهْلِ مَكَّةَ في الصَدِّ، قالَ الزُهْرِيُّ: وحَمِيَّةُ سُهَيْلٍ ومَن شاهَدَ عَقْدَ الصُلْحِ في أنْ مَنَعُوا أنْ يَكْتُبَ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" ولَجُوا حَتّى كَتَبَ "بِاسْمِكَ اللهُمَّ"، وكَذَلِكَ مَنَعُوا أنْ يَكْتُبَ "هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ" ولَجُوا حَتّى قالَ  لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: « "امْحُ واكْتُبْ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ..." الحَدِيثُ،» وجَعَلَها تَعالى حَمِيَّةً جاهِلِيَّةً لِأنَّها كانَتْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وفي غَيْرِ مَوْضِعِها؛ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ  لَوْ جاءَهم مُحارِبًا لَعَذَرُوا في حَمِيَّتِهِمْ، وإنَّما جاءَ مُعَظِّمًا لِلْبَيْتِ لا يُرِيدُ حَرْبًا، فَكانَتْ حَمِيَّتُهم جاهِلِيَّةً صِرْفًا.

و"السَكِينَةُ" هي الطُمَأْنِينَةُ إلى أمْرِ رَسُولِ اللهِ  والثِقَةُ بِوَعْدِ اللهِ تَعالى، والطاعَةُ وزَوالُ الأنَفَةِ الَّتِي لَحِقَتْ عُمَرَ وغَيْرَهُ.

و ﴿ "كَلِمَةَ التَقْوى" ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: "هِيَ لا إلَهَ إلّا اللهُ"، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: هي "لا إلَهَ إلّا اللهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هِيَ "لا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ"، وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ حِسانٌ ؛ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَقِي النارَ، فَهي كَلِمَةُ التَقْوى، وقالَ الزُهْرِيُّ عَنِ المُسَوِّرِ، ومَرْوانَ: كَلِمَةُ التَقْوى المُشارُ إلَيْها هِيَ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، وهي الَّتِي أباها كُفّارُ قُرَيْشٍ فَألْزَمَها اللهُ المُؤْمِنِينَ وجَعَلَهم أحَقَّ بِها، وُ"لا إلَهَ إلّا اللهُ" أحَقُّ بِاسْمِ "كَلِمَةَ التَقْوى" مِن "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ."، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَكانُوا أهْلَها وأحَقَّ بِها"، والمَعْنى: كانُوا أهْلَها عَلى الإطْلاقِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى وسابِقِ قَضائِهِ لَهُمْ، وقِيلَ: أحَقَّ بِها مِنَ اليَهُودِ والنَصارى في الدُنْيا، وقِيلَ: أهْلُها في الآخِرَةِ بِالثَوابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ إشارَةً إلى عِلْمِهِ بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ دَفَعَ عن كَفّارِ قُرَيْشٍ بِسَبَبِهِمْ، وَإلى عِلْمِهِ بِوَجْهِ المَصْلَحَةِ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَيُرْوى أنَّهُ لَمّا انْعَقَدَ، أمِنَ الناسُ في تِلْكَ المُدَّةِ الحَرْبَ والفِتْنَةَ، وامْتَزَجُوا، وعَلَتْ دَعْوَةُ الإسْلامِ، وانْقادَ إلَيْهِ كُلُّ مَن كانَ لَهُ فَهْمٌ مِنَ العَرَبِ، وزادَ عَدَدُ الإسْلامِ أضْعافَ ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ في أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ، ثُمَّ سارَ إلى مَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعامَيْنِ في عَشَرَةِ آلافِ فارِسٍ،  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ظرف متعلق بفعل ﴿ صدوكم ﴾ [الفتح: 25] أي صدوكم صدًّا لا عذر لهم فيه ولا داعي إليه إلا حميةَ الجاهلية، وإلا فإن المؤمنين جاءوا مسالمين معظمين حُرمة الكعبة سائقين الهدايا لنفع أهل الحرم فليس من الرشد أن يمنعوا عن العمرة ولكن حمية الجاهلية غطّت على عقولهم فصمّموا على منع المسلمين، ثم آل النزاع بين الطائفتين إلى المصالحة على أن يرجع المسلمون هذا العام وعلى أن المشركين يمكنوهم من العمرة في القابل وأن العامين سواء عندهم ولكنهم أرادوا التشفي لما في قلوبهم من الإحن على المسلمين.

فكان تعليق هذا الظرف بفعل ﴿ وصدوكم ﴾ مشعراً بتعليل الصَّد بكونه حمية الجاهلية ليفيد أن الحمية مُتَمَكنة منهم تظهر منها آثارها فمنها الصد عن المسجد الحرام.

والحمية: الأنفة، أي الاستنكاف من أمرٍ لأنه يراه غضاضة عليه وأكثر إطلاق ذلك على استكبار لا موجب له فإن كان لموجب فهو إباء الضيم.

ولما كان صدهم الناس عن زيارة البيت بلا حق لأن البيت بيت الله لا بيتهم كان داعي المنع مجرد الحمية قال تعالى: ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ [الأنفال: 34].

و ﴿ جعل ﴾ بمعنى وضع، كقول الحريري في المقامة الأخيرة «اجعل الموت نصب عينك»، وقول الشاعر: وإثمد يجعل في العين *** وضمير ﴿ جعل ﴾ يجوز أن يكون عائداً إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ ليدخل الله في رحمته ﴾ [الفتح: 25] من قوله: ﴿ لعذبنا الذين كفروا ﴾ [الفتح: 25] والعدول عن ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة التفات.

و ﴿ الذين كفروا ﴾ مفعول أول ل ﴿ جعل ﴾ .

و ﴿ الحمية ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الذين كفروا ﴾ ، و ﴿ في قلوبهم ﴾ في محل المفعول الثاني ل ﴿ جعل ﴾ ، أي تخلّقُوا بالحمية فهي دافعة بهم إلى أفعالهم لا يراعون مصلحة ولا مفسدة فكذلك حين صدّوكم عن المسجد الحرام.

و ﴿ في قلوبهم ﴾ متعلق ب ﴿ جعل ﴾ ، أي وضع الحمية في قلوبهم.

وقوله: ﴿ حمية الجاهلية ﴾ عطف بيان للحمية قُصد من إجماله ثم تفصيله تقريرُ مدلوله وتأكيده مَا يحصل لو قال: ﴿ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم حميةَ الجاهلية ﴾ .

وإضافة الحمية إلى الجاهلية لقصد تحقيرها وتشنيعها فإنها من خلق أهل الجاهلية فإن ذلك انتساب ذم في اصطلاح القرآن كقوله: ﴿ يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ﴾ [آل عمران: 154] وقوله: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ [المائدة: 50].

ويعكس ذلك إضافة السكينة إلى ضمير الله تعالى إضافة تشريف لأن السكينة من الأخلاق الفاضلة فهي موهبة إلهاية.

وتفريع ﴿ فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ ، على ﴿ إذ جعل الذين كفروا ﴾ ، يؤذن بأن المؤمنين ودُّوا أن يقاتلوا المشركين وأن يدخُلوا مكة للعمرة عنوة غضباً من صدّهم عنها ولكن الله أنزل عليهم السكينة.

والمراد بالسكينة: الثبات والأناة، أي جعل في قلوبهم التأنّي وصرف عنهم العجْلة، فعصمهم من مقابلة الحَمِية بالغضب والانتقاممِ فقابلوا الحمية بالتعقل والتثبت فكان في ذلك خير كثير.

وفي هذه الآية من النكت المعنوية مقابلة ﴿ جعل ﴾ ب ﴿ أنزل ﴾ في قوله: ﴿ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ﴾ وقوله: ﴿ فأنزل الله سكينته ﴾ فدلّ على شرف السكينة على الحمية لأن الإنزال تخييل للرفعة وإضافة الحمية إلى الجاهلية، وإضافة السكينة إلى اسم ذاته.

وعُطف على إنزال الله سكينته ﴿ ألزمهم كلمة التقوى ﴾ [الفتح: 26]، أي جعل كلمة التقوى لازمة لهم لا يفارقونها، أي قرن بينهم وبين كلمة التقوى ليكون ذلك مقابلَ قوله: ﴿ وصدوكم عن المسجد الحرام ﴾ [الفتح: 25] فإنه لما ربط صدهم المسلمين عن المسجد الحرام بالظرف في قوله: ﴿ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية الجاهلية ﴾ رَبْطاً يفيد التعليل كما قدمناه آنفاً رَبَطَ ملازمة المسلمين كلمة التقوى بإنزال السكينة في قلوبهم، ليكون إنزال السكينة في قلوبهم، وهو أمر باطني، مؤثراً فيهم عملاً ظاهرياً وهو ملازمتهم كلمة التقوى كما كانت حمية الجاهلية هي التي دفعت الذين كفروا إلى صد المسلمين عن المسجد الحرام.

وضمير النصب في ﴿ وألزمهم ﴾ عائد إلى ﴿ المؤمنين ﴾ لأنهم هم الذين عوّض الله غضبهم بالسكينة ولم يكن رسول الله مفارقاً السكينة من قبل.

و ﴿ كلمة التقوى ﴾ إن حملت على ظاهرِ معنى ﴿ كلمة ﴾ كانت من قبيل الألفاظ وإطلاق الكلمة على الكلام شائع، قال تعالى: ﴿ إنها كلمة هو قائلها ﴾ [المؤمنون: 100] ففسرت الكلمة هنا بأنها قول: لا إله إلا الله.

وروي هذا عن أُبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي، وقال: هو حديث غريب.

قلت: في سنده: ثوير، ويقال: ثور بن أبي فاختة قال فيه الدارقطني: هو متروك، وقال أبو حاتم: هو ضعيف.

وروى ابن مردوية عن أبي هريرة وسلمةَ بن الأكوع مثله مرفوعاً وكلها ضعيفة الأسانيد.

وروي تفسيرها بذلك عند عدد كثير من الصحابة ومعنى إلزامه إياهم كلمة التقوى: أنه قدَّر لهم الثبات عليها قولاً بلفظها وعملاً بمدلولها إذ فائدة الكلام حصول معناه، فإطلاق (الكلمة) هنا كإطلاقه في قوله تعالى: ﴿ وجعلها كلمة باقية في عقبه ﴾ [الزخرف: 28] يعني بها قول إبراهيم لأبيه وقومه ﴿ إنني بَراء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ﴾ [الزخرف: 26، 27].

وإضافة ﴿ كلمة ﴾ إلى ﴿ التقوى ﴾ على هذا التفسير إضافة حقيقية.

ومعنى إضافتها: أن كلمة الشهادة أصل التقوى فإن أساس التقوى اجتناب عبادة الأصنام، ثم تتفرع على ذلك شعب التقوى كلها.

ورويت أقوال أخرى في تفسير ﴿ كلمة التقوى ﴾ بمعنى كلام آخر من الكلم الطيب وهي تفاسير لا تلائم سياق الكلام ولا نظمه.

ويجوز أن تحتمل ﴿ كلمة ﴾ على غير ظاهر معناها فتكون مقحمة وتكون إضافتها إلى التقوى إضافة بيانية، أي كلمة هي التقوى، ويكون المعنى: وألزمهم التقوى على حد إقحام لفظ اسم في قول لبيد: إلى الحول ثم اسمُ السلام عليكما ومنه قوله تعالى: ﴿ تبارك اسمُ ربك ﴾ [الرحمن: 78] على أحد التفسيرين فيه.

ويدخل في التقوى ابتداءً توحيدُ الله تعالى.

ويجوز أن يكون لفظ ﴿ كلمة ﴾ مطلقاً على حقيقة الشيء.

وجُماع معناه كإطلاق الاسم في قول النابغة: نبئت زرعة والسفاهة كاسمِها *** يُهدي إلى غرائب الأشعار ويؤيد هذا الوجه ما نقل عن مجاهد أنه قال: كلمة التقوى: الإخلاص.

فجعل (الكلمة) معنى من التقوى.

فالمعنى على هذين التوجهين الأخيرين: أنهم تخلقوا بالتقوى لا يفارقونها فاستعير الإلزام لدوام المقارنة.

وهذان الوجهان لا يعارضان تفسير كلمة (التقوى) بكلمة (الشهادة) المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يكون ذلك تفسيراً بجزئي من التقوى هو أهمّ جزئياتها، أي تفسير مثال.

وعن الحسن: أن كلمة ﴿ التقوى ﴾ الوفاء بالعهد، فيكون الإلزام على هذا بمعنى الإيجاب، أي أمرهم بأن يفوا بما عاهدوا عليه للمشركين ولا ينقضوا عهدهم، فلذلك لم ينقض المسلمون العهد حتى كان المشركون هم الذين ابتدأوا بنقضه.

والواو في ﴿ وكانوا أحق بها ﴾ واو الحال، والجملة حال من الضمير المنصوب، أي ألزمهم تلك الكلمة في حال كانوا فيه أحق بها وأهلها ممن لم يلزموها وهم الذين لم يقبلوا التوحيد على نحو قوله تعالى: ﴿ وإن كانت لكبيرة إلاّ على الذين هدى الله ﴾ [البقرة: 143].

وجيء بفعل كانوا لدلالتها على أن هذه الأحقية راسخة فيهم حاصلة في الزمن الماضي، أي في قدر الله تعالى.

والمعنى: أن نفوس المؤمنين كانت متهيئة لقبول كلمة التقوى والتزامها بما أرشدها الله إليه.

والمفضل عليه مقدر دلّ عليه ما تقدم، أي أحق بها من الذين كفروا والذين جعل الله في قلوبهم الحمية لأن الله قدّر لهم الاستعداد للإيمان دون الذين أصروا على الكفر.

وأهل الشيء مستحقُه، والمعنى أنهم كانوا أهل كلمة التقوى لأنها تناسب ضمائرهم وما انطوت عليه قلوبهم.

وهذه الأهلية مثل الأحقية متفاوتة في الناس وكلما اهتدى أحد من المشركين إلى الإسلام دلّ اهتداؤه على أنه حصلت له هذه الأهلية للإسلام.

وجملة ﴿ وكان اللَّه بكل شيء عليماً ﴾ تذييل، أي وسبق في علم الله ذلك في عموم ما أحاط به علم الله من الأشياء مجرى تكوينه على نحو علمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا.

﴿ وَصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ يَعْنِي مَنَعُوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ أحْرَمَ النَّبِيُّ  مَعَ أصْحابِهِ بِعُمْرَةٍ.

﴿ والهَدْيَ مَعْكُوفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَحْبُوسًا.

الثّانِي: واقِفًا.

الثّالِثُ: مَجْمُوعًا، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

﴿ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَنحَرَهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: الحَرَمُ، قالَ الشّافِعِيُّ، والمَحِلُّ بِكَسْرِ الحاءِ هو غايَةُ الشَّيْءِ، وبِالفَتْحِ هو المَوْضِعُ الَّذِي يَحُلُّهُ النّاسُ، وكانَ الهَدْيُ سَبْعِينَ بَدَنَةً.

﴿ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ أيْ لَمْ تَعْلَمُوا إيمانَهم.

﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَطَئُوهم بِخَيْلِكم وأرْجُلِكم فَتَقْتُلُوهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَوْلا مَن في أصْلابِ الكُفّارِ وأرْحامِ نِسائِهِمْ مِن رِجالٍ مُؤْمِنِينَ ونِساءٍ مُؤْمِناتٍ لَمْ يَعْلَمُوهم أنْ يَطَئُوا آباءَهم فَيَهْلَكُ أبْناؤُهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ ﴾ فِيها سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الإثْمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: غُرْمُ الدِّيَّةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الثّالِثُ: كَفّارَةُ قَتْلِ الخَطَأِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: الشِّدَّةُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الخامِسُ: العَيْبُ.

السّادِسُ: الغَمُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَوْ تَمَيَّزُوا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: لَوْ تَفَرَّقُوا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: لَوْ أُزِيلُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ حَتّى لا يَخْتَلِطَ بِمُشْرِكِي مَكَّةَ مُسْلِمٌ.

﴿ لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ وهو القَتْلُ بِالسَّيْفِ لَكِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالمُؤْمِنِينَ عَنِ الكُفّارِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا.

وَفي حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: العَصَبِيَّةُ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، والأنَفَةُ مِن أنْ يَعْبُدُوا غَيْرَها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَفَتُهم مِنَ الإقْرارِ لَهُ بِالرِّسالَةِ والِاسْتِفْتاحِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلى عادَتِهِ في الفاتِحَةِ، ومَنعُهم لَهُ مِن دُخُولِ مَكَّةَ، قالَ الزُّهْرِيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: هو الِاقْتِداءُ بِآبائِهِمْ، وألّا يُخالِفُوا لَهم عادَةً، ولا يَلْتَزِمُوا لِغَيْرِهِمْ طاعَةً كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم ﴿ إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ  ﴾ ﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ يَعْنِي الصَّبْرَ الَّذِي صَبَرُوا والإجابَةَ إلى ما سَألُوا، والصُّلْحَ الَّذِي عَقَدُوهُ حَتّى عادَ إلَيْهِمْ في مِثْلِ ذَلِكَ الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةُ قاضِيًا لِعُمْرَتِهِ ظافِرًا بِطَلِبَتِهِ.

﴿ وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّانِي: الإخْلاصُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الرّابِعُ: قَوْلُهم سَمِعْنا وأطَعْنا بَعْدَ خَوْضِهِمْ.

وَسُمِّيَتْ كَلِمَةَ التَّقْوى لِأنَّهم يَتَّقُونَ بِها غَضَبَ اللَّهِ.

﴿ وَكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وكانُوا أحَقَّ بِكَلِمَةِ التَّقْوى أنْ يَقُولُوها.

الثّانِي: وكانُوا أحَقَّ بِمَكَّةَ أنْ يَدْخُلُوها.

وَفِي مَن كانَ أحَقَّ بِكَلِمَةِ التَّقْوى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أهْلُ مَكَّةَ كانُوا أحَقَّ بِكَلِمَةِ التَّقْوى أنْ يَقُولُوها لِتَقَدُّمِ إنْذارِهِمْ لَوْلا ما سُلِبُوهُ مِنَ التَّوْفِيقِ.

الثّانِي: أهْلُ المَدِينَةِ أحَقُّ بِكَلِمَةِ التَّقْوى حِينَ قالُوها، لِتَقَدُّمِ إيمانِهِمْ حِينَ صَحِبَهُمُ التَّوْفِيقُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل «عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية نرجئ الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟

قال: بلى.

قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟

قال: بلى.

قال ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع لما يحكم الله بيننا وبينهم؟

فقال يا ابن الخطاب: إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً.

فرجع متغيظاً لم يصبر حتى جاء أبا بكر، فقال يا أبا بكر: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟

قال: بلى.

قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟

قال: بلى.

قال: فلمَ نعطي الدنية في ديننا؟

قال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً.

فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر رضي الله عنه فأقرأه إياها.

قال يا رسول الله: أو فتح هو؟

قال: نعم» .

وأخرج النسائي والحاكم وصححه من طريق أبي إدريس عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام فأنزل الله سكينته على رسوله ﴾ فبلغ ذلك عمر فاشتد عليه، فبعث إليه فدخل عليه، فدعا ناساً من أصحابه فيهم زيد بن ثابت، فقال: من يقرأ منكم سورة الفتح؟

فقرأ زيد على قراءتنا اليوم، فغلظ له عمر فقال أبيّ أأتكلم؟

قال: تكلم.

فقال: لقد علمت أني كنت أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ويقرئني، وأنت بالباب، فإن أحببت أن أقرئ الناس على ما أقرأني أقرأت، وإلا لم أقرئ حرفاً ما حييت.

قال: بل أقرئ الناس.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ حمية الجاهلية ﴾ قال: حميت قريش أن يدخل عليهم محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا: لا يدخلها علينا أبداً، فوضع الله الحمية عن محمد وأصحابه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأجلح قال: كان حمزة بن عبد المطلب رجلاً حسن الشعر، حسن الهيئة، صاحب صيد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على أبي جهل فولع به وآذاه، فرجع حمزة من الصيد وامرأتان تمشيان خلفه، فقالت إحداهما لو علم ذا ما صنع بابن أخيه أقصر عن مشيته، فالتفت إليهما، فقال: وما ذاك؟

قالت: أبو جهل فعل بمحمد كذا وكذا، فدخلته الحمية فجاء حتى دخل المسجد وفيه أبو جهل فعلا رأسه بقوسه، ثم قال: ديني دين محمد إن كنتم صادقين فامنعوني، فقامت إليه قريش فقالوا يا أبا يعلى، فأنزل الله: ﴿ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ﴾ إلى قوله: ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال: حمزة بن عبد المطلب.

أما قوله تعالى: ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ .

أخرج الترمذي وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير والدارقطني في الأفراد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال: لا إله إلا الله.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال: لا إله إلا الله» .

وأخرج ابن مردويه عن سلمة بن لأكوع «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال: لا إله إلا الله» .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال: لا إله إلا الله.

وأخرج ابن جرير وأبو الحسين بن مروان في فوائده عن علي رضي الله عنه ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قالا: لا إله إلا الله والله أكبر.

وأخرج أحمد عن حمران مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقّاً من قلبه إلا حرمه الله على النار فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنا أحدثكم ما هي كلمة الإِخلاص التي ألزمها الله محمداً وأصحابه وهي كلمة التقوى التي حض عليها نبي الله عمه أبا طالب عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وهي رأس كل تقوى.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عن علي الأزدي قال: كنت مع ابن عمر رضي الله عنه بين مكة ومنى فسمع الناس يقولون لا إله إلا الله والله أكبر، فقال: هي هي، فقلت: ما هي هي؟

قال: ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في الأفراد عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن مجاهد وعطاء في قوله: ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال أحدهما: الاخلاص، وقال الآخر: كلمة التقوى لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال: كلمة الاخلاص.

وأخرج ابن جرير عن عمرو بن ميمون ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال: لا إله إلا الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال: لا إله إلا الله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد والحسن وقتادة وإبراهيم التيمي وسعيد بن جبير مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء الخراساني رضي الله عنه ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الزهري رضي الله عنه ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ وكان المسلمون أحق بها، وكانوا أهلها والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ ﴾ (إذ) متعلق بقوله: (لعذبنا) لأن المعنى: لعذبنا الذين كفروا إذ جعلوا في قلوبهم الحمية، وهي مصدر قولك: حمى فلانٌ أنفه يحميه حَمِيَّة أو مَحْمِيَّة، وفلان ذو حمية منكرة، إذا كان ذا غضب وأنفة (١) (٢) قال المبرد: الحمية الأنفة والإنكار، فإذا كانت مما لا يوقف من مثله فهو ضلالة وعلو، كما قال تعالى: ﴿ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ وإذا كانت لما يجب أن يوقف منه فصاحبها محمود.

قال الفراء: حموا أنفاً أن يدخلها عليهم النبي -  - (٣) قال المقاتلان: قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ويدخلون علينا في منازلنا ونسائنا، وتحدث العرب أنهم قد دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزى لا يدخلونها علينا -يعنون محمداً وأصحابه- فهذه الحمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم (٤) وقال الزهري: كانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم (٥)  - وهو يملي كتاب الصلح، وسهيل مشرك فقال رسول الله -  - لعلي: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال سهيل: لا ندري ما الرحمن، ولكن اكتب: بسمك اللهم.

ثم قال: "اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله"، فقال سهيل: لو علمنا أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك (٦) قوله تعالى: ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ تفسير السكينة في هذه السورة قد مر مراراً، ومعناها هاهنا ما ذكره الفراء: أذهب الله عن المؤمنين أن يدخلهم ما دخل أؤلئك من الحمية فيعصوا الله (٧) قوله تعالى: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ﴾ قال مقاتل: ألزم المؤمنين كلمة الإخلاص وهي: لا إله إلا الله (٨) (٩)  - أنه قال في تفسيرها هي: لا إله إلا الله (١٠) (١١) قال عمرو بن ميمون: ما تكلم الناس بشيء أعظم عند الله من لا إله إلا الله، وهي الكلمة التي ألزمها الله أصحاب محمد (١٢) وقال الزهري: هي بسم الله الرحمن الرحيم (١٣) (١٤) قوله: ﴿ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ قال مقاتل: كانوا أحق بها من كفار مكة، وكانوا أهلها في علم الله (١٥) وقال أبو إسحاق: أي كانوا أحق بها من غيرهم؛ لأن الله جل وعز اختار لنبيه ولدينه أهل الخير ومستحقيه، ومن هو أولى بالهداية من غيرهم (١٦) قوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ قال مقاتل: عليماً بأنهم كانوا أهلاً للتوحيد في علم الله (١٧) (١) انظر.

"تهذيب اللغة" (حمى) 5/ 274.

(٢) انظر: "العين" (حمى) 3/ 312، "تهذيب اللغة" (حمى) 5/ 274 لكن بلفظ (أنفًا وغيظًا) بدل غضبًا.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 68.

ولم أقف على قول المبرد.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75، 76، وأورد السمرقندي 3/ 285 هذا القول ولم ينسبه، وذكره البغوي 7/ 321 ونسبه لمقاتل، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" ولم ينسبه 7/ 441، ونسبه في "الوسيط" 4/ 13 للمقاتلان.

(٥) أخرج ذلك الطبري13/ 103 عن الزهري.

وأورده الثعلبي ولم ينسبه 10/ 151 ب، ونسبه للزهري: الماوردي 5/ 320، والقرطبي 16/ 288، 289.

(٦) أورد ذلك الطبري 13/ 99، الثعلبي 10/ 147 ب، "البغوي" 7/ 316.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 68.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 76.

(٩) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 104، 105، "الثعلبي" 10/ 152 أ، "السمرقندي" 3/ 258، "الماوردي" 5/ 321، "البغوي" 7/ 321.

(١٠) أخرج ذلك الترمذي في التفسير باب (49) ومن سورة الفتح 5/ 386، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة، قال: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فلم يعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، والثعلبي 10/ 152 أعن أبي بن كعب.

ونسبه البغوي 7/ 321، والقرطبي 16/ 289.

(١١) أخرج ذلك الطبري 13/ 104 عن علي -  -، والثعلبي 10/ 152 أ، ونسبه ابن الجوزي 7/ 442، والقرطبي 16/ 289، والبغوي 7/ 321 لعلي وابن عمر.

(١٢) أخرجه الطبري 13/ 105 عن عمرو بن ميمون قال: لا إله إلا الله فقط دون ما ذكره المؤلف.

(١٣) أخرج ذلك الطبري 13/ 106 عن الزهري، وأخرجه الثعلبي عن الزهري 10/ 152 أ، وعبد الرزاق في "تفسيره" عن الزهري 2/ 229، ونسبه الماوردي 5/ 321، والبغوي 7/ 322، وابن الجوزي للزهري 7/ 442.

(١٤) ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 289.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 76.

(١٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 28، بلفظ: (ومن هو أولى بالهداية من غيره).

(١٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 76.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني أهل مكة ﴿ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام ﴾ يعني أنهم منعونهم عن العمرة بالمسجد الحرام عام الحديبية ﴿ والهدي مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ الهدي ما يهدى إلى البيت من الأنعام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ساق حينئذ مائة بدنة وقيل: سبعين ليهديها والمعكوف المحبوس، ومحله موضع نحره يعني: مكة والبيت، وإعراب الهدي عطف على الضمير المفعول في صدّوكم ومعكوفاً حال من الهدي، وأن يبلغ مفعول بالعكف فالمعنى: صدوكم عن المسجد الحرام، وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله، والعكف المذكور يعني به منع المشركين للهدي عن بلوغ مكة، أو حبس المسلمين بالهدي بينما ينظرون في أمورهم.

﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ الآية تعليل لصرف الله المؤمنين عن استئصال أهل مكة بالقتل، وذلك أنه كان بمكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يخفون إيمانهم، فلو سلط الله المسلمين على أهل مكة، ولقتلوا أولئك المؤمنين وهم لا يعرفونهم، ولكن كفَّهم رحمة للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم، وجواب لولا محذوف تقديره: لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لسلطناكم عليهم ﴿ أَن تَطَئُوهُمْ ﴾ في موضع بدل من رجال ونساء، أو بدل من الضمير المفعول في لم تعلموهم والوطء هنا الإهلاك بالسيف وغيره ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ ﴾ أي تصيبكم من قتلهم مشقة وكراهة، واختلف هل يعني الإثم في قتلهم أو الدية أو الكفارة أو الملامة، أو عيب الكفار لهم بأن يقولوا: قتلوا أهل دينهم، أو تألم نفوسهم من قتل المؤمنين، وهذا أظهر لأن قتل المؤمن الذي لا يعلم إيمانه وهو بين أهل الحرب لا إثم فيه ولا دية، ولا ملامة، ولا عيب، ﴿ لِّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ يعني رحمة للمؤمنين الذين كانوا بين أظهر الكفار، بأن كف سيوف المسلمين عن الكفار من أجلهم أو رحمة لمن شاء من الكفار بأن يسلموا بعد ذلك، واللام تتعلق بمحذوف يدل على سياق الكلام تقديره: كان كف القتل عن أهل مكة ليدخل الله في رحمته من يشاء ﴿ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ ﴾ معنى تزيلوا تميزوا عن الكفار، والضمير للمؤمنين المستوري الإيمان، أي لو انفصلوا عن الكفار لعذبنا الكفار فقوله: ﴿ لَعَذَّبْنَا ﴾ جواب لو الثانية، وجواب الأولى محذوف كما ذكرنا، ويحتمل أن يكون لعذبنا جواب لو الأولى: وكررت لو الثانية تأكيداً ﴿ إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الحمية ﴾ يعني أنفه الكفر وهي منعهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين عن العمرة، ومنعهم من أن يكتب في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم، ومنعهم من أن يكتب محمد رسول الله، وقولهم: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، والعامل في إذ جعل محذوف تقديره: اذكر أو قوله: ﴿ لَعَذَّبْنَا ﴾ والسكينة هي سكون المسلمين ووقارهم حين جرى ذلك ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى ﴾ قال الجمهور وهي: لا إله إلا الله وقد رُوي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لا إله إلا الله محمد رسول الله وقيل: لا إله إلا الله والله أكبر، وهذه كلها متقاربة وقيل: هي بسم الله الرحمن الرحيم التي أبى الكفار أن تكتب ﴿ وكانوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ أي كانوا كذلك في علم الله وسابق قضائه لهم، وقيل: أحق بها من اليهود والنصارى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليؤمنوا ﴾ ﴿ ويعزروه ويوقروه ويسبحوه ﴾ بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ عليه الله ﴾ بضم الهاء: حفص ﴿ فسنؤتيه ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.

الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله  ﴿ شغلتنا ﴾ بالتشديد: قتيبة ﴿ ضراً ﴾ بالضم ﴿ كلم الله ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف ﴿ بل ظننتم ﴾ بالإدغام: علي وهشام ﴿ بل تحسدوننا ﴾ مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ ندخله ﴾ ﴿ ونعذبه ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وإبن عامر ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو ﴿ الرؤيا ﴾ بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام ﴿ شطأه ﴾ بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس.

الباقون: ساكنة الطاء.

الوقوف: ﴿ مبيناً ﴾ ه لا ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا على احتمال الجواز ههنا لتكرار إسم الله بالتصريح ﴿ عزيزاً ﴾ ه ﴿ إيمانهم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ سيئاتهم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ظن السوء ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ه لا ﴿ وتوقروه ﴾ ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ يبايعون الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج ط للشرط مع الفاء ﴿ على نفسه ﴾ ج للعطف مع الشرط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ فاستغفر لنا ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ نفعاً ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ نتبعكم ﴾ ج لأن ما بعده حال عامله ﴿ سيقول ﴾ أو مستأنف ﴿ كلام الله ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للسين مع الفاء ﴿ تحسدوننا ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ يسلمون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ المريض حرج ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه لا ﴿ يأخذونها ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ عنكم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ بها ﴾ ج ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ محله ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال أن جواب " لولا" محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جواباً للأولى ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ وأهلها ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لحق حذف القسم ﴿ آمنين ﴾ لا ﴿ مقصرين ﴾ لا لأنها أحوال متابعة ﴿ لا تخافون ﴾ ط لأن قوله ﴿ فعلم ﴾ بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله ﴿ صدق الله ﴾ ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ ورضواناً ﴾ ز لأن ﴿ سيماهم ﴾ مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين ﴿ السجود ﴾ ط ﴿ الإنجيل ﴾ ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به.

والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية.

عن أنس قال: لما رجعنا عن الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله ﴿ إنا فتحنا ﴾ فقال  : "لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها" .

والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي  فجاء بالماء حتى عمهم.

وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس.

وقال الشعبي: أصاب النبي  في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان رسول الله  وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر.

وذلك أن رسول الله  بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصداً نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظناً منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.

واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفاً وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح.

فلما رأى أصحاب النبي  فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوهاً وأسراباً خليقاً أن يفروا ويدعوك؟

فشتمه أبو بكر فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً.

والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه.

فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي  مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب  "بسم الله الرحمن الرحيم".

قال سهيل: ما نعرف "الرحمن الرحيم" اكتب في قضيتنا ما نعرف "باسمك اللهم".

ولما كتب "هذا ما صالح محمد رسول الله  ".

قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله.

فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله  وأمرهم بالإجابة فكتب "هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم" فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً.

فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي  وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح.

وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله.

وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة.

وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله.

قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال ﴿ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا  ﴾ إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد.

وأيضاً لما قال ﴿ وأنتم الأعلون  ﴾ بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله ﴿ وتدعوا إلى السلم  ﴾ إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح.

سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟

الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.

ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سبباً للغفران والثواب.

قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح  ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره  ﴾ وقيل: إن فتح مكة كان سبباً لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده.

وأيضاً بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار " "خرج كيوم ولدته أمه" وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله، فلما فتحت للرسول  عرف أنه حبيب الله المغفور له.

أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً.

ومعنى ﴿ ما تأخر ﴾ أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها.

وقيل ﴿ ما تقدم ﴾ ذنب أبويه آدم وحواء ﴿ وما تأخر ﴾ ذنب أمته.

وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره.

وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً.

والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي  عدوّ من قريش، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح.

وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته.

والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد.

وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم.

وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص.

ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً.

ثم بين سبب النصر بقوله ﴿ هو الذي أنزل السكينة ﴾ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في "البقرة" وفي "التوبة" ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله.

وعن ابن عباس أو أول ما أتاهم به النبي  التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجاد ثم الحج، أو ازدادوا إيماناًَ استدلالياً مع إيمانهم الفطري.

وعلى هذا ففائدة قوله ﴿ مع إيمانهم ﴾ أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول.

وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان.

ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة.

وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله  لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكاً، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى.

ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة.

قال بعض العلماء: ضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين بخلاف قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] ﴿ وبشر المؤمنين  ﴾ ونحو ذلك.

والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحاً نفياً لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف.

مثلاً من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله  هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات.

نكتة الجنود المذكورة أوّلاً هي جنود الرحمة فكانوا سبباً لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم ﴾ ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال ﴿ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً ﴾ وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلاً على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلاً ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد  ﴾ ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيهاً على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة.

وقرن العز بالحكمة ثانياً لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعاً على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم.

ثم مدح رسول صلى الله عيله وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ على أمتك ﴿ ومبشراً ونذيراً ﴾ وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قائم مقام قوله هناك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه  ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين.

وقوله ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه.

قوله هناك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية.

وقال جار الله: الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم الله تعظيم دينه ورسوله.

وقوله ﴿ وتسبحوه ﴾ من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع.

و ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس.

﴿ إن الذين يبايعونك ﴾ هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة.

وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد.

وسماها مبايعة تشبيهاً بعقد البيع نظيره ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم  ﴾ ﴿ إنما يبايعون الله ﴾ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك.

وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم  ﴾ قال القفال: هو من قوله  : "اليد العليا خير من اليد السفلى" يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم.

وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله.

وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله  يحفظهم على بيعتهم.

ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله ﴿ فمن نكث ﴾ إلى آخره.

والنكث والنقض أخوان.

وقوله ﴿ فإنما ينكث على نفسه ﴾ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه.

قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله  تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم.

ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقاً وله في السورة نظائر فقال ﴿ سيقول لك المخلفون ﴾ هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار.

وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم.

والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه  حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر الأعراب وأهل البوادي حذراً من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا.

فلما رجع رسول الله  اعتذروا وقالوا ﴿ شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان من عذر فكذبهم الله بقوله ﴿ يقولون بألسنتهم ﴾ وقوله شيئاً من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعاً إلا ما شاء الله.

وإنما قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ لكم ﴾ لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف "المائدة" فإنه عام لقوله ﴿ أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً  ﴾ ثم ردّ قولهم اللساني فقال ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيراً ﴾ ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله ﴿ بل ظننتم ﴾ الآية.

والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله ﴿ رحيماً ﴾ وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتيه ورحمته سابقة.

وقوله ﴿ سيقول المخلفون ﴾ إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده.

وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم.

وقوله ﴿ إلى مغانم ﴾ هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله  وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصاً من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي صدّهم المشركون عنها.

وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس.

قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله  كسهم من حضر.

وكان انصراف النبي  في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي  أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ فمنعهم النبي  لأن أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله ﴿ يريدون أن يبدّلوا كلام الله ﴾ فقال الله لنبيه ﴿ قل لنا تتبعونا ﴾ أي في خيبر.

وقيل: عامّ في غزواته ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ أي قبل انصرافهم إلى المدينة ﴿ فسيقولون ﴾ ردّاً على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به ﴿ بل تحسدوننا ﴾ أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا ﴾ فهماً ﴿ قليلاً ﴾ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلاً لأن الصادق قد أخبر بنفيه.

وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله ههنا هو قوله في سورة براءة ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي.

وأجاب بعضهم بأن هذ الآية أعني ﴿ سيقول المخلفون ﴾ نزلت في غزوة تبوك أيضاً.

وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور.

ثم إن الله  أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب.

وقيل: هم هوازن وغطفان.

وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله  في تبوك.

والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه  قال ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية.

هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب.

وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله  ، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد.

وقوله ﴿ أو يسلمون ﴾ رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون.

ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف "أن" رفع الفعل.

وقيل: الإسلام ههنا الانقياد فيشمل إعطاء الجزية أيضاً.

والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة.

وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء.

وقوله ﴿ من قبل ﴾ أي في الحديبية.

قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟

فأنزل الله  ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده.

وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك.

نعم يتعسر عليه الحرب ماشياً وكذا جودة الكر والفر راكباً.

وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذوراً لأنه نادر الوجود.

والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.

فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك.

وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال.

ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد لا بإذنه إلا إذا كان كافراً.

والباقي واضح إلى قوله ﴿ لقد رضى الله ﴾ .

وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة.

وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت.

وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ من خلوص النية ﴿ فأنزل السكينة ﴾ الطمأنينة والأمن عليهم ﴿ وأثابهم ﴾ جازاهم عن الإخلاص في البيعة ﴿ فتحاً قريباً ﴾ هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه.

وقيل: هو فتح مكة ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ هي التي أصابوها مع النبي  أو بعده إلى يوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ يعني غنيمة خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله ﴿ ولتكون آية ﴾ أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقاً.

وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل التأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة.

قوله ﴿ وأخرى ﴾ أي وعدكم الله مغانم أخرى.

عن ابن عباس: هي فتوح فارس والروم.

أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علماً أنها ستصير لكم.

قال جار الله: يجوز في ﴿ أخرى ﴾ النصب بفعل مضمر يفسره ﴿ قد أحاط ﴾ أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها.

ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة و ﴿ قد أحاط ﴾ خبره.

وجوز الجر بإضمار "رب".

ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقياً بل كان إلهياً سماوياً فقال ﴿ ولو قاتلكم ﴾ إلى آخره.

والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال ﴿ سنة الله ﴾ إلى آخره.

عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي  من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي  وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله  ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم.

وقيل: هو التنعيم.

وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم.

وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله  فأخذ الله  بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم  : هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية.

وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم.

وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي  لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل.

فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت.

فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة.

فأنزلت الآية.

وسمي خالد يومئذ سيف الله.

وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخولهم بيوت مكة.

ثم ذم قريشاً بقوله ﴿ هم الذين كفروا وصدّوكم ﴾ يعني يوم الحديبية ﴿ عن المسجد الحرام ﴾ أن تطوفوا به للعمرة ﴿ و ﴾ صدّوا ﴿ الهدى ﴾ أو صدّوكم مع الهدي حال كونه ﴿ معكوفاً ﴾ أي محبوساً ممنوعاً موقوفاً عن ﴿ أن يبلغ محله ﴾ المعهود وهو مِنى وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في "البقرة".

ثم بين حكمة المصالحة بقوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ وقوله ﴿ لم تعلموهم ﴾ سفة الرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب.

و ﴿ أن تطؤهم ﴾ بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿ تعلموهم ﴾ والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك.

وقوله ﴿ فتصيبكم ﴾ جواب النفي أو عطف على ﴿ أن تطؤهم ﴾ والمعرة "مفعلة" ممن العرالعيب كالجرب ونحوه.

وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متقدم في النية متعلق بـ ﴿ أن تطؤهم ﴾ والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال  : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم، والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف.

وجوّزوا أن يكون ﴿ لو تزيلوا ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ ولولا رجال ﴾ لرجعهما إلى معنى واحد.

والتنزيل التميز والتفرق ويكون ﴿ لعذبنا ﴾ هو الجواب.

وقوله ﴿ ليدخل ﴾ تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صوناً لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين.

وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا.

وقوله ﴿ إذ جعل ﴾ يجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" أو يكون ظرفاً ﴿ لعذبنا ﴾ أو لـ ﴿ ـصدّوكم ﴾ وفاعل ﴿ جعل ﴾ يجوز أن يكون ﴿ الله ﴾ وقوله ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الجعل كما مر في قوله { ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل  ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله.

والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد  ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد "بسم الله الرحمن الرحيم" وأن يكتب "محمد رسول الله" يقال: حميت أنفي حمية كأنها "فعلية" بمعنى "مفعول" من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا.

وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد  ، اختارها الله للمؤمنين.

ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله.

﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ لأنهم خيار الأمم.

وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق.

وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول "لا إله إلا الله" في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك.

وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا.

ثم قص رؤيا نبيه  بياناً لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.

وقصته أنه رأى في المنام أن ملكاً قال له ﴿ لتدخلن ﴾ إلى قوله ﴿ لا تخافون ﴾ فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي  أن نأتي البيت فنطوف به؟

فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟

فقالوا: لا.

قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه.

ومعنى ﴿ صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ صدقه في رؤياه ولم يكذبه.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ إما أن يكون متعلقاً بـ ﴿ صدق ﴾ أي صدقه فيما رأى صدقاً متلبساً بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالاً من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الإبتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي.

وجوّز أن يكون ﴿ بالحق ﴾ قسماً لأنه إسم من أسماء الله  ، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في ﴿ لتدخلنّ ﴾ جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على ﴿ الرؤيا ﴾ .

والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر.

وفي ورود ﴿ إن شاء الله ﴾ في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا.

والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء ﴾ والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق.

والثالث أنه أراد لتدخلن جميعاً إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب.

والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله  وقد دخل البقيع " "وأنا إن شاء الله بكم لاحقون" وليس في فروع الموت استثناء.

الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف.

ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل ﴿ فجعل من دون ذلك ﴾ الفتح ﴿ فتحاً قريباً ﴾ وهو فتح خيبر.

ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ الآية.

وذلك أنه كذب رسوله كان مضلاً ولم يكن إرساله سبباً لظهور دينه وقوة ملته.

وقد مر نظير الآية في سورة التوبة.

ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله.

وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى  فلا يبقى على الأرض كافر ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى.

ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لم يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال ﴿ محمد رسول الله ﴾ فهو مبتدأ وخبر.

وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفاً لتقدم ذكره في قوله ﴿ أرسل رسوله ﴾ أي هو محمد فيكون ﴿ رسول الله ﴾ صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون ﴿ محمد ﴾ مبتدأ و ﴿ رسول الله ﴾ صفته أو بياناً.

وقوله ﴿ والذين معه ﴾ وهم الصحابة عطفاً على ﴿ محمد ﴾ وخبر الجميع ﴿ أشداء على الكفار ﴾ جمع شديد كما قال ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ﴿ أعزة على الكافرين  ﴾ عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه.

والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة  وإن كان التقبيل على اليد.

ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبداً فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم ﴿ تراهم ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب ﴿ ركعاً سجداً ﴾ راكعين ساجدين ﴿ يبتغون فضلاً من الله ﴾ بالعفو عن تقصيرهم ﴿ ورضواناً ﴾ منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ في وجوههم من أثر السجود ﴾ فيجوز أن تكون العلامة أمراً محسوساً وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على ألأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين  وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير.

والذي جاء في الحديث "لا تعلبوا صوركم" أي لا تخدشوها.

وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة.

وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض.

ويجوز أن يكون أمراً معنوياً من البهاء والنور.

وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وإن الذي يبيت شارباً يتميزعند أراب البصيرة من الذي يبيت مصلياً وفيه قال بعضهم: عيناك قد حكتا مبيـ *** ـتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتـ *** ـك مبيت صاحبها عياناً قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله  كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ﴿ ذلك مثلهم ﴾ أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله ﴿ كزرع ﴾ إلى آخره.

كقوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ وقد يقال: تم الكلام عند قوله ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ مثلهم في الإنجيل كزرع ﴾ لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم.

والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطىء النهر.

﴿ فآزره ﴾ من المؤازره المعاونة.

ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس.

﴿ فاستغلظ ﴾ الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين.

والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازاً مستعاراً.

ووجه التشبيه أن النبي  خرج وحده ثم أتبعه من ههنا قليل ومن ههنا حتى كثروا وقوي أمرهم.

وقوله ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد  وأصحابه كفار مكة والعجم.

وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصوداً ههنا.

وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله ﴿ والذين معه ﴾ أبو بكر ﴿ أشداء على الكفار ﴾ عمر ﴿ رحماء بينهم ﴾ عثمان ﴿ نراهم ركعاً سجداً ﴾ علي  ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ طلحة والزبير ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح.

وعن عكرمة: أخرج شطأة بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ.

وقوله ﴿ منهم ﴾ لبيان الجنس.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ليغيظ ﴾ تعليلاً للوعد لان الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾ مع كثرة أولئك، وقوتهم، وتأهبهم للقتال، وضعف هؤلاء وقلة عددهم؛ لأن أولئك كانوا خرجوا للقتال والحرب، مستعدين لذلك، متأهبين، وهؤلاء كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت، فكفّ أيدي أولئك مع عدتهم وقوتهم وكثرتهم عن هؤلاء مع ضعفهم وقلة عددهم، حتى أظفرهم بأولئك بما ذكر في القصة أن المسلمين كانوا اشتغلوا بالترامي بالنبل والحجارة حتى هزموهم وأدخلوهم بطن مكة؛ على ما ذكر، ثم أظفرهم بهم، كف أيدي هؤلاء عنهم ويتم لهم الظفر بهم؛ ليعلم هؤلاء أن التدبير في الأمر إلى الله -  - دونهم، وله السلطان على الخلق جميعاً، لا سلطان لأحد في سلطانه، ولا قوة إلا بالله.

وأما ما ذكر من الامتنان هو ما ذكر من كف أيدي أولئك عن هؤلاء عند شدة خوفهم منهم وفزعهم بما ذكرنا من قوة أولئك [و]كثرتهم، وضعف هؤلاء وقلة عددهم، حتى أظفرهم؛ يذكر منته عليهم؛ ليستأدي شكره، ويكف أيدي هؤلاء عنهم.

فإن قيل: ما كف أيدي أولئك عن هؤلاء، المنة ظاهرة، ولكن أية منة تكون في كف أيدي المؤمنين عن أولئك الكفرة؟

فيقال: جائز أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أولئك الكفرة؛ ليستأدي منهم شكره بذلك، وهو الإسلام لله -  - على جميع خلقه منة؛ ليستأدي منهم شكراً على الكافرين والمسلمين جميعاً.

ويحتمل أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أولئك على المؤمنين - أيضاً - هو ما ذكر على إثره: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أنه لو لم يكن يكف أيدي المؤمنين عنهم حتى يتم لهم الظفر بهم فدخلوا مكة وهنالك مؤمنون لأصابهم ما ذكر من المعرة وغيره، فكان في كف أيدي المؤمنين عن أولئك منة عظيمة عليهم؛ لما بينا من قبل من فيها من المؤمنين من غير علم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ وهم لم يكونوا في بطن مكة، إنما كانوا بالحديبية، وبينها وبين مكة أميال، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أظفرهم بهم وقهرهم وهزمهم حتى أدخلهم بطن مكة، على ما ذكر أنهم هزموهم حتى أدخلوهم في بيوت مكة.

والثاني: ببطن مكة؛ أي: بقرب مكة.

وجائز أن يكنى ببطن مكة؛ أي: قربها.

وقال بعضهم: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ أي: الحرم، والحرم كله مكة، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ﴾ لم يزل الله -  - عالماً بأعمالهم، بصيراً.

وفيه دلالة خلق أفعالهم؛ لأنه ذكر أنه كف أيدي هؤلاء عن أولئك وأيدي أولئك عن هؤلاء، ثم قال: هو عالم بما تعملون بصيراً؛ ليعلم أن له في فعلهم صنعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ أي: صدوهم عما قصدوا، وهو الطواف بالبيت والزيارة له، وذلك في المسجد الحرام؛ ذكر صدهم عن المسجد الحرام وصدوهم عما فيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ وقوله: ﴿ مَعْكُوفاً ﴾ أي: محبوساً، والمعكوف هو الحبس، ومنه سمي العاكف والمعتكف.

ثم قوله: ﴿ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ محل دم هدي المتعة هو مكة أو منى، فأما الحرم نفسه فليس هو محله؛ فكأنه قال: وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله الذي جعل لهدي المتعة وهو منى أو مكة؛ لأنه ذكر في الخبر أنه كان -  - معتمراً، وذكر أنه كان متمتعاً، وفيه أن دم المتعة إن منع عن محله سقط، وخرج عن حكم المتعة، ويعود إلى مكة، وله أن يصرفه إلى ما شاء؛ ألا ترى أن النبي  نحر تلك البدن التي ساقها عن الإحصار في الحرم؛ دل أن هدي المتعة إذا منع عن المحل سقط، ويخرج عن حكم المتعة.

وفيه أن دم الإحصار لا يجوز أن إراقته إلا في الحرم؛ إذ الحديبية تجمع الحرم والحل جميعاً عندنا، فإنما كان نحرها في الحرم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ ﴾ أي: تقتلوهم وتهلكوهم ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: لولا ما فيها - أعني: في مكة - من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات، لأتم لكم الظفر بهم، ودخلتم عليهم، لكن منعكم عن دخولكم مكة؛ لما ذكر.

ثم اختلف في قوله -  -: ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

قال بعضهم: لزمكم الدية بقتلهم، وكذا روي عن محمد بن إسحاق.

وقال بعضهم: الكفارة.

وقال بعضهم: الإثم والذنب؛ أي: يصيبكم منهم الإثم بقتلكم إياهم؛ وهذا لا يحتمل؛ لأنهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون، لا يلحقهم الإثم والذنب؛ لأن الله -  - وضع الإثم عنا فيما لا نعلمه، ولم يضع طريق العلم به، قال الله -  -: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ .

وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فيصيبكم من الكفرة وأهل النفاق ما يسوءكم بقتلكم إياهم من اللائمة، والتعيير، وغير ذلك من القيل والقال؛ يقولون: إنهم قتلوا أصحابهم ومن كان على دينهم من أهل الإسلام؛ فيجدون بذلك سبيلا إلى ما ذكرنا، فيسوءكم ذلك، والله أعلم.

والثاني: يصيبكم الأسف والحزن والندامة الدائمة بقتلكم أهل الإيمان وأهل الإسلام إذا علمتم أنكم قتلتم أصحابكم وأهل دينكم، والله أعلم.

ثم المخالف لنا تعلق بهذه الآية في مسألتين: إحداهما: فيمن أسلم ولم يهاجر إلينا: أنه تجب الدية في قتله؛ لقوله -  -: ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ وهي غرم الدية.

والثانية: هل يباح الرمي على حصون المشركين إذا كان فيها أسارى المسلمين وأطفال المسلمين، وإحراق الحصون أو الرمي على الكفار الذين تترسوا بأطفال المسلمين؟

قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري: لا بأس برمي حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى المسلمين وأطفالهم، ولا بأس بأن يحرقوا الحصن ويقصدوا به المشركين دون المسلمين، وكذلك إحراق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين.

وقال مالك: لا يحرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين.

وقال الأوزاعي: إذا تترس الكفار بأطفال المسلمين، لم يرموا، ولا يحرق الحصن، ولكن لا بأس بأن يرمى الحصن بالمنجنيق، ونحو ذلك.

وقال الشافعي: لا بأس بأن يرمى الحصن وفيه أسارى وأطفال المسلمين، ولو تترسوا بهم فله قولان.

واحتج هؤلاء [بأن] من عادتهم أنهم كانوا يعبدون ما يهوون ومالت إليهم أنفسهم من الأصنام والأوثان وغيرها، وينصرون من عبدوها، ويدفعون عنهم فيذبون عنها، فجائز أن يكون الذي حملهم على ذلك هو نصرهم أولئك الأصنام وعبادها، والذب عنهم حمية الجاهلية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ جائز أن يكون ما ذكر من السكينة التي أخبر أنه أنزلها على رسوله ومن ذكر: هو شيء أنزله من السماء؛ لطفاً منه عليهم حتى سكنت لذلك قلوبهم.

وجائز أن يكون لا على حقيقة إنزال شيء من مكان إلى مكان، ولكن أنشأ في قلوبهم ما يسكن به قلوبهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  ﴾ أي: أنشأ لكم من الأنعام ما ذكر، وخلقها لهم، ليس أن أنزلها عليهم من مكان إلى مكان، ولكن على الإنشاء والخلق، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ثم السكينة تحتمل أسباباً له بها تسكن قلوبهم وأنفسهم، والأسباب تختلف.

ويحتمل شيئاً آخر سوى ذلك، وهو اللطف الذي جعل لهم، فسكن قلوبهم بذلك اللطف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ألزمهم كلمة بها يتقون النار.

ثم يحتمل ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ : كلمة الإخلاص وغيرها وما يقيهم النار، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ ﴾ : إظهار كلمة التقوى حتى تصير ظاهرة في الخلق أبداً إلى يوم القيامة، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ هي ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ، وذلك أنه لما كتب كتاب الصلح فيما بين أهل مكة وبين رسول الله  كتب: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ، فقال ذلك: اكتب كذا، لا ندري ما الرحمن الرحيم.

وذلك كلمة التقوى، والله أعلم.

والوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ أي: بتلك الكلمة، وكانوا أهلا لها ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ هي كلمة الإخلاص ﴿ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ من الأمم السالفة وأهلها، والله أعلم.

أو كانوا أحق بها في الإظهار في الخلق والقيام بذلك، وكانوا أحق بها في إلزامها في أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قال أهل التأويل: قوله: ﴿ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ﴾ أي: حقق الله لرسوله الرؤيا التي أراها إياه الحق؛ أي: بالوفاء لذلك.

ويحتمل: أي: صير النبي  صادقاً عندهم فيما أخبرهم أنه رأى، وجعله صادقاً في ذلك؛ والأول أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الأمر: أن ادخلوا المسجد الحرام، وإن كان في الظاهر خبراً؛ كرؤيا إبراهيم -  - حيث قال: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ  ﴾ ، ثم قال الله -  -: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ  ﴾ دل على أن ما رأى إبراهيم - صلوات الله عليه - من الذبح هو أمر بذلك، فإن كان التأويل هذا فيخرج الثنيا المذكور فيه على أثره، كأنه يقول: ادخلوا المسجد الحرام محلقين ومقصرين إن شاء الله أن تؤمنوا في دخولكم، وإذا لم تأمنوا لم يشأ أن تدخلوه، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ على الوعد، فيخرج الثنيا المذكور على وجهين: أحدهما: على التبرك والتيمن، كما يتبرك بذكر اسمه في فعل يفعله، والله أعلم.

والثاني: على الأمر لكل في نفسه إذا أخبر غيره أنه يدخل أن يقول: إن شاء الله، كما يؤمر بالثنيا من أخبر شيئاً أنه يفعله، كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً  إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

ويحتمل أن يذكر الثنيا؛ لأن الوعد في الظاهر وإن كان للجملة كقوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ ، فجائز أن يكون المراد منه بعض منهم، ليس الجملة؛ لاحتمال أن يموت بعض منهم [و] ألا يكون هو مراداً و[المراد] الجملة، فذكر الثنيا؛ لئلا يكون خلف في الوعد من النبي  ، ثم ما ذكر من رؤيا النبي -  ، وأخبر أنه حققها يحتمل ما ذكر من دخول المسجد الحرام على أثره، فإن كان ذلك؛ فيكون قوله  : ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ هو تفسير لتلك الرؤيا.

وجائز أن تكون الرؤيا في غير ذلك.

وقوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ ابتداء وعد وأمر من الله  ، وكذلك ما ذكر من قوله حيث قال: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ  ﴾ .

يحتمل ما ذكر في هذه الآية: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

ويحتمل غير هذا أيضاً، وقد أخبر أنه حققها وصدقها، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴾ .

يخبر أنهم يدخلون المسجد الحرام محلقين مقصرين.

ثم يخرج على وجهين: أحدهما: في إبتداء الإحرام، يخرج على التزين على ما يزين المحرم في ابتداء إحرامه من نحو التطيب واللباس والحلق والتقصير، ونحو ذلك، يخبر أنهم يدخلون على التزين في المسجد الحرام آمنين من الكفار، فإن كان على ذلك فهو على الثياب والطيب وغير ذلك.

وذكر أن النبي  كان معتمرا، فسميت تلك عمرة القضاء؛ حيث منع في عام الحديبية وكان معتمرا [فسميت] تلك عمرة وإن حاجا فيكون قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ بعد رجوعهم من منى إلى طواف الزيارة في ذلك الوقت يكونون محلقين مقصرين، والله أعلم.

فإن قيل: ما الحكمة في أمره رسوله  بالخروج للحج عام الحديبية على علم منه أنه لا يصل إلى مكة وأنه يحال بينه وبين دخول مكة وقضاء النسك، ولا يحتمل إلى ذلك إلا بأمر من الله  ، ليس هو كغيره من الناس أنهم يفعلون أفعالا بلا أمر، ثم يمنعون أو ينهون عن ذلك، فأما رسول الله  فلا يفعل شيئاً إلا عن أمر منه له بذلك.

قيل: يحتمل إنما أمر بذلك مع علمه بأنهم يمنعون عن ذلك؛ تعليما منه رسوله وأمته حكم الإحصار: أن من حصر عن الحج، ومنع عن دخول مكة؛ لقضاء النسك، ماذا يلزمه؟

وبم يخرج منه؟

ولله  أن يعلم خلقه أحكام شريعته مرة بأمر يأمرهم بذلك، أو بخبر يخبرهم، ومرة بفعل النبي  يمتحنهم بما شاء، له الحكم والأمر في الخلق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَخَافُونَ ﴾ .

أي: تدخلون مكة آمنين، لا تخافون عدوكم، ولا منعهم إياكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ .

هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: علم ما وعد لكم من فتح خيبر وغنائمه ما لم تعلموا.

ويحتمل: أي: علم ما أرى وصوله  من الرؤيا وتحقيقها ما لم تعلموا.

ويحتمل: أي: علم في رجوعكم عن الحديبية أشياء لم تعلموها أنتم من إظهار ما أظهر من نفاق أهل النفاق فيهم، وأهل الاضطراب من المحققين والمصدقين وغير ذلك، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  - في قوله  : ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ يقول: إن ذلك الدخول أي سنة؟

ولم تعلموا أنتم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ .

قال بعضهم: جعل من قبل أن يدخلوا مكة ﴿ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ ، أي: عاجلا فتح خيبر، والله أعلم.

وقول أهل التأويل: إنه اشتد على الناس رجوعهم من الحديبية وصدهم المشركون عما قصدوا، بعدما أخبرهم الرسول  أنه رأى في المنام أنهم يدخلون على ما وقع عندهم أن رؤيا الأنبياء - عليهم السلام - حق كالوحي.

لكن هذا لا يحتمل من المسلمين ما يحتمل من المنافقين على ما ذكر أنهم قالوا حين أخبر رسول الله  بالحديبية أن الرؤيا [كذب] أو كلام نحوه؛ فكل هذا يحتمل من المنافقين، فأما من المسلمين فلا يحتمل أن يقع في قلوبهم شيء من ذلك؛ لما لم يكن في الآية بيان ولا توقيت أنهم متى يدخلون؟

بل فيها الوعد بالدخول ليس فيها أنه متى؟

ألا ترى أن يوسف -  - رأى رؤيا وخرجت بعد أربعين سنة أو أقل أو أكثر؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يخفى عليهم إذا لم يكن في الوعد توقيت أنه يجوز أن يتأخر أو يتقدم، والله أعلم.

ثم فيما ذكرنا من أمر الحديبية وصد المشركين إياهم عن دخول مكة والحيلولة بينهم وبين ما قصدوا - أنه لا يحتمل أن يخرج رسول الله  ؛ لقصد الحج وزيارة البيت مع أصحابه بلا أمر منه بذلك؛ لما ذكرنا، ثم إن ثبت له الأمر بذلك على علم من الله  أنه لا يصل إلى تحصيل المأمور به وما قصدوا من دخول مكة زائرين، وما يكون من المشركين من المنع لهم والصد عن ذلك، وما أرادوا تحصيل ما أمرهم بذلك، فهذا دليل على أن الله  قد يأمرهم ويريد غير الذي أمر به، وأنه يريد ما علم أنه يكون منهم الذي أمر به، وهو كما أمر إبراهيم  بذبح ولده، ثم كان حقيقة المراد بالأمر بذبح الولد ذبح الشاه والكبش؛ دل أن الأمر بالشيء لا يدل على أنه أراد الذي أمره به، بل يريد ما علم أنه يكون منهم من خلافه وضده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

أي: أرسله بالهدى من كل ضلال أو حيرة.

أو أرسله بالبيان من كل عمى وشبهة، وهو هذا القرآن الذي سماه مرة: هدى، ورحمة، ونورا، ونحو ذلك، وهو ما وصفه - عز وجل - أن من تمسك به يكون ما ذكر هدى من كل ضلالة وحيرة، ونورا من كل ظلمة، وبيانا من كل عمى وشبهة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

جائز أن يكون الحق هو نعت الدين وهو الإسلام، وهو الدين الحق، وسائر الأديان باطلة.

ويحتمل أن يكون قوله  : ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ ؛ أي: دين الإله الذي هو الإله الحق، وهو الإله المستحق الألوهية وغيره من الأديان دين الشيطان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

الإظهار: هو الغلبة، ثم تخرج غلبته على الدين كله على وجهين: أحدهما: أي: غلب هذا الدين على الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق، وأنه من عند الله جاء، وقد كان بحمد الله كما ذكر، حتى عرف أهل الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق إلا من كابر عقله وعاند الحق أو غفل عن دلائله، ولا قوة إلا بالله.

والثاني: يغلب على الأديان كلها، أي: يغلب على أهل الأديان كلهم حتى يصير أهل الإسلام ظاهرين غالبين من بين غيرهم، ويتوارى جميع أهل الأديان ويختفوا، ولكن ذلك في وقت دون وقت، وهو الوقت الذي ذكره بعض أهل التأويل، وهو في قوت خروج عيسى -  - يصير أهل الأديان كلهم أهل دين واحد وهو الإسلام.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، أي: يظهر ما يحتاج أهل هذا الدين كله وما حدث لهم من الحاجة - على الأديان كلها، بما ضمن في القرآن معاني تقع الكفاية بها في الحوادث كلها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ بأن ما جاء به سيدنا محمد  ، إنما جاء به من عند الله، فإن كان التأويل هذا، فإنما تكون هذه الشهادة في الآخرة.

والثاني: يحتمل قوله  : ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ بما أنشأه له من الآيات والحجج شهادة منه على رسالته وبنوبته، وذلك في الدنيا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إذ جعل الذين كفروا بالله ورسوله في قلوبهم الأَنَفة أَنَفة الجاهلية التي لا ترتبط بإحقاق الحق وإنما ترتبط بالهوى، فأنفوا من دخول رسول الله  عليهم عام الحديبية؛ خوفًا من تعييرهم بأنه غلبهم عليها، فأنزل الله الطمأنينة من عنده على رسوله وأنزلها على المؤمنين، فلم يؤذ بهم الغضب إلى مقابلة المشركين بمثل فعلهم، وألزم الله المؤمنين كلمة الحق وهي لا إله إلا الله، وأن يقوموا بحقها فقاموا به، وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من غيرهم، وكانوا أهلها المستأهلين لها لما علم الله في قلوبهم من الخير، وكان الله بكل شيء عليمًا، لا يخفى عليه شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.3qnDp"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله