الإسلام > القرآن > سور > سورة 51 الذاريات > الآية ٥٦ من سورة الذاريات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 92 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٦ من سورة الذاريات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
ثم قال : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) أي : إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي ، لا لاحتياجي إليهم .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( إلا ليعبدون ) أي : إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها وهذا اختيار ابن جرير .
وقال ابن جريج : إلا ليعرفون .
وقال الربيع بن أنس : ( إلا ليعبدون ) أي : إلا للعبادة .
وقال السدي : من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع ، ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) [ لقمان : 25 ] هذا منهم عبادة ، وليس ينفعهم مع الشرك .
وقال الضحاك : المراد بذلك المؤمنون .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (56) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: وما خلقت السُّعداء من الجنّ والإنس إلا لعبادتي, والأشقياء منهم لمعصيتي.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن ابن جُرَيج, عن زيد بن أسلم ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) قال: ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا سفيان, عن ابن جُرَيج, عن زيد بن أسلم بنحوه.
حدثني عبد الأعلى بن واصل, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا سفيان, عن ابن جُرَيج, عن زيد بن أسلم, بمثله.
حدثنا حُمَيد بن الربيع الخراز, قال: ثنا ابن يمان, قال: ثنا ابن جُرَيج, عن زيد بن أسلم, في قوله ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) قال: جَبَلَهم على الشقاء والسعادة.
حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) قال: من خلق للعبادة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك.
وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليذعنوا لي بالعبودة.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) : إلا ليقروا بالعبودة طوعا وكَرها.
وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرنا عن ابن عباس, وهو: ما خلقت الجنّ والإنس إلا لعبادتنا, والتذلل لأمرنا.
فإن قال قائل: فكيف كفروا وقد خلقهم للتذلل لأمره؟
قيل: إنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم, لأن قضاءه جار عليهم, لا يقدرون من الامتناع منه إذا نـزل بهم, وإنما خالفه من كفر به في العمل بما أمره به, فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه.
قوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون قيل : إن هذا خاص فيمن سبق في علم الله أنه يعبده ، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص .
والمعنى : وما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلا ليوحدون .
قال القشيري : والآية دخلها التخصيص على القطع ; لأن المجانين والصبيان ما أمروا بالعبادة حتى يقال أراد منهم العبادة ، وقد قال الله تعالى : [ ص: 52 ] ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة ، فالآية محمولة على المؤمنين منهم ; وهو كقوله تعالى : قالت الأعراب آمنا وإنما قال فريق منهم .
ذكره الضحاك والكلبي والفراء والقتبي .
وفي قراءة عبد الله : " وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون " وقال علي رضي الله عنه : أي وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة .
واعتمد الزجاج على هذا القول ، ويدل عليه قوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا .
فإن قيل : كيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلل لأمره ومشيئته ؟
قيل : قد تذللوا لقضائه عليهم ; لأن قضاءه جار عليهم لا يقدرون على الامتناع منه ، وإنما خالفهم من كفر في العمل بما أمره به ، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه .
وقيل : إلا ليعبدون أي إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها ; رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .
فالكره ما يرى فيهم من أثر الصنعة .
مجاهد : إلا ليعرفوني .
الثعلبي : وهذا قول حسن ; لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده .
ودليل هذا التأويل قوله تعالى : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم وما أشبه هذا من الآيات .
وعن مجاهد أيضا : إلا لآمرهم وأنهاهم .
زيد بن أسلم : هو ما جبلوا عليه من الشقوة والسعادة ; فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة ، وخلق الأشقياء منهم للمعصية .
وعن الكلبي أيضا : إلا ليوحدون ، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء ، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء ; يدل عليه قوله تعالى : وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين الآية .
وقال عكرمة : إلا ليعبدون ويطيعون فأثيب العابد وأعاقب الجاحد .
وقيل : المعنى إلا لأستعبدهم .
والمعنى متقارب ; تقول : عبد بين العبودة والعبودية ، وأصل العبودية الخضوع والذل .
والتعبيد التذليل ; يقال : طريق معبد .
قال طرفة بن العبد :وظيفا وظيفا فوق مور معبدوالتعبيد الاستعباد وهو أن يتخذه عبدا .
وكذلك الاعتباد .
والعبادة الطاعة ، والتعبد التنسك .
فمعنى ليعبدون ليذلوا ويخضعوا ويعبدوا .
هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم.
( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) قال الكلبي والضحاك وسفيان : هذا خاص لأهل طاعته من الفريقين ، يدل عليه قراءة ابن عباس : " وما خلقت الجن والإنس - من المؤمنين - إلا ليعبدون " ، ثم قال في أخرى : " ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس " ، ( الأعراف - 79 ) .
وقال بعضهم : وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي ، والأشقياء منهم إلا لمعصيتي ، وهذا معنى قول زيد بن أسلم ، قال : هو على ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة .
وقال علي بن أبي طالب : " إلا ليعبدون " أي إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي ، يؤيده قوله - عز وجل - : " وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا " .
( التوبة - 31 ) .
وقال مجاهد : إلا ليعرفوني .
وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده ، دليله : قوله تعالى : " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " ( الزخرف - 87 ) .
وقيل : معناه إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا ، ومعنى العبادة في اللغة : التذلل والانقياد ، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله ، متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق عليه .
وقيل : " إلا ليعبدون " إلا ليوحدوني ، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء ، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء ، بيانه قوله - عز وجل - : " فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين " .
( العنكبوت - 65 ) .
«وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» ولا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين، لأن الغاية لا يلزم وجودها كما في قولك: بريت هذا القلم لأكتب به، فإنك قد لا تكتب به.
وما خلقت الجن والإنس وبعثت جميع الرسل إلا لغاية سامية، هي عبادتي وحدي دون مَن سواي.
ثم بين - سبحانه - الوظيفة التى من أجلها أوجد الله - تعالى - الجن والإنس فقال : ( وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) .وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال منها : أن معناها : إنى ما أوجدت الجن والإنس إلا وهم مهيئون لعبادتى وطاعتى .
بسبب ما ركبت فيهم من عقول تعقل ، وبسبب ما أرسلت إليهم من رسل يهدونهم إلى الخير ، فمنهم من أطاع الرسل ، وجرى ما مقتضى ما تقتضيه الفطرة ، فآمن بالرسل ، واتبع الحق والرشد ، ففاز وسعد ، ومنهم من أعرض عن دعوة الرسل ، وعاند فطرته وموجب استعداده فخسر وخاب .ومنهم من يرى أن معناها : إنى ما خلقت الجن والإنس إلا ليقروا لى بالعبودية طوعا أو كرها ، لأن المؤمن يطيع باختياره ، والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه ، كما فى قوله - تعالى - :( وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً ) ومنهم من يرى معناها : إنى ما خلقت الجن والإنس إلا ليعرفونى .قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) قيل : إن هذا خاص فيمن سبق فى علم الله أنه يعبده .
فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص .
.
.
فالآية فى المؤمنين منهم .وقال على - رضى الله عنه - : أى : وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتى قال - تعالى - ( وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين حُنَفَآءَ ) وقيل : ( إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) أى : إلا ليقروا لى بالعبادة طوعا أو كرها .ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال هو ما أشرنا إليه أولا ، من أن معنى الآية الكريمة ، أن الله - تعالى - قد خلق الثقلين لعبادته وطاعته ، ولكن منهم من أطاعة - سبحانه - ، ومنهم من عصاه .
لاستحواذ الشيطان عليه .قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر جملة من الأقوال : ومعنى الآية أنه - تعالى - خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له ، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء ، ومن عصاه عذبه أشد العذاب .وفى الحديث القدسى : قال الله - عز وجل - " يا بن آدم ، تفرغ لعبادتى أملأ صدرك غنى ، وأسد فقرك ، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ، ولم أسد فقرك .
.
" .وفى بعض الكتب الإلهية .
يقول الله - تعالى - " يابن آدم ، خلقتك لعبادتى فلا تلعب ، وتكفلت برزقك فلا تتعب ، فاطلبنى تجدنى .
فإن وجدتنى وجدت كل شىء ، وإن فتك فاتك كل شىء ، وأنا أحب إليك من كل شىء " .
وهذه الآية فيها فوائد كثيرة، ولنذكرها على وجه الاستقصاء، فنقول أما تعلقها بما قبلها فلوجوه: أحدها: أنه تعالى لما قال: ﴿ وَذَكَرَ ﴾ يعني أقصى غاية التذكير وهو أن الخلق ليس إلا للعبادة، فالمقصود من إيجاد الإنسان العبادة فذكرهم به وأعلمهم أن كل ما عداه تضييع للزمان الثاني: هو أنا ذكرنا مراراً أن شغل الأنبياء منحصر في أمرين عبادة الله وهداية الخلق، فلما قال تعالى: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ ﴾ بين أن الهداية قد تسقط عند اليأس وعدم المهتدي، وأما العبادة فهي لازمة والخلق المطلق لها وليس الخلق المطلق للهداية، فما أنت بملوم إذا أتيت بالعبادة التي هي أصل إذا تركت الهداية بعد بذل الجهد فيها الثالث: هو أنه لما بيّن حال من قبله من التكذيب، ذكر هذه الآية ليبين سوء صنيعهم حيث تركوا عبادة الله فما كان خلقهم إلا للعبادة، وأما التفسير ففيه مسائل: المسألة الأولى: الملائكة أيضاً من أصناف المكلفين ولم يذكرهم الله مع أن المنفعة الكبرى في إيجاده لهم هي العبادة ولهذا قال: ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴾ وقال تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ فما الحكمة فيه؟
نقول: الجواب عنه من وجوه: الأول: قد ذكرنا في بعض الوجوه أن تعلق الآية بما قبلها بيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما خلقوا له، وهذا مختص بالجن والإنس لأن الكفر في الجن أكثر، والكافر منهم أكثر من المؤمن لما بينا أن المقصود بيان قبحهم وسوء صنيعهم الثاني: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن، فلما قال وذكرهم ما يذكر به وهو كون الخلق للعبادة خص أمته بالذكر أي ذكر الجن والإنس الثالث: أن عباد الأصنام كانوا يقولون بأن الله تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين فهم يعبدون الله وخلقهم لعبادته ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة الله فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله، فقال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلماً بين القوم فذكر المتنازع فيه الرابع: قيل الجن يتناول الملائكة لأن الجن أصله من الاستتار وهم مستترون عن الخلق، وعلى هذا فتقديم الجن لدخول الملائكة فيهم وكونهم أكثر عبادة وأخصلها الخامس: قال بعض الناس كلما ذكر الله الخلق كان فيه التقدير في الجرم والزمان قال تعالى: ﴿ خُلِقَ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ وقال تعالى: ﴿ خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ﴾ وقال: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ﴾ إلى غير ذلك، وما لم يكن ذكره بلفظ الأمر قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ وقال: ﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى ﴾ وقال تعالى: ﴿ أَلاَ لَهُ الخلق والأمر ﴾ والملائكة كالأرواح من عالم الأمر أوجدهم من غير مرور زمان فقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ﴾ إشارة إلى من هو من عالم الخلق فلا يدخل فيه الملائكة، وهو باطل لقوله تعالى: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ فالملك من عالم الخلق.
المسألة الثانية: تقديم الجن على الإنس لأية حكمة؟
نقول فيه وجوه: الأول: بعضها مر في المسألة الأولى الثاني: هو أن العبادة سرية وجهرية، وللسرية فضل على الجهرية لكن عبادة الجن سرية لا يدخلها الرياء العظيم، وأما عبادة الإنس فيدخلها الرياء فإنه قد يعبد الله لأبناء جنسه، وقد يعبد الله ليستخبر من الجن أو مخافة منهم ولا كذلك الجن.
المسألة الثالثة: فعل الله تعالى ليس لغرض وإلا لكان بالغرض مستكملاً وهو في نفسه كامل فكيف يفهم لأمر الله الغرض والعلة؟
نقول المعتزلة تمسكوا به، وقالوا أفعال الله تعالى لأغراض وبالغوا في الإنكار على منكري ذلك، ونحن نقول فيه وجوه: الأول: أن التعليل لفظي ومعنوي، واللفظي ما يطلق الناظر إليه اللفظ عليه وإن لم يكن له في الحقيقة، مثاله إذا خرج ملك من بلاده ودخل بلاد العدو وكان في قلبه أن يتعب عسكر نفسه لا غير، ففي المعنى المقصود ذلك، وفي اللفظ لا يصح ولو قال هو أنا ما سافرت إلا لابتغاء أجر أو لأستفيد حسنة يقال هذا ليس بشيء ولا يصح عليه، ولو قال قائل في مثل هذه الصورة خرج ليأخذ بلاد العدو وليرهبه لصدق، فالتعليل اللفظي هو جعل المنفعة المعتبرة علة للفعل الذي فيه المنفعة، يقال إتجر للربح، وإن لم يكن في الحقيقة له، إذا عرفت هذا، فنقول الحقائق غير معلومة عند الناس، والمفهوم من النصوص معانيها اللفظية لكن الشيء إذا كان فيه منفعة يصح التعليل بها لفظاً والنزاع في الحقيقة في اللفظ الثاني: هو أن ذلك تقدير كالتمني والترجي في كلام الله تعالى وكأنه يقول العبادة عند الخلق شيء لو كان ذلك من أفعالكم لقلتم إنه لها، كما قلنا في قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ﴾ أي بحيث يصير تذكرة عندكم مرجواً وقوله: ﴿ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ أي يصير إهلاكه عندكم مرجواً تقولون إنه قرب الثاني: هو أن اللام قد تثبت فيما لا يصح غرضاً كما في الوقت قال تعالى: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ والمراد المقارنة، وكذلك في جميع الصور، وحينئذ يكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي بفرض العبادة أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، والذي يدل على عدم جواز التعليل الحقيقي هو أن الله تعالى مستغن عن المنافع فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره، لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل فيكون توسط ذلك لا ليكون علة، وإذا لزم القول بأن الله تعالى يفعل فعلاً هو لمتوسط لا لعلة لزمهم المسألة، وأما النصوص فأكثر من أن تعد وهي على أنواع، منها ما يدل على أن الإضلال بفعل الله كقوله تعالى: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَاء ﴾ وأمثاله ومنها ما يدل على أن الأشياء كلها بخلق الله كقوله تعالى: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ ومنها الصرايح التي تدل على عدم ذلك، كقوله تعالى: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاء ﴾ ﴿ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ والاستقصاء مفوض فيه إلى المتكلم الأصولي لا إلى المفسر.
المسألة الرابعة: قال تعالى: ﴿ يا أيها الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَائِلَ لتعارفوا ﴾ وقال: ﴿ لِيَعْبُدُونِ ﴾ فهل بينها اختلاف؟
نقول ليس كذلك فإن الله تعالى علل جعلهم شعوباً بالتعارف، وهاهنا علل خلقهم بالعبادة وقوله هناك ﴿ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم ﴾ دليل على ما ذكره هاهنا وموافق له، لأنه إذا كان أتقى كان أعبد وأخلص عملاً، فيكون المطلوب منه أتم في الوجود فيكون أكرم وأعز، كالشيء الذي منفعته فائدة، وبعض أفراده يكون أنفع في تلك الفائدة، مثاله الماء إذا كان مخلوقاً للتطهير والشرب فالصافي منه أكثر فائدة في تلك المنفعة فيكون أشرف من ماء آخر، فكذلك العبد الذي وجد فيه ما هو المطلوب منه على وجه أبلغ.
المسألة الخامسة: ما العبادة التي خلق الجن والإنس لها؟
قلنا: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، فإن هذين النوعين لم يخل شرع منهما، وأما خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها بالوضع والهيئة والقلة والكثرة والزمان والمكان والشرائط والأركان، ولما كان التعظيم اللائق بذي الجلال والإكرام لا يعلم عقلاً لزم اتباع الشرائع فيها والأخذ بقول الرسل عليهم السلام فقد أنعم الله على عباده بإرسال الرسل وإيضاح السبل في نوعي العبادة، وقيل إن معناه ليعرفوني، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن ربه كنت كنزاً مخفياً فأردت أن أعرف.
<div class="verse-tafsir"
أي: وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها.
فإن قلت: لو كان مريداً للعبادة منهم لكانوا كلهم عباداً؟
قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها، لأنه خلقهم ممكنين، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريداً لها، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ لَمّا خَلَقَهم عَلى صُورَةٍ مُتَوَجِّهَةٍ إلى العِبادَةِ مُغَلِّبَةٍ لَها، جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها مُبالَغَةً في ذَلِكَ، ولَوْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ مَعَ أنَّ الدَّلِيلَ يَمْنَعُهُ لَنا في ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ وقِيلَ: مَعْناهُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِالعِبادَةِ أوْ لِيَكُونُوا عِبادًا لِي.
﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ أيْ ما أُرِيدُ أنْ أصْرِفَكم في تَحْصِيلِ رِزْقِي فاشْتَغِلُوا بِما أنْتُمْ كالمَخْلُوقِينَ لَهُ والمَأْمُورِينَ بِهِ، والمُرادُ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ شَأْنَهُ مَعَ عِبادِهِ لَيْسَ شَأْنَ السّادَةِ مَعَ عَبِيدِهِمْ، فَإنَّهم إنَّما يَمْلِكُونَهم لِيَسْتَعِينُوا بِهِمْ في تَحْصِيلِ مَعايِشِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقَدَّرَ بِقُلْ فَيَكُونُ بِمَعْنى قَوْلِهِ: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا.
﴿ إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ﴾ الَّذِي يَرْزُقُ كُلَّ ما يَفْتَقِرُ إلى الرِّزْقِ، وفِيهِ إيماءٌ بِاسْتِغْنائِهِ عَنْهُ، وقُرِئَ «إنِّي أنا الرَّزّاقُ» ﴿ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ ﴾ شَدِيدُ القُوَّةِ، وقُرِئَ «المَتِينِ» بِالجَرِّ صِفَةً لِ القُوَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} العبادة إن حملت على حقيقتها فلا تكون الآية عامة بل المراد بها المؤمنون من الفريقين دليلة لاسياق أعني وَذَكّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين وقراءة ابن عباس رضى الله عنهما وما خلقت الجن والانس من لمؤمنين وهذا لأنه لا يجوز أن يخلق الذين علم منهم أنهم لا يؤمنون للعبادة لأنه إذا خلقهم للعبادة وأراد منهم العبادة فلا بد ان توجد منه فإذا لم يؤمنوا علم أنه خلقهم لجهنم كما قال وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس وقيل إلا لآمرهم بالعبادة وهو منقول عن على رضى الله عنه وقيل الا ليكونوا عباد الى والوجه أن تحمل العبادة على التوحيد فقد قال ابن عباس رضى الله عنهما كل عبادة في القرآن فهي توحيد والكل يوحدونه في الآخرة لما عرف ان الكفار وكلهم مؤمنون موحدون في الآخرة دليلة قوله ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا ما كُنَّا مشركين نعم قد اشرك البعض في الدنيا لكن مدة الدنيا بالإضافة إلى الأبد أقل من يوم ومن اشترى غلاما وقال ما اششتريته إلا للكتابة كان صادقاً في قوله ما اشتريته إلا
للكتابة وإن استعمله في يوم من عمره لعمل آخر
﴿ وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِلْأمْرِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ تَعْلِيلِهِ فَإنَّ خَلْقَهم لِما ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا يَدْعُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى تَذْكِيرِهِمْ ويُوجِبُ عَلَيْهِمُ التَّذَكُّرَ والِاتِّعاظَ، ولَعَلَّ تَقْدِيمالجِنِّ في الذِّكْرِ لِتَقَدُّمِ خَلْقِهِمْ عَلى خَلْقِ الإنْسِ في الوُجُودِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مَن يُقابَلُونَ بِهِمْ وبِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرْ هَؤُلاءِ قِيلَ: لِأنَّ الأمْرَ فِيهِمْ مُسْلَّمٌ، أوْ لِأنَّ الآيَةَ سِيقَتْ لِبَيانِ صَنِيعِ المُكَذِّبِينَ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى وقَدْ خُلِقُوا لَها وهَذا التَّرْكُ مِمّا لا يَكُونُ فِيهِمْ بَلْ هم عِبادٌ مُكَرَّمُونَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ فَلَيْسَ ذِكْرُهم في هَذا الحُكْمِ مِمّا يَدْعُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى تَذْكِيرِهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأصَحَّ عُمُومُ البِعْثَةِ فالأُولى ما قِيلَ بَدَلُهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّذْكِيرِ والمَوْعِظَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالجِنِّ ما يَتَناوَلُهم لِأنَّهُ مِنَ الِاسْتِتارِ وهم مُسْتَتِرُونَ عَنِ الإنْسِ، وقِيلَ: لا يَصِحُ ذِكْرُهم في حَيْزِ الخَلْقِ لِأنَّهم كالأرْواحِ مِن عالَمِ الأمْرِ المُقابِلِ لِعالَمِ الخَلْقِ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ﴾ وُرِدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( خالِقُ كُلِ شَيْءٍ ) [الأنْعامَ: 102، الرَّعْدُ: 16، الزَّمْرُ: 62، غافِرُ: 62] و ﴿ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ﴾ لَيْسَ كَما ظُنَّ والعِبادَةُ غايَةُ التَّذَلُّلِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها ما كانَتْ بِالِاخْتِيارِ دُونَ الَّتِي بِالتَّسْخِيرِ الثّابِتَةِ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ وهي الدَّلالَةُ المُنَبِّهَةُ عَلى كَوْنِها مَخْلُوقَةً وأنَّها خَلْقُ فاعِلٍ حَكِيمٍ، ويُعَبَّرُ عَنْها بِالسُّجُودِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ وألْ في الجِنِّ والإنْسِ عَلى المَشْهُورِ لِلِاسْتِغْراقِ، واللّامُ قِيلَ: لِلْغايَةِ والعِبادَةِ وإنْ لَمْ تَكُنْ غايَةً مَطْلُوبَةً مِنَ الخَلْقِ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَخْلُقَ الجِنَّ والإنْسَ لِأجْلِها أيْ لِإرادَتِها مِنهم إذْ لَوْ أرادَها سُبْحانَهُ مِنهم لَمْ يَتَخَلَّفْ ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ لِلْمُرادِ كَما بَيْنَ في الأُصُولِ مَعَ أنَّ التَّخَلُّفَ بِالمُشاهَدَةِ، وأيْضًا ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ يَدُلُّ عَلى إرادَةِ المَعاصِي مِنَ الكَثِيرِ لِيُسْتُحِقُّوا بِها جَهَنَّمَ فَيُنافِي إرادَةَ العِبادَةِ لَكِنْ لَمّا كانَ خَلْقُهم عَلى حالَةٍ صالِحَةٍ لِلْعِبادَةِ مُسْتَعِدَّةً لَها حَيْثُ رَكَّبَ سُبْحانَهُ فِيهِمْ عُقُولًا وجَعَلَ لَهم حَواسَّ ظاهِرَةً وباطِنَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الِاسْتِعْدادِ جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيّا بِها مُبالَغَةً بِتَشْبِيهِ المُعَدَّ لَهُ الشَّيْءَ بِالغايَةِ ومِثْلُهُ شائِعٌ في العُرْفِ، ألّا تَراهم يَقُولُونَ ( لِلْقَوِيِّ ) جِسْمَهُ: هو مَخْلُوقٌ لِلْمُصارَعَةِ، ولِلْبَقَرِ: هي مَخْلُوقَةٌ لِلْحَرْثِ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى تَنْساقُ إلى الغاياتِ الكَمالِيَّةِ واللّامُ فِيها مَوْضُوعُها ذَلِكَ، وأُمًّا الإرادَةُ فَلَيْسَتْ مِن مُقْتَضى اللّامِ إلّا إذا عُلِمَ أنَّ الباعِثَ مَطْلُوبٌ في نَفْسِهِ وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ فَإنَّهم خُلِقُوا بِحَيْثُ يَتَأتّى مِنهُمُ العِبادَةُ وهُدُوا إلَيْها وجُعِلَتْ تِلْكَ غايَةً كَمالِيَّةً لِخَلْقِهِمْ، ( وتُعَوَّقُ ) بَعْضَهم عَنِ الوُصُولِ إلَيْها لا يَمْنَعُ كَوْنَ الغايَةِ غايَةً، وهَذا مَعْنى مَكْشُوفٌ انْتَهى.
فَتَأمَّلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِبادَةِ التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ بِالتَّسْخِيرِ، وظاهِرُ أنَّ الكُلَّ عابِدُونَ إيّاهُ تَعالى بِذَلِكَ المَعْنى لا فَرْقَ بَيْنَ مُؤْمِنٍ، وكافِرٍ، وبَرٍّ، وفاجِرٍ، ونَحْوِهِ ما قِيلَ: المَعْنى ما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَذِلُّوا لِقَضائِي، وقِيلَ: المَعْنى ما خَلَقْتُهم إلّا لِيَكُونُوا عِبادًا لِي، ويُرادُ بِالعَبْدِ العَبْدُ بِالإيجادِ وعُمُومِ الوَصْفِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ عَبْدًا بِمَعْنى صارَ عَبْدًا لَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ في شَيْءٍ، وقِيلَ: العِبادَةُ بِمَعْنى التَّوْحِيدِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ كُلَّ عِبادَةٍ في القُرْآنِ فَهو تَوْحِيدٌ فالكُلُّ يُوَحِّدُونَهُ تَعالى في الآخِرَةِ أمّا تَوْحِيدُ المُؤْمِنِ في الدُّنْيا هُناكَ فَظاهَرٌ، وأمّا تَوْحِيدُ المُشْرِكِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: لا يَدْخُلُ النّارَ كافِرٌ، أوِ المُرادُ كَما قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ يُوَحِّدُهُ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ والكافِرَ يُوَحِّدُهُ سُبْحانَهُ في الشِّدَّةِ والبَلاءِ دُونَ النِّعْمَةِ والرَّخاءِ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ ولا يَخْفى بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الظّاهِرِ والسِّياقِ، ونُقِلَ عَنْ عَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما خَلَقْتُهم إلّا لِآمُرَهم وأدْعُوهم لِلْعِبادَةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ فَذَكَرَ العِبادَةَ المُسَبِّبَةَ شَرْعًا عَنِ الأمْرِ أوِ اللّازِمَةَ لَهُ، وأُرِيدَ سَبَبُها أوْ مَلْزُومُها فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أمْرَ كُلٍّ مِن أفْرادِ الجِنِّ وكُلٍّ مِن أفْرادِ الإنْسِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ لا سِيَّما إذا كانَ غَيْرَ المُكَلَّفِينَ كالأطْفالِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ قَبْلَ زَمانِ التَّكْلِيفِ داخِلِينَ في العُمُومِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ مَعْنى ﴿ لِيَعْبُدُونِ ﴾ لِيَعْرِفُونِ وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ أيْضًا مِن إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ عَلى ما في الإرْشادِ، ولَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُعْتَبِرَ هي المَعْرِفَةُ الحاصِلَةُ بِعِبادَتِهِ تَعالى لا ما يَحْصُلُ بِغَيْرِها كَمَعْرِفَةِ الفَلاسِفَةِ قِيلَ: وهو حَسَنٌ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَخْلُقْهم عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُعْرَفْ وُجُودُهُ وتَوْحِيدُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ جاءَ ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِأُعْرَفَ»» وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَعْرِفَةَ الصَّحِيحَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ في كُلٍّ بَلْ بَعْضٍ قَدْ أنْكَرَ وُجُودَهُ عَزَّ وجَلَّ كالطَّبِيعِيِّينَ اليَوْمَ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ في تَوْجِيهِ التَّعْلِيلِ ثُمَّ الخَبَرِ بِهَذا اللَّفْظِ ذَكَرَهُ سَعْدُ الدِّينِ الفَرْغانِيُّ في مُنْتَهى المَدارِكِ، وذَكَرَ غَيْرُهُ كالشَّيْخِ الأكْبَرِ في البابِ المِائَةِ والثَّمانِيَةِ والتِّسْعِينَ مِنَ الفُتُوحاتِ بِلَفْظٍ آخَرٍ وتَعَقَّبَهُ الحُفّاظُ فَقالَ ابْنُ تَيْمِيَةِ: إنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يُعْرَفُ لَهُ سَنَدٌ صَحِيحٌ ولا ضَعِيفٌ، وكَذا قالَ الزَّرْكَشِيُّ والحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وغَيْرُهُما: ومَن يَرْوِيِهِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ مُعْتَرِفٌ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ نَقْلًا لَكِنْ يَقُولُ: إنَّهُ ثابِتٌ كَشْفًا، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ المَذْكُورِ، والتَّصْحِيحُ الكَشْفِيُّ شَنْشَنَةٌ لَهم، ومَعَ ذَلِكَ فِيهِ إشْكالُ مَعْنى إلّا أنَّهُ أُجِيبَ عَنْهُ ثَلاثَ أجْوِبَةٍ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: ألْ في ( الجِنَّ والإنْسَ ) لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ ذَرَأْنا ﴾ الآيَةُ أيْ بِناءٌ عَلى أنَّ اللّامَ فِيها لَيْسَتْ لِلْعاقِبَةِ، ونُسِبَ هَذا القَوْلُ لِزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وسُفْيانَ، وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى قِيلَ: ﴿ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ وأيَّدَهُ في البَحْرِ بِرِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ»» ورَواها بَعْضُهم قِراءَةً لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَها لِلْجِنْسِ، وقالَ: يَكْفِي في ثُبُوتِ الحُكْمِ لَهُ ثُبُوتُهُ لِبَعْضِ أفْرادِهِ وهو هُنا المُؤْمِنُونَ الطّائِعُونَ وهو في المَآلِ مُتَّحَدٌ مَعَ سابِقِهِ، ولا إشْكالَ عَلى ذَلِكَ في جَعْلِ اللّامِ لِلْغايَةِ المَطْلُوبَةِ حَقِيقَةً وكَذا في جَعْلِها لِلْغَرَضِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَعْلِيلَ أفْعالِهِ تَعالى بِالأغْراضِ مَعَ بَقاءِ الغِنى الذّاتِيِّ وعَدَمِ الِاسْتِكْمالِ بِالغَيْرِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ، والمُحْدَثُونَ - وقَدْ سَمِعْتُ أنَّ مِنهم مَن يُقَسِّمُ الإرادَةَ إلى شَرْعِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالطّاعاتِ وتَكْوِينِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالمَعاصِي وغَيْرِها، وعَلَيْهِ يُجَوَّزُ أنْ يُبْقى ( الجِنَّ والإنْسَ ) عَلى شُمُولِهِما لِلْعاصِينَ، ويُقالُ: إنَّ العِبادَةَ مُرادَّةٌ مِنهم أيْضًا لَكِنْ بِالإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ إلّا أنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَتْ هَذِهِ الإرادَةُ لا تَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ المُرادِ كالإرادَةِ التَّفْوِيضِيَّةِ القائِلُ بِها المُعْتَزِلَةُ.
هَذا وإذا أحَطْتَ خَبَرًا بِالأقْوالِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ هانَ عَلَيْكَ دَفْعُ ما يَتَراءى مِنَ المُنافاةِ بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ ﴿ إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الإشارَةِ إلى الِاخْتِلافِ بِالتِزامِ بَعْضُ هاتَيْكَ الأقْوالِ فِيها، ودَفَعَهُ بَعْضُهم يَكُونُ اللّامُ في تِلْكَ الآيَةِ لِلْعاقِبَةِ والَّذِي يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ أنَّ الحَصْرَ إضافِيٌّ أيْ خَلَقْتُهم لِلْعِبادَةِ دُونَ ضِدِّها أوْ دُونَ طَلَبِ الرِّزْقِ والإطْعامِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِهِمْ أخْذًا مِن تَعْقِيبِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
ثم قال: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يعني: فأعرض عنهم يا محمد، بعد ما بلغت الرسالة، وأعذرت، فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ يعني: لا تلام على ذلك، لأنك قد فعلت ما عليك وَذَكِّرْ يعني: عظ أصحابك بالقرآن فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين تنفعهم العظة.
ويقال: فعظ أهل مكة، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
يعني: من قدر لهم الإيمان.
ثم قال عز وجل: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني: ما خلقتهم، إلا أمرتهم بالعبادة، فلو أنهم خلقوا للعبادة لما عصوا طرفة عين.
وقال مجاهد: يعني: ما خلقتهم إلا لآمرهم، وأنهاهم.
ويقال: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني: إلا ليوحدون، وهم المؤمنون، وهم خلقوا للتوحيد والعبادة، وخلق بعضهم لجهنم، كما قال: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: 179] فقد خلق كل صنف للأمر، والنهي الذي يصلح له.
ثم قال: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ يعني: ما خلقتهم، لأن يرزقوا أنفسهم وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ يعني: لا أكلفهم أن يطعموا أحداً من خلقي.
وأصل هذا أن الخلق عباد الله، وعياله.
فمن أطعم عيال رجل ورزقهم، فقد رزقه إذا كان رزقهم عليه.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ يعني: الرَّزَّاقُ لجميع خلقه ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ يعني: ذُو الْقُوَّةِ على أعدائه، الشديد العقوبة لهم، والمتين في اللغة: الشديد القوي قرأَ الأعمش: ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ بكسر النون، جعله من نعت القوة.
وقراءة العامة بالضم، ومعناه: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ وهو ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.
قوله عز وجل: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: أشركوا وهم مشركو مكة ذَنُوباً يعني: نصيباً من العذاب مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ يعني: مثل نصيب أصحاب من عذاب الذين مضوا، وأصل الذنوب في اللغة هو الدلو الكبير، فكيف عنه، لأنه تتابع.
يعني: مثل عذاب الذين أهلكوا نحو قوم عاد، وثمود، وغيرهم.
فَلا يَسْتَعْجِلُونِ يعني: بالعذاب، لأن النضر بن الحارث كان يستعجل بالعذاب، فأمهله إلى يوم بدر، ثم قتل في ذلك اليوم، وصار إلى النار.
قوله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يعني: مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة.
والويل: الشدة من العذاب.
يقال: الويل وادٍ في جهنم.
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ: أَلاَ تَضُمُّ إلَيْهَا أُخْتَهَا؟
فَقَالَ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ، ارْزُقْنِي شَوْقَ الصَّادِقِينَ إلَى مَا شَوَّقْتَهُمْ إلَيْهِ» وفيه: «فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ، فَإذَا هو الخضر ع» ، انتهى مختصراً «١» .
وقوله تعالى: كَذلِكَ أي: سيرة الأمم كذلك قال عياض: فهذه الآية ونظائرها تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عزّاه الله- عز وجل- بما أخبر به عن الأُمَمِ السالفة ومقالها لأنبيائها، وأَنَّه ليس أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ ذلك، انتهى من «الشفا» .
وقوله سبحانه: أَتَواصَوْا بِهِ توقيف وتعجيب من توارد نفوس الكَفَرَةِ في تكذيب الأنبياء على تَفَرُّقِ أَزمانهم، أي: لم يتواصوا، لكنَّهُم فعلوا فعلاً كأَنَّهُ فعل مَنْ تواصى، والعِلَّةُ في ذلك أَنَّ جميعهم طاغٍ، والطاغي المستعلي في الأرض، المُفْسِدُ.
وقوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي: عنِ الحرص المُفْرِطِ عليهم، وذَهَابِ النفس حَسَرَاتٍ، ولستَ بملوم إذ قد بَلَّغْتَ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى: نافعة للمؤمنين، ولمن قضي له أن يكون منهم.
وقوله سبحانه: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قال ابن عباس وعليٌّ «٢» :
المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلاَّ لآمرهم بعبادتي، وليقرُّوا لي بالعبودِيَّةِ، وقال زيد بن أسلمَ»
وسفيان: هذا خاصٌّ، والمراد: ما خلقت الطائعين من الجن والإنس إلاَّ لعبادتي، ويؤَيِّدُ هذا التأويلَ أنّ ابن عبّاس روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أَنَّهُ قَرَأَ: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ» ، وقال ابن عباس أيضاً «٤» : معنى لِيَعْبُدُونِ: ليتذللوا لي ولقدرتي، وإنْ لم يكن ذلك على قوانينِ شرع، وعلى هذا التأويل فجميعهم من مؤمن
وكافر متذلّل لله عز وجل أَلاَ تراهم عند القحوط والأمراض وغيرِ ذلك كيف يخضعون للَّه ويتذللون؟!.
ت: قال الفخر «١» : فإنْ قيل: ما العبادة التي خلق اللَّه الجن والإنسَ لها؟
قلنا:
التعظيم لأمر اللَّه، والشفقةُ على خلق اللَّه فإنَّ هذين النوعينِ لم يَخْلُ شرعٌ منهما، وأَمَّا خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها: بالوضع والهيئة، والقِلَّةِ والكَثْرَةِ، والزَّمان والمكان، والشَّرَائِطِ والأركان، انتهى، ونقل الثعلبيُّ وغيره «٢» عن مجاهد: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي: ليعرفوني، قال صاحب «الكَلِمِ الفارقية» : المعرفة باللَّه تملأ القلبَ مَهَابَةً ومخافَةً، والعينَ عَبْرَةً وعِبْرةً وحياءً وخَجْلَةً، والصَّدْرَ خُشُوعاً وَحُرْمَةً، والجوارحَ استكانةً وذِلَّةً وطاعةً وخدمةً، واللسانَ ذكراً وحمداً، والسمعَ إصغاءً وتفهّما، والخواطر في مواقف المناجاة خموداً، والوساوِسَ اضمحلالاً، انتهى.
وقوله سبحانه: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ أي: أنْ يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم.
وقوله: أَنْ يُطْعِمُونِ أي: أنْ يطعموا خَلْقِيَ قاله ابن عباس «٣» ، ويحتمل أن يريد: / أن ينفعوني، والْمَتِينُ: الشديد.
ت: ورُوِّينَا في «كتاب التِّرْمِذِيِّ» عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: يَا بْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى، وأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإلاَّ تَفْعَلْ مَلأْتُ يَدَكَ شُغْلاً، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ» ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ورُوِّينَا فيه عن أنس قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهْ شَمْلَهُ، وأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، جَعَل اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ» «٤» انتهى.
وقوله سبحانه: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا: يريد أهل مكّة، والذّنوب: الحظّ والنصيب،
وأصله من الدَّلْوِ وذلك أَنَّ الذَّنُوبَ هو مِلْءُ الدَّلْوِ من الماء، وكذا قال أبو حيان «١» :
ذَنُوباً، أي: نصيبا، انتهى، وأَصْحابِهِمْ: يُرَادُ بهم مَنْ تقدم من الأمم المُعَذَّبَةِ، وباقي الآية وعيد بيّن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَواصَوْا بِهِ ﴾ أيْ: أوْصى أوَّلُهم آخِرَهم بِالتَّكْذِيبِ؟!
وهَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أتَواطَؤُوا عَلَيْهِ فَأخَذَهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُمُ الطُّغْيانُ فِيما أُعْطُوا مِنَ الدُّنْيا عَلى التَّكْذِيبِ؛ والمُشارُ إلَيْهِمْ أهْلُ مَكَّةَ.
﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ فَقَدْ بَلَّغْتَهم ﴿ فَما أنْتَ ﴾ عَلَيْهِمْ ﴿ بِمَلُومٍ ﴾ لِأنَّكَ قَدْ أدَّيْتَ الرِّسالَةَ.
ومَذْهَبُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، ولَهم في ناسِخِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ والثّانِي: آيَةُ السَّيْفِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَذَكِّرْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عِظْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: ذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ وعَذابِهِ ورَحْمَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ أثْبَتَ الياءَ في "يَعْبُدُونِ" و"يُطْعِمُونِ" و"لا يَسْتَعْجِلُونَ" في الحالَيْنِ يَعْقُوبٌ.
واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: إلّا لِآمُرَهم أنْ يَعْبُدُونِي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: إلّا لِيُقِرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ طَوْعًا وكَرْهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وبَيانُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ .
والثّالِثُ: أنَّهُ خاصٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: ما خَلَقْتُ مَن يَعْبُدُنِي إلّا لِيَعْبُدَنِي.
وقالَ الضَّحّاكُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا خاصٌّ لِأهْلِ طاعَتِهِ، وهَذا اخْتِيارُ القاضِي أبِي يَعْلى فَإنَّهُ قالَ: مَعْنى هَذا الخُصُوصُ لا العُمُومُ، لِأنَّ البُلْهَ والأطْفالَ والمَجانِينَ لا يَدْخُلُونَ تَحْتَ الخِطابِ وإنْ كانُوا مِنَ الإنْسِ، فَكَذَلِكَ الكَفّارُ يَخْرُجُونَ مِن هَذا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ ، فَمَن خُلِقَ لِلشَّقاءِ ولِجَهَنَّمَ، لَمْ يُخْلَقْ لِلْعِبادَةِ.
والرّابِعُ: إلّا لِيَخْضَعُوا إلَيَّ ويَتَذَلَّلُوا.
ومَعْنى العِبادَةِ في اللُّغَةِ: الذُّلُّ والِانْقِيادُ.
وكُلُّ الخَلْقِ خاضِعٌ ذَلِيلٌ لِقَضاءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَمْلِكُ خُرُوجًا عَمّا قَضاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، هَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ المَعانِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ ﴾ أيْ: ما أُرِيدُ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ أيْ: أنْ يُطْعِمُوا أحَدًا مِن خَلْقِي، لِأنِّي أنا الرَّزّاقُ.
وإنَّما أسْنَدَ الإطْعامَ إلى نَفْسِهِ، لِأنَّ الخَلْقَ عِيالُ اللَّهِ، ومَن أطْعَمَ عِيالَ أحَدٍ فَقَدْ أطْعَمَهُ.
وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: « "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ: يا ابْنَ آدَمَ: اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي"، أيْ: لَمْ تُطْعِمْ عَبْدِي.» فَأمّا "الرَّزّاقُ" فَقَرَأ الضَّحّاكُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "الرّازِقُ" بِوَزْنِ "العالِمِ" .
قالَ الخَطّابِيُّ: هو المُتَكَفِّلُ بِالرِّزْقِ القائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما يُقِيمُها مِن قُوتِها.
و ﴿ المَتِينُ ﴾ الشَّدِيدُ القُوَّةِ الَّذِي لا تَنْقَطِعُ قُوَّتُهُ ولا يَلْحَقُهُ في أفْعالِهِ مَشَقَّةٌ.
وقَدْ رَوى قُتَيْبَةَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ: "المَتِينِ" بِكَسْرِ النُّونِ وكَذا قَرَأ أبُو رَزِينٍ وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ، قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ ﴾ أيْ: ذُو الِاقْتِدارِ الشَّدِيدِ، ومَن رَفَعَ "المَتِينَ" فَهو صِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَن خَفَضَهُ جَعَلَهُ صِفَةً لِلْقُوَّةِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ القُوَّةِ كَتَأْنِيثِ المَوْعِظَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ (ذَنُوبًا) أيْ: نَصِيبًا مِنَ العَذابِ ﴿ مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ ﴾ الَّذِينَ أُهْلِكُوا، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: الذَّنُوبُ في كَلامِ العَرَبِ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَذْهَبُ بِها إلى النَّصِيبِ والحَظِّ، قالَ الشّاعِرُ: لَنا ذَنُوبٌ ولَكم ذَنُوبُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ والذَّنُوبُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أصْلُ الذَّنُوبِ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ، وكانُوا يَسْتَقُونَ، فَيَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ ذَنُوبٌ، فَجُعِلَ "الذَّنُوبُ" مَكانَ "الحَظِّ والنَّصِيبِ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ أيْ: بِالعَذابِ إنْ أُخِّرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَوْمُهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ، ويُقالُ: هو يَوْمُ بَدْرٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ ﴿ فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ ﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ ﴾ ﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أتَواصَوْا بِهِ" تَوْقِيفٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَوارُدِ نُفُوسِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ أزْمانِهِمْ، أيْ: إنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا لَكِنَّهم فَعَلُوا فِعْلًا كَأنَّهُ فِعْلُ مَن يَتَواصى، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنْ جَمِيعَهم طاغٍ، والطاغِي: المُسْتَعْلِي في الأرْضِ المُفْسِدُ العاتِي عَلى اللهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَوَلَّ عنهُمْ" أيْ: عَنِ الحِرْصِ المُفْرِطِ عَلَيْهِمْ وذَهابِ اليَقِينِ حَسَراتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: فَقَوْلٌ عَنِ التَعَبِ المُفْرِطِ في دُعائِهِمْ وضَمِّهِمْ إلى الإسْلامِ، فَلَسْتَ بِمُصَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ولَسْتَ بِمَلُومٍ إذْ قَدْ بَلَّغْتَ، فَنَحِّ نَفْسَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وذَكِّرْ فَقَطْ فَإنَّ الذِكْرى نافِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن قُضِيَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنهم في ثانِي حالٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ إلّا في مَعْنى المُوادَعَةِ الَّتِي فِيها: فَإنَّ آيَةَ السَيْفِ نَسَخَتْ جَمِيعَ المُوادَعاتِ، ورَوى قَتادَةُ -وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ - عن عَلِيٍّ رِضى الله تَعالى عنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ حَزِنَ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّهُ مَرَّ بِالتَوالِي عَنِ الجَمِيعِ وأنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فَسُّرُّوا بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ مَعَ إجْماعِ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ مِنَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَقَعَ الأمْرُ بِخِلافِ إرادَتِهِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: المَعْنى: ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِعِبادَتِي ولِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيَعْبُدُونِ"؛ إذِ العِبادَةُ هي مَضْمُونُ الأمْرِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ: المَعْنى خاصٌّ، والمُرادُ وما خَلَقْتُ الطائِعِينَ مِنَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِي، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَوى عَنِ النَبِيِّ «أنَّهُ قَرَأ: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعْنى "لِيَعْبُدُونِ"؛ لِيَتَذَلَّلُوا لِي ولِقُدْرَتِي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَجَمِيعُ الجِنِّ والإنْسِ عابِدٌ مُتَذَلِّلٌ، والكُفّارُ كَذَلِكَ، ألا تَراهم عِنْدَ القُحُوطِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ؟
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا مُعَدِّينَ لِيَعْبُدُونِي، وكَأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: خُلِقَتْ لَهم حَواسَّ وعُقُولًا وأجْسامًا مُنْقادَةً لِحَقِّ العِبادَةِ وهَذا كَما تَقُولُ: البَقَرُ مَخْلُوقٌ لِلْحَرْثِ، والخَيْلُ لِلْحَرْبِ، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما لا يَحْرُثُ وما لا يُحارِبُ بِهِ أصْلًا، فالمَعْنى أنَّ الإعْدادَ في خَلْقِ هَؤُلاءِ إنَّما هو لِلْعِبادَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهم تَكْسَّبَ صَرْفَ نَفْسِهِ عن ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزِعَ قَوْلُ النَبِيِّ : « "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"،» وقَوْلُهُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"...الحَدِيثُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رِزْقٍ" أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي، فَأُضِيفَ إلى الضَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْعامُ هُنا بِمَعْنى النَفْعِ عَلى العُمُومِ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ فُلانًا كَذا وكَذا طُعْمَةً، وأنْتَ قَدْ أعْطَيْتُهُ عَرَضًا أو بَلَدًا يُجِيبُهُ، ونَحْوُ هَذا، عَلى الجَمِيعِ.
وقَرَأ الجَمِيعُ: "إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ"، ورَوى أبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقَرَأنِي رَسُولُ اللهِ "إنِّي أنا الرَزّاقُ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "المَتِينُ" بِالرَفْعِ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أو صِفَةٌ لِـ "الرَزّاقُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "المَتِينِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "القُوَّةِ"، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ "القُوَّةِ" غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُو الأيْدِ والحَبْلِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ ﴾ ، وجَوَّزَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ خَفْضُ "المَتِينِ" عَلى الجَوازِ و" المَتِينُ": الشَدِيدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ، يُرِيدُ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ صُراحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَإنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا"، و"الذُنُوبُ": الحَظُّ والنَصِيبُ، وأصْلُهُ مِنَ الدَلْوِ، وذَلِكَ أنَّ الذُنُوبَ هو مِلْءُ الدَلْوِ مِنَ الماءِ، وقِيلَ: الذُنُوبُ: الدَلْوُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبٌ لَهُ ذُنُوبٌ ولَنا ذُنُوبُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وهُوَ السِجِلُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: وفي كُلِّ حَيٍّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذُنُوبُ فَرَوى أنَّ المَلِكَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ: نَعَمْ وأذْنُبُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: لا تَبْعَدَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ وسَقى الغَوادِي قَبْرَهُ بِذُنُوبِ و"أصْحابُهُمْ" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا يَسْتَعْجِلُونَ" تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى: هو نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَلا يَسْتَعْجِلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "فَلا تَسْتَعْجِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وبِهِ قَرَأتْ فِرْقَةٌ، والباقُونَ بِالياءِ.
ثُمَّ أوجَبَ تَعالى لَهُمُ الوَيْلَ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَذابُهُمْ، و"الوَيْلُ": الشَقاءُ والهَمُّ، ورُوِيَ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى ويْلًا، والطَبَرِيُّ يَذْهَبُ أبَدًا إلى أنَّ التَوَعُّدَ إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ قَلَقٌ، لِأنَّ هَذا الوَيْلَ إنَّما هو مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي هو في الدُنْيا، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَذا التَوَعُّدُ هو بِيَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ -ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ -: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وفي "يُوعَدُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الكَلامِ، التَقْدِيرُ: يُوعِدُونَ بِهِ، أو يُوعِدُونَهُ.
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الذارِياتِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الأظهر أن هذا معطوف على جملة ﴿ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول ﴾ [الذاريات: 52] الآية التي هي ناشئة عن قوله: ﴿ ففروا إلى الله إلى ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ﴾ [الذاريات: 50، 51] عَطْفَ الغرض على الغرض لوجود المناسبة.
فبعد أن نظَّر حالهم بحال الأمم التي صممت على التكذيب من قبلهم أَعقبه بذكر شنيع حالهم من الانحراف عما خلقوا لأجله وغُرز فيهم.
فقوله: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ خبر مستعمل في التعريض بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خُلقوا عليها فخالفوا سنتها اتباعاً لتضليل المضلين.
والجن: جنس من المخلوقات مستتر عن أعين الناس وهو جنس شامل للشياطين قال تعالى عن إبليس: ﴿ كان من الجن ﴾ [الكهف: 50].
والإِنس: اسم جمععٍ واحدُه إنسي بياء النسبة إلى اسم جمعِه.
والمقصود من هذا الإِخبارِ هو الإِنس وإنما ذُكر الجن إدماجاً وستعرف وجه ذلك.
والاستثناء مفرغ من علل محذوفة عامة على طريقة الاستثناء المفرغ.
واللام في ﴿ ليعبدون ﴾ لام العلة، أي ما خلقتهم لعلة إلا علة عبادتهم إياي.
والتقدير: لإِرادتي أن يعبدون، ويدل على هذا التقدير قوله في جملة البيان: وهذا التقدير يلاحظ في كل لاممٍ ترد في القرآن تعليلاً لفعللِ الله تعالى، أي ما أرضَى لوجودهم إلا أن يعترفوا لي بالتفرد بالإِلهية.
فمعنى الإِرادة هنا: الرضى والمحبة، وليس معناها الصفةَ الإِلهية التي تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم، التي اشتق منها اسمُه تعالى: المريد لأن إطلاق الإِرادة على ذلك إطلاق آخر، فليس المراد هنا تعليل تصرفات الخلق الناشئة عن اكتسابهم على اصطلاح الأشاعرة، أو عن قُدرتهم على اصطلاح المعتزلة على تقارب ما بين الاصطلاحين لظهور أن تصرفات الخلق قد تكون مناقضة لإِرادة الله منهم بِمعنى الإِرادة الصفةِ، فالله تعالى خلق الناس على تركيب يقتضي النظر في وجود الإِله ويسوق إلى توحيده ولكن كسب الناس يجرّف أعمالهم عن المهيع الذي خلقوا لأجله، وأسبابُ تمكُّنِهم من الانحراف كثيرة راجعة إلى تشابك الدواعي والتصرفات والآلات والموانع.
وهذا يغني عن احتمالات في تأويل التعليل من قوله: ليعبدون} من جعل عموم الجن والإِنس مخصوصاً بالمؤمنين منهم، أو تقديرِ محذوف في الكلام، أي إلا لآمُرهم بعبادتي، أو حَمل العبادة بمعنى التذلل والتضرع الذي لا يخلو منه الجميع في أحوال الحاجة إلى التذلل والتضرع كالمرض والقحط وقد ذكرهَا ابن عطية.
ويرد على جميع تلك الاحتمالات أن كثيراً من الإِنس غير عابدٍ بدليل المشاهدة، وأن الله حكى عن بعض الجن أنهم غير عابدين.
ونقول: إن الله خلق مخلوقات كثيرة وجعل فيها نظماً ونواميس فاندفع كلُّ مخلوق يعمل بما تدفعه إليه نواميس جبلته، فقد تعُود بعض المخلوقات على بعض بنقض ما هُيِّءُ هُوَ لَه ويعود بعضها على غيره بنقض ما يسعى إليه، فتشابكت أحوال المخلوقات ونواميسها، فربما تعاضدت وتظاهرت وربما تناقضت وتنافرت فحدثت من ذلك أحوال لا تُحصى ولا يحاط بها ولا بطرائقها ولا بعواقبها، فكثيراً ما تسفر عن خلاف ما أُعدّ له المخلوق في أصل الفطرة فلذلك حاطها الله بالشرائع، أي فحصل تناقض بين الأمر التكويني والأمر التشريعي.
ومعنى العبادة في اللغة العربية قبل حدوثثِ المصطلحات الشرعية دقيق الدلالة، وكلمات أئمة اللغة فيه خفية والذي يُستخلص منها أنها إظهار الخضوع للمعبود واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضُرّه مِلكاً ذاتياً مستمراً، فالمعبود إله للعابد كما حكى الله قول فرعون ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ [المؤمنون: 47].
فالحصر المستفاد من قوله: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ قصرُ علةِ خلق الله الإِنسَ والجنَّ على إرادته أن يعبدوه، والظاهر أنه قصر إضافي وأنه من قبيل قصر الموصوف على الصفة، وأنه قصر قلب باعتبار مفعول ﴿ يعبدون ﴾ ، أي إلا ليعبدوني وحدي، أي لا ليشركوا غيري في العبادة، فهو ردّ للإِشراك، وليس هو قصراً حقيقياً فإنا وإن لم نطلع على مقادير حِكَم الله تعالى من خَلق الخلائق، لكنَّا نعلم أن الحكمة من خلقهم ليست مُجردَ أن يعبدوه، لأن حِكَم الله تعالى من أفعاله كثيرة لا نُحيط بها، وذكر بعضها كما هنا لما يقتضي عدم وجود حكمة أخرى، ألاَ ترى أن الله ذكر حِكماً للخلق غير هذه كقوله: ﴿ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ﴾ [هود: 118، 119] بَلْهَ ما ذكره من حكمة خلق بعض الإِنس والجن كقوله في خلق عيسى ﴿ ولنجعله آية للناس ورحمة منا ﴾ [مريم: 21].
ثم إن اعتراف الخلققِ بوحدانية الله يَقْشَع تكذيبهم بالرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم ما كذَّبوه إلا لأنه دعاهم إلى نبذ الشرك الذي يزعمون أنه لا يسع أحداً نبذُه، فإذا انقشع تكذيبهم استتبع انقشاعُه امتثالَ الشرائع التي يأتي بها الرسول صلى الله عليه وسلم إذا آمنوا بالله وحده أطاعوا ما بلَّغهم الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، فهذا معنى تقتضيه عبادةُ الله بدلالة الالتزام، وذلك هو ما سُمي بالعبادة بالإطلاق المصطلح عليه في السُنَّة في نحو قوله: «أن تعبد اللَّه كأنك تراه» وليس يليق أن يكون مراداً في هذه الآية لأنه لا يطرد أن يكون علةً لخلق الإنسان فإن التكاليف الشرعية تظهر في بعض الأمم وفي بعض العصور وتتخلف في عصور الفترات بين الرسل إلى أن جاء الإِسلام، وأحسب أن إطلاق العبادة على هذا المعنى اصطلاح شرعي وإنْ لم يرد به القرآن لكنه ورد في السنة كثيراً وأصبح متعارفاً بين الأمة من عهد ظهور الإِسلام.
وأن تكاليف الله للعباد على ألسنة الرسل ما أراد بها إلا صلاحَهم العاجل والآجل وحصولَ الكمال النفساني بذلك الصلاح، فلا جَرم أَنَّ الله أراد من الشرائع كمال الإِنسان وضبطَ نظامه الاجتماعي في مختِلف عصوره.
وتلك حكمة إنشائه، فاستتبع قولُه: ﴿ إلا ليعبدون ﴾ أنه ما خلقهم إلا لينتظم أمرهم بوقوفهم عند حدود التكاليف التشريعية من الأوامر والنواهي، فعبادة الإِنسان ربَّه لا تخرج عن كونها محقِّقة للمقصد من خَلقه وعلَّةً لحصوله عادةً.
وعن مجاهد وزيد بن أسلم تفسير قوله: ﴿ إلا ليعبدون ﴾ بمعنى: إلاّ لآمرهم وأنهاهم.
وتَبع أبو إسحاق الشاطبي هذا التأويل في النوع الرابع من كتاب المقاصد من كتابه عنوان التعريف «الموافقات» وفي محمل الآية عليه نظر قد علمتَه فحققْهُ.
وما ذكر الله الجن هنا إلا لتنبيه المشركين بأن الجن غير خارجين عن العبودية لله تعالى.
وقد حكى الله عن الجن في سورة الجن قول قائلهم: ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا على اللَّه شططاً ﴾ [الجن: 4].
وتقديم الجن في الذكر في قوله: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ للاهتمام بهذا الخبر الغريب عند المشركين الذين كانوا يعبدون الجن، ليعلموا أن الجن عباد لله تعالى، فهو نظير قوله: ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون ﴾ [الأنبياء: 26].
وجملة ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ﴾ تقرير لمعنى ﴿ إلا ليعبدون ﴾ بإبطال بعض العلل والغايات التي يقصدها الصانعون شيئاً يصنعونه أو يتخذونه، فإن المعروف في العرف أن من يتخذ شيئاً إنما يتخذه لنفع نفسه، وليست الجملة لإِفادة الجانب المقصور دُونَه بصيغة القصر لأن صيغة القصر لا تحتاج إلى ذكر الضد.
ولا يَحسن ذكر الضد في الكلام البليغ.
فقوله: ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ﴾ كناية عن عدم الاحتياج إليهم لأن أشد الحاجات في العرف حاجة الناس إلى الطعام واللباس والسكن وإنما تحصل بالرزق وهو المال، فلذلك ابتدئ به ثم عطف عليه الإِطعام، أي إعطاء الطعام لأنه أشد ما يحتاج إليه البشر، وقد لا يَجده صاحب المال إذا قحط الناس فيحتاج إلى من يسلفه الطعامَ أو يُطعمه إياه، وفي هذا تعريض بأهل الشرك إذ يُهدون إلى الأصنام الأموال والطعام تتلقاه منهم سدنة الأصنام.
والرزق هنا: المال كقوله تعالى: ﴿ فابتغوا عند الله الرزق ﴾ [العنكبوت: 17] وقوله: ﴿ اللَّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ [الرعد: 26] وقوله: ﴿ ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه ﴾ [الطلاق: 7]، ويطلق الرزق على الطعام كقوله تعالى: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ [مريم: 62] ويمنع من إرادته هنا عطف ﴿ وما أريد أن يطعمون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: فَذَكِّرْ بِالعِظَةِ فَإنَّ الوَعْظَ يَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: وذَكِّرْ بِالثَّوابِ والعِقابِ فَإنَّ الرَّغْبَةَ والرَّهْبَةَ تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ.
﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلّا لِيُقِرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: إلّا لِآمُرُهم وأنْهاهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: إلّا لِأجْبِلَهم عَلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: إلّا لِيَعْرِفُونِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: إلّا لِلْعِبادَةِ، وهو الظّاهِرُ، وبِهِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما أُرِيدُ أنْ يَرْزُقُوا عِبادِي ولا أنْ يُطْعِمُوهم.
الثّانِي: ما أنْفُسُهم، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.
الثّالِثُ: ما أُرِيدُ مِنهم مَعُونَةً ولا فَضْلًا.
﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَذابًا مِثْلَ عَذابِ أصْحابِهِمْ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: يَعْنِي سَبِيلًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: يَعْنِي بِالذَّنُوبِ الدَّلْوَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الشّاعِرُ لَنا ذَنُوبٌ ولَكم ذَنُوبٌ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وَلا يُسَمّى الذَّنُوبُ دَلْوًا حَتّى يَكُونَ فِيهِ ماءٌ.
الرّابِعُ: يَعْنِي بِالذَّنُوبِ النَّصِيبَ، قالَ الشّاعِرُ وفي كُلِّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشاسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ وَيَعْنِي بِأصْحابِهِمْ مِن كَذَّبَ بِالرُّسُلِ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَعْتَبِرُوا بِهَلاكِهِمْ.
﴿ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ أيْ فَلا يَسْتَعْجِلُوا نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ لِأنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا الآيَةَ، فَنَزَلَ بِهِمْ يَوْمُ بَدْرٍ، ما حَقَّقَ اللَّهُ وعْدَهُ، وعَجَّلَ بِهِ انْتِقامَهُ.
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ قال: أمره الله أن يتولى عنهم ليعذبهم وعذر محمداً صلى الله عليه وسلم ثم قال: ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ فنسختها.
وأخرج اسحق بن راهويه وأحمد بن منيع والهيثم بن كليب في أسانيدهم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء في المختارة من طريق مجاهد عن علي قال: لما نزلت ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهلكة إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتولي عنا، فنزلت ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ فطابت أنفسنا.
وأخرج ابن راهويه وابن مردويه عن عليّ رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ قال: ما نزلت علينا آية كانت أشد علينا منها ولا أعظم علينا منها، فقلنا: ما هذا إلا من سخطة أو مقت، حتى نزلت ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ قال: ذكر بالقرآن.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ قال: ذكر لنا أنها لما نزلت اشتد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر، فأنزل الله بعد ذلك ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ قال: فأعرض عنهم، فقيل له: ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ فوعظهم.
وأخرج ابن المنذر عن سلمان بن حبيب المحاربي قال: من وجد للذكرى في قلبه موقعاً فليعلم أنه مؤمن قال الله: ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون ﴾ قال: ليقروا بالعبودية طوعاً أو كرهاً.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون ﴾ قال: على ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي وشقوتي وسعادتي.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون ﴾ قال: ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الجوزاء في الآية قال: أنا أرزقهم وأنا أطعمهم، ما خلقتهم إلا ليعبدون.
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلاّ تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك» .
وأخرج الطبراني في مسند الشاميين والحاكم في التاريخ والبيهقي في شعب الإِيمان والديلمي في مسند الفردوس عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله إني والجن والإِنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن الأنباري في المصاحف وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إني أنا الرزاق ذو القوّة المتين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ المتين ﴾ يقول: الشديد.
قوله تعالى: ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ الآية.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ذنوباً ﴾ قال: دلواً.
وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم ﴾ قال: سجلا من العذاب مثل عذاب أصحابهم.
وأخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق عن طلحة بن عمرو في قوله: ﴿ ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم ﴾ قال: عذاباً مثل عذاب أصحابهم، والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ تعلقت القدرية بهذه الآية وقالوا: دلت الآية على أن الله تعالى خلق كل مكلف لعبادته وأراد منهم العبادة.
ولا حجة لهم في هذه الآية إذا تدبرت قول العلماء فيها ومذاهبهم في تفسيرها (١) أحدهما: التخصيص، وهو أن المراد بالجن والإنس مؤمنو الفريقين.
وهو قول الكلبي، والضحاك، والفراء، وعبد الله بن مسلم.
قال الكلبي: هذا خاص لأهل طاعته.
يعني: ما خلقت مؤمني الجن والإنس إلا ليعبدون (٢) ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴾ والذين ذرأهم للنار لا يكونون ممن ذرأهم لعبادته.
وهذه الآية التي نحن فيها مطلقة، وآية الذرء مقيدة، والمطلق يحمل على المقيد، وإذا جمعنا بين الآيتين علمنا أن الذين خلقوا للعبادة غير أولئك (٣) وقال الفراء: هذه الآية خاصة.
يقول: وما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلا ليوحدوني ...
(٤) وقال عبد الله بن مسلم: يعني المؤمنين (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) -، ومقاتل، واختيار الزجاج.
قال مقاتل: يعني إلا لآمرهم بالعبادة، ولو أنهم خلقوا للعبادة ما عصو .....
(١٠) وقال الزجاج: المعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأدعوهم إلى عبادتي (١١) (١٢) ﴿ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ وأنتم تقولون إلا لآمرهم بذلك.
قيل: قد يقال ...
(١٣) (١٤) واختار صاحب النظم هذا المذهب، واستشهد بقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا ﴾ (١٥) المذهب الثالث: أن المفسرين قالوا في قوله: ﴿ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ إلا ليوحدوني، والمؤمنون يوحدون الله تعالى طوعًا في الشدة والرخاء، الكفار يوحدونه في الشدة والبلاء وعند العباس.
وهذا معنى رواية حبان عن الكلبي (١٦) وأما أهل المعاني فلهم أيضًا أقوال سديدة في معنى الآية: أحدها: أن المعنى قوله: ﴿ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ إلا ليخضعوا لي ويتذللوا.
وهذا معنى العبادة في اللغة، وكل أحد من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، فهو خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته، خَلَقه على ما أراد، ورزقه كما قضى، لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه، فقد حصل هذا الخضوع والتذلل من كل أحد (١٧) القول الثاني: أن معنى الخلق في قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ﴾ خلق التكليف والاختيار، لا خلق الجبلة والطبيعة (١٨) (١٩) - هذا المعنى بقوله: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (٢٠) (١) انظر: "جامع البيان" 27/ 8، "دقائق التفسير" لابن تيمية 4/ 527، "فتح القدير" 5/ 92.
(٢) انظر: "الكشف والبيان" 11/ 190 ب، "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235.
(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 55، "فتح القدير" 5/ 92.
(٤) في (ك): بياض.
وتمام العبارة في "معاني القرآن" 3/ 89، (وقال بعضهم: خلقهم ليفعلوا ففعل بعضهم وترك بعض وليس فيه).
(٥) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 422.
(٦) كذا في (ك).
ولعل في العبارة سقطاً، حيث لم يذكر من قال بهذا القول وهو القول الثاني، وقد فسروا قوله تعالى: ﴿ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ أي لأدعوهم إلى عبادتي.
(٧) (ك): كلمة لم تظهر ولعلها (وما خلقت).
(٨) وبها قرأ ابن مسعود، وأبى.
انظر: "الكشف والبيان" 11/ 191 أ، "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 55، "روح المعاني" 27/ 22.
(٩) في (ك): كلمة لم تقرأ وهي (علي) وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 55.
(١٠) في (ك): كلمة لم تقرأ وهي (طرفة عين) انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب.
(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 58.
(١٢) في (ك): الكلمة غير واضحة، لعلها (وتفسير).
(١٣) كذا في (ك).
والعبارة مستقيمة ولعل الكلمة الساقطة (مثل).
(١٤) انظر: "البحر المحيط" 8/ 143، "روح المعاني" 27/ 20 - 21.
(١٥) ورجح الشنقيطي في تفسيره 7/ 673 هذا القول لدلالة آيات القرآن عليه.
(١٦) انظر: "الكشف والبيان" 11/ 192 أ، "معالم التنزيل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 56.
(١٧) انظر: "الكشف والبيان" 11/ 191 ب، 192 أ، "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235، "فتح القدير" 5/ 92.
وهو اختيار ابن جرير أيضًا "جامع البيان" 27/ 8.
(١٨) انظر: "دقائق التفسير" 4/ 529، "فتح القدير" 8/ 600.
(١٩) في (ك): (لها).
(٢٠) حديث متفق عليه.
أخرجه البخاري في كتاب: التفسير سورة ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾ 6/ 212، كتاب: القدر، باب: جف القلم على علم الله 8/ 153، ومسلم في كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي 4/ 2041.
وأخرجه أحمد في "المسند" 1/ 82، 129، انظر: "شرح الطحاوية" 318 وما ذكره المؤلف هنا جزء من الحديث.
اقتصر على مكان الشاهد منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ قيل: معناه خلقتهم لكي آمرهم بعبادتي، وقيل ليتذللوا لي: فإن جميع الإنس والجن متذلل ﴿ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ ﴾ أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ أي لا أريد أن يطعمون، لأني منزه عن الأكل وعن صفات البشر، وأنا غني عن العالمين، وقيل: المعنى ما أريد أن يطعموا عبيدي، فحذف المضاف تجوزاً، وقيل: معناه ما أريد أن ينفعوني لأني غنيّ عنهم، وعبَّر عن النفع العام بالإطعام، والأول أظهر ﴿ المتين ﴾ أي الشديد القوة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو ﴿ ومثل ما ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.
الباقون: ﴿ مثل ﴾ بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم ﴿ سلم ﴾ بكسر السين وسكون اللام: حمزة علي وخلف والمفضل ﴿ والصعقة ﴾ بسكون العين للمرة: علي ﴿ وقوم نوح ﴾ بالجر: أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف: ﴿ ذرواً ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ه لا ﴿ يسراً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه ط ﴿ لصادق ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ﴿ الحبك ﴾ ه لا ﴿ مختلف ﴾ ه لا ﴿ أفك ﴾ ه ط ﴿ الخراصون ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا لأن ﴿ يسألون ﴾ صلة بعد صلة، ﴿ الدين ﴾ ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا ﴿ يفتنون ﴾ ه ﴿ فتنتكم ﴾ ط ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ محسنين ﴾ ه ط ﴿ يهجعون ﴾ ه ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ والمحروم ﴾ ه ﴿ للموقنين ﴾ ه ط للعطف ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تنطقون ﴾ ه ﴿ المكرمين ﴾ ه م لأن عامل "إذ" محذوف وهو "اذكر" ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ج ﴿ لحق ﴾ المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ سمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ تأكلون ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ لا للتعلق بما بعده ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ للمفسرين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى ﴿ المسلمين ﴾ ه ط كذلك ﴿ الأليم ﴾ ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ﴿ مليم ﴾ ه كما مر ﴿ العقيم ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته ﴿ كالرميم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتصرين ﴾ ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف ﴿ قبل ﴾ ج ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ لموسعون ﴾ ه ﴿ الماهدون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أو مجنون ﴾ ه ﴿ أتواصوا به ﴾ ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً ﴿ طاغون ﴾ ه ﴿ بملوم ﴾ ه لا للآية مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ليعبدون ﴾ ه ﴿ يطعمون ﴾ ه ﴿ المتين ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه بقوله ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار ﴾ لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك.
عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي.
فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟
قال: الرياح.
وقد مر في الكهف في قوله ﴿ تذروه الرياح ﴾ قال: فالحاملات وقراً؟
قال : السحاب لأنها تحمل المطر.
وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد.
قال: فالجاريات يسراً؟
قال : الفلك والمراد جريان اليسر.
قال: فالمقسمات أمراً؟
قال : الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال.
ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر.
ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر.
وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً، ثم تنشىء السحاب وتحمله.
ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب, وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر.
وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله .
وقيل: المقسمات الكواكب السبعة.
وجواب القسم ﴿ إن ما توعدون ﴾ و "ما" مصدرية أو موصولة ﴿ لصادق ﴾ في نفسه كما يقال "خبر صادق" أو "ذو صدق" كعيشة راضية.
ثم صرح بالموعود قائلاً ﴿ وإن الدين ﴾ أي الجزاء ﴿ لواقع ﴾ أي حاصل.
وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي.
وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق "ما أحسن حبكه".
وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر.
والضمير في ﴿ يؤفك عنه ﴾ للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية.
ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل والعناد.
وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى ﴿ قول مختلف ﴾ ويكون "عن" كما قوله ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.
ثم دعا عليهم بقوله ﴿ قتل الخرّاصون ﴾ أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً.
ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان.
وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى وقوعه؟
ثم أجاب بقوله ﴿ يوم هم ﴾ أي يقع في ذلك اليوم.
ومعنى ﴿ يفتنون ﴾ يحرقون ويعذبون.
ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً ﴿ ذوقوا ﴾ إلى آخره.
وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ أي في جنات فيه عيون حال كونهم ﴿ آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية.
وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له.
وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم.
قال: إن فيض الله لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته.
وقوله ﴿ ما آتاهم ﴾ على المضي لتحقق الإيتاء مثل { ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد.
ثم فسر إحسانهم بقوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل يهجعون ﴾ "ما" صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً.
وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة.
وارتفع "ما" مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه.
وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول.
ولا يجوز أن تكون "ما" نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها.
وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار.
وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم.
ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر.
ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر.
ويمكن أن يقال: إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله.
ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده ﴿ في أموالهم حق ﴾ فيكون كقوله ﴿ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة.
قال جار الله: في قوله ﴿ هم يستغفرون ﴾ إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين.
وقيل: إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق.
وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله.
والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل: إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه.
وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً.
والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة.
ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع.
وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر.
الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال " "لكل كبد حرى أجر" الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث.
وقيل: المحروم الذي لا يمنى له مال.
وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب.
ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ كقوله ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ إلى قوله ﴿ إن الذي أحياها لمحي الموتى ﴾ ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره.
وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع.
ثم استدل بالأنفس فقال ﴿ وفي أنفسكم ﴾ آيات.
وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً.
وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات.
قال أهل النظم: هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم.
وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه.
﴿ وما توعدون ﴾ هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش.
وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء.
ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب .
و"ما" مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا.
قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: من الرجل؟
قلت: من بني أصمع.
قال: من أين أقبلت؟
قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.
فقال: اتل علي فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ فقال: حسبك.
فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى.
فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال: فهل غير هذا؟
فقرأت ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ فصاح فقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.
ثم سلى نبيه بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في "هود" و "الحجر" وفي قوله ﴿ هل أتاك ﴾ تفخيم لشأن الحديث.
والضيف واحد.
وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله ﴿ بل عباد مكرمون ﴾ وجوز أن يكون نصب ﴿ إذا دخلوا ﴾ بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل.
قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة.
وفي قوله ﴿ فقربه إليهم ﴾ دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم.
﴿ قال ألا تأكلون ﴾ سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في "الصافات" وقد مر.
والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه ﴿ فأوجس ﴾ فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في "هود" وفي "الصافات".
واعلم أنه ذكر في "هود" أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا ﴿ سلام قوم منكرون ﴾ ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه.
قوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ أي في صيحة ومنه صرير القلم.
قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان ﴿ وقالت ﴾ أنا ﴿ عجوز ﴾ فأجابت الملائكة ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قال ربك ﴾ فلا تستبعدي.
وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة.
﴿ قال فما خطبكم ﴾ شأنكم وطلبكم؟
فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في "هود".
والضمير في قوله ﴿ فيها ﴾ للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم، قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد.
وقال غيرهم: المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس؟
فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد.
فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد.
وقوله ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة ﴾ أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود.
قوله ﴿ وفي موسى ﴾ قيل: الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ وتركنا فيها ﴾ أي وجعلنا في موسى آية.
قال جار الله: هو كقوله من قال: علفتها تبنا وماء بارداً *** ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف.
قوله ﴿ فتولى بركنه ﴾ كقوله ﴿ ونأى بجانبه ﴾ وقيل: الباء للمصاحبة.
والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه.
وقيل: ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به كما مر في "الصافات" لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف.
فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر.
والرميم ما رم وتفتت.
قال في الكشاف: ﴿ تمتعوا حتى حين ﴾ تفسيره في قوله ﴿ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴾ قلت: هذا سهو منه فإن قوله ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله.
وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ بالإصرار على كفرهم.
فقيل: على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ عبارة عن جثومهم كما مر مراراً ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف.
ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال ﴿ والسماء بنيناها بأيد ﴾ وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان.
وفي قوله ﴿ بأيد ﴾ أي بقوة تأكيد لذلك.
وفي قوله ﴿ وأنا لموسعون ﴾ مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر.
وقيل: جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة.
وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى ﴿ ومن كل شيء ﴾ من الحيوان ﴿ خلقنا زوجين ﴾ ذكراً وأنثى.
وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة.
قال: كل اثنين منها زوج والله فرد لا مثل له.
وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع.
وإذا عرفتم الله ﴿ ففروا إلى الله ﴾ أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه.
وكرر قوله ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ للتأكيد.
وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله بقوله ﴿ كذلك ﴾ أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب.
ثم فسر ما أجمله بقوله ﴿ ما أتى ﴾ إلى آخره وقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم.
ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول ﴿ فتول عنهم ﴾ فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة ﴿ فما أنت بملوم ﴾ على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك ﴿ وذكر ﴾ مع ذلك ﴿ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر.
ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة.
وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض.
وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه.
ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم.
والمتين الشديد القوة.
ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ أي نصيباً من العذاب ﴿ مثل ذنوب أصحابهم ﴾ المهلكين، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو.
واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ .
إن كان المراد من ذكر العبادة: حقيقة العبادة فيخرج تأويله على وجهين: أحدهما: جواباً لمن لا يرى الجن والإنس يؤمرون بالعبادة ويمتحنون بها، فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، أي: خلقهم على معرفة المحاسن والمساوئ، والتمييز بين ما يؤتى وما يتقى بما ركب فيهم من أسباب التمييز والمعرفة، لا يتركهم سدى مهملين؛ بل لامتحانهم بالعبادة، والقيام بشكر ما أنعمت عليهم من أنواع النعم؛ إذ الحكمة توجب ذلك، وتدفع تركهم سدى هملا، والله أعلم.
والثاني: خرج جوابا لمن يرى العبادة دونه جائزا؛ لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، لم أخلقهم لعبادة غيري، أو لآمرهم بعبادتي، لا لآمرهم بعبادة غيري؛ كما قاله بعض لكفرة بقولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ ؛ رذّاً ونقضا لاعتقادهم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ على حقيقة ا لعبادة؛ لوجهين: أحدهما: على حقيقة فعل العبادة، وعلى هذا الوجه لم تكن الآية معمولا بها على العموم، بل على الخصوص، وهم المؤمنون من الجن والإنس دون الكفرة منهم؛ فإنه لا يجوز أن يخلق الكفرة الذين علم منهم: أنهم لا يؤمنون للعبادة؛ إذ خلقه عن اختيار وإرادة، فإذا خلقهم وأراد منهم العبادة لابد أن توجد منهم، وقد علم منهم أنه لا توجد؛ فيصير كأنه أراد تجهيل نفسه، وهذا محال؛ فدل أن المراد منه الخصوص، وقد خص منه البعض بلا خلاف؛ فإن الصغار والمجانين قد خصوا، بأنه لا يتحقق منهم العبادة؛ فجائز أن يخص منه الكفرة الذي علم منهم أنهم لا يؤمنون، والله أعلم.
ويحتمل أن المراد منه الأمر بالعبادة، أي: ما خلقتهم إلا لأمرهم بالعبادة والتوحيد.
وهذا التأويل أقرب إلى العمل بالعموم؛ فإنه يدخل فيه العقلاء من الجن والإنس دون الصغار والمجانين.
ويجوز أن يأمر بشيء ولا يريد تحصيل المأمور به، وصيرورة المأمور مطيعاً له؛ بل يريد أن يصير عاصيا فيدخل النار، بخلاف إذا خلقه للعبادة وأرادها منه لا يجوز ألا توجد، وحقيقة هذا تعرف في كتاب التوحيد: أنه خلق الإيمان والعبادة؛ إن علم منه أنه يعبد ويختار العبادة له، فأما من علم منه اختيار الضلال والغواية، وصرف العبادة إلى غيره، فإنه خلقه على ما علم منه أنه يختار ويفعل؛ لقوله : ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ...
﴾ الآية [الأعراف: 179].
وقال قائلون: لم يرد بقوله تعال: ﴿ لِيَعْبُدُونِ ﴾ حقيقة العبادة التي هي فعل العبد على وجه الاختيار، ولكن معناه: وما خلقت الجن والإنس إلا وقد جعلت في كل أحد منهم دلالة وحدانيتي ودلالة صرف العبادة إليَّ، والقيام بالشكر لي فيما أنعمت عليهم من أنواع النعم ما لو تأملوا فيها ونظروا، تدلهم على ما ذكرنا من العلم بالحدانية لي، والقيام بالعبادة والشكر، والله أعلم.
وعلى هذا التأويل تكون الآية عامة، لا خصوص فيها؛ لأن خلقة كل أحد منهم على أي وصف كان دلالة ما ذكرنا، والله الموفق.
ويحتمل أيضاً: وما خلقت الجن و الإنس إلا على خلقة تصلح للمحنة بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولتحقيق فعل ذلك بما ركب فيهم العقل، وجعل مفاصلهم لينة، قابلة الأفعال، تصلح للخدمة: من الركوع، والسجود، والقيام، والقعود، ونحوها، على خلاف غير هؤلاء من المخلوقات؛ فإنها خلقت على خلقة تصلح لمنافع الممتحنين، لا على وجه يصلح للمحنة، والله أعلم.
ثم في العبادة خصوصية معنى، ليس ذلك في الطاعة والخدمة، وغير ذلك من الأفعال؛ كقوله : ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ ؛ حيث لم يجز العبادة لغيره، وأجاز الطاعة والخدمة، والتعظيم، وغير ذلك من الأفعال؛ كقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ دل أن في العبادة معنى ليس ذلك المعنى في غيره؛ لذلك وقعت الخصوصية له؛ ولذلك خص نفسه بتسمية: الإله، لم يجز التسمية به لغيره؛ إذ الإله عندهم: معبود ، فكل معبود عندهم يسمونه: إلها، وذلك كما خص نفسه بتسمية: الرحمن، لم يجعل ذلك لغيره، وجاز تسمية غيره: رحيما؛ لما أن في أسم الرحمن زيادة معنى ليس في الرحيم، وكذا خص نفسه بتسميته: خالقا، ولم يجز هذا الاسم لغيره؛ لما أن في الخالق معنى، ليس ذلك المعنى في الفاعل وغيره، فكذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: ما أريد منهم أن يرزقوا أنفسهم، ولا أن يطعموا أحدا من خلفي، إنما عليَّ رزقهم وإطعامهم؛ كقوله : ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ .
ويحتمل: ما أريد منهم أن يرزقوا من لا يقوم بأسباب الرزق وأن يطعموهم؛ إذ ذلك عليَّ، وإنما أريد منهم العبادة.
أو الأمر بالعبادة على الوجه الذي ذكرنا؛ لأنهم لم ينشئوا لأولئك الذين لم يجعل لهم المكاسب وأسباب الرزق من الدواب؛ بل هن أنشئن لأجلهم رزقاً ومتعة، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ على ما قال بعضهم، أي: قل يا محمد: ما أريد منكم فيما أدعوكم إليه من أجر، وما أريد أن تطعمون؛ فيثقل علكيم الإيمان.
ويحتمل: ﴿ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ ؛ أخبار أنه لم يخلقهم لحاجة له في خلقهم من الرزق والإطعام منهم؛ لما أقام من دلالات نبوته عن الحوائج، وعن الرزق الطعام، وإنما خلقهم للأمر، والنهي، والامتحان - رجعت منافع ذلك إليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن الأسباب والمكاسب التي بها يرزقون، ويصلون إلى الانتفاع بها، هي فعل الله وله فيها صنع، صار بذلك رازقاً، لولا ذلك لم يصلوا إلى ذلك.
وإن كان الخلق هم الذين يكسبون ويعملون تلك الأسباب والمكاسب، فلما أضيف إليه الرزق؛ لما أنشأ فعل تلك الأسباب والمكاسب منهم، والله أعلم؛ فيكون في هذا دليل على أن لله صنعا في أفعال العبد وهو الخلق والإنشاء؛ حيث سمى نفسه؛ رازقا، وهم يرزقون بتلك المكاسب والأسباب، وأكثر أرزاقهم بأفعالهم، دل أن له فيها صنعا؛ حتى تصح إضافة ذلك إليه وتسميته: رازقاً، ولا يجوز هذا الأسم لغيره، والله أعلم.
والثاني: يحتمل الإضافة إليه؛ لأنه يرزقهم بما جعل في تلك الأسباب والمكاسب من اللطف لا بأنفس الأسباب؛ لأنهم يزرعون ويطرحون البذر فيها، فيهلك ذلك [البذر] فيها، وكذلك يسقون الأرض، ويهلك ذلك الماء فيها.
ثم إن الله جعل بلطفه ورحمته في ذلك من اللطف ما يصير ذلك رزقا لهم بعد ذهاب عينه والقوة التي جعلت فيه، وكذلك ما جعل ذلك من الصلاح، والنضج، والطبخ، وما يرجع إلى الإصلاح لذلك، والأكل، والمضغ، والإبتلاع، ونحو ذلك، ليس في ذلك إلا امتلاء البطن، وفي ذلك فساد، فجعل فيه م نالقوة ما ينتشر في البدن والأطراف قوة؛ فيبقون بتلك القوة فيهم الحياةوالبقاء، لا بنفس الرزق، وهو ما وصف الله : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ ﴾ بتلك القوة يحبون، وبها يبقون.
ثم قوله : ﴿ ٱلْمَتِينُ ﴾ قبل: المتين هو وصف ونعت لتلك القوة، فيجوز وصف تلك القوة المتانة، فأما الله - وتعالى - لا يوصف أنه متين، وهو كقوله : ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ ﴾ ، وصف العرش بالمجيد، والعرش غيره؛ فعلى ذلك القوة التي جعل فيها ما ذكرنا غيره يجوز أن توصف بما ذكرنا من المتانة، وهي القوة التي لا يملكها ا ل خلق، ولا يدركون ذلك اللطف الذي جعل في ذلك، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ ﴾ أي: ذو البطش الشديد فيما أهلك الأمم الخالية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ ، كأنهم استعملوا نزول العذاب، فنزلت هذه الآية على أثر سؤال العذاب؛ كقوله : ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ ، وقوله : ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ﴾ ، أي: لهم نصيب من ذلك العذاب مثل نصيب أوائلهم من العذاب؛ فيكون على التمثيل، كما يقال: حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة، ويقال: صاع بصاع، وكيل بكيل؛ أي: يكال عليه مثل ما كيل لغيره، ونحو ذلك من الأمثال التي تضرب؛ فعلى ذلك ما ذكرنا من الذنوب، والله أعلم.
وكذلك ذكر عن الأصم قال: ذكر الذنوب، وهو الدلو العظيم الذي كانوا يقتسمون به المياه، وكان من عادة العرب: أنهم يجمعون فيرسلون دلاءهم في البئر، فكان كل واحد منهم يأخذ حظه ونصيبه من الماء، فيقول لأهل مكة: لا تستعجلوا،؛ فإن لكم نصيبا من ذلك العذاب كما كان لأولئك؛ كالدلاء التي تكون في البئر، فيأخذ كل واحد منهم نصيبه.
وكذلك قال القتبي وأبو عوسجة: الذنوب - الحظ والنصيب.
وعن ابن عباس - -: سمي ذلك العذاب: ذنوبا؛ لما يتبع بعضهم بعضا، والله أعلم.
فيقول: يتبع العذاب لهؤلاء كما يتبع لأولئك؛ كالدلاء يتبع بعضها بعضا، والله أعلم.
وقوله : ﴿ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ أي: قد يبلغون وقته فلا يستعجلون العذاب، وهو الوقت الذي يسألون الرجوع كما أخبر - عز وجل -: ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ \[المؤمنون: 99\].
وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ يوم القيامة، ولكن لم يبين ذلك اليوم ما هو؟
فيحتمل ما قالوا، ويحتمل غيره، والويل قد ذكرنا تأويله في تقدم.
فإن قيل: كيف خوف الله هذه الأمة بما أنزل عليى الأمم الخالية من الاستئصال والإهلاك، وقد عافى هذه الأمة عن هذا وأمنهم منه؟
قيل: إنما خوفهم بما ذكر؛ لأن المعنى الذي استوجب أولئك الاستئصال والإهلاك به يحتمل أن يتحقق ذلك في هؤلاء.
وقد يحتمل ألا يكون، فالتخويف صحيح لهؤلاء بهم، وإنما يكون مثل هذا التخويف في أول الأمر، ثم إن الله بفضله ورحمته عفا عنهم بفضل النبي ورحمته؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .
ويحتمل أن يكون العفو لهم عن ذلك بالتأخير عنهم إلى وقت، وهو وقت قبض أرواحهم وخروجهم من الدنيا، وفي ذلك الوقت يعاقبون بأنواع العذاب، وينزل بهم ما نزل بأولئك، لا أنهم عفا عن ذلك أصلا.
ويحتمل أن يكون ينزل بهم ذلك في الآخرة، وذلك كله فضل منه ورحمة، والله أعلم.
وما خلقت الجن والإنس إلا لعبادتي وحدي، ما خلقتهم ليجعلوا لي شريكًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.xnq2d"