الآية ٥٥ من سورة الذاريات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 51 الذاريات > الآية ٥٥ من سورة الذاريات

وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٥ من سورة الذاريات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٥٥ من سورة الذاريات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) أي : إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) يقول: وعظ يا محمد من أرسلت إليه, فإن العظة تنفع أهل الإيمان بالله.

كما حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: وعظهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وذكر أي بالعظة فإن العظة تنفع المؤمنين .

قتادة : وذكر بالقرآن فإن الذكرى به تنفع المؤمنين .

وقيل : ذكرهم بالعقوبة وأيام الله .

وخص المؤمنين ; لأنهم المنتفعون بها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } والتذكير نوعان: تذكير بما لم يعرف تفصيله، مما عرف مجمله بالفطر والعقول فإن الله فطر العقول على محبة الخير وإيثاره، وكراهة الشر والزهد فيه، وشرعه موافق لذلك، فكل أمر ونهي من الشرع، فإنه من التذكير، وتمام التذكير، أن يذكر ما في المأمور به ، من الخير والحسن والمصالح، وما في المنهي عنه، من المضار.والنوع الثاني من التذكير: تذكير بما هو معلوم للمؤمنين، ولكن انسحبت عليه الغفلة والذهول، فيذكرون بذلك، ويكرر عليهم ليرسخ في أذهانهم، وينتبهوا ويعملوا بما تذكروه، من ذلك، وليحدث لهم نشاطًا وهمة، توجب لهم الانتفاع والارتفاع.وأخبر الله أن الذكرى تنفع المؤمنين، لأن ما معهم من الإيمان والخشية والإنابة، واتباع رضوان الله، يوجب لهم أن تنفع فيهم الذكرى، وتقع الموعظة منهم موقعها كما قال تعالى: { فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى } وأما من ليس له معه إيمان ولا استعداد لقبول التذكير، فهذا لا ينفع تذكيره، بمنزلة الأرض السبخة، التي لا يفيدها المطر شيئًا، وهؤلاء الصنف، لو جاءتهم كل آية، لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) فطابت أنفسهم .

قال مقاتل : معناه عظ بالقرآن كفار مكة ، فإن الذكرى تنفع من [ سبق ] في علم الله أن يؤمن منهم .

وقال الكلبي : عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وذكر» عظ بالقرآن «فإن الذكرى تنفع المؤمنين» من علم اللهُ تعالى أنه يؤمن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومع إعراضك -أيها الرسول- عنهم، وعدم الالتفات إلى تخذيلهم، داوم على الدعوة إلى الله، وعلى وعظ من أُرسلتَ إليهم؛ فإن التذكير والموعظة ينتفع بهما أهل القلوب المؤمنة، وفيهما إقامة الحجة على المعرضين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين ) أى : أعرض عن هؤلاء المشركين ، وداوم على التذكير والتبشير والإنذار مهما تقول المتقولون ، فإن التذكير بما أوحيناه إليك من هدايات سامية ، وآداب حكيمة .

.

.

ينفع المؤمنين ، ولا ينفع غيرهم من الجاحدين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

يعني ليس التولي مطلقاً، بل تول وأقبل وأعرض وادع، فلا التولي يضرك إذا كان عنهم، ولا التذكير ينفع إلا إذا كان مع المؤمنين، وفيه معنى آخر ألطف منه، وهو أن الهادي إذا كانت هدايته نافعة يكون ثوابه أكثر، فلما قال تعالى: ﴿ فَتَوَلَّ ﴾ كان يقع لمتوهم أن يقول، فحينئذ لا يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ثواب عظيم، فقل بلى وذلك لأن في المؤمنين كثرة، فإذا ذكرتهم زاد هداهم، وزيادة الهدى من قوله كزيادة القوم، فإن قوماً كثيراً إذا صلّى كل واحد ركعة أو ركعتين، وقوماً قليلاً إذا صلّى كل واحد ألف ركعة تكون العبادة في الكثرة كالعبادة عن زيادة العدد، فالهادي له على عبادة كل مهتد أجر، ولا ينقص أجر المهتدي، قال تعالى: ﴿ إِنَّ لَكَ لأَجْرًا  ﴾ أي وإن توليت بسبب انتفاع المؤمنين بل وحالة إعراضك عن المعاندين، وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يراد قوة يقينهم كما قال تعالى: ﴿ لِيَزْدَادُواْ إيمانا  ﴾ وقال تعالى: ﴿ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ زَادَهُمْ هُدًى وءاتاهم تَقُوَاهُمْ  ﴾ ثانيها: تنفع المؤمنين الذين بعدك فكأنك إذا أكثرت التذكير بالتكرير نقل عنك ذلك بالتواتر فينتفع به من يجيء بعدك من المؤمنين ثالثها: هو أن الذكرى إن أفاد إيمان كافر فقد نفع مؤمناً لأنه صار مؤمناً، وإن لم يفد يوجد حسنة ويزاد في حسنة المؤمنين فينتفعوا، وهذا هو الذي قيل في قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ فأعرض عن الذين كرّرت عليهم الدعوة فلم يجيبوا، وعرفت عنهم العناد واللجاج، فلا لوم عليك في إعراضك بعد ما بلغت الرسالة وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة، ولا تدع التذكير والموعظة بأيام الله ﴿ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين ﴾ أي تؤثر في الذين عرف الله منهم أنهم يدخلون في الإيمان.

أو يزيد الداخلين فيه إيماناً.

وروى أنه لما نزلت ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد ذلك على أصحابه، ورأوا أنّ الوحي قد انقطع وأنّ العذاب قد حضر، فأنزل الله.

وذكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيِ الأمْرُ مِثْلُ ذَلِكَ، والإشارَةُ إلى تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ وتَسْمِيَتِهِمْ إيّاهُ ساحِرًا أوْ مَجْنُونًا وقَوْلُهُ: ﴿ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ ﴾ كالتَّفْسِيرِ لَهُ، ولا يَجُوزُ نَصْبُهُ بِ أتى أوْ ما يُفَسِّرُهُ لِأنَّ ما بَعْدَ ما النّافِيَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.

﴿ أتَواصَوْا بِهِ ﴾ أيْ كَأنَّ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ مِنهم أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذا القَوْلِ حَتّى قالُوهُ جَمِيعًا.

﴿ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ إضْرابٌ عَنْ أنَّ التَّواصِيَ جامِعُهم لِتَباعُدِ أيّامِهِمْ إلى أنَّ الجامِعَ لَهم عَلى هَذا القَوْلِ مُشارَكَتُهم في الطُّغْيانِ الحامِلِ عَلَيْهِ.

﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ فَأعْرِضْ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ بَعْدَ ما كَرَّرْتَ عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةَ فَأبَوْا إلّا الإصْرارَ والعِنادَ.

﴿ فَما أنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ عَلى الإعْراضِ بَعْدَ ما بَذَلْتَ جَهْدَكَ في البَلاغِ.

﴿ وَذَكِّرْ ﴾ ولا تَدَعِ التَّذْكِيرَ والمَوْعِظَةَ.

﴿ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ مَن قَدَّرَ اللَّهُ إيمانَهُ أوْ مَن آمَنَ فَإنَّهُ يَزْدادُ بِها بَصِيرَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَذَكِّر} وعظ بالقرآن {فَإِنَّ}

{الذكرى تَنفَعُ المؤمنين} بأن تزيد في عملهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ فَأعْرِضْ عَنْ جِدالِهِمْ فَقَدْ كُرِّرَتْ عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةُ ولَمْ تَأْلُ جُهْدًا في البَيانِ فَأبَوْا إلّا إباءً وعِنادًا ﴿ فَما أنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ عَلى التَّوَلِّي بَعْدَ ما بَذَلْتَ الجُهُودَ وجاوَزْتَ في الإبْلاغِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ.

﴿ وذَكِّرْ ﴾ أدَمَ عَلى فِعْلِ التَّذْكِيرِ والمَوْعِظَةِ ولا تَدَعْ ذَلِكَ فالأمْرُ بِالتَّذْكِيرِ لِلدَّوامِ عَلَيْهِ والفِعْلُ مُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا أيْ فَذَكِّرْهم وحُذِفَ لِظُهُورِ الأمْرِ.

﴿ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم، أوِ المُؤْمِنِينَ بِالفِعْلِ فَإنَّها تَزِيدُهم بَصِيرَةً وقُوَّةً في اليَقِينِ، وفي البَحْرِ يَدُلُّ ظاهِرُ الآيَةِ عَلى المُوادَعَةِ وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ إلَخْ، وقالَ: أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَوَلّى عَنْهم لِيُعَذِّبَهم وعَذَرَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وذَكِّرْ ﴾ إلَخْ فَنَسَخَتْها.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشَّعْبِ.

والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْ عَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لَمّا نُزِلَتْ ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ لَمْ يَبْقَ مِنّا أحَدٌ إلّا أيْقَنَ بِالهَلَكَةِ إذْ أُمِرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتَوَلّى عَنّا فَنَزَلَتْ ﴿ وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فَطابَتْ أنْفُسُنا، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ وأنَّ العَذابَ قَدْ حَضَرَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وذَكِّرْ ﴾ إلَخْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يعني: فأعرض عنهم يا محمد، بعد ما بلغت الرسالة، وأعذرت، فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ يعني: لا تلام على ذلك، لأنك قد فعلت ما عليك وَذَكِّرْ يعني: عظ أصحابك بالقرآن فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين تنفعهم العظة.

ويقال: فعظ أهل مكة، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

يعني: من قدر لهم الإيمان.

ثم قال عز وجل: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني: ما خلقتهم، إلا أمرتهم بالعبادة، فلو أنهم خلقوا للعبادة لما عصوا طرفة عين.

وقال مجاهد: يعني: ما خلقتهم إلا لآمرهم، وأنهاهم.

ويقال: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني: إلا ليوحدون، وهم المؤمنون، وهم خلقوا للتوحيد والعبادة، وخلق بعضهم لجهنم، كما قال: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: 179] فقد خلق كل صنف للأمر، والنهي الذي يصلح له.

ثم قال: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ يعني: ما خلقتهم، لأن يرزقوا أنفسهم وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ يعني: لا أكلفهم أن يطعموا أحداً من خلقي.

وأصل هذا أن الخلق عباد الله، وعياله.

فمن أطعم عيال رجل ورزقهم، فقد رزقه إذا كان رزقهم عليه.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ يعني: الرَّزَّاقُ لجميع خلقه ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ يعني: ذُو الْقُوَّةِ على أعدائه، الشديد العقوبة لهم، والمتين في اللغة: الشديد القوي قرأَ الأعمش: ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ بكسر النون، جعله من نعت القوة.

وقراءة العامة بالضم، ومعناه: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ وهو ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.

قوله عز وجل: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: أشركوا وهم مشركو مكة ذَنُوباً يعني: نصيباً من العذاب مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ يعني: مثل نصيب أصحاب من عذاب الذين مضوا، وأصل الذنوب في اللغة هو الدلو الكبير، فكيف عنه، لأنه تتابع.

يعني: مثل عذاب الذين أهلكوا نحو قوم عاد، وثمود، وغيرهم.

فَلا يَسْتَعْجِلُونِ يعني: بالعذاب، لأن النضر بن الحارث كان يستعجل بالعذاب، فأمهله إلى يوم بدر، ثم قتل في ذلك اليوم، وصار إلى النار.

قوله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يعني: مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة.

والويل: الشدة من العذاب.

يقال: الويل وادٍ في جهنم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: وَالسَّماءَ نُصِبَ بإضمار فعل تقديره: وَبَنَيْنَا السماء بَنيناها، والأيد: القوة قاله ابن عباس وغيره «١» وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ أي: في بناء السماء، أي: جعلناها واسعةً قاله ابن زيد «٢» .

أبو البقاء: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ أي: نحن، فحذف المخصوص.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ قال مجاهد: معناه: أَنَّ هذه إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء كالليل والنهار، والشقاوة والسعادة، والهُدَى والضلال، والسماء والأرض، والسواد والبياض، والصِّحَّةِ والمرض، والإيمان والكفر، ونحو هذا، ورَجَّحَهُ الطبريُّ «٣» بأَنَّه أَدَلُّ على القدرة التي تُوجدُ الضدين، وقال ابن زيد وغيره «٤» : هي إشارة إلى الأنثى والذكر من كل حيوان.

ت: والأَوَّلُ أحسن لشموله لما ذكره ابن/ زيد.

وقوله سبحانه: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ...

الآية أمر بالدخول في الإيمان وطاعَةِ الرحمن، وَنَبَّهَ بلفظ الفرار على أَنَّ وراءَ الناس عقاباً وعذاباً» يَفِرُّ منه، فجمعتْ لفظةُ «فروا» بين التحذير والاستدعاء.

ت: وأسند أبو بكر، أحمد بن الحسين البيهقيُّ في «دلائل النبوَّةِ» (تصنيفه) عن كَثِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أبيه، عن جدّه «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كَانَ في الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَ كَلاَماً مِنْ زَاوِيَتِهِ، وَإذَا هُوَ بِقَائِلٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، أَعِنِّي عَلَى ما ينجيني ممّا خوّفتني، فقال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَواصَوْا بِهِ ﴾ أيْ: أوْصى أوَّلُهم آخِرَهم بِالتَّكْذِيبِ؟!

وهَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أتَواطَؤُوا عَلَيْهِ فَأخَذَهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُمُ الطُّغْيانُ فِيما أُعْطُوا مِنَ الدُّنْيا عَلى التَّكْذِيبِ؛ والمُشارُ إلَيْهِمْ أهْلُ مَكَّةَ.

﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ فَقَدْ بَلَّغْتَهم ﴿ فَما أنْتَ ﴾ عَلَيْهِمْ ﴿ بِمَلُومٍ ﴾ لِأنَّكَ قَدْ أدَّيْتَ الرِّسالَةَ.

ومَذْهَبُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، ولَهم في ناسِخِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ والثّانِي: آيَةُ السَّيْفِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَذَكِّرْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عِظْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: ذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ وعَذابِهِ ورَحْمَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ أثْبَتَ الياءَ في "يَعْبُدُونِ" و"يُطْعِمُونِ" و"لا يَسْتَعْجِلُونَ" في الحالَيْنِ يَعْقُوبٌ.

واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: إلّا لِآمُرَهم أنْ يَعْبُدُونِي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: إلّا لِيُقِرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ طَوْعًا وكَرْهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وبَيانُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ  ﴾ .

والثّالِثُ: أنَّهُ خاصٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: ما خَلَقْتُ مَن يَعْبُدُنِي إلّا لِيَعْبُدَنِي.

وقالَ الضَّحّاكُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا خاصٌّ لِأهْلِ طاعَتِهِ، وهَذا اخْتِيارُ القاضِي أبِي يَعْلى فَإنَّهُ قالَ: مَعْنى هَذا الخُصُوصُ لا العُمُومُ، لِأنَّ البُلْهَ والأطْفالَ والمَجانِينَ لا يَدْخُلُونَ تَحْتَ الخِطابِ وإنْ كانُوا مِنَ الإنْسِ، فَكَذَلِكَ الكَفّارُ يَخْرُجُونَ مِن هَذا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ  ﴾ ، فَمَن خُلِقَ لِلشَّقاءِ ولِجَهَنَّمَ، لَمْ يُخْلَقْ لِلْعِبادَةِ.

والرّابِعُ: إلّا لِيَخْضَعُوا إلَيَّ ويَتَذَلَّلُوا.

ومَعْنى العِبادَةِ في اللُّغَةِ: الذُّلُّ والِانْقِيادُ.

وكُلُّ الخَلْقِ خاضِعٌ ذَلِيلٌ لِقَضاءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَمْلِكُ خُرُوجًا عَمّا قَضاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، هَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ المَعانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ ﴾ أيْ: ما أُرِيدُ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ أيْ: أنْ يُطْعِمُوا أحَدًا مِن خَلْقِي، لِأنِّي أنا الرَّزّاقُ.

وإنَّما أسْنَدَ الإطْعامَ إلى نَفْسِهِ، لِأنَّ الخَلْقَ عِيالُ اللَّهِ، ومَن أطْعَمَ عِيالَ أحَدٍ فَقَدْ أطْعَمَهُ.

وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: « "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ: يا ابْنَ آدَمَ: اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي"، أيْ: لَمْ تُطْعِمْ عَبْدِي.» فَأمّا "الرَّزّاقُ" فَقَرَأ الضَّحّاكُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "الرّازِقُ" بِوَزْنِ "العالِمِ" .

قالَ الخَطّابِيُّ: هو المُتَكَفِّلُ بِالرِّزْقِ القائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما يُقِيمُها مِن قُوتِها.

و ﴿ المَتِينُ ﴾ الشَّدِيدُ القُوَّةِ الَّذِي لا تَنْقَطِعُ قُوَّتُهُ ولا يَلْحَقُهُ في أفْعالِهِ مَشَقَّةٌ.

وقَدْ رَوى قُتَيْبَةَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ: "المَتِينِ" بِكَسْرِ النُّونِ وكَذا قَرَأ أبُو رَزِينٍ وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ، قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ ﴾ أيْ: ذُو الِاقْتِدارِ الشَّدِيدِ، ومَن رَفَعَ "المَتِينَ" فَهو صِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَن خَفَضَهُ جَعَلَهُ صِفَةً لِلْقُوَّةِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ القُوَّةِ كَتَأْنِيثِ المَوْعِظَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ (ذَنُوبًا) أيْ: نَصِيبًا مِنَ العَذابِ ﴿ مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ ﴾ الَّذِينَ أُهْلِكُوا، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودٍ.

قالَ الفَرّاءُ: الذَّنُوبُ في كَلامِ العَرَبِ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَذْهَبُ بِها إلى النَّصِيبِ والحَظِّ، قالَ الشّاعِرُ: لَنا ذَنُوبٌ ولَكم ذَنُوبُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ والذَّنُوبُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أصْلُ الذَّنُوبِ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ، وكانُوا يَسْتَقُونَ، فَيَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ ذَنُوبٌ، فَجُعِلَ "الذَّنُوبُ" مَكانَ "الحَظِّ والنَّصِيبِ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ أيْ: بِالعَذابِ إنْ أُخِّرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَوْمُهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ، ويُقالُ: هو يَوْمُ بَدْرٍ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ ﴿ فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ ﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ ﴾ ﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أتَواصَوْا بِهِ" تَوْقِيفٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَوارُدِ نُفُوسِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ أزْمانِهِمْ، أيْ: إنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا لَكِنَّهم فَعَلُوا فِعْلًا كَأنَّهُ فِعْلُ مَن يَتَواصى، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنْ جَمِيعَهم طاغٍ، والطاغِي: المُسْتَعْلِي في الأرْضِ المُفْسِدُ العاتِي عَلى اللهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَوَلَّ عنهُمْ" أيْ: عَنِ الحِرْصِ المُفْرِطِ عَلَيْهِمْ وذَهابِ اليَقِينِ حَسَراتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: فَقَوْلٌ عَنِ التَعَبِ المُفْرِطِ في دُعائِهِمْ وضَمِّهِمْ إلى الإسْلامِ، فَلَسْتَ بِمُصَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ولَسْتَ بِمَلُومٍ إذْ قَدْ بَلَّغْتَ، فَنَحِّ نَفْسَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وذَكِّرْ فَقَطْ فَإنَّ الذِكْرى نافِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن قُضِيَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنهم في ثانِي حالٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ إلّا في مَعْنى المُوادَعَةِ الَّتِي فِيها: فَإنَّ آيَةَ السَيْفِ نَسَخَتْ جَمِيعَ المُوادَعاتِ، ورَوى قَتادَةُ -وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ - عن عَلِيٍّ رِضى الله تَعالى عنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ حَزِنَ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّهُ مَرَّ بِالتَوالِي عَنِ الجَمِيعِ وأنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فَسُّرُّوا بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ مَعَ إجْماعِ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ مِنَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَقَعَ الأمْرُ بِخِلافِ إرادَتِهِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: المَعْنى: ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِعِبادَتِي ولِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيَعْبُدُونِ"؛ إذِ العِبادَةُ هي مَضْمُونُ الأمْرِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ: المَعْنى خاصٌّ، والمُرادُ وما خَلَقْتُ الطائِعِينَ مِنَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِي، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَوى عَنِ النَبِيِّ  «أنَّهُ قَرَأ: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعْنى "لِيَعْبُدُونِ"؛ لِيَتَذَلَّلُوا لِي ولِقُدْرَتِي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَجَمِيعُ الجِنِّ والإنْسِ عابِدٌ مُتَذَلِّلٌ، والكُفّارُ كَذَلِكَ، ألا تَراهم عِنْدَ القُحُوطِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ؟

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا مُعَدِّينَ لِيَعْبُدُونِي، وكَأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: خُلِقَتْ لَهم حَواسَّ وعُقُولًا وأجْسامًا مُنْقادَةً لِحَقِّ العِبادَةِ وهَذا كَما تَقُولُ: البَقَرُ مَخْلُوقٌ لِلْحَرْثِ، والخَيْلُ لِلْحَرْبِ، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما لا يَحْرُثُ وما لا يُحارِبُ بِهِ أصْلًا، فالمَعْنى أنَّ الإعْدادَ في خَلْقِ هَؤُلاءِ إنَّما هو لِلْعِبادَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهم تَكْسَّبَ صَرْفَ نَفْسِهِ عن ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزِعَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"،» وقَوْلُهُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"...الحَدِيثُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رِزْقٍ" أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي، فَأُضِيفَ إلى الضَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْعامُ هُنا بِمَعْنى النَفْعِ عَلى العُمُومِ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ فُلانًا كَذا وكَذا طُعْمَةً، وأنْتَ قَدْ أعْطَيْتُهُ عَرَضًا أو بَلَدًا يُجِيبُهُ، ونَحْوُ هَذا، عَلى الجَمِيعِ.

وقَرَأ الجَمِيعُ: "إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ"، ورَوى أبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقَرَأنِي رَسُولُ اللهِ  "إنِّي أنا الرَزّاقُ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "المَتِينُ" بِالرَفْعِ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أو صِفَةٌ لِـ "الرَزّاقُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "المَتِينِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "القُوَّةِ"، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ "القُوَّةِ" غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُو الأيْدِ والحَبْلِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ  ﴾ ، وجَوَّزَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ خَفْضُ "المَتِينِ" عَلى الجَوازِ و" المَتِينُ": الشَدِيدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ، يُرِيدُ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ صُراحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَإنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا"، و"الذُنُوبُ": الحَظُّ والنَصِيبُ، وأصْلُهُ مِنَ الدَلْوِ، وذَلِكَ أنَّ الذُنُوبَ هو مِلْءُ الدَلْوِ مِنَ الماءِ، وقِيلَ: الذُنُوبُ: الدَلْوُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبٌ لَهُ ذُنُوبٌ ولَنا ذُنُوبُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وهُوَ السِجِلُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: وفي كُلِّ حَيٍّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذُنُوبُ فَرَوى أنَّ المَلِكَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ: نَعَمْ وأذْنُبُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: لا تَبْعَدَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ وسَقى الغَوادِي قَبْرَهُ بِذُنُوبِ و"أصْحابُهُمْ" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا يَسْتَعْجِلُونَ" تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى: هو نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَلا يَسْتَعْجِلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "فَلا تَسْتَعْجِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وبِهِ قَرَأتْ فِرْقَةٌ، والباقُونَ بِالياءِ.

ثُمَّ أوجَبَ تَعالى لَهُمُ الوَيْلَ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَذابُهُمْ، و"الوَيْلُ": الشَقاءُ والهَمُّ، ورُوِيَ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى ويْلًا، والطَبَرِيُّ يَذْهَبُ أبَدًا إلى أنَّ التَوَعُّدَ إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ قَلَقٌ، لِأنَّ هَذا الوَيْلَ إنَّما هو مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي هو في الدُنْيا، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَذا التَوَعُّدُ هو بِيَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ -ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ -: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وفي "يُوعَدُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الكَلامِ، التَقْدِيرُ: يُوعِدُونَ بِهِ، أو يُوعِدُونَهُ.

تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الذارِياتِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على قوله: ﴿ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلى قوله: بل هم قوم طاغون ﴾ [الذاريات: 52، 53] لمشعر بأنهم بُعَدَاء عن أن تقنعهم الآياتُ والنذر فتوَلَّ عنهم، أي أعرض عن الإِلحاح في جدالهم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمانهم ويغتمّ من أجل عنادهم في كفرهم فكان الله يعاود تسليته الفيْنة بعد الفَيْنَة كما قال: ﴿ لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين ﴾ [الشعراء: 3] ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً ﴾ [الكهف: 6] ﴿ ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ﴾ [النحل: 127]، فالتولي مراد به هذا المعنى، وإلا فإن القرآن جاء بعد أمثال هذه الآية بدعوتهم وجِدالهم غير مرة قال تعالى: ﴿ فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون ﴾ في سورة الصافات (174 175).

وفرع على أمره بالتولي عنهم إخباره بأنه لا لوم عليه في إعراضهم عنه وصيغ الكلام في صيغة الجملة الاسمية دون: لا نلومك، للدلالة على ثبات مضمون الجملة في النفي.

وجيء بضمير المخاطب مسنداً إليه فقال: فما أنت بملوم} دون أن يقول: فلا ملام عليك، أو نحوه للاهتمام بالتنويه بشأن المخاطب وتعظيمه.

وزيدت الباء في الخبر المنفي لتوكيد نفي أن يكون ملوماً.

وعطف ﴿ وذكر ﴾ على ﴿ فتول عنهم ﴾ احتراس كي لا يتوهم أحد أن الإِعراض إبطال للتذكير بل التذكير باققٍ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكَّر الناس بعد أمثال هذه الآيات فآمن بعض من لم يكن آمن من قبل، وليكون الاستمرار على التذكير زيادة في إقامة الحجة على المعرضين، ولئلا يزدادوا طغياناً فيقولوا: ها نحن أولاء قد أفحمناه فكُفّ عما يقوله.

والأمر في ﴿ وذكر ﴾ مراد به الدوام على التذكير وتجديدُه.

واقتصر في تعليل الأمر بالتذكير على علة واحدة وهي انتفاع المؤمنين بالتذكير لأن فائدة ذلك محققة، ولإِظهار العناية بالمؤمنين في المقام الذي أُظهرت فيه قلة الاكتراث بالكافرين قال تعالى: ﴿ فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى ﴾ [الأعلى: 9 11].

ولذلك فوصف المؤمنين يراد به المتصفون بالإِيمان في الحال كما هو شأن اسم الفاعل، وأما من سيُؤمِنْ فِعلته مطوية كما علمت آنفاً.

والنفع الحاصل من الذكرى هو رسوخ العلم بإعادة التذكير لما سمعوه واستفادة علم جديد فيما لم يسمعوه أو غفلوا عنه، ولظهور حجة المؤمنين على الكافرين يوماً فيوماً ويتكرر عجز المشركين عن المعارضة ووفرة الكلام المعجز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: فَذَكِّرْ بِالعِظَةِ فَإنَّ الوَعْظَ يَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: وذَكِّرْ بِالثَّوابِ والعِقابِ فَإنَّ الرَّغْبَةَ والرَّهْبَةَ تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ.

﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلّا لِيُقِرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: إلّا لِآمُرُهم وأنْهاهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: إلّا لِأجْبِلَهم عَلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: إلّا لِيَعْرِفُونِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الخامِسُ: إلّا لِلْعِبادَةِ، وهو الظّاهِرُ، وبِهِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما أُرِيدُ أنْ يَرْزُقُوا عِبادِي ولا أنْ يُطْعِمُوهم.

الثّانِي: ما أنْفُسُهم، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.

الثّالِثُ: ما أُرِيدُ مِنهم مَعُونَةً ولا فَضْلًا.

﴿ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَذابًا مِثْلَ عَذابِ أصْحابِهِمْ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّانِي: يَعْنِي سَبِيلًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: يَعْنِي بِالذَّنُوبِ الدَّلْوَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الشّاعِرُ لَنا ذَنُوبٌ ولَكم ذَنُوبٌ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وَلا يُسَمّى الذَّنُوبُ دَلْوًا حَتّى يَكُونَ فِيهِ ماءٌ.

الرّابِعُ: يَعْنِي بِالذَّنُوبِ النَّصِيبَ، قالَ الشّاعِرُ وفي كُلِّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشاسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ وَيَعْنِي بِأصْحابِهِمْ مِن كَذَّبَ بِالرُّسُلِ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِيَعْتَبِرُوا بِهَلاكِهِمْ.

﴿ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ أيْ فَلا يَسْتَعْجِلُوا نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ لِأنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا الآيَةَ، فَنَزَلَ بِهِمْ يَوْمُ بَدْرٍ، ما حَقَّقَ اللَّهُ وعْدَهُ، وعَجَّلَ بِهِ انْتِقامَهُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ قال: أمره الله أن يتولى عنهم ليعذبهم وعذر محمداً صلى الله عليه وسلم ثم قال: ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ فنسختها.

وأخرج اسحق بن راهويه وأحمد بن منيع والهيثم بن كليب في أسانيدهم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء في المختارة من طريق مجاهد عن علي قال: لما نزلت ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهلكة إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتولي عنا، فنزلت ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ فطابت أنفسنا.

وأخرج ابن راهويه وابن مردويه عن عليّ رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ قال: ما نزلت علينا آية كانت أشد علينا منها ولا أعظم علينا منها، فقلنا: ما هذا إلا من سخطة أو مقت، حتى نزلت ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ قال: ذكر بالقرآن.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ قال: ذكر لنا أنها لما نزلت اشتد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر، فأنزل الله بعد ذلك ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ قال: فأعرض عنهم، فقيل له: ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ فوعظهم.

وأخرج ابن المنذر عن سلمان بن حبيب المحاربي قال: من وجد للذكرى في قلبه موقعاً فليعلم أنه مؤمن قال الله: ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون ﴾ قال: ليقروا بالعبودية طوعاً أو كرهاً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون ﴾ قال: على ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي وشقوتي وسعادتي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون ﴾ قال: ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الجوزاء في الآية قال: أنا أرزقهم وأنا أطعمهم، ما خلقتهم إلا ليعبدون.

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلاّ تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك» .

وأخرج الطبراني في مسند الشاميين والحاكم في التاريخ والبيهقي في شعب الإِيمان والديلمي في مسند الفردوس عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله إني والجن والإِنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» .

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن الأنباري في المصاحف وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إني أنا الرزاق ذو القوّة المتين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ المتين ﴾ يقول: الشديد.

قوله تعالى: ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ الآية.

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ذنوباً ﴾ قال: دلواً.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم ﴾ قال: سجلا من العذاب مثل عذاب أصحابهم.

وأخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق عن طلحة بن عمرو في قوله: ﴿ ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم ﴾ قال: عذاباً مثل عذاب أصحابهم، والله تعالى أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ يقول: فأعرض عن هؤلاء المشركين فقد بلغت وأنذرت، وهو قوله: ﴿ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ أي لا لوم عليك إذ أديت الرسالة.

قال ابن عباس: فحزن رسول الله -  - لما نزلت هذه الآية مخافة أن تنزل بقومه العذاب.

ونحو هذا قال مقاتل، وقتادة، وغيرهما.

قالوا: واشتد على أصحابه وظنوا أن الوحي قوإنقطع، أي: العذاب حضر، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿ وَذَكِّرْ ﴾ (١) ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى تنفعهم (٢) القول الثاني: أنه أمر أن يُذكر ويعظ الكفار.

وهو قول مقاتل.

يقول: عظ كفار مكة بوعيد القرآن، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، يعني من في علم الله أن يؤمن منهم (٣) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، "جامع البيان" 27/ 7، "الكشف والبيان" 11/ 190 ب، "الدر" 6/ 116.

(٢) انظر: "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، "معالم التنزيل" 4/ 235، "فتح القدير" 5/ 92.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ منسوخ بالسيف ﴿ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ﴾ أي قد بلغت الرسالة فلا لوم عليك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والذاريات ذرواً ﴾ بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو ﴿ ومثل ما ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

الباقون: ﴿ مثل ﴾ بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم ﴿ سلم ﴾ بكسر السين وسكون اللام: حمزة علي وخلف والمفضل ﴿ والصعقة ﴾ بسكون العين للمرة: علي ﴿ وقوم نوح ﴾ بالجر: أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف: ﴿ ذرواً ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ه لا ﴿ يسراً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه ط ﴿ لصادق ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه ﴿ الحبك ﴾ ه لا ﴿ مختلف ﴾ ه لا ﴿ أفك ﴾ ه ط ﴿ الخراصون ﴾ ه لا ﴿ ساهون ﴾ ه لا لأن ﴿ يسألون ﴾ صلة بعد صلة، ﴿ الدين ﴾ ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا ﴿ يفتنون ﴾ ه ﴿ فتنتكم ﴾ ط ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ محسنين ﴾ ه ط ﴿ يهجعون ﴾ ه ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ والمحروم ﴾ ه ﴿ للموقنين ﴾ ه ط للعطف ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تنطقون ﴾ ه ﴿ المكرمين ﴾ ه م لأن عامل "إذ" محذوف وهو "اذكر" ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ج ﴿ لحق ﴾ المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ سمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ تأكلون ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ لا للتعلق بما بعده ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ للمفسرين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى ﴿ المسلمين ﴾ ه ط كذلك ﴿ الأليم ﴾ ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ﴿ مليم ﴾ ه كما مر ﴿ العقيم ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته ﴿ كالرميم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتصرين ﴾ ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف ﴿ قبل ﴾ ج ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ لموسعون ﴾ ه ﴿ الماهدون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه للآية مع العطف ﴿ آخر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أو مجنون ﴾ ه ﴿ أتواصوا به ﴾ ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً ﴿ طاغون ﴾ ه ﴿ بملوم ﴾ ه لا للآية مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ليعبدون ﴾ ه ﴿ يطعمون ﴾ ه ﴿ المتين ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه.

التفسير: لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه  بقوله ﴿ نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار  ﴾ لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك.

عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي.

فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟

قال: الرياح.

وقد مر في الكهف في قوله ﴿ تذروه الرياح  ﴾ قال: فالحاملات وقراً؟

قال  : السحاب لأنها تحمل المطر.

وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد.

قال: فالجاريات يسراً؟

قال  : الفلك والمراد جريان اليسر.

قال: فالمقسمات أمراً؟

قال  : الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال.

ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه  أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر.

ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر.

وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً، ثم تنشىء السحاب وتحمله.

ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب, وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر.

وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله  .

وقيل: المقسمات الكواكب السبعة.

وجواب القسم ﴿ إن ما توعدون ﴾ و "ما" مصدرية أو موصولة ﴿ لصادق ﴾ في نفسه كما يقال "خبر صادق" أو "ذو صدق" كعيشة راضية.

ثم صرح بالموعود قائلاً ﴿ وإن الدين ﴾ أي الجزاء ﴿ لواقع ﴾ أي حاصل.

وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي.

وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق "ما أحسن حبكه".

وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر.

والضمير في ﴿ يؤفك عنه ﴾ للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية.

ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل والعناد.

وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى ﴿ قول مختلف ﴾ ويكون "عن" كما قوله ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.

ثم دعا عليهم بقوله ﴿ قتل الخرّاصون ﴾ أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً.

ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان.

وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به ﴿ أيان يوم الدين ﴾ أي متى وقوعه؟

ثم أجاب بقوله ﴿ يوم هم ﴾ أي يقع في ذلك اليوم.

ومعنى ﴿ يفتنون ﴾ يحرقون ويعذبون.

ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً ﴿ ذوقوا ﴾ إلى آخره.

وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ أي في جنات فيه عيون حال كونهم ﴿ آخذين ما آتاهم ربهم ﴾ قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية.

وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له.

وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم.

قال: إن فيض الله  لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته.

وقوله ﴿ ما آتاهم ﴾ على المضي لتحقق الإيتاء مثل { ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد.

ثم فسر إحسانهم بقوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل يهجعون ﴾ "ما" صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً.

وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة.

وارتفع "ما" مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه.

وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول.

ولا يجوز أن تكون "ما" نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها.

وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار.

وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم.

ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر.

ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر.

ويمكن أن يقال: إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله.

ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده ﴿ في أموالهم حق ﴾ فيكون كقوله ﴿ يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة  ﴾ ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة.

قال جار الله: في قوله ﴿ هم يستغفرون ﴾ إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين.

وقيل: إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق.

وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله.

والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل: إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه.

وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً.

والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة.

ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع.

وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر.

الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال  " "لكل كبد حرى أجر" الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال  : " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث.

وقيل: المحروم الذي لا يمنى له مال.

وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب.

ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله ﴿ وفي الأرض آيات ﴾ كقوله ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة  ﴾ إلى قوله ﴿ إن الذي أحياها لمحي الموتى  ﴾ ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره.

وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع.

ثم استدل بالأنفس فقال ﴿ وفي أنفسكم ﴾ آيات.

وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً.

وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات.

قال أهل النظم: هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم.

وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه.

﴿ وما توعدون ﴾ هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش.

وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء.

ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب  .

و"ما" مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا.

قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: من الرجل؟

قلت: من بني أصمع.

قال: من أين أقبلت؟

قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.

فقال: اتل علي فتلوت ﴿ والذاريات ﴾ فلما بلغت قوله ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ فقال: حسبك.

فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى.

فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال: فهل غير هذا؟

فقرأت ﴿ فورب السماء والأرض إنه لحق ﴾ فصاح فقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.

ثم سلى نبيه  بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في "هود" و "الحجر" وفي قوله ﴿ هل أتاك ﴾ تفخيم لشأن الحديث.

والضيف واحد.

وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله ﴿ بل عباد مكرمون  ﴾ وجوز أن يكون نصب ﴿ إذا دخلوا ﴾ بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل.

قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة.

وفي قوله ﴿ فقربه إليهم ﴾ دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم.

﴿ قال ألا تأكلون ﴾ سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في "الصافات" وقد مر.

والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه ﴿ فأوجس ﴾ فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في "هود" وفي "الصافات".

واعلم أنه  ذكر في "هود" أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا ﴿ سلام قوم منكرون ﴾ ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه.

قوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ أي في صيحة ومنه صرير القلم.

قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان ﴿ وقالت ﴾ أنا ﴿ عجوز ﴾ فأجابت الملائكة ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به ﴿ قال ربك ﴾ فلا تستبعدي.

وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة.

﴿ قال فما خطبكم ﴾ شأنكم وطلبكم؟

فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في "هود".

والضمير في قوله ﴿ فيها ﴾ للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم، قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد.

وقال غيرهم: المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس؟

فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد.

فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد.

وقوله ﴿ وتركنا فيها آية ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة  ﴾ أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود.

قوله ﴿ وفي موسى ﴾ قيل: الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ وتركنا فيها ﴾ أي وجعلنا في موسى آية.

قال جار الله: هو كقوله من قال: علفتها تبنا وماء بارداً *** ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف.

قوله ﴿ فتولى بركنه ﴾ كقوله ﴿ ونأى بجانبه  ﴾ وقيل: الباء للمصاحبة.

والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه.

وقيل: ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به  كما مر في "الصافات" لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف.

فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر.

والرميم ما رم وتفتت.

قال في الكشاف: ﴿ تمتعوا حتى حين ﴾ تفسيره في قوله ﴿ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام  ﴾ قلت: هذا سهو منه فإن قوله ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله.

وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين  ﴾ فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين ﴿ فعتوا عن أمر ربهم ﴾ بالإصرار على كفرهم.

فقيل: على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها ﴿ وهم ينظرون ﴾ أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿ فما استطاعوا من قيام ﴾ عبارة عن جثومهم كما مر مراراً ﴿ وما كانوا منتصرين ﴾ ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف.

ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال ﴿ والسماء بنيناها بأيد ﴾ وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان.

وفي قوله ﴿ بأيد ﴾ أي بقوة تأكيد لذلك.

وفي قوله ﴿ وأنا لموسعون ﴾ مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر.

وقيل: جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة.

وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى ﴿ ومن كل شيء ﴾ من الحيوان ﴿ خلقنا زوجين ﴾ ذكراً وأنثى.

وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة.

قال: كل اثنين منها زوج والله  فرد لا مثل له.

وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله  فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع.

وإذا عرفتم الله ﴿ ففروا إلى الله ﴾ أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه.

وكرر قوله ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ للتأكيد.

وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله  بقوله ﴿ كذلك ﴾ أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب.

ثم فسر ما أجمله بقوله ﴿ ما أتى ﴾ إلى آخره وقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم.

ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول ﴿ فتول عنهم ﴾ فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة ﴿ فما أنت بملوم ﴾ على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك ﴿ وذكر ﴾ مع ذلك ﴿ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر.

ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة.

وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض.

وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه.

ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم.

والمتين الشديد القوة.

ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً ﴾ أي نصيباً من العذاب ﴿ مثل ذنوب أصحابهم ﴾ المهلكين، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو.

واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ ﴾ .

أي: خلقناها بقوة، ﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ أي: لقادرون.

وجائز أن يكون الموسع، الواجد؛ كقوله  -: ﴿ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ  ﴾ ، أي: على الواجد الموسر قدره.

وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ في التدبير، تدبير جميع الخلق عليهم أرزاقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ ﴾ .

أي: بسطناها ومهدناها ﴿ فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ ﴾ لكم الأرض، حيث مهدها لكم مبسوطة مفترشة تجدونها كذلك ما كانوا وأينما كانوا، من غير تكلف، ويستعملونها كيف شاءوا في أي منفعة شاءوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ﴾ .

قال بعضهم: صنفين من الحيوان؛ فإنه خلقهم ذكراً وأنثى.

وقال بعضهم: ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ ، أي: لونين، نحو أبيض وأسود، وأحمر وأصفر.

والأول قول الزجاج، والثاني قول القتبي.

وأصله: أنه يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ ، أي: شكلين، فيعلمون ببعضه بعضاً، أو ضدين فيناقض بعضه بعضا، والله -  وتعالى - ليس بذي شكل، ولا ذي ضد؛ فيدل ما أنشأ من الأضداد والأشكال على وحدانيته وألوهيته.

والثاني: خلق الأشياء مختلفين متضادين؛ ليدل على إيجاب المحن عليهم من نحو عسر ويسر، وعناء وحاجة، وخير وشر؛ ليمتحنهم على اختلاف الأحوال وتضادها؛ فيرغبهم في كل مرغوب، ويحذرهم عن كل مرهوب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .

أي: تذكرون آيات وحدانيته وألوهيته.

أو تذكرون - باختلاف الامتحان - البعث، والثواب، والعقاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، يحتمل وجوها: قال بعضهم: ففرقوا إلى توحيد الله من الشرك به؛ دليله قوله على إثره: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ﴾ وهو [قول] أبي بكر الأصم.

ويحتمل ﴿ فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ففلرقوا إلى ما دعاكم الله تعلى إليه عما نهاكم عنه؛ كقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ  ﴾ ، أي: ففرقوا إلى الأعمال الصالحة من الأعمال القبيحة.

ويحتمل: ففروا إلى ما وعد لكم من الثواب عما أوعد لكم من العقاب؛ أي: فروا إلى ثواب الله عن نقمته وعقابه.

ويحتمل: ففروا إليه في جميع حوائجكم، ولا تطلبوا شيئاً من ذلك من غيره؛ فإنه هو القادر عليها حقيقة؛ فيكون في الآية ترغيب في الرجوع إليه في الحوائج، وقطع الطمع عن غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ يحتمل وجوها: يحتمل: إني نذير لمن عبد دونه، أو سمى دونه إلها، ﴿ مُّبِينٌ ﴾ آيات ألوهيته ووحدانيته.

ويحتمل: إني لكم منه نذير مبين؛ لما يقع لكم به النذارة والبشارة.

وقال أبو بكر الأصم: إني لكم منه نذير مبين بما نزل بمكذبي الرسل بتكذيبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ﴾ .

اي: لا تسمعوا مع ألوهية الله  لأحد دون الله: ألوهيته، ولا تسموا دون الله: إلها.

أو يقول: لا تعبدوا الله إلها آخر؛ أي: معبودا آخر؛ فإنه لا يستحق دون الله أحد للعبادة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ لم يذكر في هذا الموضع القول منهم: إنهم قالوا للرسول: إنك ساحر أو مجنون، ولكن إن لم يكن مذكورا في ظاهره، لكن ما ذكر أن أوائلهم كانوا يقولون لرسلهم ذلك - دلالة أنهم قد قالوا: إنه ساحر، وإنه مجنوه؛ حيث قال: ﴿ كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ يصبر رسوله  على أذاهم بنسبتهم إياه إلى السحر والجنون؛ كقوله  : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ وغير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالصبر على أذاهم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: إنما قالوا: ساحر أو مجنون؛ لأن السحر والجنون عندهم واحد؛ كقول فرعون لموسى -  - لما أتى به من الآيات: ﴿ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً  ﴾ ؛ فلذلك قالوا مرة: ساحر، ومجنون مرة.

ولكن هذا فاسد؛ فإنه لا يحتمل أن يكون الجنون والسحر عندهم واحداً، لأن الساحر هو الذي بلغ في العلم في كل شيء غايته، والمجنون هو الذي بلغ في الجهل غايته، ونسبوهم إلى السحر؛ لما أتى لهم من الآيات ما عجز الناس من إتيان مثلها، وقد عرفوا هم أ نها آيات - أعني: رؤساءهم وأئمتهم - لكن قالوا: إنها سحر؛ على إرادة التلبيس على الأتباع والعامة؛ لما عند الناسأن لا كل أحد يقدر على إتيان السحر، فقالوا: إنهم سحرة للرسل لهذا؛ وإنما نسبوهم إلى الجنون لما أنهم خالفوا الفراعنة والأكابر الذين كانت همتهم القتل وإهلاك من خالفهم في المذبه والأمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .

أي: أوصى أوائلهم أواخرهم في تسميتهم الرسل - عليهم السلام -: سحرة ومجانين؛ وأن يوافق بعضهم بعضا في نسبتهم الرسل إلى السحر والجنون، أي: لم يزل الكفرة يقولون لرسلهم ذلك.

ويحتمل أن يكون ذلك على التمثيل، لا على حقيقة القول منهم؛ لما كان اجتماعهم لأجل هذا القول في كل وقت؛ فصار ذلك الاجتماع منهم كالتواصي من بعضهم لبعض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .

يخبر أنهم لا عن جهل وشبهة قالوا: إنهم سحرة، ولكن عن طغيان، وتعدي حد الله - عز وجل - والمجاوزة له؛ لأنه الطاغي هو المجاوز عن الحد الذي جعل له، والمتعدي عنه.

وقوله  -: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: لما نزل هذا خاف رسول الله  وأصحابه -  م - أنه ينزل بهم العذاب حتى نزل قوله  : ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

لكن عندنا يخرج قوله -  -: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ﴾ على وجهين: أحدهما: أي: تولَّ عنهم، فأعرض ولا تكافئهم بإساءتهم إليك بقولهم: إنه ساحر، وإنه مجنون؛ فإن الله  سيكفيهم عنك، ويجازيهم مجازاة إساءتهم.

والثاني: يأمره بالإعراض والتولي عن قوم علم الله  أنهم لا يؤمنون؛ يؤيسه عن إيمانهم، ويقول: لا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يؤمنون لك ولا يصدقونك، ولكن اشتغل بمن ترجو منه الإيمان، والله أعلم.

وجائز أن يكون لا على حقيقة الأمر، ولكن على التخيير؛ أي: لك أن تتولى عنهم وتعرض؛ فإنك قد بلغت، وأعذرت في التبليغ والدعاء غايته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ﴾ .

جائز أن يكون المراد من نفي الشيء إثبات مقابل ذلك الشيء وضده؛ كقوله  : ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ  ﴾ [ذكر] الريح، والمراد: إثبات الخسران؛ كأنه قال: فيما ربحت تجارتهم؛ بل خسرت؛ فعل ذلك جائز قوله: ﴿ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ﴾ بل بمحمود، والله أعلم.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ﴾ ؛ لأنه قد بلغ الرسالة، وما أمر بتبليغه إلى الخلق، وقام بأمره ونصح خلقه، وخفض جناحه لهم، فكيف يلام؟!

أي: ما أنت بالذي تلام على صنيعك وعلى فعلك، وإن كان بعضه الناس يلومك، وهم الكفار.

وفيه دلالة الحفظ والعصمة له من الزيغ والزلات؛ إذ لو كان بالذي يحتمل الزيغ والزلة، لكان يحتمل الملامة؛ فدل أنه لا يحتمل الزيغ والعدول عن الحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

جائز أن يكون الأمر بالتذكير للكل؛ ثم أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين، لا الكل.

وجائز: فذكر المؤمنين؛ فإن منفعة الذكر لهم، ولمن أنصف، دون المكابرين المعاندين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا يمنعك إعراضك عنهم من وعظهم، وتذكيرهم، فعظهم وذكّرهم، فإن التذكير ينفع أهل الإيمان بالله.

<div class="verse-tafsir" id="91.rYvJN"

مزيد من التفاسير لسورة الذاريات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله