الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٣ من سورة الرحمن
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 15 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه أنه أنزل على عباده القرآن ويسر حفظه وفهمه على من رحمه فقال تعالى "الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان" قال الحسن يعني النطق وقال الضحاك وقتادة وغيرهما يعني الخير والشر وقول الحسن ههنا أحسن وأقوى لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن وهو أداء تلاوته وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها.
وقوله: ( خَلَقَ الإنْسَانَ ) يقول تعالى ذكره: خلق آدم وهو الإنسان في قول بعضهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ( خَلَقَ الإنْسَانَ ) قال الإنسان: آدم.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( خَلَقَ الإنْسَانَ ) قال الإنسان: آدم صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
وقال آخرون: بل عنى بذلك الناس جميعا، وإنما وحد في اللفظ لأدائه عن جنسه، كما قيل: إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، والقولان كلاهما غير بعيدين من الصواب لاحتمال ظاهر الكلام إياهما.
قال ابن عباس وقتادة والحسن يعني آدم عليه السلام .
{ خَلَقَ الْإِنْسَانَ } في أحسن تقويم، كامل الأعضاء، مستوفي الأجزاء، محكم البناء، قد أتقن البديع تعالى البديع خلقه أي إتقان،.
( خلق الإنسان ) يعني آدم عليه السلام ، قاله ابن عباس وقتادة .
«خلق الإنسان» أي الجنس.
خلق الإنسان، علَّمه البيان عمَّا في نفسه تمييزًا له عن غيره.
وقوله - تعالى - : ( خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان ) بيان لنعمتين أخريين من نعمه - سبحانه - .
والمراد بالإنسان : جنسه ، والمراد بالبيان : الفهم والنطق والإفصاح عما يريد الإفصاح عنه بالكلام الذى أداته اللسان .أى خلق - سبحانه - بقدرته الإنسان على أجمل صورة ، وأحسن تقويم ، ومكنه من الإفصاح عما فى نفسه عن طريق المنطق السليم ، والقول الواضح ، كما مكنه من فهم كلام غيره له ، فتميز بذلك من الأجناس الأخرى ، وصار أهلا لحمل الأمانة التى عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال ، وأصبح مستعدات لتلقى العلوم والخلافة فى الأرض .ورحم الله - تعالى - صاحب الكشاف ، فقد صور هذه المعانى بأسلوبه الرصين فقال : عدد الله - عز وجل - آلاءه فقدم ما هو أسبق قدما من ضربو آلائه ، وأصناف نعمائه ، وهى نعمة الدين ، وقدم من نعمة الدين ما هو فى أعلى مراتبها ، وأقصى مراقبها ، وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه ، لأنه أعظم وحى الله رتبة ، وأعلاه منزلة ، وأحسنه فى أبواب الدين أثرا ، وهو سنام الكتب السماوية ، ومصداقها ، والعيار عليها .
سُورَةُ (الرَّحْمَنِ ) وسُمِّيَتْ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَرْفُوعًا ««عَرُوسَ القُرْآنِ»» ورَواهُ مُوسى بْنُ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنْ آبائِهِ الأطْهارِ كَذَلِكَ «وهِيَ مَكَّيَّةٌ» في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وابْنُ النَّحّاسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلٍ، وحَكاهُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا، وحَكى أيْضًا قَوْلًا آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو أنَّها مَدَنِيَّةٌ سِوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ، وحُكِيَ الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ في جَمالِ القُرّاءِ عَنْ بَعْضِهِمْ ولَمْ يُعَيِّنْهُ، وعَدَدُ آياتِها ثَمانٍ وسَبْعُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ والشّامِيِّ، وسَبْعُ وسَبْعُونَ في الحِجازِيِّ، وسِتُّ وسَبْعُونَ في البَصْرِيِّ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها عَلى ما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: أنَّهُ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ في آخِرَ ما قِيلَ ﴿ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ ﴾ ثُمَّ وصَفَ عَزَّ وجَلَّ حالَ المُجْرِمِينَ ﴿ فِي سَقَرَ ﴾ وحالَ المُتَّقِينَ ﴿ فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ ﴾ فَصَّلَ هَذا الإجْمالَ في هَذِهِ السُّورَةِ أتَمَّ تَفْصِيلٍ عَلى التَّرْتِيبِ الوارِدِ في الإجْمالِ فَبَدَأ بِوَصْفِ مَرارَةِ السّاعَةِ، والإشارَةِ إلى ( شِدَّتِها)، ثُمَّ وصَفَ النّارَ وأهْلَها، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ﴾ ولَمْ يَقُلِ الكافِرُونَ، أوْ نَحْوَهُ لِاتِّصالِهِ مَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى هُناكَ: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ ﴾ ثُمَّ وصَفَ الجَنَّةَ وأهْلَها ولِذا قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾ وذَلِكَ هو عَيْنُ التَّقْوى ولَمْ يُقِلْ ولِمَن آمَنَ، أوْ أطاعَ، أوْ نَحْوَهُ لِتَتَوافَقَ الألْفاظُ في التَّفْصِيلِ والمُفَصَّلِ؛ ويُعْرَفُ بِما ذُكِرَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كالشَّرْحِ لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها، وقالَ أبُو حَيّانَ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هُناكَ مَقَرَّ المُجْرِمِينَ في سُعُرٍ، ومَقَرَّ المُتَّقِينَ ﴿ فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ ﴾ ﴿ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا شَيْئًا مِن آياتِ المُلْكِ وآثارِ القُدْرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا مَقَرَّ الفَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإسْهابِ إذْ كانَ ذِكْرُهُ هُناكَ عَلى جِهَةِ الِاخْتِصارِ، ولَمّا أبْرَزَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ بِصُورَةِ التَّنْكِيرِ فَكَأنَّ سائِلًا يَسْألُ ويَقُولُ مِنَ المُتَّصِفِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الجَلِيلَتَيْنِ ؟
فَقِيلَ: «الرَّحْمَنُ» إلَخْ، والأوْلى عِنْدِي أنْ يُعْتَبَرَ في وجْهِ المُناسِبَةِ أيْضًا ما في الإرْشادِ وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ في السُّورَةِ السّابِقَةِ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِن ضُرُوبِ نِقَمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيَّنَعُقَيْبَ كُلِّ ضَرْبٍ مِنها أنَّ القُرْآنَ قَدْ يُسِّرَ لِتَذَكُّرِ النّاسِ واتِّعاظِهِمْ ونَعى عَلَيْهِمْ إعْراضَهم عَنْ ذَلِكَ عَدَّدَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما أفاضَ عَلى كافَّةِ الأنامِ مِن فُنُونِ نِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والأنْفُسَيَّةِ والآفاقِيَّةِ وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ إثْرَ كُلِّ فَنٍّ مِنها إخْلالَهم بِمُواجِبِ شُكْرِها، وهَذا التَّكْرارُ أحْلى مِنَ السُّكَّرِ إذْ تَكَرَّرَ، وفي الدُّرَرِ والغُرَرِ لِعَلَمِ الهُدى السَّيِّدِ المُرْتَضى التَّكْرارُ في سُورَةِ «الرَّحْمَنِ» إنَّما حَسُنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ بِها كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ ؟
ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا ؟
فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهَمْ كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يُرْثِي كُلَيْبًا: عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاةُ مِنَ الدَّبُورِ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَأثُّلِ الأمْرِ الكَبِيرِ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جَأْشُ المُسْتَجِيرِ ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ ولَوْلا خَوْفُ المَلَلِ لأوْرَدْتُها، ولا يُرَدُّ عَلى ما ذَكَرَهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ ذُكِرَتْ بَعْدَ ما لَيْسَ نِعْمَةً لِما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَحَلِّهِ، وقُسِّمَ في الإتْقانِ التَّكْرارُ إلى أقْسامٍ، وذُكِرَ أنَّ مِنهُ ما هو لِتَعَدُّدِ المُتَعَلِّقِ بِأنْ يَكُونَ المُكَرَّرُثانِيًا مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِ ما تُعَلِّقَ بِهِ الأوَّلُ ثُمَّ قالَ: وهَذا القِسْمُ يُسَمّى بِالتَّرْدِيدِ وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) مِن سُورَةِ الرَّحْمَنِ فَإنَّها وإنْ تَكَرَّرَتْ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً فَكُلُّ واحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها كَما قالَ ابْنُ عَبْدُ السَّلامِ وغَيْرُهُ، وهو حَسَنٌ إلّا أنَّهُ نَظَرَ في إطْلاقِ قَوْلِهِ: إنَّ التَّأْكِيدَ إلَخْ بِأنَّ ذَلِكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي تابِعٌ أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ فَلا يُمْتَنَعُ وإنْ لُزِمَ مِنهُ التَّأْكِيدُ فافْهَمْ، وبَدَأ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ لِأنَّهُ أعْظَمُ النِّعَمِ شَأْنًا وأرْفَعُها مَكانًا كَيْفَ لا وهو مَدارٌ لِلسَّعادَةِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ وعِيارٌ عَلى الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ما مِن مَرْصَدٍ تَرْنُو إلَيْهِ أحْداقُ الأُمَمِ إلّا وهو مَنشَؤُهُ ومَناطُهُ، ولا مَقْصَدٌ تَمْتَدُّ نَحْوَهُ أعْناقُ الهِمَمِ إلّا وهو مَنهَجُهُ وصِراطُهُ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ - لِعَلَّمَ - ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ - أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ القُرْآنَ - وهَذا المَفْعُولُ هو الَّذِي كانَ فاعِلًا قَبْلَ نَقْلِ فَعِلَ الثُّلاثِيِّ إلى فَعَّلَ المُضَعَّفِ، وسَها الإمامُ فَحَسِبَ أنَّ المَحْذُوفَ المَفْعُولُ الثّانِي حَيْثُ قالَ: عَلَّمَ لا بُدَّ لَهُ مِن مَفْعُولٍ ثانٍ وتُرِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ النِّعْمَةَ في التَّعْلِيمِ لا في تَعْلِيمِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أرادَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن مَفْعُولٍ آخَرَ مَعَ هَذا المَفْعُولِ فَلا جَزْمَ بِسَهْوِهِ، وقِيلَ: المُقَدَّرُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَلى القَوْلَيْنِ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ، ولِي في تَعْلِيمِ غَيْرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَلائِكَةِ الكِرامِ تَرَدُّدٌ ما بِناءً عَلى ما في الإتْقانِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الصَّلاحِ مِن أنَّ قِراءَةَ القُرْآنِ كَرامَةٌ أكْرَمَ اللَّهُ تَعالى بِها البَشَرَ فَقَدْ ورَدَ أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُعْطُوا ذَلِكَ وأنَّهم حَرِيصُونَ لِذَلِكَ عَلى اسْتِماعِهِ مِنَ الإنْسِ، وإنَّما لَمْ أعْتَبِرْ عُمُومَهُ لِلنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ وكَأنِّي بِكَ لا تُسَلِّمُ صِحَّةَ ما ذُكِرَ وإنِ اسْتُثْنِيَ مِنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: ( عَلَّمَ ) مِنَ العَلامَةِ ولا تَقْدِيرَ أيْ جُعِلَ القُرْآنُ عَلامَةً وآيَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ، أوْ عَلامَةً لِلنُّبُوَّةِ ومُعْجِزَةً، وهَذا عَلى ما قِيلَ: يُناسِبُ ما ذُكِرَ في مُفْتَتَحِ السُّورَةِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ وتَتَناسَبُ السُّورَتانِ في المُفْتَتَحِ حَيْثُ افْتُتِحَتِ الأوْلى بِمُعْجِزَةٍ مِن بابِ الهَيْبَةِ وهَذِهِ بِمُعْجِزَةٍ مِن بابِ الرَّحْمَةِ.
وقَدْ أبْعَدَ القائِلُ ولَوْ أبْدى ألْفَ مُناسَبَةٍ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ مِنَ التَّعْلِيمِ، والمُرادُ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ قِيلَ: إفادَةُ العِلْمِ بِهِ لا بِمَعْنى إفادَةُ العِلْمِ بِألْفاظِهِ فَقَطْ بَلْ بِمَعْنى إفادَةِ ذَلِكَ والعِلْمُ بِمَعانِيهِ عَلى وجْهٍ يُعْتَدُّ بِهِ وهو مُتَفاوِتٌ وقَدْ يَصِلُ إلى العِلْمِ بِالحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ مِن إشاراتِهِ ورُمُوزِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَغْفِلْ شَيْئًا فِيهِ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في كِتابِ العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ««إنَّ اللَّهَ لَوْ أغْفَلَ شَيْئًا لَأغْفَلَ الذَّرَّةَ والخَرْدَلَةَ والبَعُوضَةَ»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ وبُيِّنَ لَنا فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ ولَكِنَّ عِلْمَنا يَقْصُرُ عَمّا بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: وقالَ المُرْسِي: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ بِحَيْثُ لَمْ يَحُطْ بِها عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ، ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَلا ما اسْتَأْثَرَ بِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ مُعْظَمَ ذَلِكَ ساداتُ الصَّحابَةِ وأعْلامُهم كالخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُمُ التّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ ثُمَّ تَقاصَرَتِ الهِمَمُ وفَتَرَتِ العَزائِمُ وتَضاءَلَ أهْلُ العِلْمِ وضَعَفُوا عَنْ حَمْلِ ما حَمَلَهُ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ مِن عُلُومِهِ وسائِرِ فُنُونِهِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّعْلِيمَ بِتَنْبِيهِ النَّفْسِ لِتَصَوُّرِ المَعانِي، وجَوَّزَ الإمامُ أنْ يُرادَ بِهِ هُنا جُعِلَ الشَّخْصُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ القُرْآنَ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ وهو بِهَذا المَعْنى مَجازٌ كَما لا يَخْفى، ( والرَّحْمَنُ ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ كَما هو الظّاهِرُ، وإسْنادُ تَعْلِيمِهِ إلى اسْمِ ( الرَّحْمَنُ ) لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ وأحْكامِها، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ إمّا لِلتَّأْكِيدِ أوْ لِلْحَصْرِ، وفِيهِ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ ما فِيهِ، وقِيلَ: ( الرَّحْمَنُ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيِ اللَّهُ الرَّحْمَنُ، أوِ الرَّحْمَنُ رَبُّنا وما بَعْدُ مُسْتَأْنَفٌ لِتَعْدِيدِ نِعَمِهِ عَزَّ وجَلَّ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
<div class="verse-tafsir"
خبر ثان، والمراد بالإِنسان جنس الإِنسان وهذا تمهيد للخبر الآتي وهو ﴿ علمه البيان ﴾ [الرحمن: 4].
وهذه قضية لا ينازعون فيها ولكنهم لما أعرضوا عن موجَبها وهو إفرادُ الله تعالى بالعبادة، سيق لهم الخبر بها على أسلوب التعديد بدون عطف كالذي يَعُد للمخاطب مواقع أخطائه وغفلته، وهذا تبكيت ثاننٍ.
ففي خلق الإِنسان دلالتان: أولاهما: الدلالة على تفرد الله تعالى بالإِلهية، وثانيتهما: الدلالة على نعمة الله على الإِنسان.
والخلق: نعمة عظيمة لأن فيها تشريفاً للمخلوق بإخراجه من غياهب العدم إلى مَبْرَز الوجود في الأعيان، وقُدّم خلق الإِنسان على خلق السماوات والأرض لما علمت آنفاً من مناسبة إردافه بتعليم القرآن.
ومجيء المسند فعلاً بعد المسند إليه يفيد تقوّي الحكم.
ولك أن تجعله للتخصيص بتنزيلهم منزلة من ينكر أن الله خلق الإنسان لأنهم عبدوا غيره.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
خلق الإنسان سويًّا، وأحسن تصويره.
<div class="verse-tafsir" id="91.3eW8V"