الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ١٣ من سورة الواقعة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 109 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء السابقين أنهم ) ثلة ) أي : جماعة ( من الأولين وقليل من الآخرين ) .
وقد اختلفوا في المراد بقوله : ( الأولين ) ، و ) الآخرين ) .
فقيل : المراد بالأولين : الأمم الماضية ، والآخرين : هذه الأمة .
هذا رواية عن مجاهد ، والحسن البصري ، رواها عنهما ابن أبي حاتم .
وهو اختيار ابن جرير ، واستأنس بقوله - صلى الله عليه وسلم - : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة " .
ولم يحك غيره ولا عزاه إلى أحد .
ومما يستأنس به لهذا القول ، ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع ، حدثنا شريك ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : لما نزلت : ( ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ) شق ذلك على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت : ( ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، ثلث أهل الجنة ، بل أنتم نصف أهل الجنة - أو : شطر أهل الجنة - وتقاسمونهم النصف الثاني " .
ورواه الإمام أحمد ، عن أسود بن عامر ، عن شريك ، عن محمد ، بياع الملاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، فذكره .
وقد روي من حديث جابر نحو هذا ، ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق هشام بن عمار : حدثنا عبد ربه بن صالح ، عن عروة بن رويم ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لما نزلت : ( فيومئذ وقعت الواقعة ) ، ذكر فيها ( ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ) ، قال عمر : يا رسول الله ، ثلة من الأولين وقليل منا ؟
قال : فأمسك آخر السورة سنة ، ثم نزل : ( ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا عمر ، تعال فاسمع ما قد أنزل الله : ( ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) ، ألا وإن من آدم إلي ثلة ، وأمتي ثلة ، ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل ، ممن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له " .
هكذا أورده في ترجمة " عروة بن رويم " ، إسنادا ومتنا ، ولكن في إسناده نظر .
وقد وردت طرق كثيرة متعددة بقوله - صلى الله عليه وسلم - : " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " الحديث بتمامه ، وهو مفرد في " صفة الجنة " ولله الحمد والمنة .
وهذا الذي اختاره ابن جرير هاهنا فيه نظر ، بل هو قول ضعيف ; لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن ، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها ، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة .
والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم ، والله أعلم .
فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح ، وهو أن يكون المراد بقوله : ( ثلة من الأولين ) أي : من صدر هذه الأمة ، ( وقليل من الآخرين ) أي : من هذه الأمة .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا عفان ، حدثنا عبد الله بن بكر المزني ، سمعت الحسن : أتى على هذه الآية : ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) فقال : أما السابقون ، فقد مضوا ، ولكن اللهم اجعلنا من أهل اليمين .
ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الوليد ، حدثنا السري بن يحيى قال : قرأ الحسن : ( والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الأولين ) ثلة ممن مضى من هذه الأمة .
وحدثنا أبي ، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة المنقري ، حدثنا أبو هلال ، عن محمد بن سيرين ، أنه قال في هذه الآية : ( ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ) قال : كانوا يقولون ، أو يرجون ، أن يكونوا كلهم من هذه الأمة .
فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأمة .
ولا شك أن أول كل أمة خير من آخرها ، فيحتمل أن يعم الأمر جميع الأمم كل أمة بحسبها ; ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم " الحديث بتمامه .
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا زياد أبو عمر ، عن الحسن ، عن عمار بن ياسر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " مثل أمتي مثل المطر ، لا يدرى أوله خير أم آخره " ، فهذا الحديث بعد الحكم بصحة إسناده ، محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم ، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها ، وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها ، والفضل للمتقدم .
وكذلك الزرع الذي يحتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني ، ولكن العمدة الكبرى على الأول ، واحتياج الزرع إليه آكد ، فإنه لولاه ما نبت في الأرض ، ولا تعلق أساسه فيها ; ولهذا قال عليه السلام : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ، ولا من خالفهم إلى قيام الساعة " .
وفي لفظ : " حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " .
والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم ، والمقربون فيها أكثر من غيرها وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها .
ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب .
وفي لفظ : " مع كل ألف سبعون ألفا " .
وفي آخر " مع كل واحد سبعون ألفا " .
وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا هشام بن مرثد الطبراني ، حدثنا محمد - هو ابن إسماعيل بن عياش - حدثني أبي ، حدثني ضمضم - يعني ابن زرعة - عن شريح - هو ابن عبيد - عن أبي مالك ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما والذي نفسي بيده ، ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يحيطون الأرض ، تقول الملائكة : لما جاء مع محمد - صلى الله عليه وسلم - أكثر مما جاء مع الأنبياء ، عليهم السلام " .
وحسن أن يذكر هاهنا [ عند قوله : ( ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ) ] الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في " دلائل النبوة " حيث قال : أخبرنا أبو نصر بن قتادة ، أخبرنا أبو عمرو بن مطر ، حدثنا جعفر - [ هو ] ابن محمد بن المستفاض الفريابي - حدثني أبو وهب الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله بن مسرح الحراني ، حدثنا سليمان بن عطاء القرشي الحراني ، عن مسلمة بن عبد الله الجهني ، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي ، عن ابن زمل الجهني - رضي الله عنه - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح قال ، وهو ثان رجله : " سبحان الله وبحمده .
أستغفر الله ، إن الله كان توابا " سبعين مرة ، ثم يقول : " سبعين بسبعمائة ، لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة " .
ثم يقول ذلك مرتين ، ثم يستقبل الناس بوجهه ، وكان يعجبه الرؤيا ، ثم يقول : " هل رأى أحد منكم شيئا ؟
" قال ابن زمل : فقلت : أنا يا رسول الله .
فقال : " خير تلقاه ، وشر توقاه ، وخير لنا ، وشر على أعدائنا ، والحمد لله رب العالمين .
اقصص رؤياك " .
فقلت : رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لاحب ، والناس على الجادة منطلقين ، فبينما هم كذلك ، إذ أشفى ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله ، يرف رفيفا يقطر ماؤه ، فيه من أنواع الكلأ قال : وكأني بالرعلة الأولى حين أشفوا على المرج كبروا ، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق ، فلم يظلموه يمينا ولا شمالا .
قال : فكأني أنظر إليهم منطلقين .
ثم جاءت الرعلة الثانية وهم أكثر منهم أضعافا ، فلما أشفوا على المرج كبروا ، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق ، فمنهم المرتع ، ومنهم الآخذ الضغث .
ومضوا على ذلك .
قال : ثم قدم عظم الناس ، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا : ( هذا خير المنزل ) .
كأني أنظر إليهم يميلون يمينا وشمالا فلما رأيت ذلك ، لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج ، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة ، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل أقنى ، إذا هو تكلم يسمو فيفرع الرجال طولا وإذا عن يسارك رجل ربعة باذ كثير خيلان الوجه ، كأنما حمم شعره بالماء ، إذا هو تكلم أصغيتم إكراما له .
وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقا ووجها ، كلكم تؤمونه تريدونه ، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف ، وإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعثها .
قال : فامتقع لون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساعة ثم سري عنه ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب ، فذاك ما حملتم عليه من الهدى وأنتم عليه .
وأما المرج الذي رأيت ، فالدنيا مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء ، ولم تتعلق منا ، ولم نردها ولم تردنا .
ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا وهم أكثر منا أضعافا ، فمنهم المرتع ، ومنهم الآخذ الضغث ، ونجوا على ذلك .
ثم جاء عظم الناس ، فمالوا في المرج يمينا وشمالا فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وأما أنت ، فمضيت على طريقة صالحة ، فلن تزال عليها حتى تلقاني .
وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة ، فالدنيا سبعة آلاف سنة ، أنا في آخرها ألفا .
وأما الرجل الذي رأيت على يميني الآدم الشثل ، فذلك موسى عليه السلام ، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه .
والذي رأيت عن يساري الباز الربعة الكثير خيلان الوجه ، كأنما حمم شعره بالماء ، فذلك عيسى ابن مريم ، نكرمه لإكرام الله إياه .
وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقا ووجها فذاك أبونا إبراهيم ، كلنا نؤمه ونقتدي به .
وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أبعثها فهي الساعة ، علينا تقوم ، لا نبي بعدي ، ولا أمة بعد أمتي " .
قال : فما سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رؤيا بعد هذا إلا أن يجيء الرجل ، فيحدثه بها متبرعا .
القول في تأويل قوله تعالى : ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ (13) يقول تعالى ذكره: جماعة من الأمم الماضية.
قوله تعالى : ثلة من الأولين أي جماعة من الأمم الماضية .
وقليل من الآخرين أي ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم .
قال الحسن : ثلة ممن قد مضى قبل هذه الأمة ، وقليل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، اللهم اجعلنا منهم بكرمك .
وسموا قليلا بالإضافة إلى من كان قبلهم لأن الأنبياء المتقدمين كثروا فكثر السابقون إلى الإيمان منهم ، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا .
وقيل : لما نزل هذا شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت : ثلة من الأولين وثلة من الآخرين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة بل ثلث أهل الجنة بل نصف أهل الجنة وتقاسمونهم في النصف الثانيرواه أبو هريرة ؛ ذكره الماوردي وغيره .
ومعناه ثابت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود .
وكأنه أراد أنها منسوخة والأشبه أنها محكمة لأنها خبر ، ولأن ذلك في جماعتين مختلفتين .
قال الحسن : سابقو من مضى أكثر من سابقينا ، ولذلك قال :
وهؤلاء المذكورون { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ } أي: جماعة كثيرون من المتقدمين من هذه الأمة وغيرهم.
"ثلة من الأولين"، أي من الأمم الماضية من لدن آدم عليه السلام إلى زمان نبينا صلى الله عليه وسلم والثلة: جماعة غير محصورة العدد.
«ثلة من الأولين» مبتدأ، أي جماعة من الأمم الماضية.
يدخلها جماعة كثيرة من صدر هذه الأمة، وغيرهم من الأمم الأخرى، وقليل من آخر هذه الأمة على سرر منسوجة بالذهب، متكئين عليها يقابل بعضهم بعضًا.
ثم قال - تعالى : ( ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين ) والثلة : الجماعة الكثيرة من الناس ، وأصلها : القطعة من الشىء .
.
.
وهى خبر لمبتدأ محذوف ، وللمفسرين فى المراد بالثلة من الأولين ، وبالقليل من الآخرين ، اتجاهان :أولهما : يرى أصحاب أن المراد بقوله : ( ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين ) : أولئك السابقون من الأمم الكثيرة السابقة على الأمة الإسلامية ، وهم الذين صدقوا أنبياءهم وعزروهم ونصروهم .
وهذا خبر بعد خبر، وفيه مسائل.
المسألة الأولى: قد ذكرت أن قوله: ﴿ والسابقون السابقون ﴾ جملة، وإنما كان الخبر عين المبتدأ لظهور حالهم أو لخفاء أمرهم على غيرهم، فكيف جاء خبر بعده؟
نقول: ذلك المقصود قد أفاد ذكر خبر آخر لمقصود آخر، كما أن واحداً يقول: زيد لا يخفى عليك حاله إشارة إلى كونه من المشهورين ثم يشرع في حال يخفى على السامع مع أنه قال: لا يخفى، لأن ذلك كالبيان كونه ليس من الغرباء كذلك هاهنا قال: ﴿ والسابقون السابقون ﴾ لبيان عظمتهم ثم ذكر حال عددهم.
المسألة الثانية: ﴿ الأولين ﴾ من هم؟
نقول: المشهور أنهم من كان قبل نبينا صلى الله عليه وسلم وإنما قال: ﴿ ثُلَّةٌ ﴾ والثلة الجماعة العظيمة، لأن من قبل نبينا من الرسل والأنبياء من كان من كبار أصحابهم إذا جمعوا يكونون أكثر بكثير من السابقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا قيل: إن الصحابة لما نزلت هذه الآية صعب عليهم قلتهم، فنزل بعده: ﴿ ثُلَّةٌ مّنَ الأولين ﴾ ، ﴿ وَثُلَّةٌ مّنَ الآخرين ﴾ هذا في غاية الضعف من وجوه: أحدها: أن عدد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان في ذلك الزمان بل إلى آخر الزمان، بالنسبة إلى من مضى في غاية القلة فماذا كان عليهم من إنعام الله على خلق كثير من الأولين وما هذا إلا خلف غير جائز.
وثانيها: أن هذا كالنسخ في الأخبار وأنه في غاية البعد ثالثها: ما ورد بعدها لا يرفع هذا لأن الثلة من الأولين هنا في السابقين من الأولين وهذا ظاهر لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم كثروا ورحمهم الله تعالى فعفا عنهم أموراً لم تعف عن غيرهم، وجعل للنبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة فكثر عدد الناجين وهم أصحاب اليمين، وأما من لم يأثم ولم يرتكب الكبيرة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهم في غاية القلة وهم السابقون.
ورابعها: هذا توهم وكان ينبغي أن يفرحوا بهذه الآية لأنه تعالى لما قال: ﴿ ثُلَّةٌ مّنَ الأولين ﴾ دخل فيهم الأول من الرسل والأنبياء، ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا جعل قليلاً من أمته مع الرسل والأنبياء والأولياء الذين كانوا في درجة واحدة، يكون ذلك إنعاماً في حقهم ولعله إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل».
الوجه الثاني: المراد منه: ﴿ السابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار ﴾ فإن أكثرهم لهم الدرجة العليا، لقوله تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ ﴾ الآية.
﴿ وَقَلِيلٌ مّنَ الآخرين ﴾ الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وعلى هذا فقوله: ﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثلاثة ﴾ يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا عليه السلام، وهذا ظاهر فإن الخطاب لا يتعلق إلا بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيرهم بالدليل الوجه الثالث: ﴿ ثُلَّةٌ مّنَ الأولين ﴾ الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنفسهم ﴿ وَقَلِيلٌ مّنَ الآخرين ﴾ الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ واتبعتهم ذرياتهم ﴾ فالمؤمنون وذرياتهم إن كانوا من أصحاب اليمين فهم في الكثرة سواء، لأن كل صبي مات وأحد أبويه مؤمن فهو من أصحاب اليمين، وأما إن كانوا من المؤمنين السابقين، فقلما يدرك ولدهم درجة السابقين وكثيراً ما يكون ولد المؤمن أحسن حالاً من الأب لتقصير في أبيه ومعصية لم توجد في الابن الصغير وعلى هذا فقوله: ﴿ الآخرين ﴾ المراد منه الآخرون التابعون من الصغار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والسابقون ﴾ المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه وشقوا الغبار في طلب مرضاة الله عز وجل وقيل: الناس ثلاثة فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا السابق المقرَّب، ورجل ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة، ثم تراجع بتوبة؛ فهذا صاحب اليمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه، ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا صاحب الشمال (ما أصحاب الميمنة).
(ما أصحاب المشأمة) تعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة.
والمعنى: أي شيء هم؟
والسابقون السابقون، يريد: والسابقون من عرفت حالهم وبلغك وصفهم، كقوله وعبد الله عبد الله.
وقول أبي النجم: وشعري شعري كأنه قال: وشعري ما انتهى إليك وسمعت بفصاحته وبراعته، وقد جعل السابقون تأكيداً.
وأولئك المقرّبون: خبراً وليس بذاك: ووقف بعضهم على: والسابقون؛ وابتدأ السابقون أولئك المقرّبون، والصواب أن يوقف على الثاني، لأنه تمام الجملة، وهو في مقابلة: ما أصحاب الميمنة، وما أصحاب المشأمة ﴿ المقربون فِي جنات النعيم (12) ﴾ الذين قربت درجاتهم في الجنة من العرش وأعليت مراتبهم.
وقرئ: ﴿ في جنة النعيم ﴾ والثلة: الأمة من الناس الكثيرة.
قال: وَجَاءَتْ إلَيْهِمْ ثُلَّةٌ خِنْدِفِيَّة ** بِجَيْشٍ كَتَيَّارٍ مِن السَّيّلِ مُزْبِدِ وقوله عز وجل: ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأخرين (14) ﴾ كفى به دليلاً على الكثرة، وهي من الثل وهو الكسر، كما أنّ الأمّة من الأمّ وهو الشج، كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم.
والمعنى: أنّ السابقين من الأوّلين كثير، وهم الأمم من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأخرين (14) ﴾ وهم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل: ﴿ مِّنَ الأولين ﴾ من متقدّمي هذه الأمة، و ﴿ مِّنَ الأخرين ﴾ من متأخريها.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الثلتان جميعاً من أمّتي» فإن قلت: كيف قال: ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَثُلَّةٌ مّنَ الأخرين (40) ﴾ ؟
قلت: هذا في السابقين وذلك في أصحاب اليمين؛ وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعاً.
فإن قلت: فقد روى أنها لما نزلت شق ذلك على المسلمين، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثَلة من الأولين وثلة من الأخرين ﴾ [الواقعة: 39- 40].
قلت: هذا لا يصح لأمرين، أحدهما: أنّ هذه الآية واردة في السابقين وروداً ظاهراً، وكذلك الثانية في أصحاب اليمين.
ألا ترى كيف عطف أصحاب اليمين ووعدهم، على السابقين ووعدهم، والثاني: أنّ النسخ في الأخبار غير جائز وعن الحسن رضي الله عنه: سابقو الأمم أكثر من سابقي أمّتنا، وتابعو الأمم مثل تابعي هذه الأمّة.
وثلة: خبر مبتدإ محذوف، أي: هم ثلة ﴿ مَّوْضُونَةٍ ﴾ مرمولة بالذهب، مشبكة بالدرّ والياقوت، قد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع.
قال الأعشى: وَمِنْ نَسْجِ دَاوُدَ مَوْضُونَة وقيل: متواصلة، أدنى بعضها من بعض.
﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ حال من الضمير في على، وهو العامل فيها، أي: استقرّوا عليها متكئين ﴿ متقابلين ﴾ لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض.
وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق والآداب ﴿ مُّخَلَّدُونَ ﴾ مبقون أبداً على شكل الولدان وحدّ الوصافة لا يتحوّلون عنه.
وقيل: مقرّطون، والخلدة: القرط.
وقيل: هم أولاد أهل الدنيا: لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.
روى عن علي رضي الله عنه وعن الحسن.
وفي الحديث: «أولاد الكفار خدّام أهل الجنة» الأكواب: أوان بلا عرى وخراطيم، والأباريق، ذوات الخراطيم ﴿ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا ﴾ أي بسببها، وحقيقته: لا يصدر صداعهم عنها.
أو لا يفرّقون عنها.
وقرأ مجاهد: ﴿ لا يصدعون ﴾ ، بمعنى: لا يتصدعون لا يتفرقون، كقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ [الروم: 43] ويصدعون، أي: لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرّقونهم ﴿ يَتَخَيَّرُونَ ﴾ يأخذون خيره وأفضله ﴿ يَشْتَهُونَ ﴾ يتمنون.
وقرئ: ﴿ ولحوم طير ﴾ قرئ: ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع على: وفيها حور عين، كبيت الكتاب: إِلاَّ رَوَاكِدُ جَمْرُهُنَّ هَبَاء ** وَمُشَجَّجٌ............
أو للعطف على ولدان، وبالجر: عطفاً على جنات النعيم، كأنه قال: هم في جنات النعيم، وفاكهة ولحم وحور.
أو على أكواب، لأن معنى ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ ﴾ ينعمون بأكواب، وبالنصب على: ويؤتون حورا ﴿ جَزَآءً ﴾ مفعول له، أي: يفعل بهم ذلك كله جزاء بأعمالهم ﴿ سلاما سلاما ﴾ إما بدل من ﴿ قِيلاً ﴾ بدليل قوله ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سلاما ﴾ [مريم: 62] وإما مفعول به لقيلا، بمعنى: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما.
والمعنى: أنهم يفشون السلام بينهم، فيسلمون سلاماً بعد سلام.
وقرئ: ﴿ سلام سلام ﴾ ، على الحكاية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ هم كَثِيرٌ مِنَ الأوَّلِينَ يَعْنِي الأُمَمَ السّالِفَةَ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يُخالِفُ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ أُمَّتِي يَكْثُرُونَ سائِرَ الأُمَمِ».» لِجَوازِ أنْ يَكُونَ سابِقُو سائِرِ الأُمَمِ أكْثَرَ مِن سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ، وتابِعُو هَذِهِ أكْثَرَ مِن تابِعِيهِمْ، ولا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ في أصْحابِ اليَمِينِ، ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ لِأنَّ كَثْرَةَ الفَرِيقَيْنِ لا تُنافِي أكْثَرِيَّةَ أحَدِهِما، ورُوِيَ مَرْفُوعًا أنَّهُما مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، واشْتِقاقُها مِنَ الثَّلِّ وهو القَطْعُ.
<div class="verse-tafsir"
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)
{ثُلَّةٌ مّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مّنَ الآخرين} أي هم ثلة والثلة الأمة من الناس الكثيرة والمعنى ان السابقين كثير من الأولين وهم الأمم
من لدن آدم إلى نبينا محمد عليهما السلام وقليل من الاخرين هم امة محمد صلى الله عليه وسلم قيل من الاولين من متقدمى هذه الامة من الاخرين من متاخريها وعن النبى صلى الله عليه وسلم اللثان جميعاً من أمتي
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرِ أيْ هم ثُلَّةٌ إلَخْ، وجُوَّزَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ مِنهم، أوْ خَبَرًا أوَّلًا أوْ ثانِيًا - لِأُولَئِكَ - وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مُبْتَدَأ والخَبَرُ ﴿ عَلى سُرُرٍ ﴾ ، والثُّلَّةُ في المَشْهُورِ الجَماعَةُ كَثُرَتْ أوْ قَلَّتْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأُمَّةُ مِنَ النّاسِ الكَثِيرَةِ وأنْشَدَ قَوْلَهُ: وجاءَتْ إلَيْهِمْ ثُلَّةٌ خُنْدُفِيَّةٌ بِجَيْشٍ كَتَيّارٍ مِنَ السَّيْلِ مُزْبِدِ وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿ وقَلِيلٌ ﴾ إلَخْ كَفى بِهِ دَلِيلًا عَلى الكَثْرَةِ انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّهُ أنْشَدَ البَيْتَ شاهِدًا لِمَعْنى الكَثْرَةِ في الثُّلَّةِ فَإنْ كانَتِ الباءُ تَجْرِيدِيَّةً وهو الظّاهِرُ فَنَصَّ وإلّا فالِاسْتِدْلالُ عَلَيْها مِن أنَّ المَقامَ مَقامُ مُبالَغَةٍ ومَدْحٍ، وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِما بَعْدُ فَذَلِكَ لِأنَّ التَّقابُلَ مَطْلُوبٌ لِأنَّ الثُّلَّةَ لَمْ تُوضَعْ لِلْقَلِيلِ بِالإجْماعِ حَتّى يَحْمِلَ ما بَعْدُ عَلى التَّقَنُّنِ بَلْ هي إمّا لِلْكَثْرَةِ والِاشْتِقاقِ عَلَيْها أدُلُّ لِأنَّ الثَّلَّ بِمَعْنى الصَّبِّ وبِمَعْنى الهَدْمِ بِالكُلِّيَّةِ، والثُّلَّةِ بِالكَسْرِ الضَّأْنُ الكَثِيرَةِ وإمّا لِمُطْلَقِ الجَماعَةِ كالفِرْقَةِ والقِطْعَةِ مِنَ الثَّلِّ بِمَعْنى الكَسْرِ كَأنَّها جَماعَةٌ كُسِرَتْ مِنَ النّاسِ وقُطِعَتْ مِنهم إلّا أنَّ الاسْتِعْمالِ غَلَبَ عَلى الكَثِيرِ فِيها فالمَعْنى جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وهُمُ النّاسُ المُتَقَدِّمُونَ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَلى مَن بَيْنِهُما مِنَ الأنْبِياءِ العِظامِ ﴿ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ وهُمُ النّاسُ مِن لَدُنْ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى قِيامِ السّاعَةِ ولا يُخالِفُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنَّ أُمَّتِي يَكْثُرُونَ سائِرَ الأُمَمِ»» أيْ يَغْلِبُونَهم في الكَثْرَةِ لِأنَّ أكْثَرِيَّةَ سابِقِي المُتَقَدِّمِينَ مِن سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ لا تَمْنَعُ أكْثَرِيَّةَ تابِعِيٍّ هَؤُلاءِ مِن تابِعِيٍّ أُولَئِكَ.
وحاصِلُ ذَلِكَ غَلَبَةُ مَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَثْرَةً عَلى مَن سِواها كَقَرْيَةٍ فِيها عَشَرَةٌ مِنَ العُلَماءِ ومِائَةٌ مِنَ العَوامِّ وأُخْرى فِيها خَمْسَةٌ مِنَ العُلَماءِ وألْفٌ مِنَ العَوامِّ فَخَواصُّ الأُولى أكْثَرُ مِن خَواصِّ الثّانِيَةِ وعَوامُّ الثّانِيَةِ ومَجْمُوعُ أهْلِها أضْعافُ أُولَئِكَ، لا يُقالُ يَأْبى أكْثَرِيَّةُ تابِعِيٍّ هَؤُلاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فَإنَّهُ في حَقِّ أصْحابِ اليَمِينِ وهُمُ التّابِعُونَ، وقَدْ عَبَّرَ في كُلٍّ بِالثُّلَّةِ أيِ الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ لِأنّا نَقُولُ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أكْثَرِ مِن وصْفِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالكَثْرَةِ وذَلِكَ لا يُنافِي أكْثَرِيَّةَ أحَدِهِما فَتَحْصُلُ أنَّ سابِقِي الأُمَمِ السَّوالِفِ أكْثَرُ مِن سابِقِي أُمَّتِنا.
وتابِعِيٌّ أمَتِّنا أكْثَرُ مِن تابِعِيِ الأُمَمِ، والمُرادُ بِالأُمَمِ ما يَدْخُلُ فِيهِ الأنْبِياءُ وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ كَثْرَةَ سابِقِي الأوَّلِينَ لَيْسَ إلّا بِأنْبِيائِهِمْ فَما عَلى سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ بَأْسٌ إذْ أكْثَرَهم سابِقُو الأُمَمِ بِضَمٍّ لِأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ بَلْأنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ - أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ - وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِي»» وظاهِرُهُ أنَّهُ شَقَّ عَلَيْهِمْ قِلَّةُ مَن وُصِفَ بِها وأنَّ الآيَةَ الثّانِيَةَ أزالَتْ ذَلِكَ ورَفَعَتْهُ وأبْدَلَتْهُ بِالكَثْرَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ حَزِنَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ وقالُوا إذًا لا يَكُونُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إلّا قَلِيلٌ فَنَزَلَتْ نِصْفَ النَّهارِ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فَنَسَخَتْ ﴿ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ وأبى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: إنَّ الرِّوايَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأمْرَيْنِ: أحَدِهِما أنَّ الآيَةَ الأُولى وارِدَةٌ في السّابِقِينَ، والثّانِيَةَ في أصْحابِ اليَمِينِ، والثّانِي أنَّ النَّسْخَ في الأخْبارِ غَيْرُ جائِزٍ فَإذا أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِالقِلَّةِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُخْبِرَ عَنْهم بِالكَثْرَةِ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ وما ذَكَرَ مِن عَدَمِ جَوازِ النَّسْخِ في الأخْبارِ أيْ في مَدْلُولِها مُطْلَقًا هو المُخْتارُ.
وقِيلَ: يَجُوزُ النَّسْخُ في المُتَغَيِّرِ إنْ كانَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ لِجَوازِ المَحْوِ لِلَّهِ تَعالى فِيما يُقَدِّرُهُ والإخْبارُ يَتْبَعُهُ، وعَلى هَذا البَيْضاوِيِّ، وقِيلَ: يَجُوزُ عَنِ الماضِي أيْضًا وعَلَيْهِ الإمامُ الرّازِيُّ والآمَدَيُّ، وأمّا نَسْخُ مَدْلُولِ الخَبَرِ إذا كانَ مِمّا لا يَتَغَيَّرُ كَوُجُودِ الصّانِعِ وحُدُوثِ العالَمِ فَلا يَجُوزُ اتِّفاقًا فَإنْ كانَ ما نَحْنُ فِيهِ مِمّا يَتَغَيَّرُ فَنَسْخُهُ جائِزٌ عِنْدَ البَيْضاوِيِّ ويُوافِقُهُ ظَهْرُ خَبَرِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّانِي، ولا يَجُوزُ عَلى المُخْتارِ الَّذِي عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ فَقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: لا خِلافَ في عَدَمِ جَوازِ النَّسْخِ في مِثْلِ ما ذُكِرَ مِنَ الخَبَرِ إذْ لا يَتَضَمَّنُ حُكْمًا شَرْعَيًّا لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.
وأقُولُ: قَدْ يُتَعَقَّبُ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ الحَدِيثَ قَدْ صَحَّ ووُرُودُ الآيَةِ الأُولى في السّابِقِينَ والثّانِيَةِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا يُرَدُّ مُقْتَضاهُ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَمّا سَمِعُوا الآيَةَ الأُولى حَسِبُوا أنَّ الأمْرَ في هَذِهِ الأُمَّةِ يَذْهَبُ عَلى هَذا النَّهْجِ فَيَكُونُ أصْحابُ اليَمِينِ ثُلَّةً مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلًا مِنهم فَيَكْثُرُهُمُ الفائِزُونَ بِالجَنَّةِ مِنَ الأُمَمِ السَّوالِفِ فَحَزِنُوا لِذَلِكَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى في أصْحابِ اليَمِينِ: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ وقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ مِمّا أذْهَبَ بِهِ حُزْنَهم ولَيْسَ في هَذا نَسْخٌ لِلْخَبَرِ كَما لا يَخْفى.
وقَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ فَنَسَخَتْ ﴿ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ إنْ صَحَّ عَنْهُ يَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ بِأنْ يُقالَ أرادَ بِهِ فَأزالَتْ حُسْبانَ أنْ يُذْكَرَ نَحْوُهُ في الفائِزِينَ بِالجَنَّةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ غَيْرُ السّابِقَيْنِ فَتَدَبَّرْ، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: الفِرْقَتانِ أيْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ في صَدْرِها ثُلَّةٌ وفي آخِرِها قَلِيلٌ، وقِيلَ: هُما مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا كَثِيرِينَ وفي آخِرِها قَلِيلِينَ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: جاءَ في الحَدِيثِ - الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي فَسابِقُ أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ - انْتَهى، وجاءَ في فِرْقَتِي أصْحابِ اليَمِينِ نَحْوَ ذَلِكَ، أخْرَجَ مُسَدَّدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ قالَ: هُما جَمِيعًا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ».
وأخْرَجَ جَماعَةٌ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا ما لَفْظُهُ هُما جَمِيعًا مِن أُمَّتِي وعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً ﴾ لِهَذِهِ الأُمَّةِ فَقَطْ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ يعني: السابقين إلى الإيمان، والجهاد، والطاعات السَّابِقُونَ يعني: هم السَّابِقُونَ إلى الجنة.
فذكر الأصناف الثلاثة.
أحدها أصحاب اليمين، الثاني أصحاب الشمال، والثالث السابقون.
ثم وصف كل صنف منهم بصفة، فبدأ بصفة السابقين فقال: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ يعني: المقربين عند الله في الدرجات فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ يعني: في جنات عدن ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: إن السابقين تكون جماعة من الأولين.
يعني: من أول هذه الأمة مثل الصحابة، والتابعين وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: إن السابقين في آخر هذه الأمة يكون قليلاً.
وقال بعضهم: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني جميعاً من الأمم الخالية، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: من هذه الأمة.
فحزن المسلمون بذلك حتى نزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فطابت أنفسهم.
والطريق الأول أصح.
وروي عن النبيّ أنه قال: «كِلْتَا الثُّلَّتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي» .
وروي عن عبد الله بن يزيد قال: قال رسول الله : «أَهْلَ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةَ صِنْفٍ هذه الأُمّةِ مِنْهَا ثَمَانُونَ صِنْفاً» .
ثم قال: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ يعني: إن السابقين في الجنة على سرر منسوجة بالدر والياقوت.
وقال مجاهد: مَوْضُونَةٍ بالذهب.
وقال القتبي: مَوْضُونَةٍ أي: منسوجة.
كأن بعضها أدخل في بعض، أو نضد بعضها على بعض، ومنه قيل للدرع مَوْضُونَةٍ.
ثم قال: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ يعني: ناعمين على سرر متقابلين في الزيادة.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعمين.
وقال مجاهد: مُتَقابِلِينَ يعني: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
ثم قال عز وجل: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ يعني: في الخدمة وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ يعني: غلماناً خلدوا في الجنة.
ويقال: على سن واحد لا يتغيرون، لأنهم خلقوا للبقاء ومن خلق للبقاء، لا يتغير.
ويقال: مُخَلَّدُونَ يعني: لا يكبرون.
ويقال: هم أولاد الكفار لم يكن لهم ذنب يعذبون، ولا طاعة يثابون، فيكونون خداماً لأهل الجنة.
قوله تعالى: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ هي التي لها عرى.
ثم قال: وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ يعني: خمراً بيضاء من نهر جار لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها يعني: لا يصدع رؤوسهم بشرب الخمر في الآخرة وَلا يُنْزِفُونَ يعني: لا تذهب عقولهم، ولا ينفد شرابهم.
ثم قال: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يعني: ما يتمنون، ويختارون من ألوان الفاكهة وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يعني: إن شاء مشويّاً، وإن شاء مطبوخاً.
ثم قال عز وجل: وَحُورٌ عِينٌ قرأ حمزة، والكسائي وَحُورٌ عِينٌ بالكسر عطفاً على قوله: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ والباقون وَحُورٌ عِينٌ بالضم.
ومعناها: ولهم حور عين، والحور: البيض، والعين: الحسان الأعين كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ يعني: اللؤلؤ الذي في الصدف، لم تمسه الأيدي، ولم تره الأعين، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: هذه الجنة مع هذه الكرامات، ثواباً لأعمالهم.
ثم قال: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً يعني: في الجنة حلفاً، وكذباً، وَلا تَأْثِيماً يعني: كلاماً فيها عند الشرب كما يكون في الدنيا ويقال ولا تأثيماً يعني: ولا إثم عليهم فيما شربوا إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً يعني: إلا قولاً وكلاماً يسلم بعضهم على بعض، ويبعث الله تعالى إليهم الملائكة بالسلام، فهذا كله نعت السابقين.
ثم ذكر الصنف الثاني فقال: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ يعني: ما لأصحاب اليمين من الخير، والكرامة، على وجه التعجب.
ثم وصف حالهم فقال: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ يعني: لا شوك له كالدر الذي يكون في الدنيا.
وقال قتادة: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ يعني: كثير الحمل.
أي: ليس له شوك.
وقال القتبي: كأنه نضد شوكه.
يعني: قطع.
وروي في الخبر: أنه لما نزل ذكر السدر، قال أهل الطائف: إنها سِدْرنا هذا.
فنزل مَخْضُودٍ يعني: موقر بلا شوك.
ثم قال: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وقال مقاتل: يعني: الموز المتراكم بعضه على بعض.
وقال قتادة: هو الموز، وهذا روي عن ابن عباس.
والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره.
ويروى عن علي بن أبي طالب أنه قرأ: وطلع مَّنْضُودٍ كقوله تعالى: طَلْعٌ نَضِيدٌ كقوله تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ يعني: دائماً لا يزول.
وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة : قال: في الجنة شجرة يسير الراكب، في ظلها مائة عام، ما يقطعها اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ.
ثم قال: وَماءٍ مَسْكُوبٍ يعني: منصباً كثيراً.
ويقال: يعني منصباً من ساق العرش وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ يعني: الفاكهة كثيرة لاَّ مَقْطُوعَةٍ يعني: لاَّ مَقْطُوعَةٍ يعني: لا تنقطع عنهم في حين كما يكون في فواكه الدنيا، بل توجد في جميع الأوقات وَلا مَمْنُوعَةٍ يعني: لا تمنع منهم، والممنوعة أن ينظر إليها، ولا يقدر أن يأكلها كأشجار الدنيا.
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ بعضها فوق بعض مرتفعة.
ثم قال عز وجل: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً يعني: الجواري، والزوجات.
يقال: نساء الدنيا خلقناهن خلقاً بعد خلق الدنيا.
ويقال: إنهن أفضل، وأحسن من حور الجنة، لأنهن عملن في الدنيا، والحور لم يعملن.
وعن أنس بن مالك، قال النبيّ : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «إنَّ مِنَ المُنْشِآتِ الَّتِي كُنَّ فِي الدُّنْيَا عَجِائِزَ عُمْشاً رُمْصاً زُمْناً» .
ثم قال: فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً يعني: خلقناهن أبكارا عذارى.
<div class="verse-tafsir"
قال: السَّابِقُونَ الثاني صفة، والْمُقَرَّبُونَ: معناه: مِنْ اللَّه سبحانه في جَنَّةِ عَدَنٍ، فالسابقون معناه: الذين قد سبقت لهم السعادة، وكانت أعمالُهُمْ في الدنيا سبقاً إلى أعمال البِرِّ وإلى ترك المعاصي، فهذا عمومٌ في جميع الناس، وخَصَّصَ المفسرون في هذه أشياء تفتقر إلى سند قاطع، ورُوِيَ أَنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ عَنِ السَّابِقِينَ؟
فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ إذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ بِحُكْمِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ» والمقربون عبارة عن أعلى منازل البشر في الآخرة، قال جماعة من أهل العلم: هذه الآية متضمنة أَنَّ العالم يوم القيامة على ثلاثة أصناف.
وقوله سبحانه: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ/ مِنَ الْآخِرِينَ الثُّلَّةُ: الجماعة، قال الحسن بن أبي الحسن وغيره «١» : المراد: السابقون من الأمم والسابقون من هذه الأُمَّةِ، ورُوِيَ أَنَّ الصحابة حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابقي هذه الأُمَّةِ على هذا التأويل، فنزلت الآية: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الواقعة: ٣٩- ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ عن عائشة «٢» أَنَّها تأوَّلَتْ: أَنَّ الفرقتين في أُمَّةِ كُلِّ نبيٍّ هي في الصدر ثلة وفي آخر الأمة قليل، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيما روي عنه: «الفِرْقَتَانِ في أُمَّتِي، فَسَابِقُ أَوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وَسَابِقُ سَائِرِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قليلٌ» قال السهيليُّ: وَأَمَّا آخِرُ مَنْ يدخل الجنة، وهو آخِرُ أهل النار خروجاً منها، فرجل اسمه جُهَيْنَةُ، فيقول أهل الجنة: تعالوا نسأَله فعند جهينةَ الخبر اليقين، فيسألونه: هل بَقِيَ في النار أَحَدٌ بعدك مِمَّنْ يقول: لا إله إلا اللَّه؟
وهذا حديث ذكره الدَّارَقُطْنِيُّ من طريق مالك بن أنس، يرفعه بإسناد إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذكره في كتاب رواة مالك بن أنس- رحمه اللَّه «٣» -، انتهى.
وقوله تعالى: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ أي: منسوجة بتركيب بعض أجزائها على
بعض، كحلق الدِّرْعِ، ومنه وَضِينُ الناقة وهو حِزَامُهَا قال ابن عباس «١» : مَوْضُونَةٍ:
مرمولة بالذهب، وقالَ عِكْرَمَةُ «٢» : مُشَبَّكَةٌ بالدُّرِّ والياقوت يَطُوفُ عَلَيْهِمْ: للخدمة وِلْدانٌ: وهم صغار الخَدَمَةِ، ووصفهم سبحانه بالخلد، وإنْ كان جميعُ ما في الجنة كذلك، إشارةً إلى أَنَّهُم في حال الولدان مُخَلَّدُونَ، لا تكبر لهم سِنٌّ، أي: لا يحولون من حالة إلى حالة وقاله ابن كيسان، وقال الفَرَّاء: مُخَلَّدُونَ معناه: مقرطون بالخلدات وهي ضرب من الأقراط والأَوَّلُ أصوب، / لأَنَّ العربَ تقول للذي كَبُرَ ولم يَشِبْ: إِنَّهُ لَمُخَلَّدٌ، والأكواب: ما كان من أواني الشرب لا أَذُنَ له ولا خُرْطُومَ، قال قتادة «٣» : ليست لها عُرًى، والإبريق: ماله خرطوم، والكأس: الآنية المُعَدَّةُ للشرب بشريطةِ أَنْ يكونَ فيها خمر، ولا يقال لآنية فيها ماء أو لبن كأس.
وقوله: مِنْ مَعِينٍ قال ابن عباس «٤» : معناه من خمر سائلة جارية معينة.
وقوله: لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها ذهب أكثر المفسرينَ إلى أنّ المعنى: لا يلحق رؤوسهم الصداعُ الذي يَلْحَقُ من خمر الدنيا، وقال قوم: معناه: لا يفرقون عنها بمعنى لا تقطعُ عنهم لَذَّتُهُمْ بسببٍ من الأسباب، كما يفرق أهل خمر الدنيا بأنواعٍ من التفريق، وَلا يُنْزِفُونَ معناه: لا تذهب عقولُهم سكراً قاله مجاهد وغيره «٥» ، والنزيف: السكران، وباقي الآية بَيِّنٌ، وَخصَّ المكنون باللؤلؤ لأَنه أصفى لوناً وأبعدُ عن الغير، وسألتْ أُمُّ سَلَمَةَ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم عَنْ هَذَا التَّشْبِيهِ، فَقَالَ: «صَفَاؤُهُنَّ كَصَفَاءِ الدُّرِّ في الأصداف الّذي لا تمسّه الأيدي» «٦» وجَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي: إنَّ هذه الرتبَ والنعيمَ هي لهم بحسب أعمالهم لأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ المنازل والقسم في الجنة هي مقتسمة على قدر الأعمال، ونفس
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ الثُّلَّةُ: الجَماعَةُ غَيْرُ مَحْصُورَةِ العَدَدِ.
وَفِي الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الأوَّلِينَ: الَّذِينَ كانُوا مِن زَمَنِ آدَمَ إلى زَمَنِ نَبِيِّنا ، والآخِرُونَ: هَذِهِ الأُمَّةُ.
والثّانِي: [أنَّ الأوَّلِينَ]: أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ، والآخِرِينَ: التّابِعُونَ.
والثّالِثُ: أنَّ الأوَّلِينَ [والآخِرِينَ: مِن] أصْحابِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ .
فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: إنَّ الأوَّلِينَ السّابِقَيْنِ جَماعَةٌ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ الَّذِينَ سَبَقُوا بِالتَّصْدِيقِ لِأنْبِيائِهِمْ مَن جاءَ بَعْدَهم مُؤْمِنًا، وقَلِيلٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، لِأنَّ الَّذِينَ عايَنُوا الأنْبِياءَ أجْمَعِينَ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ نَبِيَّنا وصَدَّقَ بِهِ.
وَعَلى الثّانِي: أنَّ السّابِقَيْنِ: جَماعَةٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ، وهُمُ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقَلِيلٌ مِنَ التّابِعَيْنِ وهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ.
وَعَلى الثّالِثِ: أنَّ السّابِقَيْنِ: الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقَلِيلٌ مِمَّنْ جاءَ بِعْدَهم لِعَجْزِ المُتَأخِّرِينَ أنْ يَلْحَقُوا الأوَّلِينَ، فَقَلِيلٌ مِنهم مَن يُقارِبُهم في السَّبْقِ.
وَأمّا "المَوْضُونَةٌ" فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي المَنسُوجَةُ، كَأنَّ بَعْضَها أُدْخِلَ في بَعْضٍ، أوْ نُضِّدَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلدِّرْعِ: مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قِيلَ: وضِينُ النّاقَةِ، وهو بِطانٌ مِن سُيُورٍ يُدْخَلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ.
قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: الآجُرُّ مَوْضُونٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، أيْ: مُشْرَجٌ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى "مَوْضُونَةٍ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ، وهَذا مَعْنى ما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: مَصْفُوفَةٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ٣٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ الوِلْدانُ: الغِلْمانُ.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: هَؤُلاءِ أطْفالٌ لَمْ يَكُنْ لَهم حَسَناتٌ فَيُجْزَوْنَ بِها، ولا سَيِّئاتٌ فَيُعاقَبُونَ عَلَيْها، فَوُضِعُوا بِهَذا المَوْضِعِ.
وَفِي المُخَلَّدِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الخُلْدِ؛ والمَعْنى: أنَّهم مَخْلُوقُونَ لِلْبَقاءِ لا يَتَغَيَّرُونَ، وهم عَلى سِنٍّ واحِدٍ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلْإنْسانِ إذا كَبُرَ ولَمْ يَشْمَطْ: أوْ لَمْ تَذْهَبْ أسْنانُهُ عَنِ الكِبَرِ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُقَرَّطُونَ، ويُقالُ: المُسَوَّرُونَ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأكْوابٍ وأبارِيقَ ﴾ الكُوبُ: إناءٌ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في [الزُّخْرُفِ: ٧٢]؛ والأبارِيقُ: آنِيَةٌ لَها عُرًى وخَراطِيمُ؛ وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: الإبْرِيقُ: فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وتَرْجَمَتُهُ مِنَ الفارِسِيَّةِ أحَدُ شَيْئَيْنِ، إمّا أنْ يَكُونَ: طَرِيقَ الماءِ، أوْ: صَبَّ الماءِ عَلى هِينَةٍ، وقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ قَدِيمًا، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: ودَعا بِالصَّبُوحِ يَوْمًا فَجاءَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ وَباقِي الآياتِ في [الصّافّاتِ: ٤٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَلْحَقُهُمُ الصُّداعُ الَّذِي يَلْحَقُ شارِبِي خَمْرِ الدُّنْيا.
و"عَنْها" كِنايَةٌ عَنِ الكَأْسِ المَذْكُورِ، والمُرادُ بِها: الخَمْرُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: لا يَتَفَرَّقُونَ عَنْها، مِن قَوْلِكَ: صَدَّعْتُهُ فانْصَدَعَ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
﴿ وَلا "يُنْزِفُونَ" ﴾ مُفَسَّرٌ في [الصّافّاتِ: ٤٧] .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ أيْ: يَخْتارُونَ، تَقُولُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ: إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَخْطُرُ عَلى قَلْبِهِ الطَّيْرُ، فَيَصِيرُ مُمَثَّلًا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى ما اشْتَهى.
وقالَ مُغِيثُ بْنُ سُمَيٍّ: تَقَعُ عَلى أغْصانِ شَجَرَةِ طُوبى طَيْرٌ كَأمْثالِ البُخْتِ، فَإذا اشْتَهى الرَّجُلُ طَيْرًا دَعاهُ، فَيَجِيءُ حَتّى يَقَعَ عَلى خِوانِهِ، فَيَأْكُلُ مِن أحَدِ جانِبَيْهِ قَدِيدًا والآخَرِ شِواءً، ثُمَّ يَعُودُ طَيْرًا فَيَطِيرُ فَيَذْهَبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَحُورٌ عِينٌ" بِالرَّفْعِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: بِالخَفْضِ فِيهِما.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَّصْبِ فِيهِما.
قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِينَ رَفَعُوا كَرِهُوا الخَفْضَ، لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قالُوا: والحُورُ لَيْسَ مِمّا يُطافُ بِهِ، ولَكِنَّهُ مَخْفُوضٌ عَلى غَيْرِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَؤُلاءِ، لِأنَّ المَعْنى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأكْوابٍ يَنْعَمُونَ بِها، وكَذَلِكَ يَنْعَمُونَ بِلَحْمِ طَيْرٍ، فَكَذَلِكَ يَنْعَمُونَ بِحُورِ عِينٍ، والرَّفْعُ أحْسَنُ، والمَعْنى: ولَهم حُورٌ عِينٌ؛ ومَن قَرَأ "وَحُورًا عِينًا" حَمَلَهُ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: يُعْطَوْنَ هَذِهِ الأشْياءَ ويُعْطَوْنَ حُورًا عِينًا، إلّا أنَّها تُخالِفُ المُصْحَفَ فَتُكْرَهُ.
ومَعْنى ﴿ كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ ﴾ أيْ: صَفاؤُهُنَّ وتَلَأْلُؤُهُنَّ كَصَفاءِ اللُّؤْلُؤِ وتَلَأْلُئِهِ.
والمَكْنُونُ: الَّذِي لَمْ يُغَيِّرْهُ الزَّمانُ واخْتِلافُ أحْوالِ الِاسْتِعْمالِ، فَهُنَّ كاللُّؤْلُؤِ حِينَ يَخْرُجُ مِن صَدَفِهِ.
"جَزاءً" مَنصُوبٌ مَفْعُولٌ لَهُ؛ والمَعْنى: يُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ جَزاءً بِأعْمالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، لِأنَّ مَعْنى ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ : يُجازَوْنَ جَزاءً بِأعْمالِهِمْ؛ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ عَلى هَذا الوَجْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ﴾ قَدْ فَسَّرْنا مَعْنى اللَّغْوِ والسَّلامِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٢] ومَعْنى التَّأْثِيمِ في [الطُّورِ: ٢٣] ومَعْنى ﴿ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ [الواقِعَةِ: ٩] .
فَإنْ قِيلَ: التَّأْثِيمُ لا يُسْمَعُ فَكَيْفَ ذَكَرَهُ مَعَ المَسْمُوعِ؟
فالجَوابُ: أنَّ العَرَبَ يُتْبِعُونَ آخِرَ الكَلامِ أوَّلَهُ، وإنْ لَمْ يَحْسُنْ في أحَدِهِما ما يَحْسُنُ في الآخَرِ، فَيَقُولُونَ: أكَلْتُ خُبْزًا ولَبَنًا، واللَّبَنُ لا يُؤْكَلُ، إنَّما حَسُنَ هَذا لِأنَّهُ كانَ مَعَ ما يُؤْكَلُ، قالَ الفَرّاءُ: أنْشَدَنِي بَعْضُ العَرَبِ: إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعَيُونا قالَ: والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ إنَّما تُكَحَّلُ، فَرَدَّها عَلى الحاجِبِ لِأنَّ المَعْنى يُعْرَفُ، وأنْشَدَنِي آخَرُ: ولَقِيتُ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وَأنْشَدَنِي آخَرُ: عَلَفَتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا والماءُ لا يُعْلَفُ وإنَّما يُشْرَبُ، فَجَعَلَهُ تابِعًا لِلتِّبْنِ؛ قالَ الفَرّاءُ: وهَذا [هُوَ] وَجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ، "وَحُورٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، لِإتْباعِ آخَرِ الكَلامِ أوَّلَهُ، وهو وجْهُ العَرَبِيَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ ﴿ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ ﴾ ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ ﴿ بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ ﴿ لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ ﴾ ﴿ وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ ﴾ ﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾ ﴿ كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ ﴾ ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا ﴾ ﴿ إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا ﴾ "الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ.
ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فَرَضُوا، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ".
وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ.
ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى.
و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُصَدَّعُونَ عنها ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .............
∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ.
وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ".
وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ: لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ".
قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ".
وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ".
وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ : « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".» ، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ.
و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.
<div class="verse-tafsir"
اعتراض بين جملة ﴿ في جنات النعيم ﴾ [الواقعة: 12] وجملة على ﴿ سرر موضونة ﴾ [الواقعة: 15].
و ﴿ ثلة ﴾ خبر عن مبتدأ محذوف، تقديره: هم ثلة، ومعاد الضمير المقدر «السابقون»، أي السابقون ثلة من الأولين وقليل من الآخرين.
وهذا الاعتراض يقصد منه التنويه بصنف السابقين وتفضيلهم بطريق الكناية عن ذلك بلفظي ﴿ ثلة ﴾ و ﴿ قليل ﴾ المشعرَيْن بأنهم قُلٌّ من كثر، فيستلزم ذلك أنهم صنف عزيز نفيس لما عهد في العرف من قلة الأشياء النفيسة وكقول السموأل وقيل غيرِه: تعيرنا أنّا قليل عديدنا *** فقلت لها: إن الكرام قليل مع بشارة المسلمين بأن حظهم في هذا الصنف كحظ المؤمنين السالفين أصحاب الرسل لأن المسلمين كانوا قد سمعوا في القرآن وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تنويهاً بثبات المؤمنين السالفين مع الرسل ومجاهدتهم فربما خامر نفوسهم أن تلك صفة لا تُنال بعدهم فبشرهم الله بأن لهم حظاً منها مثل قوله تعالى: ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتهم على أعقابكم ﴾ إلى قوله: ﴿ وكأين من نبي قاتل معه ربّيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضَعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ﴾ [آل عمران: 144 146] وغيرها، تلهيباً للمسلمين وإذكاء لهممهم في الأخذ بما يُلحقهم بأمثال السابقين من الأولين فيستكثروا من تلك الأعمال.
وفي الحديث: " لقَد كان من قبلكم يوضع المِئْشار على أحدهم فينشر إلى عظمه لا يصده ذلك عن دينه ".
والثُلَّة: بضم الثاء لا غير: اسم للجماعة من الناس مطلقاً قليلاً كانوا أو كثيراً، وهذا هو قول الفراء وأهل اللغة والراغب وصاحب «لسان العرب» وصاحب «القاموس» والزمخشري في «الأساس»، وقال الزمخشري في «الكشاف» إن الثلة: الأمة الكثيرة من الناس ومحمله على أنه أراد به تفسير معناها في هذه الآية لا تفسير الكلمة في اللغة.
ولما في هذا الاعتراض من الإِشعار بالعزة قدم على ذكر ما لهم من النعيم للإِشارة إلى عظيم كيفيته المناسبةِ لوصفهم ب (السابقين) بخلاف ما يأتي في أصحاب اليمين.
ومعنى: ﴿ الأولين ﴾ قوم متقدمون على غيرهم في الزمان لأن الأول هو الذي تقدم في صفة مَّا كالوجود أو الأحوال على غير الذي هو الآخِر أو الثاني، فالأوّلية أمر نسبي يبيّنه سياق الكلام حيثما وقع.
فالظاهر أن ﴿ الأولين ﴾ هنا مراد بهم الأمم السابقة قبل الإسلام بناء على ما تقدم من أن الخطاب في قوله: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ [الواقعة: 7] خطاب لجميع الناس بعنوان أنهم ناس لأن المنقرضين الذين يتقدمون من أمة أو قبيلة أو أهل نحلة يُدعون بالأوليين كما قال الفرزدق: ومهلهل الشعراء ذاك الأوّل *** وقال تعالى: ﴿ أو آباؤنا الأوّلون ﴾ [الواقعة: 48] الذين هم يخلفونهم ويكونون موجودين، أو في تقدير الموجودين يُدعون الآخرين.
وقد وُصف أهل الإسلام بالآخرين في حديث فضل الجمعة " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بَيد أنهم أُوتوا الكتاب مِن قبلنا " الحديث.
وإذ قد وُصف السابقون بما دل على أنهم أهل السبق إلى الخير ووصفت حالهم في القيامة عَقِبَ ذلك فقد عُلم أنهم أفضل الصالحين من أصحاب الأديان الإِلهية ابتداء من عصر آدم إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وهم الذين جاء فيهم قوله تعالى: ﴿ مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ﴾ [النساء: 69].
فلا جرم أن المراد ب ﴿ الأولين ﴾ الأممُ الأولى كلها، وكان معظم تلك الأمم أهل عناد وكفر ولم يكن المؤمنون فيهم إلا قليلاً كما تنبئ به آيات كثيرة من القرآن.
ووصف المؤمنون من بعض الأمم عند أقوامهم بالمستضعفين، وبالأرذلين، وبالأقلين.
ولا جرم أن المراد بالآخرين الأمة الأخيرة وهم المسلمون.
فالسابقون طائفتان طائفة من الأمم الماضين ومجموع عددها في ماضي القرون كثير مثل أصحاب موسى عليه السلام الذين رافقوه في التيه، ومثل أصحاب أنبياء بني إسرائيل، ومثل الحواريين، وطائفة قليلة من الأمة الإسلامية وهم الذين أسرعوا للدخول في الإسلام وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: ﴿ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ﴾ [التوبة: 100]، وإذ قد كانت هذه الآية نزلت قبل الهجرة فهي لا يتحقق مفادها إلا في المسلمين الذين بمكة.
و ﴿ مِن ﴾ تبعيضية كما هو بيّن، فاقتضى أن السابقين في الأزمنة الماضية وزمان الإسلام حاضِره ومستقبله بعض من كلًّ، والبعضية تقتضي القلة النسبية ولفظ ﴿ ثلة ﴾ مشعر بذلك ولفظ ﴿ قليل ﴾ صريح فيه.
وإنما قوبل لفظ ﴿ ثلة ﴾ بلفظ ﴿ قليل ﴾ للإِشارة إلى أن الثلة أكثر منه.
وعن الحسن أنه قال: سابقو من مضى أكثر من سابقينا.
وروي عن أبي هريرة " أنه لما نزلت: ﴿ ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ﴾ شقّ ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وحزنوا وقالوا: إذن لا يكون من أمة محمد إلا قليل، فنزلت نصف النهار ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ [الواقعة: 39، 40] فنسخت: ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ ".
وهذا الحديث مشكل ومجمل فإن هنا قسمين مشتبهين، والآية التي فيها ﴿ وثلّة من الآخرين ﴾ [الواقعة: 40] ليست واردة في شأن السابقين فليس في الحديث دليل على أن عدد أهل مرتبة السابقين في الأمم الماضية مساوٍ لعدد أهل تلك المرتبة في المسلمين، وأن قول أبي هريرة: «فنَسخت ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ » يريد نسخت هذه الكلمة.
فمراده أنها أبطلت أن يكون التفوق مطرداً في عدد الصالحين فبقي التفوق في العدد خاصاً بالسابقين من الفريقين دون الصالحين الذين هم أصحاب اليمين، والمتقدمون يطلقون النسخ على ما يشمل البيان فإنه مورد آية: ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ [الواقعة: 39، 40] في شأن صنف أصحاب اليمين ومورد الآية التي فيها: ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ هو صنف السابقين فلا يتصور معنى النسخ بالمعنى الاصطلاحي مع تغاير مورد الناسخ والمنسوخ ولكنه أريد به البيان وهو بيان بالمعنى الأعم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الجَماعَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ولَسْتَ ذَلِيلًا في العَشِيرَةِ كُلِّها تُحاوِلُ مِنها ثُلَّةٌ لا يَسُودُها الثّانِي: الشَّطْرُ وهو النِّصْفُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّها الفِئَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ ذَرِينِي أسِيرُ في البِلادِ لَعَلَّنِي ∗∗∗ أُلاقِي لِبِشْرٍ ثُلَّةً مِن مُحارِبٍ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ أبُو بَكْرَةَ.
الثّانِي: أنَّهم قَوْمُ نُوحٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ إسْلامُهم قَبْلَ أنْ يَتَكامَلُوا، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ فَنَزَلَتْ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: « (إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ بَلْ ثُلُتَ أهْلِ الجَنَّةِ بَلْ أنْتُمْ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهم في النِّصْفِ الثّانِي» .
﴿ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ﴾ يَعْنِي الأسِرَّةَ، واحَدُها سَرِيرٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مَجْلِسُ السُّرُورِ.
وَفِي المَوْضُونَةِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها المَوْصُولَةُ بِالذَّهَبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها المُشَبَّكَةُ النَّسْجِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ إنْ يَفْزَعُوا فَسَرا مَعَ مَوْضُونَةٍ ∗∗∗ والبِيضُ تَبْرُقُ كالكَواكِبِ لامُها الثّالِثُ: أنَّها المَضْفُورَةُ، قالَهُ أبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجاهِدٍ، ومِنهُ وضِينُ النّاقَةِ وهو البِطانُ العَرِيضُ المَضْفُورُ مِنَ السُّيُورِ.
الرّابِعُ: أنَّها المُسْنَدَةُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ.
﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ الوِلْدانُ: جَمْعُ ولِيدٍ وهُمُ الوُصَفاءُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ مُخَلَّدُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [مُسَوَّرُونَ] بِالأسْوِرَةِ، [مُقَرَّطُونَ] بِالأقَرِاطِ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ الشّاعِرُ ومُخَلَّداتٍ بِاللَّجِينِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ الثّانِي: أنَّهُمُ الباقُونَ عَلى صِغَرِهِمْ لا يَمُوتُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ وهَلْ يَنْعَمَنَّ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُمُ الباقُونَ مَعَهم لا يُبْصِرُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَنْصَرِفُونَ عَنْهم بِخِلافِهِمْ في الدُّنْيا.
﴿ بِأكْوابٍ وأبارِيقَ ﴾ فِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأكْوابَ الَّتِي لَيْسَ لَها عُرًى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّ الأكْوابَ مُدَوَّرَةُ الأفْواهِ، والأبارِيقَ الَّتِي يُغْتَرَفُ بِها، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ فَعَدَوْا عَلَيَّ بِقَرْقَفٍ ∗∗∗ يَنْصَبُّ مِن أكْوابِها ﴿ وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ والكَأْسُ اسْمٌ لِلْإناءِ إذا كانَ فِيهِ شَرابٌ، والمَعِينُ الجارِي مِن ماءٍ أوْ خَمْرٍ، غَيْرَ أنَّ المُرادَ بِهِ في هَذا المَوْضُوعِ الخَمْرُ، وصَفَ الخَمْرَ بِأنَّهُ الجارِي مِن عَيْنِهِ بِغَيْرِ عَصْرٍ كالماءِ المَعِينِ.
﴿ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ لا يُمْنَعُونَ مِنها، قالَهُ أبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: لا يَفْرَقُونَ عَنْها، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الرّاجِزِ: صَدَّ عَنْهُ فانْصَدَعَ.
الثّالِثُ: لا يَنالُهم مِن شُرْبِها وجَعُ الرَّأْسِ وهو الصُّداعُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يُنْزِفُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تُنْزَفُ عُقُولُهم فَيَسْكَرُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ.
الثّانِي: لا يَمَلُّونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: لا يَتَقَيَّئُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ وثّابٍ.
الرّابِعُ: وهو تَأْوِيلِ مَن قَرَأ بِكَسْرِ الزّايِ لا يُفْنى خَمْرُهم، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرَدِ لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى أنْتُمْ آلَ أبْجَرا وَرَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في الخَمْرِ أرْبَعُ خِصالٍ: السُّكْرُ، والصُّداعُ، والقَيْءُ، والبَوْلُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ خَمْرَ الجَنَّةِ فَنَزَّهَها عَنْ هَذِهِ الخِصالِ.
﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾ والحُورُ البِيضُ سُمِّينَ لِبَياضِهِنَّ، وفي العِينِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ كِبارُ الأعْيُنِ، كَما قالَ الشّاعِرُ إذا كَبُرَتْ عُيُونٌ مِنَ النِّساءِ ∗∗∗ ومِن غَيْرِ النِّساءِ فَهُنَّ عِينٌ الثّانِي: أنَّهُنَّ اللّاتِي سَوادُ أعْيُنُهُنَّ حالِكٌ، وبَياضُ أعْيُنُهُنَّ نَقِيٌّ، كَما قالَ الشّاعِرُ إذا ما العِينُ كانَ بِها احْوِرارٌ ∗∗∗ عَلامَتُها البَياضُ عَلى السَّوادِ ﴿ كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في نَضارَتِها وصَفاءِ ألْوانِها.
الثّانِي: أنَّهُنَّ كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ في تَشاكُلِ أجْسادِهِنَّ في الحُسْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِنَّ، كَما قالَ الشّاعِرُ كَأنَّما خُلِقَتْ في قِشْرِ لُؤْلُؤَةٍ ∗∗∗ فَكُلُّ أكْنافِها وجْهٌ لِمِرْصادِ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا يَسْمَعُونَ في الجَنَّةِ باطِلًا ولا كَذِبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا يَسْمَعُونَ فِيها خُلْفًا، أيْ لا يَتَخالَفُونَ عَلَيْها كَما يَتَخالَفُونَ في الدُّنْيا، ولا يَأْثَمُونَ بِشُرْبِها، كَما يَأْثَمُونَ في الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: لا يَسْمَعُونَ فِيها شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
يَحْتَمِلُ رابِعًا: لا يَسْمَعُونَ مانِعًا لَهم مِنها، ولا مُشَنِّعًا لَهم عَلى شُرْبِها.
﴿ إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَكِنْ يَسْمَعُونَ قَوْلًا سارًّا وكَلامًا حَسَنًا.
الثّانِي: لَكِنْ يَتَداعُونَ بِالسَّلامِ عَلى حُسْنِ الأدَبِ وكَرِيمِ الأخْلاقِ.
الثّالِثُ: يَعْنِي قَوْلًا يُؤَدِّي إلى السَّلامَةِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يُقالَ لَهم هَنِيئًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ قال: أصنافاً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ قال: هي التي في سورة الملائكة ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ [ فاطر: 32] .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ قال: هذا حين تزايلت بهم المنازل، هم أصحاب اليمين وأصحاب الشمال والسابقون.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ قال: منازل الناس يوم القيامة ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ قال: ماذا لهم وماذا أعد لهم ﴿ وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ﴾ قال: ماذا لهم وماذا أعد لهم ﴿ والسابقون السابقون ﴾ قال: السابقون من كل أمة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ إلى قوله: ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ قال: سوى بين أصحاب اليمين من الأمم الماضية وبين أصحاب اليمين من هذه الأمة، وكان السابقون من الأولين أكثر من سابقي هذه الأمة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والسابقون السابقون ﴾ قال: يوشع بن نون سبق إلى موسى ومؤمن آل يس سبق إلى عيسى وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه سبق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السابقون يوم القيامة أربعة فأنا سابق العرب، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة، وصهيب سابق الروم» .
وأخرج أبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ والسابقون السابقون أولئك المقربون ﴾ أول من يدخل المسجد وآخر من يخرج منه» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عثمان بن أبي سودة مولى عبادة بن الصامت قال: بلغنا في هذه الآية ﴿ والسابقون السابقون ﴾ أنهم السابقون إلى المساجد والخروج في سبيل الله.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ والسابقون السابقون ﴾ قال: من كل أمة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والسابقون السابقون ﴾ قال: نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار الذي ذكر في يس، وعلي بن أبي طالب، وكل رجل منهم سابق أمته، وعليّ أفضلهم سبقاً.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: الضرباء كل رجل مع قوم كانوا يعملون بعمله، وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون ﴾ قال: هم الضرباء» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ثلة ﴾ قال: أمة.
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ ثلة من الأوّلين وقليل من الآخرين ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثلث أهل الجنة بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم الشطر الثاني» .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله قال: «لما نزلت ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ ذكر فيها ﴿ ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ﴾ قال عمر: يا رسول الله: ﴿ ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين ﴾ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر تعالى فاستمع ما قد أنزل الله: ﴿ ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين ﴾ ألا وإن من آدم إليّ ثلة، وأمتي ثلة ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإِبل ممن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عروة بن رويم مرسلاً.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ ثلة من الأوّلين وقليل من الآخرين ﴾ حزن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إذاً لا يكون من أمة محمد إلا قليل، فنزلت نصف النهار ﴿ ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين ﴾ وتقابلون الناس، فنسخت الآية ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثلة من الأوّلين ﴾ قال: ممن سبق ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ قال: من هذه الأمة.
أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس في قوله: ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال: مصفوفة.
وأخرج سعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال: مرمولة بالذهب.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ موضونة ﴾ قال: مرمولة بالذهب.
وأخرج هناد عن سعيد بن جبير مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: الموضونة المرملة وهو أوثق الأسِرّة.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال: الموضونة ما توضن بقضبان الفضة عليها سبعون فراشاً، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت حسان بن ثابت وهو يقول: أعددت للهيجاء موضونة ** فضفاضة بالنهي بالباقع وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ متكئين عليها متقابلين ﴾ قال: لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه.
وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال في قراءة عبد الله: ﴿ متكئين عليها ناعمين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ يطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ قال: لم يكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا في هذه المواضع!
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ قال: لا يموتون، وفيه قوله: ﴿ بأكواب وأباريق ﴾ قال: الأكواب ليس لها آذان، والأباريق التي لها آذان، وفي قوله: ﴿ وكأس من معين ﴾ قال: خمر بيضاء ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ قال: لا تصدع رؤوسهم ولا يقيئونها، وفي لفظ، ولا تنزف عقولهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي رجاء قال: سألت الحسن عن الأكواب، فقال: هي الأباريق التي يصب منها.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: الأكواب الأقداح.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وكأس من معين ﴾ قال: يعني الخمر وهي هناك جارية، المعين الجاري ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ ليس فيها وجع الرأس ولا يغلب أحد على عقله.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ قال: لا تصدع رؤوسهم ولا تذهب عقولهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ قال: لا تصدع رؤوسهم، ولا تنزف عقولهم.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ قال: أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا ينزفون كما ينزف أهل الدنيا إذا أكثروا الطعام والشراب، يقول: لا يملوا.
وأخرج عبد بن حميد بن عاصم أنه قرأ ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ برفع الياء وكسر الزاي.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن الرجل من أهل الجنة ليؤتى بالكأس وهو جالس مع زوجته فيشربها، ثم يلتفت إلى زوجته فيقول: قد ازددت في عيني سبعين ضعفاً.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين * وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين ﴾ الثلة الجماعة من الناس، فالمعنى أن السابقين من الأولين أكثر من السابقين من الآخرين، والأولون هم أول هذه الأمة والآخرون المتأخرون من هذه الأمة، والدليل على ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الفرقتان في أمتي.
وذلك لأن صدر هذه الأمة خير ممن بعدهم فكثر السابقون من السلف الصالح، وقلوا بعد ذلك ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» وقيل إن الفرقتين في أمة كل نبيّ فالسابقون في كل أمة يكثرون في أولها ويقلون في آخرها، وقيل: إن الأولين هم من كان قبل هذه الأمة، والآخرين هم هذه الأمة، فيقتضي هذا أن السابقين من الأمم المتقدمة أكثر من السابقين من هذه الأمة وهذا بعيد، وقيل: إن السابقين يراد بهم الأنبياء، لأنهم كانوا في أول الزمان أكثر مما كاوا في آخره: ﴿ على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ﴾ السرر جمع سرير والموضونة المنسوجة وقيل: المشبكة بالدر والياقوت، وقيل معناه متواصلة قد أدنى بعضها من بعض ﴿ مُتَقَابِلِينَ ﴾ أي وجوه بعضهم إلى بعض ﴿ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴾ الولدان صغار الخدم، والمخلدون الذين لا يموتون، وقيل المقرطون بالخلدات وهي ضرب من الأقراط، والأول أظهر ﴿ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ﴾ الأكواب جمع كوب، وهو الإناء وهو الذي لا أذن له ولا خرطوم يمسك به، والأباريق جمع إبريق وهو الإناء الذي له خرطوم أو أذن يمسك ﴿ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴾ ذكر في [الصافات: 45].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.
الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.
الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.
الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.
﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.
﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.
الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.
التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.
يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.
واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.
ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.
وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.
وقالت له: إنك تطيقه.
فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.
وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.
وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.
والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.
ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.
روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا .
قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.
﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.
قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد .
جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.
وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.
قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.
وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.
وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله أعلم بمراده.
ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.
قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.
وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.
قال جار الله: روي هذا عن علي .
والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.
والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.
ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.
ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.
والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.
قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.
قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.
وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.
ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.
والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.
وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.
وفي الكشاف أن علياً أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟
قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.
قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.
والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.
ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.
والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي .
وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.
والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.
ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.
روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.
وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.
ثم عجب من أصحاب الشمال.
ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.
والحميم الماء الكثير الحرارة.
واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.
ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.
قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.
قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.
ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.
وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.
وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".
واعلم أنه ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.
وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.
أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.
ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.
فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله أعلم بمراده.
ثم أمر نبيه بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.
ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.
والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.
وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.
ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.
ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.
ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.
يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.
ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.
فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.
يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.
والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.
وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.
ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.
ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.
وفي الكشاف عن رسول الله " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.
وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.
ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.
وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.
من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.
ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.
ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.
والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.
ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.
وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.
ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".
وأعلم أنه بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.
ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.
وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.
ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.
أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.
وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.
وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.
ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.
ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.
وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.
ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.
أو كرمه نفعه للمكلفين.
أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.
ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.
وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.
ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.
ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.
وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.
وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.
ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.
ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.
ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.
فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟
ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.
ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.
ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.
وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.
ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.
هذا قول كثير من المفسرين.
وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.
وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".
"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.
أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.
هذا ما قاله أكثر المفسرين.
وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.
ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.
ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله في شأن الأزواج الثلاثة.
وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.
ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.
روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟
قال: ذنوبي.
قال: ما تشتهي؟
قال:رحمة ربي.
قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني.
قال: افلا نأمر بعطائك؟
قال: لا حاجة لي فيه.
قال: تدفعه إلى بناتك.
قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ هذا مما لم يبتدأ به الخطاب، وإنما هو جواب سؤال وخطاب لم يذكر؛ فيحتمل أن يكون المؤمنون ذكروا كرامتهم التي وعدوا في الآخرة، فقال لهم أولئك الكفرة: متى يكون ذلك لكم؟
فقالوا: إذا وقعت والواقعة؛ كما يسأل الرجل: متى يكون أمر كذا؟
فيقول: إذا كان كذا، فهو حرف جواب لسؤاله، وعلى هذا يخرج جميع ما ذكر في القرآن من هذا النوع؛ من نحو قوله : ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾ ونحو ذلك، وقوله: ﴿ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ كناية عنها، جائز أن يكون تأويله: إذا وقعت المثوية والعقوبة؛ فتكمون الواقعة كناية عنها.
وجائز أن تكون الواقعة: اسما من أسماء البعث: كالقيامة والساعة، وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾ ، قال ب عضهم: أي: ليس لوقعتها مَثْنَويَّة ولا ترداد، يقال: حمل عليه فما كذب، أي: فما رجع.
وقال بعضهم: أي: هي حق، ليست بكذب.
وقال بعضهم: أي: لا يكذب بها أحد إذا وقعت، ليست كالآيات التي عاينوها في الدنيا مع ما عرفوا أنها آيات كذبوها؛ كقوله : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ ، وغير ذلك يكذبونها مع العلم بأنها آيات، يقول : إذا عاينوا القيامة يقرون بها؛ ويصدقونها، ولا يكذبون بها؛ كقوله: ﴿ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ ﴾ ، ونحوه.
ويحتلم أن يكون قوله: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾ ، اي: ليست الأنباء والأخبار التي جاءت على وقوعها وقيامها كاذبة بل هي صادقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾ ، قال بعضهم: خافضة: تسمع القريب، رافعة: تسمع البعيد؛ وقال صاحب هذا التأويل: إن تفسير الواقعة هي الصيحة، وتلك خافضة رافعة.
وقال بعضهم: خافضة أناسا في النار ورافعة أناسا في الجنة.
ويحتمل خافضة لمن تكبر وتعظم على الخلق ورده، ورافعة لمن تواضع للخلق وانقاد له وقبله.
وقيل: خافضة لأهل النار في النار، كقوله : ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ ﴾ ، ورافعة لأهل الجنة، كقوله: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .
وقوله: - عز وجل -: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً ﴾ يخرج على السؤال، كأنهم لما سمعوا وصف القيامة والواقعة من المؤمنين، فقالوا عند ذلك: متى تكون الواقعة؟
فعند ذلك قال: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾ ، فزلزلت حتى تلقي ما في بطنها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً ﴾ قيل: فتنت حتى تصير كالدقيق، ومنه يقال للطعام المبسوس والبسيسة: سويق يلت به الزيت والخلط.
وقال الحسن: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ ﴾ أي: سيرت تسييرا.
وقوله: ﴿ فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً ﴾ قيل: الهباء الذي يكون فوق النار إذا خمدت، لا يكون غيره ﴿ مُّنبَثّاً ﴾ ؛ أي: متفرقا.
وقيل: ﴿ هَبَآءً مُّنبَثّاً ﴾ أي: ترابا.
وقيلِ: الهباء المنبث، هو ما يسطع من سنابك الخيل.
وقيل: الهباء: الغبار الذي تراه في الشمس إذا دخلت في الكوة؛ يخبر عن شدة ذلك اليوم وهو له أنه يفعل بالجبال مع صلابتها وطاعتها لله ، فكيف يفعل بكم يا بني آدم مع ضعفكم ومعصيتكم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ﴾ ، أي: أصنافا ثلاثة: ما فسر عقيبه؛ حيث قال: ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ * وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ الآية.
وقيل: الأصناف الثلاثة: المذكبون، والمصدقون، والسابقون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أصحاب الميمنة من اليمن، وأصحاب المشأمة من الشؤم.
والثاني: سموا: أصحاب الميمنة؛ لأنهم أصحاب اليمين، وهي التي تستعمل في الطيبات، والكفرة أصحاب الشمال؛ لأنهم أصحاب الخبائث، والشمال تستعمل في الخبائث.
وهو كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ ؛ لأن في كتبهم طيبات وخيرات، وفي كتب الكفرة خبائث فتؤتى بشمالهم.
وقيل: أصحاب الميمنة والمشأمة؛ لما ذكر الله : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ...
﴾ ، فكذا؛ فكل من أوتي كتابه بيمنيه فهو من أصحاب اليمين، ومن أوي كتابه بشماله فهو من أصحاب الشمال.
وقوله : ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: السابقون في الخيرات، يسبقون الناس في كل خير.
والثاني: السابقون في الإجابة لله ورسوله إلى ما دعاهم إليه.
ثم جائز أن يكون الخطاب به للناس كافة: الأولين والآخرين؛ فيكون جميعهم أصنافا ثلاثة: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.
وجائز أن يكون الخطاب بهذه الآية لهذه الأمة: ففيهم السباقون، وفيهم أصحاب اليمين، وهم أصحاب النظر في الحجج والآيات والتأمل فيها [وفيهم] اصحاب الشمال، وهم الكفرة.
وقوله : ﴿ فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ ﴾ على التعجب لرسول الله بما يكرمهم، أو على التعظيم لأولئك لعظم منزلتهم.
وكذلك قوله: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ ﴾ يخرج على هذين الوجهين: على التعجب والتعظيم لما يحل بهم.
وقوله: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ ﴾ يخرج على هذا أيضا: فلان ما أمر فلان، فيقال: فلان فلان؛ على تعظيم أمره وشأنه.
ثم في قوله : ﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ﴾ \[دليل\] لقول أصحابنا - رحمهم الله - في جعلهم الكفر كله واحدة؛ لأنه جعل الله الكفرة على اختلاف مذاهبم وأديانهم زوجا، وأهل الإسلام زوجين، حيث جعل الكل أزواجا ثلاثة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ يحتمل أن يكون وصف القرب لهم لمسابقتهم في الخيرات في الدنيا.
ويحتمل: أنهم مقربون في الآخرة والمنزلة، لسبقهم في الخيرات، أو: في الإجابة، والسبق فعلهم، والتقريب بلطف من الله وفضل منه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ جميع الجنات نعيم؛ لأن فيها نعيما، وله أن يسمى واحدة منها: نعيما، والأخرى: عدنا، والفردوس والمأوى، يسمى ما شاء بما شاء وكيف شاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ اختلف في ذلك: قال بعضهم: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ممن شهد رسول الله، وقربوا منه، ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ ممن بعد من هذه الأمة من رسول الله بنفسه وإدراك زمانه، وقليل من المقربين من الآخرين، وهو ما روي عن رسول الله أنه قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم" ، وعلى ذلك قوله : ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ ﴾ على ما يذكر، والله أعلم.
ومنهم من قال: ﴿ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، أي: جماعة من المؤمنين الذين كانوا في الأمم الماضية، ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ أي: من هذه الأمة، وهكذا يكون عدد أهل الإيمان من هذه الأمة مع الأمم الماضية يكون هؤلاء أقل منهم.
ويحتمل - أيضا - أن السابقين المقربين من الأمم السابقة أكثر من السابقين المقربين من هذه الأمة؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كلهم من الأمم السالفة.
وقال أهل التأويل لما نزلت: ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ ، وجد أصحاب رسول الله وحدا شديدا، وقالوا: لن يدخل الجنة منا إلا قليل؛ فنزل قوله : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ .
لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه خبر، ولا يرد في الأخبار نسخ، وما قالوه لا يصحن والوجه فيه ما ذكرنا.
ويحتمل قوله : ﴿ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ ﴾ هم أصحاب اليمين من الأولين والآخرين، وهم جماعة كثيرة من الأولين، وجماعة كثيرة من الآخرين في في المقربين خاصة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ﴾ ، والسرر قد تكون في الدنيا مصفوفة، ولكن لا تكون موضونة؛ أي: منسوجة؛ والوضن - هو النسج - لا يكون بين السرر في الآخرة انفصال ولا فروج، كما يكون في الدنيا، لكن موصولة بعضها ببعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: على السرر التي ذكر أنها مصفوفة موضونة.
وقوله: ﴿ مُتَقَابِلِينَ ﴾ ، أي: يقابل [بعضهم] بعضا، ولا يعرضون، ولا ينظر بعضهم إل بعض باحتقار كماي جعل أهل المجالس في الدنيا يعرض بعضهم على بعض ويحقر بعضهم بعضا يخبر أنهم يكونون في الآخرة خلاف ما في الدنيا، لا يتأذى بعض من بعض بوجه ما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴾ فيه أنهم يعطون في الجنة ما يستحبون في الدنيا من الشرف وطواف الولدان، وكذلك ما ذكر من السرر والفرش، وغير ذلك من أنواع ما ترغب أنفسهم فيه.
ثم ذكر أنهم ولدان، وإن لم يكن في الجنة ولاد؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكونوا على هيئة الولدان وإن لم يولدوا.
والثاني: سماهم: ولدانا؛ لولادهم في الدنيا وإن لم يولدوا في الجنة؛ لأن التولد في الدنيا لحاجة البقاء وأهل الجنة باقون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّخَلَّدُونَ ﴾ قال بعضهم: أي: المقرطون، والخَلَدَة: القرط، وجمعه: الجِلَدَة.
قال بعضهم: هو من الخلود، كقوله : ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ ، أي: باقون.
وقيل: مسورون من السوار.
وقوله: ﴿ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ﴾ \[الأكواب\]: هي الكيزان المدورة الرءوس التي لا عرى لها، والأباريق التي لها عرى وخراطيم، وهم يسمون الأكواب: القداح التي يشربون بها؛ لأن في الدنيا يكون لأهل الأباريق والأقداح يصبون من الأباريق في القدح، ويشربون ولا يشربون من الأباريق، فعلى ذلك وعدوا في الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴾ : الكأس: هو القدح المملوء من الشراب.
وأما المعين: قال بعضهم: هو الظاهر من الماء، يقع عليه البصر، فوعد لأهل الجنة ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ ﴾ ، قرئ بكسر الزاي ونصبه؛ أي: لا تصدع خمورهم في الجنة رءوسهم كما تصدع خمور الدنيا أهلها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُنزِفُونَ ﴾ قيل بكسر الزاي: لا ينفد شرابهم، وبالفتح: لا يسكرون؛ فيه أنه ليس في خمورهم الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل، والصداع والنفاد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ جميع فواكه الجنة مختارة، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أن جميع فواكهها مما يتخيرون.
والثاني: العرف في الفواكه أن تقدم من أجناس مختلفة وألوان، لا من لون واحد ونزع واحد، فيتخيرون من أي نوع اشتهوا أو شاءوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ إن أهل الجنة إنما يتناولون ما يتناولون على الشهوة، لا على الحاجة وسد الجوع، وهو كما ذكر: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ ﴾ يحتمل تشبيه الحور العين باللؤلؤ وجهين: أحدهما: لما لا شيء أصفى من اللؤلؤ والياقوت، فضرب مثلهن بذلك؛ لصفاته وبياضه، وإلا ما خطر اللؤلؤ حتى يشبه أن الموعود في الجنة من الجواري به؟!.
والثاني: أن للؤلؤ فضلا ومنزلة عند العرب، وليس الخطر لغيره من الأشياء، فيشبه ضرب مثلهن به لفضل خطر ذلك عندهم، ليس ذلك لغيره، وهو كقوله : ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ ضرب مثل من يشرك بالله بالذي يخر من السماء، والشرك بالله أعظم مما ذكر، لكن ليس شيء أعظم وأبعد من الخر من فوق السماء السابعة؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ إن الله ذكر للأعمال جزاء كأنهم عملوا له فضلا منه وكرما في حق عباده، وإن كانوا في الحقيقة عاملين لأنفسهم؛ كقوله : ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ ، وكذلك ما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم، وما ذكر من الإقراض في قوله : ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ وإن كانت أنفسهم وأموالهم له، وإن كان عام عباده في أنفسهم وأموالهم كأنها ليست له، فضلا وكرما؛ فعلى ذلك [ذكر] لأعمالهم جزاء؛ كان منهم إلى الله - - صنعا وإحساناً، وإن كانوا عاملين لأنفسهم ومنافع أعمالهم ترجع إليهم بفضله وكرمه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً ﴾ هذا يرجع إلى وصف خمور أهل الجنة؛ أي: ليس فيها الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل، وقول اللغو، والهذيان، مثل ما يجري على ألسنتهم في الدنيا حين يشربون الخمور، وما يأثمون به، وذكر لهم هذه الخمور في الجنة؛ لأن قوما يرغبون فيها في الدنيا، فوعد لهم؛ ليرغبوا فيها فيطلبوها بالامتناع عن شربها في الدنيا من الخمور المحرمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إلا كلاما فيه سلامة عن جميع الآفات التي ذكر.
والثاني: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام؛ كقوله : ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
جماعة من هذه الأمة ومن الأمم السابقة.
<div class="verse-tafsir" id="91.kxX8w"