الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ٨٧ من سورة الواقعة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 108 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٧ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها ) : معناه : فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول ، ومقرها في الجسد إن كنتم غير مدينين .
قال ابن عباس : يعني محاسبين .
وروي عن مجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، والسدي ، وأبي حزرة مثله .
وقال سعيد بن جبير ، والحسن البصري : ( فلولا إن كنتم غير مدينين ) غير مصدقين أنكم تدانون وتبعثون وتجزون ، فردوا هذه النفس .
وعن مجاهد : ( غير مدينين ) غير موقنين .
وقال ميمون بن مهران : غير معذبين مقهورين .
وقوله: ( تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) يقول: تردّون تلك النفوس من بعد مصيرها إلى الحلاقيم إلى مستقرّها من الأجساد إن كنتم صادقين، إن كنتم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة، وجواب قوله: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ، وجواب قوله: ( فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ) جواب واحد وهو قوله: ( تَرْجِعُونَهَا ) وذلك نحو قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ جعل جواب الجزاءين جوابًا واحدًا.
وبنحو الذي قلنا في قوله: ( تَرْجِعُونَهَا ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد، في قوله: ( تَرْجِعُونَهَا ) قال: لتلك النفس ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) .
ترجعونها ترجعون الروح إلى الجسد .إن كنتم صادقين أي : ولن ترجعوها فبطل زعمكم أنكم غير مملوكين ولا محاسبين .
وترجعونها جواب لقوله تعالى : فلولا إذا بلغت الحلقوم ولقوله : فلولا إن كنتم غير مدينين أجيبا بجواب واحد ؛ قاله الفراء .
وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد ، ومنه قوله تعالى : فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أجيبا بجواب واحد وهما شرطان .
وقيل : حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه .
وقيل : فيها تقديم [ ص: 210 ] وتأخير ، مجازها : فلولا وهلا إن كنتم غير مدينين ترجعونها ، تردون نفس هذا الميت إلى جسده إذا بلغت الحلقوم .
ترجعون الروح إلى بدنها { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وأنتم تقرون أنكم عاجزون عن ردها إلى موضعها، فحينئذ إما أن تقروا بالحق الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم، وإما أن تعاندوا وتعلم حالكم وسوء مآلكم.
( ترجعونها إن كنتم صادقين ) أي تردون نفس هذا الميت إلى جسده بعدما بلغت الحلقوم فأجاب عن قوله : " فلولا إذا بلغت الحلقوم " وعن قوله : " فلولا إن كنتم غير مدينين " بجواب واحد .
ومثله قوله - عز وجل - : " فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم " ( البقرة - 38 ) أجيبا بجواب واحد ، معناه : إن كان الأمر كما تقولون - أنه لا بعث ولا حساب ولا إله يجازي - فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم ، وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو الله - عز وجل - فآمنوا به .
«ترجعونها» تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم «إن كنتم صادقين» فيما زعمتم فلولا الثانية تأكيد للأولى وإذا ظرف لترجعون المتعلق به الشرطان والمعنى: هلا ترجعونها إن نفيتم البعث صادقين في نفيه، أي لينتفي عن محلها الموت كالبعث.
وهل تستطيعون إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين بأعمالكم أن تعيدوا الروح إلى الجسد، إن كنتم صادقين؟
لن ترجعوها.
هلا إن كنتم غير خاضعين لنا ( تَرْجِعُونَهَآ ) أى : ترجعون الروح إلى صاحبها ( إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) فى اعتقادكم بأن آلهتكم تستطيع الدفاع عنكم وفى اعتقادكم أنه لا بعث ولا حساب بعد الموت ، وفى توهمكم أن هناك قوة سوى قوة الله - عز وجل - يمكنها أن تساعدكم عند الشدائد والمحن .وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة ، تقيم أوضح الأدلة وأكثرها تأثيرا فى النفوس ، على كمال قدرة الله - تعالى - وعلى نفاذ مشيئته وإرادته .
.فهى تتحدى البشر جميعا أن يعيدوا الروح إلى أحب الناس إليهم ، وهم واقفون من حوله وقفة الحائر المستسلم .
العاجز عن فعل أى شىء من شأنه أن يدفع عن هذا المحتضر ما فيه من كرب ، أو أن يؤخر انتزاعه روحه من جسده ، ولو لزمن قليل .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: أكثر المفسرين على أن (لولا) في المرة الثانية مكررة وهي بعينها هي التي قال تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم ﴾ ولها جواب واحد، وتقديره على ما قاله الزمخشري: فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم، أي إن كنتم غير مدينين، وقال بعضهم: هو كقوله تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ حيث جعل ﴿ فَلاَ خَوْفٌ ﴾ جزاء شرطين، والظاهر خلاف ما قالوا، وهو أن يقال: جواب لولا في قوله: ﴿ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم ﴾ هو ما يدل عليه ما سبق يعني تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم فلولا تكذبون وقت النزع وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأمور وتشاهدونها، وأما لولا في المرة الثانية فجوابها: ﴿ تَرْجِعُونَهَا ﴾ .
المسألة الثانية: في ﴿ مَدِينِينَ ﴾ أقوال منهم من قال: المراد مملوكين، ومنهم من قال: مجزيين، وقال الزمخشري: من دانه السلطان إذا ساسه، ويحتمل أن يقال: المراد غير مقيمين من مدن إذا أقام، هو حينئذ فعيل، ومنه المدينة، وجمعها مدائن، من غير إظهار الياء، ولو كانت مفعلة لكان جمعها مداين كمعايش بإثبات الياء، ووجهه أن يقال: كان قوم ينكرون العذاب الدائم، وقوم ينكرون العذاب ومن اعترف به كان ينكر دوامه، ومثله قوله تعالى: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ قيل: إن كنتم على ما تقولون لا تبقون في العذاب الدائم فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة، وأما على قوله: (مجزيين) فالتفسير مثل هذا كأنه قال: ستصدقون وقت النزع رسل الله في الحشر، فإن كنتم بعد ذلك غير مجزيين فلم لا ترجعون أنفسكم إلى دنياكم، فإن التعويق للجزاء لا غير، ولولا الجزاء لكنتم مختارين كما كنت في دنياكم التي ليست دار الجزاء مختارين تكونون حيث تريدون من الأماكن، وأما على قولنا: مملوكين من الملك، ومنه المدينة للملوكة، فالأمر أظهر بمعنى أنكم إذا كنتم لستم تحت قدرة أحد، فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا كما كنتم في دنياكم التي ليست دار جزاء مع أن ذلك مشتهى أنفسكم ومنى قلوبكم، وكل ذلك عند التحقيق راجع إلى كلام واحد، وأنهم كانوا يأخذون بقول الفلاسفة في بعض الأشياء دون بعض، وكانوا يقولون بالطبائع، وأن الأمطار من السحب، وهي متولدة بأسباب فلكية، والنبات كذلك، والحيوان كذلك، ولا اختيار لله في شيء وسواء عليه إنكار الرسل والحشر، فقال تعالى: إن كان الأمر كما يقولون فما بال الطبيعي الذي يدعى العلم لا يقدر على أن يرجع النفس من الحلقوم، مع أن في الطبع عنده إمكاناً لذلك، فإن عندهم البقاء بالغداء وزوال الأمراض بالدواء، وإذا علم هذا فإن قلنا: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ معناه غير مملوكين رجع إلى قولهم من إنكار الاختيار وقلب الأمور كما يشاء الله، وإن قلنا: غير مقيمين فكذلك، لأن إنكار الحشر بناء على القول بالطبع، وإن قلنا: غير محاسبين ومجزيين فكذلك، ثم لما بين أن الموت كائن والحشر بعده لازم، بين ما يكون بعد الحشر ليكون ذلك باعثاً للمكلف على العمل الصالح، وزاجراً للمتمرد عن العصيان والكذب فقال: <div class="verse-tafsir"
ترتيب الآية: فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين.
و(فلولا) الثانية مكررة للتوكيد، والضمير في ﴿ تَرْجِعُونَهَا ﴾ للنفس وهي الروح، وفي ﴿ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ﴾ للمحتضر ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ غير مربوبين، من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.
﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ﴾ يا أهل الميت بقدرتنا وعلمنا، أو بملائكة الموت.
والمعنى: إنكم في جحودكم أفعال الله تعالى وآياته في كل شيء إن أنزل عليكم كتاباً معجزاً قلتم: سحر وافتراء.
وإن أرسل إليكم رسولاً قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقكم مطراً يحييكم به قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدئ المعيد ﴿ فَأَمَّا إِن كَانَ ﴾ المتوفى ﴿ مِنَ المقربين ﴾ من السابقين من الأزواج الثلاثة المذكورة في أوّل السورة ﴿ فَرَوْحٌ ﴾ فله استراحة.
وروت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَرُوح ﴾ ، بالضم.
وقرأ به الحسن وقال: الروح الرحمة، لأنها كالحياة للمرحوم.
وقيل: البقاء، أي: فهذان له معاً، وهو الخلود مع الرزق والنعيم.
والريحان: الرزق ﴿ فسلام لَّكَ مِنْ أصحاب اليمين (91) ﴾ فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك.
كقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما ﴾ [الواقعة: 26] ﴿ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (93) ﴾ كقوله تعالى: ﴿ هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين ﴾ [الواقعة: 56] وقرئ بالتخفيف ﴿ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) ﴾ قرئت بالرفع والجر عطفاً على نزل وحميم ﴿ إِنَّ هذا ﴾ الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لَهُوَ حَقُّ اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين.
عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً» .
﴿ فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ أيْ مَجْزِيِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ مَمْلُوكِينَ مَقْهُورِينَ مِن دانَهُ إذا أذَلَّهُ واسْتَعْبَدَهُ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِلذُّلِّ والِانْقِيادِ.
﴿ تَرْجِعُونَها ﴾ تَرْجِعُونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها وهو عامِلُ الظَّرْفِ والمُحَضَّضِ عَلَيْهِ بِلَوْلا الأوْلى والثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ وهي بِما في حَيِّزِها دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ، والمَعْنى إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ مَجْزِيِّينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ جَحْدُكم أفْعالَ اللَّهِ وتَكْذِيبُكم بِآياتِهِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في أباطِيلِكم فَلَوْلا تَرْجِعُونَ الأرْواحَ إلى الأبْدانِ بَعْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ.
<div class="verse-tafsir"
{تَرْجِعُونَهَا} تردون النفس وهي الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم {إِن كُنتُمْ صادقين} أنكم غير مربوبين مقهورين فَلَوْلا في الآيتين للتحضيض يستدعي فعلاً وذا قوله تَرْجِعُونَهَا واكتفى بذكره مرة وترتيب الآية فلولا في ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين وفلولا الثانية مكررة للتأكيد ونحن أقرب إليه منكم يا أهل الميت بقدرتنا وعلمنا أو بملائكة المت والمعنى أنكم في جحودكم آيات الله في كل شيء أن نزل عليكم كتابا معجزا قلتم سحر وافتراء ون أرسل إليكم رسولاً صادقاً قلتم ساحر كذاب وان رزقكم مطرا عليكم
به قلتم نوء كذا على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثمة قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمى المميت المبدئ المعيد
﴿ تَرْجِعُونَها ﴾ أيِ الرُّوحَ إلى مَقَرِّها والقائِلُونَ بِالتَّجَرُّدِ يَقُولُونَ أيْ تُرْجِعُونَ تَعَلُّقَها كَما كانَ أوَّلًا.
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في اعْتِقادِكم عَدَمَ خالِقِيَّتِهِ تَعالى فَإنَّ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ بِخالِقِيَّتِهِ سُبْحانَهُ لَهم عِبارَةٌ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ بِعَدَمِها عَلى مَذْهَبِهِمْ، وفي البَحْرِ وغَيْرِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في تَعْطِيلِكم وكُفْرِكم بِالمُحْيِي المُمِيتِ المُبْدِئِ المُعِيدِ ونِسْبَتِكم إنْزالَ المَطَرِ إلى الأنْواءِ دُونَهُ عَزَّ وجَلَّ، وتَرْجِعُونَ المَذْكُورُ هو العامِلُ - بِإذا - الظَّرْفِيَّةِ في ﴿ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ ﴾ وهو المُحَضَّضُ عَلَيْهِ - بِلَوْلا - الأُولى، ولَوْلا الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، ولَوْلا الأُولى مَعَ ما في حَيِّزِها دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ أعْنِي ﴿ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ والشَّرْطُ الثّانِي مُؤَكِّدٌ لِلْأوَّلِ مُبَيِّنٌ لَهُ، وقُدِّمَ أحَدُ الشَّرْطَيْنِ عَلى ﴿ تَرْجِعُونَها ﴾ لِلِاهْتِمامِ والتَّقْدِيرُ - فَلَوْلا تَرْجِعُونَها إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ صادِقِينَ فِيما تَزْعُمُونَهُ مِنَ الِاعْتِقادِ الباطِلِ فَلَوْلا تَرْجِعُونَها إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ - وحاصِلُ المَعْنى أنَّكم إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ كَما تَقْتَضِيهِ أقْوالُكم وأفْعالُكم فَما لَكَمَ لا تُرْجِعُونَ الرُّوحَ إلى البَدَنِ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وتَرُدُّونَها كَما كانَتْ بِقُدْرَتِكم أوْ بِواسِطَةِ عِلاجٍ لِلطَّبِيعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ ( بَلَغَتِ ) والِاسْمِيَّةُ المُقْتَرِنَةُ بِالواوِ لا تَحْتاجُ في الرَّبْطِ لِلضَّمِيرِ لِكِفايَةِ الواوِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ العائِدَ ما تَضَمَّنَهُ حِينَئِذٍ لِأنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ أيْ فَلَوْلا تَرْجِعُونَها زَمانَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ حالَ نَظَرِكم إلَيْهِ وما يُقاسِيهِ مِن هَوْلِ النَّزْعِ مَعَ تَعَطُّفِكم عَلَيْهِ وتَوَفُّرِكم عَلى إنْجائِهِ مِنَ المَهالِكِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ونَحْنُ أقْرَبُ ﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ يُؤَكِّدُ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِن تَوْبِيخِهِمْ عَلى صُدُورِ ما يَدُلُّ عَلى سُوءِ اعْتِقادِهِمْ بِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ مِنهم، وفي جَوازِ جَعْلِهِ حالًا مَقالٌ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿ تَرْجِعُونَها ﴾ جَوابُ لَوْلا الأُولى، وأغْنى ذَلِكَ عَنْ جَوابِ الثّانِيَةِ، وقِيلَ: عَكْسُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ ﴾ شَرْطٌ دَخَلَ عَلى شَرْطٍ فَيَكُونُ الثّانِي مُقَدَّمًا في التَّقْدِيرِ - أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ فارْجِعُوا الأرْواحَ إلى الأبْدانِ - وما ذَكَرْناهُ سابِقًا اخْتِيارُ جارِ اللَّهِ وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ يعني: اذكر التوحيد باسم ربك يا محمد الرب العظيم.
ويقال: صلِّ بأمر ربك.
ويقال: سبح لله، واذكره.
قوله عز وجل: فَلا أُقْسِمُ قال بعضهم: يعني: أقسم و (لا) زيادة في الكلام.
وقال بعضهم: لا رد لقول الكفار.
ثم قال: بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني: بنزول القرآن، نزل نجوماً آية بعد آية، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني: بحكم القرآن وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ يعني: القسم بالقرآن عظيم لَوْ تَعْلَمُونَ ذلك.
ويقال: لَوْ تَعْلَمُونَ يعني: لو تصدقون ذلك.
قرأ حمزة، والكسائي: بموقع النجوم بغير ألف.
وقرأ الباقون: بِمَواقِعِ النُّجُومِ بلفظ الجماعة.
فمن قرأ: بموقع فهو واحد دل على الجماعة.
ويقال: بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني: بمساقط النجوم.
يعني: الكواكب.
ثم قال عز وجل: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ يعني: الذي يقرأ عليك يا محمد، لقرآن شريف، كريم على ربه، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ يعني: مستور من خلق الله، وهو اللوح المحفوظ لاَّ يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ يعني: اللوح المحفوظ.
ويقال: لا تمسه إلا الملائكة المطهرون من الذنب، ولا يقرؤه إلا الطاهرون.
ويقال: لا يمس المصحف إلا الطاهر.
وروى معمر، عن محمد بن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه : إن النبيّ كتب كتاباً فيه «لا يُمَسُّ القُرْآنُ إلاَّ عَلَى طُهُورٍ» .
وروى إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال: «كنا مع سلمان فخرج، يقضي حاجته، ثم جاء، فقلنا: يا عبد الله لو توضأت، لعلنا نسألك عن آيات الله؟
فقال: إني لست أمسه، لأنه لا يمسه إلا المطهرون.
فقرأ علينا ما نسينا.
يعني: يجوز للمحدث أن يقرأ، ولا يجوز أن يمس المصحف.
وأما الجنب لا يجوز له أن يمس المصحف، ولا يقرأ آية تامة.
ثم قال: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: أنزل الله تعالى جبريل على محمد بهذا القرآن يقرأه عليه من رَبَّ العالمين.
ثم قال عز وجل: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ يعني: تكفرون.
وقال الزجاج: المدهن والمداهن: الكذاب المنافق.
وقال بعض أهل اللغة: أصله من الدهن، لأنه يلين في دينه.
يعني: ينافق، ويرى كل واحد أنه على دينه.
ويقال: أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ يعني: مكذبون وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ يعني: شكر رِزْقكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ يعني: تقولون للمطر إذا مطرتم مُطِرْنا بنوء كذا.
وروي عن عاصم في بعض الروايات: أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ بالتخفيف.
يعني: تجعلون شكر رزقكم الكذب، وهو أن يقولوا: مُطِرنا بنوء كذا.
وقرأ الباقون: تُكَذِّبُونَ بالتشديد.
يعني: تجعلون شكر رزقكم التكذيب، ولا تنسبون السقيا إلى الله تعالى الذي رزقكم.
ثم قال: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ يعني: بلغ الروح الحلقوم وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ إلى الميت وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ يعني: أمر الله تعالى وهو ملك الموت أقرب إليه منكم، حين أتاه لقبض روحه وَلكِنْ لاَّ تُبْصِرُونَ ما حضر الميت فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ يعني: غير محاسبين.
ويقال: غير مملوكين، أذلاء عن قولك، دِنْتُ له بالطاعة، وإنما سمي يَوْمِ الدين لأنه يوم الإذلال، والهوان.
ويقال: غَيْرَ مَدِينِينَ يعني: غير مجزيين تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعني: إنكم غير محاسبين، فهلا رددتهم عنه الموت؟
ثم ذكر الأصناف الثلاثة الذين ذكرهم في أول السورة فقال: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ يعني: إذا كان هذا الميت من المقربين عند الله من السابقين فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ قرأ الحسن: فَرَوْحٌ بضم الراء المهملة، وقراءة العامة: بالنصب.
وقال أبو عبيد: لولا خلاف الأمة لقرأته بالضم.
وروت عائشة ا عن رسول الله ، أنه قرأ: بالضم.
وقال القتبي: الروح يعبر عن معان.
فالروح روح الأجسام الذي يقبض عند الممات وفيه حياة النفس، والروح جبريل، وكلام الله روح، لأنه حياة من الجهل، وموت الكفر، ورحمة الله روح كقوله وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: 22] أي: برحمة.
والروح: الرحمة، والرزق.
ويقال: الروح حياة دائمة لا موت فيها والريحان الرزق.
ويقال: هي النبات بعينها.
ومن قرأ: بالنصب.
فهو الفرح.
ويقال: الراحة.
ويقال: هي الرحمة.
ثم قال: وَجَنَّةُ نَعِيمٍ يعني: لا انقطاع وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ يعني: إن كان الميت من أصحاب اليمين فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ يعني: سلام الله لهم.
ويقال: يسلمون عليك من الجنة.
ويقال: سلام عليك منهم.
ويقال: ترى منهم ما تحب من السلام.
ويقال: فَسَلامٌ لَكَ يعني: يقال له ثوابه عند الموت، وفي القبر، وعلى الصراط، وعند الميزان، بشارة لك إنك من أهل الجنة.
ثم قال عز وجل: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ يعني: إن كان الميت مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بالبعث الضَّالِّينَ عن الهدى فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ يعني: جزاؤهم، وثوابهم، من حميم وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ يعني: يدخلون الجحيم وهي ما عظم من النار إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ يعني: إن هذا الذي قصصنا عليك في هذه السورة من الأقاصيص، وما أعد الله لأوليائه وأعدائه، وما ذكر مما يدل على وحدانيته، لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ يعني: اذكر اسم ربك بالتوحيد.
ويقال: نزه الله تعالى عن السوء.
يعني: قل سبحان الله.
ويقال: أثن على الله تعالى.
ويقال: صلى الله تعالى.
وروي عن عبد الله بن مسعود ( ) أنه قال: سمعت رسول الله قال: «من قرأ سورة الوَاقِعَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ» .
والله أعلم بالصواب.
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أي: / بالقدرة والعلم، ولا قدرةَ لكم على دفع شيء عنه، وقيل: المعنى: وملائكتنا أقربُ إليه منكم، ولكن لا تبصرونهم، وعلى التأويل الأَوَّل من البصر بالقلب.
فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ أي: مملوكين أَذِلاَّءَ، والمدين: المملوك، هذا أَصَحُّ ما يقال في هذه اللفظة هنا، ومَنْ عبَّرَ عنها بمُجَازَى أو بُمُحَاسَبٍ، فذلك هنا قلق، والمملوك مُقَلَّبٌ كيف شاء المالكُ، ومن هذا الملك قول الأخطل: [الطويل]
رَبَتْ وَرَبَا فِي حَجْرِهَا ابن مَدِينَةٍ ...
تَرَاهُ على مِسْحَاتِهِ يَتَرَكَّلُ «١»
أراد ابن أَمَةٍ مملوكة، وهو عبد يخدم الكرم، وقد قيل في معنى البيت: [إِنَّه] أراد أَكَّاراً حضرياً، فنسبه إلى المدينة، فمعنى الآية: فهل لا ترجعون النفسَ البالغة الحلقوم إِنْ كنتم غير مملوكين مقهورين؟.
وقوله: تَرْجِعُونَها سَدَّ مَسَدَّ الأجوبة، والبيانات التي تقتضيها التحضيضات.
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠)
وقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ الآية، ذكر سبحانه في هذه الآيةِ حال الأزواج الثلاثةَ المذكورين في أَولِ السورة، وحال كلّ امرئ منهم، فَأَمَّا المرءُ من السابقين المقربين، فَيَلْقَى عند موته رَوْحاً وريحاناً، والرَّوْحَ: الرحمة والسعة والفرح ومنه: [وَلا تَيْأَسُوا مِنْ] رَوْحِ اللَّهِ [يوسف: ٨٧] والريحان: الطيب، وهو دليل النعيم، وقال مجاهد «٢» : الريحان: الرزق، وقال الضَّحَّاكُ «٣» : الريحان الاستراحة، قال ع «٤» :
الريحان ما تنبسط إليه النفوس، ونقل الثعلبيُّ عن أبي العالية قال: لا يفارق أحد من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا ﴾ أيْ: فَهَلّا ﴿ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ ﴾ يَعْنِي: النَّفْسُ، فَتُرِكَ ذِكْرُها لِدَلالَةِ الكَلامِ، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ: إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ المَيِّتِ "تَنْظُرُونَ" إلى سُلْطانِ اللَّهِ وأمْرِهِ.
والثّانِي: تَنْظُرُونَ إلى الإنْسانِ في تِلْكَ الحالَةِ، ولا تَمْلِكُونَ لَهُ شَيْئًا ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَلَكُ المَوْتِ أدْنى إلَيْهِ مِن أهْلِهِ "وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ" المَلائِكَةَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والرُّؤْيَةِ ﴿ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ أيْ: لا تَعْلَمُونَ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مُحاسَبِينَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ.
والثّانِي: مُوقِنِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: مَبْعُوثِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: مَجْزِيِّينَ.
ومِنهُ يُقالُ: دِنْتُهُ، وكَما تَدِينُ تُدانُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والخامِسُ: مَمْلُوكِينَ أذِلّاءَ مِن قَوْلِكَ: دِنْتُ لَهُ بِالطّاعَةِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْجِعُونَها ﴾ أيْ: تَرُدُّونَ النَّفْسَ.
والمَعْنى: إنْ جَحَدْتُمُ الإلَهَ الَّذِي يُحاسِبُكم ويُجازِيكُمْ، فَهَلّا تَرُدُّونَ هَذِهِ النَّفْسَ؟!
فَإذا لَمْ يُمْكِنُكم ذَلِكَ، فاعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ لِغَيْرِكم.
قالَ الفَرّاءُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْجِعُونَها ﴾ هو جَوابٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ ﴾ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ فَإنَّهُما أُجِيبَتا بِجَوابٍ واحِدٍ.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ طَبَقاتِ الخَلْقِ عِنْدَ المَوْتِ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَأمّا إنْ كانَ ﴾ يَعْنِي: الَّذِي بَلَغَتْ نَفْسُهُ الحُلْقُومَ مِنَ "المُقَرَّبِينَ" عِنْدَ اللَّهِ.
قالَ أبُو العالِيَةِ: هُمُ السّابِقُونَ ﴿ فَرَوْحٌ ﴾ أيْ: فَلَهُ رَوْحٌ.
والجُمْهُورُ يَفْتَحُونَ الرّاءَ.
وفي مَعْناها سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الفَرَحُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الرّاحَةُ، رَواهُ أبُو طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: رَوْحٌ مِنَ الغَمِّ الَّذِي كانُوا فِيهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والسّادِسُ: رَوْحٌ في القَبْرِ، أيْ: طِيبُ نَسِيمٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وأبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وقَتادَةُ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وابْنُ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ: "فَرُوحٌ" بِرَفْعِ الرّاءِ.
وفي مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناها: فَرَحْمَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: فَحَياةٌ وبَقاءٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَحَياةٌ دائِمَةٌ لا مَوْتَ مَعَها.
وفي "الرَّيْحانِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الرِّزْقُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ المُسْتَراحُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّيْحانُ المَشْمُومُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: لا يَخْرُجُ أحَدٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْتى بِغُصْنٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ، فَيَشُمُّهُ، ثُمَّ تُقْبَضُ فِيهِ رُوحُهُ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ.
وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: بَلَغَنا أنَّ المُؤْمِنَ إذا قُبِضَ رُوحُهُ تُلْقى بِضَبائِرِ الرَّيْحانِ مِنَ الجَنَّةِ، فَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَسَلامَةٌ لَكَ مِنَ العَذابِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: أنَّكَ تَرى فِيهِمْ ما تُحِبُّ مِنَ السَّلامَةِ.
وقَدْ عَلِمْتَ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الجَزاءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ "الضّالِّينَ" عَنِ الهُدى ﴿ فَنُزُلٌ ﴾ وقَدْ بَيَّنّاهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [الواقِعَةِ: ٥٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا ﴾ يَعْنِي: ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ ﴾ أيْ: هو اليَقِينُ حَقًّا، فَأضافَهُ إلى نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: صَلاةُ الأُولى، وصَلاةُ العَصْرِ، ومِثْلُهُ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ ﴾ وقَدْ سَبَقَ هَذا المَعْنى وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: وإنَّهُ لِلْمُتَّقِينَ حَقًّا.
وقِيلَ لِلْحَقِّ: اليَقِينُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [الواقِعَةِ: ٧٤] .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ﴾ ﴿ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ ﴾ ﴿ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ ﴾ ﴿ وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ ﴿ تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا وأبِي...........
لا أخُونُها المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ ﴾ ، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ ، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ ، و ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ ﴾ ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ.
وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ ، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟
بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟
وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ ، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ : كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟
فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ .
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ.
وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.
ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ: رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.
<div class="verse-tafsir"
إذا جرينا على ما فَسر به المفسرون تكون هذه الجملة عطفاً على جملة ﴿ أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ﴾ [الواقعة: 81] عطفَ الجملة على الجملة فتكون داخلة في حيّز الاستفهام ومستقلة بمعناها.
والمعنى: أفتجعلون رزقكم أنكم تكذبون، وهو تفريع على ما تضمنه الاستدلال بتكوين نسل الإنسان وخلق الحَب، والماء في المزن، والنار من أعواد الاقتداح، فإن في مجموع ذلك حصول مقومات الأقوات وهي رزق، والنسل رزق، يقال: رُزق فلان ولَداً، لأن الرزق يطلق على العطاء النافع، قال لبيد: رُزقتْ مرابيعَ النجوممِ وصَابها *** وَدْقُ الرواعد جَوْدُها فرهامها أي أعطيتْ وقال تعالى: ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ﴾ [الذاريات: 57] فعطف الإِطعام على الرزق والعطف يقتضي المغايرة.
والاستفهام المقدر بعد العاطف إنكاري، وإذ كان التكذيب لا يصح أن يجعل رزقاً تعين بدلالة الاقتضاء تقدير محذوف يفيده الكلام فقدره المفسرون: شُكْر رزقكم، أو نحوه، أي تجعلون شكر الله على رزقه إياكم أن تكذبوا بقدرته على إعادة الحياة، لأنهم عدلوا عن شكر الله تعالى فيما أنعم به عليهم فاستنقصوا قدرته على إعادة الأجسام، ونسبوا الزرع لأنفسهم، وزعموا أن المطر تمطره النجوم المسماة بالأنواء فلذلك قال ابن عباس: نزلت في قولهم: مُطرنا بنوء كذا، أي لأنهم يقولونه عن اعتقاد تأثير الأنواء في خَلْق المطر، فمعنى قول ابن عباس: نزلت في قولهم: مطرنا بنوء كذا، أنه مراد من معنى الآية.
قال ابن عطية: أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله الله رزقاً: هذا بنوء كذا وكذا اه.
أشار هذا إلى ما روي في «الموطأ» عن زيد بن خالد الجهني قال: صلّى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثْر سماء فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟
قالوا: الله ورسوله أعلم قالَ: قَال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بِنَوْءِ كذا ونوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب، وليس فيه زيادة فنزلت هذه الآية ولو كان نزولها يومئذٍ لقاله الصحابي الحاضر ذلك اليوم.
ووقع في «صحيح مسلم» عن ابن عباس أنه قال: «مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صَدق نَوْء كذا وكذا.
قال فنزلت: ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ [الواقعة: 75] حتى بلغ ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ فزاد على ما في حديث زيد بن خالد قوله فنزلت: ﴿ فلا أقسم ﴾ الخ.
وزيادة الراوي مختلف في قبولها بدون شرط أو بشرط عدم اتحاد المجلس، أو بشرط أن لا يكون ممن لا يغفل مثلُه عن مثل تلك الزيادة عادةً وهي أقوال لأئمة الحديث وأصول الفقه، وابن عباس لم يكن في سن أهل الرواية في مدة نزول هذه السورة بمكة فعل قوله: فنزلت تأويل منه، لأنه أراد أن الناس مُطرواً في مكة في صدر الإسلام فقال المؤمنون قولاً وقال المشركون قولاً فنزلت آية ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ تنديداً على المشركين منهم بعقيدة من العقائد التي أنكرها الله عليهم وأن ما وقع في الحديبية مطر آخر لأن السورة نزلت قبل الهجرة.
ولم يرو أن هذه الآية ألحقت بالسورة بعد نزول السورة.
ولعل الراوي عنه لم يحسن التعبير عن كلامه فأوهم بقوله فنزلت ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ [الواقعة: 75] بأن يكون ابن عباس قال: فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم، أو نحو تلك العبارة.
وقد تكرر مثل هذا الإِيهام في أخبار أسباب النزول ويتأكد هذا صيغة تكذبون ﴾ لأن قولهم: مطرنا بنوء كذا، ليس فيه تكذيب بشيء، ولذلك احتاج ابن عطية إلى تأويله بقوله: «فإن الله تعالى قال: ﴿ ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحبَّ الحصيد والنخلَ باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد ﴾ [ق: 9 11] فهذا معنى ﴿ أنكم تكذبون ﴾ أي تكذبون بهذا الخبر.
والذي نحاه الفخر منحى آخر فجعل معنى ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ تكملة للإِدهان الذي في قوله تعالى: ﴿ أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ﴾ [الواقعة: 81] فقال: «أي تخافون أنكم إن صدّقتم بالقرآن ومنعتم ضعفاءكم عن الكفر يفوت عليكم من كسبكم ما تربحونه بسببهم فتجعلون رزقكم أنكم تكذّبون الرسول أي فيكون عطفاً على ﴿ مدهنون ﴾ [الواقعة: 81] عطف فعل على اسم شبيه به، وهو من قبيل عطف المفردات، أي أنتم مدهنون وجاعلون رزقكم أنكم تكذِّبون، فهذا التكذيب من الإدهان، أي أنهم يعلمون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنهم يظهرون تكذيبه إبقاء على منافعهم فيكون كقوله تعالى: ﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ [الأنعام: 33].
وعلى هذا يقدر قوله: ﴿ أنكم تكذبون ﴾ مجروراً بباء الجر محذوفة، والتقدير: وتجعلون رزقكم بأنكم تكذبون، أي تجعلون عوضه بأن تكذِّبوا بالبعث».
================= ﴿ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ولكن لاَّ تُبْصِرُونَ * فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ .
مقتضى فاء التفريع أن الكلام الواقع بعدها ناشئ عما قبله على حسب ترتيبه وإذ قد كان الكلام السابق إقامةَ أدلة على أن الله قادر على إعادة الحياة للناس بعد الموت، وأعقب ذلك بأن تلك الأدلة أيدت ما جاء في القرآن من إثبات البعث، وأنحى عليهم أنهم وضحت لهم الحجة ولكنهم مكابرون فيها ومظهرون الجحود وهم موقنون بها في الباطن، وكل ذلك راجع إلى الاستدلال بقوة قدرة الله على إيجاد موجودات لا تصل إليها مدارك الناس، انتقل الكلام إلى الاستدلال على إثبات البعث بدليل لا محيص لهم عن الاعتراف بدلالته.
فالتفريع على جملة ﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ﴾ [الواقعة: 62] وهو أن عجزهم عن إرجاع الروح عند مفارقتها الجسد ينبههم على أن تلك المفارقة مقدَّرة في نظام الخلقة وأنها لحكمة.
فمعنى الكلام قد أخبركم الله بأنه يجازي الناس على أفعالهم ولذلك فهو محييهم بعد موتهم لإِجراء الجزاء عليهم، وقد دلكم على ذلك بانتزاع أرواحهم منهم قهراً، فلو كان ما تزعمون من أنكم غير مجزيين بعد الموت لبقيتْ الأرواح في أجسادها، إذ لا فائدة في انتزاعها منها بعد إيداعها فيها لولا حكمة نقلها إلى حياة ثانية، ليجري جزاؤها على أفعالها في الحياة الأولى.
وهذا نظير الاستدلال على تفرد الله بالإِلهية بأنّ في كينونة الموجودات دلائل خِلقية على أنها مخلوقة لله تعالى وذلك قوله تعالى: ﴿ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال ﴾ [الرعد: 15].
ومرجع هذا المعنى إلى أن هذا استدلال بمقتضى الحكمة الإِلهية في حالة خَلْق الإنسان فإن إيداع الأرواح في الأجساد تصرف من تصرف الله تعالى، وهو الحكيم، فما نزع الأرواح من الأجساد بعد أن أودعها فيها مدة إلا لأن انتزاعها مقتضى الحِكمة أن تنتزع، وانحصر ذلك في أن يجري عليها الحساب على ما اكتسبته في مدة الحياة الدنيا.
وهذا كقوله تعالى: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ [المؤمنون: 115]، فالله تعالى جعل الحياة الدنيا والآجال مُدَدَ عمل، وجعل الحياة الآخرة دار جزاء على الأعمال، ولذلك أقام نظام الدنيا على قاعدة الانتهاء لآجاللِ حياة الناس.
أما موت من كان قريباً من سن التكليف ومَن دونه وموت العَجَماوات فذلك عارض تابع لإِجراء التكوين للأجساد الحية على نظام التكوين المتماثل، وكذلك ما يعرض لها من عوارض مهلكة اقتضاها تعارض مقتضيات الأنظام وتكوين الأمزجة من صحة ومرض، ومسالمة وعدوان.
فبقي الإِشكال في جعل ﴿ ترجعونها ﴾ من جملة جواب شرط ﴿ إن ﴾ إذ لا يلزم من عدم قدرتهم على صد الأرواح عن الخروج، أن يكون خروجها لإجراء الحساب.
ودفع هذا الإشكال وجوب تأويل ﴿ ترجعونها ﴾ بمعنى تحاولون إرجاعها، أي عدمُ محاولتكم إرجاعها منذ العصور الأولى دليل على تسليمكم بعدم إمكان إرجاعها، وما ذلك إلا لوجوب خروجها من حياة الأعمال إلى حياة الجزاء.
وأصل تركيب هذه الجملة: فإذا كنتم صادقين في أنكم غير مدينين فلولا حاولتم عند كل محتضر إذا بلغت الروح الحلقوم أن ترجعوها إلى مواقعها من أجزاء جسده فما صرفكم عن محاولة ذلك إلا العلم الضروري بأن الروح ذاهبة لا محالة.
فإذا علمت هذا اتضح لك انتظام الآية التي نُظمت نظماً بديعاً من الإِيجاز، وأدمج في دليلها ما هو تكملة للإعجاز.
و (لولا) حرف تحْضيض مستعمل هنا في التعجيز لأن المحضوض إذا لم يفعل ما حُضّ على فعله فقد أظهر عجزه والفعل المحضوض عليه هو ﴿ ترجعونها ﴾ ، أي تحاولون رجوعها.
و ﴿ إذا بلغت ﴾ ظرف متعلق ب ﴿ ترجعونها ﴾ مقدم عليه لتهويله والتشويق إلى الفعل المحضوض عليه.
والضمير المستتر في ﴿ بلغت ﴾ عائد على مفهوم من العبارات لظهور أن التي تبلغ الحلقوم هي الروح حذف إيجازاً نحو قوله تعالى: ﴿ حتى توارت بالحجاب ﴾ [ص: 32] أي الشمس.
و(ال) في ﴿ الحلقوم ﴾ للعهد الجنسي.
وجملة ﴿ وأنتم حينئذٍ تنظرون ﴾ حال من ضمير ﴿ بلغت ﴾ ومفعول ﴿ تنظرون ﴾ محذوف تقديره: تنظرون صاحبها، أي صاحب الروح بقرينة قوله بعده ﴿ ونحن أقرب إليه ﴾ ، وفائدة هذه الحال تحقيق أن الله صرفهم عن محاولة إرجاعها مع شدة أسفهم لموْت الأعِزَّة.
وجملة ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ في موضع الحال من مفعول ﴿ تنظرون ﴾ المحذوف، أو معترضة والواو اعتراضية.
وأيَّاً ما كانت فهي احتراس لبيان أن ثمة حضوراً أقرب من حضورهم عند المحتضر وهو حضور التصريف لأحواله الباطنة.
وقربُ الله: قربُ علممٍ وقدرة على حد قوله: ﴿ وجاء ربك ﴾ [الفجر: 22] أو قرب ملائكته المرسلين لتنفيذ أمره في الحياة والموت على حد قوله: ﴿ ولقد جئناهم بكتاب ﴾ [الأعراف: 52]، أي جاءهم جبريل بكتاب، قال تعالى: ﴿ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ﴾ [الأعراف: 37].
وجملة ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ معترضة بين جملة ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ وجملة ﴿ فلولا إن كنتم غير مدينين ﴾ وكلمة ﴿ فلولا ﴾ الثانية تأكيد لفظي لنظيرها السابق أعيد لتُبنى عليه جملة ﴿ ترجعونها ﴾ لطول الفصل.
وجملة ﴿ إن كنتم غير مدينين ﴾ معترضة أو حال من الواو في ﴿ ترجعونها ﴾ .
وجواب شرط ﴿ إن ﴾ محذوف دل عليه فعل ﴿ ترجعونها ﴾ .
قال ابن عطية: وقوله: ﴿ ترجعونها ﴾ سدّ مسدّ الأجوبة والبيانات التي تقتضيها التحضيضات، و ﴿ إذا ﴾ من قوله: ﴿ فلولا إذا بلغت ﴾ و(إن) المتكررة وحمل بعض القول بعضاً إيجاز أو اقتضابات» اه.
وجملة ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ بيان لجملة ﴿ إن كنتم غير مدينين ﴾ وعلى التفسير الأول لمعنى ﴿ مدينين ﴾ يكون وجه إعادة هذا الشرط مع أنه مما استفيد بقوله: ﴿ إن كنتم غير مدينين ﴾ هو الإيماء إلى فرض الشرط في قوله: ﴿ إن كنتم غير مدينين ﴾ بالنسبة لما في نفس الأمر وأن الشرط في قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ هو فرض وتقدير لا وقوع له نفي البعث، وعلى الوجه الثاني يرجع قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ إلى ما أفاده التحضيض، وموقع فاء التفريع من إرادة أن قبض الأرواح لتأخيرها إلى يوم الجزاء، أي إن كنتم صادقين في نفي البعث والجزاء.
وضمير التأنيث في قوله: ﴿ ترجعونها ﴾ عائد إلى الروح الدال عليه التاء في قوله: ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ .
ومعنى الاستدراك في ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ راجع إلى قوله: ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ لرفع توهم قائل: كيف يكون أقرب إلى المحتضر من العوّاد الحافين حوله وهم يرون شيئاً غيرهم يدفع ذلك بأنهم محجوبون عن رؤية أمر الله تعالى.
وجملة ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ معترضة، والواو اعتراضية.
ومفعول ﴿ تبصرون ﴾ محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ ونحن أقرب إليه ﴾ .
ومعنى ﴿ مدينين ﴾ مُجَازَيْنَ على أعمالكم.
وعلى هذا المعنى حمله جمهور المتقدمين من المفسرين ابن عباس ومجاهد وجابر بن زيد والحسن وقتادة، وعليه جمهور المفسرين من المتأخرين على الإِجمال، وفسره الفراء والزمخشري ﴿ مدينين ﴾ بمعنى: عبيد لله، من قولهم: دَان السلطان الرعية، إذا ساسهم، أي غير مرْبوبين وهو بعيد عن السياق.
واعلم أن قوله: ﴿ إن كنتم غير مدينين ﴾ فرض وتقدير فَ ﴿ إنْ ﴾ فيه بمنزلة (لو)، أي لو كنتم غير مدينين، أي غير مجزيين على الأعمال.
وأسند فعل ﴿ إن كنتم غير مدينين ﴾ إلى المخاطبين بضمير المخاطبين، دون أن يقول: إن كان الناس غير مدينين لأن المخاطبين هم الذين لأجل إنكارهم البعث سيق هذا الكلام.
والمعنى: لو كنتم أنتم وكان الناس غير مدينين لما أخرجت الأرواح من الأجْساد إذ لا فائدة تحصل من تفريق ذينك الإِلفين لولا غرض ساممٍ، وهو وضع كل روح فيما يليق بها من عالم الخلود جزاء على الأعمال، ولذلك أوثر لفظ ﴿ غير مدينين ﴾ دون أن يقال: غير مبعوثين، أو غير مُعادين، وإن كان لا يلزم من نفي الإدانة نفي البعث فإنه يجوز أن يكون بعث بلا جزاء لكن ذلك لا يدَعى لأنه عبث.
فقوله: ﴿ إن كنتم غير مدينين ﴾ إيماء إلى أن الغرض من سوق هذا الدليل إبطال إنكارهم البعث الذي هو لحكمة الجزاء.
ومن مستتبعات هذا الكلام أن يفيد الإيماء إلى حكمة الموت بالنسبة للإنسان لأنه لتخليص الأرواح من هذه الحياة الزائلة المملوءة باطلاً إلى الحياة الأبدية الحق التي تجري فيها أحوال الأرواح على ما يناسب سلوكها في الحياة الدنيا، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ [المؤمنون: 115] فيقتضي أنه لولا أنكم مدينون لما انتزعنا الأرواح من أجسادها بعد أن جعلناها فيها ولأبقيناها لأن الروح الإنساني ليس كالروح الحيواني، فتكون الآية مشتملة على دليلين: أحدهما بحاقِّ التركيب، والآخر بمستتبعاته التي أومأ إليها قوله: ﴿ إن كنتم غير مدينين ﴾ .
والغرض الأول هو الذي ذيل بقوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ .
هذا تفسير الآية الذي يحيط بأوفر معانيها دلالة واقتضاء ومستتبعات.
وجعل في «الكشاف» معنى الآية يصب إلى إبطال ما يعتقده الدهريون، أي الذين يقولون ﴿ نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ [الجاثية: 24]، لأنهم نفوا أن يكونوا عباداً لله.
وجعل معنى ﴿ مدينين ﴾ مملوكين لله، وبذلك فسره الفراء وقال ابن عطية: «إنه أصح ما يقال في معنى اللفظة هنا، ومن عبر بمجازَى أو بمحاسب، فذلك هنا قلق».
وقلت: في كلامه نظر ظاهر.
وجعل الزمخشري تفريعه على ما حكي من كلامهم السابق مبنياً على أن ما حكي من كلامهم في الأنْواء والتكذيب يفضي إلى مذهب التعطيل، فاستدل عليهم بدليل يقتضي وجود الخالق وهو كله ناء عن معنى الآية لأن الدهرية لا ينتحلها جميع العرب بل هي نحلة طوائف قليلة منهم وناء عن متعارف ألفاظها وعن ترتيب استدلالها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: غَيْرَ مُحاسَبِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: غَيْرَ مَبْعُوثِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: غَيْرَ مُصَدِّقِينَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: غَيْرَ مَقْهُورِينَ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.
الخامِسُ: غَيْرَ مُوقِنِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
السّادِسُ: غَيْرَ مَجْزِيِّينَ بِأعْمالِكم، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ.
السّابِعُ: غَيْرَ مَمْلُوكِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿ تَرْجِعُونَها ﴾ أيْ تَرْجِعُ النَّفْسَ بَعْدَ المَوْتِ إلى الجَسَدِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنَّكم غَيْرَ مُذْنِبِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ غير مدينين ﴾ قال: غير محاسبين.
وأخرج عبد حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله تعالى عنه ﴿ فلولا إن كنتم غير مدينين ﴾ قال: غير محاسبين ﴿ ترجعونها ﴾ قال: النفس.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه والحسن وقتادة مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ غير مدينين ﴾ قال: غير موقنين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فلولا إن كنتم غير مدينين ﴾ قال: غير مبعوثين يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن خيثم في قوله: ﴿ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ﴾ قال: هذا له عند الموت ﴿ وجنة نعيم ﴾ قال: تخبأ له الجنة إلى يوم يبعث ﴿ وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم ﴾ قال: هذا عند الموت ﴿ وتصلية جحيم ﴾ قال: تخبأ له الجحيم إلى يوم يبعث.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحكيم الترميذي في نوادر الأصول والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ فروح وريحان ﴾ برفع الراء.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: «قرأت على رسو ل الله صلى الله عليه وسلم سورة الواقعة فلما بلغت ﴿ فروح وريحان ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فروح وريحان ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن عوف عن الحسن أنه كان يقرأها ﴿ فروح وريحان ﴾ برفع الراء.
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر عن قتادة أنه كان يقرأ ﴿ فروح ﴾ قال: رحمة، قال: وكان الحسن يقرأ ﴿ فروح ﴾ يقول: راحة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فروح ﴾ قال: راحة ﴿ وريحان ﴾ قال: استراحة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يعني بالريحان المستريح من الدنيا ﴿ وجنة نعيم ﴾ يقول: مغفرة ورحمة.
وأخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد في مسنده والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي قتادة قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرت جنازة فقال: مستريح ومستراح منه، فقلنا يا رسول الله: ما المستريح وما المستراح منه؟
قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله سبحانه وتعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب» .
وأخرج القاسم بن مندة في كتاب الأحوال والإِيمان بالسؤال عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما يبشر به المؤمن عند الوفاة بروح وريحان وجنة نعيم، وإن أول ما يبشر به المؤمن في قبره أن يقال: أبشر برضا الله تعالى والجنة، قدمت خير مقدم قد غفر الله لمن شيعك إلى قبرك وصدق من شهد لك واستجاب لمن استغفر لك» .
وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فروح وريحان ﴾ قال: الروح الفرح، والريحان الرزق.
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ فروح وريحان ﴾ .
قال: فرج من الغم الذي كانوا فيه، واستراحة من العمل، لا يصلون ولا يصومون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير الضحاك قال: الروح الاستراحة، والريحان الرزق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو القاسم بن منده في كتاب السؤال عن الحسن في قوله: ﴿ فروح وريحان ﴾ قال: ذاك في الآخرة فاستفهمه بعض القوم فقال: أما والله إنهم ليسرون بذلك عند الموت.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فروح وريحان ﴾ قال: الريحان الرزق.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: الروح الرحمة، والريحان هو هذا الريحان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فروح وريحان ﴾ قال: الروح الرحمة والريحان يتلقى به عند الموت.
وأخرج المروزي في الجنائز وابن جرير عن الحسن قال: تخرج روح المؤمن من جسده في ريحانة، ثم قرأ ﴿ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي عمران الجوني في قوله: ﴿ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ﴾ قال: بلغني أن المؤمن إذا نزل به الموت تلقى بضبائر الريحان من الجنة فيجعل روحه فيها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: لم يكن أحد من المقربين يفارق الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت عن بكر بن عبدالله قال: إذا أمر ملك الموت بقبض روح المؤمن أتى بريحان من الجنة، فقيل له: اقبض روحه فيه، وإذا أمر بقبض روح الكافر أتى ببجاد من النار فقيل له: أقبضه فيه.
وأخرج البزار وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن المؤمن إذا حضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر ريحان، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين، ويقال: أيتها النفس الطيبة أخرجي راضية مرضيّاً عنك إلى روح الله وكرامته، فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليها الحريرة وذهب به إلى عليين، وإن الكافر إذا حضر أتته الملائكة بمسح فيه جمر فتنزع روحه انتزاعاً شديداً، ويقال: أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطاً عليك إلى هوان الله وعذابه، فإذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة، فإن لها نشيشاً ويطوى عليها المسح ويذهب به إلى سجين» .
وأخرج أبن أبي الدنيا في ذكر الموت عن إبراهيم النخعي قال: بلغنا أن المؤمن يستقبل عند موته بطيب من طيب الجنة، وريحان من ريحان الجنة، فتقبض روحه فتجعل في حرير الجنة، ثم ينضح بذلك الطيب، ويلف في الريحان ثم ترتقي به ملائكة الرحمة حتى يجعل في عليين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ قال: تأتيه الملائكة بالسلام من قبل الله تسلم عليه وتخبره أنه من أصحاب اليمين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ قال: سلام من عذاب الله، وسلمت عليه ملائكة الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم ﴾ قال: لا يخرج الكافر من دار الدنيا حتى يشرب كأساً من حميم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: من مات وهو يشرب الخمر شج في وجهه من جمر جهنم.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: « ﴿ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ﴾ قال: هذا في الدنيا ﴿ وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم ﴾ قال: هذا في الدنيا» .
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني فلان بن فلان سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره الله لقاءه، فأكب القوم يبكون فقالوا: إنا نكره الموت، قال: ليس ذاك، ولكنه إذا حضر ﴿ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم ﴾ فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله والله للقائه أحب ﴿ وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم ﴾ فإذا بشر بذلك كره لقاء الله والله للقائه أكره» .
وأخرج آدم ابن أبي اياس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ إلى قوله: ﴿ فروح وريحان وجنة نعيم ﴾ إلى قوله: ﴿ فنزل من حميم وتصلية جحيم ﴾ ثم قال: إذا كان عند الموت قيل له هذا فإن كان من أصحاب اليمين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن كان من أصحاب الشمال كره لقاء الله وكره الله لقاءه» .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة رضي الله عنها: إنا لنكره الموت، فقال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضر الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، وأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه وكره لقاء الله وكره الله لقاءه» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من ميت يموت إلا وهو يعرف غاسله ويناشد حامله إن كان بخير ﴿ فروح وريحان وجنة نعيم ﴾ أن يعجله وإن كان بشر ﴿ فنزل من حميم وتصلية جحيم ﴾ أن يحبسه» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن هذا لهو حق اليقين ﴾ قال: ما قصصنا عليك في هذه السورة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن هذا لهو حق اليقين ﴾ قال: إن الله عز وجل ليس تاركاً أحداً من خلقه حتى يقفه على اليقين من هذا القرآن فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك يوم القيامة، وأما الكافر فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه اليقين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إن هذا لهو حق اليقين ﴾ قال: الخبر اليقين.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مسروق رضي الله عنه قال: من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ الدنيا والآخرة، ونبأ الجنة والنار، فليقرأ ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ قال: فصل لربك.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: «لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ قال: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: اجعلوها في سجودكم» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قالوا يا رسول الله كيف نقول في ركوعنا؟
فأنزل الله الآية التي في آخر سورة الواقعة ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ فأمرنا أن نقول: سبحان ربي العظيم وتراً» .
قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبدالله بن إبراهيم الشافعي، أنبأنا الحسين بن عبدالله بن يزيد، أنبأنا محمد بن عبدالله بن سابور، أنبأنا الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي مالك، أو عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ قال: الساعة ليس لوقعتها كاذبة يقول: من كذب بها في الدنيا فإنه لا يكذب بها في الآخرة إذا وقعت ﴿ خافضة رافعة ﴾ قال: القيامة خافضة، يقول: خفضت فأسمعت الأذنين، ورفعت فأسمعت الأقصى، كان القريب والبعيد فيها سواء، قال: وخفضت أقواماً قد كانوا في الدنيا مرتفعين، ورفعت أقواماً حتى جعلتهم في أعلى عليين ﴿ إذا رجت الأرض رجّاً ﴾ قال: هي الزلزلة ﴿ وبست الجبال بسّاً ﴾ ﴿ فكانت هباء منبثّاً ﴾ قال: الحكم والسدي قال: على هذا الهرج هرج الدواب الذي يحرك الغبار ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ قال: العباد يوم القيامة على ثلاثة منازل ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ هم: الجمهور جماعة أهل الجنة ﴿ وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ﴾ هم أصحاب الشمال يقول: ما لهم وما أعد لهم ﴿ والسابقون السابقون ﴾ هم مثل النبيين والصديقين والشهداء بالأعمال من الأولين والآخرين ﴿ أولئك المقربون ﴾ قال: هم أقرب الناس من دار الرحمن من بطنان الجنة وبطنانها وسطها في جنات النعيم ﴿ ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة ﴾ قال: الموضونة الموصولة بالذهب المكللة بالجوهر والياقوت ﴿ متكئين عليها متقابلين ﴾ قال ابن عباس: ما ينظر الرجل منهم في قفا صاحبه، يقول: حلقاً حلقاً ﴿ يطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ قال: خلقهم الله في الجنة كما خلق الحور العين لا يموتون لا يشيبون ولا يهرمون ﴿ بأكواب وأباريق ﴾ والأكواب التي ليس لها آذان مثل الصواع والأباريق التي لها الخراطم والأعناق ﴿ وكأس من معين ﴾ قال: الكأس من الخمر بعينها ولا يكون كأس حتى يكون فيها الخمر، فإذا لم يكن فيها خمر فإنما هو إناء والمعين يقول: من خمر جار ﴿ لا يصدعون عنها ﴾ عن الخمر ﴿ ولا ينزفون ﴾ لا تذهب بعقولهم ﴿ وفاكهة مما يتخيرون ﴾ يقول: مما يشتهون يقول: يجيئهم الطير حتى يقع فيبسط جناحه فيأكلون منه ما اشتهوا نضجاً لم تنضجه النار، حتى إذا شبعوا منه طار فذهب كما كان ﴿ وحور عين ﴾ قال: الحور البيض، والعين العظام الأعين حسان ﴿ كأمثال اللؤلؤ ﴾ قال: كبياض اللؤلؤ التي لم تمسه الأيدي ولا الدهر المكنون الذي في الأصداف، ثم قال: ﴿ جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال: اللغو الحلف لا والله، وبلى والله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ قال: قال لا يموتون ﴿ إلا قيلاً سلاماً سلاماً ﴾ يقول: التسليم منهم وعليهم، بعضهم على بعض قال: هؤلاء المقربون، ثم قال: ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ﴾ وما أعد لهم ﴿ في سدر مخضود ﴾ والمخضود الموقر الذي لا شوك فيه ﴿ وطلح منضود وظل ممدود ﴾ يقول: ظل الجنة لا ينقطع ممدود عليهم أبداً ﴿ وماء مسكوب ﴾ يقول: مصبوب ﴿ وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ قال: لا تنقطع حيناً وتجيء حيناً مثل فاكهة الدنيا، ولا ممنوعة كما تمنع في الدنيا إلا بثمن ﴿ وفرش مرفوعة ﴾ يقول: بعضها فوق بعض ثم قال: ﴿ إنا أنشأناهن إنشاء ﴾ قال: هؤلاء نساء أهل الجنة وهؤلاء العجز الرمص يقول: خلقهم خلقاً ﴿ فجعلناهن أبكاراً ﴾ يقول: عذارى ﴿ عرباً أتراباً ﴾ والعرب المتحببات إلى أزواجهن، والأتراب المصطحبات اللاتي لا تغرن ﴿ لأصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ يقول: طائفة من الأولين وطائفة من الآخرين ﴿ وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ﴾ ما لهم وما أعد لهم ﴿ في سموم ﴾ قال: فيح نار جهنم ﴿ وحميم ﴾ الماء الجار الذي قد انتهى حره، فليس فوقه حر ﴿ وظل من يحموم ﴾ قال: من دخان جهنم ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين قال: مشركين جبارين ﴿ وكانوا يصرون ﴾ يقيمون ﴿ على الحنث العظيم ﴾ قال: على الإِثم العظيم، قال: هو الشرك ﴿ وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً ﴾ إلى قوله: ﴿ أو آباؤنا الأوّلون ﴾ قال: قل يا محمد إن الأولين والآخرين لمجموعون ﴿ إلى ميقات يوم معلوم ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ قال: المشركون المكذبون ﴿ لآكلون من شجر من زقوم ﴾ قال: والزقوم إذا أكلوا منه خصبوا والزقوم شجرة ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ قال: يملأون من الزقوم بطونهم ﴿ فشاربون عليه من الحميم ﴾ يقول: على الزقوم الحميم ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ هي الرمال لو مطرت عليها السماء أبداً لم ير فيها مستنقع ﴿ هذا نزلهم يوم الدين ﴾ كرامة يوم الحساب ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ يقول: أفلا تصدقون ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ يقول: هذا ماء الرجل ﴿ أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ﴾ ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ في المتعجل والمتأخر ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ فيقول: نذهب بكم ونجيء بغيركم ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون ﴾ يقول: نخلقكم فيها لا تعلمون، إن نشأ خلقناكم قردة وإن نشأ خلقناكم خنازير ﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ﴾ يقول: فهلا تذكرون، ثم قال: ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ يقول: ما تزرعون ﴿ أم نحن الزارعون ﴾ يقول: أليس نحن الذي ننبته أم أنتم المنبتون ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون ﴾ يقول: تندمون ﴿ إنا لمغرمون ﴾ يقول: إنا لمواريه ﴿ بل نحن محرومون أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن ﴾ يقول: من السحاب ﴿ أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ يقول: مرّاً ﴿ فلولا تشكرون ﴾ يقول: فهلا تشكرون ﴿ أفرأيتم النار التي تورون ﴾ يقول: تقدحون ﴿ أأنتم أنشأتم ﴾ يقول: خلقتم ﴿ شجرتها أم نحن المنشئون ﴾ قال: وهي من كل شجرة إلا في العناب وتكون في الحجارة ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ يقول: يتذكر بها نار الآخرة العليا ﴿ ومتاعاً للمقوين ﴾ قال: والمقوي هو الذي لا يجد ناراً فيخرج زنده فيستنور ناره فهي متاع له ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ يقول: فصل لربك العظيم ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ قال: أتى ابن عباس علبة بن الأسود، أو نافع بن الحكم فقال له: يا ابن عباس إني أقرأ آيات من كتاب الله أخشى أن يكون قد دخلني منها شيء.
قال ابن عباس: ولم ذلك؟
قال: لأني أسمع الله يقول: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ [ القدر: 2] ويقول: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ﴾ [ الدخان: 3] ويقول في آية أخرى: ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ [ البقرة: 185] وقد نزل في الشهور كلها شوال وغيره.
قال ابن عباس: ويلك إن جملة القرآن أنزل من السماء في ليلة القدر إلى ﴿ بمواقع النجوم ﴾ يقول: إلى سماء الدنيا فنزل به جبريل في ليلة منه وهي ليلة القدر المباركة، وفي رمضان، ثم نزل به على محمد صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة الآية والآيتين والأكثر، فذلك قوله: ﴿ لا أقسم ﴾ يقول: أقسم ﴿ بمواقع النجوم ﴾ ﴿ وإنه لقسم ﴾ والقسم قسم وقوله: ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ وهم السفرة والسفرة هم الكتبة، ثم قال: ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ ﴿ أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ﴾ يقول: تولون أهل الشرك وتجعلون رزقكم قال ابن عباس رضي الله عنهما: سافر النبي صلى الله عليه وسلم في حر، فعطش الناس عطشاً شديداً حتى كادت أعناقهم أن تنقطع من العطش، فذكر ذلك له قالوا: يا رسول الله لو دعوت الله فسقانا، قال لعلّي إن دعوت الله فسقاكم لقلتم هذا بنوء كذا وكذا قالوا: يا رسول الله ما هذا بحين أنواء، ذهبت حين الأنواء، فدعا بماء في مطهرة فتوضأ ثم ركع ركعتين، ثم دعا الله فهبت رياح وهاج سحاب، ثم أرسلت فمطروا حتى سال الوادي، فشربوا وسقوا دوابهم، ثم مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل وهو يغترف بقعب معه من الوادي وهو يقول: نوء كذا وكذا سقطت الغداة، قال: نزلت هذه الآية ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ يقول: النفس ﴿ وأنتم حينئذ تنظرون ﴾ ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ يقول: الملائكة ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ يقول: لا تبصرون الملائكة ﴿ فلولا ﴾ يقول: هلا ﴿ إن كنتم غير مدينين ﴾ غير محاسبين ﴿ ترجعونها ﴾ يقول: إن ترجعوا النفس ﴿ إن كنتم صادقين فأما إن كان من المقربين ﴾ مثل النبيين والصديقين والشهداء بالأعمال ﴿ فروح ﴾ الفرح مثل قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ [ يوسف: 87] ﴿ وريحان ﴾ الرزق قال ابن عباس: لا تخرج روح المؤمن من بدنه حتى يأكل من ثمار الجنة قبل موته ﴿ وجنة نعيم ﴾ يقول: حققت له الجنة والآخرة ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين ﴾ يقول: جمهور أهل الجنة ﴿ فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين ﴾ وهم المشركون ﴿ فنزل من حميم ﴾ قال: ابن عباس رضي الله عنهما لا يخرج الكافر من بيته في الدنيا حتى يسقى كأساً من حميم ﴿ وتصلية جحيم ﴾ يقول: في الآخرة ﴿ إن هذا لهو حق اليقين ﴾ يقول: هذا القول الذي قصصنا عليك لهو حق اليقين يقول القرآن الصادق، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ تَرْجِعُونَهَا ﴾ أي تردون تلك النفس التي بلغت الحلقوم.
قال الفراء: وأجيب ﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ ﴾ و ﴿ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ ﴾ بجواب واحد، وهو قوله: ﴿ تَرْجِعُونَهَا ﴾ ، قال: ومثله قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أجيبتا بجواب واحد وهما جزاءان (١) وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ تَرْجِعُونَهَا ﴾ جواب لقوله: ﴿ فَلَوْلَا ﴾ المتقدمة والمتأخرة على تأويل: فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم ترجعونها أي تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون، يقول: إن كان الأمر كما تقولون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله يقوم بذلك، فهلَّا تردون نفسًا ممن يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم؟
وإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فلم لا يدلكم ذلك على أن الأمر إلى غيركم وهو الله عز وجل (٢) وقال أبو إسحاق: معناه هلا ترجعون الروح إن كنتم غير مدينين، أي: غير مملوكين مدبَّرين ليس لكم في الحياة والموت قدرة، فهلا إن كنتم كما زعمتم في مثل قولكم الذي جاء في القرآن: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾ ﴿ لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾ أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلًا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم الموت (٣) ولما دل بما ذكر على أنهم محاسبون ومجزيون ومملوكون، ذكر طبقات الخلق عند الموت والحشرجة.
(١) انظر: "معاني القرآن" 3/ 130.
(٢) انظر: "الوسيط" 4/ 241 - 242، و"معالم التنزيل" 4/ 291، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 232.
(٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 117.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ لولا هنا عرض كالأولى وكررت للتأكيد والبيان لما طال الكلام، والفعل الذي دخلت عليه لولا الأولى والثانية قوله: ﴿ تَرْجِعُونَهَآ ﴾ أي: هلا رددتم النفس إلى الجسد إذا بلغت الحلقوم؛ إن كنتم غير مدينين، وغير مربوبين ومقهورين، فافعلوا ذلك إن كنتم صادقين في كفركم.
وترتيب الكلام: فلولا ترجعون النفس إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فارجعوا إن كنتم صادقين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.
الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.
الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.
الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.
﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.
﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.
الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.
التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.
يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.
واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.
ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.
وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.
وقالت له: إنك تطيقه.
فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.
وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.
وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.
والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.
ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.
روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا .
قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.
﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.
قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد .
جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.
وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.
قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.
وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.
وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله أعلم بمراده.
ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.
قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.
وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.
قال جار الله: روي هذا عن علي .
والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.
والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.
ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.
ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.
والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.
قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.
قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.
وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.
ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.
والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.
وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.
وفي الكشاف أن علياً أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟
قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.
قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.
والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.
ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.
والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي .
وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.
والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.
ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.
روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.
وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.
ثم عجب من أصحاب الشمال.
ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.
والحميم الماء الكثير الحرارة.
واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.
ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.
قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.
قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.
ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.
وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.
وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".
واعلم أنه ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.
وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.
أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.
ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.
فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله أعلم بمراده.
ثم أمر نبيه بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.
ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.
والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.
وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.
ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.
ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.
ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.
يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.
ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.
فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.
يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.
والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.
وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.
ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.
ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.
وفي الكشاف عن رسول الله " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.
وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.
ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.
وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.
من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.
ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.
ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.
والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.
ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.
وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.
ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".
وأعلم أنه بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.
ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.
وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.
ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.
أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.
وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.
وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.
ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.
ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.
وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.
ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.
أو كرمه نفعه للمكلفين.
أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.
ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.
وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.
ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.
ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.
وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.
وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.
ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.
ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.
ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.
فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟
ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.
ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.
ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.
وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.
ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.
هذا قول كثير من المفسرين.
وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.
وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".
"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.
أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.
هذا ما قاله أكثر المفسرين.
وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.
ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.
ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله في شأن الأزواج الثلاثة.
وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.
ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.
روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟
قال: ذنوبي.
قال: ما تشتهي؟
قال:رحمة ربي.
قال: أفلا ندعو الطبيب؟
قال: الطبيب أمرضني.
قال: افلا نأمر بعطائك؟
قال: لا حاجة لي فيه.
قال: تدفعه إلى بناتك.
قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ عن ابن مسعود وإبراهيم أنهما قرآ: (بموقع النجوم)، على الوحدان.
وعن الحسن: أنه قرأها بمواقع على الجمع، وربه أخذ أبو عبيد، وقال إن بعض أهل التأويل يتأولونها على منازل القرآن، وبعضهم على مغايب الكواكب ومساقطها، وأي: الوجهين كان، فالجمع فيه أولى من الوجدان.
ثم اختلف في قوله: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ : منهم من قال: إن حرف (لا) هاهنا صلة؛ كأنه قال: أقسم بمواقع النجوم، وذلك جائز في اللغة، كقوله: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ ونحوه، يكون لى الصلة والزيادة على التوكيد.
ومنهم من قال: على إثبات حرف (لا)، لكنه جعل ذكره لرد قول كان من أولئك الكفرة، ولدفع منازعة كانت منهم، لكن لم يكذر ذلك؛ لما كنت معروفة بينهم، فرد ذلك بقوله: ﴿ فَلاَ ﴾ ثم ابتدأ القسم بقوله: ﴿ أُقْسِمُ ﴾ ، كأنه قال: أقسم قسما بمواقع النجوم.
ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ على الوجهين اللذين ذكرناهما.
وقال بعضههم: ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ أي: بمواقع نزول القرآن نجوماً؛ دليله: ما ذكر على أثره: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴾ .
والثاني: ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ النجوم المعروفة؛ على ما قال بعضهم.
ثم ن كان المراد منه: الكواكب، فالقسم بها يكون على وجوه.
أحدها: لعظم موقع النجوم ومحلها في القلوب، وجليل قدرها عند الناس حتى يجعلها بعض الملحدة مدبرة العالم.
أو لكثرة منافع الخلق بها من معرفة الطرق بها والسبل، ومعرفة كثرة الأنواء والمياه، ومعرفة الأوقات والأزمنة، وغيرها مما يكثر ذكرها.
أو ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ أي: مساقطها، وفي ذلك إخبار وإنباء عن شدة طاعة النجوم وتسخيره إياها للخلق؛ حيث تملك قطع مسيرة خمسمائة يوم في ليلة واحدة ما لا يتوهم قطع ذلك من سواها من ذوي الأرواح والأجنحة التي هي أسرع لقطع المسافات والوصول إلى مقاصدها، والله أعلم.
ثم قال أهل التأويل بأجمعهم بأن القسم بها من الله .
وجائز أن يكون القسم من الرسول ، لكن أضافه إلى نفسه؛ تعليما منه لرسول الله أن يقسم برب هذه الأشياء؛ وكذلك تعليما لغيره من الرسل القسم برب هذه الأشياء؛ إذ لا تنازع بينهم وبين الله ؛ ليقسم وإنما وضع القسم لتأكيد الخبر عند الإنكار والتنازع، ولكن التنازع فيما بينهم وبين الرسل، وكذلك ما ذك: ﴿ فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ ﴾ ، ليس من الله ، ولكن من الرسول؛ إلا يحتمل أن يكن الرب - عز وجل - هو المقسم، ويقول: ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ ﴾ ؛ فظاهره أن يكون الرسول هو المقسم بها، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
ومن الناس من قال: إن الأقسام التي جرى ذكرها في القرآن بالأشياء التي ذكرها لو لم يكن القسم بها، لكانت تلك الأشياء تؤكد وتوجب القسم، وتؤكد أو لو وقع بها القسم؛ لأن الأقسام فيه إنما جرى أكثرها في إيجاب البعث والتوحيد، وإثبات الرسالة، ونحوها، وما جرى ذكرها لو لم يكن القسم بها، لكانت توجب ما يوجب القسم؛ لأن في هذه الأشياء دلالات على البعث والتوحيد والرسالة، والله الموفق.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ على قول من يجعل القسم بالقرآن، فهو ظاهر: أن يقول: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ ، أي: الذي أقسم به وأنزله نجوماً هو كريم.
وعلى التأويل الذي يجعل القسم بالنجوم المعروفة، يجعل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ ابتداء ذكر منه له.
ثم تسميته القرآن: كريما، يخرج على وجوه: أحدها: وصفه بالكرم؛ لما هو محل لقضاء الحوائج الدنيوية والأخروية، وفي العرف: الكريم: من نصب نفسه وأعدها لقضاء حوائج الخلق والقيام لإنجازها.
أو وصفه بالكرم؛ لأن من اتبعه، كرم وشرف.
أو كريم عند الله عظيم: لذلك وصفه بالكرم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴾ قال أهل التأويل: في اللوح المحفوظ؛ سماه مكنون: لأنه مستور على خلقه عند الله.
وقال - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ ﴾ يقول: لا يمس ذلك إلا المطهرون.
وقال بعضهم: هم الملائكة الذين يجري ذلك على أيديهمه؛ كقوله : ﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ طهروا من الذنوب والآثام، وكأنه ذكر هذا ليأمنوا عن تحريف هذا الكتاب وتبديله، وهو ما قال على أثره: ﴿ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: أنه مكنون عمن يحرفه ويبدله، وأنه لا يمسه إلا المطهرون من الذنوب، والتحريف: إثم وذنب من رب العالمين، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ ، وقال: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ﴾ ، أخبر أن الذي نزل به من السماء أمين، لا يكون منه التحريف ولا التبديل، وأنه قوي، لا يقدر أحد من جني وإنسي أخذه من يده، ولا تحريفه، ثم تمام الأمن بقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ ، وكل حفظة إلى نفسه؛ لا إلى من خلقه؛ فصار محفوظا عن التبديل والتحريف، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ قال بعضهم: أفبهذا القرآن أنت كافرون؟
﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ الله جعل هذا القرآن حياة الدين وقوامه، والرزق حياة الأبدان وما به قوامها، فكذبوا الأمرين جميعا، ما به حياة الدين والأبدان جميعا.
ثم يخرج ما ذكر من تكذيب الرزق على وجوه: أحدها: ما ذكر بعض الناس أهل التأويل: أنهم كانوا يقولون: رزقنا بنوء كذا؛ كانوا ينسبون الرزق لذلك النوء؛ فهذايخرج على قول المنجمة: إن النجوم هي مدبرة العالم ورازقتهمه؛ لا يجعلون لله في ذلك تدبيرا.
فأما من نسب الرزق إلى الله ، ويقول: رزقنا الله بنوء كذا، فليس في ذلك تكذيبه؛ إنما يخرج ذكر النوء ذكر سبب من الأسباب التي يرزق الله بها، وكذلك من رأى الرزق من الأسباب خاصة، وأما من يقول: رزقنا بسبب كذا، فذلك جائز القول به.
وقال بعضهم: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ أي: تجعلون شكر الرزق التكذيب؛ وبه قال أبو عبيدة.
وجائز أن يكون تكذيبهم الرزق: صرف تسمية الألوهية إلى غير الذي رزقهم، والعبادة لغير المستحق لها، والله أعلم.
وقال الحسن: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ بئسما أخذ القوم لأنفسهم؛ حتى لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب؛ يقول: صار حظكم من القرآن التكذيب، ويجعل هذه الآية مع الآية الأولى: ﴿ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ .
وقال أبو بكر الأصم في هذه الآية: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾ ، وهو هذا القرآن الذي خصكم به دون آبائكم، ورزقتم به ما لم يرزق آباؤكم منه، ثم جعلتم تكذبون بذلك الرزق الذي خصصتم به ورزقتم، أو كلام من نحوه، وهو كقوله : ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ ﴾ .
وقال في قوله : ﴿ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ : هو الذي يرى الموافقة، ويحتال في دفع حجة ما يلزمه ويرد عليه، أو كلام يشبه معناه هذا، والله أعلم.
وقال أبو معاذ: مُدَّهِن وَمُدْهِن لغتان، ثم أصل المداهنة؛ لطمع له فيه مخادعة حتى يصل إلى ما يطمع، والمداراة الشفقة، يداريه إشفاقاً عليه ليتحقق له عليه الحق؛ ليسلم له دينه، وإلا هما الظاهر واحد، وهما الملاينة وخفض الجناح، لكن الفرق بينهما ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ ، ليس هذا الكلام صلة ما تقدم من الكلام.
ثم يشبه أن يكون صلة ما قال أولئك للمؤمنين: ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ ﴾ ، يقول - والله أعلم -: لو كانوا عندكم لم يموتوا ولم يقتلوا على ما زعمتم، فهلا إذا كانوا عندكم؛ وقد بلغت الأرواح الحلقوم أن ترجعوها، وتردوها إلى الأجساد التي كانت لو كنتم صادقين في قولكم: ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ...
﴾ الآية [آل عمران: 156]، على هذا جائز أن يخرج تأويل الآية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ تَنظُرُونَ ﴾ أي: تنتظرون خروج الروح أنها متى تخرج؟
لا تملكون ردها إلى حيث كانت، ولكن تنتظرون خروجها متى تخرج؟
والثاني: ﴿ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ على حقيقة النظر؛ أي: تنظرون إلى سلطاني وقدرتي.
وقيل: هو من الانتظار؛ أي: تنتظرون أن يحل بكم الموت، [و]هو ما ذكرنا.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تشفع لهم في ضيق الحال، وإنما يضيق الحال عليهم الأمر عند حلول الموت؛ إذ لا بعث عندهم، فيقول: فلولا إذا بلغت الأرواح الحلقوم فتنفع لهم الأصنام التي يعبدونها، وترد الأرواح إلى المكان الذي كانت، فإذا لم تملك ذلك فكيف عبدتموها؟
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ ، قال بعض اهل التأويل: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ﴾ أي: ملائكتي ورسلي في ذلك الوقت أقرب إليه منكم ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ الملائكة، لكن أضاف إلى نفسه؛ لما أن الملائكة بأمره وتسليطه يعملون.
وقيل: نحن أقرب إ ليه منكم، أي: أولى به في ذلك الوقت؛ لما يعلم هو خطأه، ويتبين له الحق في ذلك الوقت من الباطل: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ أنتم، أي: لا تعلمون ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، قال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ أي: لو كنتم غير مملوكين لله على ما زعمتم، ترجعون الأرواح، وتردونها إلى الأجساد التي كانت فيها؛ إن كنتم صادقين: أنكم غير مملوكين، فإذا كنتم عندكم غير مملوكين، تكونون مالكين؛ إذ ليس إلا المملوك والمالك، فإذا لم تكونوا مملوكين تكونون مالكين فتملكون ردها إلى ما فيها، فإذا لم تملكوا كتنم مملوكين، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ أي: غير محاسبين ولا مجزيين، فردوا النشأة الأولى، واجعلوها بأنفسكم حتى تكون النشأة الأولى الحكمة؛ إذ لم تملكوا رد هذه الأرواح إلى الأنفس، أو اجعلوا النشأة الأولى حكمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ...
﴾ إلى آخره، اختلف في وقت ما ذكر [و]لمن ذكر ذلك؟
قال بعضهم: إن ذلك يقال لهم عند الموت؛ بشارة لهم بما يكومن لهم في الجنة.
ومنهم من يقول: إنما يقال ذلك إذا دخل هؤلاء الجنة، وأولئك النار؛ أعني: الكافرين، وهو ما ذكر، ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ .
وجائز أن يكون يقال ذلك لهم عند رسول الله في الجنة، وصفاً لرسول الله عنده في الجنة، ومكانهم لديه، على ما كانوا عنده في الدنيا السابقين كانوا في الدنيا المقربين عنده، ومكانهم لديه أقرب من مكان غيرهم من المؤمنين؛ فعلى ذلك يخبر أن السابقين في الإجابة يكونون في الآخرة عنده أقرب، ويكون قوله: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ أي: يستأنس هو بهم ويستأنسون به، لا يفارقونه ولا يفارقهم، على ما كانوا في الدنيا، وسائ المؤمنين يسلمون عليه في أوقات، وهو ما ذكر: و ﴿ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ ﴾ على ما كانوا يفعلون في الدنيا، وهو أقرب من الوجهين اللذين ذكرناهما.
ويحتمل ما ذكروا من البشارة عند الموت - أعني للمؤمنين والكافرين - في حق المؤمنين: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ ، ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ...
﴾ كذا، وفي حق الكفرة: ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ...
﴾ الآية.
ويحتمل [ما] ذكر بعضهم: أن ذلك يقال لهم بعدما دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴾ اختلف في تأويله وتلاوته: أما تلاوته: روي عن عائشة - ا - قالت: كان رسول الله يقرأ هذا الحرف ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ تعني: بضم الراء.
وعن الحسن: أنه قرأها بالضم أيضا.
وعن الضحاك: بفتح الراء، [و]عليه جميع القراء.
وقال أبو عبيد: لولا كراهة خلاف الأمة، وإلا ما قرأتها إلا الضم، ولكن لا أجد أحداً عليها، فأستوحش من مفارقة الناس، ولا يجمع الله أمة محمد على الضلالة.
وأما تأويله: فعلى قراءة الرفع، عن الحسن قال: الروح: الرحمة، والريحان: ريحاننا.
وعن أبي عبيد قال:ِ بالرفع: هو الحياة والبقاء.
وعن الضحاك: بالفتح: الروح: الاستراحة، والريحان: الرزق.
وقال بعضهم: الروح: كناية عن دوام النعمة والسعة، يقال: فلان في روح؛ إذا كان في سعة ونعمة، والريحان: كناية عن الشرف والمنزلة، يقل: فلان ريحاني؛ وذلك لشرفه ومنزلته عنده.
ومنهم من قال: الروح: الراحة، والريحان: الرزق في الجنة.
وقال بعضهم: الورح - بالرفع -: من الرحمة، وبالنصب: الراحة.
ونحن نقول: جائز أن يكونا جميعا بالنصب والرفع من الرحمة؛ لقوله: ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ، أي: من رحمته، وقال في موضع آخر: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ ﴾ أي: برحمة منه، يخبر الله أن المقربين يكونون في الجنة في رحمة الله ونعمته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ ﴾ يحتمل ما وصفنا أن أصحاب اليمين يسلمون على النبي ، ويحيي بضعهم بعضا بالسلام.
ويحتمل ﴿ فَسَلاَمٌ لَّكَ ﴾ أي: السلامة لك منهم من جميع الآفات والأذى.
وذكر في حرف ابن مسعود - - (فسلام إنك من أصحاب اليمين)، فهذا إن ثبت فهو يخرج على البشارة له عند الموت، والله أعلم.
وقيلأ: يسلم عليهم الملائكة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ يقول: هذا الذي ذكرنا للمقربين، ولأصحاب اليمين، وللمكذبين هو حق اليقين؛ أي كائن لا محالة، لا شك فيه؛ مثل هذا يقال على التأكيد وتحقيق ما سبق ذكره ووصفه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ﴾ يقول - والله أعلم - فسبح ربك باسم لا سيمى به غيره؛ أي: نزهه عن جميع ما قالت الملاحدة فيه من الولد والشريك، وتسمية من دونه: إلها وغير ذلك، والله الموفق للسداد وإليه المرجع والمآب.
ترجعون هذه الروح التي تخرج من مميتكم إن كنتم صادقين؟!
ولا تستطيعون ذلك.
<div class="verse-tafsir" id="91.2x617"