الآية ٤ من سورة المجادلة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 58 المجادلة > الآية ٤ من سورة المجادلة

فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ۖ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًۭا ۚ ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 192 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة المجادلة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة المجادلة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) وقد تقدمت الأحاديث الواردة بهذا على الترتيب ، كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان .

( ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ) أي : شرعنا هذا لهذا .

وقوله : ( وتلك حدود الله ) أي : محارمه فلا تنتهكوها .

وقوله : ( وللكافرين عذاب أليم ) أي : الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة ، لا تعتقدوا أنهم ناجون من البلاء ، كلا ليس الأمر كما زعموا ، بل لهم عذاب أليم ، أي : في الدنيا والآخرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا &; 23-232 &; ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) يقول تعالى ذكره: فمن لم يجد منكم ممن ظاهر من امرأته رقبة يحرّرها، فعليه صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا; والشهران المتتابعان هما اللذان لا فصل بينهما بإفطار في نهار شيء منهما إلا من عذر، فإنه إذا كان الإفطار بالعذر ففيه اختلاف بين أهل العلم، فقال بعضهم: إذا كان إفطاره لعذر فزال العذر، بنى على ما مضى من الصوم.

وقال آخرون: بل يستأنف، لأن من أفطر بعذر أو غير عذر لم يتابع صوم شهرين.

ذكر من قال: إذا أفطر بعذر وزال العذر بنى وكان متابعًا.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه قال في رجل صام من كفارة الظهار، أو كفارة القتل، ومرض فأفطر، أو أفطر من عذر، قال: عليه أن يقضي يومًا مكان يوم، ولا يستقبل صومه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، بمثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب في المظاهر، الذي عليه صوم شهرين متتابعين، فصام شهرًا، ثم أفطر، قال: يتمّ ما بقي.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن وسعيد بن المسيب في رجل صام من كفارة الظهار شهرًا أو أكثر ثم مرض، قال: يعتدّ بما مضى إذا كان له عذر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سالم بن نوح، قال: ثنا عمر بن عامر، عن &; 23-233 &; قتادة، عن الحسن، في الرجل يكون عليه الصوم في قتل أو نذر أو ظهار، فصام بعضه ثم أفطر، قال: إن كان معذورًا فإنه يقضي.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن، قال: إن أفطر من عذر أتمّ، وإن كان من غير عذر استأنف.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن حجاج، عن عطاء، قال: من كان عليه صوم شهرين متتابعين فمرض فأفطر، قال: يقضي ما بقي عليه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جُرَيْج، عن عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار في الرجل يفطر في اليوم الغيم، يظنّ أن الليل قد دخل عليه في الشهرين المتتابعين، أنه لا يزيد على أن يبدّله، ولا يستأنف شهرين آخرين.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن عبد الملك، عن عطاء قال: إن جامع المعتكف، وقد بقي عليه أيام من اعتكافه، قال: يتمّ ما بقي، والمظاهر كذلك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن جُرَيح، عن عطاء، قال: إذا كان شيئًا ابتلي به بنى على صومه، وإذا كان شيئًا هو فعله استأنف، قال: سفيان: هذا معناه.

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن عامر في رجل ظاهر، فصام شهرين متتابعين إلا يومين ثم مرض، قال: يتمّ ما بقي.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت إسماعيل عن الشعبي بنحوه.

حدثنا أبو كُرَيب ويعقوب قالا ثنا هشيم، عن إسماعيل، عن الشعبي في رجل عليه صيام شهرين متتابعين، فصام فمرض فأفطر، قال: يقضي ولا &; 23-234 &; يستأنف.

ذكر من قال: يستقبل من أفطر بعذر أو غير عذر: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم في رجل عليه صيام شهرين متتابعين فأفطر، قال: يستأنف، والمرأة إذا حاضت فأفطرت تقضي.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: إذا مرض فأفطر استأنف، يعني من كان عليه صوم شهرين متتابعين فمرض فأفطر.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا هشيم، عن جابر، عن أبي جعفر، قال: يستأنف.

وأولى القولين عندنا بالصواب قول من قال: يبني المفطر بعذر، ويستقبل المفطر بغير عذر، لإجماع الجميع على أن المرأة إذا حاضت في صومها الشهرين المتتابعين بعذر، فمثله، لأن إفطار الحائض بسبب حيضها بعذر كان من قِبل الله، فكلّ عذر كان من قِبل الله فمثله.

وقوله: ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) يقول تعالى ذكره: فمن لم يستطع منهم الصيام فعليه إطعام ستين مسكينًا، وقد بينا وجه الإطعام في الكفارات فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته.

وقوله: ( ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) يقول جلّ ثناؤه: هذا الذي فرضت على من ظاهر منكم، ما فرضت في حال القدرة على الرقبة، ثم خففت عنه مع العجز بالصوم، ومع فقد الاستطاعة على الصوم بالإطعام، وإنما فعلته كي تقر الناس بتوحيد الله ورسالة الرسول محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ويصدّقوا بذلك، ويعملوا به، وينتهوا عن قول الزور والكذب، ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: وهذه الحدود التي حدّها الله لكم، والفروض التي بينها لكم حدود الله فلا تتعدّوها أيها الناس، ( وَلِلْكَافِرِينَ ) بها، وهم جاحدو هذه الحدود وغيرها -من فرائض الله أن تكون من عند الله-، ( عَذَابٌ أَلِيمٌ ) يقول: عذاب مؤلم.

&; 23-235 &;

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

من لم يجد الرقبة ولا ثمنها ، أو كان مالكا لها إلا أنه شديد الحاجة إليها لخدمته ، أو كان مالكا لثمنها إلا أنه يحتاج إليه لنفقته ، أو كان له مسكن ليس له غيره ولا يجد شيئا سواه ، فله أن يصوم عند الشافعي .

وقال أبو حنيفة : لا يصوم ، وعليه عتق ولو كان محتاجا إلى ذلك .

وقال مالك : إذا كان له دار وخادم لزمه العتق ، فإن عجز عن الرقبة ، وهي :فعليه صوم شهرين متتابعين فإن أفطر في أثنائهما بغير عذر استأنفهما ، وإن أفطر لعذر من سفر أو مرض ، فقيل : يبني ؛ قاله ابن المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي .

وهو أحد قولي الشافعي وهو الصحيح من مذهبيه .

وقال مالك : إنه إذا مرض في صيام كفارة الظهار بنى إذا صح .

ومذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يبتدئ .

وهو أحد قولي الشافعي .إذا ابتدأ الصيام ثم وجد الرقبة أتم الصيام وأجزأه عند مالك والشافعي ؛ لأنه بذلك أمر حين دخل فيه .

ويهدم الصوم ويعتق عند أبي حنيفة وأصحابه ، قياسا على الصغيرة المعتدة بالشهور ترى الدم قبل انقضائها ، فإنها تستأنف الحيض إجماعا من العلماء .

وإذا ابتدأ سفرا في صيامه فأفطر ، ابتدأ الصيام عند مالك والشافعي وأبي حنيفة ، لقوله : متتابعين .

ويبني في قول الحسن البصري ، لأنه عذر وقياسا على رمضان ، فإن تخللها زمان لا يحل صومه في الكفارة - كالعيدين وشهر رمضان - انقطع .إذا وطئ المتظاهر في خلال الشهرين نهارا ، بطل التتابع في قول الشافعي ، وليلا فلا يبطل ، لأنه ليس محلا للصوم .

وقال مالك وأبو حنيفة : يبطل بكل حال ووجب عليه ابتداء الكفارة ، لقوله تعالى : من قبل أن يتماسا وهذا الشرط عائد إلى جملة الشهرين ، وإلى أبعاضهما ، فإذا وطئ قبل انقضائهما فليس هو الصيام المأمور به ، فلزمه استئنافه ، كما لو قال : صل قبل أن تكلم زيدا .

فكلم زيدا في الصلاة ، أو قال : صل قبل أن تبصر زيدا فأبصره في الصلاة لزمه استئنافها ، لأن هذه الصلاة ليست هي الصلاة المأمور بها كذلك هذا ، والله أعلم .ومن تطاول مرضه طولا لا يرجى برؤه كان بمنزلة العاجز من كبر ، وجاز له العدول عن الصيام إلى الإطعام .

ولو كان مرضه مما يرجى برؤه ، واشتدت حاجته إلى وطء امرأته كان الاختيار له أن ينتظر البرء حتى يقدر على الصيام .

ولو كفر بالإطعام ولم ينتظر القدرة على الصيام أجزأه .ومن تظاهر وهو معسر ثم أيسر لم يجزه الصوم .

ومن تظاهر وهو موسر ثم أعسر قبل أن يكفر صام .

وإنما ينظر إلى حاله يوم يكفر .

ولو جامعها في عدمه وعسره ولم يصم حتى أيسر لزمه العتق .

ولو ابتدأ بالصوم ثم أيسر فإن كان مضى من صومه صدر صالح نحو الجمعة وشبهها تمادى .

وإن كان اليوم واليومين ونحوهما ترك الصوم وعاد إلى العتق وليس ذلك بواجب عليه .

ألا ترى أنه غير واجب على من طرأ الماء عليه - وهو قد دخل بالتيمم في الصلاة - أن يقطع ويبتدئ الطهارة عند مالك .ولو أعتق رقبتين عن كفارتي ظهار أو قتل أو فطر في رمضان وأشرك بينهما في كل واحدة منهما لم يجزه .

وهو بمنزلة من أعتق رقبة واحدة عن كفارتين .

وكذلك لو صام عنهما أربعة أشهر حتى يصوم عن كل واحدة منهما شهرين .

وقد قيل : إن ذلك يجزيه .

ولو ظاهر من امرأتين له فأعتق رقبة عن إحداهما بغير عينها لم يجز له وطء واحدة منهما حتى يكفر كفارة أخرى .

ولو عين الكفارة عن إحداهما جاز له أن يطأها قبل أن يكفر الكفارة عن الأخرى .

ولو ظاهر من أربع نسوة فأعتق عنهن ثلاث رقاب ، وصام شهرين ، لم يجزه العتق ولا الصيام ، لأنه إنما صام عن كل واحدة خمسة عشر يوما ، فإن كفر عنهن بالإطعام جاز أن يطعم عنهن مائتي مسكين ، وإن لم يقدر فرق ، بخلاف العتق والصيام ، لأن صيام الشهرين لا يفرق ، والإطعام يفرق .[ ص: 256 ] فصل وفيه أربع مسائل :الأولى : ذكر الله عز وجل الكفارة هنا مرتبة ، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة ، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام ، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم .

وإن أطعم مدا بمد هشام ، وهو مدان إلا ثلثا ، أو أطعم مدا ونصفا بمد النبي صلى الله عليه وسلم أجزأه .

قال أبو عمر بن عبد البر : وأفضل ذلك مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن الله عز وجل لم يقل في كفارة الظهار من أوسط ما تطعمون فواجب قصد الشبع .

قال ابن العربي : وقال مالك في رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم : مد بمد هشام وهو الشبع هاهنا ، لأن الله تعالى أطلق الطعام ولم يذكر الوسط .

وقال في رواية أشهب : مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم : قيل له : ألم تكن قلت : مد هشام ؟

قال : بلى ، مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي .

وكذلك قال عنه ابن القاسم أيضا .قلت : وهي رواية ابن وهب ومطرف عن مالك : أنه يعطي مدين لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم .

وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه .

ومذهب الشافعي وغيره : مد واحد لكل مسكين لا يلزمه أكثر من ذلك ، لأنه يكفر بالإطعام ولم يلزمه صرف زيادة على المد ، أصله كفارة الإفطار واليمين .

ودليلنا قوله تعالى : فإطعام ستين مسكينا وإطلاق الإطعام يتناول الشبع ، وذلك لا يحصل بالعادة بمد واحد إلا بزيادة عليه .

وكذلك قال أشهب : قلت لمالك : أيختلف الشبع عندنا وعندكم ؟

قال : نعم !

الشبع عندنا مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم والشبع عندكم أكثر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لنا بالبركة دونكم ، فأنتم تأكلون أكثر مما نأكل نحن .

وقال أبو الحسن القابسي : إنما أخذ أهل المدينة بمد هشام في كفارة الظهار تغليظا على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكرا من القول وزورا .

قال ابن العربي : وقع الكلام هاهنا في مد هشام كما ترون ، ووددت أن يهشم الزمان ذكره ، ويمحو من الكتب رسمه ، فإن المدينة التي نزل الوحي بها ، واستقر الرسول بها ، ووقع عندهم الظهار ، وقيل لهم فيه : فإطعام ستين مسكينا - فهموه وعرفوا المراد به وأنه الشبع ، وقدره معروف عندهم متقرر لديهم ، وقد ورد ذلك الشبع في الأخبار كثيرا ، واستمرت الحال على ذلك أيام الخلفاء الراشدين المهديين حتى نفخ الشيطان في أذن هشام ، فرأى أن مد النبي صلى الله عليه وسلم لا يشبعه ، ولا مثله من حواشيه ونظرائه ، فسول له أن يتخذ مدا يكون فيه شبعه ، فجعله رطلين وحمل الناس عليه ، فإذا ابتل عاد نحو الثلاثة الأرطال ، فغير [ ص: 257 ] السنة ، وأذهب محل البركة .

قال النبي صلى الله عليه وسلم حين دعا ربه لأهل المدينة بأن تبقى لهم البركة في مدهم وصاعهم ، مثل ما بارك لإبراهيم بمكة ، فكانت البركة تجري بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مده ، فسعى الشيطان في تغيير هذه السنة ، وإذهاب هذه البركة ، فلم يستجب له في ذلك إلا هشام ، فكان من حق العلماء أن يلغوا ذكره ويمحوا رسمه إذا لم يغيروا أمره ، وأما أن يحيلوا على ذكره في الأحكام ، ويجعلوه تفسيرا لما ذكر الله ورسوله بعد أن كان مفسرا عند الصحابة الذين نزل عليهم فخطب جسيم ، ولذلك كانت رواية أشهب في ذكر مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة الظهار أحب إلينا من الرواية بأنها بمد هشام .

ألا ترى كيف نبه مالك على هذا العلم بقوله لأشهب : الشبع عندنا بمد النبي صلى الله عليه وسلم ، والشبع عندكم أكثر لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لنا بالبركة .

وبهذا أقول ؛ فإن العبادة إذا أديت بالسنة فإن كانت بالبدن كانت أسرع إلى القبول ، وإن كانت بالمال كان قليلها أثقل في الميزان ، وأبرك في يد الآخذ ، وأطيب في شدقه ، وأقل آفة في بطنه ، وأكثر إقامة لصلبه .

والله أعلم .الثانية : ولا يجزئ عند مالك والشافعي أن يطعم أقل من ستين مسكينا .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن أطعم مسكينا واحدا كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه .الثالثة : قال القاضي أبو بكر بن العربي : من غريب الأمر أن أبا حنيفة قال : إن الحجر على الحر باطل .

واحتج بقوله تعالى : فتحرير رقبة ولم يفرق بين الرشيد والسفيه ، وهذا فقه ضعيف لا يناسب قدره ، فإن هذه الآية عامة ، وقد كان القضاء بالحجر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشيا والنظر يقتضيه ، ومن كان عليه حجر لصغر أو لولاية وبلغ سفيها قد نهي عن دفع المال إليه ، فكيف ينفذ فعله فيه والخاص يقضي على العام .الرابعة : وحكم الظهار عند بعض العلماء ناسخ لما كانوا عليه من كون الظهار طلاقا ، وقد روي معنى ذلك عن ابن عباس وأبي قلابة وغيرهما .الخامسة : قوله تعالى : ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله أي : ذلك الذي وصفنا من التغليظ في الكفارة لتؤمنوا أي : لتصدقوا أن الله أمر به .

وقد استدل بعض العلماء على أن هذه الكفارة إيمان بالله سبحانه وتعالى ، لما ذكرها وأوجبها قال : ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله أي : ذلك لتكونوا مطيعين لله تعالى واقفين عند حدوده لا تتعدوها ، فسمى التكفير لأنه طاعة ومراعاة للحد - إيمانا ، فثبت أن كل ما أشبهه فهو إيمان .

فإن قيل : معنى قوله : ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله أي : لئلا تعودوا للظهار الذي هو منكر من القول وزور .

وقيل له : قد يجوز أن يكون [ ص: 258 ] هذا مقصودا والأول مقصودا ، فيكون المعنى : ذلك لئلا تعودوا للقول المنكر والزور ، بل تدعونهما طاعة لله سبحانه وتعالى إذ كان قد حرمهما ، ولتجتنبوا المظاهر منها إلى أن تكفروا ، إذ كان الله منع من مسيسها ، وتكفروا إذ كان الله تعالى أمر بالكفارة ، وألزم إخراجها منكم ، فتكونوا بهذا كله مؤمنين بالله ورسوله ، لأنها حدود تحفظونها ، وطاعات تودونها والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم إيمان .

وبالله التوفيق .السادسة : قوله تعالى : وتلك حدود الله أي : بين معصيته وطاعته ؛ فمعصيته الظهار وطاعته الكفارة .وللكافرين عذاب أليم أي : لمن لم يصدق بأحكام الله تعالى عذاب جهنم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } رقبة يعتقها، بأن لم يجدها أو [لم] يجد ثمنها { فـ } عليه { صيام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ } الصيام { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } إما بأن يطعمهم من قوت بلده ما يكفيهم، كما هو قول كثير من المفسرين، وإما بأن يطعم كل مسكين مُدَّ بُرٍّ أو نصف صاع من غيره مما يجزي في الفطرة، كما هو قول طائفة أخرى.ذلك الحكم الذي بيناه لكم، ووضحناه لكم { لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } وذلك بالتزام هذا الحكم وغيره من الأحكام، والعمل به، فإن التزام أحكام الله، والعمل بها من الإيمان، [بل هي المقصودة] ومما يزيد به الإيمان ويكمل وينمو.{ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } التي تمنع من الوقوع فيها، فيجب أن لا تتعدى ولا يقصر عنها.{ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وفي هذه الآيات، عدة أحكام:منها: لطف الله بعباده واعتناؤه بهم، حيث ذكر شكوى هذه المرأة المصابة، وأزالها ورفع عنها البلوى، بل رفع البلوى بحكمه العام لكل من ابتلي بمثل هذه القضية.ومنها: أن الظهار مختص بتحريم الزوجة، لأن الله قال { مِنْ نِسَائِهِمْ } فلو حرم أمته، لم يكن [ذلك] ظهارا، بل هو من جنس تحريم الطعام والشراب، تجب فيه كفارة اليمين فقط.ومنها: أنه لا يصلح الظهار من امرأة قبل أن يتزوجها، لأنها لا تدخل في نسائه وقت الظهار، كما لا يصح طلاقها، سواء نجز ذلك أو علقه.ومنها: أن الظهار محرم، لأن الله سماه منكرا [من القول] وزورا.ومنها: تنبيه الله على وجه الحكم وحكمته، لأن الله تعالى قال: { مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } ومنها: أنه يكره للرجل أن ينادي زوجته ويسميها باسم محارمه، كقوله { يا أمي } { يا أختي } ونحوه، لأن ذلك يشبه المحرم.ومنها: أن الكفارة إنما تجب بالعود لما قال المظاهر، على اختلاف القولين السابقين، لا بمجرد الظهار.ومنها: أنه يجزئ في كفارة الرقبة، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، لإطلاق الآية في ذلك.ومنها: أنه يجب إخراجها إن كانت عتقا أو صياما قبل المسيس، كما قيده الله.

بخلاف كفارة الإطعام، فإنه يجوز المسيس والوطء في أثنائها.ومنها: أنه لعل الحكمة في وجوب الكفارة قبل المسيس، أن ذلك أدعى لإخراجها، فإنه إذا اشتاق إلى الجماع، وعلم أنه لا يمكن من ذلك إلا بعد الكفارة، بادر لإخراجها.ومنها: أنه لا بد من إطعام ستين مسكينا، فلو جمع طعام ستين مسكينا، ودفعها لواحد أو أكثر من ذلك، دون الستين لم يجز ذلك، لأن الله قال: { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فمن لم يجد ) يعني الرقبة ( فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ) فإن كانت له رقبة إلا أنه محتاج إلى خدمته ، أو له ثمن رقبة لكنه محتاج إليه لنفقته ونفقة عياله فله أن ينتقل إلى الصوم .

وقال مالك والأوزاعي : يلزمه الإعتاق إذا كان واجدا للرقبة أو ثمنها وإن كان محتاجا إليه .

وقال أبو حنيفة : إن كان واجدا لعين الرقبة يجب عليه إعتاقها وإن كان محتاجا إليها فأما إذا كان واجدا لثمن الرقبة وهو محتاج إليه فله أن يصوم ، فلو شرع المظاهر في صوم شهرين ثم جامع في خلال الشهر بالليل يعصي الله تعالى بتقديم الجماع على الكفارة ، ولكن لا يجب عليه استئناف الشهرين ، وعند أبي حنيفة يجب عليه استئناف الشهرين .

قوله - عز وجل - : ( فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) يعني المظاهر إذا لم يستطع الصوم لمرض أو كبر أو فرط شهوة ولا يصبر عن الجماع يجب عليه إطعام ستين مسكينا .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري حدثنا أحمد بن علي الكشميهني حدثنا علي بن حجر ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن محمد بن أبي حرملة ، عن عطاء بن يسار أن خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت ، فظاهر منها وكان به لمم ، فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إن أوسا ظاهر مني وذكرت أن به لمما فقالت : والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا رحمة له إن له في منافع ، فأنزل القرآن فيهما .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " مريه فليعتق رقبة ، قالت : والذي بعثك بالحق ما عنده رقبة ولا ثمنها قال : مريه فليصم شهرين متتابعين ، فقالت : والذي بعثك بالحق لو كلفته ثلاثة أيام ما استطاع ، قال : مريه فليطعم ستين مسكينا قالت : والذي بعثك بالحق ما يقدر عليه ، قال : مريه فليذهب إلى فلان ابن فلان فقد أخبرني أن عنده شطر تمر صدقة ، فليأخذه صدقة عليه ثم ليتصدق به على ستين مسكينا " .

وروى سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال : كنت امرأ أصيب من النساء ما لم يصب غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان ، فبينما هي تحدثني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن وقعت عليها فانطلقت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فقال : أنت بذاك ، فقلت : أنا بذاك - قاله ثلاثا - قلت : أنا بذاك وها أنا ذا فأمض في حكم الله ، فإني صابر لذلك ، قال : فأعتق رقبة .

فضربت صفحة عنقي بيدي فقلت : لا والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها قال : فصم شهرين متتابعين ، فقلت : يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا من الصيام ؟

قال : فأطعم ستين مسكينا قلت : والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه [ وحشين ] ما لنا عشاء ، قال : اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك ، فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكينا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك .

قال : فرجعت إلى قومي فقلت : وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السعة والبركة ، أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلي قال : فدفعوها إليه .

( ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ) لتصدقوا ما أتى به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الله - عز وجل - ، ( وتلك حدود الله ) يعني ما وصف من الكفارات في الظهار ( وللكافرين عذاب أليم ) قال ابن عباس : لمن جحده وكذب به .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فمن لم يجد» رقبة «فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع» أي الصيام «فإطعام ستين مسكينا» عليه: أي من قبل أن يتماسا حملا للمطلق عل المقيد لكل مسكين مد من غالب قوت البلد «ذلك» أي التخفيف في الكفارة «لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك» أي الأحكام المذكورة «حدود الله وللكافرين» بها «عذاب أليم» مؤلم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فمن لم يجد رقبة يُعتقها، فالواجب عليه صيام شهرين متتاليين من قبل أن يطأ زوجه، فمن لم يستطع صيام الشهرين لعذر شرعي، فعليه أن يطعم ستين مسكينًا ما يشبعهم، ذلك الذي بينَّاه لكم من أحكام الظهار؛ من أجل أن تصدِّقوا بالله وتتبعوا رسوله وتعملوا بما شرعه الله، وتتركوا ما كنتم عليه في جاهليتكم، وتلك الأحكام المذكورة هي أوامر الله وحدوده فلا تتجاوزوها، وللجاحدين بها عذاب موجع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر يسره فى أحكامه فقال : ( فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ) .أى ، فمن لم يجد منكم - أيها المؤمنون - رقبة يعتقها ، أو يجد المال الذى يشترى به الرقبة فيعتقها .

.

.

فعليه فى هذه الحالة ، أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر .( فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ) أى : فمن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين ، لسبب من الأسباب كمرض أو غيره فعليه فى هذه الحالة أن يطعم ستين مسكينا ، بأن يقدم لهم طعاما يكفى لغدائهم وعشائهم بصورة مشبعة .واسم الإشارة فى قوله : ( ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ) إشارة إلى ما سبق الحديث عنه ، من تشريع يتعلق بالظهار .

ومحله إما الرفع على الابتداء ، أو النصب بمضمر معلل بما بعده .أى : ذلك واقع ، أو فعلنا ذلك ليزداد إيمانكم بالله ورسوله ، وعملكم بشريعة الإسلام ، وتنفيذكم للتكاليف التى كلفكم الله - تعلاى - بها .( وَتِلْكَ حُدُودُ الله وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أى : وتلك الأحكام التى ذكرناها لكم هى حدود الله - تعالى - التى لا يجوز تعديها ، فالزموها وقفوا عندها ، وللكافرين الذين يتعدونها ولا يقفون عندها ، عذاب شديد الألم على من ينزل به .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :1 - أن الدعاء متى صدر عن لسان صادق ، وعن قلب عامر باليقين .

.

.

أجابه الله - تعالى - لصاحبه فى الحال أو فى الوقت الذى يريده - سبحانه - .والدليل على ذلك أن السيدة خولة بنت ثعلبة ، عندما تضرعت إلى الله - تعالى - بالدعاء ، أن يكشف كربها ، وأن يحل قضيتها .

.

.

أجاب - سبحاه - دعاءها ، وأنزل قرآنا يتلى ، وأحكاما يعمل بها فى شأن الظهار .ورضى الله عن السيدة عائشة فقد قالت : الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات ، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت .

ما أسمع ما تقول ، فأنزل الله - عز وجل - : ( قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ..

) الآيات .وقال القرطبى : " المرأى التى اشتكت هى خولة بنت ثعلبة .

.

.

وقد مر بها عمر بن الخطاب فى خلافته ، والناس معه فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت : يا عمر قد كنت تدعى عميرا ، ثم قيل لك يا عمر ، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين ، فاتق الله يا عمر ، فإن من أيقن بالموت خاف الفوت ، ومن أيقن الحساب خاف العذاب .فقيل له : يا أمير المؤمنين ، أتقف هذا الوقوف لتلك المرأة العجوز؟

فقال : والله لو حبستنى من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة .

أتدرون من هذه؟

إنها خولة بنت ثعلبة ، سمع الله قولها من فوق سبع سماوات ، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر " .2 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ .

.

.

) أنه ليس للنساء ظهار ، فلو ظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شىء .

.

.

لأن الحل والعقد ، والتحليل والتحريم فى النكاح ، إنما هو بيد الرجل لا بيد المرأة .ويرى بعضهم أن عليها كفارة يمين ، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها من مجامعتها .

كما أخذ الحنفية والحنابلة والمالكية من هذه الآية ، أن الظهار خاص بالمسلمين ، لأنهم هم المخاطبون ، ولأن غيرهم من الذميين ليسوا من أهل الكفارة .وقال الشافعية : كما يصح طلاق الذمى وتترتب عليه أحكامه ، يصح ظهار الذمى وتترتب عليه أحكامه .

.

.

كذلك أخذ العلماء من هذه الآية : صحة ظهار العبد من زوجته ، لأن أحكام النكاح فى حقه ثابتة ، وإذا تعذر عليه العتق والإطعام .

فإنه قادر على الصوم .3 - يؤخذ من قوله - تعالى - : ( وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً ) أن الظهار حرام ، لأن الله - تعالى - قد وصفه بأنه منكر من القول ، وبأنه زور .والفعل الذى يوصف بهذا الوصف ، يجب على المؤمن أن يتنزه عنه .4 - يرى الحنفية والظاهرية أنه يكفى فى الكفارة بالنسبة للظهار تحرير رقبة حتى ولو كانت كافرة ، لأن الله - تعالى - يقول : ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) ولو كان الإيمان شرطا لبينه كما بينه فى كفارة القتل .

فوجب أن يطلق ما أطلقه ، وأن يقيد ما قيده ، ويعمل بكل منهما فى موضعه .ويرى جمهور الفقهاء اشتراط الإيمان فى الرقبة ، لأنه من المعروف حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه ، وما دام قد ورد النص على كون الرقبة مؤممنة فى بعض الآيات ، فيجب حمل بقية الآيات على ذلك .5 - دل قوله - تعالى - ( مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ) على حرمة الجماع قبل التكفير .وألحق بعضهم بالجماع دواعيه من التقبيل ونحوه ، لأن الأصل فى الأحكام أنه إذا حرم شىء منها ، أن يلحق بذلك الشىء المحرم ما يوصل إليه إذ طريق المحرم محرم .ويرى بعضهم أن المحرم إنما هو الجماع فقط ، لأن حرمة ليست لمعنى يخل بالنكاح ، وعليه فلا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه ، فإن الحائض يحرم جماعها دون دواعيه .قال القرطبى : ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ بشىء حتى يُكَفِّر ، خلافا للشافعى فى أحد قوليه .

.

.

فإن وطئها قبل أن يكفر ، استغفر الله - تعالى - وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة .وقال مجاهد وغيره : عليه كفارتان .6 - قوله - تعالى - : ( فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .

.

) صريح فى وجوب تتابع الصوم من غير انقطاع بين الأيام ، فلو أفطر يوما من الشهرين من غير عذر انقطع التتابع ، ولزمه استئناف الصوم من جديد .أما الإفطار بعذر - كمرض ونحوه - فيرى بعضهم وجوب الاستئناف ، لزوال التتابع الذى صرحت به الآية .ويرى فريق آخر من العلماء ، إن الإفطار بعذر لا يمنع التتابع .7 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - ( فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ) أن المطلوب من المظاهر أن يطعم هؤلاء المساكين إطعاما يشبعهم فى الغداء والعشاء ، سواء أكان ذلك بالتمليك أم بالإباحة ، فأيهما وقع من المكفر أجزأه ، وسواء أطعمهم جملة أم متفرقين .وأوجب الشافعية تمليك المساكين .

.

.

بأن يملك لكل مسكين مُدًّا أو صاعا من غالب قوت البلد الذى يسكنه من عليه الكفارة .أما حكم من عجز عن الكفارة ، فيرى جمهور العلماء أنها لا تسقط عنه ، بل تستقر فى ذمته حتى يتمكن من أدائها ، كسائر الديون والحقوق ، فإنها لا تسقط ، وإنما تبقى فى ذمة من عليه ، حتى يتمكن من أدائها .قال القرطبى : " وقد ذكر الله - تعالى - الكفارة هنا مرتبة ، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة ، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام " .هذا ، ومن أراد التوسع فى هذه الأحكام الفقهية ، فعليه يكتب الفروع وببعض كتب التفسير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم ذكر تعالى حكم العاجز عن الرقبة فقال: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً ﴾ فدلت الآية على أن التتابع شرط، وذكر في تحرير الرقبة والصوم أنه لابد وأن يوجدا من قبل أن يتماسا، ثم ذكر تعالى أن من لم يستطع ذلك فإطعام ستين مسكيناً، ولم يذكر أنه لابد من وقوعه قبل المماسة، إلا أنه كالأولين بدلالة الإجماع، والمسائل الفقهية المفرعة على هذه الآية كثيرة مذكورة في كتاب الفقه.

ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ الله وللكافرين عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وفي قوله: ﴿ ذلك ﴾ وجهان الأول: قال الزجاج: إنه في محل الرفع، والمعنى الفرض ذلك الذي وضعناه.

الثاني: فعلنا ذلك البيان والتعليم للأحكام لتصدقوا بالله ورسوله في العمل بشرائعه، ولا تستمروا على أحكام الجاهلية من جعل الظهار أقوى أنواع الطلاق، وفي الآية مسائل.

المسألة الأولى: استدلت المعتزلة باللام في قوله: ﴿ لّتُؤْمِنُواْ ﴾ على أن فعل الله معلل بالغرض وعلى أن غرضه أن تؤمنوا بالله، ولا تستمروا على ما كانوا عليه في الجاهلية من الكفر، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الإيمان وعدم الكفر.

المسألة الثانية: استدل من أدخل العمل في مسمى الإيمان بهذه الآية، فقال: أمرهم بهذه الأعمال، وبين أنه أمرهم بها ليصيروا بعملها مؤمنين، فدلت الآية على أن العمل من الإيمان ومن أنكر ذلك قال: إنه تعالى لم يقل: (ذلك لتؤمنوا بالله بعمل هذه الأشياء)، ونحن نقول المعنى ذلك لتؤمنوا بالله بالإقرار بهذه الأحكام، ثم إنه تعالى أكد في بيان أنه لابد لهم من الطاعة ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ الله وللكافرين عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي لمن جحد هذا وكذب به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الذين يظاهرون مِنكُمْ ﴾ في ﴿ مِنكُمْ ﴾ توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار، لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم ﴿ مَّا هُنَّ أمهاتهم ﴾ وقرئ: بالرفع على اللغتين الحجازية والتميمية.

وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ بأمّهاتهم ﴾ وزيادة الباء في لغة من ينصب.

والمعنى أن من يقول لامرأته أنت عليّ كظهر أمي: ملحق في كلامه هذا للزوج بالأم، وجاعلها مثلها.

وهذا تشبيه باطل لتباين الحالين ﴿ إِنْ أمهاتهم إِلاَّ الا®ئى وَلَدْنَهُمْ ﴾ يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هنّ الوالدات وغيرهنّ ملحقات بهنّ لدخولهنّ في حكمهنّ، فالمرضعات أمّهات؛ لأنهنّ لما أرضعن دخلن بالرضاع في حكم الأمهات، وكذلك أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين؛ لأن الله حرّم نكاحهن على الأمة فدخلن بذلك في حكم الأمهات.

وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة لأنهنّ لسن بأمّهات على الحقيقة.

ولا بداخلات في حكم الأمهات، فكان قول المظاهر: منكراً من القول تنكره الحقيقة وتنكره الأحكام الشرعية وزوراً وكذباً باطلاً منحرفاً عن الحق ﴿ وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ لما سلف منه إذا تيب منه ولم يعد إليه، ثم قال: ﴿ والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ يعني: والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول المنكر فقطعوه بالإسلام، ثم يعودون لمثله، فكفارة من عاد أن يحرّر رقبة ثم يماس المظاهر منها لا تحل له مماستها إلا بعد تقديم الكفارة.

ووجه آخر: ثم يعودون لما قالوا: ثم يتداركون ما قالوا؛ لأن المتدارك للأمر عائد إليه.

ومنه المثل: عاد غيث على ما أفسد، أي: تداركه بالإصلاح.

والمعنى: أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظهار.

ووجه ثالث: وهو أن يراد بما قالوا: ما حرّموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه نحو ما ذكرنا في قوله تعالى: ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ [مريم: 80] ويكون المعنى: ثم يريدون العود للتماس.

والمماسة: الاستمتاع بها من جماع، أو لمس بشهوة، أو نظر إلى فرجها لشهوة ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ الحكم ﴿ تُوعَظُونَ بِهِ ﴾ لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه.

فإن قلت: هل يصح الظهار بغير هذا اللفظ؟

قلت: نعم إذا وضع مكان أنت عضواً منها يعبر به عن الجملة كالرأس والوجه والرقبة والفرج، أو مكان الظهر عضواً آخر يحرم النظر إليه من الأم كالبطن والفخذ.

ومكان الأمّ ذات رحم محرم منه من نسب أو رضاع أو صهر أو جماع، نحو أن يقول: أنت علي كظهر أختي من الرضاع أو عمتي من النسب أو امرأة ابني أو أبي أو أمّ امرأتي أو بنتها، فهو مظاهر.

وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.

وعن الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري وغيرهم نحوه.

وقال الشافعي: لا يكون الظهار إلا بالأمّ وحدها وهو قول قتادة والشعبي.

وعن الشعبي: لم ينس الله أن يذكر البنات والأخوات والعمات والخالات؛ إذ أخبر أن الظهار إنما يكون بالأمّهات الوالدات دون المرضعات.

وعن بعضهم: لابد من ذكر الظهر حتى يكون ظهاراً.

فإن قلت: فإذا امتنع المظاهر من الكفارة، هل للمرأة أن ترافعه؟

قلت: لها ذلك.

وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر، وأن يحبسه؛ ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها، لأنه يضرّ بها في ترك التكفير والامتناع من الاستمتاع، فيلزم إيفاء حقها.

فإن قلت: فإن مسّ قبل أن يكفر؟

قلت: عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر، لما روى: أن سلمة بن صخر البياض قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها، فقال عليه الصلاة والسلام: «استغفر ربك ولا تعد حتى تكفر» فإن قلت: أي رقبة تجزئ في كفارة الظهار؟

قلت: المسلمة والكافرة جميعاً، لأنها في الآية مطلقة.

وعند الشافعي لا تجزي إلا المؤمنة.

لقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ [النساء: 92] ولا تجزى أمّ الولد والمدبر والمكاتب الذي أدّى شيئاً، فإن لم يؤدّ شيئاً جاز.

وعند الشافعي: لا يجوز: فإن قلت: فإن أعتق بعض الرقبة أو صام بعض الصيام ثم مس؟

قلت: عليه أن يستأنف- نهاراً مس- أو ليلاً- ناسياً أو عامداً- عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: عتق بعض الرقبة عتق كلها فيجزيه، وإن كان المسّ يفسد الصوم استقبل، وإلا بنى.

فإن قلت: كم يعطي المسكين في الإطعام؟

قلت: نصف صاع من برّ أو صاعاً من غيره عند أبي حنيفة، وعند الشافعي مدّاً من طعام بلده الذي يقتات فيه.

فإن قلت: ما بال التماس لم يذكر عند الكفارة بالإطعام كما ذكره عند الكفارتين؟

قلت: اختلف في ذلك، فعند أبي حنيفة: أنه لا فرق بين الكفارات الثلاث في وجوب تقديمها على المساس، وإنما ترك ذكره عند الإطعام دلالة على أنه إذا وجد في خلال الإطعام لم يستأنف كما يستأنف الصوم إذا وقع في خلاله.

وعند غيره: لم يذكر للدلالة على أن التكفير قبله وبعده سواء.

فإن قلت: الضمير في أن يتماسا إلام يرجع؟

قلت: إلى ما دلّ عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها ﴿ ذَلِكَ ﴾ البيان والتعليم للأحكام والتنبيه عليها لتصدقوا ﴿ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ في العمل بشرائعه التي شرعها من الظهار وغيره، ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ التي لا يجوز تعدّيها ﴿ وللكافرين ﴾ الذي لا يتبعونها ولا يعملون عليها ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ أيِ الرَّقَبَةَ والَّذِي غابَ مالُهُ واجِدٌ.

﴿ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ﴾ فَإنْ أفْطَرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ الِاسْتِئْنافُ وإنْ أفْطَرَ لِعُذْرٍ فَفِيهِ خِلافٌ، وإنْ جامَعَ المُظاهِرُ عَنْها لَيْلًا لَمْ يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ عِنْدَنا خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

﴿ فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ ﴾ أيِ الصَّوْمَ لِهَرَمٍ أوْ مَرَضٍ مُزْمِنٍ أوْ شَبَقٍ مُفْرِطٍ فَإنَّهُ  رَخَّصَ لِلْأعْرابِيِّ المُفْطِرِ أنْ يَعْدِلَ لِأجْلِهِ.

﴿ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ﴾ سِتِّينَ مُدًّا بِمُدِّ رَسُولِ اللَّهِ  ، وهو رِطْلٌ وثُلُثٌ لِأنَّهُ أقَلُّ ما قِيلَ في الكَفّاراتِ وجِنْسُهُ المُخْرَجُ في الفِطْرَةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعًا مِن غَيْرِهِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ التَّماسَّ مَعَ الطَّعامِ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ مَعَ الآخَرِينَ، أوْ لِجَوازِهِ في خِلالِ الإطْعامِ كَما قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ذَلِكَ البَيانُ أوِ التَّعْلِيمُ لِلْأحْكامِ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مُعَلِّلٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ أيْ فَرَضَ ذَلِكَ لِتُصَدِّقُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ في قَبُولِ شَرائِعِهِ ورَفْضِ ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهِلِيَّتِكم وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ لا يَجُوزُ تَعَدِّيها.

﴿ وَلِلْكافِرِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ لا يَقْبَلُونَها.

﴿ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ هو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فمن لم يجد} القربة {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} فعليه صيام شهرين {مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ} الصيام {فَإِطْعَامُ} فعليه إطعام {سِتّينَ مِسْكِيناً} لكل مسكين نصف صاع من برا وصاع من غيره ويجب أو يقدمه على المسيس ولكن لا يستأنف إن جامع في خلال الإطعام {ذلك} البيان والتعليم للأحكام {لّتُؤْمِنُواْ} لتصدقوا {بالله وَرَسُولِهِ} في العمل بشرائعه التي شرعها من الظهار وغيره ورفض ما كنتم

عليه في جاهليتكم {وَتِلْكَ} أي الأحكام التي

وصفنا في الظهار والكفارة {حُدُودَ الله} التي لا يجوز تعديها {وللكافرين} الذين لايتبعونها {عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ﴾ أيْ فَمَن لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً فالواجِبُ عَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ التَّماسِّ، والمُرادُ - بِمَن لَمْ يَجِدْ - مَن لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَةً ولا ثَمَنَها فاضِلًا عَنْ قَدْرِ كِفايَتِهِ لِأنَّ قَدْرَها مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ فَصارَ كالعَدَمِ، وقَدْرُ الكِفايَةِ مِنَ القُوتِ لِلْمُحْتَرِفِ قُوتُ يَوْمٍ.

ولِلَّذِي يَعْمَلُ قُوتُ شَهْرٍ - عَلى ما في البَحْرِ - ومَن لَهُ عَبْدٌ يَحْتاجُ لِخِدْمَتِهِ واجِدٌ فَلا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وهَذا بِخِلافِ مَن لَهُ مَسْكَنٌ لِأنَّهُ كَلِباسِهِ ولِباسِ أهْلِهِ، وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ المُرادُ بِهِ مَن لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَةً أوْ ثَمَنَها فاضِلًا كُلٌّ مِنهُما عَنْ كِفايَةِ نَفْسِهِ وعِيالِهِ العُمُرُ الغالِبِ نَفَقَةً وكُسْوَةً وسُكْنى وأثاثًا لا بُدَّ مِنهُ، وعَنْ دَيْنِهِ ولَوْ مُؤَجَّلًا.

وقالُوا: إذا لَمْ يَفْضُلُ القِنُّ أوْ ثَمَنُهُ عَمّا ذُكِرَ لِاحْتِياجِهِ لِخِدْمَتِهِ لِمَنصِبٍ يَأْبى خِدْمَتُهُ بِنَفْسِهِ أوْ ضَخامَةِ كَذَلِكَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ بِعِتْقِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لا تُحْتَمَلُ عادَةً ولا أثَرَ لِفَواتِ رَفاهِيَةٍ أوْ مَرَضٍ بِهِ أوْ بِمَوْتِهِ فَلا عِتْقَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ فاقِدٌ شَرْعًا - كَمَن وجَدَ ماءً وهو يَحْتاجُهُ لِعَطَشٍ - وإلى اعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ فاقِدًا - كَواجِدِ الماءِ المَذْكُورِ - ذَهَبَ اللَّيْثُ أيْضًا.

والفَرْقُ عِنْدَنا عَلى ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ أنَّ الماءَ مَأْمُورٌ بِإمْساكِهِ لِعَطَشِهِ واسْتِعْمالِهِ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ بِخِلافِ الخادِمِ، واليَسارُ والإعْسارُ مُعْتَبَرانِ وقْتَ التَّكْفِيرِ والأداءِ، وبِهِ قال مالِكٌ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أقْوالٌ فِيوَقْتِها أظْهَرُها كَما هو عِنْدَنا، قالُوا: لِأنَّ الكَفّارَةَ أعْنِي الإعْتاقَ عِبادَةٌ لَها بَدَلٌ مِن غَيْرِ جِنْسِها كَوُضُوءٍ وتَيَمُّمٍ وقِيامِ صَلاةٍ وقُعُودِها فاعْتُبِرَ وقْتُ أدائِها، وغَلَبَ الثّانِي كَمَذْهَبِ أحْمَدَ والظّاهِرِيَّةِ شائِبَةَ العُقُوبَةِ فاعْتُبِرَ وقْتُ الوُجُوبِ - كَما لَوْ زَنى قَنٌّ ثُمَّ عُتِقَ فَإنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ القَنِّ- والثّالِثُ الأغْلَظُ مِنَ الوُجُوبِ إلى الأداءِ، والرّابِعُ الأغْلَظُ مِنهُما، وأعْرَضَ عَمّا بَيْنَهُما.

ومَن يَمْلِكُ ثَمَنَ رَقَبَةٍ إلّا أنَّهُ دَيْنٌ عَلى النّاسِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى أخْذِهِ مِن مَدْيُونِهِ فَهو فاقِدٌ فَيُجْزِئُهُ الصَّوْمُ وإنْ قَدَرَ فَواجِدٌ فَلا يُجْزِئُهُ وإنْ كانَ لَهُ مالٌ ووَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ فَهو فاقِدٌ بَعْدَ قَضاءِ الدَّيْنِ، وأمّا قَبْلَهُ فَقِيلَ فاقِدٌ أيْضًا بِناءً عَلى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ المُشِيرُ إلى أنَّ مالَهُ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا الصَّرْفَ إلى الدَّيْنِ مُلْحَقٌ بِالعَدَمِ حُكْمًا، وقِيلَ: واجِدٌ لِأنَّ مِلْكَ المَدْيُونِ في مالِهِ كامِلٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَمْلِكُ جَمِيعَ التَّصَرُّفاتِ فِيهِ.

وفِي البَدائِعِ لَوْ كانَ في مِلْكِهِ رَقَبَةٌ صالِحَةٌ لِلتَّكْفِيرِ فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُها سَواءٌ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أوْ لَمْ يَكُنْ لِأنَّهُ واجِدٌ حَقِيقَةً، وحاصِلُهُ أنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ تَحْرِيرالرَّقَبَةِ المَوْجُودَةِ، ويَمْنَعُ وُجُوبَ شِرائِها بِما عِنْدَهُ مِن مِثْلِالدَّيْنِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ الشِّراءَ مَتى وجَبَ يُعْتَبَرُ فِيهِ ثَمَنُ المِثْلِ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الشّافِعِيَّةِ فَقالُوا: لا يَجِبُ شِراءُ الرَّقَبَةِ بِغَبْنٍ أيْ زِيادَةٍ عَلى ثَمَنِمِثْلِها نَظِيرَ ما يُذْكَرُ في شِراءِ الماءِ لِلطَّهارَةِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما بِتَكْرِيرِ ذَلِكَ ضَعِيفٌ، وعَلى الأوَّلِ - كَما قالَ الأذْرَعِيُّ وغَيْرُهُ نَقْلًا عَنِ الماوَرْدِيِّ واعْتَمَدُوهُ -لا يَجُوزُ العُدُولُ لِلصَّوْمِ بَلْ يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلى الوُجُودِ بِثَمَنِ المِثْلِ، وكَذا لَوْ غابَ مالُهُ فَيُكَلَّفُ الصَّبْرُ إلى وُصُولِهِ أيْضًا، ولا نَظَرَ إلى تَضَرُّرِهِما بِفَواتِ التَّمَتُّعِ مُدَّةَ الصَّبْرِ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ نَفْسَهُ فِيهِ.

انْتَهى.

وما ذَكَرُوهُ فِيما لَوْ غابَ مالُهُ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِنا فِيهِ ولَوْ كانَ عَلَيْهِ كَفّارَتا ظِهارٍ لِامْرَأتَيْنِ وفي مِلْكِهِ رَقَبَةٌ فَقَطْ فَصامَ عَنْ ظِهارِ إحْداهُما، ثُمَّ أعْتَقَ عَنْ ظِهارِ الأُخْرى فَفي المُحِيطِ في نَظِيرِ المَسْألَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ إجْزاءِ الصَّوْمِ عَنِ الأُولى قالَ: عَلَيْهِ كَفّارَتا يَمِينٍ، وعِنْدَهُ طَعامٌ يَكْفِي لِإحْداهُما فَصامَ عَنْ إحْداهُما ثُمَّ أطْعَمَ عَنِ الأُخْرى لا يَجُوزُ صَوْمُهُ لِأنَّهُ صامَ وهو قادِرٌ عَلى التَّكْفِيرِ بِالمالِ فَلا يُجْزِئُهُ، ويُعْتَبَرُ الشَّهْرُ بِالهِلالِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ التّامِّ والنّاقِصِ فَمَن صامَ بِالأهِلَّةِ واتَّفَقَ أنَّ كُلَّ شَهْرٍ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ حَتّى صارَ مَجْمُوعُ الشَّهْرَيْنِ ثَمانِيَةً وخَمْسِينَ أجَزَأهُ ذَلِكَ وإنَّ غُمَّ الهِلالُ اعْتُبِرَ - كَما في المُحِيطِ - كُلُّ شَهْرٍ ثَلاثِينَ وإنْ صامَ بِغَيْرِ الأهِلَّةِ فَلا بُدَّ مِن سِتِّينَ يَوْمًا كَما في الفَتْحِ القَدِيرِ، ويُعْتَبَرُ الشَّهْرُ بِالهِلالِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أيْضًا، وقالُوا: إنْ بَدَأ في أثْناءِ شَهْرٍ حَسَبَ الشَّهْرِ بَعْدَهُ بِالهِلالِ لِتَمامِهِ وأتَمَّ الأوَّلَ مِنَ الثّالِثِ ثَلاثِينَ لِتَعَذُّرِ الهِلالِ فِيهِ بِتَلَفُّقِهِ مِن شَهْرَيْنِ، وعَلى هَذا يَتَّفِقُ كَوْنُ صِيامِهِ سِتِّينَ وكَوْنُهُ تِسْعَةً وخَمْسِينَ، ولا يَتَعَيَّنُ الأوَّلُ كَما لا يَخْفى فَلا تَغْفُلْ، وإنْ أفْطَرَ يَوْمًا مِنَ الشَّهْرَيْنِ ولَوِ الأخِيرَ بِعُذْرٍ مِن مَرَضٍ أوْ سَفَرٍ لَزِمَ الِاسْتِئْنافُ لِزَوالِ التَّتابُعِ وهو قادِرٌ عَلَيْهِ عادَةً، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنْ أفْطَرَ بِعُذْرٍ كَسَفَرٍ فَقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ والحَسَنُ وعَطاءٌ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ والشَّعْبِيُّ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: يَبْنِي.

.

اهَـ، وإنْ جامَعَ الَّتِي ظاهَرَ مِنها في خِلالِ الشَّهْرَيْنِ لَيْلًا عامِدًا أوْ نَهارًا ناسِيًا اسْتَأْنَفَ الصَّوْمَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ، وقالَ أبُو يُوسُفَ: لا يَسْتَأْنِفُ لِأنَّهُ لا يَمْنَعُ التَّتابُعَ إذْ لا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ وهو الشَّرْطُ، ولَهُما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ لا مَسِيسَ فِيهِما فَإذا جامَعَها في خِلالِها لَمْ يَأْتِ بِالمَأْمُورِ بِهِ، وإنْ جامَعَ زَوْجَةً أُخْرى غَيْرَ المُظاهَرِ مِنها ناسِيًا لا يَسْتَأْنِفُ عِنْدَ الإمامِ أيْضًا كَما لَوْ أكَلَ ناسِيًا لَأنَّ حُرْمَةَ الأكْلِ والجِماعِ إنَّما هو لِلصَّوْمِ لِئَلّا يَنْقَطِعَ التَّتابُعُ ولا يَنْقَطِعُ بِالنِّسْيانِ فَلا اسْتِئْنافَ بِخِلافِ حُرْمَةِ جِماعِ المُظاهَرَةِ فَإنَّهُ لَيْسَ لِلصَّوْمِ بَلْ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ الكَفّارَةِ، وتَقَدُّمُها عَلى المَسِيسِ شَرْطُ حِلِّها، فَبِالجِماعِ ناسِيًا في أثْنائِهِ يَبْطُلُ حُكْمُ الصَّوْمِ المُتَقَدِّمِ في حَقِّ الكَفّارَةِ، ثُمَّ إنَّهُ يَلْزَمُ في الشَّهْرَيْنِ أنْ لا يَكُونَ فِيهِما صَوْمُ رَمَضانَ لِأنَّ التَّتابُعَ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ وشَهْرُ رَمَضانَ لا يَقَعُ عَنِ الظِّهارِ لِما فِيهِ مِن إبْطالِ ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى، وأنْ لا يَكُونَ فِيهِما الأيّامُ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّوْمِ فِيها وهي يَوْما العِيدَيْنِ وأيّامُ التَّشْرِيقِ لِأنَّ الصَّوْمَ فِيها ناقِصٌ بِسَبَبِ النَّهْيِ عَنْهُ فَلا يَنُوبُ عَنِ الواجِبِ الكامِلِ.

وفِي البَحْرِ: المُسافِرُ في رَمَضانَ لَهُ أنْ يَصُومَهُ عَنْ واجِبٍ آخَرَ، وفي المَرِيضِ رِوايَتانِ، وصَوْمُ أيّامِ نَذْرٍ مُعَيَّنَةٍ في أثْناءِ الشَّهْرَيْنِ بِنْيَةِ الكَفّارَةِ لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ، ومَن قَدَرَ عَلى الإعْتاقِ في اليَوْمِ الأخِيرِ مِنَ الشَّهْرَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وجَبَ عَلَيْهِ الإعْتاقُ لِأنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ عَدَمِ الوُجُودِ إلى فَراغِ صَوْمِهِما وكانَ صَوْمُهُ حِينَئِذٍ تَطَوُّعًا، والأفْضَلُ إتْمامُ ذَلِكَ اليَوْمِ وإنْ أفْطَرَ لا قَضاءَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ شَرَعَ فِيهِ مُسْقَطًا لا مُلْتَزِمًا خِلافًا لِزُفَرَ.

وفِي تُحْفَةِ الشّافِعِيَّةِ لَوْ بانَ بَعْدَ صَوْمِهِما أنَّ لَهُ مالًا ورِثَهُ ولَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِصَوْمِهِ عَلى الأوْجَهِ اعْتِبارًا بِما في نَفْسِ الأمْرِ أيْ وهو واجِدٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، ولَيْسَ في بالِي حُكْمُ ذَلِكَ عِنْدَ أصْحابِنا، ومُقْتَضى ظاهِرِ ما ذَكَرُوهُ فِيمَن تَيَمَّمَ وفي رَحْلِهِ ماءٌ وضَعَهُ غَيْرُهُ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِن صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ الِاعْتِدادُ بِالصَّوْمِ ها هُنا، وقَدْ صَرَّحَ الشّافِعِيَّةُ فِيمَن أُدْرِجَ في رَحْلِهِ ماءٌ ولَمْ يُقَصِّرْ في طَلَبِهِ أوْ كانَ بِقُرْبِهِ بِئْرٌ خَفِيَّةُ الآثارِ بِعَدَمِ بُطْلانِ تَيَمُّمِهِ فَلْيُنْظَرِ الفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ، ولَعَلَّهُ التَّغْلِيظُ في أمْرِ الكَفّارَةِ دُونَ التَّيَمُّمِ فَلْيُراجَعْ ﴿ فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ ﴾ أيْ صِيامَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، وذَلِكَ بِأنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أصْلَ الصِّيامِ أوْ بِأنْ لَمْ يَسْتَطِعْ تَتابُعَهُ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَكِبَرٍ أوْ مَرَضٍ لا يُرْجى زَوالُهُ كَما قَيَّدَهُ بِذَلِكَ ابْنُ هَمّامٍ.

وغَيْرُهُ- وعَلَيْهِ أكْثَرُ الشّافِعِيَّةِ - وقالَ الأقَلُّونَ مِنهم - كالإمامِ ومَن تَبِعَهُ - وصَحَّحَهُ في الرَّوْضَةِ: يُعْتَبَرُ دَوامُهُ في ظَنِّهِ مُدَّةَ شَهْرَيْنِ بِالعادَةِ الغالِبَةِ في مِثْلِهِ أوْ بِقَوْلِ الأطِبّاءِ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ: ويَظْهَرُ الِاكْتِفاءُ بِقَوْلِ عَدْلٍ مِنهم، وصَرَّحَ الشّافِعِيَّةُ بِأنَّ مَن تَلْحَقُهُ بِالصِّيامِ أوْ تَتابِعِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لا تُحْتَمَلُ عادَةً وإنْ لَمْ تُبِحِ التَّيَمُّمَ فِيما يَظْهَرُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، وكَذا مَن خافَ زِيادَةَ مَرِضَ، وفي حَدِيثِ أوْسٍ عَلى ما ذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ؟

فَقالَ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إذا لَمْ آكُلْ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ كَلَّ بَصَرِي وخَشِيتُ أنْ تَغْشُوَ عَيْنِي»» الخَبَرَ، وعَدُّوا مِن أسْبابِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ الشَّبَقَ وهو شِدَّةُ الغُلْمَةِ.

واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَدْ أُوتِيتُ مِن جِماعِ النِّساءِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي فَلَمّا دَخَلَ رَمَضانُ ظاهَرْتُ مِنَ امْرَأتِي حَتّى يَنْسَلِخَ رَمَضانُ فَرَقًا مِن أنْ أُصِيبَ مِنها في لَيْلِي فَأتَتابَعُ في ذَلِكَ ولا أسْتَطِيعُ أنْ أنْزِعَ حَتّى يُدْرِكَنِي الصُّبْحُ فَبَيْنَما هي تَخْدِمُنِي ذاتَ لَيْلَةٍ إذْ تَكَشَّفَ لِي مِنها شَيْءٌ فَوَثَبْتُ عَلَيْها - إلى أنْ قالَ - فَخَرَجْتُ فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرْتُهُ بِخَبَرِي فَقالَ: «أنْتَ بِذاكَ ؟

قُلْتُ: أنا بِذاكَ ؟

فَقالَ: أنْتَ بِذاكَ ؟

قُلْتُ: أنا بِذاكَ وها أنا ذا فَأمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى فَإنِّي صابِرٌ لِذَلِكَ قالَ: أعْتِقْ رَقَبَةً فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدِي فَقُلْتُ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أصْبَحْتُ أمْلِكُ غَيْرَها، قالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، فَقُلْتُ: وهَلْ أصابَنِي ما أصابَنِي إلّا في الصِّيامِ، قالَ: فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا»» الحَدِيثَ.

فَإنَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ: «وهَلْ أصابَنِي» إلَخْ إلى شِدَّةِ شَبَقِهِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ صِيامَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ عُذْرًا في صَوْمِ رَمَضانَ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأنَّهُ لا بَدَلَ لَهُ، وذُكِرَ أنَّ غَلَبَةَ الجُوعِ لَيْسَتْ عُذْرًا ابْتِداءً لِفَقْدِهِ حِينَئِذٍ فَيَلْزَمُهُ الشُّرُوعُ في الصِّيامِ فَإذا عَجَزَ عَنْهُ أفْطَرَ وانْتَقَلَ عَنْهُ لِلْإطْعامِ بِخِلافِ الشَّبَقِ لِوُجُودِهِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فَيَدْخُلُ صاحِبُهُ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ ﴾ .

﴿ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ﴾ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعٌ مِن تَمْرٍ أوْ شَعِيرٍ، ودَقِيقٍ كُلٌّ كَأصْلِهِ، وكَذا السَّوِيقُ، وذَلِكَ لِأخْبارٍ ذَكَرَها ابْنُ الهُمامِ في فَتْحِ القَدِيرِ، والصّاعُ أرْبَعَةُ أمْدادٍ.

وقالَ الشّافِعِيَّةُ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ لِأنَّهُ صَحَّ في رِوايَةٍ، وصَحَّ في الأُخْرى صاعٌ، وهي مَحْمُولَةٌ عَلى بَيانِ الجَوازِ الصّادِقِ بِالنَّدْبِ لِتَعَذُّرِ النَّسْخِ فَتَعَيَّنَ الجَمْعُ بِما ذُكِرَ مِمّا يَكُونُ فُطْرَةً بِأنْ يَكُونَ مِن غالِبِ قُوتِ مَحَلِّ المُكَفِّرِ في غالِبِ السَّنَةِ كالأقَطِّ - ولَوْ لِلْبَلَدِيِّ - فَلا يُجْزِئُ نَحْوَ دَقِيقٍ مِمّا لا يَجْزِي في الفُطْرَةِ عِنْدَهم، ومَذْهَبُ مالِكٍ كَما قالَ أبُو حَيّانَ مُدٌّ وثُلُثٌ بِالمَدِ النَّبَوِيِّ، ورَوى عَنْهُ ابْنُ وهْبٍ مُدّانِ وقِيلَ: مُدٌّ وثُلُثا مُدٍّ، وقِيلَ: ما يُشْبِعُ مِن غَيْرِ تَحْدِيدٍ، ولا فَرْقَ بَيْنَ التَّمْلِيكِ والإباحَةِ عِنْدَنا فَإنْ غَدّى السِّتِّينَ وعَشّاهم أوْ غَدّاهم مَرَّتَيْنِ أوْ عَشّاهم كَذَلِكَ أوْ غَدّاهم وسَحَّرَهم أوْ سَحَّرَهم مَرَّتَيْنِ وأشْبَعَهم بِخُبْزٍ بُرٍّ أوْ شَعِيرٍ أوْ نَحْوِهِ كَذُرَةٍ بِإدامٍ أجْزَأهُ، وإنْ لَمْ يَبْلُغْ ما شَبِعُوا بِهِ المِقْدارُ المُعْتَبَرُ في التَّمْلِيكِ، ويُعْتَبَرُ اتِّحادُ السِّتِّينَ فَلَوْ غَدّى مَثَلًا سِتِّينَ مِسْكِينًا وعَشّى سِتِّينَ غَيْرَهم لَمْ يُجْزِ إلّا أنْ يُعِيدَ عَلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ غَداءً أوْ عَشاءً، ولَوْ أطْعَمَ مِائَةً وعِشْرِينَ مِسْكِينًا في يَوْمٍ واحِدٍ أكْلَةً واحِدَةً مُشْبِعَةً لَمْ يُجْزِ إلّا عَنْ نِصْفِ الإطْعامِ فَإنْ أعادَهُ عَلى سِتِّينَ مِنهم أجْزَأهُ، واشْتَرَطَ الشّافِعِيَّةُ التَّمْلِيكَ اعْتِبارًا بِالزَّكاةِ وصَدَقَةِ الفِطْرِ، وهَذا لِأنَّ التَّمْلِيكَ أدْفَعُ لِلْحاجَةِ فَلا يَنُوبُ مَنابَهُ الإباحَةُ، ونَحْنُ نَقُولُ: المَنصُوصُ عَلَيْهِ هُنا هو الإطْعامُ وهو حَقِيقَةٌ مِنَ التَّمْكِينِ مِنَ الطَّعْمِ، وفي الإباحَةِ ذَلِكَ كَما في التَّمْلِيكِ، وفي الزَّكاةِ الإيتاءُ، وفي صَدَقَةِ الفِطْرِ الأداءُ، وهُما لِلتَّمْلِيكِ حَقِيقَةً - كَذا في الهِدايَةِ - قالَ العَلّامَةُ ابْنُ الهُمامِ: لا يُقالُ: اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ التَّمْلِيكِ فَلَوْ كانَ حَقِيقَةُ الإطْعامِ ما ذُكِرَ كانَ مُشْتَرَكًا مُعَمَّمًا أوْ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ لِأنّا نَقُولُ: جَوازُ التَّمْلِيكِ عِنْدَنا بِدَلالَةِ النَّصِّ، والدَّلالَةُ لا تَمْنَعُ العَمَلَ بِالحَقِيقَةِ كَما في حُرْمَةِ الشَّتْمِ والضَّرْبِ مَعَ التَّأْفِيفِ فَكَذا هَذا فَلَمّا نَصَّ عَلى دَفْعِ حاجَةِ الأكْلِ فالتَّمْلِيكُ الَّذِي هو سَبَبٌ لِدَفْعِ كُلِّ الحاجاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأكْلُ أجْوَزُ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ دافِعٌ لِحاجَةِ الأكْلِ وغَيْرِهِ، وذَكَرَ الوانِيُّ أنَّ الإطْعامَ جَعَلَ الغَيْرَ طاعِمًا أيْ آكِلًا لِأنَّ حَقِيقَةَ طَعِمْتُ الطَّعامَ أكَلْتُهُ، والهَمْزَةُ تَعْدِيَةٌ إلى المَفْعُولِ الثّانِي أيْ جَعَلْتُهُ آكِلًا، وأمّا نَحْوُ أطْعَمْتُكَ هَذا الطَّعامَ فَيَكُونُ هِبَةً وتَمْلِيكًا بِقَرِينَةِ الحالِ، قالُوا: والضّابِطُ أنَّهُ إذا ذُكِرَ المَفْعُولُ الثّانِي فَهو لِلتَّمْلِيكِ وإلّا فَلِلْإباحَةِ، هَذا والمَذْكُورُ في كُتُبِ اللُّغَةِ أنَّ الإطْعامَ إعْطاءُ الطَّعامِ وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ تَمْلِيكًا أوْ إباحَةً انْتَهى فَلا تَغْفُلْ.

ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الإباحَةِ والتَّمْلِيكِ لِبَعْضِ المَساكِينِ دُونَ البَعْضِ كَما إذا مَلَّكَ ثَلاثِينَ وأطْعَمَ ثَلاثِينَ غَداءً وعَشاءً وكَذا لِرَجُلٍ واحِدٍ في إحْدى رِوايَتَيْنِ كَأنْ غَدّاهُ مَثَلًا وأعْطاهُ مُدًّا وإنْ أعْطى مِسْكِينًا واحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا أجْزَأهُ وإنْ أعْطاهُ في يَوْمٍ واحِدٍ لَمْ يُجْزِهِ إلّا عَنْ يَوْمِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ سَدُّ خَلَّةِ المُحْتاجِ، والحاجَةُ تَتَجَدَّدُ في كُلِّ يَوْمٍ، فالدَّفْعُ إلَيْهِ في اليَوْمِ الثّانِي كالدَّفْعِ إلَيْهِ في غَيْرِهِ، وهَذا في الإباحَةِ مِن غَيْرِ خِلافٍ، وأمّا التَّمْلِيكُ مِن مِسْكِينٍ واحِدٍ بِدُفُعاتٍ فَقَدْ قِيلَ: لا يُجْزِئُهُ، وقِيلَ: يُجْزِئُهُ لِأنَّ الحاجَةَ إلى التَّمْلِيكِ قَدْ تَتَجَدَّدُ في يَوْمٍ واحِدٍ بِخِلافِ ما إذا دَفَعَ بِدُفْعَةٍ لِأنَّ التَّفْرِيقَ واجِبٌ بِالنَّصِّ، وخالَفَ الشّافِعِيَّةُ، فَقالُوا: لا بُدَّ مِنَ الدَّفْعِ إلى سِتِّينَ مِسْكِينًا حَقِيقَةً فَلا يُجْزِئُ الدَّفْعُ لِواحِدٍ في سِتِّينَ يَوْمًا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ أحْمَدَ - وبِهِ أكْثَرُ العُلَماءِ - لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا، وبَتَكَرُّرِ الحاجَةِ في مِسْكِينٍ واحِدٍ لا يَصِيرُ هو سِتِّينَ فَكانَ التَّعْلِيلُ بِأنَّ المَقْصُودَ سَدُّ خَلَّةِ المُحْتاجِ إلَخْ مُبْطِلًا لِمُقْتَضى النَّصِّ فَلا يَجُوزُ، وأصْحابُنا أشَدُّ مُوافَقَةً لِهَذا الأصْلِ، ولِذا قالُوا: لا يُجْزِئُ الدَّفْعُ لِمِسْكِينٍ واحِدٍ وظِيفَةَ سِتِّينَ بِدُفْعَةٍ واحِدَةٍ مُعَلِّلِينَ لَهُ بِأنَّ التَّفْرِيقَ واجِبٌ بِالنَّصِّ مَعَ أنَّ تَفْرِيقَ الدَّفْعِ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ، وإنَّما هو مَدْلُولٌ التِزامِيٌّ لِعَدَدِ المَساكِينِ فالنَّصُّ عَلى العَدَدِ أوْلى لِأنَّهُ المُسْتَلْزَمُ، وغايَةُ ما يُعْطِيهِ كَلامُهم أنَّهُ بِتَكَرُّرِ الحاجَةِ يَتَكَرَّرُ المِسْكِينُ حُكْمًا فَكانَ تَعَدُّدًا حُكْمًا، وتَمامُهُ مَوْقُوفٌ عَلى أنَّ سِتِّينَ مِسْكِينًا في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الأعَمُّ مِنَ السِّتِّينَ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا.

ولا يَخْفى أنَّهُ مَجازٌ فَلا مَصِيرَ إلَيْهِ بِمُوجِبِهِ، فَإنْ قُلْتَ: المَعْنى الَّذِي بِاعْتِبارِهِ يَصِيرُ اللَّفْظُ مَجازًا ويَنْدَرِجُ فِيهِ التَّعَدُّدُ الحُكْمِيُّ ما هو ؟

قُلْتُ: هو الحاجَةُ فَيَكُونُ سِتِّينَ مِسْكِينًا مَجازًا عَنْ سِتِّينَ حاجَةً، وهو أعَمُّ مِن كَوْنِها حاجاتِ سِتِّينَ أوْ حاجاتِ واحِدٍ إذا تَحَقَّقَ تَكَرُّرُها إلّا أنَّ الظّاهِرَ إنَّما هو عَدَدُ مَعْدُودِهِ ذَواتُ المَساكِينِ مَعَ عَقْلِيَّةِ أنَّ العَدَدَ مِمّا يُقْصَدُ لِما في تَعْمِيمِ الجَمِيعِ مِن بَرَكَةِ الجَماعَةِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ واجْتِماعِ القُلُوبِ عَلى المَحَبَّةِ والدُّعاءِ - قالَهُ في فَتْحِ القَدِيرِ - وهو كَلامٌ مَتِينٌ يَظْهَرُ مِنهُ تَرْجِيحُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، وذَهَبَ الأصْحابُ إلى أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ اتِّحادُ نَوْعِ المَدْفُوعِ لِكُلٍّ مِنَ المَساكِينِ فَلَوْ دَفَعَ لِواحِدٍ بَعْضًا مِنَ الحِنْطَةِ وبَعْضًا مِنَ الشَّعِيرِ مَثَلًا جازَ إذا كانَ المَجْمُوعُ قَدْرَ الواجِبِ كَأنْ دَفَعَ رُبُعَ صاعٍ مِن بُرٍّ ونِصْفَ صاعٍ مِن شَعِيرٍ، وجازَ نَحْوُ هَذا التَّكْمِيلِ لِاتِّحادِ المَقْصُودِ - وهو الإطْعامُ - ولا يَجُوزُ دَفْعُ قَيِّمَةِ القَدْرِ الواجِبِ مِن مَنصُوصٍ عَلَيْهِ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ ودَقِيقُ كُلٍّ وسَوِيقُهُ والزَّبِيبُ والتَّمْرُ إذا كانَتْ مِن مَنصُوصٍ عَلَيْهِ آخَرَ إلّا أنْ يَبْلُغَ المَدْفُوعُ الكَمِّيَّةَ المُقَدَّرَةَ شَرْعًا فَلَوْ دَفَعَ نِصْفَ صاعٍ تَمْرٍ يَبْلُغُ قِيمَةَ نِصْفَ صاعٍ بُرٍّ لا يَجُوزُ، فالواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُتِمَّ لِلَّذِينَ أعْطاهُمُ القَدْرَ المُقَدَّرَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِمْ فَإنْ لَمْ يَجِدْهم بِأعْيانِهِمُ اسْتَأْنَفَ في غَيْرِهِمْ، ومِن غَيْرِ المَنصُوصِ كالأُرْزِ والعَدَسِ يَجُوزُ كَما إذا دَفَعَ رُبُعَ صاعٍ مِن أُرْزٍ يُساوِي قِيمَةَ نِصْفِ صاعٍ مِن بُرٍّ مَثَلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا اعْتِبارَ لِمَعْنى النَّصِّ في المَنصُوصِ عَلَيْهِ وإنَّما الِاعْتِبارُ في غَيْرِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ، ونُقِلَ في ذَلِكَ خِلافُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلا يَجُوزُ دَفْعُ القِيمَةِ عِنْدَهُ مُطْلَقًا، ولا يَجُوزُ في الكَفّارَةِ إعْطاءُ المِسْكِينِ أقَلَّ مِن نِصْفِ صاعٍ مِنَ البُرِّ مَثَلًا فَقَطْ، فَفي التّاتارَخانِيَّةِ لَوْ أعْطى سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنَ الحِنْطَةِ لَمْ يَجُزْ، وعَلَيْهِ أنْ يُعِيدَ مُدًّا آخَرَ عَلى كُلٍّ فَإنْ لَمْ يَجِدِ الأوَّلِينَ فَأعْطى سِتِّينَ آخَرِينَ كُلًّا مُدًّا لَمْ يَجُزْ، ولَوْ أعْطى كُلًّا مِنَ المَساكِينِ مُدًّا ثُمَّ اسْتَغْنَوْا ثُمَّ افْتَقَرُوا فَأعادَ عَلى كُلٍّ مُدًّا لَمْ يَجُزْ، وكَذا لَوْ أعْطى المُكاتَبِينَ مُدًّا مُدًّا ثُمَّ رُدُّوا إلى الرِّقِّ ومَوالِيهِمْ أغْنِياءُ ثُمَّ كُوتِبُوا ثانِيًا ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ لِأنَّهم صارُوا بِحالٍ لا يَجُوزُ دَفْعُ الكَفّارَةِ إلَيْهِمْ فَصارُوا كَجِنْسٍ آخَرَ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ - بِسِتِّينَ مِسْكِينًا - سِتُّونَ مِسْكِينًا لَمْ يَعْرِضْ لَهم في أثْناءِ الإطْعامِ ما يُنافِي ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ إطْعامٍ هو المُظاهِرُ الغَيْرُ المُسْتَطِيعِ لِلصِّيامِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُباشِرَ ذَلِكَ أوْ يَأْمُرَ بِهِ غَيْرَهُ، فَإنْ أمَرَ غَيْرَهُ فَأطْعَمَ أجْزَأهُ لِأنَّهُ اسْتِقْراضٌ مَعْنًى، فالفَقِيرُ قابِضٌ لَهُ أوَّلًا ثُمَّ يَتَحَقَّقُ تَمَلُّكُهُ ثُمَّ تَمْلِيكُهُ، والمُرادُ بِالمِسْكِينِ ما يَعُمُّ الفَقِيرَ، وقَدْ قالُوا: المِسْكِينُ والفَقِيرُ إذا اجْتَمَعا افْتَرَقا وإذا افْتَرَقا اجْتَمَعا، ويُشْتَرَطُ أنْ لا يَكُونَ المُطْعَمُ أصْلَهُ أوْ فَرْعَهُ أوْ زَوْجَتَهُ أوْ مَمْلُوكَهُ أوْ هاشِمِيًّا لِمَزِيدِ شَرَفِهِ فَيَجِلُّ عَنْ هَذِهِ الغُسالَةِ، ولا حَرْبِيًّا ولَوْ مُسْتَأْمَنًا لِمَزِيدِ خِسَّتِهِ فَلَيْسَ أهْلًا لِأدْنى مَنفَعَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا ولَوْ دَفَعَ بِتَحَرٍّ فَبانَ أنَّهُ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ أجْزَأهُ عِنْدَهُما خِلافًا لِأبِي يُوسُفَ كَما في البَدائِعِ.

واسْتَنْبَطَ الشّافِعِيَّةُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِعَدَمِ الوُجُودِ عِنْدَ الِانْتِقالِ إلى الصَّوْمِ، وبِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ عِنْدَ الِانْتِقالِ إلى الإطْعامِ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مالٌ غائِبٌ يَنْتَظِرُهُ ولا يَصُومُ ولَوْ كانَ مَرِيضًا يُرْجى بُرْؤُهُ يُطْعِمُ ولا يَنْتَظِرُ الصِّحَّةَ لِيَصُومَ، وهو مُوافِقٌ لِمَذْهَبِنا في الصَّوْمِ لا في الإطْعامِ كَما سَمِعْتَ، ثُمَّ هَذا الحُكْمُ في الأحْرارِ أمّا العَبْدُ فَلا يَجُوزُ لَهُ إلّا الصَّوْمُ لِأنَّهُ لا يُمَلِّكُ وإنْ مَلَكَ والإعْتاقُ والإطْعامُ شَرْطُهُما المِلْكُ فَإنْ أعْتَقَ عَنْهُ المَوْلى أوْ أطْعَمَ لَمْ يَجُزْ ولَوْ بِأمْرِهِ، ويَجِبُ تَقْدِيمُ الإطْعامِ عَلى المَسِيسِ فَإنْ قَرُبَ المُظاهِرُ المُظاهَرَةَ في خِلالِهِ أثِمَ ولَمْ يَسْتَأْنِفْ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما شَرَطَ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المَسِيسِ كَما شَرَطَ فِيما قَبْلُ، ونَحْنُ لا نَحْمِلُ المُطْلَقَ عَلى المُقَيَّدِ وإنْ كانا في حادِثَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَ أنْ يَكُونا حُكْمَيْنِ، والوُجُوبُ قِيلَ: لَمْ يَثْبُتْ إلّا لِتَوَهُّمِ وُقُوعِ الكَفّارَةِ بَعْدَ التِماسِ بَيانِهِ أنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى العِتْقِ أوِ الصِّيامِ في خِلالِ الإطْعامِ أوْ قَبْلَهُ يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالمَقْدُورِ عَلَيْهِ فَلَوْ جُوِّزَ لِلْعاجِزِ عَنْهُما القُرْبانُ قَبْلَ الإطْعامِ، ثُمَّ اتَّفَقَ قُدْرَتُهُ فَلَزِمَ التَّكْفِيرُ بِهِ لَزِمَ أنْ يَقَعَ العِتْقُ بَعْدَ التَّماسِّ، والمُفْضِي إلى المُمْتَنِعِ مُمْتَنِعٌ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا فَإنَّ القُدْرَةَ حالَ قِيامِ العَجْزِ بِالفَقْرِ والكِبَرِ والمَرَضِ الَّذِي لا يُرْجى زَوالُهُ أمْرٌ مَوْهُومٌ، وبِاعْتِبارِ الأُمُورِ المَوْهُومَةِ لا تَثْبُتُ الأحْكامُ ابْتِداءً بَلْ يَثْبُتُ الِاسْتِحْبابُ ورَعًا فالأوْلى الِاسْتِدْلالُ عَلى حُرْمَةِ المَسِيسِ قَبْلَ الإطْعامِ لِمَن يَتَعَيَّنُ كَفّارَةٌ لَهُ بِما ورَدَ مِن حَدِيثِ ««اعْتَزِلْها حَتّى تُكَفِّرَ»» ونَحْوِهِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى العِتْقِ مَثَلًا خِلالَ الإطْعامِ لَزِمَ التَّكْفِيرُ بِهِ خالَفَ فِيهِ الشّافِعِيَّةُ.

قالَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لا أثَرَ لِقُدْرَتِهِ عَلى صَوْمٍ أوْ عِتْقٍ بَعْدَ الإطْعامِ ولَوْ لِمُدٍّ كَما لَوْ شَرَعَ في صَوْمِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرَيْنِ فَقَدَرَ عَلى العِتْقِ، وأجازَ بَعْضٌ المَسِيسَ في خِلالِ الإطْعامِ مِن غَيْرِ إثْمٍ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو تَوَهُّمٌ نَشَأ مِن عَدَمِ إيجابِهِ الِاسْتِئْنافَ، وقَدْ صَرَّحَ في الكَشّافِ بِأنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الكَفّاراتِ الثَّلاثِ في وُجُوبِ تَقْدِيمِها عَلى المِساسِ وإنْ تَرَكَ ذِكْرَهُ عِنْدَ الإطْعامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ إذا وجَدَ في خِلالِ الإطْعامِ لَمْ يَسْتَأْنِفْ كَما يَسْتَأْنِفُ الصَّوْمَ.

وجَعَلَ بَعْضُهم ذِكْرَ القَيْدِ فِيما قَبْلُ وتَرْكَهُ في الإطْعامِ دَلِيلًا لِأبِي حَنِيفَةَ في قَوْلِهِ: بِعَدَمِ الِاسْتِئْنافِ أيْ مَعَ الإثْمِ.

وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ في الِانْتِصافِ بِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لِأبِي حَنِيفَةَ: إذا جَعَلْتَ الفائِدَةَ في ذِكْرِ عَدَمِ التَّماسِّ فِي بَعْضِها وإسْقاطِهِ مِن بَعْضِها الفَرْقَ بَيْنَ أنْواعِها فَلِمَ جَعَلْتَهُ مُؤَثِّرًا في أحَدِ الحُكْمَيْنِ دُونَ الآخَرِ ؟

وهَلِ التَّخْصِيصُ إلّا نَوْعٌ مِنَ التَّحَكُّمِ ؟

ثُمَّ قالَ: ولَهُ أنْ يَقُولَ: اتَّفَقْنا عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الثَّلاثِ في هَذا الحُكْمِ أعْنِي حُرْمَةَ المِساسِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وقَدْ نَطَقَتِ الآيَةُ بِالتَّفْرِقَةِ فَلَمْ يُمْكِنْ صَرْفُها إلى ما وقَعَ الِاتِّفاقُ عَلى التَّسْوِيَةِ فِيهِ فَتَعَيَّنَ صَرْفُهُ إلى الآخَرِ، هَذا مُنْتَهى النَّظَرِ مَعَ أبِي حَنِيفَةَ وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ بِما لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ عَلى أُصُولِ الإمامِ.

وإذا عَجَزَ المُظاهِرُ عَنِ الجَمِيعِ قالَ الشّافِعِيَّةُ: اسْتَقَرَّتْ في ذِمَّتِهِ فَإذا قَدَرَ عَلى خَصْلَةٍ فَعَلَها ولا أثَرَ لِقُدْرَتِهِ عَلى بَعْضِ عِتْقٍ أوْ صَوْمٍ بِخِلافِ بَعْضِ الطَّعامِ ولَوْ بَعَّضَ ما يَجِبُ لِواحِدٍ مِنَ المَساكِينِ فَيُخْرِجُهُ، ثُمَّ الباقِي إذا أيْسَرَ، والظّاهِرُ بَقاءُ حُرْمَةِ المَسِيسِ إلى أنْ يُؤَدِّيَ الكَفّارَةَ تَمامًا ولَمْ يُبالَ بِإضْرارِ المَرْأةِ بِذَلِكَ لِأنَّ الإيسارَ مُتَرَقَّبٌ كَزَوالِ المَرَضِ المانِعِ مِنَ الجِماعِ، ولَمْ أُراجِعْ حُكْمَ المَسْألَةِ في الظِّهارِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، وأمّا في الجِماعِ في نَهارِ رَمَضانَ المُوجِبِ لِلْكَفّارَةِ فَقَدْ قالَ ابْنُ الهُمامِ بَعْدَ نَقْلِ حَدِيثِ الأعْرابِيِّ الواقِعِ عَلى امْرَأتِهِ فِيهِ العاجِزِ عَنِ الخِصالِ الثَّلاثَةِ، وفِيهِ: ««فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعِرْقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقالَ: تَصَدَّقْ بِهِ، فَقالَ: أعَلى أفْقَرِ مِنِّي يا رَسُولَ اللَّهِ ؟

فَواللَّهِ ما بَيْنَ لابَتَيْها أفْقَرَ مِنِّي ولا أهْلَ بَيْتٍ أفْقَرَ مِن أهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ ثُمَّ قالَ: خُذْهُ فَأطْعِمْهُ أهْلَكَ»» في لَفْظٍ لِأبِي داوُدَ - زادَ الزُّهْرِيُّ - وإنَّما كانَ هَذا رُخْصَةً لَهُ خاصَّةً، ولَوْ أنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى قَوْلِهِ، وذَكَرَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ لِلشّافِعِيِّ في هَذا العاجِزِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما لا شَيْءَ عَلَيْهِ - واحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ الأعْرابِيِّ المَذْكُورِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَقُلْ لَهُ: إنَّ الكَفّارَةَ ثابِتَةٌ في ذِمَّتِهِ بَلْ أذِنَ لَهُ في إطْعامِ عِيالِهِ - والثّانِي - وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ أصْحابِنا وهو المُخْتارُ - أنَّ الكَفّارَةَ لا تَسْقُطُ بَلْ تَسْتَقِرُّ في ذِمَّتِهِ حَتّى يَتَمَكَّنَ قِياسًا عَلى سائِرِ الدُّيُونِ والحُقُوقِ والمُؤاخَذاتِ كَجَزاءِ الصَّيْدِ وغَيْرِهِ، وأمّا الحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ اسْتِقْرارِ الكَفّارَةِ بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِقْرارِها لِأنَّهُ أخْبَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالعَجْزِ عَنِ الخِصالِ ثُمَّ أُتِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعِرْقِ التَّمْرِ فَأمَرَهُ بِإخْراجِهِ في الكَفّارَةِ فَلَوْ كانَتْ تَسْقُطُ بِالعَجْزِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإخْراجِ فَدَلَّ عَلى ثُبُوتِها في ذِمَّتِهِ، وإنَّما أذِنَ لَهُ في إطْعامِ عِيالِهِ لِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ في الحالِ والكَفّارَةُ واجِبَةٌ عَلى التَّراخِي، وإنَّما لَمْ يُبَيِّنْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَقاءَها في ذِمَّتِهِ لِأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ جائِزٌ عِنْدَ جَماهِيرِ الأُصُولِيِّينَ فَهَذا هو الصَّوابُ في مَعْنى الحَدِيثِ، وحُكْمُ المَسْألَةِ وفِيها أقْوالٌ وتَأْوِيلاتٌ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ.

انْتَهى.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَأْخِيرُ بَيانٍ وإنَّما اكْتَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِفَهْمِ الأعْرابِيِّ عَنِ التَّصْرِيحِ لَهُ بِالِاسْتِقْرارِ، والأخْبارُ في وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْمُظاهِرِ مُضْطَرِبَةٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ الدُّرَ المَنثُورَ لِلسُّيُوطِيِّ.

ومَسائِلُ الظِّهارِ كَثِيرَةٌ والمَذاهِبُ في ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ، ومَن أرادَ كَمالَ الِاطِّلاعِ فَلْيَرْجِعْ إلى كُتُبِ الفُرُوعِ، ولَوْلا التَّأسِّي بِبَعْضِ الأجِلَّةِ لَما ذَكَرْنا شَيْئًا مِنها، ومَعَ هَذا لا يَخْلُو أكْثَرُهُ عَنْ تَعَلُّقٍ بِتَفْسِيرِ الآيَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ البَيانِ والتَّعْلِيمِ، ومَحَلُّهُ إمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ النَّصْبُ بِمُضْمَرٍ مُعَلَّلٍ بِما بَعْدَهُ أيْ ذَلِكَ واقِعٌ أوْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ وتَعْمَلُوا بِشَرائِعِهِ الَّتِي شَرَعَها لَكم وتَرْفُضُوا ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهِلِيَّتِكم ﴿ وتِلْكَ ﴾ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ ﴿ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ الَّتِي لا يَجُوزُ تَعَدِّيها فالزَمُوها وقِفُوا عِنْدَها ﴿ ولِلْكافِرِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَعَدَّوْنَها ولا يَعْمَلُونَ بِها ﴿ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ عَلى كُفْرِهِمْ وأطْلَقَ الكافِرَ عَلى مُتَعَدِّي الحُدُودِ تَغْلِيظًا لِزَجْرِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ قرأ عاصم يظاهرون بضم الياء وكسر الهاء، والتخفيف من ظاهر يظاهر، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، يظهارون بنصب الياء، مع التشديد، وهو في الأصل يتظهرون، فأدغمت التاء في الظاء، والمعنى في هذا كله واحد، يقال: ظاهر من امرأته، وتظهَّر منها، وأظهر منها، إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي.

ثم قال: مَّا هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ وروى الفضل عن عاصم، أمهاتُهم بضم التاء، لأنه خبر ما، كقولك ما زيد عالم، وقرأ الباقون بالكسر، لأن التاء في موضع النصب، فصار خفضاً لأنها تاء الجماعة، وهي لغة أهل الحجاز، فينصبون خبر «ما» ، كقوله ما هذا بشراً، ما هن كأمهاتهم في الحرمة إِنْ أُمَّهاتُهُمْ يعني: ما أمهاتهم إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ يعني: الأم التي ولدته، والأم التي أرضعته، لأنه قال في موضع آخر وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: 23] .

ثم قال: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً يعني: قولاً منكراً وكذباً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ يعني: ذو تجاوز غَفُورٌ، حيث جعل الكفارة لرفع الحرمة، ولم يجعل فرقة بينهما.

ثم قال: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا يعني: يعودون لنقض ما قالوا، ولرفع ما قالوا في الجاهلية فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يعني: فعليه تحرير رقبة، ويقال ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فيه تقديم وتأخير، يعني: ثم يعودون فتحرير رقبة لما قالوا ويقال: معناه ثم يعودون لما قالوا في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يتكلمون بهذا القول فيرجعون إلى ذلك القول بعد الإسلام، وقال بعضهم: لا تجب الكفارة حتى يقول مرتين، لأنه قال: ثم يعودون لما قالوا، يعني: يعودون مرة أخرى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ هذا القول خلاف جميع أهل العلم، وإنما تجب الكفارة إذا قال مرة واحدة.

والكفارة ما قال الله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء: 92] يعني: عتق رقبة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا يعني: من قبل أن يجامعها.

ويقال من قبل أن يمس كل واحد منهما صاحبه ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ يعني: هذا الحكم الذي تؤمرون به وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ من الوفاء وغيره.

وقوله تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ يعني: من لم يجد الرقبة فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ يعني: فعليه صيام شهرين مُتَتَابِعَيْنِ، لا يفصل بينهما مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا يعني: من قبل أن يمس كل واحد منهما صاحبه.

وفي الآية دليل أن المرأة لا يسعها أن تدع الزوج يقربها قبل الكفارة، لأنه نهاهما جميعاً عن المسيس قبل الكفارة، واتفقوا على أنه إذا أفطر في شهرين يوماً بغير عذر عليه أن يستقبل، واختلفوا فيمن أفطر لمرض، أو عذر، أو غيره.

قال عطاء إذا أفطر من مرض، فالله أعذره بالعذر يبدله، ولا يستأنف، وقال طاوس: يقضي ولا يستأنف، وهكذا قال سعيد بن المسيب: فهؤلاء كلهم قالوا: لا يستقبل، وقال إبراهيم النخعي والزهري والشعبي: يستقبل، وهكذا قال عطاء الخراساني، والحكم بن كيسان، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه  م.

ثم قال: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصيام فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً يعني: فعليه في قول أهل المدينة لكل مسكين صاع من الحنطة.

أو التمر.

وفي قول أهل العراق منوان من حنطة، أو صاع من تمر، بدليل ما روى سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر البياض، قال: كنت أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من أهلي، فتظاهرت من أهلي حتى ينسلخ الشهر، فبينما هي تخدمني ذات ليلة، إذ انكشف لي منها شيء، فواقعتها، فلما أصبحت أخبرت قومي، فقلت: اذهبوا معي إلى رسول الله  ، فقالوا: ما نذهب وما نأمن أن ينزل فيك قرآن، فأتيته فأخبرته، فقال: «حَرِّرْ رَقَبَةً» ، فقلت ما أملك إلا رقبتي، قال: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ» ، قلت: وهل أصابني إلا من قبل الصيام، قال: «فأَطْعِمْ وَسْقاً مِنْ تَمْرٍ سِتِّينَ مِسْكِيناً» ، قلت: والذي بعثك بالحق نبياً لقريش ما لنا طعام.

ثم قال: «انْطَلِقْ إلى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَلْيَدْفَعْهَا إلَيْكَ» فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله  السعة وحسن الرأي، وقد أمر لي بصدقتكم، فقد بين في هذا الخبر أنه يجب وسقاً من تمر، والوسق ستون صاعاً، بالاتفاق.

ثم قال: ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ يعني: لتصدقوا بوحدانية الله تعالى وَرَسُولِهِ يعني: وتصدقوا برسوله وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني: هذه فرائض الله، وأحكامه وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وبرسوله، وروي عن عروة عن عائشة  ا أنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتناجي النبي  يسمع بعض كلامها، ويخفى عليه بعضه، إذا أنزل الله تعالى قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وهكذا قال الأعمش.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وفروع الظهار مُسْتَوفَاةً في كتب الفقه، فلا نطيل بذكرها.

وقوله سبحانه: ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...

الآية: إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإطعام، ثم شَدَّدَ سبحانه بقوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي: فالتزموها، ثم تَوَعَّدَ الكافرين بقوله: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ.

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا ...

الآية: نزلت في قوم من المنافقين واليهود، كانوا يتربّصون برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبالمؤمنين الدوائرَ، ويتمنَّون فيهم المكروهَ، ويتناجون بذلك وكُبِتَ الرجل: إذا بَقِيَ خَزْيَانَ يُبْصِرُ ما يكره، ولا يَقْدِرُ على دفعه، وقال قوم منهم أبو عبيدة: أصله كبدوا، أي: أصابهم داء في أكبادهم، فأُبْدِلَتِ الدَّالُ تاءً، وهذا غير قويّ، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: منافقوا الأمم الماضية، ولفظ البخاريِّ:

كُبِتُوا: أُحْزِنُوا.

وقوله تعالى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ/ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ: العامل في يَوْمَ قوله: مُهِينٌ، ويحتمل أنْ يكون فعلاً مُضْمَراً تقديره: اذكر.

وقوله تعالى: إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ أي: بعلمه وإحاطته وقُدْرَتِهِ، وعبارة الثعلبيِّ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ: يعلم ويسمع نجواهم، يدل على ذلك افتتاح الآية وخاتمتُها، انتهى.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ ...

الآية، قال ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو "يَظَّهَّرُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، وتَشْدِيدِ الظّاءِ والهاءِ وفَتْحِهِما مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الياءِ، وتَشْدِيدِ الظّاءِ، وبِألِفٍ، وتَخْفِيفِ الهاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ "يُظاهِرُونَ" بِضَمِّ الياءِ، وتَخْفِيفِ الظّاءِ والهاءِ، وكَسْرِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ مَعَ إثْباتِ الألِفِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "يَتَظاهَرُونَ" بِياءٍ، وتاءٍ، وألِفٍ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "يَتَظَهَّرُونَ" بِياءٍ، وتاءٍ، وتَخْفِيفِ الياءِ، وتَشْدِيدِ الهاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ "يَظَهِّرُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، وفَتْحِ الظّاءِ، مُخَفَّفَةً، مَكْسُورَةَ الهاءِ مُشَدَّدَةً.

والمَعْنى: تَقُولُونَ لَهُنَّ: أنْتُنَّ كَظُهُورِ أُمَّهاتِنا ﴿ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.

ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ رَفَعَها.

والمَعْنى: ما اللَّواتِي تُجْعَلْنَ كالأُمَّهاتِ بِأُمَّهاتٍ لَهم ﴿ إنْ أُمَّهاتُهُمْ ﴾ أيْ: ما أُمَّهاتُهم ﴿ إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: وانْتِصابُ "الأُمَّهاتِ" ها هُنا بِإلْقاءِ الباءِ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ "ما هُنَّ بِأُمَّهاتِهِمْ"، ومِثْلُهُ: ﴿ ما هَذا بَشَرًا  ﴾ ، المَعْنى: ما هَذا بِبَشَرٍ، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الباءُ أُبْقِيَ أثَرُها، وهُوَ: النَّصْبُ، وعَلى هَذا كَلامُ أهْلِ الحِجازِ.

فَأمّا أهْلُ نَجْدٍ، فَإنَّهم إذا ألْقَوُا الباءَ رَفَعُوا، وقالُوا: "ما هُنَّ أُمَّهاتُهُمْ" و"ما هَذا بَشَرٌ" أنْشَدَنِي بَعْضُ العَرَبِ: رِكابٌ حُسَيْلٍ آخِرَ الصَّيْفِ بُدَّنٌ وناقَةُ عَمْرٍو ما يُحَلُّ لَها رَحْلُ ويَزْعُمُ حَسْلٌ أنَّهُ فَرْعُ قَوْمِهِ ∗∗∗ وما أنْتَ فَرْعٌ يا حُسَيْلُ ولا أصْلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُظاهِرِينَ ﴿ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ ﴾ لِتَشْبِيهِهِمُ الزَّوْجاتِ بِالأُمَّهاتِ، والأُمَّهاتُ مُحَرَّماتٌ عَلى التَّأْبِيدِ، بِخِلافِ الزَّوْجاتِ.

﴿ وَزُورًا ﴾ أيْ: كَذِبًا ﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ إذْ شَرَعَ الكَفّارَةَ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ﴾ اللّامُ في "لِما" بِمَعْنى "إلى" والمَعْنى: ثُمَّ يَعُودُونَ إلى تَحْلِيلِ ما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِن وطْءِ الزَّوْجَةِ بِالعَزْمِ عَلى الوَطْءِ.

قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: يَرْجِعُونَ عَمّا قالُوا، وفي نَقْضِ ما قالُوا.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: يُرِيدُونَ أنْ يَعُودُوا إلى الجِماعِ الَّذِي قَدْ حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ.

وقالَ الحَسَنُ، وطاوُوسٌ، والزُّهْرِيُّ: العَوْدُ: هو الوَطْءُ.

وهَذا يَرْجِعُ إلى ما قُلْناهُ.

وقالَ الشّافِعِيُّ: هو أنْ يُمْسِكَها بَعْدَ الظِّهارِ مُدَّةً يُمْكِنُهُ طَلاقُها فِيهِ فَلا يُطَلِّقُها.

فَإذا وُجِدَ هَذا، اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ، لِأنَّهُ قَصَدَ بِالظِّهارِ تَحْرِيمَها، فَإنْ وصَلَ ذَلِكَ بِالطَّلاقِ فَقَدْ جَرى عَلى ما ابْتَدَأهُ، وإنْ سَكَتَ عَنِ الطَّلاقِ، فَقَدْ نَدِمَ عَلى ما ابْتَدَأ بِهِ، فَهو عَوْدٌ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ تَجِبُ الكَفّارَةُ.

وقالَ داوُدُ: هو إعادَةُ اللَّفْظِ ثانِيًا، لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: " يُعَوِّدُونَ " يَدُلُّ عَلى تَكْرِيرِ اللَّفْظِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا قَوْلُ مَن لا يَدْرِي اللُّغَةَ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَيْسَ في هَذا كَما ادَّعَوْا، لِأنَّ العَوْدَ قَدْ يَكُونُ إلى شَيْءٍ لَمْ يَكُنِ الإنْسانُ عَلَيْهِ قَبْلُ، وسُمِّيَتِ الآخِرَةُ مَعادًا، ولَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ ثُمَّ عادَ إلَيْها قالَ الهُذَلِيُّ: وعادَ الفَتى كالكَهْلِ لَيْسَ بِقائِلٍ ∗∗∗ سِوى الحَقِّ شَيْئًا واسْتَراحَ العَواذِلُ وَقَدْ شَرَحْنا هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ  ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن تَوَهَّمَ أنَّ الظِّهارَ لا يَقَعُ حَتّى يُلْفَظَ بِهِ ثانِيَةً، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ النّاسَ قَدْ أجْمَعُوا أنَّ الظِّهارَ يَقَعُ بِلَفْظٍ واحِدٍ.

وإنَّما تَأْوِيلُ الآيَةِ: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُطَلِّقُونَ بِالظِّهارِ، فَجَعَلَ اللَّهُ حُكْمَ الظِّهارِ في الإسْلامِ خِلافَ حُكْمِهِ عِنْدَهم في الجاهِلِيَّةِ، وأنْزَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ﴾ يُرِيدُ في الجاهِلِيَّةِ ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ﴾ في الإسْلامِ، أيْ: يَعُودُونَ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ مِن هَذا الكَلامِ، ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: فَعَلَيْهِمْ، أوْ فَكَفّارَتُهم تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أيْ: عِتْقُها.

وهَلْ يُشْتَرَطُ أنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ عَلى أنَّ العُلَماءَ قَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُباحُ لِلْمَظاهِرِ الِاسْتِمْتاعُ بِاللَّمْسِ والقُبْلَةِ؟

وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ " والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لِما قالُوا ثُمَّ يَعُودُونَ إلى نِسائِهِمْ " .

* فَصْلٌ إذا وطِئَ المَظاهِرُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ أثِمَ، واسْتَقَرَّتِ الكَفّارَةُ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَسْقُطُ الظِّهارُ والكَفّارَةُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما يَجِبُ عَلَيْهِ إذا فَعَلَ ذَلِكَ، فَقالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وطاوُوسٌ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، وابْنُ سِيرِينَ: عَلَيْهِ كَفارَّةٌ واحِدَةٌ، وقالَ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ: عَلَيْهِ كَفّارَتانِ.

فَإنْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي اليَوْمَ، بَطَلَ الظِّهارُ بِمُضِيِّ اليَوْمِ، هَذا قَوْلُ أصْحابِنا، وأبِي حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيِّ، والشّافِعِيِّ.

وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، ومالِكٌ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: هو مَظاهِرٌ أبَدًا.

واخْتَلَفُوا في الظِّهارِ مِنَ الأمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ مِن أمَةٍ ظِهارٌ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُوسٌ، وعَطاءٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ: هو ظِهارٌ.

ونَقَلَ أبُو طالِبٍ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لا يَكُونُ مُظاهِرًا مِن أمَتِهِ، لَكِنْ تَلْزَمُهُ كَفّارَةُ الظِّهارِ، كَما قالَ في المَرْأةِ إذا ظاهَرَتْ مِن زَوْجِها لَمْ تَكُنْ مُظاهِرَةً، وتَلْزَمُها كَفّارَةُ الظِّهارِ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن ظاهَرَ مِرارًا، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: إنْ كانَ في مَجالِسَ، فَكَفّاراتٌ، وإنْ كانَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَكَفّارَةٌ: قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وعَلى قَوْلِ أصْحابِنا: يَلْزَمُهُ كَفارَّةٌ واحِدَةٌ سَواءٌ كانَ في مَجْلِسٍ، أوْ في مَجالِسَ، ما لَمْ يُكَفِّرْ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكُمُ التَّغْلِيظُ تُوعَظُونَ بِهِ.

والمَعْنى: أنَّ غِلَظَ الكَفّارَةِ وعْظٌ لَكم حَتّى تَتْرُكُوا الظِّهارَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ يَعْنِي: الرَّقَبَةَ ﴿ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ ( مُتَتابِعِينَ فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ ) الصِّيامَ "فَـ" كَفّارَتُهُ " إطْعام سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ " أيِ: الفَرْضُ ذَلِكَ الَّذِي وصَفْنا ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ أيْ: تُصَدِّقُوا بِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ، وتُصَدِّقُوا بِما أتى بِهِ الرَّسُولُ ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: ما وصَفَهُ اللَّهُ مِنَ الكَفّاراتِ في الظِّهارِ ﴿ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن جَحَدَ هَذا وكَذَّبَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والَّذِينَ كانَ الظِهارُ عادَتَهم ثُمَّ يَعُودُونَ إلى ذَلِكَ في الإسْلامِ، وقالَهُ القَتْبِيُّ، وقالَ أهْلُ الظاهِرِ: المَعْنى: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ ثُمَّ يُظاهِرُونَ ثانِيَةً، فَلا تَلْزَمُ عِنْدَهم كَفّارَةٌ إلّا بِأنْ يُعِيدَ الرَجُلُ التَظاهُرَ، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: حِينَئِذٍ هو عائِدٌ إلى القَوْلِ الَّذِي هو مُنْكَرٌ وزُورٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ وإنْ كانَ القُشَيْرِيُّ قَدْ حَكاهُ عن بِكِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأشَجِّ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: في هَذِهِ الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُها: "فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لِما قالُوا"، وهَذا أيْضًا قَوْلٌ يُفْسِدُ نَظْمَ الآيَةِ، وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ لَكِنَّهُ غَيْرُ قَوِيٍّ، وقالَ قَتادَةُ، وطاوُسٌ، ومالِكٌ، والزَهْرِيُّ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مَعْنى:" ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا" أيْ: بِالوَطْءِ، المَعْنى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا إنَّهم لا يَعُودُونَ إلَيْهِ فَإذا ظاهَرَ الرَجُلُ ثُمَّ وطِئَ فَحِينَئِذٍ تَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ في ذِمَّتِهِ وإنْ طَلَّقَ أو ماتَتِ امْرَأتُهُ، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ أيْضًا، وفَرِيقٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: "يَعُودُونَ" مَعْناهُ: بِالعَزْمِ عَلى إمْساكِ الزَوْجَةِ ووَطْئِها والتِزامِ التَكْفِيرِ لِذَلِكَ، فَمَتى وقَعَ مِنَ المَظاهِرِ هَذا العَزْمُ لَزِمَتِ الكَفّارَةُ ذِمَّتَهُ، طَلَّقَ أو ماتَتِ امْرَأتُةُ، وهَذانَ القَوْلانِ في مَذْهَبِ مالِكٍ، وهُما حَسَنانِ، لَزِمَتِ الكَفّارَةُ فِيهِما بِشَرْطَيْنِ: ظِهارٌ وعَوْدٌ واخْتُلِفَ في "العُودِ"، ما هُوَ؟

وقالَ الشافِعِيُّ: العَوْدُ المُوجِبُ لِلْكَفّارَةِ أنْ يُمْسِكَ عن طَلاقِها بَعْدَ الظِهارِ، ويَمْضِي -بَعْدَ الظِهارِ- ما يُمْكِنُهُ أنْ يُطَلِّقَ فِيهِ فَلا يُطَلِّقُ.

و"الرَقَبَةُ" في الظِهارِ لا تَكُونُ عِنْدَ مالِكٍ إلّا مُؤْمِنَةً، رَدَّ هَذا المُطْلَقَ إلى المُقَيَّدِ الَّذِي في كَفّارَةِ القَتْلِ الخَطَأِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ﴾ فَقالَ الحَسَنُ، والثَوْرِيُّ، وجَماعَةٌ: مِن قَبْلِ الوَطْءِ، وجَعَلَتِ المَسِيسَ هاهُنا: الوَطْءُ، فَأباحَتْ لِلْمَظاهِرِ التَقْبِيلَ والمُضاجَعَةَ والِاسْتِمْتاعَ بِأعْلى المَرْأةِ كالحَيْضِ، وقالَ الجُمْهُورُ مِن أهْلِ العِلْمِ: "مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا" عامٌّ في نَوْع المَسِيسِ: الوَطْءُ والمُباشَرَةُ، فَلا يَجُوزُ لِمُظاهِرٍ أنْ يَطَأ ولا يُقَبِّلَ ولا يَلْمِسَ بِيَدِهِ ولا يَفْعَلَ شَيْئًا مِن هَذا النَوْعِ إلّا بَعْدَ الكَفّارَةِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذلِكُمْ" إشارَةٌ إلى "التَحْرِيرِ"، أيْ: فِعْلُ ذَلِكَ عِظَةٌ لَكم لِتَنْتَهُوا عَنِ الظِهارِ.

و"المُتَتابِع" في الشَهْرَيْنِ صِيامُهُما، ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ أيّامِهِما، وجائِزٌ أنْ يَصُومَهُما الرَجُلُ بِالعَدَدِ فَيَصُومُ سِتِّينَ يَوْمًا تِباعًا، وجائِزٌ أنْ يَصُومَهُما بِالأهِلَّةِ، يَبْدَأُ مَعَ الهِلالِ ويُفْطِرُ مَعَ الهِلالِ، وإنْ جاءَ أحَدُ شَهْرَيْهِ ناقِصًا،فَذَلِكَ يُجْزِئُ عنهُ، وجائِزٌ إنْ بَدَأ صَوْمُهُ في وسَطِ شَهْرَيْنِ بِبَعْضِ الشَهْرِ الأوَّلِ فَيَصُومُ إلى الهِلالِ، ثُمَّ يَصُومُ شَهْرًا بِالهِلالِ، ثُمَّ يَتِمُّ الشَهْرُ الأوَّلُ بِالعَدَدِ، ولا أحْفَظُهُ خِلافًا مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ الصائِمَ في الظِهارِ إنْ أفْسَدَ التَتابُعَ بِاخْتِيارِهِ أنَّهُ يُبْتَدَأُ صَوْمُها، واخْتَلَفَ الناسُ إذا أفْسَدَهُ لِعُذْرٍ غالِبٍ كالمَرَضِ والنِسْيانِ ونَحْوَهُ، فَقالَ أصْحابُ الرَأْيِ والشافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والثَوْرِيُّ: يَبْتَدِئُ، وقالَ مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وغَيْرُهُ: يَبْنِي، وأجْمَعُوا عَلى الحائِضِ وأنَّها تَبْنِي في صَوْمِها التَتابُعَ.

وإطْعامُ المَساكِينِ في الظِهارِ هو بِالمَدِّ الهاشِمِيِّ عِنْدَ مالِكٍ، وهو مَدٌّ وثُلْثٌ بِمَدِّ النَبِيِّ  ، وقِيلَ مُدّانِ غَيْرُ ثُلُثٍ، ورَوى عنهُ ابْنُ وهْبٍ أنَّهُ يُطْعِمُ مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَبِيِّ  ، وفي العُلَماءِ مَن يَرى إطْعامَ الظِهارِ مُدًّا بِمُدِّ النَبِيِّ  ، ولا يُجْزِئُ في إطْعامِ الظِهارِ إلّا إكْمالُ عَدَدِ المَساكِينِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُطْعِمَ ثَلاثِينَ مَرَّتَيْنِ ولا ما أشْبَهَهُ، والطَعامُ هو غالِبُ قُوتِ البَلَدِ.

وقالَ مالِكٌ، وعَطاءٌ وغَيْرُهُ: إطْعامُ المَساكِينِ أيْضًا هو قَبْلَ التِماسٍ حَمْلًا عَلى العِتْقِ والصَوْمِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وجُمْهُورٌ مِن أهْلِ العِلْمِ لَمْ يَنُصَّ اللهُ تَعالى عَلى الشَرْطِ هُنا فَنَحْنُ نَلْتَزِمُهُ، فَجازَ ولِلْمُظاهِرِ إذا كانَ مِن أهْلِ الإطْعامِ أنْ يَطَأ قَبْلَ الكَفّارَةِ ويَسْتَمْتِعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا" إشارَةٌ إلى الرُخْصَةِ والتَسْهِيلِ في النَقْلِ مِنَ التَحْرِيرِ إلى الصَوْمِ والإطْعامِ ثُمَّ شَدَّدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ ﴾ ، أيْ: فالتَزَمُوها وقَفُوا عِنْدَها، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكافِرِينَ بِهَذا الحَدِيثِ والحُكْمِ الشَرْعِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ﴾ رخصة لمن لم يجد عتق رقبة أن ينتقل إلى صيام شهرين متتابعين لأنه لما لم يجد رقبة يعتاض بفكّها عن فكّ عصمة الزوجة نقل إلى كفارة فيها مشقة النفس بالصبر على لذة الطعام والشراب ليدفع ما التزمه بالظهار من مشقة الصبر على ابتعاد حَليلته فكان الصوم درجة ثانية قريبة من درجة تحرير الرقبة في المناسبة.

وأعيد قيد ﴿ من قبل أن يتماسا ﴾ للدلالة على أنه لا يكون المسّ إلا بعد انقضاء الصيام، فلا يظن أن مجرد شروعه في الصيام كاففٍ في العود إلى الاستمتاع.

﴿ فمن لم يستطع ﴾ ، أي لعجزه أو ضعفه رخص الله له أن ينتقل إلى إطعام ستين مسكيناً عوضاً عن الصيام فالإِطعام درجة ثالثة يدفع عن ستين مسكيناً ألم الجوع عوضاً عما كان التزمه على نفسه من مشقة الابتعاد عن لذّاته، وإنما حددت بستين مسكيناً إلحاقاً لهذا بكفارة فطر يوم من رمضان عمداً بجامع أن كليهما كفارة عن صيام فكانت الكفارة متناسبة مع المكفر عنه مرتبة ترتيباً مناسباً.

وقد أجمل مقدار الطعام في الآية اكتفاء بتسميته إطعاماً فيحمل على ما يقصده الناس من الطعام وهو الشبع الواحد كما هو المتعارف في فعل طعم.

فحمله علماؤنا على ما به شبع الجائع فيقدر في كل قوم بحسب ما به شبع معتاد الجائعين.

وعن مالك رحمه الله في ذلك روايتان، إحداهما: أنه مُدّ واحد لكل مسكين بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم والثانية: أنه مُدَّان أو مَا يقرب من المدّين وهو مدّ بمدّ هشام (بن إسماعيل المخزومي أمير المدينة) وقدرُه مدَّان إلا ثلثَ مدّ قال: قال أشهب: قلت لمالك: أيختلف الشبع عندنا وعندكم؟

قال: نعم الشبع عندنا مدّ بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم والشبع عندكم أكثر (أي لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأهل المدينة بالبركة).

وقوله هذا يقتضي أن يكون الإِطعام في المدينة مدًّا بمُدّ النبي صلى الله عليه وسلم مثل كفارة الفطر في رمضان فكيف جعله مالك مقدراً بمدَّين أو بمُدّ وثلثين، وقال: لو أطعم مدّاً ونصفَ مدّ أجزأه.

فتعين أن تضعيف المقدار في الإِطعام مراعىً فيه معنى العقوبة على ما صنع، وإلا فلا دليل عليه من نص ولا قياس.

قال أبو الحسن القابسي: إنما أخذ أهل المدينة بمدّ هشام في كفارة الظهار تغليظاً على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكراً من القول وزوراً فهذا مما ثبت بعمل أهل المدينة.

وقدّر أبو حنيفة الشبع بمدّين بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم فلعه راعى الشبع في معظم الأقطار غير المدينة، وقدّره الشافعي بمدّ واحد لكل مسكين قياساً على ما ثبت في السنة في كفارة الإِفطار وكفارة اليمين.

ولم يذكر مع الإِطعام قيدُ ﴿ من قبل أن يتماسا ﴾ اكتفاء بذكره مع تحرير الرقبة وصيام الشهرين ولأنه بدل عن الصيام ومجزَّأ لمثل أيام الصيام.

هذا قول جمهور الفقهاء.

وعن أبي حنيفة أن الإِطعام لا يشترط فيه وقوعه من قبل أن يتماسّا.

ثم إن وقع المسيس قبل الكفارة أو قبل إتمامها لم يترتب على ذلك إلا أنه آثم إذ لا يمكن أن يترتب عليه أثر آخر، وهذا ما بيّنه حديث سلمة بن صخر الذي شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع على امرأته بعد أن ظاهر منها، فأمره بأن لا يعود إلى مثل ذلك حتى يكفّر.

وهذا قول جمهور الفقهاء، وقال مجاهد: عليه كفّارتان.

وصريح الآية أن تتابع الصيام شرط في التكفير، وعليه فلو أفطر في خلاله دون عذر وجب عليه إعادته.

ولا يمَسّ امرأته حتى يتم الشهران متتابعين فإن مسها في خلال الشهرين أثِم ووجب عليه إعادة الشهرين.

وقال الشافعي: إذا كان الوطء ليلاً لم يبطل التتابع لأن الليل ليس محلاً للصوم، وهذا هو الجاري على القياس وعلى مقتضى حديث سلمة بن صخر.

وأما كون آثماً بالمسيس قبل تمام الكفارة فمسألة أخرى، فمن العجب قول أبي بكر ابن العربي في كلام الشافعي أنه كلام من لم يذق طعم الفقه لأن الوطء الواقع في خلال الصوم ليس بالمحل المأذون فيه بالكفارة فإنه وطء تعدَ فلا بدّ من الامتثال للأمر بصوم لا يكون في أثنائه وطء اه.

والمسكين: الشديد الفقر، وتقدّم في سورة براءة.

والمظاهر إن كان قادراً على بعض خصال الكفارة وأبى أن يكفّر انقلب ظهارُه إيلاءً.

فإن لم ترض المرأة بالبقاء على ذلك فله أجل الإِيلاء فإن انقضى الأجل طلقت عليه امرأته إن طلبت الطلاق.

وإن كان عاجزاً عن خصال الكفارة كلها كان كالعاجز عن الوطء بعد وقوعه منه فتبقى العصمة بين المتظاهر وامرأته ولا يقربها حتى يكفر.

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة سلمة بن صخر من أموال بيت المال فحقّ على ولاة الأمور أن يدفعوا عن العاجز كفارة ظهاره فإن تعذر ذلك فالظاهر أن الكفارة ساقطة عنه، وأنه يَعود إلى مسيس امرأته، وتبقى الكفارة ذنباً عليه في ذمته لأن الله أبطل طلاق الظهار.

﴿ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ الله وللكافرين عَذَابٌ ﴾ .

الإِشارة إلى ما ذكر من الأحكام، أي ذلك المذكورُ لتؤمنوا بالله ورسوله، أي لتؤمنوا إيماناً كاملاً بالامتثال لما أمركم الله ورسوله فلا تشوبوا أعمال الإِيمان بأعمال أهل الجاهلية، وهذا زيادة في تشنيع الظهار، وتحذير للمسلمين من إيقاعه فيما بعد، أو ذلك النقل من حرج الفراق بسبب قول الظهار إلى الرخصةِ في عدم الاعتداد به وفي الخلاص منه بالكفارة، لتيسير الإِيمان عليكم فهذا في معنى قوله تعالى: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ [الحج: 78].

و ﴿ لتؤمنوا ﴾ خبر عن اسم الإِشارة، واللام للتعليل.

ولما كان المشار إليه وهو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكيناً عِوضاً عن تحرير رقبة كان من عُلّل به تحريرُ رقبة منسحباً على الصيام والإِطعام، وما علّل به الصيام والإِطعام منسحباً على تحرير رقبة، فأفاد أن كلاّ من تحرير رقبة وصيام شهرين وإطعام ستين مسكيناً مشتمل على كلتا العلّتين وهما: الموعظة والإِيمان بالله ورسوله.

والإِشارة في ﴿ وتلك حدود الله ﴾ إلى ما أشير إليه ب ﴿ ذلك ﴾ ، وجيء له باسم إشارةِ التأنيث نظراً للإخبار عنه بلفظ ﴿ حدود ﴾ إذ هو جمع يجوز تأنيث إشارته كما يجوز تأنيث ضميره ومثله قوله تعالى: ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ﴾ في سورة [البقرة: 229].

وجملة وللكافرين عذاب أليم } تتميم لجملة ﴿ ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ ، أي: ذلك الحكم وهو إبطال التحريم بالظهار حكم الإِسلام.

وأما ما كانوا عليه فهو من آثار الجاهلية فهو سنة قوم لهم عذاب أليم على الكفر وما تولد منه من الأباطيل، فالظهار شرع الجاهلية.

وهذا كقوله تعالى: ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر ﴾ [التوبة: 37]، لأنه وضعه المشركون ولم يكن من الحنيفية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

ثُمَّ قالَ ﴿ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ ﴾ تَكْذِيبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.

﴿ وَإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا ﴾ يَعْنِي بِمُنْكَرِ القَوْلِ الظّاهِرَ، وبِالزُّورِ كَذِبَهم في جَعْلِ الزَّوْجاتِ أُمَّهاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور والبخاري تعليقاً وعبد بن حميد والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه في سننه عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت لا أسمع ما تقول فأنزل الله: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عائشة قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ وهو أوس بن الصامت.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن زيد قال: لقي عمر بن الخطاب امرأة يقال لها خولة وهو يسير مع الناس فاستوقفته، فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل يا أمير المؤمنين: حبست رجال قريش على هذه العجوز، قال: ويحك وتدري من هذه؟

قال: لا.

قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها.

وأخرج البخاري في تاريخه وابن مردويه عن ثمامة بن حزن قال: بينما عمر بن الخطاب يسير على حماره لقيته امرأة فقالت: قف يا عمر، فوقف، فأغلظت له القول، فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم، فقال: وما يمنعني أن أستمع إليها وهي التي استمع الله لها أنزل فيها ما نزل ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ .

وأخرج أحمد وأبو داود وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام قال: «حدثتني خولة بنت ثعلبة قالت: فيّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه فدخل عليّ يوماً فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي، ثم رجع فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليّ فإذا هو يريدني عن نفسي، قلت: كلا والذي نفس خولة بيده لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فما برحت حتى نزل القرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سرّي عنه، فقال لي: يا خولة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك ثم قرأ عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ إلى قوله: ﴿ عذاب أليم ﴾ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: مريه فليعتق رقبة قلت يا رسول الله: ما عنده ما يعتق، قال: فليصم شهرين متتابعين، قلت: والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر، قلت: والله ما ذاك عنده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنا سنعينه بعرق من تمر، قلت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر، قال: فقد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه ثم استوصي بابن عمك خيراً.

قالت: ففعلت» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه والبيهقي «عن عطاء بن يسار أن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، وكان أوس بن لمم، فنزل القرآن ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ فقال لامرأته: مريه فليعتق رقبة، فقالت يا رسول الله: والذي أعطاك ما أعطاك ما جئت إلا رحمة له إن له فيّ منافع والله ما عنده رقبة ولا يملكها، قالت: فنزل القرآن وهي عنده في البيت، قال: مريه فليصم شهرين متتابعين، فقالت: والذي أعطاك ما أعطاك ما قدر عليه، فقال: مريه فليتصدق على ستين مسكيناً، فقالت: يا رسول الله ما عنده ما يتصدق به، فقال: يذهب إلى فلان الأنصاري فإن عنده شطر وسق تمر أخبرني أنه يريد أن يتصدق به فليأخذ منه ثم ليتصدق على ستين مسكيناً» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في السنن عن عائشة أن خولة كانت امرأة أوس بن الصامت، وكان إمرأ به لمم فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته فأنزل الله فيه كفارة الظهار.

وأخرج النحاس وابن مردويه والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل في الجاهلية لو قال لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي حرمت عليه، وكان أول من ظاهر في الإِسلام أوس بن الصامت، وكانت تحته ابنة عم له يقال لها خولة فظاهر منها فأسقط في يده وقال: ما أراك إلا قد حرمت عليّ فانطلقي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاسأليه، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه فأخبرته فقال: يا خولة ما أمرنا في أمرك بشيء، فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا خولة ابشري قالت: خيراً قال: خيراً فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليها ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ الآيات.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس «أن خولة أو خويلة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن زوجي ظاهر مني، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت أشكو إلى الله فاقتي، فأنزل الله: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال في القرآن ما أنزل الله جملة واحدة ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ﴾ كان هذا قبل أن تخلق خولة لو أن خولة أرادت أن لا تجادل لم يكن ذلك لأن الله كان قد قدر ذلك عليها قبل أن يخلقها.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ وذلك «أن خولة امرأة من الأنصار ظاهر منها زوجها، فقال: أنت عليّ كظهر أمي فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي كان تزوجني وأنا أحب الناس إليه حتى إذا كبرت ودخلت في السن قال: أنت عليّ كظهر أمي وتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني وإياه بها فحدثني بها، قال: والله ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن، ولكن ارجعي إلى بيتك فإن أومر بشيء لا أعميه عليك إن شاء الله، فرجعت إلى بيتها فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في الكتاب رخصتها ورخصة زوجها فقال: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ إلى قوله: ﴿ عذاب أليم ﴾ فأرسل إلى زوجها، فقال: هل تستطيع أن تعتق رقبة؟

قال: إذن يذهب مالي كله، الرقبة غالية وأنا قليل المال، قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟

قال: والله لولا أني آكل كل يوم ثلاث مرات لكلّ بصري، قال: هل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟

قال: لا والله إلا أن تعينني، قال: إني معينك بخمسة عشر صاعاً» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه «أن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ظاهر مني زوجي حين كبر سني ودق عظمي فأنزل الله آية الظهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعتق رقبة قال: مالي بذلك يدان، فصم شهرين متتابعين، قال: إني إذا أخطأني أن آكل في اليوم ثلاث مرات يكل بصري، فأطعم ستين مسكيناً قال: ما أجد إلا أن تعينني فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر صاعاً حتى جمع الله له أهله» .

وأخرج ابن مردويه عن الشعبي قال: المرأة التي جادلت في زوجها خولة بنت ثعلبة وأمها معاذة التي أنزل الله فيها ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ [ النور: 33] وكانت أمة لعبد الله بن أبيّ.

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن محمد بن سيرين قال: «إن أول من ظاهر في الإِسلام زوج خويلة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي ظاهر مني وجعلت تشكو إلى الله فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ما جاءني في هذا شيء، قالت: فإلى من يا رسول الله إن زوجي ظاهر مني، فبينما هي كذلك إذ نزل الوحي ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ حتى بلغ ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ ثم حبس الوحي فانصرف إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليها، فقالت: لا يجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو ذاك فبينما هي كذلك إذا نزل الوحي ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ﴾ ثم حبس الوحي فانصرف إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاها عليها فقالت: لا يستطيع أن يصوم يوماً واحداً قال: هو ذاك فبينما هي كذلك إذ نزل الوحي ﴿ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ﴾ فانصرف إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليها فقالت: لا يجد يا رسول الله قال: إنا سنعينه» .

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء الخراساني قال: أعانه النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي زيد المدني رضي الله عنه أن امرأة جاءت بشطر وسق من شعير فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم أي مدين من شعير مكان مدّ من بر.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعانه بخمسة عشر صاعاً من شعير.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه «أن رجلاً ظاهر من امرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان الظهار أشد من الطلاق وأحرم الحرام، إذا ظاهر من امرأته لم ترجع إليه أبداً فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يانبي الله إن زوجي وأبا ولدي ظاهر مني وما يطلع إلا الله على ما يدخل عليّ من فراقه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: قد قال ما قال: قالت: فكيف أصنع ودعت الله واشتكت إليه فأنزل الله: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ﴾ إلى آخر الآيات فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها فقال: تعتق رقبة قال: ما في الأرض رقبة أملكها قال: تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال يا رسول الله: إني بلغت سناً وبي دوران فإذا لم آكل في اليوم مراراً أدير عليّ حتى أقع قال: تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً قال: والله ما أجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سنعينك» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه «أن امرأة أخي عبادة بن الصامت جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها تظاهر عنها وامرأة تفلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال: تدهنه فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم نظره إلى السماء فقالت التي تفلي لامرأة أخي عبادة بن الصامت رضي الله عنه واسمها خولة بنت ثعلبة يا خولة ألا تسكتي فقد ترينه ينظر إلى السماء فأنزل الله فيها ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عتق رقبة فقال: لا أجد فعرض عليه صيام شهرين متتابعين فقال: لا أطيق إن لم آكل كل يوم ثلاث مرات شق بي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فأطعم ستين مسكيناً قال: لا أجد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من تمر فقال له: خذ هذا فأقسمه فقال الرجل: ما بين لابتيها أفقر مني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كله أنت وأهلك» .

وأخرح عبد بن حميد «عن يزيد بن زيد الهمداني في قوله: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ قال: هي خولة بنت الصامت، وكان زوجها مريضاً فدعاها فلم تجبه وأبطأت عليه فقال: أنت عليّ كظهر أمي، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ﴿ فتحرير رقبة ﴾ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعتق رقبة، قال: لا أجد، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، قال: فأطعم ستين مسكيناً، قال: لا والله ما عندي إلا أن تعينني فأعانه النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً، فقال: والله ما في المدينة أحوج إليها مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فكلها أنت وأهلك» .

وأخرج ابن سعد عن عمران بن أنس قال: «كان أول من ظاهر في الإِسلام أوس بن الصامت، وكان به لمم، وكان يفيق أحياناً فَلاحَ امرأته خولة بنت ثعلبة في بعض صحواته، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ثم ندم فقال: ما أراك إلا قد حرمت عليّ، قالت: ما ذكرت طلاقاً فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بما قال، قال: وجادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم مراراً، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شدة وحدتي وما يشق عليّ من فراقه، قالت عائشة: فلقد بكيت وبكى من كان في البيت رحمة لها ورقة عليها، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فسري عنه وهو يبتسم فقال: يا خولة قد أنزل الله فيك وفيه ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ ثم قال: مريه أن يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: فمريه أن يصوم شهرين متتابعين، قالت: لا يطيق ذلك، قال: فمريه فليطعم ستين مسكيناً قالت: وأنّى له؟

فمريه فليأت أم المنذر بنت قيس فليأخذ منها شطر وسق تمر فليتصدق به على ستين مسكيناً فرجعت إلى أوس، فقال: ما وراءك؟

قالت: خير وأنت ذميم، ثم أخبرته فأتى أم المنذر فأخذ ذلك منها فجعل يطعم مدين من تمر كل مسكين» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي قلابة قال: إنما كان طلاقهم في الجاهلية الظهار والإِيلاء حتى قال ما سمعت.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً ﴾ قال: الزور الكذب.

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ﴾ قال: هو الرجل يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، فإذا قال ذلك: فليس له أن يقربها بنكاح ولا غيره حتى يكفر بعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسّا، والمس النكاح، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وإن هو قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، فإذا قال: إن فعلت كذا فليس يقع في ذلك ظهار حتى يحنث فلا يقربها حتى يكفر ولا يقع في الظهار طلاق.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ثم يعودون لم قالوا ﴾ قال: يعود لمسها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن طاووس ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ قال: الوطء.

وأخرج ابن المنذر عن طاووس قال: إذا تكلم الرجل بالظهار المنكر والزور فقد وجبت عليه الكفارة حنث أو لم يحنث.

وأخرج عبد الرزاق عن طاووس قال: كان طلاق أهل الجاهلية الظهار فظاهر رجل في الإِسلام وهو يريد الطلاق فأنزل الله فيه الكفارة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء أنه سئل عن هذه الآية من قبل أن يتماسّا قال: هو الجماع.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ فإطعام ستين مسكيناً ﴾ قال: كهيئة الطعام في اليمين مدين لكل مسكين.

وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال: ثلاث فيهن مد كفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة الصيام.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي أتى أهله في رمضان بكفارة الظهار.

وأخرج عبد الرزاق عن عطاء والزهري وقتادة قالوا: العتق في الظهار والصيام والطعام كل ذلك من قبل أن يتماسّا.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: «كان الظهار في الجاهلية يحرم النساء فكان أوّل من ظاهر في الإِسلام أوس بن الصامت، وكانت امرأته خولة بنت خويلد، وكان الرجل ضعيفاً، وكانت المرأة جلدة، فلما تكلم بالظّهار قال: لا أراك إلا قد حرمت عليّ فانطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلك تبتغي شيئاً يردّك عليّ فانطلقت، وجلس ينتظرها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وماشطة تمشط رأسه، فقالت: يا رسول الله إن أوس بن الصامت من قد علمت من ضعف رأيه وعجز مقدرته، وقد ظاهر مني فابتغ لي يا رسول الله شيئاً إليه قال يا خويلة: ما أمرنا بشيء في أمرك وأن نؤمر فسأخبرك، فبينا ماشطته قد فرغت من شق رأسه وأخذت في الشق الآخر أنزل الله عز وجل، وكان إذا أنزل عليه الوحي تربد لذلك وجهه حتى يجد بردة فإذا سرّي عنه عاد وجهه أبيض كالقلب، ثم تكلم بما أمر به، فقالت ماشطته: يا خويلة إني لأظنه الآن في شأنك فأخذها أفكل ثم قالت: اللهم بك أعوذ أن تنزل فيّ إلا خيراً فإني لم أبغ من رسولك إلا خيراً فلما سرّي عنه قال: يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك فقرأ ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ﴾ إلى قوله: ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ فقالت: والله يا رسول الله ما له خادم غيري ولا لي خادم غيره، قال: ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ﴾ قالت: والله إنه إذا لم يأكل في اليوم مرتين يسدر بصره، قال: ﴿ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ﴾ قالت: والله ما لنا في اليوم إلا وقية، قال: فمريه فلينطلق إلى فلان فليأخذ منه شطر وسق من تمر فليتصدق به على ستين مسكيناً وليراجعك» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن «عن سلمة بن صخر الأنصاري أنه جعل امرأته عليه كظهر أمه، حتى يمضي رمضان فسمنت وتربصت فوقع عليها في النصف من رمضان، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يعظم ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتستطيع أن تعتق رقبة؟

فقال: لا، قال: أفتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟

قال: لا، قال: أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟

قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا فروة بن عمرو أعطه ذلك العرق وهو مكتل يأخذ خمسة عشر أو ستة عشر صاعاً فليطعمه ستين مسكيناً، فقال: أعليّ أفقر مني فوالذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اذهب به إلى أهلك» .

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في السنن عن أبي العالية قال: «كانت خولة بنت ودبيج تحت رجل من الأنصار، وكان سييء الخلق ضرير البصر فقيراً، وكانت الجاهلية إذا أراد الرجل أن يفارق امرأته قال: أنت عليّ كظهر أمي، فادارعته بعض الشيء فقال: أنت عليّ كظهر أمي، وكان له عيل أو عيلان، فلما سمعته يقول ما قال احتملت صبيانها فانطلقت تسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوافقته عند عائشة، وإذا عائشة تغسل شق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقامت عليه، ثم قالت: يا رسول الله إن زوجي فقير ضرير البصر سييء الخلق، وإني نازعته في شيء فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ولم يرد الطلاق، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: ما أعلم إلا قد حرمت عليه، فاستكانت وقالت: أشتكي إلى الله ما نزل بي ومصيبتي، وتحولت عائشة تغسل شق رأسه الآخر فتحولت معها فقالت: مثل ذلك قالت: ولي منه عيل أو عيلان، فرفع النبي رأسه إليها فقال: ما أعلم إلا قد حرمت عليه، فبكت وقالت: أشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتي، وتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة: وراءك فتنحت ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله ثم انقطع الوحي، فقال يا عائشة: أين المرأة؟

قالت: ها هي، قال: ادعيها، فدعتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهبي فجيئي بزوجك، فانطلقت تسعى فلم تلبث أن جاءت فأدخلته على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو كما قالت: ضرير فقير سييء الخلق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي ﴾ إلى آخر الآية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتجد رقبة؟

قال: لا، قال: أفتستطيع صوم شهرين متتابعين؟

قال: والذي بعثك بالحق إني إذا لم آكل المرة والمرتين والثلاثة يكاد يغشى عليّ، قال: أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟

قال: لا إلا أن تعينني فيها فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكفر يمينه» .

وأخرج البزار والحاكم والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: «أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني ظاهرت من امرأتي فرأيت بياض خلخالها في ضوء القمر فأعجبتني فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألم يقل الله ﴿ من قبل أن يتماسّا ﴾ قال: قد فعلت يا رسول الله، قال: أمسك حتى تكفّر» .

وأخرج عبد الرزاق وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس «أن رجلاً قال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر، قال: وما حملك على ذلك؟

قال: ضوء خلخالها في ضوء القمر، قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة والطبراني والبغوي في معجمه والحاكم وصححه والبيهقي «عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: كنت رجلاً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقاً من أن أصيب منها في ليلى فأتتابع في ذلك ولا أستطيع أن أنزع حتى يدركني الصبح، فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فوثبت عليها فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري، فقلت: انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا القرآن، أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك، فخرجت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبري فقال: أنت بذاك؟

قلت: أنا بذاك، قال: أنت بذاك؟

قلت: أنا بذاك قال: أنت بذاك؟

قلت: أنا بذاك، وها أنا ذا فامض فيّ حكم الله فإني صابر لذلك قال: أعتق رقبة فضربت صفحة عنقي بيدي قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصابني ما اصابني إلا في الصيام؟

قال: فأطعم ستين مسكيناً، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وبني ما لنا عشاء، قال: اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له، فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقاً ستين مسكيناً، ثم استعن بسائرها عليك وعلى عيالك، فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم فدفعوها إليه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ذكر حكم العاجز عن الرقبة فقال: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴾ أي الرقبة ﴿ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ ﴾ أي فكفارته، أو فعليه صيام شهرين ﴿ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ﴾ الصيام فكفارته إطعام ﴿ سِتِّينَ مِسْكِينًا ﴾ .

وهذه الأنواع من الكفارات كلها قبل المسيس، فإن جامع قبلها أتى محرمًا ويكون قد أخر الكفارة عن وقتها إلى غير وقتها، ثم يأتي بها على وجه القضاء (١) (٢) وذكر الله الكفارة بالعتق، والصيام، فنص فيها على ما قبل الجماع بقوله: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ﴾ ، ولم يذكر في الإطعام أنه قبل التماس، وذلك أنه لما ذكر في الإعتاق وانه قبل التماس ألحق به الإطعام، لأن زمانهما لا يطول، وأعاد في الكفارة بالصوم أنها قبل التماس، لأنه بخلاف الإعتاق، ولطول مدة الصوم فلم يمكن أن يلحق الصيام بالإعتاق في أنه قبل المسيس لو لم يذكر ذلك لمخالفتهما في طول المدة وقصرها (٣) قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قال أبو إسحاق: ذلك في موضع رفع.

المعنى: الفرض ذلك الذي وصفنا ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، لتصدقوا ما أتى به الرسول، وتصدقوا أن الله أمر به (٤) وقال صاحب النظم: المعنى فعلنا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله (٥) ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ يعني ما وصف من الكفارة في الظهار.

قوله تعالى: ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: لمن جحد هذا وكذب به (٦) قال المقاتلان: فلما نزلت الآيات علي النبي -  - بعث إلى زوجها أوس بن الصامت فقال: "أعندك تحرير رقبة؟

" قال: لا أجد يا رسول الله.

قال: "أفتطيق صوم شهرين متتابعين؟

" قال: يا رسول الله إني إذا لم آكل كل دوم ثلاث مرات كلّ بصري -وكان يشتكي بصره- فقال: "أعندك طعام ستين مسكينا؟

" قال: لا يا نبي الله إلا بصلة منك وعون، فأعانه النبي  بخمسة عشر صاعًا (٧) وقال عكرمة: لما نزل الوحي على رسول الله -  - بهذه الآيات، قال للمرأة التي أتته: "ابشري فقد أنزل الله فيك وفيه، مريه فليعتق رقبة".

قالت: أنّى يا رسول الله، وما يخدمني غيره، ولا يخدمه غيري.

قال: "فليصم شهرين متتابعين".

قالت: أنى ولولا أنه يأكل في اليوم كذا وكذا لذهب بصره.

قال: "مريه فليطعم ستين مسكينًا".

قالت: أنى يا رسول الله وإنما هي وجبة.

فقال النبي -  -: "مريه فليأت فلانة فليأخذ شطر وسيق فليتصدق به".

قالت: فلما رآني أوس مقبلة قال: ما وراءك؟

قلت: خير وأنت ذميم، قد أمرك رسول الله -  - أن تأتي فلانة فتأخذ منها شطر وسق فتصدف به (٨) (١) قال ابن قدامة: هذا قول أكثر أهل العلم، و"المغني" 11/ 11.

(٢) راجع تفصيل هذه المسألة في: "الأم" 5/ 265، و"المجموع" 17/ 366، و"شرح فتح القدير" لابن الهمام 4/ 249.

(٣) انظر: "الانتصاف بما تضمنه الكشاف من الاعتزال" 4/ 72.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 136.

(٥) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 374.

(٦) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 37.

(٧) أورده الثعلبي في "تفسيره" 13/ 75 أ - ب، وأخرج ابن مردويه عن أنس نحوه، و"الدر" 6/ 180، وأخرجه الدارقطني من حديث أنس أيضًا، و"الجامع" 17/ 271.

(٨) أخرجه ابن جرير مختصرًا عن ابن عباس من طريق عكرمة، وأخرجه البغوي عن عطاء بألفاظ متقاربة، واين سعد عن عمران عن أنس.

انظر: "جامع البيان" 28/ 3، و"معالم التنزيل" 4/ 306، و"الدر" 6/ 181.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ جعل الله الكفاكرة في الظهار على ثلاثة أنواع مرتبة لا ينتقل إلى الثاني حتى يعجز عن الأول ولا ينتقل إلى الثالث حتى يعجز عن الثاني؛ فالأول: تحرير رقبة.

الثاني صيام شهرين متتابعين.

والثالث إطعام ستين مسكيناً والطعام يكون من غالب قوت البلد ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ مذهب مالك والجمهور أن المسيس هنا يراد به الوطء وما دونه من اللمس والتقبيل وفلا يجوز للمظاهر أن يفعل شيئاً من ذلك حتى يكفر، ﴿ ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ ﴾ قال ابن عطية: الإشارة إلى الرخصة في النقل من التحرير إلى الصوم وقال الزمخشري: المعنى: ذلك البيان والتعليم لتؤمنوا، وهذا أظهر لأنه أعم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ يظاهرون ﴾ من المظاهرة: عاصم ﴿ يظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء من الظهر وأصله " يتظهرون " أدغمت التاء في الظاء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

والباقون ﴿ يظاهرون ﴾ بتشديد الظاء ويزادة الألف من التظاهر وأصله " يتظاهرون" ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ بالرفع: المفضل.

الآخرون: بكسر التاء على إعمال " ما " عمل ليس هذه هي الفصحى ﴿ ما تكون ﴾ بتاء التأنيث: يزيد وهو ظاهر.

الآخرون: على التذكير بناء على أن التقدير ما يقع شيء من نجوى.

﴿ ولا أكثر ﴾ بالرفع: يعقوب إما على الابتداء كقولك " لا حول ولا قوة" أو للعطف على محل ﴿ من نجوى ﴾ الباقون: بالنصب على أن " لا " لنفي الجنس أو على أنهما مجروران عطفاً على ﴿ نجوى ﴾ كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم.

أو عطفاً على العدد والتقدير: ما يكون من نجوى أكثر من ذلك ﴿ وتتناجوا ﴾ على باب الافتعال: حمزة ورويس ﴿ ولا تتناجوا ﴾ من الافتعال أيضاً.

رويس.

﴿ المجالس ﴾ على الجمع: عاصم ﴿ انشزوا ﴾ بضم الشين فيهما: أبو جعفر ونافع وأبن عامر وعاصم غير يحيى وحماد والهراز.

الآخرون: بالكسر فيهما وهما لغتان مثل ﴿ يعرشون ﴾ و ﴿ يعرشون ﴾ ﴿ ورسلي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ عشيراتهم ﴾ على الجمع: الشموني ﴿ كتب ﴾ مجهولاً الإيمان بالرفع: المفضل.

الوقوف: ﴿ تحاوركما ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ ط ﴿ ولدنهم ﴾ ط ﴿ وزوراً ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ج ﴿ مسكيناً ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ق ﴿ مهين ﴾ ه ط لاحتمال تعلق الظرف بما قبله وكونه مفعولاً لاذكر ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ ونسوه ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ه ﴿ كانوا ﴾ ج لأن " ثم " للعطف أو لترتيب الاخبار ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين معنى مع أن ﴿ جاؤك ﴾ فعل ماض لفظاً ﴿ به الله ﴾ لا لأن ما بعده حال أو عطف على ﴿ جاؤك ﴾ لمستقبل معنى ﴿ نقول ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط لاحتمال الحال وكونه مستأنفاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والتقوى ﴾ ج ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ يفسح الله لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ منكم ﴾ لا للعطف ﴿ درجات ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ صدقة ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ صدقات ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عيلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ منهم ﴾ لا بناء على أن ما بعده حاله والعامل معنى الفعل في الجار أي وهم يحلفون قاله السجاوندي ولا يبعد عندي أن يكون مستأنفاً فيحسن الوقف.

﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الشيطان ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ه ﴿ الأذلين ﴾ ه ﴿ رسلي ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ عشيرتهم ﴾ ط ﴿ بروح منه ﴾ ط للعدول عن الماضي إلى المستقبل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الله ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه.

التفسير: عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول الله  في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع وقد سمع الله لها.

وعن عمر أن النبي  كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها أي أجاب وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة.

ورآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب وكان به حدة فظاهر منها، فأتت رسول الله  فقالت: إن أوساً تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما كبر سني ونثرت بطني أي كثر منه ولدي جعلني منه كأمه.

وفي رواية أنها قالت: إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا.

فقال  لها: ما عندي في أمرك شيء.

وروي أنه قال لها مراراً: حرمت عليه.

وهي تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت.

ومعنى ﴿ في زوجها ﴾ في شأنه ومعنى " قد" في ﴿ قد سمع الله ﴾ التوقع لأن رسول الله  والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله عز وجل مجادلتها وشكواها وينزل في شأنها ما يفرج عنها.

والتحاور التراجع في الكلام وفي الآية دلالة على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق كفاه الله همه.

"يروى أنه  أرسل إلى زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت؟

فقال: الشيطان، فهل من رخصة؟

فقال  : نعم وقرأ عليه الآيات الأربع وقال  له: هل تستطيع العتق؟

فقال: لا والله.

فقال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟

فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة فأعانه بخمسة عشر صاعاً وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين" .

وعلم أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لأنه في التحريم غاية فإن كان شرعاً متقدماً فالآية ناسخة له ولا سيما فيمن روى أنه  قال لها: حرمت عليه.

وإن كان عادة الجاهلية فلا نسخ لأن النسخ لا يوجد إلا في الشرائع.

ثم إنه  وبخ العرب أوّلاً بقوله ﴿ الذين يُظاهِرُونَ منكم ﴾ ثم بين الحكم العام في الآية الثانية ولهذا لم يورد لفظة منكم ونحن نبني تفسير الآية على أبحاث الأول في معنى الظهار وهو عبارة عن قول الرجل لامرأته "أنت عليّ كظهر أمي" فاشتقاقه من الظهر.

وقال صاحب النظم: ليس الظهر بذلك أولى في هذا المطلوب من سائر الأعضاء التي هي موضع التلذذ فهو مأخوذ من ظهر إذا علا وغلب وبه سمي المركوب ظهراً لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل مركبه وظهر له.

والدليل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلقتها.

وفي لفظ الظهار إضمار والتقدير: ظهرك عليّ أي علوي وركوبي عليك حرام علي كعلو أمي.

ثم لا مناقشة بين العلماء في الصلات فلو قال: أنت معي أو عندي أو مني أو لي كظهر أمي صح ظهاره.

وكذا لو ترك الصلات كلها وقال: أنت كظهر أمي كما أن قوله "أنت طالق" صريح وإن لم يقل "مني" أما إذا شبهها بغير الظهر فذهب الشافعي إلى أن ذلك العضو إن كان مشعراً بالإكرام كقوله أنت علي كروح أمي أو عين أمي صح ظهاره إن أراد الظهار لا الإكرام وإلا فلا.

وإن لم ينو شيئاً ففيه قولان، وإن لم يكن مشعراً بالكرامة كقوله أنت كرجل أمي أو كيدها أو بطنها ففي الجديد ظهار، وفي القديم لا، وقد يرجح هذا البراءة الأصلية.

وقال أبو حنيفة: إن شبهها بعضو من الأم يحل له النظر إليه كاليد أو الرأس لم يكن ظهاراً، وإن شبهها بعضو يحرم النظر إليه كالبطن والفخذ كان ظهاراً.

وفي التشبيه بالمحرمات الأخر من النسب أو الرضاع سوى الأم في الجديد وعليه أبو حنيفة أنه ظهار لعموم قوله ﴿ يظاهرون ﴾ ومن قصره على الأم احتج بقوله بعده ﴿ ما هنّ أمهاتهم ﴾ وبأن حرمة الأم أشد.

البحث الثاني في المظاهر وفيه مسائل: الأولى: قال الشافعي: كل من صح طلاقه صح ظهاره وإن كان خصياً أو مجبوباً، ويتفرع عليه أن ظهار الذمي صحيح.

حجة الشافعي عموم قوله  ﴿ والذين يظاهرون ﴾ وأيضاً تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك بدليل صحة طلاقه.

وأيضاً إيجاب الكفارة للزجر عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور وهذا المعنى قائم في حق الذمي.

وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح ظهاره.

واحتج أبو بكر الرازي لهما بأن قوله ﴿ والذين يظاهرون منكم ﴾ خطاب للمؤمنين.

وأيضاً من لوازم الظهار تصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع لأنه مع الكفر باطل، وبعد الإسلام غير لازم لأنه يجب ما قبله.

وأجيب عن الأول بأن قوله ﴿ منكم ﴾ خطاب للحاضرين فلم قلتم: إنه يختص بالمؤمنين؟

على أن التخصيص بالذكر عندكم لا يدل على نفي ما عداه.

وأيضاً العام عندكم إذا أورد بعد الخاص كان ناسخاً للخاص.

وعن الثاني أن من لوازم الظهار أيضاً أنه حين عجز عن الصوم اكتفي منه بالإطعام فهو ههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفي فيه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز زال السؤال.

وأيضاً الصوم بدل عن الإعتاق والبدل أضعف عن المبدل.

ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره بالاتفاق فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب منع الظهار ففوات الأضعف كيف يمنع؟

وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي في الجواب: نقول للذمي إن أردت الخلاص من التحريم فأسلم وصم قوله الإسلام يجب ما قبله.

قلنا: إنه عام والتكفير خاص والخاص مقدّم على العام.

الثانية قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو ظاهر ولو قال شهراً فقد قال أبو حنيفة والشافعي: بطل ظهاره بمضي المدة وكان قبل ذلك صحيحاً لام روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة فأمره النبي  بتحرير رقبة.

وأما بطلان ظهاره بعد المدة فلمقتضى اللفظ كما في الأيمان.

فإذا مضت المدة حل الوطء لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته.

وقال مالك وابن أبى ليلى: هو مظاهر أبداً.

البحث الثالث في المظاهر عنها.

ويصح الظهار عن الصغيرة والمجنونة والأمة المتزوّجة والذمية والرتقاء والحائض والنفساء، ولا يصح عن الأجنبية سواء أطلق أو علق بالنكاح فقال "إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي".

ويصح عن الرجعية ولا يصح عن الأمة وأم الولد عند أبي حنيفة والشافعي لأن قوله  ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ﴾ يتناول الحرائر دون الاماء كما في قوله ﴿ أو نسائهن  ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله ﴿ أو ما ملكت أيمانهن  ﴾ وقال مالك والأوزاعي: يصح لأن قوله ﴿ من نسائهم ﴾ يشمل ملك اليمين لغة.

وفي الآية سؤال وهو أن المظاهر شبّه الزوجة بالأم ولم يقل إنها أم فيكف أنكر الله عليه بقوله ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ وحكم بأنه منكر وزور؟

والجواب أن قوله " أنت عليّ كظهر أمي " إن كان إخباراً فهو كذب لأن الزوجة حلال والأم حرام وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن كان إنشاء كان معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، ولما لم يرد الشرع بهذا السبب كان الحكم به كذباً وزوراً ولهذا أوجب الله  الكفارة على صاحب القول بعد العود.

سؤال آخر قوله  ﴿ إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ﴾ ظاهره يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة لكنه قال في موضع آخر ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم  ﴾ وقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم  ﴾ أجاب في الكشاف بأنه يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن بسبب الإرضاع، أو لكونها زوجة النبي  الذي هو أبو الأمة.

وأما الزوجات فلسن من أحد القبيلين وكان قول المظاهر منكراً لمخالفة الحقيقة وزوراً لعدم موافقة الشرع.

قوله ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ قال الفراء: لا فرق في اللغة بين قولك عاد لما قال وإلى ما قال وفيما قال.

وقال أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان قال الله  ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا  ﴾ وقال ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ } [الصافات: 23] وقال أهل اللغة: إذا قال قائل عاد لما فعل جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى وهذا ظاهر، وجاز أن يريد أن نقض ما فعل لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعودة إليه، وإلى هذا ذهب أكثر المجتهدين إلا أن الشافعي قال: معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق قعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك أنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق دل على أنه ندم على ما ابتدأه من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة.

واعترض أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عليه من وجهين: الأول أنه  قال ﴿ ثم يعودون ﴾ وكلمة " ثم " تقتضي التراخي.

وعلى قول الشافعي يكون المظاهر عائداً عقيب القول بلا تراخ وهذا خلاف مفهوم الآية.

الثاني أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها فلا يكون إمساك الزوجة نقضاً لما قال.

وأجيب عن الأول بأنه يوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك.

والتحقيق أن العبرة بالحكم ونحن لا نحكم بالعود ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه فقد تأخر كونه عائداً عن كونه مظاهراً بهذا القدر من الزمان وهذا يكفي في العمل بمقتضى كلمة " ثم ".

وعن الثاني أن المراد إمساكها على سبيل الزوجية واللفظ محتمل لهذا وإمساك الأم بهذا الوجه محرم.

وقال أبو حنيفة: معناه استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وذلك أنه لام شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحتها كان مناقضاً لقوله " أنت عليّ كظهر أمي".

وقال مالك: العود إليها عبارة عن العزم على جماعها، وضعف بأن العزم على جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة هو القصد إلى استحلال جماعها فيرجع إلى قول أبي حنيفة.

ولا يرد عليه إلا أنه خص وجه التشبيه من غير دليل، والذي ذكره الشافعي أعم وأقل ما يطلق عليه اسم العود فكان أولى.

وعن طاوس والحسن أن العود إليها عبارة عن جماعها وخطىء لقوله ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ وإذا كان التكفير قبل الجماع والتكفير لا يثبت إلا بعد العود فالعود غير الجماع.

وأما الاحتمال الأول وهو أن العود لما فعل هو فعلة مرة أخرى ففيه أيضاً وجوه: الأول: قول الثوري: إن العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وزيف بأنه يرجع حاصل المعنى إلى قوله ﴿ والذين ﴾ كانوا ﴿ يظاهرون من نسائهم ﴾ في الجاهلية ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ في الإسلام ﴿ فكفارته ﴾ كذا وكذا وهذا إضمار من غير دليل مع أنه خلاف الأصل.

الثاني قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فهو عود وإلا فلا.

وضعف بحديث أوس وحديث سلمة بن صخر قال رسول الله  : لزمهما الكفارة مع أنهما لم يكررا الظهار.

الثالثة: قال أبو مسلم الأصفهاني: العود هو أن يحلف على ما قال أوّلاً من لفظ الظهار فإذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياساً على ما لو قال في بعض الأطعمة " إنه حرام عليّ كلحم الآدمي " فإنه لا يلزمه الكفارة إلا إذا حلف عليه.

ورد بأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين.

وعندي أن هذا الرد مردود لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة في الصورتين من غير يمين وجوبها في كل صورة بلا يمين.

نعم يرد على أبي مسلم أن تفسير العود بالحلف إثبات اللغة بالقياس، ولا يخفى أن العود لما قالوا على هذا الاحتمال ظاهر لأنه أريد بالقول اللفظ.

وأما الاحتمال الآخر فيحتاج إلى تأويل القول بالمقول فيه وهو ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار كما مر في قوله ﴿ ونرثه ما يقول  ﴾ أي المال والواو للحال.

مسائل: الأولى: الجديد وأبو حنيفة أن الظهار يحرم جميع جهات الاستمتاعات لأن قوله  ﴿ من قبل أن يتماسا ﴾ يعم جميع ضروب المس من المس بيد وغيرها.

"وروى عكرمة أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي  فأخبره بذلك فقال: اعتزلها حتى تكفِّر" .

الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مراراً فقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفّارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد.

وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفّارة واحدة.

وحجتهما أنه  رتب الكفّارة على التلفظ بكلمة الظهار والمعلول يتكرر بتكرر العلة، ويتفرع عليه أنه لو كانت تحته أربع نسوة وقال لهن: أنتن عليّ كظهر أمي لزمه أربع كفارات لأن الحكم يتكرر ويتعدّد المحل.

حجته أنه رتب الكفارة على مطلق الظهار والمطلق شامل للمتعدد، ونوقض باليمين فإن الكفارة لازمة في كل يمين.

الثالثة: دلت على إيجاب الكفارة قبل التماس فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق، لأن سلمة بن صخر قال لرسول الله  : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها.

فقال عليه الصلاة والسلام: استغفر ربك ولا تعد حتى تكفّر.

وقال بعضهم ومنهم بعد الرحمن بن مهدي: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان.

الرابعة: لا ينبغي للمرأة أن تدع الزوج يقربها حتى يكفّر فإن تهاون حال الإمام بينهما ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع.

قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها.

الخامسة: قد ذكرنا أن الاستمتاعات محرمة عليه إلى أن يكفّر وذلك صريح في تحرير الربة وفي الصيام والآن نقول: إن التكفير بالإطعام أيضاً كذلك وإن لم يتعرض للتماس في قوله ﴿ فإطعام ستين مسكيناً ﴾ حملاً للمطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة، وللأقل وهو صورة واحدة على الأكثر وهذه من فصاحات القرآن.

السادسة: مذهب أبي حنيفة أن هذه الرقبة تجزي وإن كانت كافرة لإطلاق الآية.

وقال الشافعي: لا بد أن تكون مؤمنة قياساً على كفارة القتل.

والجامع أن الإعتاق إنعام والمؤمن أولى به، ولأن المشركين نجس وكل نجس خبيث بالإجماع.

وقال الله  ﴿ ولا تيمموا الخبيث  ﴾ ولا تجزي أم الولد ولا المكاتب عند الشافعي لضعف الملكية فيه ولا يحصل الجزم بالخروج عن العهدة.

وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً جاز عن الكفارة لأنه رقبة بدليل قوله ﴿ وفي الرقاب  ﴾ وإن أعتقه بعد أن يؤدي شيئاً لم يجز.

والمدبر يجزي عند الشافعي ولا يجزي عند أبي حنيفة.

السابعة: يعتبر في الرقبة بعد الإيمان على خلاف فيه السلامة عن العيوب لا التي يثبت بها الرد في البيع ولكن التي تخل بالعمل والاكتساب لأن المقصود هناك المالية وههنا تكميل حاله ليتفرغ للعبادات والوظائف المخصوصة بالأحرار، فلا يجزي مقطوع اليدين أو الرجلين أو إحداهما ولا المجنون، ويجزي الأعور والأصم والأخرس ومقطوع الأذنين أو الأنف أو أصابع الرجلين لا أصابع اليد لأن البطش والعمل يتعلق بها.

والعبد الغائب.

إن انقطع خبره لا يجزي ولو أعتق بعده عن كفارته شرط أن يردّ ديناراًَ أو غيره لم يجز بل يجب أن يكون الإعتاق خالياً من شوائب العوض.

الثامنة: كفارة الظهار مرتبة على ما في الآية.

فإن كان في ملكه عبد فاضل عن حاجته فواجبه هو، وإن احتاج إلى خدمته لمرض أو كبر أو لأن منصبه يأبى أن يخدم نفسه لم يكلف صرفه إلى الكفارة، ولو وجد ثمن العبد فكالعبد.

والشرط أن يفضل عن حاجة نفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم وعن المسكن وما لا بدّ له من الأثاث ولو كانت له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه ويفي ما يحصل منهما بكفايته بلا مزيد ولو باعهما لارتدّ إلى حد المساكين لم يكلف صرفه إلى الكفارة.

ولو وجد ثمن العبد فكالعبد والشرط بيعها وإن كان ماله غائباً أو لم يجد الرقبة في الحال لم يجز العدول إلى الصوم بل يصبر، وإن كان يتضرر بامتناع الابتياع لأنه  قال ﴿ فمن لم يجد ﴾ وهو واجد.

أما من كان مريضاً في الحال ولا يقدر على الصوم فإنه ينتقل إلى الإطعام لأنه  قال ﴿ فمن لم يستطع ﴾ وهو غير مستطيع، والمآل غير معلوم ولا هو متعلق باختياره بخلاف إحضار المال أو تحصيل الرقبة فإن ذلك قد يمكنه.

التاسعة: لو أطعم مسكيناً واحداً ستين مرة لا يجزي عند الشافعي لظاهر الآية، ولأن إدخال السرور في قلب ستين أجمع وأقرب من رضا الله.

وقال أبو حنيفة: يجزي.

العاشرة: الشبق المفرط والغلمة عذر عند الأكثرين في الانتقال إلى الإطعام كما في قصة الأعرابي وهل أتيت إلا من قبل الصوم فأمره النبي  وقال: أطعم.

وحمله آخرون على خاصة الأعرابي.

ولنكتف بهذا القدر من المسائل الفقهية في تفسير آية الظهار.

قال الزجاج ﴿ ذلكم توعظون ﴾ أي ذلك التغليظ وعظ لكم حتى تتركوا الظهار.

وحين ذكر حكم الآية عقبه بقوله ذلك فيحتمل أن يعود إلى مطلق بيان كفارة الظهار، ويحتمل أن يعود إلى التخفيف والتوسيع لتصدقوا بالله ورسوله فإن التخفيف مناسب للتصديق والعمل بالشريعة ﴿ وللكافرين ﴾ الذين استمروا على أحكام الجاهلية ﴿ عذاب أليم ﴾ وإنما قال في الآية الثانية ﴿ عذاب مهين ﴾ ليناسب قوله ﴿ كبتوا ﴾ أي أخزوا وأهلكوا.

قيل: أريد كبتهم يوم الخندق.

وفي الحدود مع المحادة نوع من التجانس، والمحادّة المشاقة من الحد الطرف كأن كلاً من المتخاصمين في طرف آخر كالمشاقة من الشق.

وقال أبو مسلم: هي من الحديد كأن كلا منهما يكاد يستعمل الحديد أي السيف وهم المنافقون أو الكافرون على الإطلاق.

قوله ﴿ أحصاه الله ﴾ أي أحاط بما عمل كل منهم كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً ﴿ ونسوه ﴾ لكثرته أو لقلة اكتراثهم بالمعاصي وإنما يحفظ معظمات الأمور.

ثم قرر كمال علمه بقوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة ﴾ نفر ويجوز أن يكون ثلاثة وصفاً للنجوى على حذف المضاف أي من أهل نجوى، أو لأنهم جعلوا نجوى مبالغة وكذلك كل مصدر وصف به.

قال الزجاج: هي مشتقة من النجوة المكان المرتفع لأن الكلام المذكور سراً يجل عن استماع الغير.

سؤال: لم ذكر الثلاثة والخمسة وأهمل ذكر الاثنين والاربعة؟

الجواب من وجوه أحدها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين وكانوا على هذين العددين فحص صورة الواقعة بالذكر.

عن ابن عباس أن ربيعة وحبيباً ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً مّا يتحدثون فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول.

فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً.

وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلم كله فنزلت.

قالت جماعة: الحق مع الثالث فلعل الآخر كان فلسفي الاعتقاد القائل بأنه  يعلم الكليات دون الجزئيات.

ثانيها أن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن الله  وتر ولأن الزوج يحتاج إلى الوتر دون العكس كالواحد.

وثالثها أن المتشاورين الاثنين كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحكم وهكذا في كل زوج اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من واحد يكون حكماً فذكر  الفردين الأولين تنبيهاً على الأفراد الباقية.

ورابعها أن هذا إشارة إلى كمال المرحمة، وذلك أن الثلاثة إذا أخذ اثنان منهم في التناجي والمسارّة بقي الواحد ضائعاً وحيداً فيضيق قلبه فيقول الله  : أنا جليسك وأنيسك.

وكذا الخمسة إذا اجتمع اثنان اثنان منهم بقي الخامس فريداً فنفس الله  عنه ببشارة المعية.

وهذا التأويل لا يتأتى في الاثنين والأربعة فأهمل ذكرهما.

وفيه أن من انقطع عن الخلق لم يتركه الله ضائعاً.

وخامسها وهو من السوانح.

أنه  لما أراد تكميل الكلام بقوله ﴿ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ﴾ لم يكن بد من الابتداء بالثلاثة مع أنها عدد أكثري في التشاور، ثم بالخمسة ليكون لكل من العددين طرفا قلة وكثرة.

وفيه أيضاً من الفصاحة أنه لم يقع حروف الأربعة مكرراً إذ لو قال " ولا أربعة إلا وهو خامسهم " على ما وقع في مصحف عبد الله لكان في ذكر الرابع والأربعة شبه تكرار.

ولعل في الآية إشارة إلى التناجي لا ينبغي أن يكون إلا بين اثنين إلى ستة لتكون الزيادة على الخمسة بقدر احتمال النقصان على الثلاثة، ويعضده ما روي أن عمر بن الخطاب ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، وهذه من نكت القرآن زادنا الله اطلاعاً عليها.

قال أكثر المفسرين: كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون بذلك غيظهم، فنهاهم رسول الله  عن ذلك فعادوا لمثله وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمحالفة الرسول  فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ الآية منهم من قال: هم المنافقون ومنهم من قال: فريق من الكفار.

والأول أقرب بدليل قوله ﴿ وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك ﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون " السلام عليك يا محمد " والله  يقول ﴿ وسلام على عباده الذين اصطفى  ﴾ و " يا أيها الرسول " و " يا أيها النبي ".

وحديث عائشة مع اليهود في هذا المعنى مذكور مع شهرته وكانوا يقولون: ما له إن كان نبياً لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فأجاب الله  عن قولهم بأن جهنم تكفيهم.

قال أبو علي: التناجي والانتجاء بمعنى نحو اجتوروا واعتوروا في معنى تجاوروا وتعاوروا.

ثم نهى المؤمنين عن مثل تلك النجوى وهو ظاهر.

وقال جمع من المفسرين: وهو خطاب المنافقين الذين آمنوا باللسان دون مواطأة القلوب.

وأعلم أن المناجاة إذا كانت على طريقة البر والتقوى فقلما تقع الداعية إلى كتمانها فلا تكره النجوى ولا يتأذى بها أحد إذا عرفت سيرة المناجي فلهذا أمر الله  أن لا يقع التناجي إلا على وجه البر.

قوله ﴿ إنما النجوى ﴾ الألف واللام فيه لا يمكن أن تكون للاستغراق أو للجنس، فمن النجوى ما تكون ممدوحة لاشتمالها على مصلحة دينية أو دنيوية فهي إذن للعهد وهو التناجي بالإثم والعدوان زينة الشيطان لأجلهم ﴿ ليحزن ﴾ الشيطان، أو التناجي المؤمنين وكانوا يقولون ما نراهم متناجين إلا وقد بلغهم عن أقاربنا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا أو هربوا.

ثم بين أن الشيطان أو الحزن لا يضر المؤمن أصلاً إلا بمشيئة الله وإرادته.

عن النبي  " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه" وفي رواية " دون الثالث".

وحين نهى  عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر حثهم على ما يوجب مزيد المحبة والألفة.

والتفسح في المجلس التوسع لله والمراد مجلس رسول الله  كانوا يتضامّون فيه تنافساً في القرب منه وحرصاً على استماع كلامه.

ومن قرأ على الجمع جعل لكل جالس مجلساً على حدة.

وقيل: هو المجلس من مجالس القتال أي مراكز القتال.

كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا.

فيأبون حرصاً على الشهادة.

والقول الأول أصح.

قال مقاتل بن حيان: كان  يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي  ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله  ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان قم يا فلان.

فلم يزل كذلك حتى أقعد النفر الذين هم قيام بين يديه فعرفت الكراهية في وجه من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك قالوا: والله ما عدل على هؤلاء وإن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم فأجلس من أبطأ عنه فنزلت ﴿ وإذا قيل انشزوا ﴾ أي انهضوا للتوسعة على المقبلين فانشزوا ولا تملوا رسول الله  بالارتكاز فيه ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم ﴾ أيها الممتثلون والعالمين منهم خاصة ﴿ درجات ﴾ قال بعض أهل العلم: المراد به الرفعة في مجلس النبي  وهو مناسب للمقام لقوله "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي" " والمشهور أنه الرفعة في درجات ثواب الآخرة وقد أطنبنا في فضيلة العلم في أوائل البقرة عند قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ والأمر يقتضي أن يقتدى بالعالم في كل شيء ولا يقتدى بالجاهل في شيء، وذلك أنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات ومحاسبة النفس ما لا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها ما لا خبر فيه عند غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق ما لا يتحفظ غيره ولكنه كما تعظم منزلته عند الطاعة ينبغى أن يعظم عتابه عند التقصيرات حتى كاد تكون الصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، واللهم ثبتنا على صراطك المستقيم ووفقنا للعمل بما فهمنا من كتابك الكريم.

قال ابن عباس: كان المسلمون أكثروا المسائل على رسول الله  حتى شقوا عليه وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت آية النجوى شح كثير من الناس فكفوا عن المسئلة.

وقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء في مجلس النبي  وأكثروا مناجاته فأمر الله بالصدقة عند المناجاة فازدادت درجة الفقراء وانحطت رتبة الأغنياء وتميز محب الآخرة عن محب الدنيا.

قال بعضهم: هذه الصدقة مندوبة لقوله ﴿ ذلك خير لكم ﴾ ولأنه أزيل العمل به بكلام متصل وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ والأكثرون على أنها كانت واجبة لظاهر الأمر , والواجب قد يوصف بكونه خيراً ولا يلزم من اتصال الآيتين في القراءة اتصالهما في النزول.

وقد يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ كما مر في آية الاعتداد بالحول في البقرة.

واختلفوا في مقدار تأخرها: فعن الكلبي ما بقى ذلك التكليف إلا ساعة من نهار.

وعن مقاتل بقي عشرة أيام.

وعن علي  : لما نزلت الآية دعاني رسول الله  فقال: ما تقول في دينار؟

قلت: لا يطيقونه.

قال: كم؟

قلت: حبة أو شعيرة.

قال: إنك لزهيد أي إنك لقليل المال فقدرت على حسب مالك.

وعنه  : إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي.

كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم.

قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله  .

قال القاضي: هذا لا يدل على فضله على أكابر الصحابة لأن الوقت لعله لم يتسع للعمل بهذا الفرض.

وقال فخر الدين الرازي: سلمنا أن الوقت قد وسع إلا أن الاقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئاً وينفر الرجل الغني ولم يكن في تركه مضرة.لأن الذي يكون سبباً للألفة أولى مما يكون سبباً للوحشة.

وأيضاً الصدقة عند المناجاة واجبة: أما المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة بل الأولى ترك المناجاة لما بيّنا من أنها كانت سبباً لسآمة النبي  .

قلت: هذا الكلام لا يخلو عن تعصب مّا.

ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي  في كل خصلة، ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة.

فقد روي عن ابن عمر كان لعلي  ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة  ا وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.

وهل يقول منصف إن مناجاة النبي  نقيصة على أنه لم يرد في الآية نهي عن المناجاة وإنما ورد تقديم الصدقة على المناجاة فمن عمل بالآية حصل لهالفضيلة من جهتين: سدّ خلة بعض الفقراء، ومن جهة محبة نجوى الرسول  ففيها القرب منه وحل المسائل العويصة وإظهار أن نجواه أحب إلى المناجي من المال والظاهر أن الآية منسوخة بما بعدها وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ إلى آخرها.

قاله ابن عباس.

وقيل: نسخت بآية الزكاة.

أما أبو مسلم الذي يدعي أن لا نسخ في القرآن فإنه يقول: كان هذا التكليف مقدراً بغاية مخصوصة ليتميز الموافق من المنافق والمخلص من المرائي، وانتهاء أمد الحكم لا يكون نسخاً له.

ومعنى الآية أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق المنقص للمال الذي هو أحب الأشياء إليكم ﴿ فإذا لم تفعلوا ﴾ ما أمرتم به ﴿ وتاب الله عليكم ﴾ ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.

ومن زعم أن العمل بآية النجوى لم يكن من الطاعات قال: إنه لا يمتنع أن الله  علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب فقال: إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله وأقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف.

قال المفسرون: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله  ثم يرفع حديثه إلى اليهود.

فبينا رسول الله  في حجرة من حجراته إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق فقال له النبي  : علام تشتمني أنت وأصحابك؟

فحلف بالله ما فعل.

فقال رسول الله  : بل فعلت.

فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا ﴾ أي وادّوا ﴿ قوماً غضب الله عليهم ﴾ وهم اليهود ﴿ ما هم منكم ﴾ لأنهم ليسوا مسلمين بالحقيقة ﴿ ولا منهم ﴾ لأنهم كانوا مشركين في الأصل ﴿ ويحلفون على الكذب ﴾ وهو ادعاء الإسلام.

وفي قوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على إبطال قول الجاحظ إن الخبر الكذب هو الذي يكون مخالفاً للمخبر عنه مع أن المخبر يعلم المخالفة وذلك أنه لو كان كما زعم لم يكن لقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فائدة بل يكون تكراراً صرفاً.

قال بعض المحققين: العذاب الشديد هو عذاب القبر، العذاب المهين الذي يجيء عقيبه هو عذاب الآخرة.

وقيل: الكل عذاب الآخرة لقوله ﴿ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب  ﴾ قال جار الله: معنى قوله ﴿ إنهم ساء ما كانوا يعملون ﴾ إنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول مصرين على سور العمل، أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة.

ومعنى الفاء في ﴿ فصدوا ﴾ أنهم حين دخلوا في حماية الايمان بالأيمان الكاذبة وأمنوا على النفس والمال اشتغلوا بصدّ الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات وتقبيح حال المسلمين.

ويروى أن رجلاً منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا فنزل ﴿ لن تغني عنهم ﴾ الآية.

ثم أخبر عن حالهم العجيبة الشأن وهو أنهم يحلفون يوم المحشر لعلام الغيوب كما يحلفون لكم في الدنيا وأنتم بشر يخفى عليكم السرائر ﴿ ويحسبون أنهم على شيء ﴾ من النفع.

والمراد أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف.

قال القاضي والجبائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون.

ومعنى الآية أنهم يحلفون في الآخرة إما ما كنا كافرين عند أنفسنا.

وقوله ﴿ ألا أنهم هم الكاذبون ﴾ في الدنيا.

ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف وقد مر البحث في قوله ﴿ والله ما كنا مشركين  ﴾ ثم بين أن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك.

ومعنى استحوذ استولى وغلب ومنه قول عائشة في حق عمر: كان أحوذياً أي سائساً غالباً على الأمور وهو أحد ما جاء على الأصل نحو " استصوب واستنوق" احتج القاضي به في خلق الأعمال بأن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذباً، ولكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان.

والجواب ظاهر مما سلف مراراً فإن الكلام في الانتهاء لا في الوسط.

قوله ﴿ أولئك في الأذلين ﴾ قال أهل المعنى: إن ذل أحد الخصمين تابع لعز الخصم الآخر.

ولما كانت عزة أولياء الله  غير متناهية فذل أعدائه لا نهاية له فهم إذن أذل خلق الله.

ثم قرر سبب ذلهم بقوله ﴿ كتب الله ﴾ في اللوح ﴿ لأغلبن أنا ورسلي ﴾ إما بالحجة وحدها أو بها وبالسيف.

قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم.

فقال عبد الله بن أبيّ: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم عليها؟

كلا والله إنهم أكثر عدداً وعدّة فنزلت الآية.

ثم بين أن الجمع بين الإيمان الخالص وموادّة من حادّ الله ورسوله غير ممكن ولو كان المحادّون بعض الأقربين.

وقال جار الله: هذا من باب التمثيل والغرض أنه لا ينبغي أن يكون وحقه أن يمتنع ولا يوجد.

قلت: لو اعتبر كل من الأمرين من حيث الحقيقة كان بينهما أشد التباين ولا حاجة إلى هذا التكلف إلا أن يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على الظاهر فحينذ قد يجتمعان كما في حق أهل النفاق، وكما يوجد بعض أهل الإيمان يخالط بعض الكفرة ويعاشرهم لأسباب دنيوية ضرورية.عن النبي  " "لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني أجد فيما أوحي إليّ" ﴿ لا تجد قوماً ﴾ يروى أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله  فصكه صكة سقط منها فقال له رسول الله  : أو قد فعلته؟

قال: نعم.

قال: لا تعد.

قال: والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته.

وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح فقتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي كثير من أكابر الصحابة أعرضوا عن عشائرهم وعادوهم لحب الله ورسوله.

فذهب جمع من المفسرين إلى أنها نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي  إليهم عام الفتح وسيجيء في الممتحنة.

والأظهر عندي نزولها في المؤمنين الخلص لقوله ﴿ أولئك كتب ﴾ أي أثبت ﴿ في قلوبهم الإيمان ﴾ إثبات المكتوب في القرطاس.

وقيل: معناه جمع.

والتركيب يدور عليه أي استكلموا أجزاء الإيمان بحذافيرها ليسوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

قوله ﴿ وأيدهم بروح منه ﴾ قال ابن عباس: أي نصرهم على عدوّهم.

وسمي النصرة روحاً لأن الأمر يحيا بها.

ويحتمل أن يكون الضمير للإيمان على أنه في نفسه روح فيه حياة القلوب والباقي ظاهر والله أعلم وإليه المصير وبيده التوفيق والإتمام بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ قال جماعة من أهل التفسير: إنها نزلت في أوس بن الصامت - أخي عبادة بن الصامت - وامرأته، غير أهم اختلفوا في اسم امرأته.

قال ابن عباس -  -: كان اسمها خولة.

وعن عائشة -  ا - أنها كانت جميلة.

وقال بعضهم بأنها كانت تسمى: خويلة على تصغير خولة.

وروي في بعض الروايات أنه كان سبب هذا القول من أوس لزوجته لما دعاها ليلة إلى فراشه، وكانت امرأتُهُ بحيث لا يحل له التمتع بها؛ فأبت عليه، وأرادت أن تخرج من البيت؛ فقال لها: "إن خرجت من البيت فأنت علي كظهر أمي"، فخرجت، فلما أصبحت قال لها زوجها: ما أراك إلا قد حرمت علي، قالت: والله ما ذكرت لي طلاقا، قال: فَأتت رسول الله  واسأليه، فإني أستحي أن أسأله عن هذا، فأتت رسول الله  وأخبرته، فنزلت فيهما هذه الآية.

وروي في بعض الأخبار أن أول من ظاهر [من] امرأته أوس، قال: وكان [به] لمم، فقال في بعض ضجراته ذلك القول، وهذا يرويه محمد بن كعب القرظي، لكنه لا يحتمل أن يكون أراد باللمم الجنون؛ لأن المجنون لو طلق امرأته لا يقع الطلاق فضلا أن يكون ظهاره ظهارا.

وتأويل قوله: "وكان به لمم"، أي: فضل غضب وشدة؛ فكأه لم يكن به حلم، ثم اختلفت الروايات في شأنها وشأن زوجها: منهم من روى - وهو محمد بن كعب -: أنها أتت رسول الله  وقالت: إن أوسا أبو ولدي، وابن عمي، وأحب الناس إلي، وقال كليمة؛ والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، قال: أنت علي كظهر أمي.

فقال لها رسول الله  : "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" قالت: يا رسول الله، لا تقل ذاك ما ذكر طلاقاً، فقال رسول الله  : "ما أراك إلا وقد حرمت عليه"، وكررت المرأة ذلك، ويرد رسول الله  ، ثم قالت: "اللهم إني أشكو إليك شدة وجدي به، وما يشق علي من فراقه، اللهم أنزل على نبيك، فأنزل الله  : ﴿ قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ﴾ .

وفي بعض الأخبار رواها الكلبي: أنها أتت رسول الله  فقالت: يا رسول الله، إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني يوم تزوجني وأنا شابة، ذات أهل كثير ومال كثي، فأكل شبابي حتى إذا كبرت عنده سني، وذهب أهلي، وتفرق مالي، وضعفت - جعلني عليه كظهر أمه، ثم تركني إلى غير شيء، وقد ندم وندمت؛ فهل من شيء يجمعني وإياه يا رسول الله؟!

فقال -  -: "أطلقلك؟" قالت: لا، قال: "ما أمرت في شأنك من شيء، فإن نزل علي في شأنك شيء أبينه لك، فرفعت يديها إلى السماء تدعوه وتتضرع إليه أن ينزل إليه بيان أمرهما، ثم خرجت من عنده، وأتت زوجها، فنزل جبريل -  - بهذه الآية.

وروي ي بعض الأخبار أنها أتت رسول الله  فقالت: إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وإني شابة ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وكبرت سني، ورق عظمي، وباد أهلي - جعلني عليه كظهر أمه، ولي منه صبيان إن أنا وكلتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلى نفسي جاعوا، فقال النبي  : "اغربي فعلك الظالمة لزوجك"، فقالت: يا أمين الله في أرضه، إنه لظالم لي، فقال: "اذهبي؛ فإن فيكن الضعف والعجز" قال: فجعلت تجادله، فلما رأت أنه لا يرفع بها رأسا، ولا تجد عنده مخرجا، خرجت فرفعت طرفها إلى السماء تشكو إلى الله صنع زوجها بها، وقالت: "اللهم إني أتيت [أمينك في] أرضك، فلم يرفع لي رأسا، فتول اليوم حاجتي، وارحم ضعفي وقلة حيلتي"، فلم تصل منزلها حتى هبط جبريل -  - بالوحي: ﴿ قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ فدعا أوسا زوجها فقال: "ما الذي حملك على ما صنعت بخولة، وقد أنزل الله فيها ما أنزل؟"، وبعث إليها فرحب بها، فقال: يار سول الله عمل الشيطان، فهل من أمر يجمعني الله وأياها؟

قال: نعم، ثم تلا عليهم آية الكفارة إلى آخرها.

ثم بين هذه الرويات اختلاف: ذكر في رواية القرطبي أنه قال -  -: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" وفي رواية قال لها: "ما أمرت في شأنك من شيء"، لكنمه يمكن التوفيق بين الخبرين، وهو أن قوله: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" على ما كان أهل الجاهلية يرونه محرما، فقال: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه، من ذا الوجه، لكنه لم ينزل علي شيء في بيان هذا، فإن ينزل شيء على في هذا أبينه لك.

والثاني: أن ليس في قوله: "ما أراك" إثبات حرمة، بل هو قول على الظن بما قد كان الناس يعرفون بينهم لذلك القول، ويجوز أن يراد التقرير على ذلك، أو يرد لهذه الحادثة الحرمة بالوحي، فتوقف في الجواب مع الإشارة لها بالامتناع من الزوج؛ احتياطا لباب الحرمة، والله أعلم.

ثم إن بعض الفقهاء ذكر الاختلاف بين السلف في حكم الظهار قبل نزول الآية: عن عكرمة أنه قال: كانت النساء تحرم بالظهار حتى أنزل الله  هذه الآية، وكان طلاقا قبل نزول الآية، فجعله الله  بهذه الآية ظهارا.

وعن أبي قلابة وغيره: كان طلاقهم في الجاهلية الإيلاء والظهار.

وعن أبي هريرة -  -: أ،ه قال: إنما كان طلاق أهل الجاهلية الظهار، وقد جعل لهذه الأمة حرمة ترتفع وتزول بالكفارة التي أوجب.

وعن الحسن أنه قال: كان الظهار أشد الطلاق، وأحرم الحرام، إذا ظاهر من امرأته لم يرجع إليها أبدا.

والأشبه أنه لا يكون طلاقا في الإسلام لو كان يكون في الجاهلية، وأنه [لا] يكون موجبا حرمة لا ترتفع أبدا؛ كما قال الحسن؛ فإنه ذكر في حديث خولة أن زوجها لما قال لها: ما أراك إلا وقد حرمت علي، قالت: والله ما ذكرت لي طلاقا، ولو كان الظهار طلاقا لمعرفته، وكذلك لما أخبرت رسول الله  أنه قال لي: أنت علي كظهر أمي، فقال -  -: "ما أراك وقد حرمت عليه"، قالت: يا رسول الله، لا تقل ذاك؛ ما ذكر طلاقا، ولم يرد عليها اعتقادها في أن الظهار طلاق، وكذلك ما روي في رواية أخرى في حديث طويل: جعلني عليه كظهر أمه، ثم تركني إلى غير شيء، فهل من شيء يجمعني وإياه يا رسول الله؟

فقال -  -: "أطلقك؟" قالت: لا، قال: "ما أمرت في شأنك من شيء"، ولو كان الظهار طلاقا بعد الإسلام قبل نزول هذه الآية لما فقال: "أطلقلك؟" بعدما قالت: "جعلني عليه كظهر أمه"، ولما قال: "ما أمرت في شأنك من شيء"، وحكم شريعته أنه طلاق مزيل للملك، دل هذا يقرر ما قلنا إنه ذكر في حديث خولة وأوس أنه أول من ظاهر في الإسلام فكيف يكون طلاقا؟!

فإن قيل: أليس  قال: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه"، والحرمة التي لا ترفع النكاح بالظهار إنما ثبتت بعد نزول الآية، والآية نزلت بعد صدور القول من أوس من الصامت؛ فدل أن مراده تحريم الطلاق، فهذا يدل على أن هذا الحكم كان ثابتا في شريعته قبل نزول آية الظهار بوحي غير متلو وإن كان قبل ذلك في حكم الجاهلية، فكذلك ذلك الزوج قال للمرأة - أيضا -: "ما أراك إلا وقد حرمت علي"؛ دل هذا على أنه كان طلاقا قبل نزول الآية.

[قلنا]: هذا حجة عليكم؛ فإنه لو كان المراد بقوله -  -: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" إثباتا للحرمة فيها بالظهار؛ لكونه طلاقا، فيكف يحكم عليها بالحرمة بالظهار بعد حكمه بالطلاق بذلك القول بعينه في شخص بعينه، وقد صح في الحديث أن النبي  دعا أوسا وامرأته بالكفارة، وأبقى النكاح بينهما لو كان ذلك طلاقا؟!

والمثبت حكمه إنما ينسخ بالآية الثانية إلى حكم آخر، فظهر ذلك في المستقبل لا في الماضي؛ فدل أن هذا حجة عليه، ولكن إنما قال: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه؛" للوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.

فإن قيل: إن النبي  لم يحكم بالطلاق في حقها، مع أن الظهار كان طلاقا بطريق القطع، بل قال: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" على طريق الظن؛ لأنه جائز أن يكون الله  قد أعلمه أنه سينسخ حكم هذا القول وينقله من الطلاق إلى تحريم المتعة، فلم يقطع القول فيه حتى نزلت الآية.

قيل: لو كان ذلك حكما ثابتا مقررا في شريعته، لم يمتنع النبي  عن العلم به، وحكمه بذلك ما لم ينزل عليه الناسخ وإن أعلم أنه سينسخ؛ لأنه يجب عليه العمل بما أنزل عليه؛ لقوله: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ  ﴾ وقوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ  ﴾ ، وإذا ورد الناسخ بخلافه يكون عمله في المستقبل لا فيما مضى، وإنما يستقيم هذا على ما قلنا: إن الظهار قبل نزول الآية لا حكم له في الإسلام، وكان تحريما في الجاهلية؛ فمتى وجد هذا السبب، ووقعت هذه الحادثة، أمرها بالاجتناب عن الزوج؛ احتياطا حتى نزلت الآية؛ فيظهر أن حكمه ما هو؟

من حين وجوده؛ إذ يجوز أن يريد الله  بهذا هذا الحكم، وإن كان لا علم للمباشر به؛ إذا كان بحيث يمكنه الوصول إلى العلم به عند الحاجة إلى العمل به، والحكم كالنص الذي ورد مجملا في إيجاب حكم، ثم ورد البيان متأخراً، والنص العام الذي يتأخر بيانه على خلاف ظاهره؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ ، أي: سمع قولها ومجادلتها في زوجها، ومجادلتها مع رسول الله  في سؤالها إياه عما ابتليت بقول زوجها لها: "أنت علي كظهر أمي".

[و] المجادلة هي المخاصمة، وهي المحاورة، وكان مجادلتها في زوجها أن قالت: "والله ما ذكر طلاقا"، حين قال لها بعدما قال لها: "إن خرجت من الدار، فأنت علي كظهر أمي"، وخرجت -: "ما أراك إلا وقد حرمت علي".

وأما مجادلتها مع النبي -  - ومحاورتها هي قولها: "لا تقل ذلك"، وقول رسول الله  : "ما أراك إلا وقد حرمت عليه"، فهذه محاورتهما.

ومن الناس من يقول: المحاورة: هي المراجعة في الكلام، وهما يرددان الكلام ويراجعانه ويكررانه، وهو ما ذكر أن النبي -  - يكرر قوله: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه"، وهي تردد وتكرر قولها: "لا تقل ذلك يا رسول الله؛ فإنه ما ذكر طلاقا"، ولكن هذا قريب من الأول.

وقال بعض أهل اللغة: ﴿ تَحَاوُرَكُمآ ﴾ ، أي: كلامكما، والتحاور: الكلام بين اثنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ ﴾ قيل فيه بوجهين: أحدهما أن تشتكي إلى رسول الله  ، لكن الله  أضاف إلى نفسه؛ لأن مرادها أن تنزل آية من الله  على رسوله بالفرج عنها.

والثاني: أن شكواها إلى الله وتضرعها قد كان حيث لم تجد الفرج والمخرج فيما قال لها رسول الله عليه الصلاة والسلام: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" فاشتكت إلى الله  ، ودعت، وتضرعت؛ حتى أنزل الله  على رسوله الآية فيها، وجاءت الرخصة لهما بالاجتماع بعد التفكير على ما ذكر في الخبر، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ ﴾ ، أي: سمع لها بما أجاب وأغاث بالفرج فيما اشتكت إليه، وسمع لرسول الله  بما أبان ما ظهر له من الحكم في الحادثة التي أشبهت عليه، وأشكل عليه ذلك.

ثم اختلفت الاخبار في أمرهما - أيضا - حيث دعا الله  [أوساً] وأخبره بالآية التي نزلت في أمرهما: قال القرطبي: لما نزلت الآية دعا زوجها أوسا، فقال له: "أعتق رقبة"، قال: ما عندي رقبة أعتقها، قال: "فصم شهرين"، قال: ما أستطيع يا رسول الله ، إني لأصوم يوما واحدا فيشق علي، فكيف صوم شهرين متتابعين؟

قال: "فأطعم ستين مسيكنا"، قال: فنعم، قال: فأطعم ستين مسكينا فأمسكها.

وفي رواية أخرى ذكرها الكلبي: لما نزلت رخصتهما أرسل رسول الله  إلى أوس ابن الصامت فأتاه، فقال: "ويحك ما حملك على ما صنعت وقلت؟" قال: الشيطان يا رسول الله؛ فهل من رخصة تجمعني وإياها؟

قال: "نعم"، وقرأ عليه هذه الآيات الأربع، وقال له: "هل تستطيع أن تعتق رقبة؟" قال: لا والله يا رسول الله، إن المال لقليل غير كثير وإن الرقاب لغالية، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟" قال: لا والله يا رسول الله، لولا أني آكل في يوم ثلاث مرات لكلّ بصري، ولظننت أني سأموت، قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟" قال: لا والله يا رسول الله، إلا أن تعينني فأعانه  بخمسة عشر صاعا، وأخرج أوس من عنده خمسة عشر صاعا فتصدق به على ستين مسكينا، فجمع الله بينه وبينها.

وذكر في خبر آخر أن رجلا كان ظاهر من امرأته، وكان هو يصوم عنه، فواقع امرأته في وقت الصوم، فأتى رسول الله  فأخبره بذلك، فعابه رسول الله  على فعله، ثم أمره بأن يكفر بما وصفنا من الكفارات، فقال [في] كل واحدة: لا أستطيع قال: فأمره -  - أن يأتي موضع كذا إلى أبي زريق، ويأخذ منه وسقا من التمر، فيعطي ستين مسكينا كل مسكين ينفقه على عياله، ذكر في الإطعام في خبر: "لا أستطيع"، وفي خبر أنة قاله: "أما هذا فنعم"، وفي حديث آخر: "لا إلا أن تعينني"؛ فيشبه أن يكون هذا القول منه: "أما هذا فنعم" بعدما وعده رسول الله  في الإعانة أو بإعطاء الوسق؛ فتكمون الأخبار على الوفاق، والله أعلم.

وفي هذا الأخبار دليل على أن الكفارة إذا لزم فيها طعام، فمن الحنطة نصف صاع؛ لأنه جعل نصف صاع من الحنطة طعام مسكين، وأنه يجوز من صدقة الفطر، واله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ ﴾ ، قرئ (يظَّهرون) مشددة الظاء بغير ألف، وهو في الأصل: "يتظهرون"، فأدغمت التاء في الظاء، وشددت.

وقرئ بفتح الياء وتشديد الظاء بألف، وهو في الأصل "يتظاهر" فأدغمت التاء في الظاء وشددت.

وقرئ - أيضا - ﴿ يُظَاهِرُونَ ﴾ ، بتخفيف الظاء بألف من: ظاهر يظاهر مظاهرة.

والمعنى واحد فيما اختلف من قراءاتهم يقال: ظاهر الرجل من امرأته، وتظاهر وتظهر منها بمعنى واحد، وهو أن يقول لها: "أنت علي كظهر أمي".

وقال القتبي: ﴿ يُظَاهِرُونَ ﴾ ، أي: يحرمون تحريم ظهور الأمهات.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يُظَاهِرُونَ ﴾ هذه يمين أن يقول الرجل لامرأته: "أنت علي كظهر أمي"، وأما "يظَّاهرون" من التظاهر" وهو التعاون، يقال: تظاهروا، أي: تعاونوا، ولكن هو خلاف ما تضمنته الآية والله أعلم.

ثم الظهار كان عند أولئك القوم ظاهرا، وهو ما روينا في قصة امرأت أوس لما همت أن تخرج من الدار، قال لها: "إن خرجت من الدار، فأنت علي كظهر أمي"، وكذلك هذه الدلالة في قوله: ﴿ يُظَاهِرُونَ ﴾ .

والظهار أخذ اسمه من "الظهور"، وكذلك فيما عرف المسلمون فيما بينهم هذا اللفظ، وهو قوله: "أنت علي كظهر أمي"، والآية توجب أن يكون الظهار فيما يقول: "أنت علي كأمي"، وهو قوله: ﴿ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ ، ذكر الأمهات، ولم يذكر ظهور الأمهات؛ فصار ظاهر الآية يوجب هذا.

وبهذا احتج محمد - رحمه الله - لمذهبه فيمن قال لأمرأته: "أنت علي كأمي"، قال: يكون ظهارا.

وأما ابو حنيفة - رحمه الله - فإنه قال: لا يكون مظاهرا، إلا أن ينوي بذلك الحرمة، فإن أمي - وإنما نزلت الآية فيمن قال ذلك الحرف - أعني: قوله: أنت علي كظهر أمي - وإنما نزلت الآية فيمن قال ذلك القول، فلا يحل لنا أن نصرفه إلى غيره إلا بدليل.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ﴾ ، أي: ما هن لهم كأمهاتهم؛ لأنه  قال: ﴿ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ﴾ على سبيل الرد لما قالوه، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ﴾ ، أي: قالوا لنسائهم: "أنتن علينا كظهور أمهاتنا".

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ﴾ يكومن ردّاً لقول من قالوا لنسائهم: "إنهم أمهاتنا" لا لمن قالوا: "إنهن "إمهاتنا" و"كظهور أمهاتنا"، فيحتمل بذلك القول تبعا لقوله: ﴿ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ﴾ ، أي: كأمهاتهم ولكن الإشكال أنه إذا صار تقدير الآية ما هو كأمهاتهم، فما معنى قوله: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يدعون التشبيه بالأمهات، والله  نفى ما ادعوا من التشبيه؛ فما معنى البيان حقيقة بقولهم: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ ، وهم يعرفون ذلك ولا ينكرونه، ولا يدعون في نسائهم أنهن أمهاتهم حقيقة؛ حتى يرد عليهم دعواهم.

بقوله: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ ؟

وإشكال آخر: أنه قال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً ﴾ ، وظاهر هذا القول منهم ليس من الزور، ولا المنكر؛ إذ ليس في قولهم: "ظهور كظهر أمي" أو "أنت علي كظهر أمي" أو "كأمي" إلا التشبيه وهي لعلها [تشبهها] فإن ظهرها كظهور أمه؛ في الشبه والخلقة والتشبيه لا يقتضي العموم، فما معنى تسميته تشبيه المرأة بالأم: منكرا وزورا.

وإشكال آخر: أنه جعل الأمهات اللائي ولدنهم أمهات لهم؛ فإنه قال في نساء النبي   ن: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ  ﴾ ، وقال فيمن يرضعن أولا الغير: ﴿ وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ  ﴾ وإن لم يدلنهم.

فنقول - وبالله التوفيق -: إنهم كانوا يريدون أن يوجبوا حقوقا وأحكاما ما كانت في أمهاتهم، لم يكن لهم إيجاب ذلك؛ فإنهم كانوا يشبهون النساء بالأمهات، ولم يريدوا بذلك من حيث الصورة، ولكن يريدون بذلك التشبيه في الحرمة، وحرمة النساء في الأصل غير حرمة الأمهات؛ فإن الأم حرام الاستمتاع بها لكن يباح للرجل أن يدخل على أمه، ويخدمها، ويسافر بها، ويباح النظر، والمس، والإركاب، والإنزال، والخلوة بها، والمرأة متى حرمت بالطلاق الثلاث، أو بالبينونة، لا يثبت شيء من هذه الحقوق، والمشابهة بين الشيئين - إن كانت - لا تقتضي مشابهتها من كل وجه، ولكن تقتضي المساواة بينهما في وجه من الوجوه على الكمال - فإن الذات في الشاهد إذا قام به العلم، يسمى: عالما، والله  يسمى: عالماً ولا يوجب التشبيه؛ لانعدام التماثل بين العلمين، والتساوي من كل وجه، فلم يعد تشابها  الله عن ذلك، وتشبيههم النساء بأمهاتهم أرادوا أن يجعلوا حرمة نسائهم كحرمة أمهاتهم، ويوجبون فيهن حقوقا وأحكاما كحقوقهن وأحكامنهن؛ حتى يباح لهم [في] المعاملة مع نسائهم ماي باح مع أمهاتهم، ويحرم ما يحرم معهن ويكون احترامهن كاحترامهن، والله عالى لم يجعل ذلك، ونهاهم عن ذلك، فقال: ﴿ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ﴾ ، أي: كأمهاتهم في هذه الحرمة التي يريدون إثباتها، وأنه لم يجعل لنسائهم حرمة أمهاتهم، ثم قال: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ ، أي: أن هذه الحرمة التي يريدون إثباتها فيهن مما جعلنا لأمهاتهم اللائي ولدنهم، فما بالهم يخترعون من أنفسهم شيئا لم أجعله، ولم أشرعه؛ فرد صنيعهم بهذا.

وعلى هذا يخرج تأويل قوله: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً ﴾ ، إنما كذبهم بما قالوا من إيجاب تلك الحقوق والأحكام على أنفسهم في نسائهم من غير أن جعل الله  ذلك، أي: وإنهم ليقولون منكرا وزورا في إيجاب الحقوق فيهن كما في الأمهات، وتشبيههم أياهن بالأمهات في الأحكام والحقوق الحرمة، وإن كان كلامهم وقولهم من حث ظاهر التشبيه ليس بمنكر ولا بزور، وهذا كقوله في وصف المنافقين: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ  ﴾ ، وهؤلاء المنافقون فيما قالوا في الظاهر كانوا صدقة، ولكن لما كان قصدهم غير ذلك، وكان في قولهم إيجاب شيء غير ما أظهروا - سماهم: كذبة، فكذلك هؤلاء المظاهرون لما أرادوا إيجاب حكم لم يجعل لهم ذلك سمى قولهم: منكر وزورا.

والمنكر: هو الذي لا يعرف في الشريعة، والزور: هو الكذب؛ فنهاهم الله  عن ذلك.

وأما قولهم: إن الله  قد سمى غير من يلزمهم: أمهات من نساء النبي -  - والمرضعات -: منهم من قال: جائز أن تكون هذه الآية متقدمة على قوله: ﴿ وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ  ﴾ ، وعلى قوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ  ﴾ ، فلم يكن في ذلك الوقت أمهات من رضاع، ثم كانت من بعد؛ فيكون الإخبار بهذا مقيدا بذلك الوقت، وهو كقوله  : ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ  ﴾ ، لم يجد في ذلك الوقت، ثم وجد من بعد ذلك غيره محرما، فعلى ذلك هذا.

وقيلأ: يحتمل أن يكون قال ذلكفي قوم خاص وقبيلة خاصة، لم يكن لهم أمهات من إرضاع؛ فيكون الإخبار بأن أمهاتهم لسن إلا اللائي ولدنهم صدقا.

ولكن هذا تكلف؛ لأن قوله: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ يعني: أن هذه الحقوق والأحكام التي يوجبون ليس تثبيت إلا في الأمهات اللاتي تلدنهم، أو من كانت في معناهن وصرن أمثالهن بأمر يجعله الله  ؛ كأزواج النبي صى الله عليه وسلم، والأمهات بسبب الرضاع، والله  لم يجعل لنسائهم تلك الحقوق التي جعلها لمن لحقن بالأمهات، فيكون تشبيههن بهن في هذه الحقوق منكرا من القول وزورا، والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ : اختلف في حكم العود ما هو؟

وفي تأويل العود عن طاوس قولان: في قول قال: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ : الوطء، فإذا حنث، فعليه الكفارة؛ وهذا تأويل بعيد مخالف للنص؛ لأن الله  يقول: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ وإنما الذي ذهب إليه حكم الإيلاء: أنه إذا وطئ تجب الكفارة، أما في الظهار تجب الكفارة قبل الوطئ وفي قول: أنه إذا تكلم الظهار يجب عليه الكفارة، ولم يشترط معه شيء آخر.

وعن مالك أنه إذا ظاهر من امرأته، ثم أجمع، وعزم على إمساكها وإصابتها، وجبت عليه الكفارة حتى إذا طلقها أو ماتت المرأة بعد العزم على الإمساك والإصابة، أو بعد الإصابة - بقي وجوب الكفارة عليه.

وإن لم يجمع على إمساكها حتى ماتت، تسقط الكفارة.

وكذلك إذا طلقها، لكنه إذا تزوجها بعد ذلك، لم يسمها حتى يكفر؛ فيكون العود: هو إمساكها لبطأها.

وعن الحسن: أن العود هو العزم على الجماع؛ حتى إذا عزم على جماعها، تجب الكفارة، وإن أراد تركها بعد ذلك.

وقال عثمان البتي فيمن ظاهر من امرأته، ثم طلقها قبل أن يطأها، قال: أرى عليه الكفارة، راجعها أو لم يراجعها، وإن ماتت، لم يرتفع الظهار والكفارة، ولا يرث حتى يكفر.

وقال الشافعي: العود هو الإمساك، والكفارة تجب به، وحكم الظهار هو تحريم المتعة؛ حتى إذا أمكنه أن يطلقها بعد الظهار، ولم يطلق، وأمسكها ساعة؛ ليطأها، فقد وجبت عليه الكفارة عاشت أو ماتت، وإذا عاشت طلقها أو لم يطلقها، راجعها أو لا.

وإذا طلقها عقيب الظهار بلا فصل يبطل الظهار، ولا تجب الكفارة بعزم إمساك المرأة.

وقال بعض المتأخرين في تأويل قوله  : ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ ، أي: يعودون إلى القول الأول فيكررون ذلك القول، وعندهم لا يكون الرجل مظاهرا حتى يقول: "أنت علي كظهر أمي" مرتين.

وأما عندنا فحكم الظهار هو تحريم مؤقت بالكفارة، ولا نرفعه إلا بالكفارة، هكذا روي عن ابن عباس -  - أنه قال: "إذا قال أنت علي كظهر أمي"، لم تحل له حتى يفكر.

وعندنا لا تجب الكفارة بنفس الظهار، وإنما الظهار يوجب الحرمة لا غير، وإنما تجب بالعود حتى إنها إذا ماتت لا يجب عليه الكفارة إذا ارتفع المعنى الذي يجب، وهو استباحة الوطء وكذلك إذا طلقها بائنا أو ثلاثا، لا تجب الكافرة لهذا؛ حتى إذا عادت إليه بالتزويج، وأقدم على استباحة الوطء، تجب الكفارة.

وهو عند أصحابنا أن يجع المرأة على الحالة الأولى، ويحللها على نفسه على ما كان عليه، ويستبيح وطأها، فإذا أراد أن يحللها على نفسه ويستبيحها ويقدم عليه، يجب عليه أن يكفر، ولا تزول تلك الحرمة عندنا إلا بالكفارة؛ فالتكفير سبب الحل؛ كذا ذكر العمي في تأويل: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ ، أي: يعودون إلى فسخ ما قالوا ونقض ذلك، واستدل بما ذكر عن الأصمعي: أن أعرابيا تكلم بين يديه بأنه كان شيء ما ثم يعود إليه، قال له الأصمعي: ما أردت به؟

فقال: أي: أنقضه، وأفسخه؛ فهذا يدل على أن المراد من قوله: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ ، أي: يعودون إلى استحلال ما حرموا، وينقضون ذلك، ويردون الحل إلى الحالة الأولى، إلا أن ظاهره العود إلى القول بقوله: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ ولكن أراد به المقول والثابت به وهو الحرمة؛ كأنه قال: ثم يعودون لما حرموا بالقول فيستبيحونه؛ ويجوز أن يذكر الفعل ويراد به المفعول؛ كقوله -  -: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه:، وإنما هو عائد في الموهوب، وقال الله  : ﴿ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ  ﴾ ، أي: الموقن به، والله أعلم.

فإن قيل: العود الذي يوجب الكفارة هو العزم على استباحة الوطء، والقصد على تحليلها على نفسه وإعادة الحل إلى الحالة الأولى، أو الإقدام على الوطء أو مباشرة نفس الوطء، فإن كان المراد هو الأول، يجب أن تقولوا: تجب الكفارة بنفس العزم على الاستباحة والتحليل، كما قال مالك رحمه لله، والحسن رحمه الله .

وإن كان المراد إيقاع الوطء يجب أن تقولوا: إنه لا تجب الكفارة إلا بعد الوطء كما قاله قوم، وهو خلاف الآية، وخلاف قولم.

قيل: نعني بذلك: هو الإقدام على استباحة الوطء، والاشتغال بإقامته، فيقدم التكفير، ثم يفعله؛ إذ لا يجب بمجرد العزم، ولا بعد تحقق الفعل، وهذا لأنه إذا ظاهر حرمت المرأة عليه بسبب فعله الواجب عليه توفير حقها في الجماع إن كانت بكرا في الحكم حتى يجبر عليه، وهذا وإن كانت ثيبا وقد وطئها مرة يجب عليه فيما بينه وبين الله  إيصال ذلك إليها.

وعند بعض أصحابنا يجبر في الحكم أيضا على ذلك، فإذا أقدم على ذلك يجب عليه تحصيل الكفارة؛ ليتوصل إلى إقامة ذلك الواجب عليه من الجماع؛ إذ لا يحل ذلك بدون الكفارة، وهذا كالوضوء في باب الصلاة ليس بفرض مقصود بنفسه، لكن يجب لإقامة الصلاة؛ إذ لا يجوز الصلاة بدون الطهارة، فإذا أقدم على الصلاة يجب عليه تحصيل الوضوء؛ ليتمكن من أداء ما عليه، ولا يجب بنفس الإرادة، ولا يجب بنفس الحدث؛ حتى لا يجب الوضوء ما لم يدخل وقت الصلاة، ويقوم إليها، وكذلك المرأة إذا حاضت بعد الوقت حتى سقط عنها الصلاة يسقط الوضوء، فعلى ذلك هذا يجب عند الإقدام على إقامة هذا الواجب وهو الوطء، والظهار شرط؛ ولهذا إذا ماتت المرأة تسقط الكافرة؛ لانعدام ما هو المقصود بالإقدام، وهو الوطء، وكذلك إذا طلقها ثلاثا أو بائنا لكن إذا عادت إليه يلزمه الكفارة إذا أقدم على الوطء، ولم يبطل الظهار؛ لاحتمال حصول الغرض، والله أعلم.

ويحتمل وجها آخر: وهو قوله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ...

﴾ الآية هذا خبر عن ظهار القوم الذين كانوا يظاهرون في جاهليتهم، أي: ظاهروا في ذلك الوقت، ثم يعودون لما قالوا: أي: لو قالوا ذلك القول بعد إسلامهم فعليهم ما ذكره؛ إذ الظهار كان ظاهرا في الجاهلية من عاد إلى ذلك القول، ورجع إليه وقت إسلامه؛ فعليه ما ذكر، وهو كقوله  : ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ  ﴾ فهذا يرجع إلى فعل ذلك مرة، وإلى استحلال ما حرم الله ثانيا، وإن عاد إلى الفصل الأول لا من وجه الاستحلال، فينتقم الله منه بالغرامة عليه، وإن عاد إلى استحلال، فينتقم منه بالعذاب؛ وكذلك مثل هذه في آية الربا، حيث قال: ﴿ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ  ﴾ ، أي: عاد إلى ما كان يفعله قبل الإسلام، فكذلك هذا العود إلى الظهار على هذا التقرير يخرج تأويل الآية عنده، وهو كقوله  : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ أي: كانوا يتناجون في الجاهلية، فنهاهم الله  عن العود إلى ما كانوا عليه؛ فعلى ذلك يحتمل هذا، والله أعلم.

لكن على هذا التأويل الإقدام على الوطء سببا لوجوب الكفارة لم يثبت بهذا النص، إنما فيه أن الظهار يوجب تحريما مؤقتا بالكفارة، وكذلك الأحاديث التي ذكرنا أن النبي  أمر أوسا بالكفارة حين ظاهر من زوجه، وإنما يعرف من حيث الدلالة؛ فإنه لما كان التحريم مؤقتا بالكفارة، يكون رافعه له قائما، ويجب الرافع بالإقدام عليه، لا بسبب سابق موجب للتحريم؛ لأن رافع الحرمة لا يجب بما يوجب الحرمة؛ كما ذكرنا في الوضوء: أنه لا يجب لما يحدث الذي هو رافع للطهارة، ولكن لما وجب على المكلف الصلاة بالطهارة، ويجب عليه الوضوء بالإقدام على الصلاة التي لا تجوز بدونه؛ فكذلك هذا، والله أعلم.

وقوله من جعل العود هو العزم على إمساك النكاح والبقاء عليه - فاسد، فإن النبي  أوجب الكفارة على أوس بن الصامت حين ظاهر من زوجه، ولم يسأله الإمساك والبقاء على النكاح.

ولأن تفسير العود بالإمساك لا يستقيم؛ لأنه لم يعرف في الاصل إمساك المرأة عودا عليا ولا إمساك شيء من الأشياء يتكلم بالعود إليه؛ فيكون هذا خلاف اللغة، ولما ذكرنا: أن العود إلى الشيء هو الرجوع إلى ما كان عليه؛ فيقتضي انعدامه وزواله حتى يتحقق العود؛ إذ العود هو وجود ثان، وهذا إنما يتحقق فيما قلنا من الجزء؛ لأنه قد يبدل بالحرمة، فأما العقد [فهو] قائم لم يزل بالظهار؛ فكيف يعود إلى العقد؟

فلا يكون البقاء على العقد وإمساك المرأة بالنكاح عودا.

ولأن الله  قال: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ ، و"ثم" يقتضي التراخي.

ومن جعل العود هو الإمساك والبقاء على النكاح، فقد جعله عائدا عقيب القول بلا تراخٍ، وذلك خلاف ظاهر الآية.

وقول من جعل العود ه العزيمة على الوطء، لا معنى له؛ لأن موجب الظهار هو تحريم الوطء لا تحريم العزم على الوطء وإن كان العزم على المحظور محظوراً؛ لكونه وسيلة إلى المحظور؛ فيكون العود هو الرجوع إلى ما يقوى به مقصودا لا وسيلة إلى حسب الأول.

ولأنه لا حظ للعزيمة في حق تعلق الأحكام في سائر الأصول؛ ألا ترى أن سائر العقود والتحريم لا يتعلق بالعزيمة، فلا اعتبار بها، وقد قال النبي  : "إن الله  عفا عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم يتكلموا به ويعلموا" وقول من جعل العود تكرار القول الأول فاسد أيضا، وإن كان ظاهر اللفظ يحتمل، وهو العود إلى القول الأول؛ لأنه خلاف الإجماع وخلاف أصول الشرع: أما خلاف الإجماع؛ فإن السلف والخلف أجمعوا [على] أن هذا ليس بمراد من الآية؛ فيكومن قائله خارجا عن الإجماع.

وأما مخالفة الأصول؛ فلأن الحل والحرمة إنما تعلق وجوبهما بابتداء القول [لا] بتكراره في جميع الأصول من [البياعات و] النكاح والطلاق والعتاق والإجازات، فلما كان الأصل هذا في سائر الأسباب، والمظاهر موجب للحرمة بقوله؛ دل أن الموجب هو القول الأول دون الثاني، فيكن تعليق الحرمة بتكرار الموجب؛ مخالفة لسائر الأصول، وبهذا يبطل قول الشافعي في أن تعلق الحرمة بتكرار الرضعات لا برضعة واحدة، والله أعلم.

ولأن النبي  أمر بالكفارة في حق أوس، ولم يسأله عن تكرار القول، ولما لم يسأل دل أن الحكم غير متعلق بالتكرار.

وما قاله الشافعي: أنه إذا طلقها بعد الظهار بلا فصل فلا كفارة عليه، وإن لبث ساعة، ثم طلقها، كفر راجعها أو لم يراجعها، أو ماتت - قول تفرد به؛ لأن طاوسا أوجب عليه الكفارة طلقها أو أمسكها، وسائر التابعين قالوا: إن ماتت أو طلقها، ولم يراجعها فلا كفارة عليه، ولم يفصلوا بين أن يطلقها على أثر الطلاق بلا فصل، أو بعد ذلك بساعة؛ فيكون الشافعي بهذا القول مخالفا للسلف؛ فلا يعتبر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ ظاهره يقتضي أن يكون الوطء محظورا عليه قبل الكفارة؛ لأنه جعل الحرمة مؤقتة بالكفارة، وإذا وطئ يسقط الظهار والكفارة؛ لأن كل ما تعلق بشرط أو توقت بوقت، فمتى فات الوقت، أو عدم الشرط، لم يجب لذل النص، واحتيج إلى دلالة أخرى في إيجاب مثله في الوقت الثاني، إلا أنه قد ثبت عن النبي  "أن رجلا ظاهر من امرأته فوطئها، ثم سأل النبي  فقال له: استغفر الله، ولا تعد حتى تكفر" ، فصار التحريم الذي بعد الوطء عرفناه بالسنة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ يرجع إلى وجهين: مرة إلى اسم الرقبة.

ومرة [إلى] ما يستحكم حكم الرقبة.

فإن كان المراد من ذكر الرقبة اسم الرقبة نفسها، فيجيء أن يجوز كل ما يقع عليه اسم الرقبة، صغيرا كان أو كبيرا، كافرا أو مسلما، مقطوع الرجلين، أو أعمى، أو كيفما كان.

وبشر المريسي: يذهب ويجبر كيفما كانت الرقبة.

وإن كان المراد من ذكر الرقبة: ما يستحق حكم الرقبة فيجيء ألا يجوز إعتاق رقبة فيها نقصان؛ إذ الأصل في العبيد والإماء [أن النقص] فيما دون النفس يوجب نقصاناً في كل النفس؛ فيجيء ألا يجوز؛ أذ يصير معتقاً لبعض الرقبة لا كلها.

ثم الدليل على أن النقصان الحال فيما دون النفس في الرقاب جعل كالنقصان الحال في النفس أن العبد إذا قطعت يده أو فقئت عينه يشترى بنصف ما كان يشترى وقت الصحة؛ فصار النقصان فيما ون النفس كتلف نصف القيمة من العبد وإن لم يكن ذلك في نفسه النصف؛ فيجيء على هذا ألا يجوز إذا كان فيه أدنى النقصان؛ إذ الحكم فيما دون النفس محمو على حكم الأنفس، وحكم عليهم محمول على حكم كمال النفس.

لكن هذان التأويلان في الآية لا يصحان.

وأما الجواب عن قولهم: إن النقصان الحال في بعض الرقبة كالحال في كلها: أن ذلك النقصان يرتفع بالعتق، وإن كان وقت قيام الرق يحكم عليه بالنقص؛ لما يصير رقبة له بحكم الكمال بالعتق إذا صار هو منتفعاً بالعتق إذ بالعتق جبر النقصان الذي كان به؛ فيسلم له الرقبة كلها من حيث المعنى فيجوز، كما إذا أعتق الرقبة السليمة، والدليل عليه: أنه لو جنى عليه بعدما عتق، لم ينقص من ديته شيء في مقابلة النقصان في نفسه وقت العبودة والرق، وثبت بهذا أنه في حق نفسه كامل النفس، وإنما كان ذلك النقص من نقص في قيمته وقت العبودة، إذ هو لو كان منقوصاً في حق نفسه لا يرتفع عنه ذلك النقصان أبداً؛ فلما ارتفع النقصان الذي به بإعتاقه دل أن إعتاقه جائز، والأصل فيما أوجب الله  من هذه الكفارة إما أوجب ليكفر بها ما ارتكب من المآثم، وما ارتكب من المحظورات التي حظر عليه ارتكابها؛ ليتألم بهذه الكفارة؛ ليكون زجراً عن العود إليها فعلبنا أن ننظر في هذه الكفارة فإن كفر بشيء لا يتألم به نفسه، ولا يفجع عندها، فلا يجوز ذلك عن الكفارة، وإن كان بالذي يلحقه ويؤلمه يجوز.

ثم ما يصل إليه من الألم بإعتاقه وجهان: أحدهما: أنه إذا تأمل ذهاب منافع ذلك المملوك عنه بما كان هو يصلح لخدمته يتألم بذلك ويتفجع.

والثاني: لما يتأمل منه النفع في العاقبة وإن لم يكن للحال ينتفع به؛ فيتألم - أيضاً - بذهاب تلك المنفعة المؤملة، فكل من كان يؤلم من هذين الوجهين جاز عتقه عن الكفارة، وإلا فلا، والله أعلم.

ثم لا يجوز إعتاق الأعمى والمقعد ومقطوع اليدين ونحو ذلك عن الكفارة، ويخرج على هذين المعنيين: أما على الأول: أنه وإن ارتفع النقص الحاصل في نفسه بسبب العبودة عند وجود الإعتاق [إلا أن العيب لا يزال] قائماً فلا يجوز لا للنقصان لكن لأنه يصير معتقاً ببدل، والإعتاق ببدل لا يجوز عن الكفارة؛ وإن كانت الرقبة بصفة الكمال.

ومعنى قولنا: إنه يصير معتقاً ببدل: أنه ما دام في ملكه على تلك الحال، فإن مؤنته تلحقه، وبالإعتاق تسقط مؤنته عن نفسه، وتلحق تلك المؤنة المسلمين؛ فلم تجزئ عن الكفارة لهذا.

وأما على الثاني: فلا يلزم على الوجهين جميعاً أما على الأول: فلأنه لا يفجع ولا يتألم نفسه بإعتاق مثله؛ لما ليس له منفعة الخدمة؛ ليتألم بفوتها، وعلى الثاني: لما ليس له منفعة تؤمل في المآل؛ فيتألم بذلك - أيضاً - ولا يلزم الصغير على هذا العذر؛ لأنه ليس له منفعة الخدمة ونفقته عليه أيضاً، ومع ذلك يجوز إعاقته عن التكفير؛ لأنا نقول: إنه إنما ينفق على الصغير، لماتؤمل منفعته في العاقبة، والناس إنما يربون الصغار والصغائر، وينفقون عليهم؛ لينتفعوا بإيمانهم وإعتاقها في العواقب؛ فلم يصر عتقه عن هذا الوجه ببدل، والتألم في عتقه موجود، وحسب ما كان في الكبير أو أكثر.

والأعور، ومقطوع إحدى اليدين وإحدى الرجلين يجوز عن الكفارة فإنه يمكنه الاكتساب؛ فيتألم مولاه بإعتاقه؛ لما فيه ذهاب منفعته؛ فيصلح أن يكون كفارة لما ارتكب من الشهوة، ولما قدمنا من جبر ذلك النقصان وارتفاعه بالعتق، والله أعلم.

وذكر الشافعي أنه لا يجيز عتق الرقبة الكافرة عن الكفارة، واحتج بذكر الله -  - في كفارة القتل الرقبة المؤمنة، فكذلك في كفارة الظهار؛ إذ هما كفارتان.

ولكن نحن نقول: هذا أصل مذهبه خطأ؛ لأن مذهبه العموم بعم كل رقبة في دار الدنيا، والأصل في ذلك عندنا أن الله -  - ذكر كفارة الظهار الرقبة المؤمنة؛ فلا يجوز أن نوجب ما ذكره في كفارة القتل هاهنا؛ والدليل عليه: أنه ذكر في تلك الآية الأشياء، وهو قوله -  -: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ  ﴾ ، فذكر الدية، ثم ذكر الدية في آية القتل - لم يوجبها على المظاهر؛ إذ ترك ذكرها في آية الظهار، ومثله في القرآن كثير.

وأيضاً: إن أحق ما يجوز في الكفارة إعتاق الرقبة الكافرة؛ وذلك لما أن المسلم قد يتألم بإعتاق الرقبة الكافرة، ولا يـتألم بإعتاق المسلمة؛ لما يأبى طبعه الإحسان إلى الكافر، ولا يأبى بمثله إلى المسلم، وقد وصفنا أن الكفارة للتألم بأخراج ما أمر بإخراجه عن ملكه، مع ما في القرآن دليل على جواز اصطناع المعروف إليهم، وهو قوله -  -: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ  لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ  ﴾ ، ثم قال - أيضاً - بعد ذلك: ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ  ﴾ .

وذكر في القصة أن بعض أصحاب رسول الله  كانوا قد امتنعوا عن الإنفاق على أقربائهم لما أبو الإسلام؛ فنزلت هذه الآية؛ فهذا يبين ذلك [و]أن في الاصطناع إليهم وإعتاقهم يكون تكفيراً.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ فتأويله عند أبي حنيفة - رحمه الله -: أي: عتقا لا مسيس فيه؛ لأن عنده الإعتاق يحتمل التجزؤ: أنه يعتق نصفه، ثم النصف الآخر؛ فيشترط أن يعتق النصفين جميعاً قبل المسيس، حتى لو مسها فيما بين ذلك يلزمه استئناف العتق، وعلى هذا التأويل قوله: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ ، أي: صوم شهرين لا مسيس فيه، حتى لو واقعها في وقت لم يتم صوم شهرين بعد يلزمه الاستئناف، وكأن معناه: لا مسيس في خلال الكفارة؛ فمتى وجد المسيس في وقت لم يتم الكفارة بعد يلزمه الاستئناف، وتأويل قوله: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ عند أبي يوسف - رحمه الله -: أي: يعتق قبل وقت المسيس، ويصوم كذلك.

ويقول بأن الآية خرجت لبيان وقت التكفير فيه: حتى إذا جامع امرأته في صوم الظهار أنه لا يستأنف الصوم، بل يصوم الباقي؛ إذ قد فات عن وقته فصار قاضياً عما عليه، وليس ب عد الجماع وقت لذلك الصوم، بل يكون ذلك على القضاء؛ فيجوز متفرقاً ومتتابعاً؛ كصوم شهر رمضان: لما تعين له وقت الأداء، ثم فات الوقت لا يجب متتابعاً؛ بل يجوز متفرقاً، كذا هذا، ولا يتصور المسألة في الإعتاق؛ لأنه لا ي تجزأ عنده.

ولا خلاف أنه إذا جامع بعدم أطعم ثلاثين مسكيناً أنه لا يلزمه استئناف الطعام، ولا خلاف أنه إذا جامع قبل الكفارة لا يلزمه شيء سوى التوبة والاستغفار في قول عامة الفقهاء.

وعند بعضهم يلزمه كفارتان.

لأبي يوسف - رحمه الله - ما ذكرنا، ولأنه قد رأى [أداء] بعضها في الوقت وبعضها في غير الوقت أولى من أداء الكل بعد الوقت؛ ولهذا المعنى في الطعام كذلك.

ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن الظهار ليس يوجب الكفارة؛ ولكن يوجب حرمة لا ترتفع إلا بالكفارة، ولا يؤمر هو بالكفارة مقصوداً، وكلن إذا أراد الاستمتاع بها يقال له: ليس لك ذلك إلا بالكفارة، فإذا كان كذلك فإذا أدى بعضها، ثم ماسها، ثم أدى البقية - لم يصر ما أدى بعد المماسة؛ فضاعف الوقت الذي قبل المماسة، فإذا لم يصر قضاء عن ذلك جعل كالنص إنما جاء في هذه الحالة: أن حرورا رقبة قبل أن تماسوا ثانياً، وصوموا شهرين متتابعين إذا أردتم العودة إليها، ولذلك قال -  - للمظاهر الذي جامع امرأته: "استغفر الله، ولا تعد حتى تكفر" لكن يدخل على هذا أمر الطعام أنه أطعم بعض الطعام، ثم ماسها لم يلزمه الاستقبال، والعبارة التي ذكرناها توجب الاستئناف، لكن يستحسن في الطعام؛ لأن الطعام وقع في الأصل متفرقاً؛ إذ لو أطعم بضعه للحال وبعضه بعد سنة فإنه جائز من ذي الجهة، لكن يدخل عليه الإعتاق عند أبي حنيفة - رحمه الله - فإنه إذا أعتق بعضه للحال وبعضه بعد سنة يجوز أيضاً، ومع ذلك إذا وجد المسيس فيما بين ذلك يلزمه الاستئناف.

وما ذهب إليه أبو يوسف - رحمه الله - من حمل الآية على بيان الوقت لا يصح؛ لأنا لو حملنا تأويل الآية على الوقت نفسه، لا فائدة تقع في الآية؛ لأن معرفة وقت ذلك ثابتة بدلالة العقل، وذلك أن قد علمنا إيجاب الحرمة بالظهار، وعلمنا أن تلك الحرمة لا ترتفع إلا بالكفارة؛ فصار وقت الحل بذكر الحرمة معلوماً؛ ولذلك هذا في جميع الحرمات من الطلاق وغيره أنه لا يرتفع إلا بسبب رفعه؛ فلو حمل تأويل الآية على بيان الوقت لم تفد شيئاً، ولو حمل على بيان إخلاء الكفارة عن المسيس، وعلى نفي المسيس في خلال الكفارة تفيد فائدة جديدة؛ فيكون ذها التأويل أحق وأولى.

ثم في الآية دلالة بأن ليس ذلك على بيان الوقت، وهو قوله -  -: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ﴾ ، ثم ذكر في العتق والصوم ترك المماسة، ولم يذكر في الإطعام، ولو كان ذلك على جعل الوقت له لكان يذكر فيه المماسة؛ إذ الكفارة إذا كانت عن شيء واحد لا يختلف فيه أوقاتها، بل يكون وقتها واحداً، ولا يقال: إما لم يذكر الوقت في الإطعام؛ لأن ذكره في العتق والصوم: ذكره في الإطعام؛ لأنه من أنواع هذه الكفارة؛ فذكر الوقت في بعض يكون ذكراً في الباقي، فإذا أدى بعضه في الوقت وبعضه في غير الوقت كان أولى من أن يؤدي الكل في غير الوقت؛ لأنا نقول: ذكره في العتق والصوم لا يصلح أن يكون بياناً في الإطعام؛ لأن البيان على وجوه ثلاثة: بيان نهاية، وبيان كفاية، وبيان تفصيل: فأا بيان الكفاية: فهو أن يكتفى ببيان الواحد أو القليل عن الكل؛ ليعرف ذلك بالاجتهاد والقياس على نظائره؛ فيدل ذلك على معنى مودع فيه؛ وأنه محل الاجتهاد والتقليد.

وأما بيان النهاية: هو أن يبين الكل على المبالغة؛ حتى لا يبقى للاجتهاد فيه موضع.

وأما بيان التفصيل: هو الذي يبين في أكثره، ولا يبلغ به نهايته؛ فهو فيما يبين لا يتعدى إلى غيره؛ إذ لو كان فيه معنى مودع يجمع الكل لم يكن لذكر الزائد عليه وترك بعضه معنى.

وهاهنا بيان تفصيل دون كفاية؛ إذ لم يكتف بذكر في واحد، ولا هو بيان نهاية؛ إذ لم ينه البيان في الكل؛ فهو بيان التفصيل الذي ذكرنا أنه يقر في المذكور، ولا يتعدى إلى آخر، ولو كان ذكر ذلك البيان الوقت لاكتفى بذكره في الواحد عن الكل؛ إذ ذكر في الكل على المبالغة؛ فلما ذكر على بيان التفصيل دل أنه [ليس] لبيان الوقت، ولكن لنفي المسيس عن خلال الصوم والعتق المذكورين دون الطعام الذي لم يذكر فيه، وتبين أن إخلاء الصوم والعتق عن المسيس حكم عرفناه بالنص غير معقول المعنى؛ فلا يتعدى عنه إلى غيره، ويكون مثاله ما ذكر في قوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً...

﴾ الآية [النساء: 92]، على ما عرف في موضعه، والحاصل في المسألة طريقان: أحدهما: بحق القياس، والآخر: بحق الاحتياط.

أما القياس ما ذكرنا أن قوله -  -: ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ لإخلاء الصوم عن المسيس عن خلال الكفارة، لكن إما ذكر في الإعتاق والصوم دون الإطعام؛ فدلنا ذلك على أنه بيان تفصيل؛ فيكون دليلا على قصر الحكم على المنصوص، ومنع التعدية إلى غيره؛ لما هو علم أن العقول تقصر عن إدراك ذلك المعنى، فجعلنا نفي المسيس عن خلال الصوم والعتق واجباً بالنص؛ حتى لا يكون كفارة بدونه، ولم يجعل في باب الإطعام شرطاً.

وأما طريق الاحتياط، فهو أنه لما احتمل أن يكون لبيان الوقت أو لنفي المسيس عن خلال الصوم، فأخذ فيه بالاحتياط، وفي الإطعام أخذ بالقياس؛ لما أنه لم يذكر فيه المسيس، وذكره في الصوم والعتق لم يكن بيان كفاية حتى يكون ذكره ذكرا في الإطعام؛ بل هو بيان تفصيل وأن حكمه القصر على المنصوص دون التعدي، والله أعلم.

وفي الآية دلالة لصحة مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - في أن العتق يحتمل التجزئة، وهو أن يعتق بعضه، ويبقى الباقي بحالة ثم يعتقه بأوقات بعده؛ إذ قال: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ ، أي: تحرير رقبة بلا مماسة في التكفير، ولو كان بعض العتق يوجب عتق الكل لكان لا يفيد قوله: ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ ، ألا يقع العتق إلا قبل المماسة؛ فلما قال دل أنه أراد - والله أعلم - بألا تمسوهن عندما أعتقتم بعضه ولم تعتقوا الكل حتى يكمل ويتم فيه الإعتاق؛ ولهذا قال بأنه يلزمه الاستئناف في العتق كما في الصوم؛ فدل أن الإعتاق متجزئ، والله أعلم.

ثم جعل الكفارة فيه ما ذكرنا، ولم يجعل الكفارة فيه التوبة والاستغفار فقط؛ لوجهين: أحدهما: أنه لو جعل توبته به لكان لا يظهر ذلك، وأنه أمر بينه وبين المرأة؛ فلا يدرى أنه تاب أو لم يتب، وربما يظهر التوبة بالقول وإن لم يتب حقيقة بقلبه؛ فتتهمه المرأة؛ فجعل التوبة فيه أمرا ظاهراً يعرف به توبته؛ دفعاً للتهمة عنه، وتسكيناً لقلب المرأة، والله أعلم.

والثاني: أن الله جعل الاستمتاع في النكاح نعمة عظيمة، فتشبيهها بالمحرم الذي يتأبد حرمته: أمر فظيع، فلم يجعل له الخروج منه بشيء لا يثقل عليه فيقدم ثانياً وثالثاً لخفة أمره عليه؛ بل جعل ما يتألم عليه ويشتد عليه زجرا له عن مثله في المستقبل ولغيره: كما في الزنى وغيره من الأجرام.

ثم لم يجعل ملك اليمين للاستمتاع خاصة - وإن أبيح لهم ذلك - ولا جعل لهن قبل السادات حق الاستمتاع؛ فلم يصر تشبيههن بمن ذكر كفران نعمة عظيمة، ولا إبطال حق لهن قبل ماليهن؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

وقيل: إن الظهار كان طلاق قوم، فأبدل إلى تحريم المتعة، ولم يكن للإماء حظ من الطلاق، وهو الطلاق، ولم يكن لهن [حظ] من الذي صار وانتقل إليه.

ولكن إن ثبت هذا كان طلاقاً يوجب حرمة لا ترتفع أبداً، لا طلاقاً يوجب حرمة ترتفع بالنكاح، على ما تقدم ذكره.

والإماء لم يكن لهن حظ من هذا التحريم؛ لعدم تصور ملك النكاح مع ملك اليمين، فأما لهن حظ من الحرمة المؤبدة بالمحرمية: فإن كان تلك الحرمة هي الأصل، وهن أصل لها، مع قيام ملك اليمين، يكن أهلا لما ينتقل إليه من الحرمة المؤقتة؛ دل أن الطريق ما قلنا، والله أعلم.

وفي الآية دلالة جواز تأخير البيان؛ لأن ذلك الرجل لما ظاهر من امرأته اشتد بهم الحاجة إلى معرفة ما يجب فيه من الأحكام، ثم تأخير نزول بيان ما يجب عليهم؛ فطلبوا من عند رسول الله  بيان الحكم؛ فدل أن البيان يجوز أن يتأخر عن وقت قرع الخطاب السمع؛ بخلاف الأولى؛ لأن في الأولى قد ظهرت الحاجة واشتدت لوقوع النازلة وفي نزول العام الذي أريد به الخصوص لا وكذلك على هذا ما نزل من أحكام الإيلاء والقاذف زوجته بعد وقوع النازلة بأوقات، دليل على ما ذكرنا، والله أعلم.

ثم ج عل صيام شهرين بدلا عن العتق في كفارة الظهار والقتل وكفارة الإفطار في شهر رضمان، وجعل في كفارة اليمين صوم ثلاثة أيام بدلا عن العتق، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .

صرح صاحب (الواضح) بأن قوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، أي: ذلك أمرتم ونهيتم؛ ﴿ لِتُؤْمِنُواْ ﴾ .

ولكن عندنا تأويل قوله: ﴿ ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ﴾ هو صلة قوله -  -: ﴿ قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا...

﴾ الآية، يقول: أخبركم بما كان ذلك منكم في السر، وأطلعكم على ذلك؛ لتؤمنوا بالله ورسوله، أي: لتصدقوا وتعلموا أنه لا يخفى على الله من أعمالكم شيء.

ومنهم من قال: ذلك رادع إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ ﴾ أي: ذلك الفرج والمخرج عما امتحنتم به من الحرمة وما اشتد عليكم؛ لتؤمنوا بالله ورسوله لما فرج عنكم بالخروج بما ذكر، والله أعلم.

ومنهم من قال: ﴿ ذَلِكَ ﴾ : القول المنكر الزور الذي قلتم وأعلمكم أنه منكر وزور؛ لتؤمنوا بالله ورسوله؛ فيخرج ذلك على الأمر بالشكر له ما أنعم عليهم، وجعل لهم من الفرج والمخرج عما امتحنوا بأدائها، وهكذا العبادات التي أمروا بها: أمروا؛ لإحدى ثلاث خلال: إما بحق الشكر بما أنعم عليهم.

أو لتسليم الأمر له والخضوع.

أو لحق الاستغفار والتكفير بما سبق من التفريط والتقصير، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله -  -: ﴿ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ على غير هذا، أي: ذلك الذي أنزل، لتؤمنوا، أي: لتجددوا الإيمان بالله -  - ورسوله في كل وقت وكل ساعة؛ إذ يلزم الناس إحداث الإيمان، وتجديده لإحداث الرخص والعزائم التي تجددت والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: أي الذي افترضه الله عليكم من الأحكام، وقال الزجاج ﴿ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: موانع الله  ؛ لذلك سمي الحاجب: حداداً؛ لأنه يمنع الناس منه.

وعندنا قوله: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ أي: زواجر الله وموانعه، على معنى أنه يمنع كل شيء عن الدخول في حد الآخر يمنع الباطل عن الدخول في حد الحق والاختلاط به.

وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أضاف الفرائض، وهي الطاعات إلى نفسه بقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ ، وأنها أفعال العباد؛ دل [أن] أفعال العباد كلها مخلوقة لله -  - وإنما خص هذه الأعمال بالإضافة إلى نفسه، مع أن جميع الأفعال [مضافة إليه] بخلقه إياها تبجيلا وتعظيماً لها، كما قال الله -  -: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ أضاف المساجد لنفسه؛ تبجيلا و تعظيماً لها.

وعلى هذا يخرج تأويل من قال في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا  ﴾ من نفسي؛ فكيف أظهرها لمن دونه أراد بهذه الإضافة تبجيلا وتعظيماً لأمر الساعة؛ فكأنه يقول: إنما لم أظهر أمر الساعة لذلك الخلق الذي هو بهذه المنزلة، فكيف أظهرها لكم أي: لا أفعل ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

أي: للكافرين بالله وبحدوده عذاب أليم في الآخرة؛ لأن عذاب الكفر إنما يكون في الآخرة عذاباً دائماً لا انقضاء له، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فمن لم يجد منكم رقبة يعتقها فعليه صيام شهرين متتابعين من قبل أن يجامع زوجته التي ظاهر منها، فمن لم يستطع صيام شهرين متتابعين فعليه إطعام ستين مسكينًا، ذلك الحكم الذي حكمنا به لتؤمنوا بأن الله أمر به، فتمتثلوا أمره، وتلك الأحكام التي شرعناها لكم حدود الله التي حدّها لعباده فلا تتجاوزوها، وللكافرين بأحكام الله وحدوده التي حدّها عذاب موجع.

<div class="verse-tafsir" id="91.nnk65"

مزيد من التفاسير لسورة المجادلة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله