تفسير الآية ٩ من سورة الحشر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ٩ من سورة الحشر

وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةًۭ مِّمَّآ أُوتُوا۟ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌۭ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 138 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٩ من سورة الحشر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة الحشر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى مادحا للأنصار ، ومبينا فضلهم ، وشرفهم ، وكرمهم ، وعدم حسدهم ، وإيثارهم مع الحاجة ، فقال : ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ) أي : سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم .

قال عمر : وأوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ، ويحفظ لهم كرامتهم .

وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل ، أن يقبل من محسنهم ، وأن يعفو عن مسيئهم .

رواه البخاري ها هنا أيضا .

وقوله : ( يحبون من هاجر إليهم ) أي : من كرمهم وشرف أنفسهم ، يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم .

قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا حميد ، عن أنس ، قال : قال المهاجرون : يا رسول الله ، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ، ولا أحسن بذلا في كثير ، لقد كفونا المؤنة ، وأشركونا في المهنإ ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله !

قال : " لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم " .

لم أره في الكتب من هذا الوجه .

وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصار أن يقطع لهم البحرين ، قالوا : لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها .

قال : " إما لا فاصبروا حتى تلقوني ، فإنه سيصيبكم بعدي أثرة " .

تفرد به البخاري من هذا الوجه قال البخاري : حدثنا الحكم بن نافع ، أخبرنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قالت الأنصار : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل .

قال : لا .

فقالوا : تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة ؟

قالوا : سمعنا وأطعنا .

تفرد به دون مسلم .

( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ) أي : ولا يجدون في أنفسهم حسدا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف ، والتقديم في الذكر والرتبة .

قال : الحسن البصري : ( ولا يجدون في صدورهم حاجة ) يعني : الحسد .

( مما أوتوا ) قال قتادة : يعني فيما أعطى إخوانهم .

وكذا قال ابن زيد .

ومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن أنس قال : كنا جلوسا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة " .

فطلع رجل من الأنصار تنظف لحيته من وضوئه ، قد تعلق نعليه بيده الشمال ، فلما كان الغد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك ، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى .

فلما كان اليوم الثالث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل مقالته أيضا ، فطلع ذلك الرجل على مثل حالته الأولى فلما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقال : إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثا ، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت .

قال : نعم .

قال أنس : فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئا ، غير أنه إذا تعار تقلب على فراشه ، ذكر الله وكبر ، حتى يقوم لصلاة الفجر .

قال عبد الله : غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا ، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله ، قلت : يا عبد الله ، لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ولكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لك ثلاث مرار : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة " .

فطلعت أنت الثلاث المرار فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به ، فلم أرك تعمل كثير عمل ، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

قال : ما هو إلا ما رأيت .

فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت ، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه .

قال عبد الله : هذه التي بلغت بك ، وهي التي لا تطاق .

ورواه النسائي في اليوم والليلة ، عن سويد بن نصر ، عن ابن المبارك ، عن معمر به ، وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين ، لكن رواه عقيل ، وغيره ، عن الزهري ، عن رجل ، عن أنس .

فالله أعلم .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : ( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ) يعني ( مما أوتوا ) المهاجرون .

قال : وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم من الأنصار ، فعاتبهم الله في ذلك ، فقال : ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير ) قال : وقال رسول الله : " إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم " .

فقالوا : أموالنا بيننا قطائع .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أو غير ذلك ؟

" .

قالوا : وما ذاك يا رسول الله ؟

قال : " هم قوم لا يعرفون العمل ، فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر " .

فقالوا : نعم يا رسول الله وقوله : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) يعني : حاجة ، أي : يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم ، ويبدءون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك .

وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أفضل الصدقة جهد المقل " .

وهذا المقام أعلى من حال الذين وصف الله بقوله : ( ويطعمون الطعام على حبه ) [ الإنسان : 8 ] .

وقوله : ( وآتى المال على حبه ) [ البقرة : 177 ] .

فإن هؤلاء يتصدقون وهم يحبون ما تصدقوا به ، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به ، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه .

ومن هذا المقام تصدق الصديق رضي الله عنه ، بجميع ماله ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما أبقيت لأهلك ؟

" .

فقال : أبقيت لهم الله ورسوله .

وهذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك ، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه ، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء ، فرده الآخر إلى الثالث ، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم ، رضي الله عنهم وأرضاهم .

وقال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا فضيل بن غزوان ، حدثنا أبو حازم الأشجعي ، عن أبي هريرة قال : أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، أصابني الجهد ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ألا رجل يضيف هذا الليلة ، رحمه الله ؟

" .

فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله .

فذهب إلى أهله فقال لامرأته : ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تدخريه شيئا .

فقالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية .

قال : فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة .

ففعلت ، ثم غدا الرجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " لقد عجب الله - عز وجل - أو : ضحك من فلان وفلانة " .

وأنزل الله عز وجل : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) .

وكذا رواه البخاري في موضع آخر ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي من طرق ، عن فضيل بن غزوان به نحوه .

وفي رواية لمسلم تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة ، رضي الله عنه .

وقوله : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) أي : من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح .

قال أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا داود بن قيس الفراء ، عن عبيد الله بن مقسم ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إياكم والظلم ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح ، فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " .

انفرد بإخراجه مسلم فرواه عن القعنبي ، عن داود بن قيس به .

.

وقال الأعمش ، وشعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن زهير بن الأقمر ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اتقوا الظلم ; فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الفحش ، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ، وإياكم والشح ; فإنه أهلك من كان قبلكم ، أمرهم بالظلم فظلموا ، وأمرهم بالفجور ففجروا ، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا " .

ورواه أحمد ، وأبو داود من طريق شعبة ، والنسائي من طريق الأعمش كلاهما عن عمرو بن مرة به .

وقال الليث عن يزيد بن الهاد ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن صفوان بن أبي يزيد ، عن القعقاع بن اللجلاج ، عن أبي هريرة ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا ، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبدة بن سليمان ، أخبرنا ابن المبارك ، حدثنا المسعودي ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال قال : جاء رجل إلى عبد الله فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إني أخاف أن أكون قد هلكت فقال له عبد الله : وما ذاك ؟

قال : سمعت الله يقول : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) وأنا رجل شحيح ، لا أكاد أن أخرج من يدي شيئا !

فقال عبد الله : ليس ذلك بالشح الذي ذكر الله في القرآن ، إنما الشح الذي ذكر الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما ، ولكن ذلك البخل ، وبئس الشيء البخل " وقال سفيان الثوري ، عن طارق بن عبد الرحمن ، عن سعيد بن جبير ، عن أبي الهياج الأسدي قال : كنت أطوف بالبيت ، فرأيت رجلا يقول : اللهم قني شح نفسي " .

لا يزيد على ذلك ، فقلت له ، فقال : إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل " ، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنه ، رواه ابن جرير وقال ابن جرير : حدثني محمد بن إسحاق ، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، حدثنا مجمع بن جارية الأنصاري ، عن عمه يزيد بن جارية ، عن أنس بن مالك ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " بريء من الشح من أدى الزكاة ، وقرى الضيف ، وأعطى في النائبة " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) يقول تعالى ذكره: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ ) يقول: اتخذوا المدينة مدينة الرسول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فابتنوها منازل، ( وَالإيمَانَ ) بالله ورسوله ( مِنْ قَبْلِهِمْ ) يعني: من قبل المهاجرين، ( يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ) : يحبون من ترك منـزله، وانتقل إليهم من غيرهم، وعُنِي بذلك الأنصار يحبون المهاجرين.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) قال: الأنصار نعت.

قال محمد بن عمرو: سفاطة أنفسهم.

وقال الحارث: سخاوة أنفسهم عندما روى عنهم من ذلك، وإيثارهم إياهم ولم يصب الأنصار من ذلك الفيء شيء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) يقول: مما أعطوا إخوانهم هذا الحيّ من الأنصار، أسلموا في ديارهم، فابتنوا المساجد والمسجد، قبل قدوم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فأحسن الله عليهم الثناء في ذلك، وهاتان الطائفتان الأوّلتان من هذه الآية، أخذتا بفضلهما، ومضتا على مَهَلهما، وأثبت الله حظهما في الفيء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله الله عزّ وجلّ: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ ) قال: هؤلاء الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين.

وقوله: ( وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) يقول جلّ ثناؤه: ولا يجد الذين تبوّءوا الدار من قبلهم، وهم الأنصار في صدورهم حاجة، يعني &; 23-283 &; حسدا مما أوتوا، يعني مما أوتي المهاجرين من الفيء، وذلك لما ذُكر لنا من أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأوّلين دون الأنصار، إلا رجلين من الأنصار، أعطاهما لفقرهما، وإنما فعل ذلك لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خاصة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أَبي بكر، أنه حدّث أنّ بني النضير خَلَّوا الأموال لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فكانت النضير لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حُنيف وأبا دُجانة سمِاك بن خَرَشَة ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) المهاجرون.

قال: وتكلم في ذلك: ( يعني أموال بني النضير) بعضُ من تكلمَّ من الأنصار، فعاتبهم الله عزّ وجلّ في ذلك فقال: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .

قال، قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لهم: " إنَّ إخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الأمْوَالَ وَالأولاد وَخَرَجُوا إلَيْكُمْ" فقالوا: أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أو غَيْرَ ذَلِكَ؟

" قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟

قال: " هُمْ قَوْمٌ لا يعْرِفُونَ العَمَلَ فَتَكْفُونَهُمْ وَتُقَاسِمُونَهُمْ الثَّمَر "، فقالوا: نعم يا رسول الله.

وبنحو الذي قلنا في قوله: ( وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا سليمان أَبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أَبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ( وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) قال: الحسد.

قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أَبي رجاء، عن الحسن ( حَاجَةً فِي صُدُورِهِمْ ) قال: حسدًا في صدورهم.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن الحسن مثله.

وقوله: ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) يقول تعالى ذكره: وهو يصف الأنصار الذين تبوّءُوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثارًا لهم بها على أنفسهم، ( وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم، والخصاصة: مصدر، وهي أيضًا اسم، وهو كلّ ما تخلَّلته ببصرك كالكوة والفرجة في الحائط، تجمع خَصَاصَات وخِصَاص، كمال قال الراجز: قَــدْ عَلِــمَ المَقَاتِــلاتُ هَجَّــا (4) والنَّــاظراتُ مِنْ خَصَــاصٍ لَمْجـا لأورِيَنْــهَـا دُلَجـــا أوْ مُنْجَـــا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أَبي حازم، عن أَبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال: " ألا رجل يضيف هذا رحمه الله؟

" فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نوّمي الصبية، وأطفئي المصباح وأريه بأنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ففعلت فنـزلت ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن فضيل، عن غزوان، عن أَبي حازم، عن أَبي هريرة، أن رجلا من الأنصار بات به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نَوَّمِي الصِّبْيَة وأطفئي المصباح، وقرّبي للضيف ما عندك، قال: فنـزلت هذه الآية ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) يقول تعالى ذكره: من وقاه الله شحّ نفسه ( فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) المخلَّدون في الجنة.

والشحّ في كلام العرب: البخل، ومنع الفضل من المال؛ ومعه قول عمرو بن كلثوم: تَــرَى اللَّحِـزَ الشَّـحِيحَ إذَا أُمِـرَّتْ عَلَيْـــهِ لِمَالِـــهِ فِيهَــا مُهِينًــا (5) يعني بالشحيح: البخيل، يقال: إنه لشحيح بين الشحّ والشحّ، وفيه شحة شديدة وشحاحة.

وأما العلماء فإنهم يرون أن الشحّ في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حقّ.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا المسعودي، عن أشعث، عن أَبي الشعثاء، عن أبيه، قال: أتى رجل ابن مسعود فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟

قال: أسمع الله يقول: ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء، قال: ليس ذاك بالشحّ الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ذلك البخل، وبئس الشيء البخل.

حدثني يحي بن إبراهيم، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن جامع، عن الأسود بن هلال قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال يا أبا عبد الرحمن، إني أخشى أن تكون أصابتني هذه الآية ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) والله ما أعطي شيئًا أستطيع منعه، قال: ليس ذلك بالشحّ، إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك بغير حقه، ولكن ذلك البخل.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جُبَير، عن أَبي الهياج الأسدي، قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلا يقول: اللهمّ قني شحّ نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال.

إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل شيئًا، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف.

حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، قال: ثنا مجمع بن جارية الأنصاري، عن عمه يزيد بن جارية الأنصاري، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " برئ مِنَ الشُّحِّ مَنْ أَدَّّى الزَّكَاةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَأعْطَى في النَّائِبَةِ" حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا زياد بن يونس أبو سلامة، عن نافع بن عمر المكي، عن ابن أَبي مليكة، عن عبد الله بن عمر، قال: إن نجوت من ثلاث طمعت أن أنجو.

قال عبد الله بن صفوان ما هنّ أنبيك فيهنّ، قال: أخرج المال العظيم، فأخرجه ضرارًا، ثم أقول: أقرض ربي هذه الليلة، ثم تعود نفسي فيه حتى أعيده من حيث أخرجته، وإن نجوت من شأن عثمان، قال ابن صفوان: أما عثمان فقُتل يوم قُتل، وأنت تحبّ قتله وترضاه، فأنت ممن قتله؛ وأما أنت فرجل لم يقك الله شحّ نفسك، قال: صدقت.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) قال: من وقي شحّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئًا، ولم يقربه، ولم يدعه الشحّ أن يحبس من الحلال شيئًا، فهو من المفلحين، كما قال الله عزّ وجل.

وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) قال: من لم يأخذ شيئًا لشيء نهاه الله عزّ وجلّ عنه، ولم يدعه الشحّ على أن يمنع شيئًا من شيء أمره الله به، فقد وقاه الله شحّ نفسه، فهو من المفلحين.

----------- الهوامش : (4) هذه ثلاثة أبيات من مشطور الرجز لم أجدها في معاني القرآن للفراء ولا في مجاز القرآن لأبي عبيدة، ولا في اللسان.

وليست على بينة من صحة بعض ألفاظها.

والمؤلف استشهد بها في هذه الموضع على أن الخصاص جمع خصاصة.

وفي (اللسان: الخصاص): الفرج بين الأثافي والأصابع، وقالوا لخروق المصفاة والمنخل خصاص.

وخصاص المنخل والباب والبرقع وغيره: خلله، واحدته: خصاصة (وكله بفتح الخاء).

(5) ‌البيت من معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي (انظره في شرحي الزوزني والتبريزي على المعلقات) واللحز: الضيق الصدر السيىء الخلق اللئيم.

والشحيح: البخيل: الحريص.

والجمع الأشحة والأشحاء، والفعل: شح يشح.

والمصدر: الشح، وهو البخل معه حرص.

يقول: ترى الإنسان الضيق الصدر البخيل الحريص مهينا لما له فيها، أي في شربها، إذا أمرت عليه الخمر، أي أديرت عليه.

وقد استشهد المؤلف بالبيت عند قوله تعالى: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون[ ص: 21 ] فيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم لا خلاف أن الذين تبوءوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين إليها .

والإيمان نصب بفعل غير تبوأ ; لأن التبوء إنما يكون في الأماكن .

ومن قبلهم : من صلة تبوأ ، والمعنى : والذين تبوءوا الدار من قبل المهاجرين واعتقدوا الإيمان وأخلصوه ; لأن الإيمان ليس بمكان يتبوأ ; كقوله تعالى : فأجمعوا أمركم وشركاءكم أي وادعوا شركاءكم ; ذكره أبو علي والزمخشري وغيرهما .

ويكون من باب قوله : علفتها تبنا وماء باردا .

ويجوز حمله على حذف المضاف كأنه قال : تبوءوا الدار ومواضع الإيمان .

ويجوز حمله على ما دل عليه تبوأ ; كأنه قال : لزموا الدار ولزموا الإيمان فلم يفارقوهما .

ويجوز أن يكون تبوأ الإيمان على طريق المثل ; كما تقول : تبوأ من بني فلان الصميم .

والتبوء : التمكن والاستقرار .

وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين ، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم .الثانية : واختلف أيضا هل هذه الآية مقطوعة مما قبلها أو معطوفة ; فتأول قوم أنها معطوفة على قوله : للفقراء المهاجرين وأن الآيات التي في الحشر كلها معطوفة بعضها على بعض .

ولو تأملوا ذلك وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه ; لأن الله تعالى يقول : هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا إلى قوله الفاسقين ، فأخبر عن بني النضير وبني قينقاع .

ثم قال : وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء فأخبر أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم ; لأنه لم يوجف عليه حين خلوه .

وما تقدم فيهم من القتال وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه وانقطع ذلك الأمر .

ثم قال : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وهذا كلام غير معطوف على الأول .

وكذا والذين تبوءوا الدار والإيمان ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم ; فإنهم سلموا ذلك الفيء للمهاجرين ; وكأنه قال ; الفيء للفقراء المهاجرين ; والأنصار يحبون لهم ولم يحسدوهم على ما صفا لهم من الفيء .

وكذا والذين جاءوا من بعدهم ابتداء كلام ; والخبر : يقولون ربنا اغفر لنا .

وقال إسماعيل بن إسحاق : إن قوله والذين تبوءوا الدار والذين جاءوا معطوف على ما قبل ، وأنهم شركاء في الفيء ; أي هذا المال للمهاجرين والذين تبوءوا الدار .

وقال مالك بن أوس : قرأ عمر بن الخطاب [ ص: 22 ] رضي الله عنه هذه الآية إنما الصدقات للفقراء فقال : هذه لهؤلاء .

ثم قرأ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه فقال : هذه لهؤلاء .

ثم قرأ ما أفاء الله على رسوله حتى بلغ للفقراء المهاجرين ، والذين تبوءوا الدار والإيمان ، والذين جاءوا من بعدهم ثم قال : لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه .

وقيل : إنه دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه من ذلك ، وقال لهم : تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا علي .

ففكر في ليلته فتبين له أن هذه الآيات في ذلك أنزلت .

فلما غدوا عليه قال : قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة " الحشر " وتلا : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى إلى قوله : للفقراء المهاجرين فلما بلغ قوله : أولئك هم الصادقون قال : ما هي لهؤلاء فقط .

وتلا قوله : والذين جاءوا من بعدهم إلى قوله رءوف رحيم ، ثم قال : ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك .

والله أعلم .الثالثة : روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال : لولا من يأتي من آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر .

وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة : أن عمر أبقى سواد العراق ومصر وما ظهر عليه من الغنائم ; لتكون من أعطيات المقاتلة وأرزاق الحشوة والذراري ، وأن الزبير وبلالا وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم ; فكره ذلك منهم واختلف فيما فعل من ذلك ; فقيل : إنه استطاب أنفس أهل الجيش ; فمن رضي له بترك حظه بغير ثمن ليبقيه للمسلمين قلة .

ومن أبى أعطاه ثمن حظه .

فمن قال : إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي صلى الله عليه وسلم ; لأنه قسم خيبر ، لأن اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب نفسه بمنزلة قسمها .

وقيل : إنه أبقاها بغير شيء أعطاه أهل الجيوش .

وقيل : إنه تأول في ذلك قول الله سبحانه وتعالى : للفقراء المهاجرين إلى قوله : ربنا إنك رءوف رحيم على ما تقدم .

والله أعلم .الرابعة : واختلف العلماء في قسمة العقار ; فقال مالك : للإمام أن يوقفها لمصالح المسلمين .

وقال أبو حنيفة : الإمام مخير بين أن يقسمها أو يجعلها وقفا لمصالح المسلمين .

وقال الشافعي : ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم ، بل يقسمها عليهم كسائر الأموال .

فمن طاب نفسا عن حقه للإمام أن يجعله وقفا عليهم فله .

ومن لم تطب نفسه فهو أحق بماله .

وعمر رضي الله عنه استطاب نفوس الغانمين واشتراها منهم .[ ص: 23 ] قلت : وعلى هذا يكون قوله : والذين جاءوا من بعدهم مقطوعا مما قبله ، وأنهم ندبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم .الخامسة : قال ابن وهب : سمعت مالكا يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق فقال : إن المدينة تبوئت بالإيمان والهجرة ، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف ; ثم قرأ والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم الآية .

وقد مضى الكلام في هذا ، وفي فضل الصلاة في المسجدين : المسجد الحرام ومسجد المدينة ; فلا معنى للإعادة .السادسة : قوله تعالى : ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به من مال الفيء وغيره ; كذلك قال الناس .

وفيه تقدير حذف مضافين ; المعنى مس حاجة من فقد ما أوتوا .

وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة .

وكان المهاجرون في دور الأنصار ، فلما غنم عليه الصلاة والسلام أموال بني النضير ، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم ، وإشراكهم في أموالهم .

ثم قال : إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبينهم ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم ، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم .

فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ : بل نقسمه بين المهاجرين ، ويكونون في دورنا كما كانوا .

ونادت الأنصار : رضينا وسلمنا يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار .

وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا إلا الثلاثة الذين ذكرناهم .

ويحتمل أن يريد به ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا إذا كان قليلا بل يقنعون به ويرضون عنه .

وقد كانوا على هذه الحالة حين حياة النبي صلى الله عليه وسلم دنيا ، ثم كانوا عليه بعد موته صلى الله عليه وسلم بحكم الدنيا .

وقد أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " .السابعة : قوله تعالى : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة في الترمذي عن أبي هريرة : أن رجلا بات به ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه ; فقال لامرأته : نومي الصبية ، وأطفئي السراج ، وقربي للضيف ما عندك ; فنزلت هذه الآية ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ ص: 24 ] قال : هذا حديث حسن صحيح .

خرجه مسلم أيضا .

وخرج عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهود .

فأرسل إلى بعض نسائه فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء .

ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك ; حتى قلن كلهن مثل ذلك : لا والذي بعثك بالحق ، ما عندي إلا ماء .

فقال : " من يضيف هذا الليلة رحمه الله " ، فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله .

فانطلق به إلى رحله ، فقال لامرأته : هل عندك شيء ؟

قالت : لا ، إلا قوت صبياني .

قال : فعلليهم بشيء ، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل ; فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه .

قال : فقعدوا وأكل الضيف .

فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " قد عجب الله - عز وجل - من صنيعكما بضيفكما الليلة " .

وفي رواية عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضيفه فلم يكن عنده ما يضيفه .

فقال : " ألا رجل يضيف هذا رحمه الله " فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة ، فانطلق به إلى رحله .

.

.

; وساق الحديث بنحو الذي قبله ، وذكر فيه نزول الآية .

وذكر المهدوي عن أبي هريرة أن هذا نزل في ثابت بن قيس ورجل من الأنصار - نزل به ثابت - يقال له أبو المتوكل ، فلم يكن عند أبي المتوكل إلا قوته وقوت صبيانه ; فقال لامرأته : أطفئي السراج ونومي الصبية ; وقدم ما كان عنده إلى ضيفه .

وكذا ذكر النحاس قال : قال أبو هريرة : نزل برجل من الأنصار - يقال له أبو المتوكل - ثابت بن قيس ضيفا ، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه ; فقال لامرأته : أطفئي السراج ونومي الصبية ; فنزلت ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة إلى قوله : فأولئك هم المفلحون .

وقيل : إن فاعل ذلك أبو طلحة .

وذكر القشيري أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم : وقال ابن عمر : أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال : إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا ; فبعثه إليهم ، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات ، حتى رجعت إلى أولئك ; فنزلت : ويؤثرون على أنفسهم .

ذكره الثعلبي عن أنس قال : أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة ، وكان مجهودا فوجه به إلى جار له ، فتداولته سبعة أنفس في سبعة أبيات ، ثم عاد إلى [ ص: 25 ] الأول ; فنزلت : ويؤثرون على أنفسهم الآية .

وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم بني النضير : " إن شئتم قسمت للمهاجرين من دياركم وأموالكم وشاركتموهم في هذه الغنيمة ، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم نقسم لكم من الغنيمة شيئا " ، فقالت الأنصار : بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة ; فنزلت ويؤثرون على أنفسهم الآية .

والأول أصح .

وفي الصحيحين عن أنس : أن الرجل كان يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم النخلات من أرضه حتى فتحت عليه قريظة والنضير ، فجعل بعد ذلك يرد عليه ما كان أعطاه .

لفظ مسلم .

وقال الزهري عن أنس بن مالك : لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء ، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار ، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام ويكفونهم العمل والمؤونة ; وكانت أم أنس بن مالك تدعى أم سليم ، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة ، كان أخا لأنس لأمه ; وكانت أعطت أم أنس رسول الله صلى الله عليه وسلم عذاقا لها ; فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مولاته ، ثم أسامة بن زيد .

قال ابن شهاب : فأخبرني أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة ، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم .

قال : فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمي عذاقها ، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مكانهن من حائطه .

خرجه مسلم أيضا .الثامنة : الإيثار : هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية ، ورغبة في الحظوظ الدينية .

وذلك ينشأ عن قوة اليقين وتوكيد المحبة ، والصبر على المشقة .

يقال : آثرته بكذا ; أي خصصته به وفضلته .

ومفعول الإيثار محذوف ; أي يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم ، لا عن غنى بل مع احتياجهم إليها ; حسب ما تقدم بيانه .

وفي موطأ مالك : أنه بلغه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أن مسكينا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف ; فقالت لمولاة لها : أعطيه إياه ; فقالت : ليس لك ما تفطرين عليه ؟

فقالت : أعطيه إياه .

قالت : ففعلت .

قالت : فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدى لنا : شاة وكفنها .

فدعتني عائشة فقالت : كلي من هذا ، فهذا خير من قرصك .

قال علماؤنا : هذا من المال الرابح ، والفعل الزاكي عند الله تعالى يعجل منه ما يشاء ، ولا ينقص ذلك مما يدخره عنه .

ومن ترك شيئا لله لم يجد فقده .

وعائشة رضي الله عنها في فعلها هذا من الذين أثنى الله عليهم [ ص: 26 ] بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ما هم فيه من الخصاصة ، وأن من فعل ذلك فقد وقي شح نفسه وأفلح فلاحا لا خسارة بعده .

ومعنى ( شاة وكفنها ) فإن العرب - أو بعض العرب أو بعض وجوههم - كان هذا من طعامهم ، يأتون إلى الشاة أو الخروف إذا سلخوه غطوه كله بعجين البر وكفنوه به ثم علقوه في التنور ، فلا يخرج من ودكه شيء إلا في ذلك الكفن ; وذلك من طيب الطعام عندهم .

وروى النسائي عن نافع أن ابن عمر اشتكى ، واشتهى عنبا ، فاشتري له عنقود بدرهم ، فجاء مسكين فسأل ; فقال : أعطوه إياه ; فخالف إنسان فاشتراه بدرهم ، ثم جاء به إلى ابن عمر ، فجاء المسكين فسأل ; فقال : أعطوه إياه ; ثم خالف إنسان فاشتراه بدرهم ، ثم جاء به إليه ; فأراد السائل أن يرجع فمنع .

ولو علم ابن عمر أنه ذلك العنقود ما ذاقه ; لأن ما خرج لله لا يعود فيه .

وذكر ابن المبارك قال : أخبرنا محمد بن مطرف قال : حدثنا أبو حازم عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن مالك الدار : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار ، فجعلها في صرة ثم قال للغلام : اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ، ثم تلكأ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها .

فذهب بها الغلام إليه فقال : يقول لك أمير المؤمنين : اجعل هذه في بعض حاجتك .

فقال : وصله الله ورحمه ، ثم قال : تعالي يا جارية ، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ; حتى أنفذها .

فرجع الغلام إلى عمر ، فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل ; وقال : اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل ; وتلكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع ، فذهب بها إليه فقال : يقول لك أمير المؤمنين : اجعل هذه في بعض حاجتك ، فقال : رحمه الله ووصله ، وقال : يا جارية ، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا ، فاطلعت امرأة معاذ فقالت : ونحن والله مساكين فأعطنا .

ولم يبق في الخرقة إلا ديناران قد جاء بهما إليها .

فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك عمر وقال : إنهم إخوة !

بعضهم من بعض .

ونحوه عن عائشة رضي الله عنها في إعطاء معاوية إياها ، وكان عشرة آلاف ، وكان المنكدر دخل عليها .

فإن قيل : وردت أخبار صحيحة في النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء ، قيل له : إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه الصبر على الفقر ، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه .

فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم ، فلم يكونوا بهذه الصفة ، بل كانوا كما قال الله تعالى : والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس .

وكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك .

والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار .

وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل البيضة من الذهب ، فقال : هذه [ ص: 27 ] صدقة ، فرماه بها وقال : يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس .

والله أعلم .التاسعة : والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس .

ومن الأمثال السائرة :تجود بالنفس إذ أنت الضنين بها والجود بالنفس أقصى غاية الجودومن عبارات الصوفية الرشيقة في حد المحبة : أنها الإيثار ، ألا ترى أن امرأة العزيز لما تناهت في حبها ليوسف عليه السلام ، آثرته على نفسها فقالت : أنا راودته عن نفسه .

وأفضل الجود بالنفس الجود على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي الصحيح أن أبا طلحة ترس على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتطلع ليرى القوم .

فيقول له أبو طلحة : لا تشرف يا رسول الله !

لا يصيبونك !

نحري دون نحرك ، ووقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت .

وقال حذيفة العدوي : انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي - ومعي شيء من الماء - وأنا أقول : إن كان به رمق سقيته ، فإذا أنا به ، فقلت له : أسقيك ، فأشار برأسه أن نعم ، فإذا أنا برجل يقول : آه !

آه !

فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه ، فإذا هو هشام بن العاص فقلت : أسقيك ؟

فأشار أن نعم .

فسمع آخر يقول : آه !

آه !

فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات .

فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات .

فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات .

وقال أبو يزيد البسطامي : ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ !

قدم علينا حاجا فقال لي : يا أبا يزيد ، ما حد الزهد عندكم ؟

فقلت : إن وجدنا أكلنا ، وإن فقدنا صبرنا .

فقال : هكذا كلاب بلخ عندنا .

فقلت : وما حد الزهد عندكم ؟

قال : إن فقدنا شكرنا ، وإن وجدنا آثرنا .

وسئل ذو النون المصري : ما حد الزاهد المنشرح صدره ؟

قال ثلاث : تفريق المجموع ، وترك طلب المفقود ، والإيثار عند القوت .

وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي : أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري ، ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم ، فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام ; فلما رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئا ; إيثارا لصاحبه على نفسه .العاشرة : قوله تعالى : ولو كان بهم خصاصة الخصاصة : الحاجة التي تختل بها الحال .

وأصلها من الاختصاص وهو انفراد بالأمر .

فالخصاصة الانفراد بالحاجة ; أي ولو كان بهم فاقة وحاجة .

ومنه قول الشاعر : [ ص: 28 ]أما الربيع إذا تكون خصاصة عاش السقيم به وأثرى المقترالحادية عشرة : قوله تعالى : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون الشح والبخل سواء ; يقال : رجل شحيح بين الشح والشح والشحاحة .

قال عمرو بن كلثوم :ترى اللحز الشحيح إذا أمرت عليه لماله فيها مهيناوجعل بعض أهل اللغة الشح أشد من البخل .

وفي الصحاح : الشح البخل مع حرص ; تقول : شححت ( بالكسر ) تشح .

وشححت أيضا تشح وتشح .

ورجل شحيح ، وقوم شحاح وأشحة .

والمراد بالآية : الشح بالزكاة وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة ، وما شاكل ذلك .

فليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه .

ومن وسع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرناه من الزكوات والطاعات فلم يوق شح نفسه .

وروى الأسود عن ابن مسعود أن رجلا أتاه فقال له : إني أخاف أن أكون قد هلكت ؟

قال : وما ذاك ؟

قال : سمعت الله عز وجل يقول : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئا .

فقال ابن مسعود : ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن ، إنما الشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما ، ولكن ذلك البخل ، وبئس الشيء البخل .

ففرق رضي الله عنه بين الشح والبخل .

وقال طاوس : البخل أن يبخل الإنسان بما في يده ، والشح أن يشح بما في أيدي الناس ، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحل والحرام ، لا يقنع .

ابن جبير : الشح منع الزكاة وادخار الحرام .

ابن عيينة : الشح الظلم .

الليث : ترك الفرائض وانتهاك المحارم .

ابن عباس : من اتبع هواه ولم يقبل الإيمان فذلك الشحيح .

ابن زيد : من لم يأخذ شيئا لشيء نهاه الله عنه ، ولم يدعه الشح على أن يمنع شيئا من شيء أمره الله به ، فقد وقاه الله شح نفسه .

وقال أنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " بريء من الشح من أدى الزكاة ، وقرى الضيف ، وأعطى في النائبة " .

وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو : " اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها ووساوسها " .

وقال أبو الهياج الأسدي : رأيت رجلا في الطواف يدعو : اللهم قني شح نفسي .

لا يزيد على ذلك شيئا ، فقلت له ؟

فقال : إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل .

فإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف .[ ص: 29 ] قلت : يدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم : " اتقوا الظلم ؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح ؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " .

وقد بيناه في آخر " آل عمران " .

وقال كسرى لأصحابه : أي شيء أضر بابن آدم ؟

قالوا : الفقر .

فقال كسرى : الشح أضر من الفقر ; لأن الفقير إذا وجد شبع ، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبدا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وبين أنصار وهم الأوس والخزرج الذين آمنوا بالله ورسوله طوعا ومحبة واختيارا، وآووا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنعوه من الأحمر والأسود، وتبوأوا دار الهجرة والإيمان حتى صارت موئلا ومرجعا يرجع إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن بحماه المسلمون إذ كانت البلدان كلها بلدان حرب وشرك وشر، فلم يزل أنصار الدين تأوي إلى الأنصار، حتى انتشر الإسلام وقوي، وجعل يزيد شيئا شيئا فشيئا، وينمو قليلا قليلا، حتى فتحوا القلوب بالعلم والإيمان والقرآن، والبلدان بالسيف والسنان.الذين من جملة أوصافهم الجميلة أنهم { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } وهذا لمحبتهم لله ولرسوله، أحبوا أحبابه، وأحبوا من نصر دينه.{ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا } أي: لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضله وخصهم به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم، وانتفاء الغل والحقد والحسد عنها.ويدل ذلك على أن المهاجرين، أفضل من الأنصار، لأن الله قدمهم بالذكر، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، فدل على أن الله تعالى آتاهم ما لم يؤت الأنصار ولا غيرهم، ولأنهم جمعوا بين النصرة والهجرة.وقوله: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } أي: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها على من سواهم، الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة، وهذا لا يكون إلا من خلق زكي، ومحبة لله تعالى مقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها، ومن ذلك قصة الأنصاري الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده وباتوا جياعا، والإيثار عكس الأثرة، فالإيثار محمود، والأثرة مذمومة، لأنها من خصال البخل والشح، ومن رزق الإيثار فقد وقي شح نفسه { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ووقاية شح النفس، يشمل وقايتها الشح، في جميع ما أمر به، فإنه إذا وقي العبد شح نفسه، سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله، ففعلها طائعا منقادا، منشرحا بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه، وإن كان محبوبا للنفس، تدعو إليه، وتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شح نفسه، بل ابتلي بالشح بالخير، الذي هو أصل الشر ومادته، فهذان الصنفان، الفاضلان الزكيان هم الصحابة الكرام والأئمة الأعلام، الذين حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا به من قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتقين

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والذين تبوءوا الدار والإيمان ) الأنصار تبوءوا الدار توطنوا الدار أي : المدينة اتخذوها دار الهجرة والإيمان ( من قبلهم ) أي أسلموا في ديارهم وآثروا الإيمان وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنتين .

ونظم الآية : والذين تبوءوا الدار من قبلهم أي من قبل قدوم المهاجرين عليهم وقد آمنوا لأن الإيمان ليس بمكان تبوء .

( يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ) حزازة وغيظا وحسدا ( مما أوتوا ) أي مما أعطى المهاجرين دونهم من الفيء وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ولم يعط منها الأنصار فطابت أنفس الأنصار بذلك ( ويؤثرون على أنفسهم ) أي يؤثرون على إخوانهم من المهاجرين بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم ( ولو كان بهم خصاصة ) فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون وذلك أنهم قاسموهم ديارهم وأموالهم : أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستضافه فبعث إلى نسائه هل عندكن من شيء فقلن : ما معنا إلا الماء .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يضم أو يضيف هذا ؟

فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله فانطلق به إلى امرأته فقال : أكرمي ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : ما عندنا إلا قوت الصبيان فقال : هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين فلما أصبح غدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما فأنزل الله - عز وجل - : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحكم بن نافع أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قالت الأنصار : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل قال : لا فقالوا : تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة قالوا : سمعنا وأطعنا .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين فقالوا : لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها قال : ألا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض فإنه سيصيبكم أثرة بعدي " .

وروي عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النضير للأنصار : " إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة " فقالت الأنصار : بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها فأنزل الله - عز وجل - : " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " .

" والشح " في كلام العرب : البخل ومنع الفضل وفرق العلماء بين الشح والبخل .

روي أن رجلا قال لعبد الله بن مسعود : إني أخاف أن أكون قد هلكت فقال : وما ذاك قال : أسمع الله يقول : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء فقال عبد الله : ليس ذاك بالشح الذي ذكر الله - عز وجل - في القرآن ولكن الشح أن تأكل مال أخيك ظلما ولكن ذاك البخل وبئس الشيء البخل .

وقال ابن عمر : ليس الشح أن يمنع الرجل ماله إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له وقال سعيد بن جبير : " الشح " هو أخذ الحرام ومنع الزكاة وقيل : الشح هو الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم .

قال ابن زيد : من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه ولم يدعه الشح إلى أن يمنع شيئا من شيء أمره الله به فقد وقاه شح نفسه أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو سعد خلف بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي نزار حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن حزاز القهندري حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسحاق السعدي حدثنا أحمد بن منصور الرمادي حدثنا القعنبي حدثنا داود بن قيس الفراء عن عبيد الله بن مقسم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي حدثنا أبو العباس الأصم أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا أبي وشعيب قالا أخبرنا الليث عن يزيد بن الهاد عن سهيل بن أبي صالح عن صفوان بن أبي يزيد عن القعقاع هو ابن اللجلاج عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين تبوؤا الدار» أي المدينة «والإيمان» أي ألفوه وهم الأنصار «من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة» حسدا «مما أوتوا» أي آتى النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين من أموال بني النضير المختصة بهم «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة» حاجة إلى ما يؤثرون به «ومن يوق شُحَّ نفسه» حرصها على المال «فأولئك هم المفلحون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين استوطنوا "المدينة"، وآمنوا من قبل هجرة المهاجرين -وهم الأنصار- يحبون المهاجرين، ويواسونهم بأموالهم، ولا يجدون في أنفسهم حسدًا لهم مما أُعْطوا من مال الفيء وغيره، ويُقَدِّمون المهاجرين وذوي الحاجة على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة وفقر، ومن سَلِم من البخل ومَنْعِ الفضل من المال فأولئك هم الفائزون الذين فازوا بمطلوبهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم مدح - سبحانه - بعد ذلك الأنصار ، الذين يحبون من هاجر إليهم فقال : ( والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ) .والجملة الكريمة معطوفة على ( الْمُهَاجِرِينَ ) أو مبتدأ وخبره : ( يُحِبُّونَ ) والتبوؤ : النزول فى المكان ، ومنه المباءة للمنزل الذى ينزل فيه الإنسان .والمراد بالدار : المدينة المنورة ، وأل للعهد .

أى : الدار المعهودة المعروفة وهى دار الهجرة .وقوله : ( والإيمان ) منصوب بفعل مقدر ، أى : وأخلصوا الإيمان .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى عطف الإيمان على الدار ، ولا يقال : تبوأوا الإيمان؟قلت معناه : تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان .

كقوله : علفتها تبنا وماء باردا .أى : وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنا لهم ، لتمكنهم منه ، واستقامتهم عليه ، كما جعلوا المدينة كذلك .أو أراد : دار الهجرة ودار الإيمان ، فأقام لام التعريف فى الدار مقام المضاف إليه ، وحذف المضاف من دار الإيمان ، ووضع المضاف إليه مقامه .

.أو سمى المدينة - لأنها دار الهجرة ، ومكان ظهور الإيمان - بالإيمان .

.وقوله : ( مِن قَبْلِهِمْ ) أى : من قبل المهاجرين ، وهو متعلق بقوله ( تَبَوَّءُوا ) .وقوله : ( يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ) خبر لمبتدأ ، أو حال من الذين تبوأوا الدار .أى : هذه هى صفات المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ..

.

وهذا هو جزاؤهم .أما الذين سكنوا دار الهجرة وهى المدينة المنورة ، من قبل المهاجرين ، وأخلصوا إيمانهم وعبادتهم لله - تعالى- ، فإن من صفاتهم أنهم يحبون إخوانهم الذين هاجروا إليهم حبا شديدا ، لأن الإيمان ربط قلوبهم برباط المودة والمحبة .

وقوله : ( وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ ) صفة أخرى من صفات الأنصار .ومعنى : ( يَجِدُونَ ) هنا : يحسون ويعلمون ، والضمير للأنصار ، وفى قوله ( أُوتُواْ ) للمهاجرين .

والحاجة فى الأصل : اسم مصدر بمعنى الاحتياج ، أى الافتقار إلى الشىء .والمراد بها هنا : المأرب أو الرغبة الناشئة عن التطلع إلى ما منحه النبى - صلى الله عليه وسلم - للمهاجرين دون الأنصار ، من فىء أو غيره .أى : أن من صفات الأنصار - أيضا - أنهم لا تتطلع نفوسهم إلى شىء مما أعطى للمهاجرين من الفىء أو غيره ، لأن المحبة التى ربطت قلوب الأنصار بالمهاجرين ، جعلت الأنصار يرتفعون عن التشوف إلى شىء مما أعطاه النبى - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين وحدهم .

.

.ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثالثة كريمة فقال : ( وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ .

.

.

) .والإيثار معناه : أن يؤثر الإنسان غيره على نفسه ، على سبيل الإكرام والنفع ، والخصاصة : شدة الحاجة ، وأصلها من خصاص البيت ، وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتحات .أى : أن من صفات الأنصار أنهم كانوا يقدمون فى النفع إخوانهم المهاجرين على أنفسهم ، ولو كانوا فى حاجة ماسة ، وفقر واضح ، إلى ما يقدمونه لإخوانهم المهاجرين .ولقد ضرب الأنصار - رضى الله عنهم - أروع الأمثال وأسماها فى هذا المضمار ، ومن ذلك ما رواه الشيخان والترمذى والنسائى وغيرهم عن أبى هريرة قال : " أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، أصابنى الجهد ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد شيئا ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله "؟

فقام رجل من الأنصار - وفى رواية أنه أبو طلحة - فقال : أنا يا رسول الله ، فذهب به إلى أهله ، فقال لامرأته : أكرمى ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : والله ما عندى إلا قوت الصيبة!!

قال : إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم ، وتعالى فأطفئى السراج ، ونطوى بطوننا الليلة لضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعلت .ثم غدا الضيف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة " وأنزل الله فيهما : ( وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ .

.

.

) .

"وقوله - سبحانه - : ( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون ) تذييل قصد به حض الناس على التحلى بفضيلة السخاء والكرم .والشح : يرى بعضهم أنه بمعنى البخل ، ويرى آخرون أن الشح غريزة فى النفس تحملها على الإمساك والتقتير ، وأما البخل فهو المنع ذاته ، فكأن البخل أثر من آثار الشح .قال صاحب الكشاف : " الشح " - بالضم والكسر قد قرئ بهما - : اللؤم ، وأن تكون نفس المرء كزة حريصة على المنع كما قال الشاعر :يمارس نفسا بين جنبيه كَزَّةً ...

إذا هَمَّ بالمعروف قالت له مهلاوقد أضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها ، وأما البخل فهو المنع نفسه ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح .

.

) أى : ومن يوق - بتوفيق الله وفضله - شح نفسه وحرصها على الإمساك ، فيخالفها فيما تأمره به من المنع والتقتير .

فأولئك الذين يخالفونها هم المفلحون ، الفائزون برضا الله - عز وجل - .ومن الأحاديث التى وردت فى النهى عن الشح ، ما أخرجه مسلم - فى صحيحه - عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

والمراد من الدار المدينة وهي دار الهجرة تبوأها الأنصار قبل المهاجرين وتقدير الآية: والذين تبوءوا المدينة والإيمان من قبلهم فإن قيل: في الآية سؤالان أحدهما: أنه لا يقال: تبوأ الإيمان والثاني: بتقدير أن يقال: ذلك لكن الأنصار ما تبوءوا الإيمان قبل المهاجرين والجواب عن الأول من وجوه: أحدها: تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: ولقد رأيتك في الوغى *** متقلداً سيفاً ورمحاً وثانيها: جعلوا الإيمان مستقراً ووطناً لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه، كما أنهم لما سألوا سلمان عن نسبه فقال: أنا ابن الإسلام.

وثالثها: أنه سمى المدينة بالإيمان، لأن فيها ظهر الإيمان وقوي والجواب: عن السؤال الثاني من وجهين: الأول: أن الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان والثاني: أنه على تقدير حذف المضاف والتقدير: تبوءوا الدار والإيمان من قبل هجرتهم، ثم قال: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ ﴾ وقال الحسن: أي حسداً وحرارة وغيظاً مما أوتي المهاجرون من دونهم، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحرارة، لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة، فأطلق اسم اللام على الملزوم على سبيل الكناية، ثم قال: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ يقال: آثره بكذا إذا خصه به، ومفعول الإيثار محذوف، والتقدير: ويؤثرونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.

عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لهم وإن شئتم كان لهم الغنيمة ولكم دياركم وأموالكم» فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في الغنيمة فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ فبين أن هذا الإيثار ليس عن غنى عن المال، ولكنه عن حاجة وخصاصة وهي الفقر، وأصلها من الخصاص وهي الفرج، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص، الواحد خصاصة، وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار للضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى يشبع الضيف، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار، والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء، ثم لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيثارات، ثم قال: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون ﴾ الشح بالضم والكسر، وقد قرئ بهما.

واعلم أن الفرق بين الشح والبخل هو أن البخل نفس المنع، والشح هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المنع، فلما كان الشح من صفات النفس، لا جرم قال تعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون ﴾ الظافرون بما أرادوا، قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقى شح نفسه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والذين تَبَوَّءُو ﴾ معطوف على المهاجرين، وهم الأنصار فإن قلت: ما معنى عطف الإيمان على الدار، ولا يقال: تبوّؤا الإيمان؟

قلت: معناه تبوّؤا الدار وأخلصوا الإيمان، كقوله: عَلَفْتُها تَيْنَاً وَمَاءً بَارِدَا أو: وجعلوا الإيمان مستقراً ومتوطناً لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك.

أو: أراد دار الهجرة ودار الإيمان، فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه.

أو سمى المدينة لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان بالإيمان ﴿ مِن قَبْلِهِمُ ﴾ من قبل المهاجرين؛ لأنهم سبقوهم في تبوّئ دار الهجرة والإيمان.

وقيل: من قبل هجرتهم ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ ﴾ ولا يعلمون في أنفسهم ﴿ حَاجَةً مّمَّا أُوتُواْ ﴾ أي طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره، والمحتاج إليه يسمى حاجة؛ يقال: خذ منه حاجتك، وأعطاه من ماله حاجته، يعني: أنّ نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطمح إلى شيء منه يحتاج إليه ﴿ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ أي خلة، وأصلها: خصاص البيت، وهي فروجه؛ والجملة في موضع الحال، أي: مفروضة خصاصتهم: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير على المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين: أبادجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحرث بن الصمة.

وقال لهم: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة، فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها.

فنزلت» ﴿ الشح ﴾ بالضم والكسر، وقد قرئ بهما-: اللؤم، وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع، كما قال: يُمَارِسُ نَفْساً بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً ** إذَا هَمَّ بِالْمَعْرُوفِ قَالَتْ لَهُ مَهْلاَ وقد أضيف إلى النفس؛ لأنه غريزة فيها.

وأما البخل فهو المنع نفسه.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح ﴾ [النساء: 128] .

﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ ومن غلب ما أمرته به منه وخالف هواها بمعونة الله وتوفيقه ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون ﴾ الظافرون بما أرادوا.

وقرئ: ﴿ ومن يوقَّ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ ﴾ بَدَلٌ مَن لِذِي القُرْبى وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَإنَّ الرَّسُولُ لا يُسَمّى فَقِيرًا، ومَن أعْطى أغْنِياءَ ذَوِي القُرْبى خَصَّصَ الإبْدالَ بِما بَعْدَهُ، أوِ الفَيْءَ بِفَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ.

﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ﴾ فَإنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أخْرَجُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم.

﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ﴾ حالٌ مُقَيَّدَةٌ لِإخْراجِهِمْ بِما يُوجِبُ تَفْخِيمَ شَأْنِهِمْ.

﴿ وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ.

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ في إيمانِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين} معطوف على المهاجرين وهم الانصار {تبوؤوا الدار} توطنوا المدينة {والإيمان} وأخلصوا الإيمان كقوله علفتها تبناً وماء بارداً أو وجعلوا الإيمان مستقراً ومتوطناً لهم لتمكنهم واستقامتهم عليه كما جعلوا المدينة كذلك أو أراد دار الهجرة فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف اليه وحذف تبوئ دار الهجرة والايمان وقيل من قبل المهاجرين هجرتهم {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} حتى شاطروهم أموالهم وأنزلوهم منازلهم ونزل من كانت له امرأتان عن احداهما حتى تزوج بها رجل من المهاجرين {وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمَّا أُوتُواْ} ولا يعلمون في أنفسهم طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره

والمحتاج إليه ويسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه وقيل حاجة

حسداً مما أعطي المهاجرون من الفيء حيث خصهم النبي صلى الله عليه وسلم به وقيل ٤ لا يجدون في صدورهم من حاجة من فقد ما أوتوا فحذف المضافان {وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} فقر وأصلها خصاص البيت وهي فروجه والجملة في موضع الحال أي مفروضة خصاصتهم روي أنه نزل برجل منهم ضيف فنوّم الصبية وقرّب الطعام وأطفأ المصباح ليشبع ضيفه ولا يأكل هو وعن أنس أهدى لبعضهم رأس مشوي وهو مجهود فوجهه إلى جاره فتداولته تسعة أنفس حق عاد إلى الأول أبو زيد قال لي شاب من أهل بلخ با الزهد عندكم قلت إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا فقال هكذا عندنا كلاب بلخ بل إذا فقدنا صبرنا وإذا وجدنا أثارنا {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون} الظافرون بما أرادوا والشح أكل اللؤم وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع وأما البخل فهو المنع نفسه وقيل الشح أكل مال أخيك ظلماً والبخل منع مالك وعن كسرى الشح أضر من الفقر لأن الفقير يتسع إذا وجد بخلاف الشحيح

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ ﴾ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُهاجِرِينَ، والمُرادُ بِهِمُ الأنْصارُ، والتَّبَوُّؤُ النُّزُولُ في المَكانِ، ومِنهُ المَباءَةُ لِلْمَنزِلِ، ونِسْبَتُهُ إلى الدّارِ والمُرادُ بِها المَدِينَةُ ظاهِرٌ، وأمّا نِسْبَتُهُ إلى الإيمانِ فَبِاعْتِبارِ جَعْلِهِ مُسْتَقَرًّا ومُتَوَطَّنًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ التَّخْيِيلِيَّةِ، والتَّعْرِيفُ في الدّارِ لِلتَّنْوِيهِ كَأنَّها الدّارُ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى دارًا وهي الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لَهم لِيَكُونَ تَبَوُّؤُهم إيّاها مَدْحًا لَهم.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الكَلامُ مِن بابِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا أيْ تَبَوَّؤُوا الدّارَ وأخْلَصُوا الإيمانَ، وقِيلَ: التَّبَوُّؤُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ اللُّزُومِ وهو لازِمُ مَعْناهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَزِمُوا الدّارَ والإيمانَ وقِيلَ: في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أنَّ ألْ في الدّارِ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ دارُ الهِجْرَةِ وهي تُغْنِي غَناءَ الإضافَةِ.

وفي ﴿ والإيمانَ ﴾ حَذْفُ مُضافٍ أيْ ودارَ الإيمانِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: تَبَوَّؤُوا دارَ الهِجْرَةِ ودارَ الإيمانِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالدّارَيْنِ المَدِينَةُ، والعَطْفُ كَما في قَوْلِكَ: رَأيْتُ الغَيْثَ واللَّيْثَ وأنْتَ تُرِيدُ زَيْدًا، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وقِيلَ: إنَّ الإيمانَ مَجازٌ عَنِ المَدِينَةِ سُمِّيَ مَحَلُّ ظُهُورِ الشَّيْءِ بِاسْمِهِ مُبالَغَةً وهو كَما تَرى، وقِيلَ: الواوُ لِلْمَعِيَّةِ والمُرادُ تَبَوَّؤُوا الدّارَ مَعَ إيمانِهِمْ أيْ تَبَوُّؤُوها مُؤْمِنِينَ، وهو أيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وأحْسَنُ الأوْجُهِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الدّارَ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى المَدِينَةِ كالمَدِينَةِ، وأنَّهُ أحَدُ أسْماءٍ لَها مِنها طِيبَةُ وطابَةُ ويَثْرِبُ وجابِرَةُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ المُهاجِرِينَ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِتَبَوَّؤُوا، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن قَبْلِ هِجْرَتِهِمْ فَنِهايَةُ ما يَلْزَمُ سَبْقُ الإيمانِ الأنْصارَ عَلى هِجْرَةِ المُهاجِرِينَ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ سَبْقُ إيمانِهِمْ عَلى إيمانِهِمْ لِيُقالَ: إنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ، وجُوِّزَ أنْ لا يُقَدَّرَ مُضافٌ، ويُقالُ: لَيْسَ المُرادُ سَبْقَ الأنْصارِ لَهم في أصْلِ الإيمانِ بَلْ سَبْقُهم إيّاهم في التَّمَكُّنِ فِيهِ لِأنَّهم لَمْ يُنازَعُوا فِيهِ لِما أظْهَرُوهُ.

وقِيلَ: الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ تَبَوَّؤُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ والإيمانَ فَيُفِيدُ سَبْقَهم إيّاهم في تَبَوُّئِ الدّارِ فَقَطْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ عَلى أنَّمِثْلَهُ لا يُقْبَلُ ما لَمْ يَتَضَمَّنْ نُكْتَةً سَرِيَّةً وهي غَيْرُ ظاهِرَةٍ ها هُنا وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ، وقُصارى ما تَدُلُّ الآيَةُ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ مَجْمُوعِ تَبَوُّئِ الأنْصارِ وإيمانِهِمْ عَلى تَبَوُّئِ المُهاجِرِينَ وإيمانِهِمْ، ويَكْفِي في تَقَدُّمِ المَجْمُوعِ تَقَدُّمُ بَعْضِ أجْزائِهِ وهو ها هُنا تَبَوُّؤُ الدّارِ، وتُعُقِّبَ بِمَنعِ الكِفايَةِ ولَوْ سُلِّمَتْ لَصَلُحَأنْ يُقالَ: بِتَقَدُّمِ تَبَوُّئِ المُهاجِرِينَ وإيمانِهِمْ عَلى تَبَوُّئِ الأنْصارِ وإيمانِهِمْ لِتَقَدُّمِ إيمانِ المُهاجِرِينَ ﴿ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَوْصُولِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، والكَلامُ قِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ مُواساتِهِمُ المُهاجِرِينَ وعَدَمِ الِاسْتِثْقالِ والتَّبَرُّمِ مِنهم إذا احْتاجُوا إلَيْهِمْ، وقِيلَ: عَلى ظاهِرِهِ أيْ يُحِبُّونَ المُهاجِرَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ مُهاجَرَتِهِ إلَيْهِمْ لِحُبِّهِمُ الإيمانَ ﴿ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ ﴾ أيْ ولا يَعْلَمُونَ في أنْفُسِهِمْ.

﴿ حاجَةً ﴾ أيْ طَلَبَ مُحْتاجٍ إلَيْهِ ﴿ مِمّا أُوتُوا ﴾ أيْ مِمّا أُعْطِيَ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ وغَيْرِهِ، وحاصِلُهُ أنَّ نُفُوسَهم لَمْ تَتْبَعْ ما أُعْطِيَ المُهاجِرُونَ ولَمْ تَطْمَحْ إلى شَيْءٍ مِنهُ تَحْتاجُ إلَيْهِ، فالوِجْدانُ إدْراكٌ عِلْمِيٌّ وكَوْنُهُ في الصَّدْرِ مِن بابِ المَجازِ، - والحاجَةُ - بِمَعْنى المُحْتاجِ إلَيْهِ، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ يُقالُ: خُذْ مِنهُ حاجَتَكَ وأعْطاهُ مِن مالِهِ حاجَتَهُ، و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُها بَيانِيَّةً والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وهو طَلَبٌ، وفِيهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ كَأنَّهم لَمْ يَتَصَوَّرُوا ذَلِكَ ولا مَرَّ في خاطِرِهِمْ أنَّ ذَلِكَ مُحْتاجٌ إلَيْهِ حَتّى تَطْمَحَ إلَيْهِ النَّفْسُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى - لا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ ما يَحْصُلُ عَلَيْهِ الحاجَةُ كالحَزازَةِ والغَيْظِ والحَسَدِ والغِبْطَةِ لِأجْلِ ما أُعْطِيَ المُهاجِرُونَ - عَلى أنَّ الحاجَةَ مَجازٌ عَمّا يَتَسَبَّبُ عَنْها، قِيلَ: عَلى أنَّهُ كِنايَةٌ عَمّا ذُكِرَ لِأنَّهُ لا يَنْفَكُّعَنِ الحاجَةِ فَأُطْلِقَ اسْمُ اللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ، وما تَقَدَّمَ أوْلى، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أيَّ أثَرِ حاجَةٍ تَقْدِيرُ مَعْنى لا إعْرابٌ، و”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِمّا أُوتُوا ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ ﴿ ويُؤْثِرُونَ ﴾ أيْ يُقَدِّمُونَ المُهاجِرِينَ ﴿ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الطَّيِّباتِ حَتّى أنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ امْرَأتانِ كانَ يَنْزِلُ عَنْ إحْداهُما ويُزَوِّجُها واحِدًا مِنهم، ويَجُوزُ أنْ لا يُعْتَبَرَ مَفْعُولُ - يُؤَثِّرُونَ - خُصُوصَ المُهاجِرِينَ، أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أصابَنِي الجُهْدُ فَأرْسَلَ إلى نِسائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا رَجُلٌ يُضَيِّفُ هَذا الرَّجُلَ اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ؟

فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ - وفي رِوايَةٍ - فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ فَذَهَبَ بِهِ إلى أهْلِهِ فَقالَ لِامْرَأتِهِ: أكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَتْ: واللَّهِ ما عِنْدِي إلّا قُوتَ الصِّبْيَةِ قالَ: إذا أرادَ الصِّبْيَةُ العَشاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وتَعالَيْ فَأطْفِئِي السِّراجَ ونَطْوِي اللَّيْلَةَ لِضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَفَعَلَتْ ثُمَّ غَدا الضَّيْفُعَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ مِن فُلانٍ وفُلانَةَ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِما ﴿ ويُؤْثِرُونَ ﴾ »» إلَخْ.

وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قالَ: أُهْدِيَ لِرَجُلٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأْسُ شاةٍ فَقالَ: إنَّ أخِي فُلانًا وعِيالَهُ أحْوَجُ إلى هَذا مِنّا فَبَعَثَ بِهِ إلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ بِهِ واحِدٌ إلى آخَرَ حَتّى تَداوَلَهُ أهْلُ سَبْعَةِ أبْياتٍ حَتّى رَجَعَ إلى الأوَّلِ فَنَزَلَتْ ﴿ ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ﴾ أيْ حاجَةٌ مِن خَصاصِ البَيْتِ وهو ما يَبْقى بَيْنَ عِيدانِهِ مِنَ الفُرَجِ والفُتُوحِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ ذَلِكَ مِرارًا ﴿ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ الشُّحُّ اللُّؤْمُ وهو أنْ تَكُونَ النَّفْسُ كَزَّةً حَرِيصَةً عَلى المَنعِ كَما قالَ: يُمارِسُ نَفْسًا بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً إذا هَمَّ بِالمَعْرُوفِ قالَتْ لَهُ مَهْلا وأُضِيفَ إلى النَّفْسِ لِأنَّهُ غَرِيزَةٌ فِيها، وأمّا البُخْلُ فَهو المَنعُ نَفْسُهُ، وقالَ الرّاغِبُ: الشُّحُّ بُخْلٌ مَعَ حِرْصٍ وذَلِكَ فِيما كانَ عادَةً، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: البُخْلُ أنْ يَبْخَلَ الإنْسانُ بِما في يَدِهِ، والشُّحُّ أنْ يَشِحَّ عَلى ما في أيْدِي النّاسِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنِّي أخافُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ قالَ: وما ذاكَ ؟

قالَ: إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ الآيَةَ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ لا يَكادُ يَخْرُجُ مِنِّي شَيْءٌ فَقالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ ذاكَ بِالشُّحِّ ولَكِنَّهُ البُخْلُ ولا خَيْرَ في البُخْلِ، وإنَّ الشُّحَّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَيْسَ الشُّحُّ أنْ يَمْنَعَ الرَّجُلُ مالَهُ ولَكِنَّهُ البُخْلُ إنَّما الشُّحُّ أنْ تَطْمَحَ عَيْنُ الرَّجُلِ إلى ما لَيْسَ لَهُ، ولَمْ أرَ لِأحَدٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ شَيْئًا مِن هَذِهِ التَّفاسِيرِ لِلشُّحِّ، ولَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ البُخْلُ المُتَناهِي بِحَيْثُ يَبْخَلُ المُتَّصِفُ بِهِ بِمالِ غَيْرِهِ أيْ لا يَوَدُّ جُودَ الغَيْرِ بِهِ وتَنْقَبِضُ نَفْسُهُ مِنهُ ويَسْعى في أنْ لا يَكُونَ، أوْ بِحَيْثُ يَبْلُغُ بِهِ الحِرْصُ إلى أنْ يَأْكُلَ مالَ أخِيهِ ظُلْمًا أنْ تَطْمَحَ عَيْنُهُ إلى ما لَيْسَ لَهُ ولا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِأنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «ومَن يُوَقَّ» بِشَدِّ القافِ، وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «شِحَّ» بِكَسْرِ الشِّينِ، وجاءَ فِيهِ لُغَةُ الفَتْحِ أيْضًا، ومَعْنى الكُلِّ واحِدٌ، ومَعْنى الآيَةِ ومَن يُوقَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى ومَعُونَتِهِ شُحَّ نَفْسِهِ حَتّى يُخالِفَها فِيما يَغْلُبُ عَلَيْها مِن حُبِّ المالِ وبُغْضِ الإنْفاقِ ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ النّاجُونَ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ تَذْيِيلٌ حَسَنٌ ومَدْحٌ لِلْأنْصارِ بِما هو غايَةٌ لِتَناوُلِهِ إيّاهم تَناوُلًا أوَّلِيًّا، وفي الإفْرادِ أوَّلًا والجَمْعِ ثانِيًا رِعايَةٌ لِلَفْظِ مَن ومَعْناها وإيماءٌ إلى قِلَّةِ المُتَّصِفِينَ بِذَلِكَ في الواقِعِ عَدَدًا وكَثْرَتِهِمْ مَعْنى: والنّاسُ ألْفٌ مِنهم كَواحِدٍ ∗∗∗ وواحِدٌ كالألْفِ إنْ أمْرٌ عَنا ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ ذَمُّ الشُّحِّ جِدًّا، وقَدْ ورَدَتْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ بِذَمِّهِ، أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو يَعْلى وابْنُمَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «ما مَحَقَ الإسْلامَ مَحْقَ الشُّحِّ شَيْءٌ قَطُّ» .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ««لا يَجْتَمِعُ غُبارٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ودُخانُ نارِ جَهَنَّمَ في جَوْفِ عَبْدٍ أبَدًا ولا يَجْتَمِعُ الإيمانُ والشُّحُّ في قَلْبِ عَبْدٍ أبَدًا»» .

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ - وقالَ غَرِيبٌ - والبُخارِيُّ في الأدَبِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا ««خَصْلَتانِ لا يَجْتَمِعانِ في جَوْفِ مُسْلِمٍ البُخْلُ وسُوءُ الخُلُقِ»» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَدِيٍّ والحاكِمُ والخَطِيبُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ وغَرَسَ أشْجارَها بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ لَها: انْطِقِي فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وعِزَّتِي وجَلالِي لا يُجاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ  ﴿ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ».

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ ومُسْلِمٌ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ واتَّقُوا الشُّحَّ فَإنَّ الشُّحَّ قَدْ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم حَمَلَهم عَلى أنْ سَفَكُوا دِماءَهم واسْتَحَلُّوا مَحارِمَهم»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ تَقْوى الشُّحِّ لا تَتَوَقَّفُ عَلى أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ جَوادًا بِكُلِّ شَيْءٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ والضِّياءُ عَنْ مَجْمَعِ بْنِ يَحْيى مَرْفُوعًا ««بَرِئَ مِنَ الشُّحِّ مَن أدّى الزَّكاةَ وقَرى الضَّيْفَ وأدّى في النّائِبَةِ»» .

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ما يَقْرُبُ مِنهُ، وكَذا ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ فَقَدْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ، يعني: لولا أن قضى الله عليهم الإخراج من جزيرة العرب إلى الشام، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا يعني: لعذبهم بالقتل والسبي.

وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ، يعني: ذلك الذي أصابهم من الجلاء في الدنيا والعذاب في الآخرة.

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ، يعني: خالفوا الله ورسوله في الدين، ويقال: عادوا الله ورسوله.

وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ وأصله من يشاقق الله، إلا أن إحدى القافين أدغمت في الأخرى وشددت، يعني: من يخالف الله ورسوله في الدين، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، يعني: إذا عاقب، فعقوبته شديدة.

قوله عز وجل: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ يعني: من نخلة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فلم تقطعوها، فَبِإِذْنِ اللَّهِ يعني: بأمر الله.

وقال عكرمة: لما دخل المسلمون على بني النضير، أخذوا يقطعون النخل، فنهاهم بعضهم، وتأولوا قوله تعالى: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [البقرة: 205] وقال بعضهم: يقطع ويتأول قوله تعالى: وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا [التوبة: 120] ، فأنزل الله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ.

وقال الزهري في قوله: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ اللينة: ألوان النخل كلها إلا العجوة، وقال الضحاك: اللينة: النخلة الكرمة والشجرة الطيبة المثمرة، وقال مجاهد: اللينة: الشجرة المثمرة.

وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين.

فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعها، وبتحليل من قطعها، وإنما قطعها وتركها بإذن الله تعالى.

وعن ابن عباس أنه قال: أمر النبي  بقطع النخل، فشق ذلك على بني النضير مشقة شديدة، فقالوا للمؤمنين: تزعمون أنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون في الأرض، فدعوها قائمة فإنما هي لمن غلب، فنزل: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ واللينة هي النخلة كلها ما خلا العجوة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها وهي العجوة فَبِإِذْنِ اللَّهِ يعني: القطع والترك بإذن الله.

وروي عن النبيّ  أنه أمر عبد الله بن سلام، وأبا ليلى المازني بقطع النخل، فكان أبو ليلى يقطع العجوة، وكان عبد الله بن سلام يقطع اللون، فقيل لأبي ليلى: لِمَ تقطع العجوة؟

قال: لأن فيه كبت العدو.

وقيل لابن سلام: لِمَ تقطع اللون، قال: لأني أريد أن تبقى العجوة للمسلمين.

فأنزل الله تعالى رضاً بما فعل الفريقان، فقال الله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ.

ثم قال عز وجل: وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ يعني: وليذل العاصين الناقضين العهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: مَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ...

الآية: أهل القرى في هذه الآية: هم أهل الصفراء والينبوع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب، وذلك أَنَّها فُتِحَتْ في ذلك الوقت من غير إيجاف، وأعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جميعَ ذلك للمهاجرين، ولم يحبس منها لنفسه شيئاً، ولم يعط الأنصار شيئاً لغناهم، والقُرْبَى في الآية: قرابته صلّى الله عليه وسلّم مُنِعُوا الصدقةَ فَعُوِّضُوا من الفيء.

وقوله سبحانه: كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ: مخاطبة للأنصار لأَنَّهُ لم يكن في المهاجرين في ذلك الوقت غَنِيٌّ، والمعنى: كي لا يتداول ذلك المالَ الأغنياءُ بتصرفاتهم، ويبقى المساكينُ بلا شيءٍ، وقد مضى القولُ في الغنائم في سورة الأنفال، ورُوِيَ أَنَّ قوماً من الأنصار تكلّموا في هذه القرى المفتحة، وقالوا: لنا منها سَهْمُنَا، فنزل قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ...

الآية: فَرَضُوا بذلك، ثم اطَّرَدَ بعد معنى الآية في أوامر النبي صلّى الله عليه وسلّم ونواهيه، حَتَّى قال قوم: إنَّ الخمر مُحَرَّمَةٌ في كتاب اللَّه بهذه الآية، وانتزع منها ابن مسعود لعنة الواشمة، الحديث «١» .

ت: وبهذا المعنى يحصل التعميم للأشياء في قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] .

لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)

وقوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ: بيان لقوله: وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وكرر لام الجر، لما كانت الجملة الأولى مجرورةً باللام ليبيِّنَ أَنَّ البدل إنَّما هو منها، ثم/ وصفهم تعالى بالصفة التي تقتضي فقرهم، وتُوجِبُ الشفقة عليهم، وهي إخراجهم من ديارهم وأموالهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً: يريد به الآخرة والجنة: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي: في الأقوال والأفعال والنِّيَّاتِ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ: هم الأنصار- رضي اللَّه عن جميعهم-، والضمير في مِنْ قَبْلِهِمْ للمهاجرين، والدار هي المدينة، والمعنى:

تبوؤوا الدار مع الإيمان، وبهذا الاقتران يتضح معنى قوله تعالى: مِنْ قَبْلِهِمْ فتأمله، قال- ص-: وَالْإِيمانَ منصوب بفعل مُقَدَّرٍ، أي: واعتقدوا الإيمان، فهو من عطف

الجمل كقوله: [من الرجز]

عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ...

......

انتهى، وقيل غير هذا، وأثنى اللَّه تعالى في هذه الآية على الأنصار بِأَنَّهُمْ يحبون المهاجرين، وبأَنَّهم يؤثرون على أنفسهم، وبأَنَّهم قد وُقُوا شُحَّ أنفسهم.

ت: وروى الترمذيُّ عن أنس قال: «لمّا قدم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم المَدِينَةَ أَتَاهُ المُهَاجِرُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْماً أَبْذَلَ لِكَثِيرٍ وَلاَ أَحْسَنَ مُوَاساةً في قلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أظهرهم لقد كفونا المئونة، وَأَشْرَكُونَا في الْمِهْنَةِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يذهبوا بالأجر كلّه، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لاَ، مَا دَعَوتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ» «١» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انتهى، والحاجة: الحسد في هذا الموضع قاله الحسن «٢» ، ثم يَعُمُّ بعدُ وُجُوهاً، وقال الثعلبيُّ: حاجَةً أي: حَزَازَةً، وقيل: حسداً مِمَّا أُوتُوا أي: مما أعطي المهاجرون من أموال بَنِي النضير والقرى، انتهى.

وقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ: صفة للأنصار، وجاء الحديث الصحيح من غير ما طريق، أَنَّها نزلت/ بسبب رجل من الأنصار وصنيعه مع ضيفِ رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم إذْ نَوَّمَ صبيانه، وَقَدَّمَ للضيف طعامَه، وأطفأتْ أهلُه السراجَ، وأوهما الضيفَ أَنَّهُمَا يأكلان معه، وباتا طاويين فلمَّا غدا الأنصاريُّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِكُمَا الْبَارِحَةَ» «٣» ونزلت الآية في ذلك، قال صاحب «سلاح المؤمن» : الرجل الأنصاريّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الحَشْرِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ جَمِيعَها أُنْزِلَتْ في بَنِي النَّضِيرِ.

وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُسَمِّي هَذِهِ السُّورَةَ "سُورَةَ بَنِي النَّضِيرِ" وهَذِهِ الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ.

ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ والسِّيَرِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  خَرَجَ إلى مَسْجِدِ قِباءٍ، ومَعَهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ، فَصَلّى فِيهِ، ثُمَّ أتى بَنِي النَّضِيرِ، فَكَلَّمَهم أنْ يُعِينُوهُ في دِيَةِ رَجُلَيْنِ كانَ قَدْ آمَنَهُما، فَقَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضِّمْرِيُّ وهو لا يَعْلَمُ، فَقالُوا: نَفْعَلُ، وهَمُّوا بِالغَدْرِ بِهِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ جِحاشٍ: أنا أظْهَرُ عَلى البَيْتِ، فَأطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَقالَ سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ: لا تَفْعَلُوا، واللَّهِ لَيُخْبَرَنَّ بِما هَمَمْتُمْ بِهِ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ  الخَبَرَ، فَنَهَضَ سَرِيعًا، فَتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ، فَلَحِقَهُ أصْحابُهُ، فَقالُوا: قُمْتَ ولَمْ نَشْعُرْ؟!

فَقالَ: هَمَّتْ يَهُودٌ بِالغَدْرِ، فَأخْبَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ، فَقُمْتُ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ: أنِ اخْرُجُوا مِن بَلْدَتِي، فَلا تُساكِنُونِي، وقَدْ هَمَمْتُمْ بِما هَمَمْتُمْ بِهِ، وقَدْ أجَّلْتُكم عَشْرًا.

فَمَن رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَمَكَثُوا أيّامًا يَتَجَهَّزُونَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ ابْنُ أُبَيٍّ: لا تَخْرُجُوا، فَإنَّ مَعِي ألْفَيْنِ مِن قَوْمِي وغَيْرِهِمْ، وتَمُدُّكم قُرَيْظَةُ، وحُلَفاؤُكم مِن غَطَفانَ، وطَمِعَ حُيَيٌّ فِيما قالَ ابْنُ أُبَيٍّ، فَأرْسَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  : إنّا لا نَخْرُجُ، فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ  ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ لِتَكْبِيرِهِ، وقالَ: حارَبَتْ يَهُودٌ، ثُمَّ سارَ إلَيْهِمْ في أصْحابِهِ، فَلَمّا رَأوْهُ قامُوا، عَلى حُصُونِهِمْ مَعَهُمُ النَّبْلُ والحِجارَةُ، فاعْتَزَلَتْهم قُرَيْظَةُ، وخَذَلَهُمُ ابْنُ أُبَيٍّ، وحُلَفاؤُهم مِن غَطَفانَ، وكانَ رَئِيسُهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ قَدْ خَرَجَ إلى مَكَّةَ فَعاقَدَ المُشْرِكِينَ عَلى التَّظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ، فَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فاغْتَرَّهُ فَقَتَلَهُ، وحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ، وقَطَعَ نَخْلَهُمْ، فَقالُوا: نَحْنُ نَخْرُجُ عَنْ بِلادِكَ، فَأجْلاهم عَنِ المَدِينَةِ، فَمَضى بَعْضُهم إلى الشّامِ، وبَعْضُهم إلى خَيْبَرَ، وقَبَضَ سِلاحَهم وأمْوالَهُمْ، فَوَجَدَ خَمْسِينَ دِرْعًا، وخَمْسِينَ بَيْضَةً، وثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ سَيْفًا.» فَأمّا التَّفْسِيرُ فَقَدْ ذَكَرْنا فاتِحَةَ هَذِهِ السُّورَةِ في [الحَدِيدِ: ١] أحَدُها: أنَّهم أوَّلُ مَن حُشِرَ وأُخْرِجَ مِن دارِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هم أوَّلُ مَن نُفِيَ مِن أهْلِ الكِتابِ.

والثّانِي: أنَّ هَذا كانَ أوَّلَ حَشْرِهِمْ، والحَشْرُ الثّانِي: إلى أرْضِ المَحْشَرِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ عِكْرِمَةُ: مَن شَكَّ أنَّ المَحْشَرَ إلى الشّامِ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ، «وَأنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَهم يَوْمَئِذٍ: اخْرُجُوا، فَقالُوا: إلى أيْنَ؟

قالَ: إلى أرْضِ المَحْشَرِ.» والثّالِثُ: أنَّ هَذا كانَ أوَّلَ حَشْرِهِمْ.

والحَشْرُ الثّانِي: نارٌ تَحْشُرُهم مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ هَذا كانَ أوَّلَ حَشْرِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ، والحَشْرُ الثّانِي: مِن خَيْبَرَ، وَجَمِيعِ جَزِيرَةِ العَرَبِ إلى أذَرِعاتٍ، وأرِيحا مِن أرْضِ الشّامِ في أيّامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، قالَهُ مُرَّةُ الهَمَدانِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما ظَنَنْتُمْ ﴾ يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ ﴿ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ مِن دِيارِهِمْ لِعِزِّهِمْ، ومَنعَتِهِمْ، وحُصُونِهِمْ ﴿ وَظَنُّوا ﴾ يَعْنِي: بَنِي النَّضِيرِ أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم مِن سُلْطانِ اللَّهِ ﴿ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ بِقِتالِهِمْ وإجْلائِهِمْ، ولَمْ يَكُونُوا يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ، ولا يَحْسَبُونَهُ ﴿ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ لِخَوْفِهِمْ مِن رَسُولِ اللَّهِ  ، وقِيلَ: لِقَتْلِ سَيِّدِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو "يُخَرِّبُونَ" بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ الباقُونَ"يُخْرِبُونَ" .

وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ، أمْ لا؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُشَدَّدَةَ مَعْناها: النَّقْضُ والهَدْمُ.

والمُخَفَّفَةَ مَعْناها: يَخْرُجُونَ مِنها ويَتْرُكُونَها خَرابًا مُعَطَّلَةً، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: إنَّما اخْتَرْتُ التَّشْدِيدَ، لِأنَّ بَنِي النَّضِيرِ نَقَضُوا مَنازِلَهُمْ، ولَمْ يَرْتَحِلُوا عَنْها وهي مَعْمُورَةٌ.

والثّانِي: أنَّ القِراءَتَيْنِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

والتَّخْرِيبُ والإخْرابُ لُغَتان ِبِمَعْنًى، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيما فَعَلُوا بِمَنازِلِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ المُسْلِمُونَ كُلَّما ظَهَرُوا عَلى دارٍ مِن دُورِهِمْ هَدَمُوها لِيَتَّسِعَ لَهم مَكانُ القِتالِ، وكانُوا هم يُنَقِّبُونَ دُورَهُمْ، فَيَخْرُجُونَ إلى ما يَلِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ المُسْلِمُونَ كُلَّما هَدَمُوا شَيْئًا مِن حُصُونِهِمْ نَقَضُوا ما يَبْنُونَ بِهِ الَّذِي خَرَّبَهُ المُسْلِمُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَنْظُرُونَ إلى الخَشَبَةِ في مَنازِلِهِمْ، أوِ العَمُودِ، أوِ البابِ، فَيَسْتَحْسِنُونَهُ، فَيَهْدِمُونَ البُيُوتَ، ويَنْزِعُونَ ذَلِكَ مِنها، ويَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ، ويُخَرِّبُ المُؤْمِنُونَ باقِيَها، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يُخَرِّبُونَها لِئَلّا يَسْكُنُها المُؤْمِنُونَ، حَسَدًا مِنهُمْ، وبَغْيًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ الِاعْتِبارُ: النَّظَرُ في الأُمُورِ، لِيُعْرَفَ بِها شَيْءٌ آخَرُ مِن جِنْسِها، و " الأبْصارِ " العُقُولُ.

والمَعْنى: تَدَبَّرُوا ما نَزَلَ بِهِمْ ﴿ وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ ﴾ أيْ: قَضى ﴿ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ ﴾ وهو خُرُوجُهم مِن أوْطانِهِمْ.

وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ بَيْنَ الإخْراجِ والجَلاءِ فَرْقَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ الجَلاءَ: ما كانَ مَعَ الأهْلِ والوَلَدِ، والإخْراجُ: قَدْ يَكُونُ مَعَ بَقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ.

والثّانِي: أنَّ الجَلاءَ لا يَكُونُ إلّا لِجَماعَةٍ.

والإخْراجُ: قَدْ يَكُونُ لِواحِدٍ ولِجَماعَةٍ.

والمَعْنى: لَوْلا أنَّ اللَّهَ قَضى عَلَيْهِمْ بِالخُرُوجِ ﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، كَما فَعَلَ بِقُرَيْظَةَ ﴿ وَلَهم في الآخِرَةِ ﴾ مَعَ ما حَلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا عَذاب النّارِ، ذَلِكَ الَّذِي أصابَهم ﴿ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ الآيَةِ [الأنْفالِ: ١٣] و[مُحَمَّدٍ: ٣٢] .

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ مُصالَحَةِ أهْلِ الحَرْبِ عَلى الجَلاءِ مِن دِيارِهِمْ مِن غَيْرِ سَبْيٍ ولا اسْتِرْقاقٍ، وَلا جِزْيَةٍ، ولا دُخُولٍ في ذِمَّةٍ، وهَذا حُكْمٌ مَنسُوخٌ إذا كانَ في المُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلى قِتالِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِقِتالِ الكُفّارِ حَتّى يُسْلِمُوا، أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ.

وإنَّما يَجُوزُ هَذا الحُكْمُ إذا عَجَزَ المُسْلِمُونَ عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى إدْخالِهِمْ في الإسْلامِ أوِ الذِّمَّةِ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ مُصالَحَتُهم عَلى الجَلاءِ مِن بِلادِهِمْ.

وفي هَذِهِ القِصَّةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ مُصالَحَتِهِمْ عَلى مَجْهُولٍ مِنَ المالِ، لِأنَّ النَّبِيَّ  صالَحُهم عَلى أرْضِهِمْ، وعَلى الحَلْقَةِ، وتَرَكَ لَهم ما أقَلَّتِ الإبِلُ، وذَلِكَ مَجْهُولٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  حَرَقَ نَخَلَ بَنِي النَّضِيرِ، وقَطَعَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ بِبَنِي النَّضِيرِ تَحَصَّنُوا في حُصُونِهِمْ، فَأمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ، وإحْراقِها، فَجَزِعُوا، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ زَعَمْتَ أنَّكَ تُرِيدُ الصَّلاحَ، أفَمِنَ الصَّلاحِ عَقْرُ الشَّجَرِ، وقَطْعُ النَّخْلِ؟

وهَلْ وجَدْتَ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ الفَسادَ في الأرْضِ؟

فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، ووَجَدَ المُسْلِمُونَ في أنْفُسِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ.

واخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَقْطَعُوا، فَإنَّهُ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْنا.

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَغِيظُهم بِقَطْعِهِ،» والثّانِي: أنَّهُ النَّخْلُ والشَّجَرُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ألْوانُ النَّخْلِ كُلِّها إلّا العَجْوَةَ، والبَرْنِيَّةَ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ المَدِينَةِ يُسَمُّونَ جَمِيعَ النَّخِيلِ: الألْوانَ، ما خَلا البَرْنِيَّ، والعَجْوَةَ.

وأصْلُ "لِينَةٍ" لِوْنَةٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.

والرّابِعُ: أنَّها النَّخْلُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعَطِيَّةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: ما قَطَعْتُمْ مِن ألْوانِ النَّخِيلِ.

والخامِسُ: أنَّها كِرامُ النَّخْلِ، قالَهُ سُفْيانُ.

والسّادِسُ: أنَّها ضَرْبٌ مِنَ النَّخْلِ يُقالُ لِتَمْرِها: اللَّوْنُ، وهي شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، تَرى نَواهُ مِن خارِجٍ، وكانَ أعْجَبَ ثَمَرِهِمْ إلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وفي عَدَدِ ما قَطَعَ المُسْلِمُونَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قَطَعُوا وأحْرَقُوا سِتَّ نَخْلاتٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أحْرَقُوا نَخْلَةً وقَطَعُوا نَخْلَةً قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: قَطَعُوا أرْبَعَ نَخْلاتٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ ومُقاتِلٌ: بِأمْرِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.

وخِزْيُهُمْ: أنْ يُرِيَهم أمْوالَهم يَتَحَكَّمُ فِيها المُؤْمِنُونَ كَيْفَ أحَبُّوا.

والمَعْنى: ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ، أذِنَ في ذَلِكَ، ودَلَّ عَلى المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكم وما آتاكُمُ الرَسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عنهُ فانْتَهُوا واتَّقُوا اللهُ إنَّ اللهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن اللهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللهِ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصادِقُونَ ﴾ أهْلُ القُرى المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هم أهْلُ الصَفْراءِ واليَنْبُوعِ ووادِي القُرى وما هُنالِكَ مِن قُرى العَرَبِ الَّتِي تُسَمّى قُرى عَرَبِيَّةً، وحُكْمُها مُخالِفٌ لِبَنِي النَضِيرِ، ولَمْ يَحْبِسْ رَسُولُ اللهِ  مِن هَذِهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، بَلْ أمْضاها لِغَيْرِهِ؛ وذَلِكَ أنَّها في ذَلِكَ الوَقْتِ فَتُحِتْ، واخْتَلَفَ الناسُ في صِفَةِ فَتْحِها -فَقِيلَ: غَزاها رَسُولُ اللهِ  ، وبَعَثَ بَعْثًا إلى كُلِّ مَكانٍ فَأطاعَ وأعْطاهُ أهْلَهُ فَكانَ مِمّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ، وكانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الغَنائِمِ، ولَيْسَ في الآيَةِ نَسْخٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وأعْطى رَسُولُ اللهِ  جَمِيعَ ذَلِكَ لِلْمُهاجِرِينَ ولَمْ يُعْطَ الأنْصارُ مِنها شَيْئًا.

وقالَ قَتادَةُ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ: كانَتْ هَذِهِ القُرى قَدْ أوجَفَ عَلَيْها ولَكِنَّ هَذا حُكْمُ ما يُوجَفُ عَلَيْهِ، ثُمَّ نَسَخَ اللهُ تَعالى هَذا الحُكْمَ بِآيَةِ الأنْفالِ فَجَعَلَ فِيها الخُمْسَ لِهَذِهِ الأصْنافِ وبَقِيَتِ الأرْبَعَةُ الأخْماسُ لِلْمُقاتِلَةِ، وآيَةُ هَذِهِ السُورَةِ لَمْ يَكُنْ فِيها لِلْمُقاتِلَةِ، وهَذا القَوْلُ يَضْعُفُ لِأنَّ آيَةَ الأنْفالِ نَزَلَتْ إثْرَ بَدْرٍ قَبْلَ بَنِي النَضِيرِ وقَبْلَ أمْرِ هَذِهِ القُرى بِسَنَةٍ ونَيِّفٍ، و"القُرْبى" في هَذِهِ الآيَةِ قُرابَةَ النَبِيِّ  ، مَنَعُوا الصَدَقَةَ فَعَوَّضُوا مِنَ الفَيْءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ ﴾ مُخاطَبَةً لِلْأنْصارِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في المُهاجِرِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غَنِيٌّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "يَكُونُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتاءِ، وهِيَ"كانَ" التامَّةُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "دُولَةً" بِضَمِّ الدالِّ ونَصْبِ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "دَوْلَةً" بِفَتْحِ الدالِّ ونَصْبِ الهاءِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "دُولَةٌ" بِضَمِّ الدالِ والهاءِ.

وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ الكِسائِيُّ وحُذّاقُ النَظْرَةِ: الفَتْحُ في المُلْكِ: -بِضَمِّ المِيمِ- لِأنَّها الفِعْلَةُ في الدَهْرِ، والضَمُّ في المِلْكِ -بِكَسْرِ المِيمِ- والمَعْنى أنَّها كالعَوارِيِّ، فَيَتَداوَلُ الأغْنِياءُ ذَلِكَ المالَ بِتَصَرُّفاتِهِمْ ويَبْقى المَساكِينُ بِلا شَيْءٍ، ولا حَظٍّ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأمْوالِ لِيَتِيمٍ غَنِيٍّ ولا لِابْنِ سَبِيلٍ حاضِرِ المالِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في الغَنائِمِ في سُورَةِ [الأنْفالِ].

ورَوى أنَّ قَوْمًا مِنَ الأنْصارِ تَكَلَّمُوا في هَذِهِ القُرى المُفْتَتَحَةِ وقالُوا: لَنا مِنها سَهْمَنا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما آتاكُمُ الرَسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ الآيَةُ...

مُؤَدِّبًا في ذَلِكَ وزاجِرًا ثُمَّ اطَّرَدَ بَعْدَ مَعْنى الآيَةِ في أوامِرِ النَبِيِّ  ونَواهِيهِ، حَتّى قالَ قَوْمٌ: إنَّ الخَمْرَ مُحَرَّمَةٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وانْتَزَعَ مِنها ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَعْنَةَ الواشِمَةِ والمُسْتَوْشِمَةِ...

الحَدِيثُ، ورَأى مُحْرِمًا في ثِيابِهِ المَخِيطَةِ فَقالَ لَهُ: اطْرَحْ هَذا عنكَ، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: أتَقْرَأُ عَلَيَّ بِذَلِكَ آيَةً مِن كِتابِ اللهِ تَعالى؟

فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: نَعَمْ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ" بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ ﴾ ، فَكَرَّرَ لامَ الجَرِّ لَمّا كانَتِ الأولى مَجْرُورَةً بِاللامِ لِيُبَيِّنَ أنَّ البَدَلَ إنَّما هو مِنها، ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِالصِفَةِ الَّتِي تَقْتَضِي فَقْرَهم وتُوجِبُ الإشْفاقَ عَلَيْهِمْ، وهي إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وجَمِيعِ المُهاجِرِينَ إمّا أخْرَجَهُمُ الكَفّارُ وإمّا أحْوالُ الكُفّارِ وظُهُورُهم وفَرْضُ الهِجْرَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ووَصَفَهم بِالفَقْرِ وإنْ كانَ لَهم بَعْضُ أمْوالٍ وهي حالُ الفَقْرِ في اللُغَةِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ [الكَهْفِ].

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَبْتَغُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، والفَضْلُ والرِضْوانُ يُرادُ بِهِ الآخِرَةُ والجَنَّةُ، ونَصْرُ اللهِ هو نَصْرُ شَرْعِهِ ونَبِيِّهِ  .

و"الصادِقُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ يَجْمَعُ صِدْقَ اللِسانِ وصِدْقَ الأفْعالِ لِأنَّ أفْعالَهم في أمْرِ هِجْرَتِهِمْ إنَّما كانَتْ وفْقَ أقْوالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أن ﴿ الذين ﴾ عطف على ﴿ المهاجرين ﴾ [الحشر: 8] أي والذين تبوّؤا الدار.

والذين تبوّؤا الدار هم الأنصار.

والدّار تطلق على البلاد، وأصلُها مَوضع القبيلة من الأرض.

وأطلقت على القرية قال تعالى في ذكر ثمود ﴿ فأصبحوا في دَارهم جاثمين ﴾ [الأعراف: 78]، أي في مدينتهم وهي حجر ثمود.

والتعريف هنا للعهد لأن المراد بالدار: يثرب، والمعنى الذين هم أصحاب الدار.

هذا توطئة لقوله: ﴿ يحبون من هاجر إليهم ﴾ .

والتبوُّء: اتخاذ المباءة وهي البُقعة التي يَبوء إليها صاحبها، أي يرجع إليها بعد انتشاره في أعماله.

وفي موقع قوله: ﴿ والإيمان ﴾ غموض إذ لا يصح أن يكون مفعولاً لفعل تبوَّءوا، فتأوله المفسرون على وجهين: أحدهما أن يجعل الكلام استعارة مكنية بتشبيه الإِيمان بالمَنْزل وجعْل إثبات التَّبَوُّءِ تخييلاً فيكون فعل تبوأوا مستعملاً في حقيقته ومجازه.

وجمهور المفسرين جعلوا المعطوف عاملاً مقدراً يدلّ عليه الكلام، تقديره: وأخلصوا الإِيمان على نحو قول الراجز الذي لا يعرف: علفتها تبناً وماءً بارداً *** وقول عبد الله بن الزِّبَعْرَى: يا ليت زوجَككِ قد غدا *** متقلداً سيفاً ورمحاً أي وممسكاً رمحاً وهو الذي درج عليه في «الكشاف».

وقيل الواو للمعية.

و ﴿ الإِيمانَ ﴾ مفعول معه.

وعندي أن هذا أحسن الوجوه، وإن قلّ قائلوه.

والجمهور يجعلون النصب على المفعول معه سماعياً فهو عندهم قليل الاستعمال فتجنبوا تخريج آيات القرآن عليه حتى ادعى ابن هشام في «مُغني اللبيب» أنه غير واقع في القرآن بيقين.

وتأول قوله تعالى: ﴿ فأَجمِعُوا أمرَكم وشركاءَكم ﴾ [يونس: 71]، ذلك لأن جمهور البصريين يشترطون أن يكون العامل في المفعول معه هو العاملَ في الاسم الذي صاحَبَه ولا يرون واو المعية ناصبة المفعول معه خلافاً للكوفيين والأخفش فإن الواو عندهم بمعنى (مع).

وقال عبد القاهر: منصوب بالواو.

والحق عدم التزام أن يكون المفعول معه معمولاً للفعل، ألا ترى صحة قول القائل: استوى الماء والخشبةَ.

وقولهم: سرْتُ والنيلَ، وهو يفيد الثناء عليهم بأن دار الهجرة دارُهم آووا إليها المهاجرين لأنها دار مؤمنين لا يماثلها يومئذٍ غيرها.

وبذلك يتضح أن متعلق ﴿ من قبلهم ﴾ فعل ﴿ تبوؤا ﴾ بمفرده، وأن المجرور المتعلق به قيدٌ فِيه دون ما ذكر بعد الواو لأن الواو ليست واو عطف فلذلك لا تكون قائمة مقام الفعل السابق لأن واو المعية في معنى ظرف فلا يعلق بها مجرور.

وفي ذكر الدار (وهي المدينة) مع ذكر الإِيمان إيماء إلى فضيلة المدينة بحيث جعل تبوّءهم المدينة قرين الثناء عليهم بالإِيمان ولعل هذا هو الذي عناه مالك رحمه الله فيما رواه عنه ابن وهب قال: سمعت مالكاً يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق.

فقال: إن المدينة تبوّئت بالإِيمان والهجرة وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف ثم قرأ: ﴿ والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ﴾ الآية.

وجملة ﴿ يحبون من هاجر إليهم ﴾ حال من الذين تَبَوَّؤُوا الدار، وهذا ثناء عليهم بما تقرر في نفوسهم من أخوة الإِسلام إذ أحبوا المهاجرين، وشأن القبائل أن يتحرجوا من الذين يهاجرون إلى ديارهم لمضايقتهم.

ومن آثار هذه المحبة ما ثبت في «الصحيح» من خبر سعد بن الربيع مع عبد الرحمان بن عوف إذ عرض سعد عليه أن يقاسمه ماله وأن يَنزل له عن إحدى زوجتيه، وقد أسكنوا المهاجرين معهم في بيوتهم ومنحوهم من نخيلهم، وحسبك الأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار.

وقوله: ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ﴾ أريد بالوجدان الإِدراك العقلي، وكنى بانتفاء وجدان الحاجة عن انتفاء وجودها لأنها لو كانت موجودة لأدركوها في نفوسهم وهذا من باب قول الشاعر: ولا ترى الضبّ بها ينجحر *** والحاجة في الأصل: اسم مَصدرِ الحَوْج وهو الاحتياج، أي الافتقار إلى شيء، وتطلق على الأمر المحتاج إليه من إطلاق المصدر على اسم المفعول، وهي هنا مجاز في المأْرب والمرادِ، وإطلاق الحاجة إلى المأرب مجاز مشهور ساوى الحقيقة كقوله تعالى: ﴿ ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ﴾ [غافر: 80]، أي لتبلغوا في السفر عليها المأْرب الذي تسافرون لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ﴾ [يوسف: 68] أي مأربا مُهمّا وقول النابغة: أيامَ تخبرني نُعْمٌ وأَخْبِرُها *** ما أكتُم الناسَ من حاجِي وإسراري وعليه فتكون (مِن) في قوله: ﴿ مما أوتوا ﴾ ابتدائية، أي مأرباً أو رغبة ناشئة من فَيْء أُعْطِيهُ المهاجرون.

والصدور مراد بها النفوس جمع الصدر وهو الباطن الذي فيه الحواس الباطنة وذلك كإطلاق القلب على ذلك.

و (ما أوتوا) هو فيء بني النضير.

وضمير ﴿ صدورهم ﴾ عائد إلى ﴿ الذين تَبَوَّؤُا الدار ﴾ ، وضمير ﴿ أوتوا ﴾ عائد إلى ﴿ من هاجر إليهم ﴾ ، لأن من هاجر جماعة من المهاجرين فروعي في ضمير معنى (مَنْ) بدون لفظها.

وهذان الضميران وإن كانا ضميري غيبة وكانا مقتربَين فالسامع يرد كل ضمير إلى معاده بحسب السياق مثل (ما) في قوله تعالى: ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ في سورة [الروم: 9].

وقول عباس بن مرداس يذكر انتصار المسلمين مع قومه بني سُليم على هَوازن: عُدنا ولولا نَحنُ أحدَق جمعهم بالمسلمين وأحرزوا ما جمَّعوا (أي أحرز جيش هوازن ما جمّعه جيش المسلمين).

والمعنى: أنهم لا يخامر نفوسهم تشوف إلى أخذ شيء مما أوتيه المهاجرون من فيْء بني النضير.

ويجوز وجه آخر بأن يحمل لفظ حاجة على استعماله الحقيقي اسم مصدر الاحتياج فإن الحاجة بهذا المعنى يصح وقوعها في الصدور لأنها من الوجدانيات والانفعالات.

ومعنى نفي وجدان الاحتياج في صدورهم أنهم لفرط حبهم للمهاجرين صاروا لا يخامر نفوسهم أنهم مفتقرون إلى شيء مما يُؤتاه المهاجرون، أي فهم أغنياء عما يؤتاه المهاجرون فلا تستشرف نفوسهم إلى شيء مما يؤتاه المهاجرون بَلْهَ أن يتطلبوه.

وتكون (مِن) في قوله تعالى: مما أوتوا} للتعليل، أي حاجة لأجل ما أوتيه المهاجرون، أو ابتدائية، أي حاجة ناشئة عما أوتيه المهاجرون فيفيد انتفاء وجدان الحاجة في نفوسهم وانتفاء أسباب ذلك الوجدان ومناشئِه المعتادة في الناس تبعاً للمنافسة والغبطة، وقد دل انتفاء أسباب الحاجة على متعلق حاجة المحذوف إذ التقدير: ولا يجدون في نفوسهم حاجة لشيء أوتيه المهاجرون.

والإيثار: ترجيح شيء على غيره بمكرمة أو منفعة.

والمعنى: يُؤثرونَ على أنفسهم في ذلك اختياراً منهم وهذا أعلى درجة مما أفاده قوله: ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ﴾ فلذلك عقب به ولم يُذكر مفعول ﴿ يُؤثِرونَ ﴾ لدلالة قوله: ﴿ مما أوتوا ﴾ عليه.

ومن إيثارهم المهاجرين ما روي في «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الأنصار ليقطع لهم قطائع بنخل البحرين فقالوا: لا إلا أن تقطع لإِخواننا من المهاجرين مثلها.

وإما إيثار الواحد منهم على غيره منهم فما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: «أتى رجل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد.

فأرسل في نسائه فلم يجد عندهنّ شيئاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألاَ رجل يُضيف هذا الليلةَ رحمه الله، فقام رجل من الأنصار (هو أبو طلحة) فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله لا تدَّخريه شيئاً، فقالت: والله ما عندي إلا قُوتُ الصِبية.

قال: فإذا أراد الصبية العَشاء فنوِّميهم وتعالَي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة.

فإذا دخل الضيف فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج تُري أنككِ تصلحينه فأطفئيه وأَرِيه أنَّا نأكل.

فقعدوا وأكل الضيف.

وذكرت قصص من هذا القبيل في التفاسير، قيل: نزلت هذه الآية في قصة أبي طلحة وقيل غير ذلك.

وجملة ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ في موضع الحال.

و ﴿ لو ﴾ وصلية وهي التي تدل على مجرد تعليق جوابها بشرط يفيد حالة لا يُظنّ حصول الجواب عند حصولها.

والتقدير: لو كان بهم خصاصة لآثروا على أنفسهم فيُعلم أن إيثارهم في الأحوال التي دون ذلك بالأحرى دون إفادة الامتناع.

وقد بينا ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ في سورة [آل عمران: 91].

والخصاصة: شدة الاحتياج.

وتذكير فعل كان } لأجل كون تأنيث الخصاصة ليس حقيقياً، ولأنه فُصل بين ﴿ كان ﴾ واسمها بالمجرور.

والباء للملابسة.

وجملة ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ تذييل، والواو اعتراضية، فإن التذييل من قبيل الاعتراض في آخر الكلام على الرأي الصحيح.

وتذييل الكلام بذكر فضل من يوقون شح أنفسهم بعد قوله: ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ يشير إلى أن إيثارهم على أنفسهم حتى في حالة الخصاصة هو سلامة من شح الأنفس فكأنه قيل لسلامتهم من شح الأنفس ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ .

والشح بضم الشين وكسرها: غريزة في النفس بمَنْع ما هو لها، وهو قريب من معنى البخل.

وقال الطيبي: الفرق بين الشح والبخل عسير جداً وقد أشار في «الكشاف» إلى الفرق بينهما بما يقتضي أن البخل أثر الشح وهو أن يمنع أحد ما يراد منه بَذْلُه وقد قال تعالى: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ [النساء: 128] أي جعل الشح حاضراً معها لا يفارقها، وأضيف في هذه الآية إلى النفس لذلك فهو غريزة لا تسلم منها نفس.

وفي الحديث في بيان أفضل الصدقة «أن تصَّدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمُل الغِنى» ولكن النفوس تتفاوت في هذا المقدار فإذا غلب عليها بمنع المعروف والخير فذلك مذموم ويتفاوت ذمه بتفاوت ما يمنعه.

قال وقد أحسن وصفه من قال، لم أقف على قائله: يمارس نفساً بين جَنْبَيْه كَزَّةً *** إذا هَمَّ بالمعروف قالت له مهلاً فمن وقي شح نفسه، أي وُقي من أن يكون الشح المذموم خُلقاً له، لأنه إذا وُقي هذا الخُلقَ سلِم من كل مواقع ذمه.

فإن وقي من بعضه كان له من الفلاح بمقدار ما وُقيه.

واسم الإِشارة لتعظيم هذا الصنف من الناس.

وصيغة القصر المؤداة بضمير الفصل للمبالغة لكثرة الفلاح الذي يترتب على وقاية شح النفس حتى كأن جنس المفلح مقصور على ذلك المُوقَى.

ومن المفسرين من جعل ﴿ والذين تبوؤا الدار ﴾ ابتداء كلام للثناء على الأنصار بمناسبة الثناء على المهاجرين وهؤلاء لم يجعلوا للأنصار حظاً في ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى وقصروا قوله: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ [الحشر: 7] على قرى خاصة هي: قريظة.

وفَدَك، وخيبر.

والنفع، وعُرينة، ووادي القُرى، ورووا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاء الله عليه فيئَها قال للأنصار: " إن شئتم قاسمتم المهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذا "؟

فقالوا: بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة، فنزلت آيةُ ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ الآية [الحشر: 7].

ومنهم من قصر هذه الآية على فَيء بني النضير وكل ذلك خروج عن مهيع انتظام آي هذه السورة بعضها مع بعض وتفكيك لنظم الكلام وتناسبه مع وهن الأخبار التي رووها في ذلك فلا ينبغي التعويل عليه.

وعلى هذا التفسير يكون عطف ﴿ والذين تبوؤا الدار ﴾ عطفَ جملةٍ على جملة، واسم الموصول مبتدأ وجملة ﴿ يحبون من هاجر إليهم ﴾ خبراً عن المبتدأ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ﴾ والإيجافُ الإيضاعُ في السَّيْرِ وهو الإسْراعُ، والرِّكابُ: الإبِلُ، وفِيهِما يَقُولُ نُصَيْبٌ ألا رُبَّ رَكْبٍ قَدْ قَطَعْتُ وجِيفَهم إلَيْكَ ولَوْلا أنْتَ لَمْ تَوْجَفِ الرَّكْبُ ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ ذَلِكَ أنَّ مالَ الفَيْءِ هو المَأْخُوذُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِغَيْرِ قِتالٍ ولا إيجافِ خَيْلٍ ولا رِكابٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أنْ يَضَعَهُ حَيْثُ يَشاءُ لِأنَّهُ واصِلٌ بِتَسْلِيطِ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ لا بِمُحارَبَتِهِمْ وقَهْرِهِمْ.

فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ طُعْمَةً لِرَسُولِهِ خالِصًا دُونَ النّاسِ، فَقَسَّمَهُ في المُهاجِرِينَ إلّا سَهْلَ بْنَ حَنِيفٌ وأبا دُجانَةَ فَإنَّهُما ذَكَرا فَقْرًا فَأعْطاهُما.

﴿ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ ﴾ يُقالُ دُولَةٌ بِالضَّمِّ وبِالفَتْحِ وقُرِئَ بِهِما، وفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما واحِدٌ، قالَهُ يُونُسٌ، والأصْمَعِيُّ.

الثّانِي: أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا، وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِالفَتْحِ الظَّفَرُ في الحَرْبِ، وبِالضَّمِّ الغِنى عَنْ فَقْرٍ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

الثّانِي: أنَّهُ بِالفَتْحِ في الأيّامِ، وبِالضَّمِّ في الأمْوالِ، قالَهُ عُبَيْدَةُ.

الثّالِثُ: أنَّ بِالفَتْحِ ما كانَ كالمُسْتَقِرِّ، وبِالضَّمِّ ما كانَ كالمُسْتَعارِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ بِالفَتْحِ الطَّعْنُ في الحَرْبِ، وبِالضَّمِّ أيّامُ المُلْكِ وأيّامُ السِّنِينَ الَّتِي تَتَغَيَّرُ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ حَسّانٌ ولَقَدْ نِلْتُمْ ونِلْنا مِنكم ∗∗∗ وكَذاكَ الحَرْبُ أحْيانًا دُوَلٌ ﴿ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي ما أعْطاكم مِن مالِ الفَيْءِ فاقْبَلُوهُ، وما مَنَعَكم مِنهُ فَلا تَطْلُبُوهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: ما آتاكُمُ اللَّهُ مِن مالِ الغَنِيمَةِ فَخُذُوهُ، وما نَهاكم عَنْهُ مِنَ الغُلُوِّ فَلا تَفْعَلُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: وما آتاكم مِن طاعَتِي فافْعَلُوهُ، وما نَهاكم عَنْهُ مِن مَعْصِيَتِي فاجْتَنِبُوهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى العُمُومِ في جَمِيعِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِصَلاحٍ ولا يَنْهى إلّا عَنْ فَسادٍ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في رُؤَساءِ المُسْلِمِينَ قالُوا فِيما ظَهَرَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ  مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ، يا رَسُولَ اللَّهِ صَفِيكَ والرُّبُعُ ودَعْنا والباقِي فَهَكَذا كُنّا نَفْعَلُ في الجاهِلِيَّةِ وأنْشَدُوهُ لَكَ المِرْباعُ مِنها والصَّفايا ∗∗∗ وحُكْمُكَ والنَّشِيطَةُ والفَضُولُ.

فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ﴾ الآية قال: هؤلاء المهاجرون تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر، وخرجوا حباً لله ولرسوله، واختاروا الإِسلام على ما كان فيه من شدة، حتى لقد ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع وإن كان الرجل ليتخذ الحفر في الشتاء ما له دثار غيرها.

قوله تعالى: ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ والذين تبوءُو الدار والإِيمان ﴾ إلى آخر الآية، قال: هم هذا الحي من الأنصار أسلموا في ديارهم، وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، وأحسن الله عليهم الثناء في ذلك وهاتان الطائفتان الأولتان من هذه الآية أخذتا بفضلهما ومضتا على مهلهما، وأثبت الله حظهما في هذا الفيء، ثم ذكر الطائفة الثالثة، فقال: ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا ﴾ إلى آخر الآية.

قال: إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمروا بسبهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبلهم ﴾ قال: الأنصار نعت سخاوة أنفسهم عندما رأى من ذلك وإيثارهم إياهم ولم يصب الأنصار من ذلك الفيء شيء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن يزيد بن الأصم «أن الأنصار قالوا: يا رسول الله أقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين الأرض نصفين، قال: لا ولكن يكفونكم المؤنة وتقاسمونهم الثمرة، والأرض أرضكم» قالوا: رضينا فأنزل الله: ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبلهم ﴾ إلى آخر الآية.

أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن قال: فضل المهاجرين على الأنصار فلم يجدوا في صدورهم حاجة قال: الحسد.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه عن عمر أنه قال: أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم.

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وهي طيبة وطابة ومسكينة وجابرة ومجبورة وتبدد ويثرب والدار» .

قوله تعالى: ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ .

أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً فقال: ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله تعالى» فقال رجل من الأنصار، وفي رواية فقال أبو طلحة الأنصاري: أنا يا رسول الله، فذهب به إلى أهله فقال لامرأته: اكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخرين شيئاً.

قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية.

قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي، فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت ثم غدا الضيف على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لقد عجب الله من فلان وفلانة وأنزل الله فيهما ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ » .

وأخرج مسدد في مسنده وابن أبي الدنيا في كتاب قري الضيف وابن المنذر عن أبي المتوكل الناجي رضي الله عنه «أن رجلاً من المسلمين مكث صائماً ثلاثة أيام، يمسي فلا يجد ما يفطر فيصبح صائماً حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له ثابت بن قيس رضي الله عنه، فقال لأهله: إني ساجيء الليلة بضيف لي فإذا وضعتم طعامكم فليقم بعضكم إلى السراج كأنه يصلحه فليطفئه ثم اضربوا بأيدكم إلى الطعام كأنكم تأكلون فلا تأكلوا حتى يشبع ضيفنا، فلما أمسى ذهب به فوضعوا طعامهم فقامت امرأته إلى السراج كأنها تصلحه فأطفأته، ثم جعلوا يضربون أيديهم في الطعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون حتى شبع ضيفهم، وإنما كان طعامهم ذلك خبزة هي قوتهم، فلما أصبح ثابت غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ثابت لقد عجب الله البارحة منكم ومن ضيفكم» فنزلت فيه هذه الآية ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنه قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منا فبعث به إليهم، فلم يزل يبعث به واحداً إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ قال: فاقة.

قوله تعالى: ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ .

أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً قال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟

قال: إني سمعت الله يقول: ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء، فقال له ابن مسعود رضي الله عنه: ليس ذاك بالشح، ولكنه البخل، ولا خير في البخل، وإن الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يوق شح نفسه ﴾ قال: ليس الشحيح أن يمنع الرجل ماله، ولكنه البخل وإنه لشر إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: النظر إلى المرأة، لا يملكها من الشح.

وأخرج ابن المنذر عن طاووس رضي الله عنه قال: البخل أن يبخل الإِنسان بما في يديه، والشح أن يشح على ما في أيدي الناس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يطوف بالبيت يقول: اللهم قني شح نفسي لا يزيد على ذلك فقيل له فقال: إذا وقيت شح نفسي لا أسرق ولا أزني ولم أفعل شيئاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ومن يوق شح نفسه ﴾ قال: إدخال الحرام ومنع الزكاة.

وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: من أدى زكاة ماله فقد وقي شح نفسه.

وأخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق عن ابن عمرو قال: الشح أشد من البخل لأن الشحيح يشح على ما في يديه فيحبسه ويشح على ما في أيدي الناس حتى يأخذه، وإن البخيل إنما يبخل على ما في يديه.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم البخل عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله جنة عدن ثم قال لها: انطقي، فقالت: ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ [ المؤمنون: 1] فقال الله: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث من كن فيه فقد برئ من الشح، من أدى زكاة ماله، وقرى الضيف، وأعطى في النوائب» .

وأخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما محق الإِسلام محق الشح شيء قط» وأخرج ابن مردويه عن أبي زرعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له في الدنيا وإنما يضر نفسه شحها» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجمع بن يحيى بن جارية قال: حدثني عمي خالد بن يزيد بن جارية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً، ولا يجتمع الشح والإِيمان في قلب عبد أبداً» .

وأخرج الترمذي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خصلتان لا يجتمعان في جوف مسلم البخل وسوء الظن» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع» .

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والشح والبخل، فإنه دعا من قبلكم إلى أن يقطعوا أرحامهم فقطعوها، ودعاهم إلى أن يستحلوا محارمهم فاستحلوها، ودعاهم إلى أن يسفكوا دماءهم فسفكوها» .

وأخرج الترمذي والبيهقي عن أنس رضي الله عنه «أن رجلاً توفي فقالوا: ابشر بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولا تدرون فلعله قد تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينفعه» .

وأخرج البيهقي من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه قال: «أصيب رجل يوم أحد فجاءت امرأة فقالت: يا بني لتهنك الشهادة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلقان يحبهما الله وخلقان يبغضهما الله.

فأما اللذان يحبها الله فالسخاء والسماحة، وأما اللذان يبغضهما الله فسوء الخلق والبخل، فإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله على قضاء حوائج الناس» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يذهب السخاء على الله، السخي قريب من الله، فإذا لقيه يوم القيامة أخذ بيده فأقله عثرته» .

وأخرج البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاح أوّل هذه الأمة بالزهد والتقوى وهلاك آخرها بالبخل والفجور» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخيّ قريب من الله قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من العابد البخيل» .

وأخرج البيهقي عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولَجَاهل سخيٌ أحب إلى الله من عابد بخيل» .

وأخرج ابن عدي في الكامل والبيهقي وضعفه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولفاجر سخيّ أحبّ إلى الله من عابد بخيل، وأي داء أدوأ من البخل» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني سلمة من سيدكم اليوم؟

قالوا: الجد بن قيس ولكنا نبخله، قال: وأي داء أدوأ من البخل؟

ولكن سيدكم عمرو بن الجموح» .

وأخرج البيهقي عن جابر رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني سلمة من سيدكم؟

قالوا: الجد بن قيس وإنا لنبخله.

قال: وأي داء أدوأ من البخل بل سيدكم الخير الأبيض عمرو بن الجموح» قال: وكان على أضيافهم في الجاهلية قال: وكان يولم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوّج.

وأخرج البيهقي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سيدكم يا بني سلمة؟

قالوا: الجد بن قيس.

قال: وبم تسوّدونه؟

قالوا: بأنه أكثرنا مالاً وإنا على ذلك لنزنه بالبخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأي داء أدوأ من البخل، ليس ذاك سيدكم.

قالوا: فمن سيدنا يا رسول الله؟

قال: سيدكم البراء بن معرور» قال البيهقي مرسل.

وأخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سيدكم يا بني عبيد؟

قالوا: الجد بن قيس على أن فيه بخلاً، قال: وأي داء أدوأ من البخل؟

بل سيدكم وابن سيدكم بشر بن البراء بن معرور» .

وأخرج البيهقي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن ولا سيء الملكة، وأول من يقرع باب الجنة المملوكون وإذا أحسنوا فيما بينهم وبين الله وبين مواليهم» .

وأخرج البيهقي عن أبي سهل الواسطي رفع الحديث قال: «إن الله اصطنع هذا الدين لنفسه وإنما صلاح هذا الدين بالسخاء وحسن الخلق فاكرموه بهما» .

وأخرج البيهقي من طرق وضعفه عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريل: قال الله تعالى: إن هذا الدين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن عبدالله بن جراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ابتغيتم المعروف فابتغوه في حسان الوجوه، فوالله لا يلج النار إلا بخيل، ولا يلج الجنة شحيح، إن السخاء شجرة في الجنة تسمى السخاء، وإن الشح شجرة في النار تسمى الشح» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخاء شجرة من شجر الجنة أغصانها متدليات في الدنيا من أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى الجنة، والبخل شجرة من شجر النار أغصانها متدليات في الدنيا من أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى النار» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخاء شجرة في الجنة فمن كان سخياً أخذ بغصن منها، فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة، والشح شجرة في النار فمن كان شحيحاً أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله النار» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت قاعدا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ثلاثة عشر رجلاً عليهم ثياب السفر فسلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا: من السيد من الرجال يا رسول الله قال: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

قالوا: ما في أمتك سيد؟

قال: بلى، رجل أعطي مالاً حلالاً ورزق سماحة فأدنى الفقير فقلت شكايته في الناس» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: «ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تغشى أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع» .

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبدالله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: «قدم خالد بن الوليد من ناحية أرض الروم على النبي صلى الله عليه وسلم بأسرى، فعرض عليهم الإِسلام فأبوا، فأمر أن تضرب أعناقهم، حتى إذا جاء إلى آخرهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا خالد كف عن الرجل» قال: يا رسول الله ما كان في القوم أشد عليّ منه.

قال: «هذا جبريل يخبرني عن الله أنه كان سخيّاً في قومه فكف عنه وأسلم الرومي» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال مقاتل: ثم ذكر الأنصار وأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفيء إذ جعله للمهاجرين دونهم فقال: قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ يعني المدينة، وهي دار الهجرة تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، وتقدير الآية: والذين تبوؤا الدار من قبلهم والإيمان، لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وهذا قول مقاتل (١) وقال أبو علي الفارسي: ومعنى الآية: تبوأوا الدار واعتقدوا الإيمان، لأن الإيمان ليس بمكان فيتبوأ فيكون كقوله: ﴿ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ  ﴾ على معنى: وأعدوا شركاءكم، ويجوز أن يكون تبوأوا الإيمان على طريق المثل كما تقول: تبوأ من بني فلان الصميم، وعلى ذلك قول الشاعر: وبُؤّئت في صميم معشرها ...

فتم في قومها مبوؤها (٢) قال: كل هذه الوجوه ممكن (٣) قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ﴾ قال المفسرون: حسدًا وحزازة وغيظًا مما أوتي المهاجرون دونهم (٤) قوله تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾ يقال: آثرتك إيثارًا، أي: فضلتك، وآثره بكذا إذا خصه به وفضله من بين الناس (٥) (٦) وقال الكلبي، عن ابن عباس: هو أن النبي -  - قال للأنصار: "إن شئتم قسمتم لهم من دوركم وأموالكم، وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم".

فقالوا: لا.

بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في القسم، فأنزل الله ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ (٧) ينظرن من خصاص ...

بأعين شواصى (٨) وذكر المفسرون أنواعًا من إيثار الأنصار للضيف بالطعام وتعللهم عه حتى شبع الضيف، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار (٩) ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾ ما رووه من أنواع الإيثار (١٠) قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ ذكرنا تفسير الشح في قوله: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ (١١) (١٢) وقال مقاتل: حرص نفسه (١٣) (١٤) قال المفسرون: يعني أن الأنصار ممن وقي شح نفسه حين طابت أنفسهم عن الفيء (١٥) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 148 أ.

(٢) البيت لابن هرمة.

انظر: "اللسان" 1/ 284 (بوأ) ولم ينسبه لقائل، و"مجاز القرآن" 1/ 218، و"شواهد المعنى" ص 279.

(٣) انظر: "البحر المحيط" 8/ 247.

(٤) انظر: "جامع البيان" 28/ 28، و"الكشف والبيان" 13/ 94 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 319، و"زاد المسير" 8/ 212.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة"، 15/ 122 (أثر)، و"اللسان" 1/ 20 (أثر).

(٦) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 94 أ، و"معالم التزيل" 4/ 319.

(٧) ذكره الثعلبي بغير سند.

انظر: "الكشف والبيان" 13/ 95 ب، و"معالم التزيل" 4/ 420، و"التفسير الكبير" 29/ 287، ورواه الواقدي عن معمر، عن الزهري، عن خارجة بن زيج، عن أم العلاء قالت: وذكر نحوه.

"تخريجات الكشاف" ص 16، 167.

(٨) انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 551 (خصص)، و"اللسان" 841/ 1 (خصصه).

والرجز لحضرمي بن عامر، وكان له تسعة إخوة فماتوا وورثهم.

انظر: "اللسان" 2/ 313 (مشصا)، و"تهذيب اللغة" 8/ 367 (قرص) ولم ينسبه لقائل.

(٩) انظر: "جامع البيان" 28/ 29، و"الكشف والبيان" 13/ 94 أ، ب، و"أسباب النزول" للواحدي ص 483.

(١٠) وهكذا فسر مقاتل هذه الآية بإيثار الأنصار للمهاجرين بالفيء، ولعل الصواب في هذا أن الآية نزلت في رجل من الأنصار وامرأته حين ضيفا ضيف رسول الله -  -، ولا يمنع من تضمن الآية لإيثارهم المهاجرين بالفيء وغيره، والله أعلم.

انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، و"فتح الباري" 8/ 631.

(١١) عند تفسيره الآية (128) من سورة النبأ.

والشح: بخل مع الحرص، وذلك فيما كان عادة.

"اللسان" 2/ 276 (شح)، و"مفردات الراغب" ص 256 (شح).

(١٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 320، و"الدر المنثور" 6/ 196، ونسب تخريجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.

(١٣) "تفسير مقاتل": 148 أ.

(١٤) انظر: "جامع البيان" 28/ 30، و"الكشف والبيان" 13/ 96 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 42.

(١٥) وهو المذكور في سبب النزول، عن ابن عباس، وتقدم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ ﴾ هم الأنصار والدار هي المدينة لأنها كانت بلدهم، والضمير في قبلهم للمهاجرين.

فإن قيل: كيف قال تبوؤا الدار والإيمان وإنما تتبوّأ الدار.

أي تسكن ولا يتبوأ الإيمان؟

فالجواب من وجهين: الأول أن معناه تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان فهو كقولك: فعلفتها تبناً وماء بارداً، تقديره: علفتها تبناً وسقيتها ماء بارداً، الثاني أن المعنى أنهم جعلوا الإيمان كأنه موطن لهم لتمكنهم فيه، كما جعلوا المدينة كذلك.

فإن قيل: قوله من قبلهم، يقتضي أن الأنصار سبقوا المهاجرين بنزول المدينة وبالإيمان، فأما سبقهم لهم بنزول المدينة فلا شك فيه لأنها كانت بلدهم، وأما سبقهم لهم بالإيمان فمشكل، لأن أكثر المهاجرين أسلم قبل الأنصار؟

فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد بقوله من قبلهم من قبل هجرتهم، والآخر أنه أراد تبوؤا الدار مع الإيمان معاً.

أي جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين، لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان لا بتبوّئ الدار فيكون الإيمان على هذا مفعولاً معه، وهذا الوجه أحسن، لأنه جواب عن هذا السؤال، وعن السؤال الأول، فإنه إذا كان الإيمان مفعولاً معه لم يلزم السؤال الأول، إذ لا يلزم إلا إذا كان الإيمان معطوفاً على الدار.

﴿ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ ﴾ قيل: إن الحاجة هنا بمعنى الحسد، ويحتمل أن تكون بمعنى الاحتجاج على أصلها، والضمير في يجدون للأنصار، وفي أوتوا المهاجرين، والمعنى: أن الأنصار تطيب نفوسهم بما يعطاه المهاجرون من الفيء وغيره، ولا يجدون في صدورهم شيئاً بسبب ذلك ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ ﴾ أي يؤثرون غيرهم بالمال على أنفسهم ولو كانوا في غاية الاحتياج، والخصاصة هي الفاقة، وروي أن سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قسم هذه القرى على المهاجرين دون الأنصار قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة.

وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذه فقالوا: بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة وروُي أيضاً «أن سببها أن رجلاً من الأنصار أضاف رجلاً من المهاجرين فذهب الأنصاري بالضيف إلى منزله فقالت له امرأته: والله ما عندنا إلا قوت الصبيان.

فقال لها: نوّمي صبيانك وأطفئي السراج، وقدمي ما عندك للضيف، ونوهمه نحن أنا نأكل ولا نأكل، ففعلا ذلك، فلما غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: عجب الله من فعلكما البارحة ونزلت الآية: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون ﴾ » شحّ النفس: هو البخل والطمع وفي هذا إشارة إلى أن الأنصار وقاهم الله شح أنفسهم فمدحهم الله بذلك، وبأنهم يؤثرون على أنفسهم وبأنهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتي المهاجرون وأنهم يحبون المهاجرين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ .

قد سبق تأويل التسبيح وبيان وجوهه.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

العزيز: هو الغالب القاهر، وقيل: هو العزيز؛ حيث جعل في كل شيء من خلقه أثر الذل والحاجة، وقوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ له أحد معنيين: معنى الإحكام ومعنى الحكمة: فأما معنى الإحكام فهو أنه أحكم الأشياء على اختلافها وتضادها؛ حيث تشهد له بالوحدانية فهو حكيم؛ حيث وضع الأشياء مواضعها، وخلق الأشياء مواضع.

ثم الأصول التي يتولد منها هذه الأشياء والأفعال ثلاثة: الكيانات والطبائع والعقول: أما الكيانات: فنحو النطفة أنها بحيث تصلح أن يكون منها البشر إذا اتصلت بها موادها، ونحو الماء فإنه بحيث يحيا به كل شيء، وبحيث يصلح به كل شيء.

والطبائع: حيث خلق في البشر، وهي ما يميلون بها إلى المحاسن والمنافع ويحترزون من المساوي والمضار.

والعقول: ليدركوا بها العواقب، ثم إنه علمهم الوجوه التي تتولد من هذه الأشياء؛ فهو حكيم حيث خلق الأصول التي وصفنا، وعلم عباده الأسباب التي بها يولدون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ﴾ هم بنو قريظة، وقال غيره من المفسرين: هم بنو النضير وهو أقرب.

ثم المعنى في إضافة الإخراج إليه يخرج على وجهين: أحطهما: أنه اضطرهم إلى الخروج فنسب الإخراج إليه؛ كما قال الله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [التوبة: 40].

والثاني: أنه خلق الخروج من ديارهم منهم؛ فأضيف إليه بحكم الخلق، ثم الأصل في إضافة الفعل إلى الله  أنه يجوز أن يضاف إليه على التحقيق وعلى التسبيب، وأما الخلق قلما يضاف الفعل إليهم على جهة التسبيب لا على التمكين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ﴾ .

اختلفوا فيه: قال بعضهم: أول الحشر الجلاء إلى الشارم، والحشر الثاني: حشر القيامة.

وقال بعضهم: أو الحشر حشر أهل الكتاب وجلاؤهم من جزيرة العرب، والحشر الثاني: حين أجلاهم عمر -  - إلى الشام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ ﴾ أي: ما ظننتم أيها المؤمنون أن تنتصروا منهم، فضلا عن أن يخرجوا من ديارهم، ولكن ذلك من لطف الله ومنته عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

لا يحتمل أن يتوهم أحدا هذا، والمعنى في ذلك عندنا وجهان - والله أعلم -: أحدهما: أنهم ظنوا أن الله -  - حيث آتاهم القوة والحصون لا يبلغ بهم حكمه المبلغ الذي يخرجون من ديارهم؛ لأنهم كانوا أهل كتاب وكانوا يزعمون أنهم أولى بالله من غيرهم كقوله: ﴿ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ  ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، اي: بالله وبأمره؛ كقوله -  -: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، أي: بأمر الله؛ فعلى ذلك، الأول.

والثاني: أي: ظنوا أن حصونهم وقوتهم تمنعهم من أولياء الله أن يظهروا عليهم، أو من دين الله أن يظهر فيهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ﴾ .

يعني: أنه قذف في قلوبهم الرعب من حيث لم يحتسب المؤمن ولا الكافر؛ لأن المسلمين لم يظنوا أن يقهرهم ويغلبوهم؛ مع قلة عددهم وكثرة عدد أولئك، وكذا لم يحتسب الكفرة أنهم مع قوتهم وقوة حصونهم يقهرون ويغلبون، حتى منّ الله -  - على المؤمنين بأن قذف الرعب في قلوب الكفرة، ذلك لطف عظيم من الله -  - إلى المؤمنين، والله أعلم.

ثم الأصل فيما خرج هذه المخرج من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ  ﴾ ، ومن نحو قوله  : ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً  ﴾ ، ومن نحو قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ  ﴾ ، وما يشاكله أن نحمله على أحد معان ثلاث: أحدها: أن نقول: المراد إتيان آثار فعل الله -  - ويجوز أن يضاف إليه سبيل إضافة حقيقة العمل؛ كما يقال: الصلاة أمر الله، ونحن نعلم أنها ليست بعين أمر الله؛ لكنها أثر أمر الله -  - وكذلك يقال: المطر رحمة الله -  - يعني: أثر رحمته؛ فكذلك إذا نزل بهم آثار حكم الله -  - وتدبيره وفعله: وهو العذاب جاز أن يضاف إليه إضافة حقيقة الفعل، والله أعلم.

والثاني: أن يقال بأن ما كان من هذه الأفعال موصولا بصلة فإنه يجوز أن يراد منه تلك الصلة، وإما نتكلم بإضافة هذا الفعل إليه مجازا؛ على ما اعتاد الناس من أفعالهم إذا أرادوها أن يأتوها بأنفسهم، وشرح ذلك وبيانه أنه قال: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، فكان المقصود من هذا تلك الصلة، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ﴾ ، وكذلك ما أشبهه من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً  ﴾ ، ومن قوله -  -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ، أي: استوى تدبيره من حيث صل منافع الأرض بمنافع السماء، وكذلك ما أشبه، هذا، والله أعلم.

والثالث: نقول بأن هذه أسماء مشتركة المعنى، وما كان سبيله هذا السبيل جاز أن يضاف إلى الله -  - على معنى ليس يقع فيه الاشتراك بالمخلوقين؛ ألا ترى أنه يقال: جاء الليل وذهب النهار، ونحو ذلك على معنى الظهور ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

هذا يدل على أن المالك للمسلمين في أموال أهل الحرب ليس يقع بمجرد الغلبة ما لم يكن ثم أسر؛ لأنه أخبر أن المؤمنين كانوا يخربون بيوتهم: أضاف الملك إلى الكفرة، مع أن الغلبة للمسلمين؛ فإنكم إذا اعتبرتم علمتم أن الله -  - من عليكم؛ حيث أخرج الكفار من ديارهم؛ فإنه لم يكن ذلك بقوتكم.

ويحتمل أن يكون المعنى فيه: فاعتبروا يا أولي الأبصار من أهل الكفار؛ فإن ذلك يدلكم ويعرفكم أن اتفاقكم على النصرة على النبي  لا يغنيكم، كما لم يغن هؤلاء الذين خرجوا إلى مكة واتفقوا مع المشركين، ثم لم يغنهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .

يعني: لولا أن كتب اله عليهم الجلاء في اللوح المحفوظ، لعذبهم في الدنيا بالقتل.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ﴾ .

قال هذا في قوم علم أنهم يموتون على الكفر، وما روي أن أحداً منهم مات على الإسلام؛ فيكون فيه دلالة أن رسول الله  كان يخبر ذلك بالوحي والتنزيل، لا من تلقاء نفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

يحتمل أوجهاً ثلاثة: أحدها: أن يقول: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، يعني: ذلك العذاب في الآخرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، ثم المشاقة والمعاداة والمحادة والمضادة بمنزلة واحدة، وذلك كله: بمعنى المعاداة.

وقوله: ﴿ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

يحتمل أن يكون علم التقديم والتأخير؛ ووجهه أن يقول: إن الله شديد العقاب لمن يشاقق الله ورسوله، أو يكن فيه إضمار كأنه يقول: إن عقوبته لمن يشاق الله ورسوله شديدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

وما ذكر أن اليهود نادوا المسلمين: إنكم تزعمون أن الله لا يحب الفساد، وأنتم تفسدون بقطع النخيل لا يحتمل هذا؛ قال الله -  -: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، فإذا كانت أنفسهم تسخو بتخريب البيوت؛ فما بالهم لا تسخو بقطع الاشجار؟!

ومعلوم أنه لا يؤمل في البيوت منفعة بعد تخريبها، وقد يؤمل في النخيل منافع بعد قطعها، ولكن إن كان يصح ذلك الخبر فتأويله عندنا أنه يجوز أن يكون المسلمون خوفوهم بالقتل؛ فقالوا على أثر ذلك: إنكم إذا قتلتمونا صارت هذه النخيل لكم؛ فيكف تفسدون أملاككم؟!

ثم في إذن الله بقطع النخيل أوجه من التأويل: أحدها: أن يكون فيه بيان أن مقاتلة المسلمين إياهم لم تكن لرغبة في أموالهم؛ بل ليستسلموا لله ولرسولله، ويخضعوا لدينه.

والوجه الثاني: أن حرمة هذه الأموال إنما هي لحرمة أربابها، وأبيح قتلهم وإتلافهم؛ فما ظنك بأموالهم؟!

والوجه الثالث: أن الله - عز وجل - كتب عليهم الجلاء، ومعلوم أن أنفسهم بالجلاء إذا خربت بيوتهم وقطعت أشجارهم أسخى منه إذا بقيت ليقطع طمع من أجلي عن المقام؛ فأذن الله -  - في قطع النخيل إتماماً لما كتب علهيم من الجلاء، والله أعلم.

والرابع: أن هؤلاء كانوا أئمة اليهود، والتحريف والتبديل للتوراة إنما وقع منهم؛ رغبة في الدنيا وسعها؛ فأذن الله -  - في قطع النخيل عقوب له، وحزناً من الوجه الذي وقع له التبديل منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

إن كان المراد منه العلم فوجهه أن الله -  - علم منهم ذلك، ولو كان فسادا فيه لنهاهم عن ذلك.

وإن كان المراد منه الأمر فهو أن الله -  - أمر بالقطع والترك جميعاً.

وإن كان المراد منه المشيئة فهو أن الله -  - قد شاء الأمرين جميعاً، والله أعلم.

واللينة: اللون من النخيل؛ كما تقول: فوت وفيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

أي: ليكون كبتاً وغيظاً للفاسقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ .

قال: حق هذه الآية أن تكون مؤخرة، وأن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ  ﴾ متقدمة؛ لوجهين: أحدهما: أنه ذكر فيه الواو، والواو لا يبتدأ بها إلا في القسم.

والثاني: أن قوله: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ حرف كناية، والكناية لا بد لها من معرفة تعطف عليها فترجع إليها؛ فلذلك قلنا: إن حقه التأخير وحق الثانية التقديم، وعلى ذلك قراءة عبد الله بن مسعود -  - وإذا كان كذلك فوجهه: أن الذي وجب صرف إلى الأصناف التي ذكرنا إنما هو الخمس، وأوجب - هاهنا - من كل الغنيمة، فأبان بقوله: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ أنه إنما يصرف هذا الأربعة الأخماس إلى النبي  دونهم؛ لهذا المعنى: أنهم لم يوجفوا عليه من خيل ولا ركاب، أشار إلى أن استحقاقهم الأربعة الأخماس بسبب إيجاف الخيل والركاب، والله أعلم.

وإن كانت القراءة على ما يتلى للحال، ليس على التقديم والتأخير، فإنه يحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ صلة قوله: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ....

وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ ، وإذا كان بناؤه على ذلك، استقام أن يذكر بحرف الواو وحرف الكناية.

قال -  -: إن المنافقين وأهل الضعف من المؤمنين الذي آمنوا بالتقليد يظنون في هذا الموضع أن كيف خص هذه الغنيمة قرابته والمهاجرين الذين هاجروا إليه، وكيف آثر بها نفسه؟

والجواب عن هذا: أن هؤلاء الأصناف قوم عامة المسلمين تحمل مؤنتهم لولا هذه الغنيمة، ومعلوم أن أنفس المسلمين يبذل ما عليهم من تلك الأمانة أسخى منه لو صرف إلى كل واحد منهم على الإشارة إليه من ملكه الخاص، وعلى هذه العبارة تجري مسائل لنا: أحدها: ما روي عن عمر -  - أنه جعل العقل على أهل الديوان؛ لأن ذلك يخرج مخرج المعونة، ومعلوم أن المعونة على عامتهم؛ فبذل ما رجع من هذا الحق إلى تلك العامة أسهل عليهم لو صرف إلى خاصتهم، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ  ﴾ ومعلوم أن منع تلك الزوجة عن أن تذهب إلى دار الحرب بشيء مال زوجها كان واجباً على العامة، وكذلك المسلمون إذا أصابوا غنيمة وفيها مال مسلم قد غلب عليه المشركون: أنه ما دام الملك للعامة ولم يقسم يرد عليه من غير بدل، وإذا قسموا، واختص كل واحد بملكه لم يأخذه إلا ببدل؛ فكذلك الأول، والله أعلم.

قال الفقيه - رحمه الله -: والذي يجب أن من جهة العرف والشريعة: أن يكون تحمل مؤنة رسول الله  على أمته: أما من جهة العرف فهو أن من عمل لغيره كان مؤنته على ذلك القول له، وكذلك من جهة الشريعة، ومعلوم أن رسول الله  كان يقوم بأمور أمته في أمور دنياهم وآخرتهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا كان أولى ما يجعل لرسول الله  هو مال العامة، وذلك هو الفيء، هذا لو اختصه النبي  لنفسه؛ فكيف وقد قسمه بين الفقراء وأهل الحاجة، ولم يأخذه لنفسه؟!

ووجه آخر في هذا: ما وري عن رسول الله  أنه قال: "أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي" ، وقال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، فلو اختص ذلك رسول الله  لنفسه، فجاز له بما قال، ولكن الله جعل الفيء له بين من كان تحمل مؤمنتهم على المسلمين لولا هذا الفيء؛ كي يكون منة له على أمته ولئلا يكون لأحد من أمته عنده - عليه الصلاة والسلام - يد ولا صنيعة، والله أعلم.

ووجه آخر: أنه لما لم يؤذن لرسول الله  في كسب شيء من الدنيا وفضولها؛ حتى يصطنع من فضولها بالمعروف، فجعل الله له الفيء ليكتسب به الفضائل والمعروف، والله أعلم.

وفي قوله: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" : دلالة أن ما أفاء الله على رسوله وأعطاه فهو له خاصة، يصنع به ما شاء، ويفرقه فيمن شاء، والقول عند أصحابنا في الإمام إذا أعطاه أهل الحرب فيئاً يشترك فيه قومه؛ لأن هبة الأئمة إنما هي لقومهم، وكان هبة رسول الله  بما نصر بالرعب؛ فجا أن يختص بها قومه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والأنصار الذين نزلوا المدينة من قبل المهاجرين، واختاروا الإيمان بالله وبرسوله، يحبون من هاجر إليهم من مكة، ولا يجدون في صدورهم غيظًا ولا حسدًا على المهاجرين في سبيل الله إذا ما أُعْطُوا شيئًا من الفيء ولم يُعْطَوْا هم، ويقدمون على أنفسهم المهاجرين في الحظوظ الدنيوية، ولو كانوا متصفين بالفقر والحاجة، ومن يَقِه الله حِرْص نفسه على المال فيبذله في سبيله فأولئك هم الفائزون بنيل ما يرتجونه، والنجاة مما يرهبونه.

من فوائد الآيات فِعلُ ما يُظنُّ أنَّه مفسدة لتحقيق مصلحة عظمى لا يدخل في باب الفساد في الأرض.

من محاسن الإسلام مراعاة ذي الحاجة للمال، فَصَرَفَ الفيء لهم دون الأغنياء المكتفين بما عندهم.

الإيثار منقبة عظيمة من مناقب الإسلام ظهرت في الأنصار أحسن ظهور.

<div class="verse-tafsir" id="91.ORmYx"

مزيد من التفاسير لسورة الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله