الآية ٨ من سورة الحشر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ٨ من سورة الحشر

لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة الحشر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة الحشر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى مبينا حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم ( الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) أي : خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه ( وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ) أي : هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم ، وهؤلاء هم سادات المهاجرين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) يقول تعالى ذكره: كيلا يكون ما أفاء الله على رسوله دُولة بين الأغنياء منكم، ولكن يكون للفقراء المهاجرين.

وقيل: عُني بالمهاجرين: مهاجرة قريش.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ من قريظة جعلها لمهاجرة قريش.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَير، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبْزى، قالا كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو، فنسبهم الله إلى أنهم فقراء، وجعل لهم سهمًا في الزكاة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ) ...

إلى قوله: ( أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) قال: هؤلاء المهاجرون تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر، خرجوا حبًا لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما فيه من الشدّة، حتى لقد ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ماله دثار غيرها.

وقوله: ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ) ، وقوله: ( يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ) موضع يبتغون نصب، لأنه في موضع الحال؛ وقوله: ( وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) يقول: وينصرون دين الله الذي بعث به رسوله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

وقوله: ( أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) يقول: هؤلاء الذين وصف صفتهم من الفقراء المهاجرين هم الصادقون فيما يقولون.

-------- الهوامش : (3) ‌لعل لفظ "حتى" زائد من النساخ

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقونأي الفيء والغنائم للفقراء المهاجرين وقيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء ولكن يكون للفقراء .

وقيل : هو بيان لقوله : ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل [ ص: 20 ] فلما ذكروا بأصنافهم قيل المال لهؤلاء ، لأنهم فقراء ومهاجرون وقد أخرجوا من ديارهم ; فهم أحق الناس به .

وقيل : ولكن الله يسلط رسله على من يشاء للفقراء المهاجرين لكيلا يكون المال دولة للأغنياء من بني الدنيا .

وقيل : والله شديد العقاب للمهاجرين ; أي شديد العقاب للكفار بسبب الفقراء المهاجرين ومن أجلهم .

ودخل في هؤلاء الفقراء المتقدم ذكرهم في قوله تعالى : ولذي القربى واليتامى .

وقيل : هو عطف على ما مضى ، ولم يأت بواو العطف كقولك : هذا المال لزيد لبكر لفلان لفلان .

والمهاجرون هنا : من هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حبا فيه ونصرة له .

قال قتادة : هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والأهلين والأوطان حبا لله ولرسوله ، حتى إن الرجل منهم كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع ، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها .

وقال عبد الرحمن بن أبزى وسعيد بن جبير : كان ناس من المهاجرين لأحدهم العبد والزوجة والدار والناقة يحج عليها ويغزو فنسبهم الله إلى الفقر وجعل لهم سهما في الزكاة .

ومعنى أخرجوا من ديارهم أي أخرجهم كفار مكة ; أي أحوجوهم إلى الخروج ; وكانوا مائة رجل .يبتغون يطلبون .فضلا من الله أي غنيمة في الدنيا .ورضوانا في الآخرة ; أي مرضاة ربهم .وينصرون الله ورسوله في الجهاد في سبيل الله .أولئك هم الصادقون في فعلهم ذلك .

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية فقال : من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب ، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل ، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني ; فإن الله تعالى جعلني له خازنا وقاسما .

ألا وإني باد بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمعطيهن ، ثم المهاجرين الأولين ; أنا وأصحابي أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر تعالى الحكمة والسبب الموجب لجعله تعالى الأموال أموال الفيء لمن قدرها له، وأنهم حقيقون بالإعانة، مستحقون لأن تجعل لهم، وأنهم ما بين مهاجرين قد هجروا المحبوبات والمألوفات، من الديار والأوطان والأحباب والخلان والأموال، رغبة في الله ونصرة لدين الله، ومحبة لرسول الله، فهؤلاء هم الصادقون الذين عملوا بمقتضى إيمانهم، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة والعبادات الشاقة، بخلاف من ادعى الإيمان وهو لم يصدقه بالجهاد والهجرة وغيرهما من العبادات،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا ) رزقا ( من الله ورضوانا ) أي أخرجوا إلى دار الهجرة طلبا لرضا الله - عز وجل - ( وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ) في إيمانهم .

قال قتادة : هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والعشائر وخرجوا حبا لله ولرسوله واختاروا الإسلام على ما كانوا فيه من شدة حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو العباس الطحان أخبرنا أبو أحمد بن محمد بن قريش بن سليمان أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثني عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أمية بن خالد بن عبد الله بن أسيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين .

قال أبو عبيد : هكذا قال عبد الرحمن وهو عندي أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد .

وروينا عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«للفقراء» متعلق بمحذوف، أي اعجبوا «المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون» في إيمانهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكذلك يُعطى من المال الذي أفاءه الله على رسوله الفقراء المهاجرون، الذين اضطرهم كفار "مكة" إلى الخروج من ديارهم وأموالهم يطلبون من الله أن يتفضل عليهم بالرزق في الدنيا والرضوان في الآخرة، وينصرون دين الله ورسوله بالجهاد في سبيل الله، أولئك هم الصادقون الذين صدَّقوا قولهم بفعلهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أثنى - سبحانه - على المهاجرين الذين فارقوا أموالهم وعشيرتهم ، من أجل إعلاء كلمته - تعالى - فقال : ( لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك هُمُ الصادقون ) .قال الإمام الرازى : اعلم أن هذا بدل من قوله - تعلاى - : ( وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .

.

) كأنه قيل : أعنى بأولئك الأربعة ، هؤلاء الفقراء المهاجرين الذين من صفتهم كذا وكذا .ثم إنه - تعالى - وصفهم بأمور ، أولها : أنهم فقراء ، ثانيها : أنهم مهاجرون وثالثها : أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، يعنى أن الكفار أجبروهم على الخروج .

.

.

ورابعها : أنهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، والمراد بالفضل ثواب الجنة ، وبالرضوان : قوله : ( وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ ) وخامسها : قوله : ( وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ ) أى : بأنفسهم وأموالهم .وسادسها : قوله : ( أولئك هُمُ الصادقون ) يعنىأنهم لما هجروا لذَّات الدنيا وتحملوا شدائدها لأجل الدين ، ظهر صدقهم فى دينهم .

.فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف المهاجرين فى سبيله ، بجملة من المناقب الحميدة .

التى استحقوا بسببها الفلاح والفوز برضوان الله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا بدل من قوله: ﴿ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل  ﴾ كأنه قيل: أعني بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء والمهاجرين الذين من صفتهم كذا وكذا، ثم إنه تعالى وصفهم بأمور: أولها: أنهم فقراء.

وثانيها: أنهم مهاجرون.

وثالثها: أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم يعني أن كفار مكة أحوجوهم إلى الخروج فهم الذين أخرجوهم.

ورابعها: أنهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، والمراد بالفضل ثواب الجنة وبالرضوان قوله: ﴿ ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ  ﴾ .

وخامسها: قوله: ﴿ وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ أي بأنفسهم وأموالهم.

وسادسها: قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون ﴾ يعني أنهم لما هجروا لذات الدنيا وتحملوا شدائدها لأجل الدين ظهر صدقهم في دينهم، وتمسك بعض العلماء بهذه الآية على إمامة أبي بكر رضي الله عنه، فقال: هؤلاء الفقراء من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون لأبي بكر يا خليفة رسول الله، والله يشهد على كونهم صادقين، فوجب أن يكونوا صادقين في قولهم يا خليفة رسول الله، ومتى كان الأمر كذلك وجب الجزم بصحة إمامته.

ثم إنه تعالى ذكر الأنصار وأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفيء إذ للمهاجرين دونهم فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِلْفُقَرَاء ﴾ بدل من قوله: ﴿ لذي القربى ﴾ والمعطوف عليه والذي منع الإبدال من: لله وللرسول والمعطوف عليهما، وإن كان المعنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عزّ وجلّ أخرج رسوله من الفقراء في قوله: ﴿ وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وأنه يترفع برسول الله عن التسمية بالفقير، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عزّ وجل ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون ﴾ في إيمانهم وجهادهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ ﴾ بَدَلٌ مَن لِذِي القُرْبى وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَإنَّ الرَّسُولُ لا يُسَمّى فَقِيرًا، ومَن أعْطى أغْنِياءَ ذَوِي القُرْبى خَصَّصَ الإبْدالَ بِما بَعْدَهُ، أوِ الفَيْءَ بِفَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ.

﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ﴾ فَإنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أخْرَجُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم.

﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ﴾ حالٌ مُقَيَّدَةٌ لِإخْراجِهِمْ بِما يُوجِبُ تَفْخِيمَ شَأْنِهِمْ.

﴿ وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ.

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ في إيمانِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{للفقراء} بدل من قوله ولذي القربا والمعطوف عليه والذي منع الا بدال من الله وَلِلرَّسُولِ وإن كان المعنى لرسول الله إن الله عز وجل أخرج رسوله من الفقراء في قوله وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ وأنه يترفع برسول الله عن التسمية بالفقير وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وجل {المهاجرين الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن ديارهم وأموالهم} بمكة وفيه دليل على أن الكفار يملكون بالاستيلاء أموال المسلمين لأن الله تعالى سمى المهاجرين فقراء مع أنه كانت لهم ديار وأموال {يَبْتَغُونَ} حال {فَضْلاً مّنَ الله وَرِضْوَاناً} أي يطلبون الجنة ورضوان الله {وينصرون الله ورسوله} أي ينصرون دين الله ويعينون رسوله {أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون} في إيمانهم وجهادهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”لِذِي القُرْبى“ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، والَّذِي مَنَعَ الإبْدالَ مِن ﴿ فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ﴾ وما بَعْدُ وإنْ كانَ المَعْنى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْرَجَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الفُقَراءِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ وأنَّهُ يَتَرَفَّعُ بِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِالفَقِيرِ، وأنَّ الإبْدالَ عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ مِن خِلافِ الواجِبِ في تَعْظِيمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا كَما لا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ سُبْحانَهُ بِعَلامَةٍ لِأجْلِ التَّأْنِيثِ لَفْظًا لِأنَّ فِيهِ سُوءَ أدَبٍ.

انْتَهى.

وعَنِّي أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ لِاعْتِبارِ المُبْدَلِ مِنهُ مَجْمُوعَ ما ذُكِرَ، قالَ الإمامُ: فَكَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي بِأُولَئِكَ الأرْبَعَةِ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ والمُهاجِرِينَ، وما ذُكِرَ مِنَ الإبْدالِ مِن ”لِذِي القُرْبى“ وما بَعْدَهُ مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِ الحَنَفِيَّةِ إنَّهُ لا يُعْطى الغَنِيُّ مِن ذَوِي القُرْبى وإنَّما يُعْطى الفَقِيرُ، ومَن يَرى كالشّافِعِيِّ أنَّهُ يُعْطى غَنِيُّهم كَما يُعْطى فَقِيرُهم خَصَّ الإبْدالَ بِاليَتامى وما بَعْدَهُ، وقِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّهُ يَقُولُ بِتَخْصِيصِاعْتِبارِ الفَقْرِ بِفَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُعْطِ غَنِيًّا شَيْئًا مِنهُ، والآيَةُ نازِلَةٌ فِيهِ وفِيهِ تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ لِلْفُقَراءِ لَيْسَ لِلْقَيْدِ بَلْ بَيانًا لِلْواقِعِ مِن حالِ المُهاجِرِينَ وإثْباتًا لِمَزِيدِ اخْتِصاصِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِلْمُهاجِرِينَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِلْفُقَراءِ إلَخْ بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ”اليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ“ وكُرِّرَتْ لامُ الجَرِّ لِما كانَ ما تَقَدَّمَ مَجْرُورًا بِها لِتَبْيِينِ أنَّ البَدَلَ هو مِنها، وقِيلَ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ يَكُونُ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ.

وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما خَطَرَ لَنا في ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِمالِ بِناءً عَلى ما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِمَحْضَرِ جَمْعٍ مِنَ الأصْحابِ ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ﴾ حَيْثُ اضْطَرَّهم كُفّارُ مَكَّةَ وأحْوَجُوهم إلى الخُرُوجِ فَخَرَجُوا مِنها، وهَذا وصْفٌ بِاعْتِبارِ الغالِبِ، وقِيلَ: كانَ هَؤُلاءِ مِائَةَ رَجُلٍ ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ﴾ أيْ طالِبِينَ مِنهُ تَعالى رِزْقًا في الدُّنْيا ومَرْضاةً في الآخِرَةِ، وُصِفُوا أوَّلًا بِما يَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْفَيْءِ مِنَ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ والأمْوالِ، وقَيَّدَ ذَلِكَ ثانِيًا بِما يُوجِبُ تَفْخِيمَ شَأْنِهِمْ ويُؤَكِّدُهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى تَوَكُّلِهِمُ التّامِّ ورِضاهم بِما قَدَّرَهُ المَلِيكُ العَلّامُ ﴿ ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ يَبْتَغُونَ ﴾ فَهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ ناوِينَ لِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ مُقارَنَةٌ فَإنَّ خُرُوجَهم مِن بَيْنِ الكُفّارِ مُراغَمِينَ لَهم مُهاجِرِينَ إلى المَدِينَةِ نُصْرَةٌ وأيُّ نُصْرَةٍ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ ﴿ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الصِّدْقِ في دَعْواهُمُ الإيمانَ حَيْثُ فَعَلُوا ما يَدُلُّ أقْوى دَلالَةً عَلَيْهِ مَعَ إخْراجِهِمْ مِن أوْطانِهِمْ وأمْوالِهِمْ لِأجْلِهِ لا غَيْرُهم مِمَّنْ آمَنَ في مَكَّةَ ولَمْ يَخْرُجْ مِن دارِهِ ومالِهِ، ولَمْ يَثْبُتْ مِنهُ نَحْوُ ما ثَبَتَ مِنهم لِنَحْوِ لِينٍ مِنهُ مَعَ المُشْرِكِينَ فالحَصْرُ إضافِيٌّ ووُجِّهَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.

وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى العُمُومِ لِحَذْفٍ مُتَعَلَّقِ الصِّدْقَ وتَمَسَّكَ بِهِ لِذَلِكَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّ هَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ كانُوا يَدْعُونَهُ بِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واللَّهُ تَعالى قَدْ شَهِدَ بِصِدْقِهِمْ فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ إمامَتُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صَحِيحَةً ثابِتَةً في نَفْسِ الأمْرِ وهو تَمَسُّكٌ ضَعِيفٌ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ مِثْلِهِ دَعْوى صِحَّةِ خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِإجْماعِ الصَّحابَةِ، ومِنهم عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ونِسْبَةُ التَّقِيَّةِ إلَيْهِ بِالمُوافَقَةِ لا يُوافِقُ الشِّيعَةُ عَلَيْها مُتَّقٍ كَدَعْوى الإكْراهِ بَلْ مُسْتَغْنِيَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، يعني: ما أعطى الله ورسوله من بني النضير وذلك أنهم طلبوا من النبي  أن يقسم أموالهم بين جميع المسلمين كما قسم أموال بدر، فلم يفعل النبيّ  ، وقسم بين فقراء المهاجرين، فنزل وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ يعني: ما أعطى الله ورسوله من أموال بني النضير فَما أَوْجَفْتُمْ يعني: ما أجريتم عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، يعني: لا على خيل ولا على إبل أتيتم، بل إنكم مشيتم مشيا حتى فتحتموها.

ويقال: أوجف الفرس والبعير، إذا أسرعا يعني: لم يكن عن غزوة أوجفتم خيلا ولا ركابا.

وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ يعني: محمدا  عَلى مَنْ يَشاءُ من بني النضير.

وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النصرة والغنيمة.

ثم بين لمن يعطي تلك الغنائم، فقال: مَّآ أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى، يعني: من بني النضير وفدك ويقال: بني قريظة والنضير وخيبر.

فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، يعني: لله أن يأمركم فيه بما أحب.

وروى عبد الرازق، عن معمر، عن الزهري قال: كانت بنو النضير للنبي  خالصا، لم يفتحوها عنوة ولكن افتتحوها على صلح، فقسمها بين المهاجرين.

ثم قال: وَلِذِي الْقُرْبى، يعني: قرابة الرسول  .

وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.

وروى مالك بن أنس، عن عمر قال: كانت للنبي  ثلث صفايا بني النضير وخيبر وفدك.

فأما بنو النضير، فكانت حبسا لنوائبه.

وأما فدك، فكانت لابن السبيل.

وأما خيبر، فجزأها ثلاثة أجزاء، فقسم جزأين بين المسلمين، وحبس جزءا للنفقة.

فما فضل عن أهله، رده إلى فقراء المسلمين.

ثم قال: كَيْ لا يَكُونَ، المال.

دُولَةً.

قرأ أبو جعفر المدني دُولَةً بالضم وجعله اسم يكون وقراءة العامة بالنصب، يعني: لكي لا يكون دولة.

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي دُولَةً بنصب الدال، والباقون بالضم.

فمن قرأ بالضم، فهو اسم المال الذي يتداول، فيكون مرة لهذا ومرة لهذا.

وأما النصب، فهو النقل والانتقال من حال إلى حال.

بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، يعني: لكيلا يغلب الأغنياء على الفقراء، ليقسمونه بينهم.

ثم قال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، يعني: ما أعطاكم النبيّ  من الغنيمة فخذوه، وما أمركم الرسول فاعملوا به، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا يعني: فامتنعوا عنه.

وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه.

ثم ذكر أن الفيء للمهاجرين، فقال تعالى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ، يعني: الغنائم للفقراء المهاجرين، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يعني: تركوا أموالهم وديارهم في بلادهم، وهاجروا إلى النبيّ  .

ويقال: هذا ابتداء ومعناه عليكم بالفقراء المهاجرين، يعني: اعرفوا حقهم وصلوهم، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم.

يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، يعني: يطلبون رزقا في الجنة ورضوان الله تعالى، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يعني: يطيعون الله فيما أمرهم بطاعته.

أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يعني: الصادقين في إيمانهم فطابت أنفس الأنصار بذلك، فقالوا: هذا كله لهم وأموالنا أيضا لهم.

فأثنى الله تعالى على الأنصار، فقال عز وجل: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: استوطنوا الدار يعني: دار المدينة من قبل هجرتهم، يعني: نزلوا دار الهجرة في المدينة والإيمان، يعني: تبوءوا الإيمان، أي كانوا مؤمنين من قبل أن هاجر إليهم النبي  وأصحابه.

قال الله تعالى: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ.

يعني: يحبون من يقدم إليهم من المؤمنين، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، يعني: لا يكون في قلوبهم حسدا مما أعطوا، يعني: المهاجرين.

ويقال: حاجة يعني: حزازة، وهو الحزن ويقال: ولا يجدون في صدورهم بخلا وكراهة بما أعطوا.

وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ في القسمة يعني: الغنيمة، يعني: تركوها للمهاجرين.

وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يعني: حاجة.

وروى وكيع، عن فضيل بن عمران، عن أبي هريرة-  - إن رجلا من الأنصار نزل به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج، وقربي إلى الضيف ما عندك، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

ويقال: إن رجلا من الأنصار أهدي له برا من مشوي، فقال: لعل جاري أحوج مني، فبعث إليه.

ثم إن جاره بعثه إلى آخر، فطاف سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ قال الله تعالى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ يعني: ومن يمنع بخل نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجين.

وروى وكيع بإسناده، عن النبيّ  أنه قال «بريء من الشح من أدى الزكاة وأقرى الضيف وأعطى في النائبة» .

وقد أثنى الله تعالى على المهاجرين وعلى الأنصار، ثم أثنى على الذين من بعدهم على طريقتهم، فقال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: التابعين، ويقال: يعني: الذين هاجروا من بعد الأولين.

يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ يعني: أظهروا الإيمان قبلنا، يعني: المهاجرين والأنصار.

وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا يعني: غشا وحسدا وعداوة لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يعني: رحيم بعبادك المؤمنين.

وفي الآية دليل: أن من ترحم على الصحابة واستغفر لهم، ولم يكن في قلبه غل لهم، فله حظ في المسلمين، وله أجر مثل أجر الصحابة.

ومن شتم أو لم يترحم عليهم، أو كان في قلبه غل لهم، ليس له حظ في المسلمين، لأنه ذكر للمهاجرين فيه حظ، ثم ذكر الأنصار، ثم ذكر الذين جاءوا من بعدهم، وقد وصفهم الله بصفة الأولين، إذ دعا لهم وفي الآية دليل: أن الواجب على المؤمنين أن يستغفروا لإخوانهم الماضين، وينبغي للمؤمنين أن يستغفروا لآبائهم ولمعلميهم الذين علموهم أمور الدين.

ثم نزل في شأن المنافقين: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: مَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ...

الآية: أهل القرى في هذه الآية: هم أهل الصفراء والينبوع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب، وذلك أَنَّها فُتِحَتْ في ذلك الوقت من غير إيجاف، وأعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جميعَ ذلك للمهاجرين، ولم يحبس منها لنفسه شيئاً، ولم يعط الأنصار شيئاً لغناهم، والقُرْبَى في الآية: قرابته صلّى الله عليه وسلّم مُنِعُوا الصدقةَ فَعُوِّضُوا من الفيء.

وقوله سبحانه: كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ: مخاطبة للأنصار لأَنَّهُ لم يكن في المهاجرين في ذلك الوقت غَنِيٌّ، والمعنى: كي لا يتداول ذلك المالَ الأغنياءُ بتصرفاتهم، ويبقى المساكينُ بلا شيءٍ، وقد مضى القولُ في الغنائم في سورة الأنفال، ورُوِيَ أَنَّ قوماً من الأنصار تكلّموا في هذه القرى المفتحة، وقالوا: لنا منها سَهْمُنَا، فنزل قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ...

الآية: فَرَضُوا بذلك، ثم اطَّرَدَ بعد معنى الآية في أوامر النبي صلّى الله عليه وسلّم ونواهيه، حَتَّى قال قوم: إنَّ الخمر مُحَرَّمَةٌ في كتاب اللَّه بهذه الآية، وانتزع منها ابن مسعود لعنة الواشمة، الحديث «١» .

ت: وبهذا المعنى يحصل التعميم للأشياء في قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] .

لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)

وقوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ: بيان لقوله: وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وكرر لام الجر، لما كانت الجملة الأولى مجرورةً باللام ليبيِّنَ أَنَّ البدل إنَّما هو منها، ثم/ وصفهم تعالى بالصفة التي تقتضي فقرهم، وتُوجِبُ الشفقة عليهم، وهي إخراجهم من ديارهم وأموالهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً: يريد به الآخرة والجنة: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي: في الأقوال والأفعال والنِّيَّاتِ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ: هم الأنصار- رضي اللَّه عن جميعهم-، والضمير في مِنْ قَبْلِهِمْ للمهاجرين، والدار هي المدينة، والمعنى:

تبوؤوا الدار مع الإيمان، وبهذا الاقتران يتضح معنى قوله تعالى: مِنْ قَبْلِهِمْ فتأمله، قال- ص-: وَالْإِيمانَ منصوب بفعل مُقَدَّرٍ، أي: واعتقدوا الإيمان، فهو من عطف

الجمل كقوله: [من الرجز]

عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ...

......

انتهى، وقيل غير هذا، وأثنى اللَّه تعالى في هذه الآية على الأنصار بِأَنَّهُمْ يحبون المهاجرين، وبأَنَّهم يؤثرون على أنفسهم، وبأَنَّهم قد وُقُوا شُحَّ أنفسهم.

ت: وروى الترمذيُّ عن أنس قال: «لمّا قدم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم المَدِينَةَ أَتَاهُ المُهَاجِرُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْماً أَبْذَلَ لِكَثِيرٍ وَلاَ أَحْسَنَ مُوَاساةً في قلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أظهرهم لقد كفونا المئونة، وَأَشْرَكُونَا في الْمِهْنَةِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يذهبوا بالأجر كلّه، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لاَ، مَا دَعَوتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ» «١» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انتهى، والحاجة: الحسد في هذا الموضع قاله الحسن «٢» ، ثم يَعُمُّ بعدُ وُجُوهاً، وقال الثعلبيُّ: حاجَةً أي: حَزَازَةً، وقيل: حسداً مِمَّا أُوتُوا أي: مما أعطي المهاجرون من أموال بَنِي النضير والقرى، انتهى.

وقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ: صفة للأنصار، وجاء الحديث الصحيح من غير ما طريق، أَنَّها نزلت/ بسبب رجل من الأنصار وصنيعه مع ضيفِ رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم إذْ نَوَّمَ صبيانه، وَقَدَّمَ للضيف طعامَه، وأطفأتْ أهلُه السراجَ، وأوهما الضيفَ أَنَّهُمَا يأكلان معه، وباتا طاويين فلمَّا غدا الأنصاريُّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِكُمَا الْبَارِحَةَ» «٣» ونزلت الآية في ذلك، قال صاحب «سلاح المؤمن» : الرجل الأنصاريّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ أيْ: ما رَدَّ عَلَيْهِمْ ﴿ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي: مَن بَنِي النَّضِيرِ ﴿ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإيجافُ.

الإيضاعُ، والرِّكابُ: الإبِلُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: وجَفَ الفَرَسُ والبَعِيرُ، وأوْجَفْتُهُ، ومِثْلُهُ: الإيضاعُ، وهو الإسْراعُ في السَّيْرِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا شَيْءَ لَكم في هَذا، إنَّما هو لِرَسُولِ اللَّهِ  خاصَّةً.

قالَ المُفَسِّرُونَ: طَلَبَ المُسْلِمُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ  أنْ يُخَمِّسَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا أُجْلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ أنَّها فَيْءٌ لَمْ تَحْصُلْ لَهم بِمُحارَبَتِهِمْ، وإنَّما هو بِتَسْلِيطِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَهو لَهُ خاصَّةٌ، يَفْعَلُ فِيهِ ما يَشاءُ، فَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ  بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنهُ شَيْئًا، إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ كانَتْ بِهِمْ حاجَةٌ، وهُمْ: أبُو دُجانَةَ، وسَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ، والحارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الفَيْءِ فَقالَ تَعالى: ﴿ ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى ﴾ أيْ: مِن أمْوالِ كُفّارِ أهْلِ القُرى ﴿ فَلِلَّهِ ﴾ أيْ: يَأْمُرُكم فِيهِ بِما أحَبَّ، ﴿ وَلِرَسُولِهِ ﴾ بِتَحْلِيلِ اللَّهِ إيّاهُ.

وقَدْ ذَكَرْنا ﴿ ذَوِي القُرْبى واليَتامى ﴾ في [الأنْفالِ: ٤١] وذَكَرْنا هُناكَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ: أنَّ المُرادَ بِالفَيْءِ ها هُنا: الغَنِيمَةُ الَّتِي يَأْخُذُها المُسْلِمُونَ مِن أمْوالِ الكافِرِينَ عَنْوَةً، وكانَتْ في بُدُوِّ الإسْلامِ لِلَّذِينِ سَمّاهُمُ اللَّهُ ها هُنا دُونَ الغالِبِينَ المُوجِفِينَ عَلَيْها، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في [الأنْفالِ: ٤١] ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ.

.

.

﴾ الآيَةُ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ ويَزِيدَ بْنِ رُومانَ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا الفَيْءَ: ما أُخِذَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ ما لَمْ يُوجَفْ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، كالصُّلْحِ، والجِزْيَةِ، والعُشُورِ، ومالِ مَن ماتَ مِنهم في دارِ الإسْلامِ ولا وارِثَ لَهُ، فَهَذا كانَ يُقَسَّمُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ  خَمْسَةَ أخْماسٍ، فَأرْبَعَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَفْعَلُ بِها ما يَشاءُ، والخُمُسُ الباقِي لِلْمَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما يُصْنَعُ بِسَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ  بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى ما بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٤١] فَعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُثْبِتَةً لِحُكْمِ الفَيْءِ والَّتِي في [الأنْفالِ: ٤١] مُثْبِتَةً لِحُكْمِ الغَنِيمَةِ فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْ لا يَكُونَ ﴾ يَعْنِي: الفَيْءُ "دُولَةً" وهو اسْمٌ لِلشَّيْءِ يَتَداوَلُهُ القَوْمُ.

والمَعْنى: لِئَلّا يَتَداوَلَهُ الأغْنِياءُ بَيْنَهم فَيَغْلِبُوا الفُقَراءَ عَلَيْهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الدُّولَةُ: اسْمُ الشَّيْءِ يُتَداوَلُ.

والدَّوْلَةُ، بِالفَتْحِ: الفِعْلُ والِانْتِقالُ مِن حالٍ إلى حالٍ ﴿ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ ﴾ مِنَ الفَيْءِ ﴿ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ ﴾ عَنْ أخْذِهِ ﴿ فانْتَهُوا ﴾ وهَذا نَزَلَ في أمْرِ الفَيْءِ، وهو عامٌّ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ، ونَهى عَنْهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ بَيَّنَ مَنِ المَساكِينُ الَّذِينَ لَهُمُ الحَقُّ؟، فَقالَ تَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِهِمُ المُهاجِرِينَ ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ: رِزْقًا يَأْتِيهِمْ ﴿ وَرِضْوانًا ﴾ رِضى رَبِّهِمْ حِينَ خَرَجُوا إلى دارِ الهِجْرَةِ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ في إيمانِهِمْ.

ثُمَّ مَدَحَ الأنْصارَ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم عَنِ الفَيْءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ ﴾ يَعْنِي: دارَ الهِجْرَةِ، وهي المَدِينَةُ ﴿ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: مِن قَبْلِ المُهاجِرِينَ، والإيمانُ عُطِفَ عَلى "الدّارِ" في الظّاهِرِ، لا في المَعْنى، لِأنَّ "الإيمانَ" لَيْسَ بِمَكانٍ يُتَبَوَّأُ، وإنَّما تَقْدِيرُهُ: وآثَرُوا الإيمانَ، وإسْلامُ المُهاجِرِينَ قَبْلَ الأنْصارِ، وسُكْنى الأنْصارِ المَدِينَةَ قَبْلَ المُهاجِرِينَ.

وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، والمَعْنى: تَبَوَّؤُوا الدّارَ والإيمانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ ﴿ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم شارَكُوهم في مَنازِلِهِمْ، وأمْوالِهِمْ ﴿ وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً ﴾ أيْ: حَسَدًا وغَيْظًا مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ.

وَفِيما أُوتُوهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مالُ الفَيْءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقَدْ ذَكَرْنا آنِفًا أنَّ النَّبِيَّ  قَسَّمَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ مِنَ الأنْصارِ غَيْرَ ثَلاثَةِ نَفَرٍ.

والثّانِي: الفَضْلُ والتَّقَدُّمُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ بِأمْوالِهِمْ ومَنازِلِهِمْ ﴿ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ﴾ أيْ: فَقْرٌ وحاجَةٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ إيثارَهم لَمْ يَكُنْ عَنْ غِنًى.

وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذا الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ  ، وقَدْ أصابَهُ الجَهْدُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي جائِعٌ فَأطْعِمْنِي، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى أزْواجِهِ: هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ؟

فَكُلُّهُنَّ قُلْنَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما عِنْدَنا إلّا الماءُ، فَقالَ: ما عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ما يُطْعِمُكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ.

ثُمَّ قالَ: "مَن يَضِيفُ هَذا هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ؟" فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأتى بِهِ مَنزِلَهُ، فَقالَ لِأهْلِهِ: هَذا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأكْرِمِيهِ ولا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا، فَقالَتْ: ما عِنْدَنا إلّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، فَقالَ: قُومِي فَعَلِّلِيهم عَنْ قُوتِهِمْ حَتّى يَنامُوا ولا يَطْعَمُوا شَيْئًا، ثُمَّ أصْبِحِي سِراجَكِ، فَإذا أخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ، فَقَوْمِي كَأنَّكَ تُصْلِحِينَ السِّراجَ، فَأطْفِئِيهِ، وتَعالَيْ نَمْضُغُ ألْسِنَتَنا لِأجْلِ ضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ  حَتّى يَشْبَعَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، وظَنَّ الضَّيْفُ أنَّهُما يَأْكُلانِ مَعَهُ، فَشَبِعَ هُوَ، وباتا طاوِيَيْنِ، فَلَمّا أصْبَحا غَدَوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِما تَبَسَّمَ، ثُمَّ قالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أوْ عَجِبَ مِن فَعالِكُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

.

.

﴾ الآيَةُ.» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وفي بَعْضِ الألْفاظِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ الضَّيْفَ كانَ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ، والمُضِيفَ كانَ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « "لَقَدْ عَجِبَ مِن فِعالِكُما أهْلُ السَّماءِ" .» والثّانِي: أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  أُهْدِيَ لَهُ رَأْسُ شاةٍ، فَقالَ: إنَّ أخِي فُلانًا وعِيالَهُ أحْوَجُ إلى هَذا مِنّا، فَبَعَثَ بِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ بِهِ واحِدٌ إلى واحِدٍ حَتّى تَداوَلَها سَبْعَةُ أهْلِ أبْياتٍ، حَتّى رَجَعَتْ إلى أُولَئِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

ورُوِيَ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: أُهْدِيَ لِبَعْضِ الصَّحابَةِ رَأْسُ شاةٍ مَشْوِيٌّ، وكانَ مَجْهُودًا، فَوَجَّهَ بِهِ إلى جارٍ لَهُ فَتَناوَلَهُ تِسْعَةُ أنْفُسٍ، ثُمَّ عادَ إلى الأوَّلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ ﴿ وَمَن يُوقَ ﴾ بِتَشْدِيدِ القافِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هو أنْ لا يَأْخُذَ شَيْئًا مِمّا نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولا يَمْنَعُ شَيْئًا أمَرَهُ اللَّهُ بِأدائِهِ.

والمَعْنى: أنَّ الأنْصارَ مِمَّنْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم بِتَرْكِ الفَيْءِ لِلْمُهاجِرِينَ.

* فَصْلٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الشُّحِّ والبُخْلِ، هَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ، أمْ لا؟

فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الشُّحُّ في كَلامِ العَرَبِ: هو مَنعُ الفَضْلِ مِنَ المالِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: الشُّحُّ أبْلَغُ في المَنعِ مِنَ البُخْلِ، وإنَّما الشُّحُّ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ، والبُخْلُ بِمَنزِلَةِ النَّوْعِ، وأكْثَرُ ما يُقالُ في البُخْلِ: إنَّما هو في أفْرادِ الأُمُورِ وخَواصِّ الأشْياءِ، والشُّحُّ عامٌّ، فَهو كالوَصْفِ اللّازِمِ لِلْإنْسانِ مِن قِبَلِ الطَّبْعِ والجِبِلَّةِ.

وحَكى الخَطّابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: البُخْلُ: أنْ يَضِنَّ بِمالِهِ، والشُّحُّ: أنْ يَبْخَلَ بِمالِهِ ومَعْرُوفِهِ.

وقَدْ رَوى أبُو الشَّعْثاءِ أنَّ رَجُلًا أتى ابْنَ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنِّي أخافُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قالَ: وما ذاكَ؟

قالَ: أسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ لا يَكادُ يَخْرُجُ مِن يَدَيَّ شَيْءٌ، فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ، الشُّحُّ: أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا، إنَّما ذَلِكَ البُخْلُ، وبِئْسَ الشَّيْءُ البُخْلُ ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: « "بَرِئَ مِنَ الشُّحِّ مَن أدّى الزَّكاةَ، وقَرى الضَّيْفَ، وأعْطى في النّائِبَةِ" .» قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يَعْنِي التّابِعِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِهَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ، ولِلَّذِينِ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ما أقامُوا عَلى مَحَبَّةِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، ودَلِيلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيِ: الَّذِينَ جاؤُوا في حالِ قَوْلِهِمْ: ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا ﴾ فَمَن تَرَحَّمَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ولَمْ يَكُنْ في قَلْبِهِ غِلٌّ لَهُمْ، فَلَهُ حَظٌّ مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ومَن شَتَمَهم ولَمْ يَتَرَحَّمْ عَلَيْهِمْ، وكانَ في قَلْبِهِ غِلٌّ لَهُمْ، فَما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ حَقًّا في شَيْءٍ مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ بِنَصِّ الكِتابِ.

وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مَن تَنَقَّصَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، أوْ كانَ في قَلْبِهِ عَلَيْهِمْ غِلٌّ، فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ في فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآياتِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكم وما آتاكُمُ الرَسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عنهُ فانْتَهُوا واتَّقُوا اللهُ إنَّ اللهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن اللهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللهِ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصادِقُونَ ﴾ أهْلُ القُرى المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هم أهْلُ الصَفْراءِ واليَنْبُوعِ ووادِي القُرى وما هُنالِكَ مِن قُرى العَرَبِ الَّتِي تُسَمّى قُرى عَرَبِيَّةً، وحُكْمُها مُخالِفٌ لِبَنِي النَضِيرِ، ولَمْ يَحْبِسْ رَسُولُ اللهِ  مِن هَذِهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، بَلْ أمْضاها لِغَيْرِهِ؛ وذَلِكَ أنَّها في ذَلِكَ الوَقْتِ فَتُحِتْ، واخْتَلَفَ الناسُ في صِفَةِ فَتْحِها -فَقِيلَ: غَزاها رَسُولُ اللهِ  ، وبَعَثَ بَعْثًا إلى كُلِّ مَكانٍ فَأطاعَ وأعْطاهُ أهْلَهُ فَكانَ مِمّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ، وكانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الغَنائِمِ، ولَيْسَ في الآيَةِ نَسْخٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وأعْطى رَسُولُ اللهِ  جَمِيعَ ذَلِكَ لِلْمُهاجِرِينَ ولَمْ يُعْطَ الأنْصارُ مِنها شَيْئًا.

وقالَ قَتادَةُ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ: كانَتْ هَذِهِ القُرى قَدْ أوجَفَ عَلَيْها ولَكِنَّ هَذا حُكْمُ ما يُوجَفُ عَلَيْهِ، ثُمَّ نَسَخَ اللهُ تَعالى هَذا الحُكْمَ بِآيَةِ الأنْفالِ فَجَعَلَ فِيها الخُمْسَ لِهَذِهِ الأصْنافِ وبَقِيَتِ الأرْبَعَةُ الأخْماسُ لِلْمُقاتِلَةِ، وآيَةُ هَذِهِ السُورَةِ لَمْ يَكُنْ فِيها لِلْمُقاتِلَةِ، وهَذا القَوْلُ يَضْعُفُ لِأنَّ آيَةَ الأنْفالِ نَزَلَتْ إثْرَ بَدْرٍ قَبْلَ بَنِي النَضِيرِ وقَبْلَ أمْرِ هَذِهِ القُرى بِسَنَةٍ ونَيِّفٍ، و"القُرْبى" في هَذِهِ الآيَةِ قُرابَةَ النَبِيِّ  ، مَنَعُوا الصَدَقَةَ فَعَوَّضُوا مِنَ الفَيْءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ ﴾ مُخاطَبَةً لِلْأنْصارِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في المُهاجِرِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ غَنِيٌّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "يَكُونُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالتاءِ، وهِيَ"كانَ" التامَّةُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "دُولَةً" بِضَمِّ الدالِّ ونَصْبِ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "دَوْلَةً" بِفَتْحِ الدالِّ ونَصْبِ الهاءِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "دُولَةٌ" بِضَمِّ الدالِ والهاءِ.

وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ الكِسائِيُّ وحُذّاقُ النَظْرَةِ: الفَتْحُ في المُلْكِ: -بِضَمِّ المِيمِ- لِأنَّها الفِعْلَةُ في الدَهْرِ، والضَمُّ في المِلْكِ -بِكَسْرِ المِيمِ- والمَعْنى أنَّها كالعَوارِيِّ، فَيَتَداوَلُ الأغْنِياءُ ذَلِكَ المالَ بِتَصَرُّفاتِهِمْ ويَبْقى المَساكِينُ بِلا شَيْءٍ، ولا حَظٍّ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأمْوالِ لِيَتِيمٍ غَنِيٍّ ولا لِابْنِ سَبِيلٍ حاضِرِ المالِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في الغَنائِمِ في سُورَةِ [الأنْفالِ].

ورَوى أنَّ قَوْمًا مِنَ الأنْصارِ تَكَلَّمُوا في هَذِهِ القُرى المُفْتَتَحَةِ وقالُوا: لَنا مِنها سَهْمَنا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما آتاكُمُ الرَسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ الآيَةُ...

مُؤَدِّبًا في ذَلِكَ وزاجِرًا ثُمَّ اطَّرَدَ بَعْدَ مَعْنى الآيَةِ في أوامِرِ النَبِيِّ  ونَواهِيهِ، حَتّى قالَ قَوْمٌ: إنَّ الخَمْرَ مُحَرَّمَةٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وانْتَزَعَ مِنها ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَعْنَةَ الواشِمَةِ والمُسْتَوْشِمَةِ...

الحَدِيثُ، ورَأى مُحْرِمًا في ثِيابِهِ المَخِيطَةِ فَقالَ لَهُ: اطْرَحْ هَذا عنكَ، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: أتَقْرَأُ عَلَيَّ بِذَلِكَ آيَةً مِن كِتابِ اللهِ تَعالى؟

فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: نَعَمْ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ" بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ ﴾ ، فَكَرَّرَ لامَ الجَرِّ لَمّا كانَتِ الأولى مَجْرُورَةً بِاللامِ لِيُبَيِّنَ أنَّ البَدَلَ إنَّما هو مِنها، ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِالصِفَةِ الَّتِي تَقْتَضِي فَقْرَهم وتُوجِبُ الإشْفاقَ عَلَيْهِمْ، وهي إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وجَمِيعِ المُهاجِرِينَ إمّا أخْرَجَهُمُ الكَفّارُ وإمّا أحْوالُ الكُفّارِ وظُهُورُهم وفَرْضُ الهِجْرَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ووَصَفَهم بِالفَقْرِ وإنْ كانَ لَهم بَعْضُ أمْوالٍ وهي حالُ الفَقْرِ في اللُغَةِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ [الكَهْفِ].

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَبْتَغُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، والفَضْلُ والرِضْوانُ يُرادُ بِهِ الآخِرَةُ والجَنَّةُ، ونَصْرُ اللهِ هو نَصْرُ شَرْعِهِ ونَبِيِّهِ  .

و"الصادِقُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ يَجْمَعُ صِدْقَ اللِسانِ وصِدْقَ الأفْعالِ لِأنَّ أفْعالَهم في أمْرِ هِجْرَتِهِمْ إنَّما كانَتْ وفْقَ أقْوالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بدل مما يصلح أن يكون بدلاً منه من أسماء الأصناف المتقدمة التي دخلت عليها اللام مباشرة وعطفاً قوله: ﴿ ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ [الحشر: 7] بدل بعض من كل.

وأول فائدة في هذا البدل التنبيه على أن ما أفاء الله على المسلمين من أهل القرى المعْنية في الآية لا يجري قسمه على ما جرى عليه قسم أموال بني النضير التي اقتُصر في قسمها على المهاجرين وثلاثة من الأنصار ورابع منهم، فكأنه قيل: ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل لِلفقراء منهم لا مطلقاً، يدخل في ذلك المهاجرون والأنصار والذين آمنوا بعدهم.

وأعيد اللام مع البدل لربطه بالمبدل منه لانفصال ما بينهما بطول الكلام من تعليل وتذييل وتحذير.

ولإِفادة التأكيد.

وكثيراً ما يقترن البدل بمثل العامل في المبدل منه على وجه التأكيد اللفظي، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا ﴾ في سورة [العقود: 114].

فبقي احتمال أن يكون قيداً ﴿ لذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ [الحشر: 7]، فيتعين أن يكون قوله: ﴿ للفقراء ﴾ إلى آخره مسوقاً لتقييد استحقاق هؤلاء الأصناف وشأن القيود الواردة بعد مفردات أن ترجع إلى جميع ما قبلها، فيقتضي هذا أن يُشترط الفقر في كل صنف من هذه الأصناف الأربعة، لأن مطلقها قد قُيّد بقيد عَقب إطلاق، والكلام بأواخره فليس يجري هنا الاختلاف في حمل المطلق على المقيد، ولا تجري الصور الأربع في حمل المطلق على المقيد من اتحاد حكمهما وجنسهما.

ولذلك قال مالك وأبو حنيفة: لا يعطى ذوو القربى إلا إذا كانوا فقراء لأنه عوض لهم عما حرموه من الزكاة.

وقال الشافعي وكثير من الفقهاء: يشترط الفقر فيما عدا ذوي القربى لأنه حق لهم لأجل القرابة للنبيء صلى الله عليه وسلم قال إمام الحرمين: أغلظ الشافعي الرد على مذهب أبي حنيفة بأن الله علق الاستحقاق بالقرابة ولم يشترط الحاجة، فاشتراطُها وعدمُ اعتبار القرابة يضارّه ويحَادّه.

قلت: هذا محل النزاع فإن الله ذكر وصف اليتامى ووصف ابن السبيل ولم يشترط الحاجة.

واعتذر إمام الحرمين للحنفية بأن الصدقات لما حُرمت على ذوي القربى كانت فائدة ذكرهم في خمس الفيْء والمغانم أنه لا يمتنع صرفه إليهم امتناعَ صرف الصدقات، ثم قال: لا تغترَّ بالاعتذار فإن الآية نص على ثبوت الاستحقاق تشريفاً لهم فمن علّله بالحاجة فَوّت هذا المعنى اه.

وعند التأمل تجد أن هذا الرد مدخول، والبحث فيه يطول.

ومحله مسائل الفقه والأصول.

ومن العلماء والمفسرين من جعل جملة ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ ابتدائية على حذف المبتدأ.

والتقدير: ما أفاء الله على رسوله للمهاجرين الفقراء إلى آخر ما عطف عليه فتكون هذه مصارف أخرى للفيء، ومنهم من جعلها معطوفة بحذف حرف العطف على طريقة التعداد كأنه قيل: فلله وللرسول، إلى آخره، ثم قيل: ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ .

فعلى هذين القولين ينتفي كونها قيداً للجملة التي قبلها، وتنفتح طرائق أخرى في حمل المطلق على المقيد، والاختلاف في شروط الحمل، وهي طرائق واضحة للمتأمل، وعلى الوجه الأول يكون المعوّل.

ووُصِف المهاجرون بالذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم تنبيهاً على أن إعطاءهم مراعىً جبر مَا نكبوا به من ضياع الأموال والديار، ومراعىً فيه إخلاصهم الإيمان وأنهم مكرّرُون نصرَ دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فذيل بقوله: ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ .

واسم الإِشارة لتعظيم شأنهم وللتنبيه على أن استحقاقهم وصف الصادقين لأجل ما سبق اسمَ الإِشارة مِن الصفات وهي أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم وابتغاؤهم فضلاً من الله ورضواناً ونصرهم الله ورسوله فإن الأعمال الخالصة فيما عملت لأجله يَشهد للإِخلاص فيها ما يلحق عاملها من مشاقّ وأذى وإضرار، فيستطيع أن يخلص منها لو ترك ما عمله لأجلها أو قصر فيه.

وجملة ﴿ هم الصادقون ﴾ مفيدة القصر لأجل ضمير الفصل وهو قصر ادعائي للمبالغة في وصفهم بالصدق الكامل كأنَّ صدق غيرهم ليس صدقاً في جانب صدقهم.

وموقع قوله: ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ كموقع قوله: ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ في سورة [البقرة: 5].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ﴾ يَعْنِي فَضْلًا مِن عَطاءِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ورِضْوانًا مِن ثَوابِهِ في الآخِرَةِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ الفَضْلَ الكِفايَةُ، والرِّضْوانُ القَناعَةُ.

وَرَوى عَلِيُّ بْنُ رَباحٍ اللَّخْمِيُّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَطَبَ بِالجابِيَةِ فَقالَ: مَن أرادَ أنْ يَسْألَ عَنِ الفَرائِضِ فَلْيَأْتِ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ، ومَن أرادَ أنْ يَسْألَ عَنِ الفِقْهِ فَلْيَأْتِ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ، ومَن أرادَ أنْ يَسْألَ عَنِ المالِ فَلْيَأْتِنِي فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَنِي خازِنًا وقاسِمًا، إنِّي بادِئُ بِأزْواجِ النَّبِيِّ  فَمُعْطِيهِنَّ، ثُمَّ بِالمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ أنا وأصْحابِي أُخْرِجْنا مِن مَكَّةَ مِن دِيارِنا وأمْوالِنا.

قالَ قَتادَةُ: لِأنَّهُمُ اخْتارُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ  عَلى ما كانَتْ مِن شِدَّةٍ، حَتّى ذُكِرَ لَنا أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَعْصِبُ عَلى بَطْنِهِ الحَجَرَ لِيُقِيمَ صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ، وكانَ الرَّجُلُ يَتَّخِذُ الحَفِيرَةَ في الشِّتاءِ ما لَهُ دِثارٌ غَيْرُها.

﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ويَكُونُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ومَعْناهُ تَبَوَّءُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ والإيمانَ.

الثّانِي: أنَّ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ ومَعْناهُ أنَّهم تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلَيْهِمْ يَعْنِي بِقَبُولِهِمْ ومُواساتِهِمْ بِأمْوالِهِمْ ومَساكِنِهِمْ.

﴿ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَيْرَةً وحَسَدًا عَلى ما قُدِّمُوا بِهِ مِن تَفْضِيلٍ وتَقْرِيبٍ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: يَعْنِي حَسَدًا عَلى ما خُصُّوا بِهِ مِن مالِ الفَيْءِ وغَيْرِهِ فَلا يَحْسُدُونَهم عَلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ﴾ يَعْنِي يُفَضِّلُونَهم ويُقَدِّمُونَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ فاقَةٌ وحاجَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أمّا الرَّبِيعُ إذا تَكُونُ خَصاصَةً عاشَ السَّقِيمُ بِهِ وأثْرى المُقْتِرُ وَفِي إيثارِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم آثَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِما حَصَلَ مِن فَيْءٍ وغَنِيمَةٍ حَتّى قُسِّمَتْ في المُهاجِرِينَ دُونَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ حَيّانَ.

رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  قَسَّمَ عَلى المُهاجِرِينَ ما أفاءَ اللَّهُ مِنَ النَّضِيرِ ونَفَلَ مِن قُرَيْظَةَ عَلى أنْ يَرُدَّ المُهاجِرُونَ عَلى الأنْصارِ ما كانُوا أعْطُوهم مِن أمْوالِهِمْ فَقالَتِ الأنْصارُ بَلْ نُقِيمُ لَهم مِن أمْوالِنا ونُؤْثِرُهم بِالفَيْءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

» الثّانِي: أنَّهم آثَرُوا المُهاجِرِينَ بِأمْوالِهِمْ وواسُوهم بِها.

رَوى ابْنُ زَيْدٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَهُمْ: « (إنَّ إخْوانَكم تَرَكُوا الأمْوالَ والأوْلادَ وخَرَجُوا إلَيْكم فَقالُوا: أمْوالُنا بَيْنَهم قَطائِعُ، فَقالَ: (أوَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقالُوا: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقالَ: (هم قَوْمٌ لا يَعْرِفُونَ العَمَلَ فَتَكْفُونَهم وتُقاسِمُونَهُمُ التَّمْرَ يَعْنِي مِمّا صارَ إلَيْهِمْ مِن نَخِيلِ بَنِي النَّضِيرِ، قالُوا نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ.

» ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ فِيهِ ثَمايِنَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذا الشُّحَّ هو أنْ يَشِحَّ بِما في أيْدِي النّاسِ يَحِبُّ أنْ يَكُونَ لَهُ ولا يَقْنَعُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وطاوُسٌ.

الثّانِي: أنَّهُ مَنَعَ الزَّكاةَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: يَعْنِي هَوى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اكْتِسابُ الحَرامِ، رَوى الأسْوَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَقالَ: إنِّي أخافُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قالَ وما ذاكَ؟

قالَ سَمِعْتُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ لا أكادُ أُخْرِجُ مِن يَدِي شَيْئًا فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ، إنَّما الشُّحُّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا ولَكِنَّ ذَلِكَ البُخْلُ، وبِئْسَ الشَّيْءُ البُخْلُ.

الخامِسُ: أنَّهُ الإمْساكُ عَنِ النَّفَقَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.

السّابِعُ: أنَّهُ أرادَ العَمَلَ بِمَعاصِي اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّامِنُ: أنَّهُ أرادَ تَرْكَ الفَرائِضِ وانْتِهاكَ المَحارِمِ، قالَهُ اللَّيْثُ.

وَفي الشُّحِّ والبُخْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُما يَفْتَرِقانِ وفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشُّحَّ أخْذُ المالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والبُخْلَ أنْ يَمْنَعَ مِنَ المالِ المُسْتَحَقِّ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: أنَّ الشُّحَّ بِما في يَدَيْ غَيْرِهِ، والبُخْلُ بِما في يَدَيْهِ، قالَهُ طاوُسٌ.

﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُمُ التّابِعُونَ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ الصَّحابَةِ ثُمَّ مِن بَعْدِهِمْ إلى قِيامِ الدُّنْيا هُمُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَرَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: النّاسُ عَلى ثَلاثَةِ مَنازِلَ، فَمَضَتْ مَنزِلَتانِ وبَقِيَتِ الثّالِثَةُ: فَأحْسَنُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أنْ تَكُونُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ الَّتِي بَقِيَتْ.

وَفي قَوْلِهِمْ: ﴿ اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِمَن سَبَقَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ.

قالَتْ عائِشَةُ: فَأُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لَهم فَسَبُّوهم.

الثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلسّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

﴿ وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ.

في الغِلِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: الغِشُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: العَداوَةُ، قالَهُ الأعْمَشُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ﴾ الآية قال: هؤلاء المهاجرون تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر، وخرجوا حباً لله ولرسوله، واختاروا الإِسلام على ما كان فيه من شدة، حتى لقد ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع وإن كان الرجل ليتخذ الحفر في الشتاء ما له دثار غيرها.

قوله تعالى: ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ والذين تبوءُو الدار والإِيمان ﴾ إلى آخر الآية، قال: هم هذا الحي من الأنصار أسلموا في ديارهم، وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، وأحسن الله عليهم الثناء في ذلك وهاتان الطائفتان الأولتان من هذه الآية أخذتا بفضلهما ومضتا على مهلهما، وأثبت الله حظهما في هذا الفيء، ثم ذكر الطائفة الثالثة، فقال: ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا ﴾ إلى آخر الآية.

قال: إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمروا بسبهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبلهم ﴾ قال: الأنصار نعت سخاوة أنفسهم عندما رأى من ذلك وإيثارهم إياهم ولم يصب الأنصار من ذلك الفيء شيء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن يزيد بن الأصم «أن الأنصار قالوا: يا رسول الله أقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين الأرض نصفين، قال: لا ولكن يكفونكم المؤنة وتقاسمونهم الثمرة، والأرض أرضكم» قالوا: رضينا فأنزل الله: ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبلهم ﴾ إلى آخر الآية.

أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن قال: فضل المهاجرين على الأنصار فلم يجدوا في صدورهم حاجة قال: الحسد.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه عن عمر أنه قال: أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم.

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وهي طيبة وطابة ومسكينة وجابرة ومجبورة وتبدد ويثرب والدار» .

قوله تعالى: ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ .

أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً فقال: ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله تعالى» فقال رجل من الأنصار، وفي رواية فقال أبو طلحة الأنصاري: أنا يا رسول الله، فذهب به إلى أهله فقال لامرأته: اكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخرين شيئاً.

قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية.

قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي، فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت ثم غدا الضيف على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لقد عجب الله من فلان وفلانة وأنزل الله فيهما ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ » .

وأخرج مسدد في مسنده وابن أبي الدنيا في كتاب قري الضيف وابن المنذر عن أبي المتوكل الناجي رضي الله عنه «أن رجلاً من المسلمين مكث صائماً ثلاثة أيام، يمسي فلا يجد ما يفطر فيصبح صائماً حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له ثابت بن قيس رضي الله عنه، فقال لأهله: إني ساجيء الليلة بضيف لي فإذا وضعتم طعامكم فليقم بعضكم إلى السراج كأنه يصلحه فليطفئه ثم اضربوا بأيدكم إلى الطعام كأنكم تأكلون فلا تأكلوا حتى يشبع ضيفنا، فلما أمسى ذهب به فوضعوا طعامهم فقامت امرأته إلى السراج كأنها تصلحه فأطفأته، ثم جعلوا يضربون أيديهم في الطعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون حتى شبع ضيفهم، وإنما كان طعامهم ذلك خبزة هي قوتهم، فلما أصبح ثابت غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ثابت لقد عجب الله البارحة منكم ومن ضيفكم» فنزلت فيه هذه الآية ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنه قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منا فبعث به إليهم، فلم يزل يبعث به واحداً إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ قال: فاقة.

قوله تعالى: ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ .

أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً قال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟

قال: إني سمعت الله يقول: ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء، فقال له ابن مسعود رضي الله عنه: ليس ذاك بالشح، ولكنه البخل، ولا خير في البخل، وإن الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يوق شح نفسه ﴾ قال: ليس الشحيح أن يمنع الرجل ماله، ولكنه البخل وإنه لشر إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: النظر إلى المرأة، لا يملكها من الشح.

وأخرج ابن المنذر عن طاووس رضي الله عنه قال: البخل أن يبخل الإِنسان بما في يديه، والشح أن يشح على ما في أيدي الناس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يطوف بالبيت يقول: اللهم قني شح نفسي لا يزيد على ذلك فقيل له فقال: إذا وقيت شح نفسي لا أسرق ولا أزني ولم أفعل شيئاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ومن يوق شح نفسه ﴾ قال: إدخال الحرام ومنع الزكاة.

وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: من أدى زكاة ماله فقد وقي شح نفسه.

وأخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق عن ابن عمرو قال: الشح أشد من البخل لأن الشحيح يشح على ما في يديه فيحبسه ويشح على ما في أيدي الناس حتى يأخذه، وإن البخيل إنما يبخل على ما في يديه.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم البخل عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله جنة عدن ثم قال لها: انطقي، فقالت: ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ [ المؤمنون: 1] فقال الله: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث من كن فيه فقد برئ من الشح، من أدى زكاة ماله، وقرى الضيف، وأعطى في النوائب» .

وأخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما محق الإِسلام محق الشح شيء قط» وأخرج ابن مردويه عن أبي زرعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له في الدنيا وإنما يضر نفسه شحها» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجمع بن يحيى بن جارية قال: حدثني عمي خالد بن يزيد بن جارية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً، ولا يجتمع الشح والإِيمان في قلب عبد أبداً» .

وأخرج الترمذي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خصلتان لا يجتمعان في جوف مسلم البخل وسوء الظن» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع» .

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والشح والبخل، فإنه دعا من قبلكم إلى أن يقطعوا أرحامهم فقطعوها، ودعاهم إلى أن يستحلوا محارمهم فاستحلوها، ودعاهم إلى أن يسفكوا دماءهم فسفكوها» .

وأخرج الترمذي والبيهقي عن أنس رضي الله عنه «أن رجلاً توفي فقالوا: ابشر بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولا تدرون فلعله قد تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينفعه» .

وأخرج البيهقي من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه قال: «أصيب رجل يوم أحد فجاءت امرأة فقالت: يا بني لتهنك الشهادة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلقان يحبهما الله وخلقان يبغضهما الله.

فأما اللذان يحبها الله فالسخاء والسماحة، وأما اللذان يبغضهما الله فسوء الخلق والبخل، فإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله على قضاء حوائج الناس» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يذهب السخاء على الله، السخي قريب من الله، فإذا لقيه يوم القيامة أخذ بيده فأقله عثرته» .

وأخرج البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاح أوّل هذه الأمة بالزهد والتقوى وهلاك آخرها بالبخل والفجور» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخيّ قريب من الله قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من العابد البخيل» .

وأخرج البيهقي عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولَجَاهل سخيٌ أحب إلى الله من عابد بخيل» .

وأخرج ابن عدي في الكامل والبيهقي وضعفه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولفاجر سخيّ أحبّ إلى الله من عابد بخيل، وأي داء أدوأ من البخل» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني سلمة من سيدكم اليوم؟

قالوا: الجد بن قيس ولكنا نبخله، قال: وأي داء أدوأ من البخل؟

ولكن سيدكم عمرو بن الجموح» .

وأخرج البيهقي عن جابر رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني سلمة من سيدكم؟

قالوا: الجد بن قيس وإنا لنبخله.

قال: وأي داء أدوأ من البخل بل سيدكم الخير الأبيض عمرو بن الجموح» قال: وكان على أضيافهم في الجاهلية قال: وكان يولم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوّج.

وأخرج البيهقي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سيدكم يا بني سلمة؟

قالوا: الجد بن قيس.

قال: وبم تسوّدونه؟

قالوا: بأنه أكثرنا مالاً وإنا على ذلك لنزنه بالبخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأي داء أدوأ من البخل، ليس ذاك سيدكم.

قالوا: فمن سيدنا يا رسول الله؟

قال: سيدكم البراء بن معرور» قال البيهقي مرسل.

وأخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سيدكم يا بني عبيد؟

قالوا: الجد بن قيس على أن فيه بخلاً، قال: وأي داء أدوأ من البخل؟

بل سيدكم وابن سيدكم بشر بن البراء بن معرور» .

وأخرج البيهقي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن ولا سيء الملكة، وأول من يقرع باب الجنة المملوكون وإذا أحسنوا فيما بينهم وبين الله وبين مواليهم» .

وأخرج البيهقي عن أبي سهل الواسطي رفع الحديث قال: «إن الله اصطنع هذا الدين لنفسه وإنما صلاح هذا الدين بالسخاء وحسن الخلق فاكرموه بهما» .

وأخرج البيهقي من طرق وضعفه عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريل: قال الله تعالى: إن هذا الدين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن عبدالله بن جراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ابتغيتم المعروف فابتغوه في حسان الوجوه، فوالله لا يلج النار إلا بخيل، ولا يلج الجنة شحيح، إن السخاء شجرة في الجنة تسمى السخاء، وإن الشح شجرة في النار تسمى الشح» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخاء شجرة من شجر الجنة أغصانها متدليات في الدنيا من أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى الجنة، والبخل شجرة من شجر النار أغصانها متدليات في الدنيا من أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى النار» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخاء شجرة في الجنة فمن كان سخياً أخذ بغصن منها، فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة، والشح شجرة في النار فمن كان شحيحاً أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله النار» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت قاعدا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ثلاثة عشر رجلاً عليهم ثياب السفر فسلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا: من السيد من الرجال يا رسول الله قال: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

قالوا: ما في أمتك سيد؟

قال: بلى، رجل أعطي مالاً حلالاً ورزق سماحة فأدنى الفقير فقلت شكايته في الناس» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: «ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تغشى أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع» .

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبدالله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: «قدم خالد بن الوليد من ناحية أرض الروم على النبي صلى الله عليه وسلم بأسرى، فعرض عليهم الإِسلام فأبوا، فأمر أن تضرب أعناقهم، حتى إذا جاء إلى آخرهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا خالد كف عن الرجل» قال: يا رسول الله ما كان في القوم أشد عليّ منه.

قال: «هذا جبريل يخبرني عن الله أنه كان سخيّاً في قومه فكف عنه وأسلم الرومي» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال أبو إسحاق: بين المساكين الذين لهم الحق بقوله: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ (١) ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ بدل من قوله للمساكين في الآية الأولى، وأنه عني بالمساكين هؤلاء ﴿ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ﴾ ، يعني أن كفار مكة أحوجوهم (٢) قوله تعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ﴾ قال مقاتل: يعني رزقًا في الجنة ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾ رضا ربهم (٣) قال ابن عباس: ابتغوا فضل الله واختاروا رضوان الله على الدور والأموال فقبل الله ذلك منهم، وشكر سعيهم وسماهم الصادقين في قوله: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ (٤) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 145.

(٢) (ك): (أحوجهم).

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 148 أ.

(٤) لم أجده.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ﴾ الآية، اضطراب الناس في تفسير هذه الآية وحكمها اضطراباً عظيماً فإن ظاهرها أن الأموال التي تؤخذ للكفار تكون لله وللرسول ومن ذكر بعد ذلك ولا يخرج منها خمس، ولا تقسم على من حضر الوقيعة، وذلك يعارض ما رود في الأنفال من إخراج الخمس، وقسمة سائر الغنيمة على من حضر الوقيعة، فقال بعضهم: إن هذه الآية منسوخة بآية الأنفال، وهذا خطأ لأن آية الأنفال نزلت قبل هذه بمدة.

وقال بعضهم: إن آية الأنفال في الأموال التي تغنم ما عدا الأرض، وأن هذه الآية في أرض الكفار.

قالوا: ولذلك لم يقسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرض مصر والعراق بل تركها لمصالح المسلمين، وهذا التخيصص لا دليل عليه.

وقيل غير ذلك، والصحيح أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال، فإن آية الأنفال في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإيجاف الخيل والركاب، فهذا يخرج منه الخمس ويقسم باقيه على الغانمين، وأما هذه الآية ففي حكم الفيء وهو ما يؤخذ من أموال من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، وإذا كان كذلك فكل واحدة من الآيتين في معنى غير معنى الآخرى، ولها حكم غير حكم الأخرى فلا تعارض بينهما ولا نسخ، وانظر كيف ذكر هنا لفظ الفيء وفي الأنفال لفظ الغنيمة وهو قول الجمهور وبه قال مالك وجميع أصحابه وهو أظهر الأقوال.

وأما فعل عمر في أرض مصر والعراق، فالصحيح أنه فعل ذلك لمصلحة المسلمين بعد استطابة نفوس الغانمين بقوله تعالى: ﴿ مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى ﴾ يريد بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب كما كانت أموال بني النضير، ولكنه حذف هذا لقوله في الآية قبل هذا: فما أوجفتم عليه من خيل، ولا ركاب، فاستغنى بذكر ذلك أولاً عن ذكره ثانياً، ولذلك لم تدخل الواو العاطفة في هذه الجملة لأنها من تمام الأولى فهي غير أجنبية منها فإنه بيّن في الآية الأولى حكم أموال بني النضير، وبين في هذه الآية حكم ما كان مثلها من أموال غيرهم على العموم، ويصرف الفيء فيما يصرف فيه خمس الغنائم؛ لأن الله سوّى بينهما في قوله: ﴿ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ ، وقد ذكرنا ذلك في الأنفال فأغنى عن إعادته، وقد ذكرنا في الأنفال معنى قوله: لله وللرسول وما بعد ذلك ﴿ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنيآء ﴾ أي كيلا يكون الفيء الذي أفاء الله على رسوله من أهل القرى دولة ينتفع به الأغنياء دون الفقراء، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير على المهاجرين فإنهم كانوا حنيئذ فقراء، ولم يعط الأنصار منها شيئاً، فإنهم كانوا أغنياء فقال بعض الأنصار: لنا سهمنا من هذا الفيء فأنزل الله هذه الآية، والدولة بالضم والفتح ما يدول الإنسان أي يدور عليه من الخير، ويحتمل أن يكون من المداولة، أي كي لا يتداول ذلك المال الأغنياء بينهم ويبقى الفقراء بلا شيء.

﴿ وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا ﴾ نزلت بسبب الفيء المذكور: أي ما أتاكم الرسول من الفيء فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، فكأنها أمر للمهاجرين بأخذ الفيء ونهي للأنصار عنه، ولفظ الآية مع ذلك عام في أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نواهيه، ولذلك استدل بها عبد الله بن مسعود على المنع من لبس المحرم المخيط ولعن الواشمة والواصلة في القرآن لورود ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

﴿ لِلْفُقَرَآءِ ﴾ هذا بدل من قوله: ﴿ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ ليبين بذلك أن المراد المهاجرين، ووصفهم بأنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم؛ لأنهم هاجروا من مكة وتركوا فيها أموالهم وديارهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد: أبوعمرو.

والباقون: بالتخفيف من الإخراب ﴿ تكون ﴾ بالتاء الفوقانية ﴿ دولة ﴾ بالرفع على " كان " التامة: يزيد.

والآخرون: على التذكير والنصب ﴿ جدار ﴾ بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون: بضمتين من غير ألف.

﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ الباري ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الحشر ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ط ﴿ في الدنيا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ه ﴿ ورسوله ﴾ ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ فانتهوا ﴾ ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه لئلا يوهم أن قوله ﴿ للفقراء ﴾ يتعلق بـ ﴿ شديد ﴾ ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في التفسير.

﴿ خصاصة ﴾ قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله ﴿ المفلحون ﴾ ه لمثل المذكور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ لا لأن ما بعده من تمام القول ﴿ لننصركم ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ معهم ﴾ ج ﴿ لا ينصرونهم ﴾ ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ جدر ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ج لتعلق الكاف بـ ﴿ لا يعقلون ﴾ أو بمحذوف أو مثلهم كمثل ﴿ أمرهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ أليم ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ اكفر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لغد ﴾ ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم فلتنظر لغدها نفس واحد منكم ﴿ واتقوا الله ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ الأولى ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ من خشية الله ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده خبر مبتدأ محذوف ﴿ والشهادة ﴾ ج لاحتمال كون الضمير بدلاً من عالم أو مبتدأ ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط لما قلنا ﴿ المتكبر ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: قال المفسرون: صالح بنو النضر رسول الله  على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هوالنبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رأيه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشاً عند الكعبة، فأمر النبي  محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان اخا كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك.

فتنادوا بالحرب.

وقيل: استمهلوا رسول الله  عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة.

فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشأم إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحُيَيّ بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.

واللام في قوله ﴿ لأول الحشر ﴾ بمعنى الوقت كقولك " جئت ليوم كذا ".

وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.

فمعنى الحشر إخراج الجميع من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين.

وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام كما جاء في الحديث " نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب" قاله قتادة.

وقيل: آخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.

وقيل: معناه لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله  .

قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل " وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم " هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسماً لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم.

قلت: حاصل كلامه  الحصر.

ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله  ﴿ في قلوبهم ﴾ ولاستعمال القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك  ﴾ ومعنى ﴿ لم يحتسبوا ﴾ أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه.

وقذف الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا  كما مر في آل عمران ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب  ﴾ وفي لفظ القذف زيادة تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد " مقذف " فكأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.

قال الفراء ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها.

وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا.

وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الأحكام نحو " فرحته " و " أفرحته " و " حسنة الله " و " أحسنه ".

قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج.

قلت: ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسدّ أفواه الأزقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما أرادوا حمله من جيد الخشب والساج.

وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك.

ثم أمر أهل الابصار الباطنة بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس.

ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على حصونهم وعدّتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوّة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء.

واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي.

وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في الآخرة والعكس لا يلزم.

وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله  وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة نبوّته.

والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم أشدّ من الموت فلهذا قال ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ بالقتل ﴿ ولهم في الآخرة ﴾ بعدما عاينوا في الدنيا ﴿ عذاب النار ذلك ﴾ التخريب أو الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله.

قالت الفقهاء: فيه دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب.

يروى أنه  حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟

فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى ﴿ ما قطعتم ﴾ محله نصب و ﴿ من لينة ﴾ بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل.

وياؤها واو في الأصل كالديمة.

وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله  أن ذلك جائز غيظاً لقلوب الكفرة.

واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون الكفار وقلع أشجارهم.

وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال.

وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله  فقال هذا: تركتها لرسول الله  وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار.

وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي  وعلى أن كل مجتهد مصيب.

قوله ﴿ وما أفاء الله ﴾ أدخل العاطف ههنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها.

ومعنى أفاء جعله فيئاً من فاء إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين.

والإيجاف من الوجيف وهو السير السريع.

وقوله ﴿ عليه ﴾ أي على ما أفاء.

والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله  الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة لا من الفيء.

وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله  ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع.

الثاني تسليم أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله  وكان راكب جمل، فلما كان المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة.

ثم روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة قال الواحدي: كان الفيء مقسوماً في زمان رسول الله  خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله  خاصة وكذا خمس الباقي، والسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، واليتامى والمساكين وابن السبيل.

وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان: أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله  في رباط الثغور.

والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم.

هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال.

ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال ﴿ كيلا يكون دولة ﴾ قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف.

والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم.

قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت الدولة.

فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جداً بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عز بر ومنه قول الحسن " اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً " يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به.

ومن قرأ على " كان " التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاوراً بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها.

قوله ﴿ وما آتاكم ﴾ الآية.

قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول  منها، والأولى عند المحققين العموم.

قوله ﴿ للفقراء ﴾ بدل من قوله ﴿ ولذي القربى ﴾ إلى آخر الأصناف الأربعة.

ولا يجوز أيضاً أن يكون ابتدال البدل من قوله ﴿ فلله ﴾ لأنه يخل بتعظيم قولهم ﴿ وللرسول ﴾ لأنه  أخرجه عن الفقراء بقوله ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير.

ولئن صح أنه  قال " "الفقر فخري" فذاك معنى آخر وهو غنى القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هماً واحداً وهو الافتقار بالكلية إلى الله.

إستدل بعض العلماء بقوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله  .

فلو لم تكن خلافته حقه لزم كذبهم وهو خلاف الآية.

وقال في الكشاف: أراد صدقهم في إيمانهم وجهادهم.

قوله ﴿ والذين تبوّؤا الدار ﴾ معطوف على المهاجرين وكذا قوله ﴿ والذين جاءوا ﴾ وذلك عند من يجعل الغنائم حلاً للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله ﴿ يحبون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ حالين أي الغنائم لهم محببن قائلين.

ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير وقف على ﴿ هم الصادقون ﴾ و ﴿ المفلحون ﴾ وجعل الفعلين خبرين.

وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على الدعاء.

قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طالبت أنفسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم.

وههنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان.

الثاني بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين.

والجواب من الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: "علفتها تبناً وماء بارداً" *** أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان كأنهم جعلوه مستقراً لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان.

والمعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي تقدمه.

وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في الإيمان ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة ﴾ أي حسداً وغيظاً مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره.

وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة.

وقال جار الله: المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطح إلى شيء منه يحتاج إليه ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة.

وفعول ﴿ يؤثرون ﴾ محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.

عن ابن عباس أن النبي  قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم.

فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا نؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت.

والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة وملكة.

قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه.

وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف.

والظاهر أنها نزلت في الفيء كما مر ويدخل فيه غيره.

قوله ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ أي هاجروا بعد المهاجرين الأوّلين.

وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث جميع المؤمنين.

ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا له ملا نطيع في قتالكم أو خذلانكم أحداً.

ثم شهد إجمالاً عليهم بأنهم كاذبون، ثم فصل ذلك قائلاً ﴿ لئن أخرجوا ﴾ إلى قوله ﴿ ولئن نصروهم ﴾ وهذا على سبيل الفرض لأنه  كما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون.

والمعنى لو فرض نصر المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ بعد ذلك أي لا يمنعهم من عذاب الله مانع لظهور كفرهم.

وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين.

وعلى هذا يكون " ثم " لترتيب الأخبار كقوله ﴿ ثم اهتدى  ﴾ ثم بيّن الحكمة في الغزو فقال ﴿ لأنتم أشد رهبة ﴾ قال في الكشاف: أي مرهوبية هي مصدر رهب المبني للمفعول.

وقوله ﴿ في صدورهم ﴾ دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفاً شديداً ورهبتهم في السر منكم أشد من ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته.

وجوز أن يكون المراد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم.

قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا يرتدعون إلا خوفاً من العقوبة العاجلة.

ومن هذا أخذ عمر فقال: ما ينزع السلطان أي يمنع أكثر مما ينزع القرآن.

وقال الشاعر: السيف أصدق إنباء من الكتب *** وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا.

ثم شجع المسلمين بقوله ﴿ لا يقاتلونكم ﴾ أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين ﴿ إلا في قرى محصنة ﴾ غاية التحصين ﴿ أو من وراء جدر ﴾ لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أموراً يعلم الله أنها لا تقع في الخارج على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدوّ يؤيده قوله ﴿ تحسبهم جميعاً ﴾ مجتمعين ذوي تآلف ومحبة ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ متفرقة وهو فعلى من الشت.

وإنما قال ههنا ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ وفي الأوّل ﴿ لا يفقهون ﴾ لأن الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد ههنا أنهم لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا مبطلين.

ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب.

قال جار الله: انتصب ﴿ قريباً ﴾ بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريباً.

قلت: لا يبعد أن يتعلق بصلة الذين.

ثم ضرب مثلاً آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما خصوص إغراء إبليس قريشاً يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله  ﴿ وإذ زين لهم الشيطان  ﴾ إلى قوله ﴿ إني برىء منكم  ﴾ قال مقاتل: وكان عاقبة اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار.

قال جار الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.

وسمى القيامة بالغد تقريباً لمجيئها.

عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد.

وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة.

قال أهل المعاني: تنكير ﴿ نفس ﴾ للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير ﴿ غد ﴾ للتعظيم والتهويل.

قال مقاتل: ونسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم.

قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية.

وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه " هو أبوك ".

استدل أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.

واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل النار لزم خلاف الآية.

والجواب ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم أنه من أهل النار.

ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان.

قال الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله ﴿ وتلك الأمثال ﴾ يعني هذا وغيره من أمثال التنزيل.

وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله ﴿ كمثل الذين ﴾ ﴿ كمثل الشيطان ﴾ ولما وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة.

والقدّوس مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين هذا بالنسبة إلى زمان الماضي والحال.

والسلام إشارة إلى كونه سالماً عن الآفات والعاهات والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة.

المؤمن الواهب الأمن والمصدق لأنبيائه بالمعجزات.

وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في قوله ﴿ ومهيمناً عليه  ﴾ وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء.

ولمكان تعداد هذه الأوصاف كرر قوله ﴿ يسبح له ﴾ إلى آخر السورة.

فمن عزته كان منزهاً عن النقائص أهلاً للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق للخير وإليه المآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم قوله: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ .

يعني: رد الله على رسوله من ملك الكفرة، أو ما أعطى الله لرسوله من ملك الكفرة.

وقوله: ﴿ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ يجوز أن يكون قرى قد أعطوه، أو يكون هذه بشارة لرسول الله  في فتح القرى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

يجوز أن يقال: إن الظاهر من هذه الآية أن يكون المراد منها غير قرابة رسول الله  : "إن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى"، فقرابة رسول الله  إنما تدخل في هذه الآية بالتأويل، وذلك أن المفهوم من ذكر القرابة إنما هو قرابة المخاطبين في الآية، ومعلوم أن الخطاب بالقسم إنما هو للمغتنمين.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ إنما يفهم منه قرابة الرسول -  - وذوو القربى من أصحابنا يسلكون في ذلك مذهبين: منهم من يقول: إن هذا الحق في الأصل للمحتاجين من القرابة لوجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ وكان المراد منه منصرفاً إلى المحتاجين؛ فكذلك في القرابة.

ومنهم من قال: إن الخمس كان لرسول الله  يصل به إلى قرابته، فلما قبض -  - انقطع ذلك الحق؛ لوجهين: أحدهما: قوله -  -: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة" والثاني: إنما كانوا يستوجبونه برسول الله  فإذا قبض انقطع ذلك عنهم؛ على سبيل انقطاع الحقوق ع أصحابها عند وفاتهم، ثم الفائدة في منع ما كان لرسول الله  عن الوراثة من وجهين: أحدهما: أن رسول الله  كان لا يستعمل نفسه في شيء من لذات الدنيا وشهواتها، وكان قائماً لله  [ ]؛ فإذا كان كذلك، جاز أن يكون حقيقة الملك فيه لمولاه، وإن كان في الظاهر له، والله أعلم.

فإن قيل: أليست الأملاك كلها لله؟

قيل لهم: نعم، غير أن الإضافة قد تكون خصوصية حال، كقوله -  -: ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وبيت الله.

ووجه آخر: ما كان لرسول الله  فهو وقف عليه إلى يوم القيامة؛ ألا ترى أن زوجاته محبوسات عليه لا يحللن لأحد بعده، ونبوته عليه، لم تتحول بعده إلى غيره؛ فلزم - أيضاً - أن يوقف عليه ملكه -  - ومعلوم أن ما كان موقوفاً فسبيله التصدق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ﴾ .

له معنيان: أحدهما: أنه لو لم يبين هذه المواضع لكان ذلك الخمس الذي كان لرسول الله  يخلفه فيه الخلفاء من بعده؛ فيداوله الأغنياء بينهم.

ومعنى آخر: لو فرق هذا بين الفقير والغني لكان حين يقع هذا للغني بيده كان يكتسب به فضول الدنيا، وأما الفقير فأول [ما]يقع في يده يستمتع به في منافع نفسه؛ فلذلك فرق في الفقراء، والله أعلم.

قال بعضهم: الدولة: هي اسم للذي يدول بين الناس، والدّولة: واحدة، وهي فعلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ﴾ .

يعني: ما أعطاكم رسول الله  من هذه الغنيمة فخذوه ولا تظنوا به ظنّاً مكروهاً وما نهاكم عنه فانتهوا، ليس نهي زجر وشريعة، ولكن نهي منع، وما منع منكم من هذا الفيء فانتهوا عنه.

وعلى قراءة ابن مسعود -  -: ﴿ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ ، يحمل معنى الأمر ومعنى الإعطاء، أي: ما آتاكم من الدنيا فخذوه، وما نهاكم من الدنيا عنه - يعني: زجركم عنه - فانتهوا عنه.

قال - رحمه الله -: ويروى: [أن] عامة الفقهاء يحتجون بهذه الآية في موضع الآمر مع لفظ الإتياء، وليس يوجب ظاهره هذا؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء والتمليك، كقوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ  ﴾ ، ولكن وجه الاحتجاج به: أن الله -  - لما أمرنا بأخذ معروفه -  - وإن كان في أخذ المعروف من غيره  خيار: فلأن يلزمنا الأخذ بأمره والاتباع له أحرى وأولى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

هذا يؤكد ما ذكر من اتباع أمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ...

﴾ الآية.

وما نسق عليه من قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ...

﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...

﴾ الآيات ظاهره هذا يقتضي إيجاب حق لهم؛ لأنه إذا قيل: لفلان، لم يكن بد من أن يقال: كذا وكذا، وإذا كان كذلك لم يكن به من حق يذكر لهم، ولا يحتمل أيضاً أن يخفي الله -  - علم ذلك الحق الذي أوجب لهذه الأصناف عن خلقه؛ فالسبيل في ذلك من جهة التأويل عندنا، والله أعلم.

ثم يحتمل أن يكون رسول الله  سئل عن جوابه: لمن؟

قال: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ .

ويحتمل أن يكون الرسول سأل ربه - جل وعلا - عن جوابه: لمن؟

فأخبر: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ .

ثم إنه يجوز أن يكون ذلك الحق، هو ما وظف من الخراج على أهل القرية إذا فتحت وهو ما روي عن عمر بن الخطاب -  - أنه قال لعلي وابن مسعود -  ما - حين فتح سواد الكوفة: أني أستبشركم في أمر، قد أغناني الله -  - عن مشورتكم حين تلوت هذه الآية، ثم تلا: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ ، ثم قال: لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، ثم قال: ليس لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .

وروي أن بلالا قال له: اقسم بيننا كما قسم رسول الله  خيبر بين أهل العسكر، وقال: اللهم اكفني بلالا وأهله.

ثم قال عمر -  -: "لو قسمتها بينكم لتركت آخر عصابة في الإسلام لم تصب من هذا، وأخبر الله بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أنهم شركاء هؤلاء؛ فجائز أن يكون عمر -  - حين تلا هذه الآيات تذكر خبرا أخبر به رسول الله  فعلم أن الحق الذي أوجب الله -  - لهؤلاء ذلك.

أو يجوز أن يكون الله -  - بلطفه ألهمه وعليا وابن مسعود -  م - لأنه روي أنهما أشارا عليه بذلك؛ ولذلك قال أصحابنا: إن الإمام إذا افتتح قرية من قرى أهل الحرب فهو فيها بالخيار: إن شاء قسمها بين أهلها ووظف عليهم الخراج، وإن شاء قسمها بين أهل العسكر.

وإنما كان كذلك؛ لأن المقصود من المقاتلة أحد معنيين: إما لتوسيع أمكنة الإسلام أن يضيق، أو يضيق المكان بهم؛ ليستسلموا لدين الله، وينقادوا لأمره، وينظروا في حججه، وليست مقاتلتهم عقوبة كفرهم؛ بل لما وصفنا من المعنى، وهذا المعنى قد يستفاد إذا وظف عليهم الخراج؛ فلذلك كان الإمام الخيار، والله أعلم.

ولو فهم بلال -  - المعنى الذي لأجله قسم رسول الله  خيبر بينهم لم يقس سواد الكوفة عليه.

والمعنى من قسمته -  - خيبر بينهم، عندنا - والله أعلم -: هو أن المسلمين لما صدوا عن البيت بالحديبية بشرهم الله -  - بفتح قريب؛ عوضاً عما نالهم فيما أصابهم، وأما سواد الكوفة فلم يكن يها شء من هذا المعنى؛ فلم يجز أن يكون أمره مقيساً عليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ يحتمل أن يكن المراد منه المجاهدين المقاطعين لأسباب عيشهم من الأموال والديار، أي: لهم هذا الحق الذي سبق وصفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ﴾ .

لم يخرجوهم من ديارهم في الحقيقة، ولكنهم ضيقوا عليهم حتى خرجوا، فإذن أضيف الإخراج إليهم؛ لما كانوا أسباباً لخروجهم، وهذا كقوله -  -: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ ، وإبليس - عليه اللعنة - لم يتول إخراجهما من الجنة، ولكن حرضهما على سبب إتيانه؛ فلم يستقرا بعده في ذلك المكان؛ فأضيف الفعل إليه، وقد وصفنا أن اهذه الأفعال إذا أضيفت إلى العباد فإنما معنى ذلك أسباب تكون منهم لا حقيقة تلك الأفعال، وما أضيف إلى الله -  - من ذلك فهو يحتمل الأمرين جميعاً: الحقيقة والسبب في ذلك؛ لأجل أن العبد لا يمكنه أن يقدر آخر على فعل في وقت فعله إلا على التسبب، فأما رب العالمين فإنه قادر على إقدار العبد على فعل وقت فعله؛ فلذلك قلنا: إنه يجوز أن يراد حقيقة الفعل فيما يضاف إلى الله  ، وهو الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ﴾ .

يدل على أنه كانت لهم بمكة ديار وأموال، ثم مع هذه لم يرو عن رسول الله  رد شيء من ديارهم عليهم بعد فتح مكة، ولا تضمين أولئك شيئاً من أموالهم؛ ليعلم أن أهل الحرب إذا غلبوا على أموال المسلمين ملكوها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

يعني: أنهم هاجروا لدينهم، وانقطعوا عن أسباب عيشهم من الأموال؛ يبتغون الرزق من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

دل أن هذا الحق للمجاهدين منهم، ثم قوله: ﴿ وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ ﴾ ؛ يحتمل وجهين: أحدهما: ينصرون رسول الله  ، وذكر الهل صلة.

والثاني: ينصرون دين الله، ويطيعون رسوله،  .

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ﴾ .

يعني: الذين أظهروا صدق الإيمان من قلوبهم؛ لهجرتهم لدينهم وسعيهم إلى ما يزلهم إلى الله -  - ويقرب إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ ﴾ .

يعني: الذين اتخذوا ديارا واسعة تسعهم والمهاجرين، وهم الأنصار.

وقوله: ﴿ وَٱلإِيمَانَ ﴾ .

أي: أنهم آمنوا قبل هجرة هؤلاء، لك يأمن هؤلاء المهاجرون من أحنهم، ولا يخافوا شرهم.

وقوله: ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

يعني: من قبل الهجرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ﴾ ، يعني: أن الله -  - ألقى [إليهم] محبة؛ حتى أنزلوا المهاجرين ديارهم، وأنفقوا عليهم أموالهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ ﴾ .

يعني: أن رسول الله  لما قسم خيبر بين المهاجرين، ورتك الأنصار لم يقسم بينهم، لم يجد الأنصار في قلوبهم حاجة مما أعطى المهاجرين، يعني: أن الله -  - أغنى قلوبهم حتى لا يفكروا عن حاجة ولا مقت ألبتة.

ويحتمل أن يكون المعنى من الحاجة - هاهنا -: الغل والحسد، يعني: أن الله -  - ظهر قلوبهم حتى لم يجدوا في صدورهم حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ .

أي: يؤثرون على أنفسهم في أملاكهم أنهم لا يجدون بما يبذلون هم حاجة مما يملكون، ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

إن الله -  - خلق في طبع البشر محبة المحاسن والمنافع الطلب لها، وبغض المساوي والمضار والهرب عنها، ثم إنه امتحنهم بالإنفاق مما يحبون، وحمل النفس على ما يكرهون؛ طلباً لنجاتهم، وتوصلا إلى ثوابهم، ثم وقاية الأنفس من الشح تكون بوجهين: أحدهما: أن يمن الله على عبده ليصير ما هو غائب عنه من الثواب في الأجل كالشاهد؛ فيخفف عليه الإنفاق مما يحب، ويصير ذلك كالطبع له.

والثاني: يوفقه الله -  - ويعصمه، ويلهمه تعظيم أمره ونهيه؛ حتى يقهر نفسه ويحملها على الائتمار بأمر الله -  - والانتهاء عما نهى عنه، وإن كان طبعها على خلاف ذلك.

ثم إضافة الوقاية إلى نفسه تدل على أنه قد بقي في خزانته شيء لم يؤته عبده، حتى يصف نفسه بأنه يقي عنه شح نفسه، ولولا ذلك لم يكن لوعده بوقاية نفسه عن شحها معنى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

يعني: الباقون في النعيم الدائم، والفلاح في الحقيقة: هو البقاء في النعيم.

وقوله - عز جل -: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا...

﴾ الآية.

قد علم الله -  - أنه قد يكون في أمة محمد  من يلعن سلفه حتى أمرهم بالاستغفار لهم.

وفيه دلالة على فساد قول الروافض والخوارج والمعتزلة؛ لأن الروافض من قولهم: إن القوم لما ولو الخلافة أبا بكر الصديق -  - كفروا.

ومن قول الخوارج: إن عليا 0-  - كفر بقتاله معاوية وأصحابه.

وقال المعتزلة بأن من عدل عن الحق في القتال خرج عن الإيمان، ولو كان ما ارتكبوا من الزلات يكفرهم أو يخرجهم عن الإيمان لم يكن للاستغفار لهم معنى؛ لأن الله -  - نهى عن الاستغفار للمشركين، فإذا أذن - هاهنا - بالاستغفار لهم تبين بهذا أن ما ارتكبوا من الذنوب، ولم يخرجهم من الإيمان، ولأ،ه أبقى الأخوة فيما بينهم، مع علمنا أنه لم يكن بين الآخرين والأولين أخوة إلا في الدين، فلولا أنهم كانوا مؤمنين لم يكن لإبقاء الأخوة معنى، والله أعلم.

ولأنه قال -  -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، ولو كان ذلك يخرجهم من الإيمان، لم يكن لهذا الدعاء معنى؛ لأن الواجب أن يكون في قلوب المؤمنين عداوة الكفار ومقتهم، فلما ندب جل شأنه في هذه الآية إلى نفي الغل والحسد عن قلوبهم بتلك الدعوة ثبت أ،هم كانوا مؤمنين، والله أعلم.

ثم في الأمر بالاستغفار لهم دلالة أنه قد كانت منهم ذنوب يستوجبون بها العقوبة لولا فضل الله ومغفرته، وإن كانوا فيما يتعاطونه مجتهدين؛ ليعلم أنه ليس كل مجتهد مصيباً.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

يعني: عداوة يحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين الذين سبقوهم.

ويحتمل أن يكون هذا في كل المؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

الرحمة من الله -  - فضل منه على عباده وإحسان إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ  ﴾ : فأخبر أن رحمته هبة منه وإحسان إلى عبده، والله أعلم.

ثم الاستغفار في حال الحياة له معنيان: أحدهما: طلب السبب الذي إذا جاءه استوجب المغفرة.

والثاني: حقيقة المغفرة.

وفي حال الوفاة ليس إلا طلب عين المغفرة، فلما ندب - جل وعلا - إلى الاستغفار لهم بعد وفاتهم، وحال الاستغفار بعد الوفاة على ما وصفنا لا يتوجه إلى على حقيقة المغفرة - ثبت أن ذنوبهم لم تخرجهم؛ لأنه لو كان من حكمه - جل ثناءه - ألا تحل مغفرتهم إذ ارتكبوا كبيرة لم يكن في الأمر بالاستغفار لهم حكمة، والله أعلم.

وقال جعفر بن حرب: إنه ليس في قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ ﴾ ما يدل على أنه يجعل في قلوبهم؛ لأنه إذا قيل: لا تفعل بنا شيئاً لم يفهم منه أ،ه يفعله إذا أحب، ولكن يجاب عن هذا أنه قال  نصا في آية أخرى ما يدل على جعل العداوة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ .

فإن قال: تأويله: أنه خفلى بينهم وبينها، لا أنه جعلها.

قلنا: غير محتمل أن يخلق الله -  - العداوة في قلوبهم من غير فعل يكون منهم، وإن كان كذلك ثبت أنه يخلق هذه الأشياء وقت فعل العبد لها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويُصْرَف جزء من هذا المال للفقراء المهاجرين في سبيل الله الذين أُجْبِروا على ترك أموالهم وأولادهم، يرجون أن يتفضل الله عليهم بالرزق في الدنيا، وبالرضوان في الآخرة، وينصرون الله وينصرون رسوله بالجهاد في سبيل الله، أولئك المتصفون بتلك الصفات هم الراسخون في الإيمان حقًّا.

<div class="verse-tafsir" id="91.laNOL"

مزيد من التفاسير لسورة الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله وبحمده