الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 186 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
[ بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة وما توفيقي إلا بالله ] تفسير سورة الأنعام [ وهي مكية ] قال العوفي وعكرمة وعطاء ، عن ابن عباس : أنزلت سورة الأنعام بمكة سبب نزولها .
وقال الطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة ، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح وقال سفيان الثوري ، عن ليث ، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت : نزلت سورة الأنعام على النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة [ واحدة ] وأنا آخذة بزمام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة وقال شريك ، عن ليث ، عن شهر ، عن أسماء قالت : نزلت سورة الأنعام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد نظموا ما بين السماء والأرض وقال السدي ، عن مرة ، عن عبد الله قال : نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفا من الملائكة .
وروي نحوه من وجه آخر ، عن ابن مسعود .
وقال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي ، أخبرنا جعفر بن عون ، حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر قال : لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : " لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق " .
ثم قال : صحيح على شرط مسلم وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا إبراهيم بن درستويه الفارسي ، حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم ، حدثنا ابن أبي فديك ، حدثني عمر بن طلحة الرقاشي ، عن نافع بن مالك أبي سهيل ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة ، سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والأرض بهم ترتج " ، ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : " سبحان الله العظيم ، سبحان الله العظيم " ثم روى ابن مردويه ، عن الطبراني ، عن إبراهيم بن نائلة ، عن إسماعيل بن عمرو ، عن يوسف بن عطية ، عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله : " نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة ، وشيعها سبعون ألفا من الملائكة ، لهم زجل بالتسبيح والتحميد " يقول الله تعالى مادحا نفسه الكريمة ، وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارا لعباده وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم ، فجمع لفظ " الظلمات " ووحد لفظ " النور " ; لكونه أشرف ، كما قال ( عن اليمين والشمائل ) [ النحل : 48 ] ، وكما قال في آخر هذه السورة ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) [ الأنعام : 153 ] .
وقوله : ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) أي : ومع هذا كله كفر به بعض عباده ، وجعلوا معه شريكا وعدلا واتخذوا له صاحبة وولدا ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
القول في تأويل قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله : " الحمد لله " ، الحمدُ الكامل لله وحده لا شريك له دون جميع الأندادِ والآلهة, ودون ما سواه مما تعبده كَفَرةُ خلْقه من الأوثان والأصنام .
وهذا كلام مخرجه مَخرج الخبر يُنْحَى به نحو الأمر.
يقول: أخلصوا الحمد والشكر للذي خَلَقَكم، أيها الناس، وخلق السماوات والأرض, ولا تشركوا معه في ذلك أحدًا أو شيئًا, (1) فإنه المستوجب عليكم الحمدَ بأياديه عندكم ونعمة عليكم, لا من تعبدونه من دونه، وتجعلونه له شريكًا من خَلْقه .
* * * وقد بينا الفصل بين معنى " الحمد والشكر " بشواهده فيما مضى قبل .
(2) * * * القول في تأويل قوله : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض, وأظلم الليلَ ، وأنارَ النَّهار، كما:- 13040 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وجعل الظلمات والنور " ، قال: الظلمات ظلمة الليل, والنور نورُ النهار .
13041 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أمّا قوله: " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور " ، فإنه خلق السَّماوات قبل الأرض, والظلمةَ قبل النور, والجنّة قَبل النار .
* * * فإن قال قائل: فما معنى قوله إذًا: " جعل ".
قيل: إن العرب تجعلها ظرفًا للخبرِ والفِعْل فتقول: " جعلت أفعل كذا ", و " جعلت أقوم وأقعد ", تدل بقولها " جعلت " على اتصال الفعل, كما تقول " علقت أفعل كذا " = لا أنها في نفسها فِعْلٌ.
يدلُّ على ذلك قول القائل: " جعلت أقوم ", وأنه لا جَعْلَ هناك سوى القيام, وإنما دَلَّ بقوله: " جعلت " على اتّصال الفعل ودوامه، (3) ومن ذلك قول الشاعر: (4) وَزَعَمْـتَ أنَّـكَ سَـوْفَ تَسْـلُكُ فَارِدًا وَالمَــوْتُ مُكْــتَنِعٌ طَـرِيقَيْ قَـادِرِ فَــاجْعَلْ تَحَـلَّلْ مِـنْ يَمِينِـكَ إنَّمَـا حِـنْثٌ اليَمِيـنِ عَـلَى الأثِيـمِ الفَـاجِرِ (5) يقول: " فاجعل تحلّل "، بمعنى: تحلل شيئًا بعد شيء = لا أن هناك جَعْلا من غير التحليل .
فكذلك كل " جَعْلٍ" في الكلام، إنما هو دليل على فعلٍ له اتصال, لا أن له حظًّا في معنى الفعْل.
* * * فقوله: " وجعل الظلمات والنور " ، إنما هو: أظلم ليلَهما، وأنارَ نَهارَهُما.
* * * القول في تأويل قوله : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، معجِّبًا خلقَه المؤمنين من كفَرة عباده، ومحتجًّا على الكافرين: إنّ الإله الذي يجبُ عليكم، أيها الناس، حمدُه، هو الذي خلَق السماوات والأرض, الذي جعل منهما معايشَكم وأقواتكم، وأقواتَ أنعامكم التي بها حياتكم.
فمن السماوات ينـزل عليكم الغيثُ، وفيها تجري الشمس والقمر باعتِقابٍ واختلاف لمصالحكم.
ومن الأرض ينبُتُ الحب الذي به غذاؤكم، والثمارُ التي فيها ملاذُّكم, مع غير ذلك من الأمور التي فيها مصالحكم ومنافعكم بها = والذين يجحدون نعمة الله عليهم بما أنعم به عليهم من خلق ذلك لهم ولكم، أيها الناس =" بربهم "، الذي فعل ذلك وأحدثه =" يعدلون " ، يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه, فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثانَ, وليس منها شيء شرِكه في خلق شيءٍ من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم, بل هو المنفرد بذلك كله, وهم يشركون في عبادتهم إيّاه غيره .
فسبحان الله ما أبلغها من حجة، وأوجزها من عظة, لمن فكَّر فيها بعقل، وتدبرها بفهم !
* * * ولقد قيل: إنها فاتحة التوراة .
* ذكر من قال ذلك: 13042 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العَمّي, عن أبي عمران الجوني, عن عبد الله بن رباح, عن كعب قال: فاتحة التوراة فاتحة " الأنعام ": " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجَعَل الظلمات والنور ثم الذين كَفَروا بربِّهم يعدلون " .
(6) 13043 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب, عن جعفر بن سليمان, عن أبي عمران الجوني, عن عبد الله بن رباح, عن كعب, مثله = وزاد فيه: وخاتمة التوراة خاتمة " هود " .
* * * يقالُ من مساواة الشيء بالشيء: " عدلتُ هذا بهذا ", إذا ساويته به،" عَدْلا " .
وأما في الحكم إذا أنصفت فيه, فإنك تقول: " عَدَلت فيه أعدلُ عَدْلا " .
(7) وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: " يعدلون " ، قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 13044 - حدثني ابن محمد عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " يعدلون " ، قال: يشركون .
* * * ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُني بذلك: فقال بعضهم: عُني به أهل الكتاب .
* ذكر من قال ذلك: 13045 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن ابن أبزى قال: جاءه رجل من الخوارج يقرأ عليه هذه الآية: " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربِّهم يعدِلون " ، قال له: أليس الذين كفروا بربِّهم يعدلون؟
قال: بلى !
قال: وانصرف عنه الرجل, فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى, إن هذا قد أراد تفسيرَ هذه غير هذا!
إنه رجلٌ من الخوارج !
فقال: ردّوه عليّ .
فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نـزلت هذه الآية؟
قال: لا!
قال: إنها نـزلت في أهل الكتاب, اذهبْ، ولا تضعها على غير حدِّها .
(8) وقال آخرون: بل عُنى بها المشركون من عبدةِ الأوثان .
* ذكر من قال ذلك: 13046 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " ، قال: [هؤلاء: أهل صراحيه] .
(9) 13047- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " ، قال: هم المشركون .
13048 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون "، قال: الآلهة التي عبَدوها، عدلوها بالله .
قال: وليس لله عِدْلٌ ولا نِدٌ, وليس معه آلهة, ولا اتخذ صاحبةً ولا ولدًا .
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره أخبر أنّ الذين كفروا بربهم يعدلون, فعمّ بذلك جميع الكفّار, ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض.
فجميعهم داخلون في ذلك: يهودهم, ونصاراهم, ومجوسهم, وعبدة الأوثان منهم ومن غيرهم من سائر أصناف الكفر .
------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة والمخطوطة: "أحدا شيئًا" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(2) انظر تفسير"الحمد" فيما سلف 1 : 135 - 141.
(3) انظر ما كتبته على الأثر رقم: 8317 ، ج 7: 547 ، تعليق: 6/ ثم الأثر: 12834 ، ج: 11: 128 ، تعليق: 1 ، في قوله: "فذهب ينزل" وقوله: "تذهب فتختلط" ، وقد سميتها هناك ألفاظ الاستعانة.
وقد أجاد أبو جعفر العبارة عن هذا المعنى ، فقيده وحفظه.
(4) لم أعرف قائله.
(5) لم أجد البيتين فيما بين يدي من الكتب ، وإن كنت أذكر أني قرأتهما قبل ، ثم لا أدري أين؟
وكان البيت الأول في المطبوعة: وَزَعَمْـتَ أَنَّـكَ سَـوفَ تَسْـلُك قادِرًا وَالمــوتُ مُتَّسِــعٌ طَـرِيقي قـادِرِ وهو كلام صفر من المعنى.
وكان في المخطوطة هكذا.
وزعمـتَ أنـك سـوف تسلك مال را المــوت ملســع طــريقي قـادرِ ورجحت قراءته كما أثبته ، وكما أتوهم أني أذكر من معنى الشعر ، وأظنه من كلام شاعر يقوله لأخيه أو صاحبه ، أراد أن ينفرد في طريقه وحلف ليفعلن ذلك ، فسخر منه ، وقال له ما قال.
وقوله: "فارد" ، أي منفردًا منقطعًا عن رفيقك وصاحبك.
وقوله: "والموت مكتنع" ، أي: دان قد أشرف عليك.
يقال"كنع الموت واكتنع" دنا وقرب ، قال: الراجز: وَاكْـــتَنَعَتْ أُمُّ اللُّهَيْـــمِ وَاكْــتَنَعْ و"أم اللهيم" ، كنية الموت ، لأنه يلتهم كل شيء.
هذا اجتهادي في تصحيح الشعر ، حتى يوجد في مكان غيره.
(6) الأثر: 13042 -"عبد العزيز بن عبد الصمد العمي" ، "أبو عبد الصمد" ، ثقة حافظ ، من شيوخ أحمد ، روى له أصحاب الكتب الستة.
مترجم في التهذيب.
و"أبو عمران الجوني" هو"عبد الملك بن حبيب الأزدي" ، ثقة ، مضى برقم: 80.
و"عبد الله بن رباح الأنصاري" ، ثقة ، مضى برقم: 4810.
و"كعب" ، هو كعب الأحبار المشهور بأخباره الإسرائيلية.
(7) انظر تفسير"العدل فيما سلف 2: 35/11 : 43 ، 44.
(8) الأثر: 13045 -"يعقوب القمي" ، هو"يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي" ، ثقة ، مضى برقم: 617 ، 7269 ، 8158.
و"جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي" ، ثقة ، مضى برقم: 87 ، 617 ، 4347 ، 7269.
و"ابن أبزى" هو: "سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي" ، ثقة ، مضى برقم: 9656 ، 9657 ، 9672.
وأراد السائل من الخوارج بسؤاله ، الاستدلال بالآية على تكفير أهل القبلة ، في أمر تحكيم علي بن أبي طالب.
وذلك هو رأي الخوارج.
(9) في المطبوعة: "هؤلاء أهل صراحة" ، وهو كلام لا معنى له ، وفي المخطوطة ما أثبته بين القوسين ، لم أستطع أن أحل رموزه ، فلعله يوجد بعد في كتاب غير الكتب التي في أيدينا ، فتبين صحته.
سورة الأنعاموهي مكية في قول الأكثرين قال ابن عباس وقتادة : هي مكية كلها إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة ، قوله تعالى : وما قدروا الله حق قدره نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين والأخرى قوله : وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري ، وقال ابن جريج : نزلت في معاذ بن جبل ، وقال الماوردي .
وقال الثعلبي سورة " الأنعام " مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة وما قدروا الله حق قدره إلى آخر ثلاث آيات و قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلى آخر ثلاث آيات قال ابن عطية : وهي الآيات المحكمات وذكر ابن العربي : أن قوله تعالى : قل لا أجد نزل بمكة يوم عرفة وسيأتي القول في جميع ذلك إن شاء الله وفي الخبر أنها نزلت جملة واحدة غير الست الآيات وشيعها سبعون ألف ملك مع آية واحدة منها اثنا عشر ألف ملك وهي وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو نزلوا بها ليلا لهم زجل بالتسبيح والتحميد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتبوها من ليلتهم وأسند أبو جعفر النحاس قال : حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا أبو حاتم روح بن الفرج مولى الحضارمة ، قال حدثنا أحمد بن محمد أبو بكر العمري ، حدثنا ابن أبي فديك ، حدثني عمر بن طلحة بن علقمة بن وقاص ، عن نافع أبي سهل بن مالك ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والأرض لهم ترتج ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : سبحان ربي العظيم ثلاث مرات وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : الأنعام من نجائب القرآن .
وفيه عن كعب ، قال : فاتحة " التوراة " [ ص: 296 ] فاتحة الأنعام وخاتمتها خاتمة " هود " .
وقاله وهب بن منبه أيضا وذكر المهدوي قال المفسرون إن " التوراة " افتتحت بقوله : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض الآية .
وختمت بقوله الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك إلى آخر الآية .
وذكر الثعلبي عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال من قرأ ثلاث آيات من أول سورة " الأنعام " إلى قوله : ويعلم ما تكسبون وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد ، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له أو يوحي في قلبه شيئا ضربه ضربة فيكون بينه وبينه سبعون حجابا فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى : امش في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السلسبيل فأنت عبدي وأنا ربك .
وفي البخاري عن ابن عباس قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة " الأنعام " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم إلى قوله : وما كانوا مهتدينتنبيه : قال العلماء : هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة وعليها بنى المتكلمون أصول الدين لأن فيها آيات بينات ترد على القدرية دون السور التي تذكر والمذكورات ، وسنزيد ذلك بيانا إن شاء الله بحول الله تعالى .بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلونفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : الحمد لله بدأ سبحانه فاتحتها بالحمد على نفسه ، وإثبات الألوهية ، أي : إن الحمد كله له فلا شريك له ، فإن قيل : فقد افتتح غيرها بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغني عن سائره ، فيقال : لأن لكل واحدة منه معنى في موضعه لا يؤدي عنه [ ص: 297 ] غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة ، وأيضا فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون ، وقد تقدم معنى الحمد في الفاتحة .الثانية : قوله تعالى : الذي خلق السماوات والأرض أخبر عن قدرته وعلمه وإرادته فقال : الذي خلق ، أي : اخترع وأوجد وأنشأ وابتدع والخلق يكون بمعنى الاختراع ويكون بمعنى التقدير ، وقد تقدم وكلاهما مراد هنا وذلك دليل على حدوثهما فرفع السماء بغير عمد وجعلها مستوية من غير أود ، وجعل فيها الشمس والقمر آيتين وزينها بالنجوم وأودعها السحاب والغيوم علامتين ، وبسط الأرض وأودعها الأرزاق والنبات ، وبث فيها من كل دابة آيات جعل فيها الجبال أوتادا ، وسبلا فجاجا ، وأجرى فيها الأنهار والبحار ، وفجر فيها العيون من الأحجار ، دلالات على وحدانيته ، وعظيم قدرته وأنه هو الله الواحد القهار ، وبين بخلقه السماوات والأرض أنه خالق كل شيء .الثالثة : خرج مسلم قال : حدثني سريج بن يونس ، وهارون بن عبد الله ، قالا : حدثنا حجاج بن محمد ، قال : قال ابن جريج : أخبرني إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن خالد ، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل .قلت : أدخل العلماء هذا الحديث تفسيرا لفاتحة هذه السورة ; قال البيهقي : وزعم أهل العلم بالحديث أنه غير محفوظ لمخالفة ما عليه أهل التفسير وأهل التواريخ .
وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى ، عن أيوب بن خالد ، وإبراهيم غير محتج به ، وذكر محمد بن يحيى ، قال : سألت علي بن المديني عن حديث أبى هريرة خلق الله التربة يوم السبت .
فقال علي : هذا حديث مدني رواه هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، عن إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن خالد ، عن أبي رافع مولى أم سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي .
قال علي : وشبك بيدي إبراهيم بن أبي يحيى ، فقال لي : شبك بيدي أيوب بن خالد ، وقال لي شبك بيدي عبد الله بن رافع ، وقال لي : شبك بيدي أبو هريرة ، وقال لي : شبك بيدي أبو القاسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : خلق الله الأرض يوم السبت فذكر [ ص: 298 ] الحديث بنحوه .
قال علي بن المديني : وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا الأمر إلا من إبراهيم بن أبي يحيى ، قال البيهقي : وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي ، عن أيوب بن خالد إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف .
وروي عن بكر بن الشرود ، عن إبراهيم بن أبي يحيى ، عن صفوان بن سليم ، عن أيوب بن خالد ، وإسناده ضعيف ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن في الجمعة ساعة لا يوافقها أحد يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا أعطاه إياه قال : فقال عبد الله بن سلام : إن الله عز وجل ابتدأ الخلق فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين ، وخلق السماوات يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ، وخلق الأقوات وما في الأرض يوم الخميس ويوم الجمعة إلى صلاة العصر ، وما بين صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس خلق آدم .
خرجه البيهقي .قلت : وفيه أن الله تعالى بدأ الخلق يوم الأحد لا يوم السبت .
وكذلك تقدم في البقرة عن ابن مسعود وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم فيها الاختلاف أيما خلق أولا الأرض أو السماء مستوفى والحمد لله .الرابعة : قوله تعالى : وجعل الظلمات والنور ذكر بعد خلق الجواهر خلق الأعراض لكون الجوهر لا يستغني عنه وما لا يستغني عن الحوادث فهو حادث .
والجوهر في اصطلاح المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ الحامل للعرض ، وقد أتينا على ذكره في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى في اسمه " الواحد " ، وسمي العرض عرضا ، لأنه يعرض في الجسم والجوهر فيتغير به من حال إلى حال ، والجسم هو المجتمع ، وأقل ما يقع عليه اسم الجسم جوهران مجتمعان ، وهذه الاصطلاحات وإن لم تكن موجودة في الصدر الأول فقد دل عليها معنى الكتاب والسنة ، فلا معنى لإنكارها ، وقد استعملها العلماء واصطلحوا عليها وبنوا عليها كلامهم ، وقتلوا بها خصومهم ، كما تقدم في البقرة .
واختلف العلماء في المعنى المراد بالظلمات والنور ، فقال السدي وقتادة وجمهور المفسرين : المراد سواد الليل وضياء النهار ، وقال الحسن : الكفر والإيمان ، قال ابن عطية : وهذا خروج عن الظاهر .قلت : اللفظ يعمه ، وفي التنزيل : أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ، والأرض هنا اسم للجنس فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها ، وكذلك والنور ومثله ثم يخرجكم طفلا وقال الشاعر :[ ص: 299 ]كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميصوقد تقدم وجعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره قاله ابن عطية .قلت : وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق ، فيكون الجمع معطوفا على الجمع ، والمفرد معطوفا على المفرد ، فيتجانس اللفظ وتظهر الفصاحة ، والله أعلم ، وقيل : جمع الظلمات ووحد النور لأن الظلمات لا تتعدى والنور يتعدى ، وحكى الثعلبي أن بعض أهل المعاني قال : جعل هنا زائدة والعرب تزيد " جعل " في الكلام كقول الشاعر :وقد جعلت أرى الاثنين أربعة والواحد اثنين لما هدني الكبرقال النحاس : جعل بمعنى خلق وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد .
وقد تقدم هذا المعنى ، ومحامل ( جعل ) في " البقرة " مستوفى .الخامسة : قوله تعالى : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ابتداء وخبر ، والمعنى : ثم الذين كفروا يجعلون لله عدلا وشريكا ، وهو الذي خلق هذه الأشياء وحده ، قالابن عطية : ف ( ثم ) دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى : أن خلقه السماوات والأرض قد تقرر وآياته قد سطعت ، وإنعامه بذلك قد تبين ، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم ، فهذا كما تقول : يا فلان ، أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني ، ولو وقع العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم ، والله أعلم .
هذا إخبار عن حمده والثناء عليه بصفات الكمال، ونعوت العظمة والجلال عموما، وعلى هذه المذكورات خصوصا.
فحمد نفسه على خلقه السماوات والأرض، الدالة على كمال قدرته، وسعة علمه ورحمته، وعموم حكمته، وانفراده بالخلق والتدبير، وعلى جعله الظلمات والنور، وذلك شامل للحسي من ذلك، كالليل والنهار، والشمس والقمر.
والمعنوي، كظلمات الجهل، والشك، والشرك، والمعصية، والغفلة، ونور العلم والإيمان، واليقين، والطاعة، وهذا كله، يدل دلالة قاطعة أنه تعالى، هو المستحق للعبادة، وإخلاص الدين له، ومع هذا الدليل ووضوح البرهان { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } أي يعدلون به سواه، يسوونهم به في العبادة والتعظيم، مع أنهم لم يساووا الله في شيء من الكمال، وهم فقراء عاجزون ناقصون من كل وجه.
مكية ، وهي مائة وخمس وستون آية ، نزلت بمكة [ جملة ] ليلا معها سبعون ألف ملك قد سدوا ما بين الخافقين ، لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتمجيد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم وخر ساجدا " .
وروي مرفوعا : " من قرأ سورة الأنعام يصلي عليه أولئك السبعون ألف ملك ليله ونهاره " .
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت سورة الأنعام بمكة ، إلا قوله : " وما قدروا الله حق قدره " ، إلى آخر ثلاث آيات ، وقوله تعالى : " قل تعالوا أتل " ، إلى قوله : " لعلكم تتقون " ، فهذه الست آيات مدنيات .
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) قال كعب الأحبار : هذه الآية أول آية في التوراة ، وآخر آية في التوراة قوله : " الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا " الآية ( الإسراء - 111 ) .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : افتتح الله الخلق بالحمد ، فقال : ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) ، وختمه بالحمد فقال : ( وقضي بينهم بالحق ) ، أي : بين الخلائق ، ( وقيل الحمد لله رب العالمين ) [ الزمر - 75 ] .
قوله : " الحمد لله " حمد الله نفسه تعليما لعباده ، أي : احمدوا الله الذي خلق السموات والأرض ، خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد ، وفيهما العبر والمنافع للعباد ، ( وجعل الظلمات والنور ) والجعل بمعنى الخلق ، قال الواقدي : كل ما في القرآن من الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان ، إلا في هذه الآية فإنه يريد بهما الليل والنهار .
وقال الحسن : وجعل الظلمات والنور يعني الكفر والإيمان ، وقيل : أراد بالظلمات الجهل وبالنور العلم .
وقال قتادة : يعني الجنة والنار .
وقيل : معناه خلق الله السموات والأرض ، وقد جعل الظلمات والنور ، لأنه خلق الظلمة والنور قبل السموات والأرض .
قال قتادة : خلق الله السموات قبل الأرض ، والظلمة قبل النور ، والجنة قبل النار ، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى خلق الخلق فى ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل " .
( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) أي : ثم الذين كفروا بعد هذا البيان بربهم يعدلون ، أي : يشركون ، وأصله من مساواة الشيء بالشيء ، ومنه العدل ، أي : يعدلون بالله غير الله تعالى ، يقال : عدلت هذا بهذا إذا ساويته ، وبه قال النضر بن شميل ، الباء بمعنى عن ، أي : عن ربهم يعدلون ، أي يميلون وينحرفون من العدول ، قال الله تعالى ( عينا يشرب بها عباد الله ) أي : منها .
وقيل : تحت قوله " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " معنى لطيف ، وهو مثل قول القائل : أنعمت عليكم بكذا وتفضلت عليكم بكذا ، ثم تكفرون بنعمتي .
«الحمد» وهو الوصف الجميل ثابت «لله» وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به الثناء به أوهما احتمالات أفيدها الثالث قاله الشيخ في سورة الكهف «الذي خلق السماوات والأرض» خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات للناظرين «وجعل» خلق «الظلمات والنور» أي كل ظلمة ونور وجمعها دونه لكثرة أسبابها، وهذا من دلائل وحدانيته «ثم الذين كفروا» مع قيام هذا الدليل «بربهم يعدلون» يسوون غيره في العبادة.
الثناء على الله بصفاته التي كلّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، الذي أنشأ السموات والأرض وما فيهن، وخلق الظلمات والنور، وذلك بتعاقب الليل والنهار.
وفي هذا دلالة على عظمة الله تعالى، واستحقاقه وحده العبادة، فلا يجوز لأحد أن يشرك به غيره.
ومع هذا الوضوح فإن الكافرين يسوون بالله غيره، ويشركون به.
افتتحت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين ، وهى أن المستحق للحمد المطلق ، والثناء الكامل هو رب العالمين .والحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها .وأل فى { الحمد } للاستغراق ، بمعنى أن المستحق لجميع المحامد ولكافة ألوان الثناء هو الله تعالى ، وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله ، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه ، إذ هو الخالق لكل شىء ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم ، فهو فى الحقيقة حمد لله ، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك ، وأعانهم عليه .وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله تعالى : { الحمد للَّهِ } كما بين الفرق بين المدح والحمد والشكر فقال : " اعلم أن المدح أعم من الحمد ، والحمد أعم من الشكر ، أما بيان أن المدح أعم من الحمد ، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل ، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فاضائله فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله ، وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام والإحسان فثبت أن المدح أعم من الحمد ، وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلا إليك أو إلى غيرك ، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد وهو أعم من الشكر .
إذا عرفت هذا فنقول : إنما لم يقل المدح لله لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره .
أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار ، فكان قوله الحمد لله تصريحا بأن المؤثر فى وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة .
وإنما لم يقل الشكر لله ، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك ، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة ، فحينئذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة فأما إذا قال بالحمد لله فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - تعالى - أوصل النعمة إليه ، فيكون الإخلاص أكمل ، واستغراق القلب فى مشاهدة نور الحق أتم ، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت " .هذا وفى القرآن الكريم خمس سور مكية اشتركت فى الافتتاح بتقرير أن الحمد لله وحده ، ولكن كان لكل سورة منهج خاص فى بيان أسباب ذلك الحمد .أما السورة الأولى فهى سورة الفاتحة التى تقول فى مطلعها { الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } أى : أن الحمد لله وحده ، الذى ربى هذا العالم تربية خلقية أساسها الإيجاد والتصوير ، ورباه تربية عقلية أساسها منح قوة التفكير والإدراك ، كما أنه رباه تربية تشريعية قوامها الأحكام التى أوحى بها إلى رسله فتربط استحقاق الحمد لله بربوبيته للعالمين ، والربوبية المطلقة تنتظم التربية الخلقية جسمية وعقلية ، عن طريق الإيجاد والتصوير ، كما تنتظم التربية التشريعية التى أساسها الأحكام التى أوحها الله إلى أنبيائه ورسله .وتجىء بعد سورة الفاتحة فى الترتيب المصحفى سورة الأنعام فأثبتت أيضاً استحقاق الحمد لله وحده ، لأنه " خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، فهى تهتم بالحديث عن نوع خاص من التربية ، وهو التربية الخلقية التى أساسها الخلق والإيجاد والتسوية والتصوير الحقيقى .ثم تجىء بعدهما سورة " الكهف " فتثبت أن الحمد لله ، لأنه { أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } فتراها تهتم بإبراز التربية التشريعية التى تهذب الروح ، وتهدى الفكر .والسورة الرابعة التى افتتحت بإثبات أن { الحمد للَّهِ } هى سورة سبأ ، لأنه - سبحانه - { الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَلَهُ الحمد فِي الآخرة وَهُوَ الحكيم الخبير } ثم تراها بعد ذلك زاخرة بالحديث عن أنواع التربية المطلقة التى تتجلى فى ارساء مظاهر علم الله الشامل ، وملكه المطلق ، وتدبيره المحكم وقدرته النافذة التى تجعله أهلا لكل حمد وثناء .أما السورة الخامسة فهى سورة فاطر ، فقد أثبتت فى مطلعها أن الحمد لله ، لأنه { فَاطِرِ السماوات والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَآءُ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } والذى يقرا هذه السورة الكريمة بتدبير يراها تهتم بإبراز إثبات أن الحمد لله وحده عن طريق الجمع بين التربيتين الخلقية والتشريعية فهى تذكر خلق السموات والأرض والجبال وتصريف الليل والنهار والشمس والقمر .
كما تذكر أنواع الناس فى الانتفاع بوحى الله ، وبهدى أنبيائه ورسله .وهكذا نجد أن السور الخمس قد اشتركت فى أنها افتتحت بجملة { الحمد للَّهِ } وفى قصر الحمد والثناء عليه وحده .
إلا أن كل واحدة منها قد سلكت منهجا خاصا فى تقرير هذه الحقيقة ، وفى إقامة الأدلة على صدقها .وقد أحسن القرطبى عندما قال : " فإن قيل : قد افتتح غيرها - أى سورة الأنعام - بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره فيقال : لأن لكل واحدة منه معنى فى موضعه ، لا يؤدى عن غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة ، وأيضاً فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون " .ثم بين القرآن بعد ذلك الأسباب التى تحمل العقلاء على أن يجعلوا حمدهم كله لله - تعالى - فقال :{ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور } .والمعنى : الحمد كله لله الذى أنشأ بقدرته هذه العوالم العلوية والسفلية ، وأوجد ما فيها من مخلوقات ناطقة وصامتة ، وظاهرة وخافية ، وأحدث ما يتعاقب عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات .
فالجملة الكريمة قد اشتملت على صفتين من صفات الله - تعالى - تثبتان وجوب استحقاق الحمد الكامل لله - عز وجل - وهما خلق السموات والأرض ، وجعل الظلمات والنور .وعبر - سبحانه - فى جانب السموات والأرض بخلق ، وفى جانب الظلمات والنور بجعل ، لأن الخلق معناه هنا الإنشاء والإيجاد الابتدائي من العدم ، أما الجعل فيتضمن معنى تكوين شىء من شىء أو من أشياء ، فالظلمات تتولد من اختفاء الشمس عن الأرض ، والنور يتكون من بزوغ الشمس على الأرض ، وهذه التقلبات الكونية هى بتقدير الله العزيز العليم .قال صاحب الكشاف : " والفرق بين الخلق والجعل .
أن الخلق فيه معنى التقدير ، وفى الجعل معنى التضمين ، كإنشاء شىء من شىء ، أو تصيير شىء شيئاً ، أو نقله من مكان إلى مكان ، ومن ذلك { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } { وَجَعَلَ الظلمات والنور } ، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة ، والنور من النار " .وقال الفخر الرازى : " وإنما حسن لفظ الجعل هنا ، لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كل واحد منهما كأنما تولد من الآخر " .وقال أبو السعود : " والجعل هنا هو الإنشاء والإبداع كالخلق ، خلا أن ذلك - أى الخلق - مختص بالإنشاء التكوينيى وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما فى الآية الكريمة والتشريعى أيضاً كما فى قوله - تعالى - { مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ } وقد وردت نصوص تصرح بأن الأرض سبع طبقات كالسموات .
إلا أنها فى كثير من المواضع القرآنية تفرد - أى الأرض - وتجمع السماء كما هنا ، لعظم السماء .
ولإحاطتها بالأرض ، ولأنه لم يعرف أن الله - تعالى - قد عصى فيها ، ولأن طبقاتها متمايزة ينفصل بعضها عن بعض ، بخلاف طبقات الأرض فإنها متصلة .والمراد بالظلمات هنا الظلمات الحسية ، كما أن المراد بالنور النور الحسى لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولأنهما إذا جعلا مقرونين بذكر السموات والأرض فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان ، ولأن القرآن يستشهد عليهم بمقتضى ما يعلمونه من تفرده بالخلق وهم يعلمون تفرده - سبحانه - بخلق هذه الأشياء .ويرى بعض المفسرين أن المراد بالظلمات ، ظلمات الشرك والكفر والنفاق ، وأن المراد بالنور ، نور الإيمان والإسلام واليقين ، وعلى هذا الرأى يكون المراد بهما معنويا لا حسيا .قال صاحب المنار : قال الواحدى : والأولى حمل اللفظين عليهما ، واستشكله الرازى لأنه مبنى على القول بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز ، والمختار عندنا جوازه ، وجواز استعمال المشترك فى معنييه أو معانيه إذا احتمل المقام ذلك بلا التباس كما هنا ، والتعبير بالجعل دون الخلق يلائم هذا فإن الجعل يشمل الخلق والأمر - أى الشرع - كما تقدم ، فيفسر جعل كل نور بما يليق به .وعبر القرآن فى جانب الظلمات بصيغة الجمع ، وفى جانب النور بالإفراد لأن النور واحد ومن نتائجه الكشف والظهور ، وتعدد أسبابه لا يغير حقيقته .
أما الظلمة فإنها متنوعة بتنوع أسبابها ، فهناك ظلمة الليل ، وهناك ظلمة السجون ، وهناك ظلمة القبور ، وهناك ظلمة الغمام ، وهى تتغير حقائها بتغير أسبابها .
ثم ثمة إشارة إلى أمر معنوى وهى أن ظلمة الإدراك تتعد حقائقها ، فهناك ظلمة الانحراف ، وظلمة الأهواء ، والشهوات وطمس القلوب .والنور واحد { وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } فالنور فى هذا واحد .ثم بين - سبحانه - الموقف الجحودى الذى وقفه المشركون من قضية الألوهية فقال { ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } .العدل : المراد به هنا التسوية ، فقال : عدل الشىء بالشىء إذا سواه به والمعنى : أن الله - تعالى - هو الذى خلق السموات والأرض ، وهو الذى جعل الظلمات والنور ، فهو لذلك من حقه على خلقه أن يعبدوه وحده وأن يخصوه بالحمد والثناء ، ولكن المشركين مع كل هذه الدلائل الدالة على وحدانية الله وقدرته يساوون به غيره فى العبادة ، ويشركون معه آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر .وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة { الحمد للَّهِ } على معنى أن الله - تعالى - حقيق بالحمد على ما خلق من نعم ، وأوجد من كائنات ثم الذين كفروا يجحدون كل ذلك فيشركون معه آلهة أخرى .ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة " خلق السموات والأرض " على معنى أن الله - تعالى - قد خلق الأشياء العظيمة التى لا يقدر عليها أحد سواه ، ثم إن المشركين بعد ذلك يعدلون به جماداً لا يقدر على شىء أصلا .وجاء العطف " بثم " لإفادة استبعاد واستقباح ما فعله الكافرون .
فإنهم رغم البراهين الواضحة والدالة على وحدانية الله وقدرته ، قد نزلوا بمداركهم إلى الحضيض فسووا فى العبادة بين الخالق والمخلوق .قال القرطبى : قال ابن عطية : فثم دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى أن خلق السموات والأرض قد تقرر ، وآياته قد سطعت ، وإنعامه بذلك قد تبين ، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم ، فهذا كما تقول : يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمنى!
ولو وقع العطف بالواو فى هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم " .
اعلم أن الكلام المستقصى في قوله: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ قد سبق في تفسير سورة الفاتحة، ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الفوائد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الفرق بين المدح والحَمْد والشُّكْر.
اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر.
أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله ولطافة خلقته، ويمدح الياقوت على نهاية صفائه وصقالته!
فيقال: ما أحسنه وما أصفاه، وأما الحمد: فانه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام والإحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد.
وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلاً إليك أو إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحصل عندك.
فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وهو أعم من الشكر.
إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل المدح لله ولأنا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار، فقد يحصل لغيره.
أما الحمد فانه لا يحصل إلا للفاعل المختار.
فكان قوله: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ تصريحاً بأن المؤثر في وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة وليس علة موجبة له إيجاب العلة لمعلولها، ولا شك أن هذه الفائدة عظيمة في الدين وإنما لم يقل الشكر لله، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمة بسبب انعام صدر منه ووصل إليك، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة فحينئذ يكون المطلوب الأصلي به وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة، فأما إذا قال: الحمد لله، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقاً للحمد لا لخصوص أنه تعالى أوصل النعمة إليه، فيكون الاخلاص أكمل، واستغراق القلب في مشاهدة نور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت.
المسألة الثانية: الحمد: لفظ مفرد محلى بالألف واللام فيفيد أصل الماهية.
إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ يفيد أن هذه الماهية لله، وذلك يمنع من ثبوت الحمد لغير الله، فهذا يقتضي أن جميع أقسام الحمد والثناء والتعظيم ليس إلا لله سبحانه.
فإن قيل: إن شكر المُنْعِم واجب، مثل شكر الأستاذ على تعليمه، وشكر السلطان على عدله، وشكر المحسن على إحسانه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله».
قلنا: المحمود والمشكور في الحقيقة ليس إلا الله، وبيانه من وجوه: الأول: صدور الاحسان من العبد يتوقف على حصول داعية الاحسان في قلب العبد، وحصول تلك الداعية في القلب ليس من العبد، وإلا لافتقر في حصولها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل، بل حصولها ليس إلا من الله سبحانه فتلك الداعية عند حصولها يجب الفعل، وعند زوالها يمتنع الفعل فيكون المحسن في الحقيقة ليس إلا الله، فيكون المستحق لكل حمد في الحقيقة هو الله تعالى.
وثانيها: أن كل من أحسن من المخلوقين إلى الغير، فإنه إنما يقدم على ذلك الإحسان إما لجلب منفعة أو دفع مضرة، أما جلب المنفعة: فانه يطمع بواسطة ذلك الإحسان بما يصير سبباً لحصول السرور في قلبه أو مكافأة بقليل أو كثير في الدنيا أو وجدان ثواب في الآخرة.
وأما دفع المضرة، فهو أن الإنسان إذا رأى حيواناً في ضر أو بلية فإنه يرق قلبه عليه، وتلك الرقة ألم مخصوص يحصل في القلب عند مشاهدة وقوع ذلك الحيوان في تلك المضرة فإذا حاول إنقاذ ذلك الحيوان من تلك المضرة زالت تلك الرقة عن القلب وصار فارغ القلب طيب الوقت، فذلك الإحسان كأنه سبب أفاد تخليص القلب عن ألم الرقة الحسيّة، فثبت أن كل ما سوى الحق فإنه يستفيد بفعل الإحسان إما جلب منفعة أو دفع مضرة، أما الحق سبحانه وتعالى، فإنه يحسن ولا يستفيد منه جلب منفعة ولا دفع مضرة، وكان المحسن الحقيقي ليس إلا الله تعالى، فبهذا السبب كان المستحق لكل أقسام الحمد هو الله، فقال: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ .
وثالثها: أن كل إحسان يقدم عليه أحد من الخلق فالانتفاع به لا يكمل إلا بواسطة إحسان الله، ألا ترى أنه لولا أن الله تعالى خلق أنواع النعمة وإلا لم يقدر الإنسان على إيصال تلك الحنطة والفواكه إلى الغير، وأيضاً فلولا أنه سبحانه أعطى الإنسان الحواس الخمس التي بها يمكنه الانتفاع بتلك النعم وإلا لعجز عن الانتفاع بها.
ولولا أنه سبحانه أعطاه المزاج الصحيح والبنية السليمة وإلا لما أمكنه الانتفاع بها، فثبت أن كل إحسان يصدر عن محسن سوى الله تعالى، فإن الانتفاع به لا يكمل إلا بواسطة إحسان الله تعالى.
وعند هذا يظهر أنه لا محسن في الحقيقة إلا الله، ولا مستحق للحمد إلا الله.
فلهذا قال: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ .
ورابعها: أن الانتفاع بجميع النعم لا يمكن إلا بعد وجود المنتفع بعد كونه حياً قادراً عالماً، ونعمة الوجود والحياة والقدرة والعلم ليست إلا من الله سبحانه والتربية الأصلية والأرزاق المختلفة لا تحصل إلا من الله سبحانه من أول الطفولية إلى آخر العمر.
ثم إذا تأمل الإنسان في آثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان ووصل إلى ما أودع الله تعالى في أعضائه من أنواع المنافع والمصالح علم أنها بحر لا ساحل له، كما قال تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ فبتقدير: أن نسلم أن العبد يمكنه أن ينعم على الغير إلا أن نعم العبد كالقطرة، ونعم الله لا نهاية لها أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً فلهذا السبب كان المستحق للحمد المطلق والثناء المطلق ليس إلا الله سبحانه فلهذا قال: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ .
المسألة الثالثة: إنما قال: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ ولم يقل: أحمد الله، لوجوه: أحدها: أن الحمد صفة القلب وربما احتاج الإنسان إلى أن يذكر هذه اللفظة حال كونه غافلاً بقلبه عن استحضار معنى الحمد والثناء، فلو قال في ذلك الوقت أحمد الله، كان كاذباً واستحق عليه الذم والعقاب، حيث أخبر عن دعوى شيء مع أنه ما كان موجوداً.
أما إذا قال: الحمد لله، فمعناه: أن ماهية الحمد وحقيقته مسلمة لله تعالى.
وهذا الكلام حق وصدق سواء كان معنى الحمد والثناء حاضراً في قلبه أو لم يكن، وكان تكلمه بهذا الكلام عبادة شريفة وطاعة رفيعة فظهر الفرق بين هذين اللفظين.
وثانيها: روي أنه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يأمره بالشكر، فقال داود: يا رب وكيف أشكرك؟
وشكري لك لا يحصل إلا أن توفقني لشكرك وذلك التوفيق نعمة زائدة وإنها توجب الشكر لي أيضاً وذلك يجر إلى ما لا نهاية له ولا طاقة لي بفعل ما لا نهاية له.
فأوحى الله تعالى إلى داود: لما عرفت عجزك عن شكري فقد شكرتني.
إذا عرفت هذا فنقول: لو قال العبد أحمد الله كان دعوى أنه أتى بالحمد والشكر فيتوجه عليه ذلك السؤال.
إنما لو قال: الحمد لله فليس فيه ادعاء أن العبد أتى بالحمد والثناء، بل ليس فيه إلا أنه سبحانه مستحق للحمد والثناء سواء قدر على الإتيان بذلك الحمد أو لم يقدر عليه فظهر التفاوت بين هذين اللفظين من هذا الوجه.
وثالثها: أنه لو قال أحمد الله كان ذلك مشعراً بأنه ذكر حمد نفسه ولم يذكر حمد غيره.
أما إذا قال: الحمد لله، فقد دخل فيه حمده وحمد غيره من أول خلق العالم إلى آخر استقرار المكلفين في درجات الجنان ودركات النيران، كما قال تعالى: ﴿ وآخردعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ فكان هذا الكلام أفضل وأكمل.
المسألة الرابعة: اعلم أن هذه الكلمة مذكورة في أول سور خمسة.
أولها: الفاتحة، فقال: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ .
وثانيها: في تأويل هذه السورة، فقال: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والارض ﴾ والأول أعم لأن العالم عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، فقوله: ﴿ الحمد لله ربّ العالمين ﴾ يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى.
أما قوله الحمد لله ربّ العالمين يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى.
أما قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والارض ﴾ لا يدخل فيه إلا خلق السموات والأرض والظلمات والنور، ولا يدخل فيه سائر الكائنات والمبدعات، فكان التحميد المذكور في أول هذه السورة كأنه قسم من الأقسام الداخلة تحت التحميد المذكور في سورة الفاتحة.
وتفصيل لتلك الجملة.
وثالثها: سورة الكهف، فقال: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ وذلك أيضاً تحميد مخصوص بنوع خاص من النعمة وهو نعمة العلم والمعرفة والهداية والقرآن، وبالجملة النعم الحاصلة بواسطة بعثة الرسل.
ورابعها: سورة سبأ وهي قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض ﴾ وهو أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ .
وخامسها: سورة فاطر، فقال: ﴿ الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والارض ﴾ وظاهر أيضاً أنه قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ فظهر أن الكلام الكلي التام هو التحميد المذكور في أول الفاتحة وهو قوله: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ وذلك لأن كل موجود فهو إما واجب الوجود لذاته، وإما ممكن الوجود لذاته.
وواجب الوجود لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى وما سواه ممكن وكل ممكن فلا يمكن دخوله في الوجود إلا بإيجاد الله تعالى وتكوينه والوجود نعمة فالإيجاد إنعام وتربية، فلهذا السبب قال: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ وأنه تعالى المربي لكل ما سواه والمحسن إلى كل ما سواه.
فذلك الكلام هو الكلام الكلي الوافي بالمقصود.
أما التحميدات المذكورة في أوائل هذه السور فكان كل واحد منها قسم من أقسام ذلك التحميد ونوع من أنواعه.
فإن قيل: ما الفرق بين الخالق وبين الفاطر والرب؟
وأيضاً لم قال هاهنا ﴿ خَلَقَ السموات والأرض ﴾ بصيغة فعل الماضي؟
وقال في سورة فاطر ﴿ الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض ﴾ بصيغة اسم الفاعل.
فنقول في الجواب عن الأول: الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الحق سبحانه عبارة عن علمه النافذ في جميع الكليات والجزئيات الواصل إلى جميع ذوات الكائنات والممكنات وأما كونه فاطراً فهو عبارة عن الإيجاد والابداع، فكونه تعالى خالقاً إشارة إلى صفة العلم، وكونه فاطراً إشارة إلى صفة القدرة، وكونه تعالى رباً ومربياً مشتمل على الأمرين، فكان ذلك أكمل.
والجواب عن الثاني: أن الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الله تعالى عبارة عن علمه بالمعلومات، والعلم بالشيء صح تقدمه على وجود المعلوم.
ألا ترى أنه يمكننا أن نعلم الشيء قبل دخوله في الوجود.
أما إيجاد الشيء، فإنه لا يحصل إلا حال وجود الأثر بناء على مذهبنا أن القدرة إنما تؤثر في وجود المقدور حال وجود المقدور.
فلهذا السبب قال: ﴿ خَلَقَ السموات ﴾ والمراد أنه كان عالماً بها قبل وجودها، وقال: ﴿ فَاطِرَ السموات والأرض ﴾ والمراد أنه تعالى إنما يكون فاطراً لها وموجداً لها عند وجودها.
المسألة الخامسة: في قوله: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ قولان: الأول: المراد منه احمدوا الله تعالى، وإنما جاء على صيغة الخبر لفوائد: إحداها: أن قوله: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ يفيد تعليم اللفظ والمعنى، ولو قال: احمدوا لم يحصل مجموع هاتين الفائدتين.
وثانيها: أنه يفيد أنه تعالى مستحق الحمد سواء حمده حامد أو لم يحمده.
وثالثها: أن المقصود منه ذكر الحجة فذكره بصيغة الخبر أولى.
والقول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين معناه قولوا الحمد لله.
قالوا: والدليل على أن المراد منه تعليم العباد أنه تعالى قال في أثناء السورة ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وهذا الكلام لا يليق ذكره إلا بالعباد.
والمقصود أنه سبحانه لما أمر بالحمد وقد تقرر في العقول أن الحمد لا يحسن إلا على الإنعام، فحينئذ يصير هذا الأمر حاملاً للمكلف على أن يتفكر في أقسام نعم الله تعالى عليه.
ثم إن تلك النعم يستدل بذكرها على مقصودين شريفين: أحدهما: أن هذه النعم قد حدثت بعد أن كانت معدومة فلابد لها من محدث ومحصل وليس ذلك هو العبد لأن كل أحد يريد تحصيل جميع أنواع النعم لنفسه، فلو كان حصول النعم للعبد بواسطة قدرة العبد واختياره، لوجب أن يكون كل واحد واصلأً إلى جميع أقسام النعم إذ لا أحد إلا وهو يريد تحصيل كل النعم لنفسه، ولما ثبت أنه لابد لحدوث هذه النعم من محدث وثبت أن ذلك المحدث ليس هو العبد، فوجب الاقرار بمحدث قاهر قادر، وهو الله سبحانه وتعالى.
والنوع الثاني: من مقاصد هذه الكلمة أن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها فإذا أمر الله تعالى العبد بالتحميد، وكان الأمر بالتحميد مما يحمله على تذكر أنواع نعم الله تعالى، صار ذلك التكليف حاملاً للعبد على تذكر أنواع نعم الله عليه، ولما كانت تلك النعم كثيرة خارجة عن الحد والاحصاء، صار تذكر تلك النعم موجبة رسوخ حب الله تعالى في قلب العبد.
فثبت أن تذكيرالنعم يفيد هاتين الفائدتين الشريفتين.
إحداهما: الاستدلال بحدوثها عن الاقرار بوجود الله تعالى.
وثانيهما: أن الشعور بكونها نعماً يوجب ظهور حب الله في القلب، ولا مقصود من جميع العبادات إلا هذان الأمران.
فلهذا السبب وقع الابتداء في هذا الكتاب الكريم بهذه الكلمة، فقال: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ .
واعلم أن هذه الكلمة بحر لا ساحل له، لأن العالم اسم لكل ما سوى الله تعالى، وما سوى الله إما جسم أو حال فيه أو لا جسم ولا حال فيه، وهو الأرواح.
ثم الأجسام إما فلكية، وإما عنصرية.
أما الفلكيات فأولها العرش المجيد، ثم الكرسي الرفيع.
ويجب على العاقل أن يعرف أن العرش ما هو، وأن الكرسي ما هو، وأن يعرف صفاتهما وأحوالهما، ثم يتأمل أن اللوح المحفوظ، والقلم والرفرف، والبيت المعمور، وسدرة المنتهى ما هي، وأن يعرف حقائقها، ثم يتفكر في طبقات السموات وكيفية اتساعها وأجرامها وأبعادها، ثم يتأمل في الكواكب الثابتة والسيارة، ثم يتأمل في عالم العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة وهي المعادن والنبات والحيوان، ثم يتأمل في كيفية حكمة الله تعالى في خلقه الأشياء الحقيرة والضعيفة كالبق والبعوض، ثم ينتقل منها إلى معرفة أجناس الأعراض وأنواعها القريبة والبعيدة، وكيفية المنافع الحاصلة من كل نوع من أنواعها، ثم ينتقل منها إلى تعرف مراتب الأرواح السفلية والعلوية والعرشية والفلكية، ومراتب الأرواح المقدسة عن علائق الأجسام المشار إليها بقوله: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ فإذا استحضر مجموع هذه الأشياء بقدر القدرة والطاقة، فقد حضر في عقله ذرة من معرفة العالم، وهو كل ما سوى الله تعالى.
ثم عند هذا يعرف أن كل ما حصل لها من الوجود وكمالات الوجود في ذواتها من صفاتها وأحوالها وعلائقها، فمن إيجاد الحق ومن جوده ووجوده، فعند هذا يعرف من معنى قوله: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ ذرة، وهذا بحر لا ساحل له، وكلام لا آخر له والله أعلم.
المسألة السادسة: إنا وإن ذكرنا أن قوله: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ أُجري مجرى قوله قولوا: الحمد لله ربّ العالمين فإنما ذكرناه لأن قوله في أثناء السورة ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لا يليق إلا بالعبد فلهذا السبب افتقرنا هناك إلى هذا الاضمار.
أما هذه السورة وهي قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والارض ﴾ فلا يبعد أن يكون المراد منه ثناء الله تعالى به على نفسه.
وإذا ثبت هذا فنقول: إن هذا يدل من بعض الوجوه، على أنه تعالى منزّه عن الشبيه في اللذات والصفات والأفعال وذلك لأن قوله: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ جار مجرى مدح النفس وذلك قبيح في الشاهد، فلما أمرنا بذلك دلّ هذا على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق، فكما أن هذا قبيح من الخلق مع أنه لا يقبح من الحق، فكذلك ليس كل ما يقبح من الخلق وجب أن يقبح من الحق.
وبهذا الطريق وجب أن يبطل كلمات المعتزلة في أن ما قبح منا وجب أن يقبح من الله.
إذا عرفت بهذا الطريق أن أفعاله لا تشبه أفعال الخلق، فكذلك صفاته لا تشبه صفات الخلق، وذاته لا تشبه ذوات الخلق، وعند هذا يحصل التنزيه المطلق والتقديس الكامل عن كونه تعالى مشابهاً لغيره في الذات والصفات والأفعال، فهو الله سبحانه واحد في ذاته، لا شريك له في صفاته، ولا نظير له واحد في أفعاله لا شبيه له تعالى وتقدس والله أعلم.
أما قوله سبحانه: ﴿ الذى خَلَقَ السموات والارض ﴾ ففيه مسألتان: الأولى: في السؤالات المتوجهة على هذه الآية وهي ثلاثة: السؤال الأول: أن قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والارض ﴾ جار مجرى ما يقال: جاءني الرجل الفقيه.
فإن هذا يدل على وجود رجل آخر ليس بفقيه، وإلا لم يكن إلى ذكر هذه الصفة حاجة كذا هاهنا قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والارض ﴾ يوهم أن هناك إلهاً لم يخلق السموات والأرض، وإلا فأي فائدة في هذه الصفة؟
والجواب: أنا بينا أن قوله (الله) جار مجرى اسم العلم.
فإذا ذكر الوصف لاسم العلم لم يكن المقصود من ذكر الوصف التمييز، بل تعريف كون ذلك المعنى المُسَمّى، موصوفاً بتلك الصفة.
مثاله إذا قلنا الرجل العالم، فقولنا: الرجل اسم الماهية، والماهية تتناول الأشخاص المذكورين الكثيرين.
فكان المقصود هاهنا من ذكر الوصف تمييز هذا الرجل بهذا الاعتبار عن سائر الرجال بهذه الصفة.
أما إذا قلنا: زيد العالم، فلفظ زيد اسم علم، وهو لا يفيد إلا هذه الذات المعينة، لأن أسماء الأعلام قائمة مقام الإشارات.
فإذا وصفناه بالعلمية امتنع أن يكون المقصود منه تمييز ذلك الشخص عن غيره، بل المقصود منه تعريف كون ذلك المسمى موصوفاً بهذه الصفة.
ولما كان لفظ (الله) من باب أسماء الأعلام، لا جرم كان الأمر على ما ذكرناه والله أعلم.
السؤال الثاني: لم قدم ذكر السماء على الأرض، مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء؟
والجواب: السماء كالدائرة، والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس، فإن حصول المركز لا يوجب تعين الدائرة لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها، فلما كانت السماء متقدمة على الأرض بهذا الاعتبار وجب تقديم ذكر السماء على الأرض بهذا الاعتبار.
السؤال الثالث: لم ذكر السماء بصيغة الجمع والأرض بصيغة الواحد مع أن الأرضين أيضاً كثيرة بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ ﴾ .
والجواب: أن السماء جارية مجرى الفاعل والأرض مجرى القابل.
فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر، وذلك يخل بمصالح هذا العالم.
أما لو كانت كثيرة اختلفت الاتصالات الكوكبية فحصل بسببها الفصول الأربعة، وسائر الأحوال المختلفة، وحصل بسبب تلك الاختلافات مصالح هذا العالم.
أما الأرض فهي قابلة للأثر والقابل الواحد كاف في القبول، وأما دلالة الآية المذكورة على تعدد الأرضين فقد بينا في تفسير تلك الآية كيفية الحال فيها والله أعلم.
المسألة الثانية: اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر الدلالة على وجود الصانع.
وتقريره أن أجرام السموات والأرض تقدرت في أمور مخصوصة بمقادير مخصوصة، وذلك لا يمكن حصوله إلا بتخصيص الفاعل المختار.
أما بيان المقام الأول فمن وجوه: الأول: أن كل فلك مخصوص اختص بمقدار معين مع جواز أن يكون الذي كان حاصلاً مقداراً أزيد منه أو أنقص منه.
والثاني: أن كل فلك بمقدار مركب من أجزاء، والجزء الداخل كان يمكن وقوعه خارجاً وبالعكس.
فوقوع كل واحد منها في حيزه الخاص أمر جائز.
والثالث: أن الحركة والسكون جائزان على كل الأجسام بدليل أن الطبيعة الجسمية واحدة.
ولوازم الأمور الواحدة واحدة.
فإذا صح السكون والحركة على بعض الأجسام وجب أن يصحا على كلها: فاختصاص الجسم الفلكي بالحركة دون السكون اختصاص بأمر ممكن.
والرابع: أن كل حركة، فإنه يمكن وقوعها أسرع مما وقع وأبطأ مما وقع، فاختصاص تلك الحركة المعينة بذلك القدر المعين من السرعة والبطء اختصاص بأمر ممكن.
والخامس: أن كل حركة، وقعت متوجهة إلى جهة، فإنه يمكن وقوعها متوجهة إلى سائر الجهات.
فاختصاصها بالوقوع على ذلك الوجه الخاص اختصاص بأمر ممكن.
والسادس: أن كل فلك فإنه يوجد جسم آخر إما أعلى منه وإما أسفل منه، وقد كان وقوعه على خلاف ذلك الترتيب أمراً ممكناً، بدليل أن الأجسام لما كانت متساوية في الطبيعة الجسمية، فكل ما صحّ على بعضها صح على كلها، فكان اختصاصه بذلك الحيز والترتيب أمراً ممكناً.
والسابع: وهو أن لحركة كل فلك أولاً، لأن وجو، حركة لا أول لها محال.
لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة.
وهذا الانتقال يقتضي كونها مسبوقة بالغير.
والأول ينافي المسبوقية بالغير، والجمع بينهما محال.
فثبت أن لكل حركة أولاً، واختصاص ابتداء حدوثه بذلك الوقت، دون ما قبله وما بعده اختصاص بأمر ممكن.
والثامن: هو أن الأجسام، لما كانت متساوية في تمام الماهية كان اتصاف بعضها بالفلكية وبعضها بالعنصرية دون العكس، اختصاصاً بأمر ممكن.
والتاسع: وهو أن حركاتها فعل لفاعل مختار، ومتى كان كذلك فلها أول.
بيان المقام الأول أن المؤثر فيها لو كان علة موجبة بالذات لزم من دوام تلك العلة دوام آثارها، فيلزم من دوام تلك العلة، دوام كل واحد من الأجزاء المتقومة في هذه الحركة.
ولما كان ذلك محالاً ثبت أن المؤثر فيها ليس علة موجبة بالذات، بل فاعلاً مختاراً.
وإذا كان كذلك، وجب كون ذلك الفاعل متقدماً على هذه الحركات، وذلك يوجب أن يكون لها بداية.
العاشر: أنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له بدليل أنا نعلم بالضرورة أنا لو فرضنا أنفسنا واقفين على طرف الفلك الأعلى فإنا نميز بين الجهة التي تلي قدامنا وبين الجهة التي تلي خلفنا، وثبوت هذا الامتياز معلوم بالضرورة.
وإذا كان كذلك ثبت أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له، وإذا كان كذلك فحصول هذا العالم في هذا الحيز الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر ممكن، فثبت بهذه الوجوه العشرة: أن أجرام السموات والأرضين مختلفة بصفات وأحوال، فكان يجوز في العقل حصول أضدادها ومقابلاتها، فوجب أن لا يحصل هذا الاختصاص الخاص إلا لمرجح ومقدر وإلا فقد ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال.
وإذا ثبت هذا فنقول: إنه لا معنى للخلق إلا التقدير.
فلما دل العقل على حصول التقدير من هذه الوجوه العشرة، وجب حصول الخلق من هذه الوجوه العشرة.
فلهذا المعنى.
قال: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والارض ﴾ والله أعلم، ومن الناس من قال المقصود من ذكر السموات والأرض والظلمات والنور التنبيه على ما فيها من المنافع.
واعلم أن منافع السموات أكثر من أن تحيط بجزء من أجزائها المجلدات، وذلك لأن السموات بالنسبة إلى مواليد هذا العالم جارية مجرى الأب والأرض بالنسبة إليها جارية مجرى الأم فالعلل الفاعلة سماوية والعلل القابلة أرضية وبها يتم أمر المواليد الثلاثة.
والاستقصاء في شرح ذلك لا سبيل له.
أما قوله: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ ﴿ جَعَلَ ﴾ يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور ﴾ وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صير كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا ﴾ والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير، وفي الجعل معنى التضمين والتصيير كإنشاء شيء من شيء، وتصيير شيء شيئاً، ومنه: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا ﴾ وقوله: ﴿ أَجَعَلَ الألهة إلها واحدا ﴾ وإنما حسن لفظ الجعل هاهنا لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كأنه كل واحد منهما إنما تولد من الآخر.
المسألة الثانية: في لفظ ﴿ الظلمات والنور ﴾ قولان: الأول: أن المراد منهما الأمران المحسوسان بحس البصر والذي يقوي ذلك أن اللفظ حقيقة فيهما.
وأيضاً هذان الأمران إذا جعلا مقرونين بذكر السموات والأرض، فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان والثاني: نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور ﴾ أي ظلمة الشرك والنفاق والكفر والنور يريد نور الإسلام والإيمان والنبوّة واليقين.
ونقل عن الحسن أنه قال: يعني الكفر والإيمان، ولا تفاوت بين هذين القولين، فكان قول الحسن كالتلخيص لقول ابن عباس.
ولقائل أن يقول حمل اللفظ على الوجه الأول أولى، لما ذكرنا أن الأصل حمل اللفظ على حقيقته، ولأن الظلمات والنور إذا كان ذكرهما مقروناً بالسموات والأرض لم يفهم منه إلا ما ذكرناه.
قال الواحدي: والأولى حمل اللفظ عليهما معاً.
وأقول هذا مشكل لأنه حمل اللفظ على مجازه، واللفظ الواحد بالاعتبار الواحد لا يمكن حمله على حقيقته ومجازه معاً.
المسألة الثالثة: إنما قدم ذكر الظلمات على ذكر النور لأجل أن الظلمة عبارة عن عدم النور عن الجسم الذي من شأنه قبول النور، وليست عبارة عن كيفية وجودية مضادة للنور، والدليل عليه أنه إذا جلس إنسان بقرب السراج، وجلس إنسان آخر بالبعد منه، فإن البعيد يرى القريب ويرى ذلك الهواء صافياً مضيئاً، وأما القريب فإنه لا يرى البعيد ويرى ذلك الهواء مظلماً، فلو كانت الظلمة كيفية وجودية لكانت حاصلة بالنسبة إلى هذين الشخصين المذكورين، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الظلمة ليست كيفية وجودية.
وإذ ثبت هذا فنقول: عدم المحدثات متقدم على وجودها، فالظلمة متقدمة في التقدير والتحقق على النور، فوجب تقديمها في اللفظ، ومما يقوي ذلك ما يروى في الأخبار الإلهية أنه تعالى خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره.
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: لم ذكر الظلمات بصيغة الجمع، والنور بصيغة الواحد؟
فنقول: أما من حمل الظلمات على الكفر والنور على الإيمان، فكلامه هاهنا ظاهر، لأن الحق واحد والباطل كثير، وأما من حملها على الكيفية المحسوسة، فالجواب: أن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً قليلاً، وتلك المراتب كثيرة.
فلهذا السبب عبّر عن الظلمات بصيغة الجمع.
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ فأعلم أن العدل هو التسوية.
يقول: عدل الشيء بالشيء إذا سواه به، ومعنى ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ يشركون به غيره.
فإن قيل: على أي شيء عطف قوله: ﴿ ثُمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ قلنا: يحتمل أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ على معنى أن الله حقيق بالحمد على كل ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة ﴿ ثُمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ فيكفرون بنعمته، ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ خَلَقَ السموات والارض ﴾ على معنى أن خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها أحد سواه، ثم إنهم يعدلون به جماداً لا يقدر على شيء أصلاً.
فإن قيل: فما معنى ثم؟
قلنا: الفائدة فيه استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ جَعَلَ ﴾ يتعدّى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ، كقوله: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور ﴾ وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صيَّر، كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا ﴾ [الزخرف: 19] والفرق بين الخلق والجعل: أن الخلق فيه معنى التقدير، وفي الجعل معنى التضمين، كإنشاء شيء من شيء، أو تصيير شيء شيئاً، أو نقله من مكان إلى مكان.
ومن ذلك ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ [الأعراف: 189] ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور ﴾ ؛ لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار ﴿ ثم جعلكم أزواجاَ ﴾ [فاطر: 11] ﴿ أَجَعَلَ الالهة إلها واحدا ﴾ [ص: 5] .
فإن قلت: لم أفرد النور؟
قلت: للقصد إلى الجنس، كقوله تعالى: ﴿ والملك على أَرْجَائِهَا ﴾ [الحاقة: 17] أو لأن الظلمات كثيرة، لأنه ما من جنس من أجناس الأجرام إلاّ وله ظلّ، وظلّه هو الظلمة، بخلاف النور فإنه من جنس واحد وهو النار.
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ؟
قلت: إما على قوله: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ على معنى أن الله حقيق بالحمد على ما خلق؛ لأنه ما خلقه إلاّ نعمة، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته، وإما على قوله: ﴿ خَلَقَ السماوات ﴾ على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه.
فإن قلت: فما معنى ثم؟
قلت: استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته، وكذلك ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ [الأنعام: 2] استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم.
<div class="verse-tafsir"
(6 سُورَةُ الأنْعامِ) مَكِّيَّةٌ غَيْرَ سِتِّ آياتٍ أوْ ثَلاثِ آياتٍ مِن قَوْلِهِ:قُلْ تَعالَوْا، وهي مِائَةٌ وخَمْسٌ وسِتُّونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ أخْبَرَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لَهُ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ حُمِدَ أوْ لَمْ يُحْمَدْ، لِيَكُونَ حُجَّةً عَلى الَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، وجَمْعُ السَّمَواتِ دُونَ الأرْضِ وهي مِثْلُهُنَّ لِأنَّ طَبَقاتِها مُخْتَلِفَةٌ بِالذّاتِ مُتَفاوِتَةُ الآثارِ والحَرَكاتِ، وقَدَّمَها لِشَرَفِها وعُلُوِّ مَكانِها وتَقَدُّمِ وُجُودِها.
﴿ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ﴾ أنْشَأهُما، والفَرْقُ بَيْنَ خَلَقَ وجَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولٌ واحِدٌ أنَّ الخَلْقَ فِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والجَعْلَ فِيهِ مَعْنى التَّضَمُّنِ.
ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ إحْداثِ النُّورِ والظُّلْمَةِ بِالجَعْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما لا يَقُومانِ بِأنْفُسِهِما كَما زَعَمَتِ الثَّنَوِيَّةُ، وجَمَعَ الظُّلُماتِ لِكَثْرَةِ أسْبابِها والأجْرامِ الحامِلَةِ لَها، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالظُّلْمَةِ الضَّلالُ، وبِالنُّورِ الهُدى والهُدى واحِدٌ والضَّلالُ مُتَعَدِّدٌ، وتَقْدِيمُها لِتَقَدُّمِ الإعْدامِ عَلى المَلِكاتِ.
وَمَن زَعَمَ أنَّ الظُّلْمَةَ عَرَضٌ يُضادُّ النُّورَ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ عَدَمَ المَلِكَةِ كالعَمى لَيْسَ صَرْفَ العَدَمِ حَتّى لا يَتَعَلَّقَ بِهِ الجَعْلُ.
﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى ما خَلَقَهُ نِعْمَةً عَلى العِبادِ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ يَعْدِلُونَ فَيَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ، ويَكُونُ بِرَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ أسْبابًا لِتُكَوِّنَهم وتُعَيِّشَهُمْ، فَمِن حَقِّهِ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها ولا يُكْفَرَ، أوْ عَلى قَوْلِهِ خَلَقَ عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ هم يَعْدِلُونَ بِهِ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ.
ومَعْنى ثُمَّ: اسْتِبْعادُ عُدُولِهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ، والباءُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَفَرُوا وصِلَةُ يَعْدِلُونَ مَحْذُوفَةٌ أيْ يَعْدِلُونَ عَنْهُ لِيَقَعَ الإنْكارُ عَلى نَفْسِ الفِعْلِ، وعَلى الثّانِي مُتَعَلِّقَةٌ بِ يَعْدِلُونَ والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمُ الأوْثانَ أيْ يُسَوُّونَها بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
<div class="verse-tafsir"
{الحمد للَّهِ} تعليم اللفظ والمعنى مع تعريض الاستغناء أى الحمد الله وإن لم تحمدوه {الذى خَلَقَ السماوات والأرض} جمع السموات لأنها طباق بعضها فوق بعض والأرض وإن كانت سبعة عند الجمهور فليس بعضها فوق بعض بل بعضها موال لبعض جعل يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله {وَجَعَلَ الظلمات والنور} وإلى مفعولين إن كان بمعنى صبر كقوله {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} وفيه رد قول الثنوية بقدم النور والظلمة وأفرد النور لإرادة الجنس ولأن ظلمة كل شيء تختلف باختلاف ذلك الشئ نظيره ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الموضع المظلم يخالف كل واحد منها صاحبه والنور ضرب واحد لا يختلف كما تختلف الظلمات وقدم الظلمات لقوله عليه السلام خلق الله خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى اهتدى ومن أخطأه ضل {ثْمَّ الذين كَفَرُواْ} بعد هذا البيان {بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} يساوون به الأوثان تقول عدلت هذا بذا أي ساويته به والباء في بِرَبِّهِمْ صلة للعدل لا للكفر أو ثم الذين كفروا بربهم
يعدلون عنه أى يعرضون عنه فتكون الباء صلة للكفر وصلة يَعْدِلُونَ أي عنه محذوفة وعطف ثْمَّ الذين كَفَرُواْ على الحمد للَّهِ على معنى أن الله حقيق بالحمد على ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته أو على خلق السموات على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون به مالا يقدر على شيء منه ومعنى ثم استبعاد أن يعدلوا به بعر وضوح آيات قدرته
سُورَةُ الأنْعامِ 6 - كَما أخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ لَيْلًا جُمْلَةً واحِدَةً.
ورَوى خَبَرَ الجُمْلَةِ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ الحَبْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ.
وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ وغَيْرِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ﴾ والَّتِي بَعْدَها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ أيْضًا عَنِ الكَلْبِيِّ وسُفْيانَ قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ كُلُّها بِمَكَّةَ إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ في رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ وهو الَّذِي قالَ: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ الآيَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ كُلُّها بِمَكَّةَ إلّا ﴿ ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ ﴾ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: كُلُّها مَكِّيَّةٌ إلّا سِتَّ آياتٍ ﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ و ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ﴾ إلى آخِرِ الثَّلاثِ.
وعِدَّةُ آياتِها عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِائَةٌ وخَمْسٌ وسِتُّونَ.
وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ والشّامِيِّينَ سِتٌّ وسِتُّونَ.
وعِنْدَ الحِجازِيِّينَ سَبْعٌ وسِتُّونَ.
وقَدْ كَثُرَتِ الأخْبارُ بِفَضْلِها فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ.
والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ.
والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَقَدْ شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ المَلائِكَةِ ما سَدَّ الأُفُقَ“» وخَبَرُ تَشْيِيعِ المَلائِكَةِ لَها رَواهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ إلّا أنَّ مِنهم مَن رَوى أنَّ المُشَيِّعِينَ سَبْعُونَ ألْفًا ومِنهم مَن رَوى أنَّهم كانُوا أقَلَّ ومِنهم مَن رَوى أنَّهم كانُوا أكْثَرَ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَن صَلّى الفَجْرَ بِجَماعَةٍ وقَعَدَ في مُصَلّاهُ وقَرَأ ثَلاثَ آياتٍ مَن أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ وكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ مَلَكًا يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى ويَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مُحَمَّدٍ العابِدِ قالَ: مَن قَرَأ ثَلاثَ ءاياتٍ مِن أوَّلِ الأنْعامِ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ تَكْسِبُونَ ﴾ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى لَهُ سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ يَدْعُونَ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَهُ مِثْلُ أعْمالِهِمْ فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ وسَقاهُ مِنَ السَّلْسَبِيلِ وغَسَّلَهُ مِنَ الكَوْثَرِ، وقالَ: أنا رَبُّكَ حَقًّا وأنْتَ عَبْدِي إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وغالِبُها في هَذا المَطْلَبِ ضَعِيفٌ وبَعْضُها مَوْضُوعٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن نَقَّرَ عَنْها.
ولَعَلَّ الأخْبارَ بِنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ جُمْلَةٌ أيْضًا كَذَلِكَ.
وحَكى الإمامُ اتِّفاقَ النّاسِ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها جُمْلَةً ثُمَّ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ حِينَئِذٍ في كُلِّ مَرَّةٍ مِن آياتِها إنَّ سَبَبَ نُزُولِها الأمْرُ الفُلانِيُّ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَهُ.
والقَوْلُ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ بِذَلِكَ عَدَمُ تَخَلُّلِ نُزُولِ شَيْءٍ مِن آياتِ سُورَةٍ أُخْرى بَيْنَ أوْقاتِ نُزُولِ آياتِها مِمّا لا تُساعِدُهُ الظَّواهِرُ بَلْ في الأخْبارِ ما هو صَرِيحٌ فِيما يَأْباهُ.
والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ دُفْعَةً وتَدْرِيجًا خِلافُ الظّاهِرِ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ ويُؤَيِّدُ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن ضَعْفِ الأخْبارِ بِالنُّزُولِ جُمْلَةُ ما قالَهُ ابْنُ الصَّلاحِ في فَتاوِيهِ - الحَدِيثَ الوارِدَ - في أنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً، رَوَيْناهُ مِن طَرِيقِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ولَمْ نَرَ لَهُ سَنَدًا صَحِيحًا، وقَدْ رُوِيَ ما يُخالِفُهُ انْتَهى.
ومِن هَذا يُعْلَمُ - ما في دَعْوى الإمامِ - اتِّفاقُ النّاسِ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها جُمْلَةً فَتَدَبَّرْ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِآخِرِ المائِدَةِ عَلى ما قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّها افْتُتِحَتْ بِالحَمْدِ وتِلْكَ اخْتُتِمَتْ بِفَصْلِ القَضاءِ وهَما مُتَلازِمانِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في وجْهِ المُناسِبَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في آخِرِ المائِدَةِ ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ ﴾ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ افْتَتَحَ جَلَّ شَأْنُهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِشَرْحِ ذَلِكَ وتَفْصِيلِهِ فَبَدَأ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ وضَمَّ تَعالى إلَيْهِ أنَّهُ جَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ وهو بَعْضُ ما تَضَمَّنَهُ ما فِيهِنَّ ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ اسْمُهُ أنَّهُ خَلَقَ النَّوْعَ الإنْسانِيَّ وقَضى لَهُ أجَلًا وجَعَلَ لَهُ أجَلًا آخَرَ لِلْبَعْثِ وأنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ مُنْشِئُ القُرُونِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ ﴾ إلَخْ فَأُثْبِتَ لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ المَظْرُوفاتِ لِظَرْفِ المَكانِ.
ثُمَّ قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ فَأثْبَتَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا مَلَكَ جَمِيعَ المَظْرُوفاتِ لِظَرْفِ الزَّمانِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ خَلْقَ سائِرِ الحَيْوانِ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ ثُمَّ خَلْقَ النَّوْمِ واليَقَظَةِ والمَوْتِ.
ثُمَّ أكْثَرَ عَزَّ وجَلَّ في أثْناءِ السُّورَةِ مَنَ الإنْشاءِ والخَلْقِ لِما فِيهِنَّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ والنُّجُومِ وفَلْقِ الإصْباحِ وفَلْقِ الحَبِّ والنَّوى وإنْزالِ الماءِ وإخْراجِ النَّباتِ والثِّمارِ بِأنْواعِها وإنْشاءِ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ تَفْصِيلُ ما فِيهِنَّ، وذَكَرَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وجْهًا آخَرَ في المُناسَبَةِ أيْضًا وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ في سُورَةِ المائِدَةِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ إلَخْ وذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ بَعْدَهُ ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ﴾ إلَخْ فَأخْبَرَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم حَرَّمُوا أشْياءً مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى افْتِراءً عَلى اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ وكانَ القَصْدُ بِذَلِكَ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ أنْ يُحَرِّمُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَيُشابِهُوا الكُفّارَ في صُنْعِهِمْ وكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإيجازِ ساقَ جَلَّ جَلالُهُ هَذِهِ السُّورَةَ لِبَيانِ حالِ الكُفّارِ في صُنْعِهِمْ فَأتى بِهِ عَلى الوَجْهِ الأبْيَنِ والنَّمَطِ الأكْمَلِ ثُمَّ جادَلَهم فِيهِ وأقامَ الدَّلائِلَ عَلى بُطْلانِهِ وعارَضَهم وناقَضَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ القِصَّةُ فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ شَرْحًا لِما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ السُّورَةُ مِن ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وتَفْصِيلًا وبَسْطًا وإتْمامًا وإطْنابًا، وافْتُتِحَتْ بِذِكْرِ الخَلْقِ والمُلْكِ لِأنَّ الخالِقَ والمالِكَ هو الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ في مُلْكِهِ ومَخْلُوقاتِهِ إباحَةً ومَنعًا وتَحْرِيمًا وتَحْلِيلًا فَيَجِبُ أنْ لا يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالتَّصَرُّفِ في مُلْكِهِ، ولِهَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا اعْتِلاقٌ مِن جِهَةٍ بِالفاتِحَةِ لِشَرْحِها إجْمالَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ وبِالبَقَرَةِ لِشَرْحِها إجْمالَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ وبِآلِ عِمْرانَ مِن جِهَةِ تَفْصِيلِها لِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ والأنْعامِ والحَرْثِ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ إلَخْ وبِالنِّساءِ مِن جِهَةِ ما فِيها مِن بَدْءِ الخَلْقِ والتَّقْبِيحِ لِما حَرَّمُوهُ عَلى أزْواجِهِمْ وقَتْلِ البَناتَ وبِالمائِدَةِ مِن حَيْثُ اشْتِمالِها عَلى الأطْعِمَةِ بِأنْواعِها.
وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا كانَ قُطْبُ هَذِهِ السُّورَةِ دائِرًا عَلى إثْباتِ الصّانِعِ ودَلائِلِ التَّوْحِيدِ حَتّى قالَ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيُّ: إنَّ في سُورَةِ الأنْعامِ كُلَّ قَواعِدِ التَّوْحِيدِ ناسَبَتْ تِلْكَ السُّورَةَ مِن حَيْثُ أنْ فِيها إبْطالَ أُلُوهِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَوْبِيخَ الكَفَرَةِ عَلى اعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ وافْتِرائِهِمُ الباطِلَ هَذا.
ثُمَّ أنَّهُ لَمّا كانَتْ نِعَمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا تَفُوتُ الحَصْرَ ولا يُحِيطُ بِها نِطاقُ العَدِّ إلّا أنَّها تَرْجِعُ إجْمالًا إلى إيجادٍ وإبْقاءٍ في النَّشْأةِ الأُولى وإيجادٍ وإبْقاءٍ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ وأُشِيرَ في الفاتِحَةِ الَّتِي هي أُمُّ الكِتابِ إلى الجَمِيعِ، وفي الأنْعامِ إلى الإيجادِ الأوَّلِ، وفي الكَهْفِ إلى الإبْقاءِ الأوَّلِ وفي سَبَإٍ إلى الإيجادِ الثّانِي وفي فاطِرٍ إلى الإبْقاءِ الثّانِي ابْتُدِئَتْ هَذِهِ الخَمْسُ بِالتَّحْمِيدِ.
ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ في كُلِّ رُبْعٍ مِن كِتابِهِ الكَرِيمِ المَجِيدِ سُورَةً مُفْتَتَحَةً بِالتَّحْمِيدِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ أوْ إنْشائِيَّةٌ وعَيَّنَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ لِما في حَمْلِها عَلى الإنْشاءِ مِن إخْراجِ الكَلامِ عَلى مَعْناهُ الوَضْعِيِّ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ بَلْ لِما يَلْزَمُ عَلى كَوْنِها إنْشائِيَّةً مِنِ انْتِفاءِ الِاتِّصافِ بِالجَمِيلِ قَبْلَ حَمْدِ الحامِدِ ضَرُورَةُ أنَّ الإنْشاءَ يُقارِنُ مَعْناهُ لَفْظَهُ في الوُجُودِ، وآخَرُونَ الثّانِيَ لِأنَّهُ لَوْ كانَتْ جُمْلَةُ الحَمْدِ إخْبارًا يَلْزَمُ أنْ لا يُقالُ لِقائِلِ (الحَمْدُ لِلَّهِ) حامِدٌ إذْ لا يُصاغُ لِلْمُخْبِرِ عَنْ غَيْرِهِ لُغَةً مِن مُتَعَلِّقِ إخْبارِهِ اسْمٌ قَطْعًا، فَلا يُقالُ لِقائِلِ - زَيْدٌ لَهُ القِيامُ - قائِمٌ، واللّازِمُ باطِلٌ فَيُبْطِلُ المَلْزُومَ، ولا يَلْزَمُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها إنْشائِيَّةً فَإنَّ الإنْشاءَ يُشْتَقُّ مِنهُ اسْمُ فاعِلٍ صِفَةً لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ، فَيُقالُ لِمَن قالَ: بِعْتَ بائِعٌ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كُلِّ إنْشاءٍ في ذَلِكَ، وإلّا لَقِيلَ لِقائِلٍ: ضَرَبَ ضارِبٌ، واللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ القائِلُ: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ ﴾ مُرْضِعٌ بَلْ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَ إنْشاءُ الحالِ مِن أحْوالِ المُتَكَلِّمِ كَما في صِيَغِ العُقُودِ، ولا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ فِيما ذُكِرَ والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ جَوازُ الِاعْتِبارَيْنِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وأجابُوا عَمّا يَلْزَمُ مِنَ المَحْذُورِ نَعَمْ رُجِّحَ هُنا اعْتِبارُ الخَبَرِيَّةِ لِما أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ لِبَيانِ التَّوْحِيدِ ورَدْعِ الكَفَرَةِ والإعْلامُ بِمَضْمُونِها عَلى وجْهِ الخَبَرِيَّةِ يُناسِبُ المَقامَ وجَعْلُها لِإنْشاءِ الثَّناءِ لا يُناسِبُهُ، وقِيلَ: إنَّ اعْتِبارَ خَبَرِيَّتِها هُنا لِيَصِحَّ عَطْفُ ما بَعْدُ ثُمَّ الآتِي عَلَيْها، ومَنِ اعْتَبَرَ الإنْشائِيَّةَ ولَمْ يُجَوِّزْ عَطْفَ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ جَعَلَ العَطْفَ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ أوْ عَلى الجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ يَجْعَلُ المَعْطُوفَ لِإنْشاءِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ والخُرُوجِ عَنِ الظاهِرِ، وفي تَعْلِيقِ الحَمْدِ أوَّلًا بِاسْمِ الذّاتِ ووَصْفِهِ تَعالى ثانِيًا بِما وصَفَ بِهِ سُبْحانَهُ تَنْبِيهٌ عَلى تَحَقُّقِ الِاسْتِحْقاقَيْنِ تَحَقُّقِ اسْتِحْقاقِهِ عَزَّ وجَلَّ الحَمْدَ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وتَحَقُّقِ اسْتِحْقاقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِاعْتِبارِ الإنْعامِ المُؤْذِنِ بِهِ ما في حَيِّزِ المَوْصُولِ الواقِعِ صِفَةً، ومَعْنى اسْتِحْقاقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الذّاتِيِّ عِنْدَ بَعْضٍ اسْتِحْقاقُهُ جَلَّ وعَلا الحَمْدَ بِجَمِيعِ أوْصافِهِ وأفْعالِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ إنَّهُ تَعالى يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِذاتِهِ، وأنْكَرَ هَذا صِحَّةَ تَوَجُّهِ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ إلى الذّاتِ مِن حَيْثُ هِيَ وقَدْ صَرَّحَ الإمامُ في شَرْحِ الإشارَةِ عِنْدَ ذِكْرِ مَقاماتِ العارِفِينَ أنَّ النّاسَ في العِبادَةِ ثَلاثُ طَبَقاتٍ، فالأُولى في الكَمالِ والشَّرَفِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِذاتِهِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، والثّانِيَةُ وهي الَّتِي تَلِي الأُولى في الكَمالِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ لِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ وهي كَوْنُهُ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، والثّالِثَةُ وهي آخِرُ دَرَجاتِ المُحَقِّقِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ لِتَكْمُلَ نُفُوسُهم في الِانْتِسابِ إلَيْهِ، ولا يُشَكِّلُ تَصَوُّرُ تَعْظِيمِ الذّاتِ مِن حَيْثُ هي لِأنَّهُ كَما قالَ الشِّهابُ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ ابْتِداءً قَبْلَ التَّعَقُّلِ بِوُجُوهِ الكَمالِ كانَ مُشْكِلًا أمّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ المَحْمُودِ جَلَّ جَلالُهُ بِسِماتِ الجَمالِ وتَصَوُّرِهِ بِأقْصى صِفاتِ الكَمالِ فَلا بِدَعَ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى تَمْجِيدِهِ تَعالى وتَحْمِيدِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مَرَّةً أُخْرى بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا سِوى الذّاتِ بَعْدَ الصُّعُودِ بِدَرَجاتِ المُشاهَداتِ ولِذا قالَ أهْلُ الظّاهِرِ: صِفاتُهُ لَمْ تَزِدْ مَعْرِفَةً لَكِنَّها لَذَّةٌ ذَكَرْناها فَما بالُكَ بِالعارِفِينَ الغارِقِينَ في بِحارِ العِرْفانِ وهُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ، والَّذِي حَقَّقَهُ السّالَكُوتِيُّ وجَرَيْنا عَلَيْهِ في الفاتِحَةِ أنَّ الِاسْتِحْقاقَ الذّاتِيَّ ما لا يُلاحَظُ مَعَهُ خُصُوصِيَّةُ صِفَةٍ حَتّى الجَمِيعِ لا ما يَكُونُ الذّاتُ البَحْتُ مُسْتَحَقًّا لَهُ فَإنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لَيْسَ إلّا عَلى الجَمِيلِ وسُمِّيَ ذاتِيًّا لِمُلاحَظَةِ الذّاتِ فِيهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ خُصُوصِيَّةِ صِفَةٍ أوْ لِدَلالَةِ اسْمِ الذّاتِ عَلَيْهِ أوْ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مُسْنَدًا إلى صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ المَخْصُوصَةِ كانَ مُسْنَدًا إلى الذّاتِ وذَكَرَ بَعْضُ مُحَقِّقِي المُتَأخِّرِينَ كَلامًا في هَذا المَقامِ رَدَّ بِهِ فِيما عِنْدَهُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ وحاصِلُهُ أنَّ اللّامَ الجارَّةَ في (لِلَّهِ) لِمُطْلَقِ الِاخْتِصاصِ دُونَ الِاخْتِصاصِ القَصْرِيِّ عَلى التَّعْيِينِ بِدَلِيلِ أنَّهم قالُوا في مِثْلِ لَهُ الحَمْدُ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاخْتِصاصِ القَصْرِيِّ فَلَوْ أنَّ اللّامَ الجارَّةَ تُفِيدُهُ أيْضًا لَما بَقِيَ فَرْقٌ بَيْنَ الحَمْدِ لِلَّهِ ولَهُ الحَمْدُ غَيْرَ كَوْنِ الثّانِي أوْكَدَ مِنَ الأوَّلِ في إفادَةِ القَصْرِ، والمُصَرَّحُ بِهِ التَّفْرِقَةُ بِإفادَةِ أحَدِهِما القَصْرَ دُونَ الآخَرِ، وإنَّ الِاخْتِصاصاتِ عَلى أنْحاءٍ وتَعْيِينَ بَعْضِها مَوْكُولٌ إلى العِلَّةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الحُكْمُ، وتَجْعَلُ مَحْمُودًا عَلَيْهِ غالِبًا وغَيْرِها مِنَ القَرائِنِ، فَإذا رَأيْتَ الحُكْمَ عَلى أوْصافِهِ تَعالى المُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَبَ كَوْنُ الحَمْدِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ تَعالى فَيُحْمَلُ الحُكْمُ المُعَلَّلُ عَلى القَصْرِ لِيُطابِقَ المَعْلُولُ عِلَّتَهُ ومَعَ ذَلِكَ إذا كانَتِ الأوْصافُ المُخْتَصَّةُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مُنْعِمًا عَلى عِبادِهِ وجَبَ كَوْنُ الحَمْدِ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى واجِبًا عَلى عِبادِهِ سُبْحانَهُ فَيُحْمَلُ الحُكْمُ المُعَلَّلُ عَلى الِاسْتِيجابِ لِلتَّطابُقِ أيْضًا، وإذا لَمْ يُعَلَّلِ الحُكْمُ بِشَيْءٍ أوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ العِلَّةِ الَّتِي رُتِّبَ عَلَيْها الحُكْمُ فَإنَّما يَثْبُتُ في الحُكْمِ أدْنى مَراتِبِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي كَوْنُهُ تَعالى حَقِيقًا بِالحَمْدِ مُجَرَّدًا عَنِ القَصْرِ والِاسْتِيجابِ، ويُعَضِّدُ ما أُشِيرُ إلَيْهِ اخْتِلافُ عِباراتِ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ في بَيانِ مَدْلُولاتِ جُمَلِ الحَمْدِ، وأنَّ المُرادَ في الِاسْتِيجابِ الَّذِي جَعَلَهُ بَعْضُ النُّحاةِ مِن مَعانِي اللّامِ ما هو بِمَنزِلَةِ مُطْلَقِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي قَرَّرَهُ لا المَعْنى الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَفْهُومُ جُمْلَةِ الحَمْدِ لِلَّهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ ولا دَلالَةَ فِيها مِن حَيْثُ هي هي مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المَحْمُودِ عَلَيْهِ الَّذِي هو عِلَّةُ الحُكْمِ عَلى قَصْرِ الحَقِيقَةِ بِالحَمْدِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا عَلى بُلُوغِها حَدَّ الِاسْتِيجابِ نَعَمْ في تَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلى ما في حَيِّزِ الصِّفَةِ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِ الحَمْدِ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى واجِبًا عَلى عِبادِهِ مُخْتَصًّا بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حَيْثُ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ كَما قالُوا عَلى الوَصْفِ يُشْعَرُ بِمَنطُوقِهِ بِعَلِيَّةِ الوَصْفِ لِلْحَكَمِ وبِمَفْهُومِهِ بِانْتِفاءِ الحُكْمِ عَمَّنْ يَنْتَفِي عَنْهُ الوَصْفُ، ثُمَّ قالَ: وبِالجُمْلَةِ إنَّ جُمْلَةَ (الحَمْدُ لِلَّهِ) مُدَّعًى ومَدْلُولٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: (الَّذِي خَلَقَ) إلَخْ دَلِيلٌ وعِلَّةٌ ولَيْسَ هُناكَ إلّا حَمْدٌ واحِدٌ مُعَلَّلٌ لِما في حَيِّزِ الوَصْفِ لا حَمْدَ مُعَلَّلٌ بِالذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ أوْ بِالذّاتِ البَحْتِ أوَّلًا عَلى ما قِيلَ وبِالوَصْفِ، ثانِيًا حَتّى يَكُونَ بِمَثابَةِ حَمْدَيْنِ بِاعْتِبارِ العِلَّتَيْنِ لِأنَّ لَفْظَ الجَلالَةِ عَلَمٌ شَخْصِيٌّ، ولا دَلالَةَ لَهُ عَلى الأوْصافِ بِإحْدى الدَّلالاتِ الثَّلاثِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَحْمُودًا عَلَيْهِ وعِلَّةً لِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ ولِذَلِكَ لا يَكادُ يَقَعُ الحُكْمُ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ إلّا مُعَلَّلًا بِالأُمُورِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الجَلِيلَةِ وأفْعالِهِ الجَمِيلَةِ ولا يُكْتَفى بِاسْمِ الذّاتِ اللَّهُمَّ إلّا في تَسْبِيحاتِ المُؤْمِنِينَ وتَحْمِيداتِهِمْ لا في مُحاجَّةِ المُنْكِرِينَ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ بَيانِها وأيْضًا اقْتِضاءُ الذّاتِ البَحْتِ مِن حَيْثُ هو الذّاتُ ماذا يُفِيدُ في الِاحْتِجاجِ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ عامَّتُهم لا يُبْصِرُونَ ولا يَسْمَعُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ وأمّا ما يُقالُ: إنَّما قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ بِذِكْرِ اسْمِ الذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ولَمْ يُقَلْ لِلْعالِمِ أوْ لِلْقادِرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى الجَلالَةِ أوِ الإكْرامِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ اخْتِصاصُ الحَمْدِ بِوَصْفٍ دُونَ وصْفٍ فَكَلامُ مَبْنِيٌّ عَلى ما ظَهَرَ لَكَ فَسادُهُ مِن كَوْنِ الذّاتِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَ اسْمِ الذّاتِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ المُشْرِكِينَ المَحْجُوجِينَ الجُهّالَ لا يَعْرِفُونَهُ تَعالى ولا يَذْكُرُونَهُ فِيما بَيْنَهم ولا عِنْدَ المُحاجَّةِ إلّا بِاسْمِهِ سُبْحانَهُ العَلِيمِ لا بِالصِّفاتِ كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تُحْكى أجْوِبَتُهم بِذِكْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في عامَّةِ السُّؤالاتِ إلّا ما قَلَّ، حَيْثُ كانَ جَوابُهم فِيهِ بِغَيْرِ اسْمِ الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ عَلى أنَّ البَعْضَ جَعَلَ هَذا لازِمَ مَقُولِهِمْ، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ إجْمالًا أُقِيمَ مَقامُهُ فَكَأنَّهم قالُوا: اللَّهُ، كَما حَكى عَنْهم في مَواضِعَ وحِينَئِذٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الإلَهُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ ويَذْكُرُونَهُ بِهَذا الِاسْمِ هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ لِكَوْنِهِ خالِقَ السَّمَواتِ والأرْضِ، ولِكَوْنِهِ كَذا وكَذا وإذا عَرَفْتَ أنَّ الذّاتَ لا يُلائِمُ أنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وإنَّما الحَقِيقُ لِأنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ هو الصِّفاتُ، وأنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الحَمْدُ في كُلِّ مَوْضِعٍ بَعْضُ الصِّفاتِ بِحَسْبَ اقْتِضاءُ المَقامِ لا جَمِيعَ الصِّفاتِ عَرَفْتَ أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ تَرْتِيبَ الحَمْدِ عَلى بَعْضِ الصِّفاتِ دُونَ بَعْضٍ يُوهِمُ اخْتِصاصَ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ بِوَصْفٍ دُونَ وصْفٍ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَقَعَ في الوَرْطَةِ الَّتِي فَرَّ مِنها كَما لا يَخْفى فالحُقُّ أنَّ المَحْمُودَ عَلَيْهِ هو الوَصْفُ الَّذِي رُتِّبَ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ، وأنَّ تَخْصِيصَ بَعْضَ الأوْصافِ لِأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ في بَعْضِ المَواقِعِ إنَّما هو بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ المَقامِ إيّاهُ، فَإنْ قُلْتَ فَما الرَّأْيُ في الحَمْدِ بِاعْتِبارِ الذّاتِ البَحْتِ أوْ بِاعْتِبارِ اسْتِجْماعِهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ عَلى ما قِيلَ: هَلْ لَهُ وجْهٌ أمْ لا قُلْتُ: إمّا كَوْنُ الذّاتِ الصَّرْفِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وكَذا كَوْنُ الذّاتِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ بِاسْتِجْماعِهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ الَّتِي نَحْنُ فِيها فَلا وجْهَ لَهُ وأمّا ما ذَكَرُوهُ في شَرْحِ خُطَبِ بَعْضِ الكُتُبِ مِن أنَّ الحَمْدَ بِاعْتِبارِ الذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ فَلَعَلَّ مَنشَأهُ هو أنَّ الحَمْدَ لِما اقْتَضى وصْفًا جَمِيلًا صالِحًا لِأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الحُكْمُ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ ويَكُونُ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، فَحَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ وصْفٌ كَذَلِكَ ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ بَلِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الذّاتِ المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ ثَبَتَ اعْتِبارُ الوَصْفِ الجَمِيلِ هُناكَ اقْتِضاءٌ ثُمَّ مِن أجْلِ تَعْيِينِ البَعْضِ بِالِاعْتِبارِ دُونَ البَعْضِ الآخَرِ لا يَخْلُو عَنْ لُزُومِ التَّرْجِيحِ بِلا مُرَجَّحٍ يَلْزَمُ اعْتِبارُ بَعْضِ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ بِرُمَّتِها فَيَكُونُ الحَمْدُ بِاعْتِبارِ جَمِيعِها، وحَيْثُ ذُكِرَ مَعَهُ وصْفٌ جَمِيلٌ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ ودُلَّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ قَرِينَةٌ اسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ الِاعْتِبارِ لِأنَّ المَصِيرَ إلَيْهِ كانَ عَنْ ضَرُورَةٍ ولا ضَرُورَةَ حِينَئِذٍ كَما لا يَخْفى، ومَن لَمْ يَهْتَدِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما وقَعَ في القُرْآنِ المَجِيدِ لِمَقاصِدَ وما وقَعَ في خُطَبِ الكُتُبِ لِمُجَرَّدِ التَّيَمُّنِ ولا إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما ذُكِرَ فِيهِ المَحْمُودُ عَلَيْهِ صَرِيحًا أوْ دَلَّتْ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ قَرِينَةٌ وبَيْنَ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ رَكِبَ مَتْنَ عَمْياءَ، وخَبَطَ خَبْطَ عَشْواءَ فَخَلَطَ عَشْواءَ فَخَلَطَ مُقْتَضَياتِ بَعْضِ المَقاماتِ بِبَعْضٍ ولَمْ يَدْرِ أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى عَلى أيِّ شَرَفٍ، وكَلامُ غَيْرِهِ في أيِّ وادٍ وقُصارى الكَلامِ أنَّ تَرَتُّبَ الحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ الحَمْدِ لِلَّهِ هُنا عَلى الوَصْفِ المُخْتَصِّ بِهِ سُبْحانَهُ مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ القَصْرِيَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ كَلامُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ لِمَن أمْعَنَ النَّظَرَ إلّا أنَّ ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في أوَّلِ سَبَإٍ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَمْدِ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ وبَيْنَ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ مِمّا مُحَصِّلُهُ أنَّ جُمْلَةَ (لَهُ الحَمْدُ) جِيءَ بِها بِتَقْدِيمِ الصِّلَةِ لِيُفِيدَ القَصْرَ لِكَوْنِ الإنْعامِ بِنِعَمِ الآخِرَةِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعالى بِخِلافِ جُمْلَةِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ﴾ إلَخْ فَإنَّها لَمْ يُجَأْ بِها بِتَقْدِيمِ الصِّلَةِ حَتّى لا يُفِيدَ القَصْرَ لِعَدَمِ كَوْنِ الإنْعامِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعالى مُطْلَقًا بِحَيْثُ لا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْغَيْرِ إذْ يَكُونُ بِتَوَسُّطِ الغَيْرِ فَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لِغَيْرِ الحَمْدِ بِنَوْعِ اسْتِحْقاقٍ بِسَبَبِ وساطَتِهِ آبَ عَنْهُ، إذْ حاصِلُ ما ذَكَرَهُ في تِلْكَ السُّورَةِ هو أنَّهُ لا قَصْرَ في جُمْلَةِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ﴾ إلَخْ بِخِلافِ جُمْلَةِ ﴿ لَهُ الحَمْدُ ﴾ وحاصِلُ ما أشارَ إلَيْهِ في هَذِهِ وكَذا الفاتِحَةُ هو أنَّ جُمْلَةَ (الحَمْدُ لِلَّهِ) إذا رَتَّبَ عَلى الأوْصافِ المُخْتَصَّةِ كالخَلْقِ والجَعْلِ المَذْكُورَيْنِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ أيْضًا غايَةُ ما في البالِ أنَّ طَرِيقَ.إفادَةِ القَصْرِ في البابَيْنِ مُتَغايِرٌ فَفي إحْداهُنَّ تَقْدِيمُ الصِّلَةِ وفي الأُخْرى مَفْهُومُ العِلَّةِ فَتَدَبَّرْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، وجَمَعَ سُبْحانَهُ السَّمَواتِ وأفْرَدَ الأرْضَ مَعَ أنَّها عَلى ما تَقْتَضِيهِ النُّصُوصُ المُتَعَدِّدَةُ مُتَعَدِّدَةٌ أيْضًا، والمُؤاخاةُ بَيْنَ الألْفاظِ مِن مُحَسِّناتِ الكَلامِ فَإذا جَمَعَ أحَدٌ المُتَقابِلَيْنِ أوْ نَحْوَهُما يَنْبَغِي أنْ يَجْمَعَ الآخَرَ عِنْدَهم ولِذا عِيبَ عَلى أبِي نُواسٍ قَوْلُهُ: وما لَكَ فاعْلَمَن فِينا مَقالًا إذا اسْتَكْمَلْتَ آجالًا ورِزْقًا حَيْثُ جَمَعَ وأفْرَدَ إذْ جَمَعَ لِنُكْتَةٍ سَوَّغَتِ العُدُولَ عَنْ ذَلِكَ الأصْلِ وهي الإشارَةُ إلى تَفاوُتِهِما في الشَّرَفِ، فَجَمَعَ الأشْرَفَ اعْتِناءً بِسائِرِ أفْرادِهِ وأفْرَدَ غَيْرَ الأشْرَفِ، وأشْرَفِيَّةُ السَّماءِ لِأنَّها مَحِلُّ المَلائِكَةِ المُقَدِّسِينَ عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ وقِبْلَةُ الدُّعاءِ ومِعْراجُ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ ولِعِظَمِها وإحاطَتِها بِالأرْضِ عَلى القَوْلِ بِكُرَيَّتِها الذّاهِبُ إلَيْهِ بَعْضٌ مِنّا وعِظَمِ آياتِ اللَّهِ فِيها، ولِأنَّها لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى فِيها أصْلًا، وفِيها الجَنَّةُ الَّتِي هي مَقَرُّ الأحْبابِ ولِغَيْرِ ذَلِكَ، والأرْضُ وإنْ كانَتْ دارَ تَكْلِيفٍ ومَحِلَّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلتَّبْلِيغِ وكَسْبِ ما يَجْعَلُهم مُتَأهِّلِينَ لِلْقامَةِ في حَضِيرَةِ القُدْسِ لِأنَّها لَيْسَتْ بِدارِ قَرارٍ وخَلْقُ أبْدانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنها ودَفْنُهم فِيها مَعَ كَوْنِ أرْواحِهِمُ الَّتِي هي مَنشَأ الشَّرَفِ لَيْسَتْ مِنها ولا تُدْفَنُ فِيها لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن شَرَفِها وأمّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أشَرَفِيَّتِها فَلا يَكادُ يَسْلَمُ لِأحَدٍ، وكَذا كَوْنُ اللَّهِ تَعالى وصَفَ بِقاعًا مِنها بِالبَرَكَةِ لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِمّا ذَكَرْنا، ولِهَذا الشَّرَفِ أيْضًا قُدِّمَتْ عَلى الأرْضِ في الذِّكْرِ، وقِيلَ: إنَّ جَمَعَ السَّمَواتِ وإفْرادَ الأرْضِ لِأنَّ السَّماءَ جارِيَةٌ مَجْرى الفاعِلِ والأرْضَ جارِيَةٌ مَجْرى القابِلِ فَلَوْ كانَتِ السَّماءُ واحِدَةً لِتَشابُهِ الأثَرِ، وهو يُخِلُّ بِمَصالِحِ هَذا العالَمِ، وأمّا الأرْضُ فَهي قابِلَةٌ والقابِلُ الواحِدُ كافٍ في القَبُولِ وحاصِلُهُ أنَّ اخْتِلافَ الآثارِ دَلَّ عَلى تَعَدُّدِ السَّماءِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً، والأرْضُ وإنْ كانَتْ مُتَعَدِّدَةً لَكِنْ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ العَقْلِ فَلِذَلِكَ جَمَعَها دُونَ الأرْضِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ رُبَّما يَقْتَضِي العَكْسَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لا تَعَدُّدَ حَقِيقِيًّا في الأرْضِ، ولِهَذا لَمْ تُجْمَعْ، وأمّا التَّعَدُّدُ الوارِدُ في بَعْضِ الأخْبارِ نَحْوَ قَوْلِهِ : «مَن غَصَبَ قَيْدَ شِبْرٍ مِن أرْضٍ طُوِّقَهُ إلى سَبْعِ أرَضِينَ» فَمَحْمُولٌ عَلى التَّعَدُّدِ بِاعْتِبارِ الأقالِيمِ السَّبْعَةِ، وكَذا يُحْمَلُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما هَذِهِ؟
هَذِهِ أرْضٌ هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَها؟
قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: أرْضٌ أُخْرى وبَيْنَهُما مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ»، والتَّحْتِيَّةُ لا تَأْبى ذَلِكَ فَإنَّ الأرْضَ كالسَّماءِ كُرَوِيَّةٌ، وقَدْ يُقالُ لِلشَّيْءِ إذا كانَ بَعْدَ آخِرٍ هو تَحْتَهُ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ : «بَيْنَهُما خَمْسُمِائَةِ عامٍ أنَّ القَوْسَ مِن إحْدى السَّمَواتِ المَسامِتِ لِأوَّلِ إقْلِيمٍ وأوَّلُ الآخِرِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ» ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَزِيدُ عَلى هَذا المِقْدارِ، وكَثِيرًا ما يُقْصَدُ مِنَ العَدَدِ التَّكْثِيرُ لا الكَمُّ المُعِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المُماثَلَةِ في السَّبْعَةِ المَوْجُودَةِ في الأقالِيمِ لا عَلى التَّعَدُّدِ الحَقِيقِيِّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ سِوى اتِّهامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَجْزِهِ سُبْحانَهُ عَنْ أنْ يَخْلُقَ سَبْعَ أرْضِينَ طِبْقَ ما نَطَقَ بِهِ ظاهِرُ النَّصِّ الوارِدِ عَنْ حَضْرَةِ أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ وأزالَ بِزُلالِ كَلامِهِ الكَرِيمِ أُوامَ كُلِّ صادٍّ، وحَمْلُ المُماثَلَةِ في الآيَةِ أيْضًا عَلى المُماثَلَةِ الَّتِي زَعَمَها صاحِبُ القِيلِ خِلافٌ الظّاهِرِ ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلى تَتِمَّةِ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في وجْهِ تَقْدِيمِ السَّمَواتِ عَلى الأرْضِ تَقَدُّمِ خَلْقِها عَلى خَلْقِ الأرْضِ ولا يَخْفى أنَّهُ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ وعَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أنَّ خَلْقَ المُحَدَّدَ سابِقٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ وخَلْقُ باقِي الأفْلاكِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، وتَخْصِيصُ خَلْقِها بِالذِّكْرِ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ الآثارِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وعامَّةِ الآلاءِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ الَّتِي أجَلُّها نِعْمَةُ الوُجُودِ الكافِيَةِ في إيجابِ حَمْدِهِ تَعالى عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ فَكَيْفَ بِما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِن صُنُوفِ النِّعَمِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ المَنُوطِ بِها مَصالِحُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ والمُرادُ بِالخَلْقِ الإنْشاءُ والإيجادُ أيْ أوْجَدَ السَّمَواتِ والأرْضَ وأنْشَأهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِمّا فِيهِ ءاياتٌ لِلْمُتَفَكِّرِينَ ﴿ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ ﴾ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحَمْدِ وإنْ كانَ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ لِأنَّ جَعْلَهُما مَسْبُوقٌ بِخَلْقِ مَنشَئِهِما ومَحَلِّهِما كَما قِيلَ، والجَعْلُ -كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ- الإنْشاءُ والإبْداعُ كالخَلْقِ خَلا أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالإنْشاءِ التَّكْوِينِيِّ، وفِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ وهَذا عامٌ لَهُ كَما في الآيَةِ ولِلتَّشْرِيعِيِّ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ﴾ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ أنْباءٌ عَنْ مُلابَسَةِ مَفْعُولِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ بِأنْ يَكُونَ فِيهِ أوْ لَهُ أوْ مِنهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مُلابَسَةً مُصَحِّحَةً لِأنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ مِنَ الظُّرُوفِ لَغْوًا كانَ أوْ مُسْتَقِرًّا لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ عُمْدَةً في الكَلامِ بَلْ قَيْدًا فِيهِ، وقِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَ الجَعْلِ والخَلْقِ أنَّ الخَلْقَ فِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والجَعْلَ فِيهِ مَعْنى التَّضْمِينِ أيْ كَوْنُهُ مُحَصَّلًا مِن ءاخَرٍ كَأنَّهُ في ضِمْنِهِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ أحْداثِ النُّورِ والظُّلْمَةِ بِالجَعْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما لا يَقُومانِ بِأنْفُسِهِما كَما زَعَمَتِ الثَّنَوِيَّةُ واعْتُرِضَ بِأنَّ الثَّنَوِيَّةَ يَزْعُمُونَ أنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ جِسْمانِ قَدِيمانِ سَمِيعانِ بَصِيرانِ أوَّلُها خالِقُ الخَيْرِ والثّانِي خالِقُ الشَّرِّ فَهُما حِينَئِذٍ لَيْسا بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ المُتَعارَفِ فَمُدَّعاهُمُ الفاسِدُ يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ هَذا، وأيْضًا الرَّدُّ يَحْصُلُ لِكَوْنِهِما مُحْدَثَيْنِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا اعْتُبِرَ في مَفْهُومِ الجَعْلِ ولَوْ أتى بِالخَلْقِ بَدَلَهُ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنهُ، وأيْضًا أنَّ الجَعْلَ المُتَعَدِّيَ لِواحِدٍ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ غَيْرَ قائِمٍ بِنَفْسِهِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا ﴾ ﴿ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وأُجِيبَ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وجَمَعَ الظُّلُماتِ وأفْرَدَ النُّورَ لِيَحْسُنَ التَّقابُلُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ أوْ لِما قَدَّمْناهُ في البَقَرَةِ وقِيلَ لِأنَّ المُرادَ بِالظُّلْمَةِ الضَّلالُ وهو مُتَعَدِّدٌ وبِالنُّورِ الهُدى وهو واحِدٌ، ويَدُلُّ عَلى التَّعَدُّدِ والوَحْدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ حَمْلَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ هُنا عَلى الأمْرَيْنِ المَحْسُوسَيْنِ وإنْ جاءَ في الكِتابِ الكَرِيمِ بِمَعْنى الهُدى والضَّلالِ وكانَ لَهُ هُنا وجْهٌ أيْضًا لِأنَّ الأصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ وقَدْ أمْكَنَ مَعَ وُجُودِ ما يُلائِمُهُ ويَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً ظاهِرًا حَيْثُ قُرِنا بِالسَّمَواتِ والأرْضِ.
وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِهِما الجَنَّةُ والنّارُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ولِلْعُلَماءِ في النُّورِ والظُّلْمَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ وبَحْثٌ عَرِيضٌ حَتّى أنَّهم ألَّفُوا في ذَلِكَ الرَّسائِلَ ولَمْ يَتْرُكُوا بَعْدُ مَقالًا لِقائِلٍ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ النُّورَ كَيْفِيَّةً هي كَمالٌ بِذاتِها لِلشَّفّافِ مِن حَيْثُ هو شَفّافٌ أوِ الكَيْفِيَّةُ الَّتِي لا يَتَوَقَّفُ الإبْصارُ بِها عَلى الإبْصارِ بِشَيْءٍ آخَرَ وأنَّ مِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ أجْسامٌ صِغارٌ تَنْفَصِلُ عَنِ المُضِيءِ وتَتَّصِلُ بِالمُسْتَضِيءِ وهو باطِلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ كَوْنَها أنْوارًا إمّا أنْ يَكُونَ هو عَيْنُ كَوْنِها أجْسامًا، وإمّا أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لَها، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ النُّورِيَّةِ مُغايِرٌ لِلْمَفْهُومِ مِنَ الجِسْمِيَّةِ، ولِذَلِكَ يَعْقِلُ جِسْمٌ مُظْلِمٌ ولا يَعْقِلُ نُورٌ مُظْلِمٌ، وأمّا إنْ قِيلَ: إنَّها أجْسامٌ حامِلَةٌ لِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ تَنْفَصِلُ عَنِ المُضِيءِ وتَتَّصِلُ بِالمُسْتَضِيءِ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ تِلْكَ الأجْسامَ المَوْصُوفَةَ بِتِلْكَ الكَيْفِيّاتِ إمّا أنْ تَكُونَ مَحْسُوسَةً أوْ لا فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَكُنِ الضَّوْءُ مَحْسُوسًا، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَتْ ساتِرَةً لِما تَحْتَها ويَجِبُ أنَّها كُلَّما ازْدادَتِ اجْتِماعًا ازْدادَتْ سَتْرًا لَكِنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ الشُّعاعَ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَتْ حَرَكَتُهُ بِالطَّبْعِ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ لَكِنَّ النُّورَ مِمّا يَقَعُ عَلى كُلِّ جِسْمٍ في كُلِّ جِهَةٍ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ النُّورَ إذا دَخَلَ مِن كُوَّةٍ ثُمَّ سَدَدْناها دَفْعَةً فَتِلْكَ الأجْزاءُ النُّورانِيَّةُ إمّا أنْ تَبْقى أوْ لا فَإنْ بَقِيَتْ فَإمّا أنْ تَبْقى في البَيْتِ، وإمّا أنْ تَخْرُجَ فَإنْ قِيلَ: إنَّها خَرَجَتْ عَنِ الكُوَّةِ قَبْلَ السَّدِّ فَهو مُحالٌ، وإنْ قِيلَ: إنَّها عَدِمَتْ فَهو أيْضًا باطِلٌ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُحْكَمَ أنَّ جِسْمًا لَمّا تَخَلَّلَ بَيْنَ جِسْمَيْنِ عَدِمَ أحَدُهُما فَإذَنْ هي باقِيَةٌ في البَيْتِ، ولا شَكَّ في زَوالِ نُورِيَّتِها عَنْها، وهَذا هو الَّذِي نَقُولُ مِن أنَّ مُقابَلَةَ المُسْتَضِيءِ سَبَبٌ لِحُدُوثِ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأجْسامِ ثَبَتَ في الكُلِّ، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ مِنَ الأُفُقِ يَسْتَبِينُ وجْهُ الأرْضِ كُلُّهُ دَفْعَةً، ومِنَ البَعِيدِ أنْ تَنْتَقِلَ تِلْكَ الأجْزاءُ مِنَ الفَلَكِ الرّابِعِ إلى وجْهِ الأرْضِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ سِيَّما والخَرْقُ عَلى الفَلَكِ مُحالٌ عِنْدَهم واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ الشُّعاعَ مُتَحَرِّكٌ وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ جِسْمٌ فالشُّعاعُ جِسْمٌ (بَيانُ الصُّغْرى بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ)، الأوَّلُ أنَّ الشُّعاعَ مُنْحَدِرٌ مِن ذِيهِ والمُنْحَدِرُ مُتَحَرِّكٌ بِالبَدِيهَةِ، والثّانِي أنَّهُ يَتَحَرَّكُ ويَنْتَقِلُ بِحَرَكَةِ المُضِيءِ، والثّالِثُ أنَّهُ قَدْ يَنْعَكِسُ عَمّا يَلْقاهُ إلى غَيْرِهِ، والِانْعِكاسُ حَرَكَةٌ، والجَوابُ أنَّ قَوْلَهُمُ: الشُّعاعُ مُنْحَدِرٌ فَهو باطِلٌ وإلّا لَرَأيْناهُ في وسَطِ المَسافَةِ بَلِ الشُّعاعُ يَحْدُثُ في المُقابِلِ القابِلِ دَفْعَةً، ولَمّا كانَ حُدُوثُهُ مِن شَيْءٍ عالٍ تُوُهِّمَ أنَّهُ يَنْزِلُ، وأمّا حَدِيثُ الِانْتِقالِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الظِّلَّ يَنْتَقِلُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، فالحَقُّ أنَّهُ كَيْفِيَّةٌ حادِثَةٌ في المُقابِلِ وعِنْدَ زَوالِ المُحاذاةِ عَنْهُ إلى قابِلٍ آخَرَ يَبْطُلُ النُّورُ عَنْهُ ويَحْدُثُ في ذَلِكَ الآخَرِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في الِانْعِكاسِ فَإنَّ المُتَوَسِّطَ شَرْطٌ لِأنْ يَحْدُثَ الشُّعاعُ مِنَ المُضِيءِ في ذَلِكَ الجِسْمِ ثُمَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ كَيْفِيَّةٌ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِ اللَّوْنِ فَقَطْ، وزَعَمُوا أنَّ الظُّهُورَ المُطْلَقَ هو الضَّوْءُ وإخْفاءُ المُطْلَقِ هو الظُّلْمَةُ والمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ هو الظِّلُّ، وتَخْتَلِفُ مَراتِبُهُ بِحَسْبِ مَراتِبِ القُرْبِ والبُعْدِ عَنِ الطَّرَفَيْنِ وأطالُوا الكَلامَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ بِما لا يُجْدِي نَفْعًا، ولا يَأْبى أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً زائِدَةً عَلى ذاتِ اللَّوْنِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ الأوَّلُ أنَّ ظُهُورَ اللَّوْنِ إشارَةٌ إلى تَجَدُّدِ أمْرٍ فَهو إمّا أنْ يَكُونَ اللَّوْنُ أوْ صِفَةً غَيْرَ نِسْبِيَّةٍ أوْ صِفَةً نِسْبِيَّةً، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُجْعَلَ النُّورُ عِبارَةً عَنْ تَجَدُّدِ اللَّوْنِ أوْ عَنِ اللَّوْنِ المُتَجَدِّدِ، والأوَّلُ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ الشَّيْءُ مُسْتَنِيرًا إلّا آنَ تَجَدُّدُهُ، والثّانِي يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ نَفْسَ اللَّوْنِ فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِمُ الضَّوْءُ ظُهُورُ اللَّوْنِ مَعْنًى، وإنْ جَعَلُوا الضَّوْءَ كَيْفِيَّةً ثُبُوتِيَّةً زائِدَةً عَلى ذاتِ اللَّوْنِ وسَمَّوْهُ بِالظُّهُورِ عادَ النِّزاعُ لَفْظِيًّا، وإنْ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ تَجَدُّدُ حالَةِ نِسْبِيَّةٍ فَذاكَ باطِلٌ لِأنَّ الضَّوْءَ أمْرٌ غَيْرُ نِسْبِيٍّ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُفَسَّرَ بِالحالَةِ النِّسْبِيَّةِ، والثّانِي أنَّ البَياضَ قَدْ يَكُونُ مُضِيئًا و مُشْرِقًا وكَذَلِكَ السَّوادُ فَإنَّ الضَّوْءَ ثابِتٌ لَهُما جَمِيعًا فَلَوْ كانَ كَوْنُ كُلٍّ مِنهُما مُضِيئًا نَفْسَ ذاتِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ بَعْضُهُ مُضادًّا لِلْبَعْضِ وهو مُحالٌ إذِ الضَّوْءُ لا يُقابِلُهُ إلّا الظُّلْمَةُ الثّالِثُ أنَّ اللَّوْنَ يُوجَدُ مِن غَيْرِ الضَّوْءِ فَإنَّ السَّوادَ مَثَلًا قَدْ لا يَكُونُ مُضِيئًا وكَذَلِكَ الضَّوْءُ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ اللَّوْنِ مِثْلُ الماءِ والبِلَّوْرِ إذا كانا في الظُّلْمَةِ ووَقَعَ الضَّوْءُ عَلَيْهِ وحْدَهُ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يُرى ضَوْءُهُ فَذَلِكَ ضَوْءٌ ولَيْسَ بِلَوْنٍ فَإذا وُجِدَ كُلٌّ مِنهُما دُونَ الآخَرِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّغايُرِ الرّابِعُ أنَّ المُضِيءَ لِلَوْنٍ تارَةً يَنْعَكِسُ مِنهُ الضَّوْءُ وحْدَهُ إلى غَيْرِهِ وتارَةً يَنْعَكِسُ مِنهُ الضَّوْءُ واللَّوْنُ وذَلِكَ إذا كانَ قَوِيًّا فِيهِما جَمِيعًا فَلَوْ كانَ الضَّوْءُ ظُهُورُ اللَّوْنِ لاسْتَحالَ أنْ يُفِيدَ غَيْرُهُ بَرِيقًا ساذَجًا، وكَوْنُ هَذا البَرِيقِ عِبارَةً عَنْ إظْهارِ لَوْنِ ذَلِكَ القابِلِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لِماذا إذا اشْتَدَّ لَوْنُ الجِسْمِ المُنْعَكِسِ مِنهُ وضَوْءُهُ أخْفى لَوْنَ المُنْعَكِسِ إلَيْهِ وأبْطَلَهُ وأعْطاهُ لَوْنَ نَفْسِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ، وفَرَّقَ الإمامُ بَيْنَ النُّورِ والضَّوْءِ والشُّعاعِ والبَرِيقِ بِأنَّ الأجْسامَ إذا صارَتْ ظاهِرَةً بِالفِعْلِ مُسْتَنِيرَةً فَإنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ كَيْفِيَّةٌ ثابِتَةٌ فِيها مُنْبَسِطَةٌ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يُقالَ: إنَّها سَوادٌ أوْ بَياضٌ أوْ حُمْرَةٌ أوْ صُفْرَةٌ، والآخَرُ اللَّمَعانُ وهو الَّذِي يَتَرَقْرَقُ عَلى الأجْسامِ ويَسْتُرُ لَوْنَها وكَأنَّهُ شَيْءٌ يَفِيضُ مِنها، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ مِن ذاتِهِ أوْ مِن غَيْرِهِ فالظُّهُورُ لِلشَّيْءِ الَّذِي مِن ذاتِهِ كَما لِلشَّمْسِ والنّارِ يُسَمّى ضَوْءًا، والظُّهُورُ الَّذِي لِلشَّيْءِ مِن غَيْرِهِ يُسَمّى نُورًا، والتَّرَقْرُقُ الَّذِي لِلشَّيْءِ مِن ذاتِهِ كَما لِلشَّمْسِ يُسَمّى شُعاعًا، والَّذِي يَكُونُ لِلشَّيْءِ مِن غَيْرِهِ كَما لِلْمِرْآةِ يُسَمّى بَرِيقًا وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ الكَلامُ في الفَرْقِ بَيْنَ النُّورِ والضَّوْءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ أيْضًا وكَذَلِكَ الكَلامُ في الظُّلْمَةِ والنِّسْبَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ النُّورِ، والمَشْهُورُ أنَّ بَيْنَهُما تَقابُلَ العَدَمِ والمَلَكَةِ، ولِهَذا قُدِّمَتِ الظُّلُماتُ عَلى النُّورِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الإعْدامَ مُقَدِّمَةٌ عَلى المَلَكاتِ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ إذا تَقابَلَ شَيْئانِ أحَدُهُما وجُودِيٌّ فَقَطْ فَإنِ اعْتَبَرَ التَّقابُلَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَوْضُوعٍ قابِلٍ لِلْأمْرِ الوُجُودِيِّ إمّا بِحَسْبِ شَخْصِهِ أوْ بِحَسْبِ نَوْعِهِ أوْ بِحَسْبِ جِنْسِهِ القَرِيبِ أوِ البَعِيدِ فَهُما العَدَمُ والمَلَكَةُ الحَقِيقِيّانِ أوْ بِحَسْبِ الوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ حُصُولُهُ فِيهِ فَهُما العَدَمُ والمَلَكَةُ المَشْهُورانِ وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِما ذَلِكَ فَهُما السَّلْبُ والإيجابُ، فالعَدَمُ المَشْهُورِيُّ في العَمى والبَصَرِ هو ارْتِفاعُ الشَّيْءِ الوُجُودِيِّ كالقُدْرَةِ عَلى الإبْصارِ مَعَ ما يَنْشَأُ مِنَ المادَّةِ المُهَيِّئَةِ لِقَبُولِهِ في الوَقْتِ الَّذِي مِن شَأْنِها ذَلِكَ فِيهِ كَما حَقَّقَ في حِكْمَةِ العَيْنِ وشَرْحِها، فَإذا تَحَقَّقَ أنَّ كُلَّ قابِلٍ لِأمْرٍ وُجُودِيٍّ في ابْتِداءِ قابِلِيَّتِهِ واسْتِعْدادِهِ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ العَدَمِ قَبْلَ وُجُودِ ذَلِكَ الأمْرِ بِالفِعْلِ تَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَلَكَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِعَدَمِها لِأنَّ وُجُودَ تِلْكَ الصِّفَةِ بِالقُوَّةِ وهو مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِها بِالفِعْلِ، وقالَ المَوْلى مِيرَزاجانَ: لا بُدَّ في تَقابُلِ العَدَمِ والمَلَكَةِ أنْ يُؤْخَذَ في مَفْهُومِ العَدَمِيِّ كَوْنُ المَحِلِّ قابِلًا لِلْوُجُودِيِّ، ولا يَكْفِي نِسْبَةُ المَحِلِّ القابِلِ لِلْوُجُودِيِّ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ في مَفْهُومِ العَدَمِيِّ كَوْنُ المَحِلِّ قابِلًا لَهُ، ولِذا صَرَّحُوا بِأنَّ تَقابُلَ العَدَمِ والوُجُودِ تَقابُلُ الإيجابِ والسَّلْبِ قالَ في الشِّفاءِ: العَمى هو عَدَمُ البَصَرِ بِالفِعْلِ مَعَ وُجُودِهِ بِالقُوَّةِ، وهَذا مِمّا لا بُدَّ مِنهُ في مَعْناهُ المَشْهُورِ انْتَهى، وبِهِ يَنْدَفِعُ بَعْضُ الشُّكُوكِ الَّتِي عَرَّضَتْ لِبَعْضِ النّاظِرِينَ في هَذا المَقامِ، وقِيلَ في تَقَدُّمِ عَدَمِ المَلَكَةِ عَلى الوُجُودِ: إنَّ عَدَمَ المَلَكَةِ عَدَمٌ مَخْصُوصٌ والعَدَمُ المُطْلَقُ في ضِمْنِهِ وهو مُتَقَدِّمٌ عَلى الوُجُودِ في سائِرِ المَخْلُوقاتِ ولِذا قالَ الإمامُ: إنَّما قَدَّمَ الظُّلُماتِ عَلى النُّورِ لِأنَّ عَدَمَ المُحْدَثاتِ مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِها كَما جاءَ في حَدِيثٍ رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: ”أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلَقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ وفي أُخْرى ثُمَّ ألْقى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ فَمَن أصابَهُ نُورُهُ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ“ وعَلَيْهِ الظُّلْمَةُ في الخَبَرِ بِمَعْنى العَدَمِ، والنُّورُ بِمَعْنى الوُجُودِ ولا يُلائِمُهُ سِياقُ الحَدِيثِ، والظّاهِرُ ما قِيلَ الظُّلْمَةُ عَدَمُ الهِدايَةِ وظُلْمَةُ الطَّبِيعَةِ، والنُّورُ الهِدايَةُ ومِنَ المُتَكَلِّمِينَ مَن زَعَمَ أنَّ الظُّلْمَةَ عَرَضٌ يُضادِ النَّوْرَ واحْتُجَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ عَدَمَ المَلَكَةِ كالعَمى لَيْسَ صَرْفَ العَدَمِ حَتّى لا يَتَعَلَّقَ بِهِ الجَعْلُ، وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قِيلَ أنَّ الجَعْلَ هُنا لَيْسَ بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ بَلْ تَضْمِينُ شَيْءٍ شَيْئًا وتَصْيِيرُهُ قائِمًا بِهِ قِيامَ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ أوِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ والعَدَمُ مِنَ الثّانِي فَصَحَّ تُعَلُّقُ الجَعْلِ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عَيْنًا، وفي الطَّوالِعِ أنَّ العَدَمَ المُتَجَدِّدَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِفِعْلِ الفاعِلِ كالوُجُودِ الحادِثِ فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ 1 - يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَعْدِلُونَ) فِيهِ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى العُدُولِ أوْ مِنهُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ، والكُفْرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الشِّرْكِ المُقابِلِ لِلْإيمانِ أوْ بِمَعْنى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، والباءُ يُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ (كَفَرُوا)، وأنْ تَتَعَلَّقَ بِـ (يَعْدِلُونَ) وعَلى التَّقادِيرِ فالجُمْلَةُ إمّا إنْشائِيَّةٌ إنْشاءَ الِاسْتِبْعادِ أوْ إخْبارِيَّةٌ وارِدَةٌ لِلْإخْبارِ عَنْ شَناعَةِ ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ هي إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (الحَمْدُ لِلَّهِ) إنْشاءً أوْ إخْبارًا أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (خَلَقَ) صِلَةُ (الَّذِي) أوْ عَلى (الظُّلُماتِ) مَفْعُولُ (جَعَلَ)، فالِاحْتِمالاتُ تَرْتَقِي إلى أرْبَعَةٍ وسِتِّينَ حاصِلَةً مِن ضَرْبِ سِتَّةَ عَشَرَ، احْتِمالاتُ المَعْطُوفِ في أرْبَعَةٍ أعْنِي احْتِمالاتِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإذا لُوحِظَ هُناكَ أُمُورٌ أُخَرُ مَشْهُورَةٌ بَلَغَتِ الِاحْتِمالاتُ أرْبَعَةَ آلافٍ وزِيادَةً، ولَكِنْ لَيْسَ لَنا إلى هَذِهِ المُلاحَظَةِ كَبِيرُ داعٍ، والَّذِي اخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِن تِلْكَ الِاحْتِمالاتِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الحَمْدِ والعَدْلِ بِمَعْنى العُدُولِ أيِ الِانْصِرافُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كَفَرُوا) وهو مِنَ الكُفْرِ بِمَعْنى الشِّرْكِ أوْ كُفْرانِ النِّعْمَةِ ويُقَدَّرُ مُضافٌ بَعْدَ الجارِّ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى ما خَلَقَ مِنَ النِّعَمِ الجِسامِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى الخاصِّ والعامِّ، ثُمَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ أوْ كَفَرُوا بِنِعَمِهِ يَعْدِلُونَ فَيَكْفُرُونَ نِعَمَهُ، وأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ، والعَدْلُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والكَفْرُ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ والمَخْلُوقاتِ العِظامَ الَّتِي دَخَلَ فِيها كُلُّ ما سِواهُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ أوْ هَؤُلاءِ الجاحِدِينَ لِلنِّعَمِ يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلَيْها وهم في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ ومِهادِ تَرْبِيَتِهِ و(ثُمَّ) لِاسْتِبْعادِ ما وقَعَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ لِلتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وجَعَلَها أبُو حَيّانَ لِمُجَرَّدِ التَّراخِي في الزَّمانِ وهو وإنْ صَحَّ هُنا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مُمْتَدٍّ يَصِحُّ فِيهِ التَّراخِي بِاعْتِبارِ أوَّلِهِ والفَوْرُ بِاعْتِبارِ آخِرِهِ كَما حَقَّقَهُ النُّحاةُ إلّا أنَّ ما ذُكِرَ أوْفَقُ بِالمَقامِ، ونُكْتَةُ وضْعِ الرَّبِّ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ تَعالى عَلى تَقْدِيرِ تَأْكِيدِ أمْرِ الِاسْتِبْعادِ، ووَجْهُ جَعْلِ الباءَ مُتَعَلِّقَةً بِـ (يِعْدَلُونَ) عَلى أحَدِ احْتِمالَيْهِ وبِـ (كَفَرُوا) عَلى الِاحْتِمالِ الآخَرِ أنَّهُ إذا كانَ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ يَقْتَضِي التَّوَصُّلَ بِالباءَ بِخِلافِ ما إذا كانَ مِنهُ بِمَعْنى العُدُولِ، فالظّاهِرُ أنَّها حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وما قالَهُ المُحَقِّقُ التَّفْتازانِيُّ مِنِّي أنَّهُ لا مُخَصِّصَ لِكُلٍّ مِن تَوْجِيهَيْ ﴿ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ بِواحِدٍ مِنَ العَطْفَيْنِ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأنَّ وجْهَ تَخْصِيصِ كُلٍّ بِما خُصِّصَ بِهِ اتِّساقُ نَظْمِ الآيَةِ حِينَئِذٍ، وظُهُورُ شِدَّةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ ما عُطِفَ بِـ (ثُمَّ) الِاسْتِبْعادِيَّةِ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا قِيلَ مَثَلًا في الصُّورَةِ الأُولى إنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَحَقَ جَمِيعَ المَحامِدِ مِنَ العِبادِ فُهِمَ أنَّ العُدُولَ عَنْهُ تَعالى والإعْراضَ عَنْ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ، فَيُناسِبُ أنْ يُقالَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ عَنْهُ فَلا يَحْمَدُونَهُ ولا يَلْتَفِتُونَ لَفْتَةً، ولا يُناسِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ إذْ لَمْ يُسْبَقْ صَرِيحًا، وبِالقَصْدِ الأوْلى ما يَنْفِي التَّسْوِيَةَ، وإذا قِيلَ مَثَلًا في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ: إنَّهُ جَعْلُ شَأْنِهِ خَلْقَ هَذِهِ الأجْسامِ العِظامِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ ناسَبَ في الِاسْتِبْعادِ أنْ يُقالَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُسَوُّونَ بِهِ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لا أنَّهم لا يَحْمَدُونَهُ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إذا كانَ المَعْنى عَلى الأوَّلِ الحَمْدَ والثَّناءَ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُنْعِمِ بِهَذِهِ النِّعَمِ الشّامِلَةِ سائِرَ الأُمَمِ، فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنَ الكَفَرَةِ والمُشْرِكِينَ المُسْتَغْرِقِينَ في بِحارِ إحْسانِهِ العُدُولُ عَنْهُ، وعَلى الثّانِي المَعْرُوفِ بِالقُدْرَةِ عَلى إيجادِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العِظامِ الَّتِي دَخَلَ فِيها كُلُّ ما سِواهُ مِنَ الخاصِّ والعامِّ كَيْفَ يَتَسَنّى لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ أوْ لِهَؤُلاءِ الجاحِدِينَ لِلنِّعَمِ أنْ يُسَوُّوا بِهِ غَيْرَهُ وهم في قَبْضَتِهِ، فَوَجْهُ التَّخْصِيصِ في الأوَّلِ أنَّهُ لا يَخْفى اسْتِبْعادُ انْصِرافِ العَبْدِ عَنْ سَيِّدِهِ ووَلِيِّ نِعْمَتِهِ إلى سِواهُ بِخِلافِ التَّسْوِيَةِ فَإنَّ المُنْعِمَ قَدْ يُساوِيهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُحْسِنُ إلى غَيْرِهِ، وفي الثّانِي أنَّ اسْتِبْعادَ التَّسْوِيَةِ عَلَيْهِ مِمّا لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ بِخِلافِ العُدُولِ عَنْهُ فَإنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ لِجَهْلِ العادِلِ بِحَقِّهِ فَإنَّ العُدُولَ لا يُنافِي عَدَمَ المَعْرِفَةِ بِخِلافِ التَّسْوِيَةِ فَإنَّهُ لا يُسَوِّي بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا يَعْرِفُهُما بِوَجْهٍ ما فَتَدَبَّرْ واعْتَرَضَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى العَطْفِ عَلى الصِّلَةِ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِضَمِّ ما لا دَخْلَ لَهُ في اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ إلى مالِهِ ذَلِكَ ثُمَّ جَعَلَ المَجْمُوعَ صِلَةً في مَقامٍ يَقْتَضِي كَوْنَ الصِّلَةِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إشارَةً إلى عُلُوِّ شَأْنِهِ تَعالى وعُمُومِ إحْسانِهِ لِلْمُسْتَحَقِّ وغَيْرِهِ حَيْثُ يُنْعِمُ بِمِثْلِ تِلْكَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ ويُشْرِكُ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ مُنْبِئٌ عَنْ كَمالِ الِاسْتِحْقاقِ وقَدْ يُقالُ: وُقُوعُ هَذا المَعْطُوفِ مَوْقِعَ المَحْمُودِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْنى التَّعْظِيمِ المُسْتَفادِ مِن إنْكارِ مَضْمُونِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ جَلَّ جَنابُهُ عَنْ أنْ يُعْدَلَ بِهِ شَيْءٌ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ المَحْمُودَ عَلَيْهِ يَجِبُ في المَشْهُورِ أنْ يَكُونَ جَمِيلًا اخْتِيارِيًّا وما ذُكِرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ في الِاعْتِراضِ عَلى العَطْفِ المَذْكُورِ أنَّ ما يَنْتَظِمُ في سِلْكِ الصِّلَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ مُوجِباتِ حَمْدِهِ تَعالى حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في ذَلِكَ الإنْباءِ في الجُمْلَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ كُفْرَهم بِمَعْزِلِ عَنْهُ وادِّعاءَ أنَّ لَهُ دَخْلًا فِيهِ لِدَلالَتِهِ عَلى كَمالِ الجُودِ كَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ بِمِثْلِ هَذِهِ النِّعَمِ العِظامِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ تَعَسُّفٌ لا يُساعِدُهُ النِّظامُ وتَعْكِيسٌ يَأْباهُ المَقامُ كَيْفَ لا وسِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَما تُفْصِحُ عَنْهُ الآياتُ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ بِبَيانِ غايَةِ إساءَتِهِمْ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ نِهايَةِ إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ لا بَيانِ إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مَعَ غايَةِ إساءَتِهِمْ في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَقْتَضِيهِ الِادِّعاءُ المَذْكُورُ وبِهَذا اتَّضَحَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى جَعْلِ المَعْطُوفِ مِن رَوادِفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِما أنَّ حَقَّ الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مَقْصُودَةِ الإفادَةِ فَما ظَنُّكَ بِرَوادِفِها وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ المَعْطُوفَ هو الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ انْتَهى ورُدَّ بِأنَّهُ لا شَكَّ في أنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ يُرادُ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ، ولا تَعَسُّفَ فِيهِ لِبَلاغَتِهِ، وادِّعاءُ التَّعْكِيسِ مَمْنُوعٌ فَإنَّ المَقامَ مَقامُ الحَمْدِ كَما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ المُصَدَّرُ بِها، وما بَعْدَهُ كَلامٌ آخَرُ ولا يُتْرَكُ مُقْتَضى مَقامٍ لِأجْلِ مُقْتَضى مَقامٍ آخَرَ إذْ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَصِحُّ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ لِأنَّ الجُمْلَةَ خالِيَةٌ مِن رابِطٍ يَرْبُطُها بِالمَوْصُولِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَخْرُجَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: أبُو سَعِيدٍ رَوَيْتُ عَنِ الخُدْرِيِّ حَيْثُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ يَعْدِلُونَ، إلّا أنَّ هَذا مِنَ النُّدُورِ بِحَيْثُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى مِثْلِهِ مَعَ إمْكانِ حَمْلِهِ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ الفَصِيحِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن ضَعْفِ ذَلِكَ في رَبْطِ الصِّلَةِ ابْتِداءُ ضَعْفِهِ فِيما عُطِفَ عَلَيْها فَكَثِيرًا ما يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ، والجَوابُ بِأنَّ هَذا العَطْفَ لا يَحْتاجُ إلى الرّابِطِ عَجِيبٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ المَعْطُوفَ عَلى الصِّلَةِ بِـ (ثُمَّ) يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنِ الرّابِطِ، وغايَةُ ما ذَكَرُوهُ أنَّهُ نُكْتَةٌ لِلرَّبْطِ بِالِاسْمِ واعْتَرَضَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ بِالعَدْلِ العُدُولُ مَعَ اعْتِبارِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الحَمْدِ بِأنَّ كُفْرَهم بِهِ تَعالى لا سِيَّما بِاعْتِبارِ رُبُوبِيَّتِهِ أشَدُّ شَناعَةً وأعْظَمُ جِنايَةً مِن عُدُولِهِمْ عَنْ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ فَجَعْلُ أهْوَنِ الشَّرَّيْنِ عُمْدَةً في الكَلامِ مَقْصُودًا بِالإفادَةِ وإخْراجُ أعْظَمِهِما مَخْرَجَ القَيْدِ المَفْرُوغِ مِنهُ مِمّا لا عُهْدَةَ لَهُ في الكَلامِ السَّدِيدِ فَكَيْفَ بِالنَّظْمِ التَّنْزِيلِيِّ؛ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ الحَمْدِ ناسَبَ التَّشْنِيعَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَلا يَرِدُ اعْتِراضُ الشَّيْخِ، وقَدْ ذَكَرَ هو - قُدِّسَ سِرُّهُ - تَوْجِيهًا لِلْآيَةِ وادَّعى أنَّهُ الحَقِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ، وحَطَّ عَلَيْهِ الشِّهابُ فِيهِ، ولَعَلَّ الأمْرَ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ، والَّذِي تَصْدَحُ بِهِ كَلِماتُهم أنَّ صِلَةَ (يَعْدِلُونَ) عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى العُدُولِ مَتْرُوكَةً لِيَقَعَ الإنْكارُ عَلى نَفْسِ الفِعْلِ وإنَّما قَدَّرُوا لَهُ مَفْعُولًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ فَقالُوا: غَيْرَهُ أوِ الأوْثانَ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ إنْكارُ العَدْلِ بِخِلافِ إنْكارِ العُدُولِ، ونُظِرَ في ذَلِكَ بِأنَّ مُجَرَّدَ العُدُولِ بِدُونِ اعْتِبارِ مُتَعَلِّقِهِ غَيْرُ مُنْكَرٍ، ألا تَرى أنَّ العُدُولَ عَنِ الباطِلِ لا يُنْكَرُ، فالظّاهِرُ اعْتِبارُ المُتَعَلِّقِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِأجْلِ الفاصِلَةِ كَما أنَّ تَقْدِيمَ (بِرَبِّهِمْ) عَلى احْتِمالِ تُعَلِّقِهِ بِما بَعُدَ لِذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاهْتِمامِ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذا وإنْ تَراءى في بادِئِ النَّظَرِ لَكِنَّهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ بِوارِدٍ لِأنَّ العُدُولَ وإنْ كانَ لَهُ فَرْدانِ أحَدُهُما مَذْمُومٌ وهو العُدُولُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ومَمْدُوحٌ وهو العُدُولُ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ لَكِنَّ العُدُولَ المَوْصُوفَ بِهِ الكُفّارُ لا يَحْتَمِلُ الثّانِيَ، فَتَعَيُّنُهُ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ، وتَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أبْلَغُ عِنْدَ التَّأمُّلِ بِخِلافِ التَّسْوِيَةِ فَإنَّها مِنَ النِّسَبِ الَّتِي لا تَتَصَوَّرُ بِدُونِ المُتَعَلِّقِ فَلِذا قَدَّرُوهُ، ومِن هَذا يَعْلَمُ أنَّ تَنْزِيلَ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ الشّائِعُ فِيما بَيْنَهُمْ، إنَّما يَكُونُ أوْ يَحْسُنُ فِيما لَيْسَ مِن قَبِيلِ النَّسَبِ هَذا، وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ في فَضائِلِ القُرْءانِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ كَعْبٍ قالَ: فُتِحَتِ التَّوْراةُ بِـ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ وخُتِمَتْ بِـ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ <div class="verse-tafsir"
وهي مائة وخمس وستون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم قال مقاتل: سورة الأنعام كلها مكية غير قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الآية وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: سورة الأنعام كلها مكية غير ست آيات قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى آخر الثلاث وقوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ ...
وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وقيل: نزلت جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَشَيَّعَهَا سَبْعُونَ ألف ملك.
قال شهر بن حوشب: نزلت الأنعام جملة واحدة وهي مكية غير آيتين: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ وقال: بعضهم: كلها مكية.
وقال كعب الأحبار: مفتاح التوراة قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وخاتمتها خاتمة سورة هود: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [هود: 123] وقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ حمد الرب نفسه، ودلّ بصنعه على توحيده، الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني: خلق السموات وما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وخلق الأرض وما فيها وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني: خلق الليل والنهار.
ويقال: الكفر والإسلام.
وقال الضحاك: هذه الآية نزلت في شأن المجوس.
قالوا: الله خالق النور، والشيطان خالق الظلمة، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم، ورداً عليهم، فقال: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني: أن الله واحد لا شريك له، وهو الذى خلق السموات والارض، وهو الذي خلق الظلمات والنور ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: المجوس بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني: يشركون.
ويقال ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني: مشركي مكة بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعني: يعبدون الأصنام.
ثم قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ يعني: آدم، وأنتم من ذريته ومن نسله ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني: أجل ابن آدم منذ يوم ولد إلى يوم يموت.
وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ يعني: البرزخ منذ يموت إلى يوم البعث، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ فهذا قول مقاتل والحسن.
وقال عكرمة: أَجَلًا يعني: أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني: أجل الآخرة.
وهكذا قال سعيد بن جبير: ويقال أَجَلًا يعني: أجل واحد وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني: يوم القيامة ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ يعني: تشكون في البعث بعد الموت وفي الأجل المسمى.
ثم قال: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يعني: هو المتفرد بالتدبير في السموات وفي الأرض.
وهذا كقوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزخرف: 84] يعني: وهو خالق السموات والأرض.
ويقال: هو الذي يوحد ويقر بوحدانيته أهل السموات والأرض.
ويقال: عالم بما في السموات وبما في الأرض.
يَعْلَمُ سِرَّكُمْ يعني: يعلم سر أعمالكم وَجَهْرَكُمْ يعني علانيتكم وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ من الخير والشر فيجازيكم بذلك.
ثم أخبر عن أمر المشركين فقال <div class="verse-tafsir"
بسم الله الرّحمن الرّحيم
[تفسير سورة الأنعام]
قال ابن عبّاس: نزلت سورة الأنعام، وحولها سبعون ألف ملك، لهم زجل يجأرون بالتسبيح «١» .
قلت: وعن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت سورة الأنعام، سبّح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «لقد شيّع هذه السّورة من الملائكة ما سدّ الأفق» .
رواه الحاكم في «المستدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» .
وقال: صحيحٌ على شرط مسلم «٢» .
انتهى من «السلاح» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ.
قال علي بن عبد الرحمن اليفرني في شرحه ل «البرهانية» : قال الإمام الفَخْرُ «٣» : لفظ الحمد مُعَرَّفاً لا يقال إلا في حقّ الله عز وجل لأنه يدلُّ على التعظيم، ولا يجوز أن يقال: الحمد لِزَيْدٍ.
قاله سيبويه.
وذكر ابن العَرَبِيِّ في «القانون» عن أنس أن النبيِ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدَ، وأَبْلَغُ الحَمْدِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كلّ حال» «٤» .
قال ابن العربي: وفي بعض الآثار: «ما من نِعْمَةٍ عَظْمَتْ إلا والحمد للَّه أعْظَمُ منها» «١» .
انتهى.
قال ع «٢» : وجَعَلَ هاهنا بمعنى: «خلق» ، ولا يجوز غَيْرُ ذلك.
قال قتادة، والسُّدِّيُّ وجمهور من المفسرين: الظلمات الليل، والنور النهار.
وقالت فرقة: الظُّلمات الكُفْرُ، والنور الإيمان.
قال/ ع «٣» : وهذا على جهة التَّشْبِيهِ صحيح، وعلى ما يفهمه عُبَّادُ الأوثان غير جيد لأنه إخراج لَفْظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى بَاطِنٍ لغير ضَرُورَةٍ، وهذا هو طريق اللُّغْزِ الذي بَرِىءَ القُرْآنُ منه، والنور أيضاً هنا لِلْجِنْسِ.
وقوله تعالى: ثُمَّ دالة على قُبْحِ فعل الذين كَفَرُوا لأن المعنى: أن خلقه السَّمَوَاتِ والأَرْض، وغيرها الموجبة لحمده، وتوحيده قد تقرر، وآياته قد سَطَعَتْ، وإنعامه بِذَلِكَ على العباد قد تَبَيَّنَ، فكان الواجب عليهم إخْلاَصَ التوحيد له، ثم هم بعد هذا كله بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي: يُسَوّون، ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومثيله.
والَّذِينَ كَفَرُوا في هذا المَوْضِعِ كل من عَبَدَ شَيْئاً سوى اللَّه إلا أن السَّابِقَ من حال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن الإشَارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثان من العرب لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضاً يشير إلى المَانَوِيَّةِ العابدين للنور، القائلين: إن الخَيْرَ من فِعْلِ النور، والشر من فِعْلِ الظلام.
وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ فالمعنى: خَلَقَ آدم من طِينٍ.
وقوله سبحانه: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ اختلف في هذين الأَجَلَيْنِ، فقال الحسن بن أبي الحَسَنِ وغيره: أَجَلًا أَجَلُ الإنسان من لَدُنْ وِلاَدَتِهِ إلى موته،
سُورَةُ الأنْعامِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ( الأنْعامَ ) مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ.
وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
وَرَوى يُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ [الأنْعامِ] جُمْلَةً لَيْلًا بِمَكَّةَ وحَوْلَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ.
وَرَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً ونَزَلَتْ لَيْلًا، وكَتَبُوها مِن لَيْلَتِهِمْ، غَيْرَ سِتِّ آَياتٍ وهِيَ: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم.
.
.
﴾ إلى آَخَرِ الثَّلاثِ آَياتٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
.
.
﴾ الآَيَةُ.
[الأنْعامِ:١٥١-١٥٣] .
وقَوْلُهُ: " ومِن أظْلَمَ مِمَّنْ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا " أوْ قالَ: ﴿ أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ إلى آَخَرِ الآَيَتَيْنِ [الأنْعامِ: ٩٣، ٩٤ ] وذَكَرَ مُقاتِلٌ نَحْوَ هَذا وزادَ آَيَتَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ.
.
.
﴾ .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ قالا: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا آَيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، قَوْلُهُ: ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
.
.
﴾ الآَيَةُ [الأنْعامِ: ٩١] .
وَقَوْلُهُ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ﴾ .
وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ بْنُ شَيْطا: أنَّها مَكِّيَّةٌ، غَيْرَ آَيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ ﴿ قُلْ تَعالَوْا.
.
.
﴾ والَّتِي بَعْدَها [الأنْعامِ:١٥٢، ١٥١] .
﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ .
فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ كَعْبٌ: فاتِحَةُ الكَهْفِ فاتِحَةُ [الأنْعامِ] وخاتِمَتُها خاتِمَةُ هُودٍ، وإنَّما ذَكَرَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ "بِالجَعْلِ": الخَلْقِ، وقِيلَ: إنَّ "جَعَلَ" هاهُنا: صِلَةٌ، والمَعْنى: والظُّلُماتُ.
وفي المُرادِ بِالظُّلُماتِ والنُّورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الكُفْرُ والإيمانُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: اللَّيْلُ والنَّهارُ.
قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: جَمِيعُ الظُّلُماتِ والأنْوارِ.
قالَ قَتادَةُ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ قَبْلَ الأرْضِ، والظُّلُماتِ قَبْلَ النُّورِ، والجَنَّةَ قَبْلَ النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ، أيْ: يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا، فَيَعْبُدُونَ الحِجارَةَ المَواتَ، مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّهُ الخالِقُ لِما وصَفَ.
يُقالُ: عَدَلْتُ هَذا بِهَذا: إذا ساوَيْتُهُ بِهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ.
وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الباءُ: بِمَعْنى" عَنْ " .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ "اَلْأنْعامِ" قِيلَ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ؛ لَيْلًا؛ جُمْلَةً؛ إلّا سِتَّ آياتٍ؛ وهِيَ: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ﴾ .
وقالَ الكَلْبِيُّ: "اَلْأنْعامُ"؛ كُلُّها مَكِّيَّةٌ؛ إلّا آيَتَيْنِ؛ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ في فِنْحاصٍ اليَهُودِيِّ؛ وهِيَ: ﴿ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ﴾ ؛ مَعَ ما يَرْتَبِطُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ فِنْحاصًا قالَ: "ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ وحَوْلَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ؛ لَهم زَجَلٌ؛ يَجْأرُونَ بِالتَسْبِيحِ.
وقالَ كَعْبٌ: فاتِحَةُ التَوْراةِ فاتِحَةُ الأنْعامِ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ ؛ إلى: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ ؛ وخاتِمَةُ التَوْراةِ خاتِمَةُ هُودٍ: ﴿ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ ؛ وقِيلَ: خاتِمَتُها: ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ ﴾ ؛ إلى: ﴿ تَكْبِيرًا ﴾ .
وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلْأنْعامُ"؛ مِن نَجائِبِ القُرْآنِ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: مَن قَرَأ سُورَةَ "اَلْأنْعامِ"؛ فَقَدِ انْتَهى في رِضا رَبِّهِ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُلُماتِ والنُورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بِأجْمَعِهِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللامَ في "اَلْحَمْدُ"؛ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ؛ فَهو تَعالى لَهُ الأوصافُ السَنِيَّةُ؛ والعِلْمُ؛ والقُدْرَةُ؛ والإحاطَةُ؛ والإنْعامُ؛ فَهو أهْلٌ لِلْمَحامِدِ عَلى ضُرُوبِها؛ ولَهُ الحَمْدُ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ الشُكْرَ المُخْتَصَّ بِأنَّهُ عَلى النِعَمِ.
ولَمّا ورَدَ هَذا الإخْبارُ تَبِعَهُ ذِكْرُ بَعْضِ أوصافِهِ المُوجِبَةِ لِلْحَمْدِ؛ وهي الخَلْقُ لِلسَّمَواتِ والأرْضِ؛ قِوامِ الناسِ وأرْزاقِهِمْ؛ و"اَلْأرْضَ"؛ هَهُنا لِلْجِنْسِ؛ فَإفْرادُها في اللَفْظِ بِمَنزِلَةِ جَمْعِها.
والبادِي مِن هَذا التَرْتِيبِ أنَّ السَماءَ خُلِقَتْ مِن قَبْلِ الأرْضِ؛ وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لا تُرَتِّبُ المَعانِيَ؛ والَّذِي يَنْبَنِي مِن مَجْمُوعِ آيِ القُرْآنِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ ولَمْ يَدْحُها؛ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ فَخَلَقَها؛ ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.
و"جَعَلَ"؛ هَهُنا بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ لا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وتَأمَّلْ: لِمَ خُصَّتِ السَماواتُ والأرْضُ بِـ "خَلَقَ"؛ والظُلُماتُ والنُورُ بِـ "جَعَلَ"؟
وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَجَعَلَ"؛ هَذِهِ هِيَ الَّتِي تَتَصَرَّفُ في طُرُقِ الكَلامِ؛ كَما تَقُولُ: "جَعَلْتُ أفْعَلُ كَذا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَجَعَلَ إظْلامَها وإنارَتَها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّ "جَعَلَ"؛ إذا كانَتْ عَلى هَذا النَحْوِ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَرْتَبِطَ مَعَها فِعْلٌ آخَرُ؛ كَما يُرْتَبَطُ في أفْعالِ المُقارَبَةِ؛ كَقَوْلِكَ: "كادَ زَيْدٌ يَمُوتُ"؛ "جَعَلَ زَيْدٌ يَجِيءُ ويَذْهَبُ"؛ وأمّا إذا لَمْ يَرْتَبِطْ مَعَها فِعْلٌ فَلا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الَّتِي ذَكَرَ الطَبَرِيُّ.
وقالَ السُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اَلظُّلُماتُ: اَللَّيْلُ؛ والنُورُ: اَلنَّهارُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلظُّلُماتُ: اَلْكُفْرُ؛ والنُورُ: اَلْإيمانُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ إخْراجُ لَفْظٍ بَيِّنٍ في اللُغَةِ عن ظاهِرِهِ الحَقِيقِيِّ؛ إلى باطِنٍ؛ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وهَذا هو طَرِيقُ اللُغْزِ الَّذِي بَرِئَ القُرْآنُ مِنهُ؛ والنُورُ أيْضًا هُنا لِلْجِنْسِ؛ فَإفْرادُهُ بِمَثابَةِ جَمْعِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ"؛ دالَّةٌ عَلى قُبْحِ فِعْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّ خَلْقَهُ السَماواتِ والأرْضَ؛ وغَيْرَهُما؛ قَدْ تَقَرَّرَ؛ وآياتِهِ قَدْ سَطَعَتْ؛ وإنْعامَهُ بِذَلِكَ قَدْ تَبَيَّنَ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ عَدَلُوا بِرَبِّهِمْ؛ فَهَذا كَما تَقُولُ: "يا فُلانُ؛ أعْطَيْتُكَ؛ وأكْرَمْتُكَ؛ وأحْسَنْتُ إلَيْكَ؛ ثُمَّ تَشْتُمُنِي؟"؛ أيْ: بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن وُقُوعِ هَذا كُلِّهِ؛ ولَوْ وقَعَ العَطْفُ في هَذا ونَحْوِهِ بِالواوِ لَمْ يَلْزَمِ التَوْبِيخُ كَلُزُومِهِ بِـ "ثُمَّ".
والَّذِينَ كَفَرُوا ؛ في هَذا المَوْضِعِ هم كُلُّ مَن عَبَدَ شَيْئًا سِوى اللهِ ؛ قالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ الشِرْكِ خاصَّةً؛ ومَن خَصَّصَ مِنَ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ؛ فَلَمْ يُصِبْ؛ إلّا أنَّ السابِقَ مِن حالِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّ الإشارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثانِ؛ لِمُجاوَرَتِهِمْ لَهُ؛ ولَفْظُ الآيَةِ أيْضًا يُشِيرُ إلى المانَوِيَّةِ؛ ويُقالُ: اَلْمانَنِيَّةِ؛ العابِدِينَ لِلنُّورِ؛ القائِلِينَ: إنَّ الخَيْرَ مِن فِعْلِ النُورِ؛ والشَرَّ مِن فِعْلِ الظَلامِ؛ وقَوْلُابْنِ أبْزى: "إنَّ المُرادَ أهْلُ الكِتابِ"؛ بَعِيدٌ.
و"يَعْدِلُونَ"؛ مَعْناهُ: يُسَوُّونَ؛ ويُمَثِّلُونَ؛ وعِدْلُ الشَيْءِ: قَرِينُهُ ومَثِيلُهُ؛ والمانَوِيَّةُ مَجُوسٌ؛ ووَرَدَ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ حَدِيثٌ؛ وهُوَ: « "اَلْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ"؛» ومَعْناهُ الإغْلاظُ عَلَيْهِمْ؛ والذَمُّ لَهم في تَشْبِيهِهِمْ بِالمَجُوسِ؛ ومَوْضِعُ الشَبَهِ هو أنَّ المَجُوسَ تَقُولُ: اَلْأفْعالُ خَيْرُها خَلْقُ النُورِ؛ وشَرُّها خَلْقُ الظُلْمَةِ؛ فَجَعَلُوا خالِقًا غَيْرَ اللهِ ؛ والقَدَرِيَّةُ تَقُولُ: اَلْإنْسانُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ؛ فَجَعَلُوا خالِقًا غَيْرَ اللهِ تَعالى؛ عن قَوْلِهِمْ؛ وذَهَبَ أبُو المَعالِي إلى أنَّ التَشْبِيهَ بِالمَجُوسِ إنَّما هو قَوْلُ القَدَرِيَّةِ: إنَّ الخَيْرَ مِنَ اللهِ ؛ وإنَّ الشَرَّ مِنهُ؛ ولا يُرِيدُهُ؛ وإنَّما قُلْنا في الحَدِيثِ: إنَّهُ تَغْلِيظٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ أنَّهم مِنَ الأُمَّةِ؛ ولَوْ جَعَلَهم مَجُوسًا حَقِيقَةً لَمْ يُضِفْهم إلى الأُمَّةِ؛ وهَذا كُلُّهُ إنْ لَوْ صَحَّ الحَدِيثُ؛ واللهُ المُوَفِّقُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلْمَعْنى: خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ؛ والبَشَرُ مِن آدَمَ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: بَلِ المَعْنى أنَّ النُطْفَةَ الَّتِي يُخْلَقُ مِنها الإنْسانُ أصْلُها مِن طِينٍ؛ ثُمَّ يَقْلِبُها اللهُ نُطْفَةً؛ وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ والزَهْراوِيُّ ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ ألْيَقُ بِالشَرِيعَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ الثانِيَ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ بِأنَّ الطِينَ يَرْجِعُ بَعْدَ التَوَلُّدِ والِاسْتِحالاتِ الكَثِيرَةِ نُطْفَةً؛ وذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذَيْنِ الأجَلَيْنِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: "أجَلًا": أجْلَ الإنْسانِ مِن لَدُنْ وِلادَتِهِ إلى مَوْتِهِ؛ و"اَلْأجَلُ المُسَمّى عِنْدَهُ": مِن وقْتِ مَوْتِهِ إلى حَشْرِهِ؛ ووَصَفَهُ بِـ "مُسَمًّى عِنْدَهُ"؛ لِأنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ وقْتِ القِيامَةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "أجَلًا": اَلدُّنْيا؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلْآخِرَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "أجَلًا": اَلْآخِرَةَ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلدُّنْيا؛ بِعَكْسِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "أجَلًا": وفاةَ الإنْسانِ بِالنَوْمِ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": وفاتُهُ بِالمَوْتِ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْأجَلُ الأوَّلُ هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ؛ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ ؛ وبَقِيَ "أجَلٌ" واحِدٌ مُسَمًّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن فِرْقَةٍ: "أجَلًا": ما عَرَفَ الناسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ؛ والسِنِينِ؛ والكَوائِنِ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": قِيامُ الساعَةِ؛ وحُكِيَ أيْضًا عن فِرْقَةٍ: "أجَلًا": ما عَرَفْناهُ مِن أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلْآخِرَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَنْبَغِي أنْ تَتَأمَّلَ لَفْظَةَ "قَضى"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنَّها تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ فَإنْ جُعِلَتْ بِمَعْنى: "قَدَّرَ"؛ و"كَتَبَ"؛ ورَجَعَتْ إلى سابِقِ عِلْمِهِ وقَدَرِهِ؛ فَنَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ - ولا بُدَّ - قَبْلَ خَلْقِهِ آدَمَ مِن طِينٍ؛ وتُخْرَجُ "ثُمَّ"؛ مِن مَعْهُودِها في تَرْتِيبِ زَمَنَيْ وُقُوعِ القَضِيَّتَيْنِ؛ ويَبْقى لَها تَرْتِيبُ زَمَنَيِ الإخْبارِ عنهُ؛ كَأنَّهُ قالَ: "أخْبَرَكم أنَّهُ خَلَقَكم مِن طِينٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَكم أنَّهُ قَضى أجَلًا"؛ وإنْ جُعِلَتْ "قَضى"؛ بِمَعْنى: "أوجَدَ"؛ و"أظْهَرَ"؛ ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى صِفَةِ فِعْلٍ؛ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ قَبْلَ إظْهارِ هَذا الأجَلِ وإبْدائِهِ؛ وتَكُونَ "ثُمَّ"؛ عَلى بابِها؛ في تَرْتِيبِ زَمَنَيْ وُقُوعِ القَضِيَّتَيْنِ.
و ﴿ "تَمْتَرُونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: تَشُكُّونَ؛ و"اَلْمِرْيَةُ": اَلشَّكُّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "ثُمَّ أنْتُمْ"؛ ﴾ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ؛ في التَوْبِيخِ عَلى سُوءِ الفِعْلِ؛ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن وُضُوحِ الحُجَجِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ الحمد لله ﴾ تفيد استحقاق الله تعالى الحمد وحده دون غيره لأنّها تدلّ على الحصر.
واللام لتعريف الجنس، فدلّت على انحصار استحقاق هذا الجنس لله تعالى.
وقد تقدّم بيان ذلك مستوفى في أول سورة الفاتحة.
ثم إنّ جملة ﴿ الحمد لله ﴾ هنا خبر لفظاً ومعنىً إذ ليس هنا ما يصرف إلى قصد إنشاء الحمد بخلاف ما في سورة الفاتحة لأنّه عقّب بقوله: ﴿ إيّاك نعبد ﴾ [الفاتحة: 5] إلى آخر السورة، فمن جوّز في هذه أن تكون إنشاء معنى لم يُجد التأمّل.
فالمعنى هنا أنّ الحمد كُلّه لا يستحقّه إلاّ الله، وهذا قصر إضافي للردّ على المشركين الذين حمدوا الأصنام على ما تخيّلوه من إسدائها إليهم نعماً ونصراً وتفريج كربات، فقد قال أبو سفيان حين انتصر هو وفريقه يوم أحُد: أعلُ هُبل لنا العُزّى ولا عُزّى لكم.
ويجوز أن يكون قصراً حقيقياً على معنى الكمال وأنّ حمد غيره تعالى من المنعمين تسامح لأنّه في الحقيقة واسطة صورية لجريان نعمة الله على يديه، والمقصود هو هو، وهو الردّ على المشركين، لأنّ الأصنام لا تستحقّ الحمد الصوري بله الحقيقي كما قال إبراهيم عليه السلام «لمَ نعْبُدُ ما لا يسمع ولا يُبْصر ولا يُغْني عنك شيئاً».
ولذلك عقّبت جملة الحمد على عظيم خلق الله تعالى بجملة ﴿ ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون ﴾ .
والموصول، في محلّ الصفة لاسم الجلالة، أفاد مع صلته التذكير بعظيم صفة الخلق الذي عمّ السماوات والأرض وما فيهنّ من الجواهر والأعراض.
وذلك أوجز لفظ في استحضار عظمة قدرة الله تعالى.
وليس في التعريف بالموصولية هنا إيذان بتعليل الجملة التي ذكرت قبله، إذ ليست الجملة إنشائية كما علمت.
والجملة الخبرية لا تعلّل، لأنّ الخبر حكاية ما في الواقع فلا حاجة لتعليله.
فالمقصود من الأوصاف التمهيد لقوله بعدُ ﴿ ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون ﴾ .
وجمع: ﴿ السماوات ﴾ لأنّها عوالم كثيرة، إذ كلّ كوكب منها عالم مستقلّ عن غيره، ومنها الكواكب السبعة المشهورة المعبّر عنها في القرآن بالسماوات السبع فيما نرى.
وأفرد الأرض لأنّها عالم واحد، ولذلك لم يجيء لفظ الأرض في القرآن جمعاً.
وقوله: ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ أشار في «الكشاف» أنّ (جعلَ) إذا تعدّى إلى مفعول واحد فهو بمعنى أحدث وأنشأ فيقارب مرادفة معنى (خلق).
والفرق بينه وبين (خلق)؛ فإنّ في الخلق ملاحظة معنى التقدير، وفي الجعل ملاحظة معنى الانتساب، يعني كون المجعول مخلوقاً لأجل غيره أو منتسباً إلى غيره، فيعْرف المنتسب إليه بمعونة المقام.
فالظلمات والنور لمّا كانا عرضين كان خلقهما تكويناً لتُكيَّف موجودات السماوات والأرض بهما.
ويعرف ذلك بذكر ﴿ الظلمات والنور ﴾ عقب ذكر ﴿ السماوات والأرض ﴾ ، وباختيار لفظ الخلق للسماوات والأرض، ولفظ الجعل للظلمات والنور، ومنه قوله تعالى: ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ﴾ [الأعراف: 189] فإنّ الزوج وهو الأنثى مراعى في إيجاده أن يكون تكملة لخلق الذكر، ولذلك عقّبه بقوله: ﴿ ليسكن إليها ﴾ [الأعراف: 189] والخلق أعمّ في الإطلاق ولذلك قال تعالى في آية أخرى ﴿ يأيها النّاس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ﴾ [النساء: 1] لأنّ كلّ تكوين لا يخلو من تقدير ونظام.
وخَصّ بالذكر من الجواهر والأعراض عرضين عظيمين، وهما: الظلمات والنور فقال ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما.
وبذكر هذه الأمور الأربعة حصلت الإشارة إلى جنسي المخلوقات من جواهر وأعراض.
فالتفرقة بين فعل (خلق) وفعل (جعل) هنا معدود من فصاحة الكلمات.
وإنّ لكلّ كلمة مع صاحبتها مقاماً، وهو ما يسمّى في عرف الأدباء برشاقة الكلمة ففعل (خلق) ألْيق بإيجاد الذوات، وفعل (جعل) أليق بإيجاد أعراض الذوات وأحوالها ونظامها.
والاقتصار في ذكر المخلوقات على هذه الأربعة تعريض بإبطال عقائد كفار العرب فإنّهم بين مشركين وصابئة ومجوس ونصارى، وكلّهم قد أثبتوا آلهة غير الله؛ فالمشركون أثبتوا آلهة من الأرض، وَالصابئة أثبتوا آلهة من الكواكب السماوية، والنصارى أثبتوا إلهية عيسى أو عيسى ومريم وهما من الموجودات الأرضية، والمجوس وهم المانوية ألّهوا النور والظلمة، فالنور إله الخير والظلمة إله الشرّ عندهم.
فأخبرهم الله تعالى أنّه خالق السماوات والأرض، أي بما فيهم، وخالق الظلمات والنور.
ثم إنّ في إيثار الظلمات والنور بالذكر دون غيرهما من الأعراض إيماء وتعريضاً بحالِيْ المخاطبين بالآية من كفر فريق وإيمان فريق، فإنّ الكفر يشبه الظلمة لأنّه انغماس في جهالة وحيرة، والإيمان يشبه النور لأنّه استبانة الهدى والحقّ.
قال تعالى: ﴿ يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ [البقرة: 257].
وقدّم ذكرالظلمات مراعاة للترتّب في الوجود لأنّ الظلمة سابقة النور، فإنّ النور حصل بعد خلق الذوات المضيئة، وكانت الظلمة عامّة.
وإنّما جُمع ﴿ الظلمات ﴾ وأفرد ﴿ النور ﴾ اتّباعاً للاستعمال، لأنّ لفظ (الظلمات) بالجمع أخفّ، ولفظ (النور) بالإفراد أخفّ، ولذلك لم يرد لفظ (الظلمات) في القرآن إلاّ جمعاً ولم يرد لفظ (النور) إلاّ مفرداً.
وهما معاً دالاّن على الجنس، والتعريف الجنسي يستوي فيه المفرد والجمع فلم يبق للاختلاف سبب لاتّباع الاستعمال، خلافاً لما في «الكشاف».
﴿ ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ .
عُطفت جملة ﴿ ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون ﴾ على جملة: ﴿ الحمد لله الذي خلق السماوات ﴾ .
ف ﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبي الدالّ على أنّ ما بعدها يتضمّن معنى من نوع ما قبله، وهو أهمّ في بابه.
وذلك شأن (ثم) إذا وردت عاطفة جملة على أخرى، فإنّ عدول المشركين عن عبادة الله مع علمهم بأنّه خالق الأشياء أمر غريب فيهم أعجب من علمهم بذلك.
والحجّة ناهضة على الذين كفروا لأنّ جميعهم عدا المانوية يعترفون بأنّ الله هو الخالق والمدبّر للكون، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذّكّرون ﴾ [النحل: 17].
والخبر مستعمل في التعجيب على وجه الكناية بقرينة موقع ﴿ ثم ﴾ ودلالة المضارع على التجدّد، فالتعجيب من شأن المشركين ظاهر وأمّا المانوية فالتعجيب من شأنهم في أنّهم لم يهتدوا إلى الخالق وعبدوا بعض مخلوقاته.
فالمراد ب ﴿ الذين كفروا ﴾ كلّ من كفر بإثبات إله غير الله تعالى سواء في ذلك من جعل له شريكاً مثل مشركي العرب والصابئة ومن خصّ غير الله بالإلهية كالمانوية.
وهذا المراد دلّت عليه القرينة وإن كان غالب عرف القرآن إطلاق الذين كفروا على المشركين.
ومعنى ﴿ يعدلون ﴾ يُسوّون.
والعدل: التسوية.
تقول: عدلت فلاناً بفلان، إذا سوّيته به، كما تقدّم في قوله: ﴿ أو عَدْل ذلك صياماً ﴾ [المائدة: 95]، فقوله ﴿ بربّهم ﴾ متعلّق ب ﴿ يعدلون ﴾ ولا يصحّ تعليقه ب ﴿ الذين كفروا ﴾ لعدم الحاجة إلى ذلك.
وحذف مفعول ﴿ يعدلون ﴾ ، أي يعدلون بربّهم غيره وقد علم كلّ فريق ماذا عدل بالله.
والمراد يعدلونه بالله في الإلهيّة، وإن كان بعضهم يعترف بأنّ الله أعظم كما كان مشركو العرب يقولون: لَبَّيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك تملكه وما ملك.
وكما قالت الصابئة في الأرواح، والنصارى في الابن والروح القدس.
ومعنى العجيب عامّ في أحوال الذين ادّعوا الإلهيّة لغير الله تعالى سواء فيهم من كان أهلاً للاستدلال والنظر في خلق السماوات والأرض ومن لم يكن أهلاً لذلك، لأنّ محلّ التعجيب أنّه يخلقهم ويخلق معبوداتهم فلا يهتدون إليه بل ويختلقون إلهيّة غيره.
ومعلوم أنّ التعجيب من شأنهم متفاوت على حسب تفاوت كفرهم وضلالهم.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الأنْعامِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: إحْداهُما: ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ، والأُخْرى ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ ﴾ نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِماسٍ.
وَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وقِيلَ: شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ.
﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةَ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فاتِحَةُ التَّوْراةِ فاتِحَةُ الأنْعامِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ ، وخاتِمَةُ التَّوْراةِ خاتِمَةُ هُودٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ جاءَ عَلى صِيغَةِ الخَبَرِ وفِيهِ مَعْنى الأمْرِ، وذَلِكَ أوْلى مِن أنْ يَجِيءَ بِلَفْظِ الأمْرِ فَيَقُولُ احْمَدِ اللَّهَ، لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَعْلِيمَ اللَّفْظِ والمَعْنى، وفي الأمْرِ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ.
والثّانِي: أنَّ البُرْهانَ إنَّما يَشْهَدُ بِمَعْنى الخَبَرِ دُونَ الأمْرِ.
﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ لِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ نِعَمٌ تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ، لِأنَّ الأرْضَ تَقِلُّ، والسَّماءَ تَظِلُّ، وهي مِن أوائِلِ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ، ولِذَلِكَ اسْتَحْمَدَ بِخَلْقِها وأضافَ خَلْقَها إلى نَفْسِهِ عِنْدَ حَمْدِهِ، عَلى أنَّ مُسْتَحِقَّ الحَمْدِ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، لِيَكُونَ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ مُنْفَرِدًا لِانْفِرادِهِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ.
وَفي جَمْعِ السَّماواتِ وتَوْحِيدِ الأرْضِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ السَّماواتِ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ، والجَمْعُ أبْلَغُ في التَّفْخِيمِ مِنَ التَّوْحِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ ﴾ .
والثّانِي: لِأنَّ أوامِرَهُ إلى الأرْضِ تَخْتَرِقُ جَمِيعَ السَّماواتِ السَّبْعِ.
وَفي تَقْدِيمِ السَّماواتِ عَلى الأرْضِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِتَقَدُّمِ خَلْقِها عَلى الأرْضِ.
والثّانِي: لِشَرَفِها فَقَدَّمَها عَلى ذِكْرِ الأرْضِ وإنْ كانَتْ مَخْلُوقَةً بَعْدَ الأرْضِ.
وَهَذانِ الوَجْهانِ مِنِ اخْتِلافِ العُلَماءِ أيُّهُما خُلِقَ أوَّلًا.
﴿ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ﴾ يَعْنِي وخَلَقَ، فَغايَرَ بَيْنَ اللَّفْظِ لِيَكُونَ أحْسَنَ في النُّظُمِ، والمُرادُ بِالظُّلُماتِ والنُّورِ هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وهو المَشْهُورُ مِن قَوْلِ قَتادَةَ، قَدَّمَ الظُّلْمَةَ عَلى النُّورِ لِأنَّهُ قَدَّمَ خَلْقَ الظُّلْمَةِ عَلى خَلْقِ النُّورِ، وجَمَعَ الظُّلُماتِ ووَحَّدَ النُّورَ لِأنَّ الظُّلُماتِ أعَمُّ مِنَ النُّورِ.
والثّانِي: أنَّ الظُّلُماتِ: اللَّيْلُ، والنُّورَ: النَّهارُ.
والثّالِثُ: أنَّ الظُّلُماتِ: الكَفْرُ، والنُّورَ: الإيمانُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَلِأصْحابِ الخَواطِرِ، فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ أُخَرُ: أحَدُها: أنَّ الظُّلُماتِ: الأجْسامُ، والنُّورَ: الأرْواحُ.
الثّانِي: أنَّ الظُّلُماتِ: أعْمالُ الأبْدانِ، والنُّورَ: ضَمائِرُ القُلُوبِ.
والثّالِثُ: أنَّ الظُّلُماتِ: الجَهْلُ، والنُّورَ: العِلْمُ.
﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ مَعَ هَذِهِ النَّعَمِ عِدْلًا، يَعْنِي مِثْلًا.
وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ الأصْنامَ الَّتِي يَعْبُدُونَها.
والثّانِي: أنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ إلَهًا غَيْرَهُ لَمْ يَخْلُقْ مِثْلَ خَلْقِهِ.
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ في هَذَيْنِ الأجَلَيْنِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ الَّذِي قَضاهُ أجَلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ، والأجَلُ الثّانِي المُسَمّى عِنْدَهُ أجَلُ المَوْتِ إلى البَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ الَّذِي قَضاهُ أجَلُ الدُّنْيا، والأجَلُ الثّانِي المُسَمّى عَنْهُ ابْتِداءُ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ الَّذِي قَضاهُ هو حِينَ أخَذَ المِيثاقَ عَلى خَلْقِهِ في ظَهْرِ آدَمَ، والأجَلُ الثّانِي المُسَمّى عِنْدَهُ الحَياةُ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّ الأجَلَ الَّذِي قَضاهُ أجَلُ مَن ماتَ، والأجَلُ المُسَمّى عِنْدَهُ أجَلُ مَن يَمُوتُ بَعْدُ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
﴿ تَمْتَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَشُكُّونَ، والِامْتِراءُ: الشَّكُّ.
والثّانِي: تَخْتَلِفُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ المِراءِ وهو الِاخْتِلافُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى الكَلامِ وهو اللَّهُ المُدَبِّرُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ.
﴿ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ ﴾ أيْ ما تُخْفُونَ، وما تُعْلِنُونَ.
والثّانِي: وهو اللَّهُ المَعْبُودُ في السَّماواتِ، وفي الأرْضِ.
والثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: وهو اللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، لِأنَّ في السَّماواتِ المَلائِكَةَ، وفي الأرْضِ الإنْسُ والجِنُّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ﴾ أيْ ما تَعْلَمُونَ مِن بَعْدُ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ ما كانَ مِنكم، ولا ما سَيَكُونُ، ولا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الحالِ مِن سِرٍّ، وجَهْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الضريس في فضائل القرآن وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن كعب قال: فتحت التوراة ﴿ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ وختمت ب ﴿ الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ﴾ الى قوله: ﴿ وكبره تكبيراً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس ﴿ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ قال: هي في التوراة بستمائة آية.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة ﴿ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ﴾ حمد نفسه فأعظم خلقه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي.
أنه أتاه رجل من الخوارج فقال: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون أليس كذلك؟.
قال: نعم.
فانصرف عنه ثم قال: ارجع.
فرجع فقال: أي قل إنما أنزلت في أهل الكتاب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أنه أتاه رجل من الخوارج فقرأ عليه ﴿ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ﴾ الآية.
ثم قال: أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟
قال: بلى.
فانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا ابن ابزى إن هذا أراد تفسير الآية غير ما ترى إنه رجل من الخوارج.
قال: ردوه علي.
فلما جاء قال: أتدري فيمن أنزلت هذه الآية؟
قال: لا.
قال: نزلت في أهل الكتاب فلا تضعها في غير موضعها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في الزنادقة ﴿ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ﴾ قال قالوا: إن الله لم يخلق الظلمة، ولا الخنافس، ولا العقارب، ولا شيئاً قبيحاً، وإنما خلق النور وكل شيء حسن، فأنزل فيهم هذه الآية.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: نزل جبريل مع سبعين ألف ملك معهم سورة الأنعام، لهم زجل من التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، وقال: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض فكان فيه رد على ثلاثة أديان منهم، فكان فيه رد على الدهرية لأن الأشياء كلها دائمة، ثم قال: ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ فكان فيه رد على المجوس الذين زعموا أن الظلمة والنور هما المدبران، وقال: ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ فكان فيه رد على مشركي العرب، ومن دعا دون الله إلهاً.
وأخرج ابن جرير عن أبي روق قال: كل شيء في القرآن (جعل) فهو خلق.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ قال: الكفر والإيمان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ﴾ قال: خلق الله السموات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ قال: كذب العادلون بالله فهؤلاء أهل الشرك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ قال: الظلمات ظلمة الليل، والنور نور النهار ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ قال: هم المشركون.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ قال: يشركون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ قال: الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله تعالى وليس لله عدل، ولا ند، وليس معه آلهة، ولا اتخذ صاحبة ولا ولداً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: على كل فعال، وبكل لسان، وعلى نعم الإسلام، وعلى صحة الأبدان) (١) (٢) (٣) ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ في الفاتحة ما فيه مقنع.
وقوله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ ، قال الزجاج (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ ، قد ذكرنا معاني جعل (٧) ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ﴾ ، و ﴿ جَعَلَ ﴾ هاهنا بمعنى خلق، كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ .
قال ابن عباس: ( ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ ﴾ : ظلمة الشرك، وظلمة النفاق، وظلمة الكفر، وظلمة العصيان، ﴿ وَالنُّورَ ﴾ يريد: نور الإِسلام، ونور الإيمان، ونور النبوة، ونور اليقين) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) قال المفسرون: (الظلمة أقدم من النور، وهي مخلوقة قبل، فلذلك قدمت في الذكر، وكذلك السموات خلقت قبل الأرض) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ يعني: عبدة الأوثان في قول عامة المفسرين (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ ، العدل: التسوية؛ يقال: عدل الشيء بالشيء إذا سواه (١٨) ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ : يشركون به غيره، قاله (١٩) (٢٠) (٢١) وقال الكسائي (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال صاحب النظم (٢٦) ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ دليل على معنى لطيف، وهو أنه عز وجل دل به على إنكاره على الكفار العدل به وعلى تعجب المؤمنين من ذلك، مثال (٢٧) (٢٨) ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ ) (٢٩) (١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 5، وأخرج ابن أبي حاتم 4/ 1258 بسند ضعيف عنه قال: (الحمد: هو الشكر والاستحذاء لله، والإقرار بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك) ا.
هـ.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 143، و"تفسير الماوردي" 2/ 91، و"تفسير القرطبي" 6/ 584، وذكره الخازن في "تفسيره" 2/ 117، عن أهل المعاني.
(٣) لفظ (في): ساقط من (ش).
(٤) الزجاج: أبو إسحاق إبراهيم بن السري البغدادي، إمام أكثر الواحدي من الناقل عنه، وقد تقدمت ترجمته.
(٥) "معاني الزجاج" 2/ 227.
(٦) في (أ): (مائدة بناها)، وعند الزجاج: (مائدة بنا).
(٧) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية جامعة الإِمام 3/ 79 أ.
(٨) ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 151، وأبو حيان في "البحر" 4/ 68، وفي "الدر" للسيوطي 3/ 6.
أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: (الكفر والإيمان).
(٩) ذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 5 - 6، والبغوي في "تفسيره" 3/ 126، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 2، والرازي في "تفسيره" 12/ 151، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 386، والخازن في "تفسيره" 2/ 117.
(١٠) أخرجه الطبري 7/ 143، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1260، بسند جيد.
(١١) "معاني الزجاج" 2/ 227.
(١٢) ذكر قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 151، وقال: (هذا مشكل؛ لأنه حمل للفظ على مجازه، واللفظ الواحد بالاعتبار الواحد لا يمكن حمله على حقيقته ومجازه معًا) ا.
هـ.
والظاهر حمل الآية على ظاهرها، والمراد أنار النهار وأظلم الليل، وهو اختيار الجمهور، قال الإمام أحمد في كتاب "الرد على الجهمية والزنادقة" ص 107؛ (يعني خلق الظلمات والنور)، وقال ابن عطية 5/ 121: (قالت فرقة: الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان، وهذا غير جيد؛ لأنه أخرج لفظٌ بيّن في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى باطن لغير ضرورة، وهذا هو طريق اللغز الذي برئ القرآن منه، والنور أيضًا هنا للجنس فإفراده بمثابة جمعه) ا.
هـ.
وانظر "تفسير الطبري" 7/ 143، والسمرقندي 1/ 473، والماوردي 2/ 92 ، و"البحر" 4/ 68.
(١٣) هذا قول قتادة أخرجه الطبري 7/ 143، وابن أبي حاتم 4/ 1259، بسند جيد، وقال السمين في "الدر" 4/ 524: (قدمت الظلمات لأنه موافق في الوجود؛ إذ الظلمة قبل النور عند الجمهور) ا.
هـ.
والراجح عند الجمهور أن خلق الأرض قبل خلق السماء.
قال ابن كثير في تفسيره 1/ 73: (هذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله الطبري عن قتادة وتوقف في ذلك القرطبي) ا.
هـ ملخصًا.
وانظر "تاريخ الطبري" 1/ 32 - 36، وتفسيره 1/ 192 - 194، و"الكشاف" 1/ 271، و"زاد المسير" 1/ 57، و"تفسير القرطبي" 1/ 255، و"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" للشنقيطي ص 14 - 16.
(١٤) انظر الطبري في "تفسيره" 7/ 144، والسمرقندي 1/ 473، وابن كثير 2/ 139، والظاهر أنها عامة في سائر أصناف الكفار، وهو اختيار الطبري في "تفسيره"، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 122.
(١٥) في تنوير المقباس 2/ 3، قال: (يعدلون به الأصنام).
(١٦) لفظ: (الموت) ساقط من (أ)، وفي (ش): (والموات).
(١٧) معاني الزجاج 2/ 227.
(١٨) انظر: "العين" 2/ 38، و"الجمهرة" 663، و"الصحاح" 5/ 1761، و"المجمل" 3/ 651، و"مقاييس اللغة" 4/ 246، و"المفردات" ص 551، و"اللسان" 5/ 2840 (عدل).
(١٩) "تفسير مجاهد" ص 211، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 144، وابن أبي حاتم 4/ 1260 من طرق جيدة.
(٢٠) تقدمت ترجمته.
(٢١) "تهذيب اللغة" 3/ 2360 (عدل).
(٢٢) الكسائي: علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، تقدمت ترجمته.
(٢٣) لفظ: (به) ساقط من (ش).
(٢٤) "معاني النحاس" 2/ 398، و"تهذيب اللغة" 3/ 2360 (عدل).
(٢٥) قال الشنقيطي في "تفسيره" 2/ 180: (في قوله تعالى: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ وجهان للعلماء، أحدهما: أنه من العدول عن الشيء بمعنى الانحراف والميل عنه، وعلى هذا فقوله: ﴿ بِرَبِّهِمْ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ كَفَرُوا ﴾ ...
والثاني: أن الباء متعلقة بـ"يعدلون" والمعنى يجعلون له نظيرًا في العبادة، وهذا الوجه هو الذي يدل عليه القرآن).
وهذا اختيار ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 139.
(٢٦) صاحب النظم هو: الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني، أبو علي، له كتاب "نظم القرآن" مفقود.
(٢٧) في (ش): (مثل).
(٢٨) أفاد الجمهور أن (ثم) تفيد الإنكار والتوبيخ والاستبعاد والتراخي بين الرتبتين، فهي تفيد الإنكار والتوبيخ على قبح الكفر واستبعاد أن يعدلوا به غيره بعد وضوح آيات قدرته، إذ يبعد من العاقل الناظر بعد إقامة الأدلة اختيار الباطل، ولو كان العطف بالواو لم يلزم ذلك كلزومه بثم.
انظر: "تفسير البغوي" 3/ 126، وابن عطية 5/ 122، والرازي 11/ 151، والقرطبى في "تفسيره" 6/ 387، و"البحر" 4/ 68، و"الدر المصون" 4/ 524.
(٢٩) لم أقف عليه.
وقال الكرماني في "غرائب التفسير" 1/ 351: (ثم) تتضمن الإنكار على الكفار والتعجب للمؤمنين، وكذلك قوله: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ ) ا.
هـ.
وقال الزمخشري في "الكشاف" 2/ 4: ( ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ استبعاد؛ لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم) ا.
هـ.
<div class="verse-tafsir"
قال كعب: أول الأنعام هو أول التوراة ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور ﴾ جعل هنا بمعنى خلق، والظلمات: الليل، والنور النهار، والضوء الذي في الشمس والقمر وغيرهما، وإنما أفرد النور لأنه أراد الجنس، وفي الآية رد على المجوس في عبادتهم للنار وغيرها من الأنوار، وقولهم: إن الخير من النور والشر من الظلمة؛ فإن المخلوق لا يكون إلهاً ولا فاعلاً لشيء من الحوادث ﴿ ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ أي يسوون ويمثلون من قولك: عدلت فلاناً بفلان، إذا جعلته نظيره وقرينه.
ودخلت ثم لتدل على استبعاد أن يعدلوا بربهم بعد وضوح آياته في خلق السموات والأرض، والظلمات والنور وكذلك قوله: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه أحياهم وأماتهم، وفي ضمن ذلك تعجيب من فعلهم وتوبيخ لهم ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ هنا عام في كل مشرك.
وقد يختص بالمجوس بدليل الظلمات والنور، وبعبدة الأصنام، لأنهم المجاورون للنبي صلى الله عليه وسلم، وعليهم يقع الردّ في أكثر القرآن ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ﴾ أي خلق أباكم آدم من طين ﴿ ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ﴾ الأجل الأول الموت، والثاني يوم القيامة وجعله عنده: لأنه استأثر بعلمه، وقيل: الأوّل النوم، والثاني: الموت، ودخلت ثم هنا لترتيب الأخبار، لا لترتيب الوقوع، لأن القضاء متقدم على الخلق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وأنشأنا ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.
﴿ ولقد استهزىء ﴾ وبابه بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز مطلقاً ﴿ فحاق ﴾ بالإمالة حيث كان حمزة.
الوقوف: ﴿ والنور ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ أجلاً ﴾ ط ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض ﴾ ج وقيل: لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض.
﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مدراراً ﴾ ص لعطف المتفقين ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ عليه ملك ﴾ ط ﴿ لا ينظرون ﴾ ه ﴿ يلبسون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس أن رسول الله قال "نزلت الأنعام جملة واحدة وتنزلت، معها من الملائكة سبعون ألف ملك فملؤا ما بين الأخشبين" فدعا رسول الله الكتاب فكتبوها من ليلتهم سوى آيات معدودات.
وعن أنس أن رسول الله قال "لقد بعث إليّ بها جبريل مع خمسين ملكاً أو خمسين ألف ملك تحفها حتى أقروها في صدري كما يقرّ الماء في الحوض ولقد أعزني الله وإياكم بها عزاً لا يذلنا بعدها أبداً فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه" ولاشتمال هذه السورة على دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد ولنزولها جملة ذهب علماء الكلام إلى أن علم الأصول مع جلالة قدره يجب تعلمه على الفور لا على التراخي بخلاف الأحكام فإنها نزلت كفاء المصالح وبحسب الحوادث والنوازل.
وأعلم أن قوله ﴿ الحمد لله ﴾ مذكور في أوائل سور خمس واختص كل منها بصفة، لكن أعمها صدر فاتحة الكتاب ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ فإن العالم كل موجود سوى الله فكان سائر السور تفاصيل لهذه الجملة.
أثنى الله على نفسه بقوله ﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ﴾ والثناء على النفس قبيح في الشاهد ففيه دليل على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق، فكما أنه واحد في ذاته فهو واحد في صفاته وأفعاله لا اعتراض لأحد عليه.
والتحقيق فيه أن استحقاق المدح بحسب الفضيلة والكمال ولا يوجد في الممكن صفة كمال إلا وهي مشوبة بالنقص والاختلال أدناه الأفول في أفق الإمكان بخلاف واجب الوجود فإنه لا غاية لكماله ولا نهاية لعظمته وجلاله.
فلا ينبغي أن يمدح إلا هو، ولا أن يثنى إلا عليه، ولا أن يشكر ويحمد إلا له.
ثم الأوصاف الجارية عليه إنما تذكر زيادة في المدح لا لأجل التوضيح والكشف.
أساميا لم تزده معرفة *** وإنما لذة ذكرناها وقد تقدم في الأسماء أن معنى الخلق راجع إلى التقدير والتقدير عائد إلى العلم، فالمراد أنه أوجد السموات والأرض على حسب علمه الأزلي.
قال بعض العلماء: السماء كالدائرة والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها فلهذا ذكر السماء قبل الأرض مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء.
وجمع السموات حقيقة وكذا إفراد الأرض، وقد تجمع الأرض باعتبار الطبقات وسوف يجيء تقرير ذلك في قوله ﴿ ومن الأرض مثلهن ﴾ والمقصود من هذا الوصف إلزام المشركين، وأن تخصيص حجم الفلك بمقدار معين وتخصيص كل من أجزائه بحيز معين وتخصيص الفلك بالحركة والأرض بالسكون مع اشتراكهما في الطبيعة الجسمية، وتخصيص كل حركة بحد معين من السرعة والبطء وبجهة معينة دلائل ظاهرة على وجود فاعل مختار واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله.
وأيضاً إن لحركة كل فلك أوّلاً لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة فتقتضي المسبوقية بالغير، وعدم الأولية ينافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال.
وإذا ثبت أن لكل حركة أوّلاً فاختصاص ابتداء حدوثه بوقت معين يدل على الفاعل المختار وكذا اتصاف بعض الأجسام بالفلكية وبعضها بالعنصرية مع تساوي الكل في تمام الماهية.
وأيضاً إن خارج العالم الجسماني خلاء لا نهاية له كما ثبت في الكلام، فحصول هذا العالم في حيزه الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر ممكن يحتاج إلى مرجح قادر مختار حكيم يفعل ما يشاء كما يشاء.
هذا إذا نظرنا في ذوات هذه الأجرام، أما إن اعتبرنا منافعها وكيفية تأثير الأثيريات وهي - الآباء - في العنصريات - وهي الأمهات - لتحصيل المواليد الثلاثة: المعادن والنباتات والحيوانات، ارتقينا من ذلك أيضاً إلى وجود صانع قدير وحكيم خبير رتبته أعلى وأجل من رتب الممكنات.
أما قوله ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ فمعناه أحدث وأنشأ، ولهذا اقتصر على مفعول واحد، ولو كان بمعنى "صير" اقتضى مفعولين.
وإنما لم يقل "وخلق" لأنه أراد التضمين أعني إنشاء شيء من شيء كقوله ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ فالنور والظلمة لما تعاقبا صار كأن كل واحد منهما تولد من الآخر.
وقيل: لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار، ولهذا جمع الظلمات إذ لكل حرم ظل والظل ظلمة.
ووحد النور لأن النار واحد وهو منها، والظلمة والنور ههنا هما الأمران المحسوسان بالبصر، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة والقرينة ذكر السموات والأرض.
وعن ابن عباس أن الظلمة ظلمة الشرك والنفاق، والنور نور الإسلام واليقين، وعلى الأوّل فإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً وتلك المراتب كثيرة، أو لأنه قصد بالنور الجنس.
وعلى الثاني فذلك لأن الحق واحد والباطل أكثر من أن يحصى.
وإنما قدمت الظلمة على النور لأن عدم المحدثات سابق على وجودها، والظلمة عدمية عند من يجعلها عدم النور أو شبيهة بالعدم عند من يجعلها هيئة مضادة للنور.
وقد ورد في الأخبار أن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.وقوله: ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ معطوف على قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ والمعنى أنه حقيق بالحمد على ما خلق ثم الذين كفروا يعدلون عن طريق الإنصاف فيكفرون بربهم، أو على ﴿ خلق السموات ﴾ معناه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون أي يسوّون به ما لا يقدر على شيء من ذلك.
فعلى المعنى الأول يعدلون من العدول، وعلى الثاني هو من العدل.
ومعنى "ثم" ههنا وفي قوله ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ تراخي الرتبة واستبعاد مضموني الجملتين أحدهما عن الآخر.
ثم ذكر دليلاً آخر على إثبات الصانع وعلى صحة المعاد الجسماني فقال ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ أي من آدم لأنه مخلوق من الطين، أو خلقكم من النطفة المتولدة من الأغذية المنتهية إلى العناصر، ولا ريب أن خلق الأغذية المتنوعة من العناصر المتشابهة الأجزاء، ثم توليد النطفة المتشابهة الأجزاء من تلك الأغذية المختلفة، ثم تخليق الأعضاء المختلفة في الصفة والصور واللون والشكل كالقلب والدماغ والكبد والعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها من المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم.
ثم إن تلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها وذلك يدل على صحة القول بالمعاد.
أما قوله ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ فاعلم أن لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ وبمعنى الخبر والإعلام ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ وبمعنى صفة الفعل إذا تم ﴿ فقضاهن سبع سموات ﴾ ومنه قولك: قضى فلان حاجة فلان.
والأنسب ههنا هو الأول.
والأجل في اللغة بمعنى الوقت المضروب لانقضاء الأمد.
وأصله من التأخير ومنه الآجل نقيض العاجل.
ثم إن صريح الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان.
فقال أبو مسلم: الأول آجال الماضين لأنهم لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، والثاني آجال الباقين لأنها غير معلومة بعد وإنما هي مسماة عند الله .
وقيل: الأول أجل الموت، والثاني أجل القيامة لأنه لا آخر له ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله .
وقيل: الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ.
وقيل: الأول النوم، والثاني الموت.
وقيل: الأول مقدار ما انقضى من عمل كل أحد، والثاني ما بقي من عمره.
وقال حكماء الإسلام: الأول الأجل الطبيعي الذي يمكن بالنسبة إلى المزاج الأول لكل شخص لو بقي مصوناً عن الآفات الخارجية، والثاني الأجل الاخترامي الذي يحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق والقتل واللدغ وغيرها من الأمور المنفصلة.
ومعنى ﴿ مسمى ﴾ أي مذكور اسمه في اللوح المحفوظ.
ومعنى ﴿ عنده ﴾ أي في حكمه وعلمه كما تقول: هذه المسألة عند الشافعي كذا وعند أبي حنيفة كذا.
وارتفع ﴿ أجل ﴾ بالابتداء وجاز ذلك مع تنكيره لمكان وصفه فقارب المعرفة.
وإنما لم يقل "وعنده أجل مسمى" تعظيماً لشأن هذا الأجل فكأنه قيل: وأي أجل مسمى عنده؟
والمرية والامتراء الشك.
ومعنى "ثم" تبعيد الامتراء عن مثل هذه الحجة الباهرة الموجبة للتيقن في أمر المبدأ والمعاد، ثم قرر أنه عالم بجميع المعلومات ردّاً على من زعم أنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو فقال ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض ﴾ وزعمت المجسمة بهذا وبنحو قوله ﴿ أم أمنتم من في السماء ﴾ أنه مستقر في السماء قالوا: ويؤكده وقف بعض القراء على السموات والابتداء بقوله ﴿ وفي الأرض يعلم سركم ﴾ أي يعلم سرائركم الموجودة في الأرض.
ولو سلم أن لا وقف فالإجماع حاصل على أنه ليس موجوداً في الأرض، ولا يلزم من ترك العلم بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من دليل.
ونوقض بأنه قال في مواضع ﴿ لله ما في السموات ﴾ فلو كان هو في السماء لزم أن يكون مالكاً لنفسه، ولا يخفى ضعف هذا النقض لأنه مخصوص بالقرينة كقوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ وبأنه إما أن يراد كونه في سماء واحدة وهو ترك الظاهر، أو في جميع السموات وهو يقتضي كونه ذا أجزاء أو حصول المتحيز الواحد في مكانين وكلاهما محال.
والحق أنه لا يلزم من استصحاب المكان الافتقار إليه ولا التجسيم والتجزئة وهو دقيق يفهمه من وفق له، وبأنه لو كان موجوداً في السموات لكان محدوداً متناهياً فيكون قابلاً للزيادة والنقصان، فيكون اختصاصه بمقدار معين لمخصص فيكون محدثاً.
ويرد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون في السموات وفوقها إلى ما لا يتناهى لا سيما عند من يقول إن وراء هذا العالم خلاء غير متناه، وبأنه لو كان في السموات فإن لم يقدر عل عالم آخر فوقها لزم تعجيزه، وإن قدر فلو فعل لحصل تحت ذلك العالم والقوم ينكرون كونه تحت العالم، والاعتراض أنه لا يلزم من القدرة الإيجاد، وقال غير المجسمة: المراد وهو الله في تدبير السموات والأرض كما يقال: فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاحه.
وعلى هذا يكون ﴿ في السموات ﴾ خبراً بعد خبر، ويوقف على اسم الله ثم يبتدأ بما بعد ذلك ويكون المعنى أنه يعلم في السموات والأرض سرائر الملائكة والإنس والجن، أو المراد وهو المعبود فيهما، أو المعروف بالإلهية أو المتوحد بها، أو هو الذي يقال له الله فيهما لا شريك له في هذا الإسم.
والسر من صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف، والجهر من أعمال الجوارح، ولأن الأول مقدم على الثاني طبعاً فلا جرم قدم عليه وضعاً.
والجملة أعني قوله ﴿ يعلم سركم وجهركم ﴾ مقررة لما قبلها أو خبر ثالث أو كلام مبتدأ.
﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ الكسب أخص من الأعمال السرية والجهرية لأنه الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو اندفاع ضر ولهذا لا يوصف فعل الله بأنه كسب.
وإفراد الأخص بالذكر بعد الأعم للتقرير والتأكيد، أو لكونه أهم حسن لا يلزم منه عطف الشيء على نفسه.
والمراد أنه عالم بما يستحقه الإنسان على أفعاله من ثواب أو عقاب.
ثم لما فرغ من دلائل التوحيد والمعاد شرع في النبوات فرتب أحوال الكفار مع الأنبياء في ثلاث مراتب: الأولى كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل وذلك قوله ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ﴾ "من" الأولى للاستغراق والثانية للتبعيض.
والمراد وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا وهم على حالة الإعراض لقلة تدبرهم وفرط غفلتهم.
الثانية: كونهم مكذبين وهذه شر مما قبلها لأن الإعراض قد يكون للغفلة لا للتكذيب وإذا كذب فقد أعرض وزاد.
قال علماء المعاني: ههنا حذف كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وهو الحق.
قال أنس: هو انشقاق القمر بمكة انفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة.
وقيل: هو القرآن الذي تحدّوا به فعجزوا عنه.
وقيل: محمد .
وقيل شرعه.
وقيل: وعده ووعيده وتبشيره وإنذاره.
والأولى الحمل على الكل.
المرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين لأن التكذيب إذا انضم معه الاستهزاء كان غاية في الغواية وذلك قوله ﴿ فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا ﴾ أي أخبار الشيء الذي كانوا ﴿ به يستهزؤن ﴾ وهو القرآن وغيره من المعجزات.
وليس المراد نفس الأنباء بل العذاب الذي أنبأ الله به كقوله ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ والحكيم إذا توعد فربما قال: ستعرف نبأ هذا إذا نزل بك ما تحذره.
وذلك أن الغرض من الخبر حصول العلم بالمخبر عنه وذلك إنما يتحقق بعد المعاينة.
ومعنى الآية سيعلمون بأي شيء استهزؤا وأنه لم يكن موضع استهزاء وذلك عند نزول العقاب بهم في الدنيا كيوم بدر وغيره أو في الآخرة.
ثم لما زجرهم عن الإعراض والتكذيب والاستهزاء وأوعدهم على ذلك عاد إلى الموعظة والنصيحة بتذكير أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية.
والقرن القوم المقترنون في زمان من الدهر المفترقون بعد ذلك بالموت وذلك الزمان في الأغلب ستون سنة.
وقيل: سبعون.
وقيل: ثمانون.
والأقرب أنه غير مقدر بزمان لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ولكنه إذا انقضى الأكثر من أهل كل عصر فقد انقضى القرن.
وليس المراد أن يصدّق الكفار محمداً في هذه الأخبار لانهم بصدد التكذيب فسيكذبونه فيها أيضاً، وإنما المراد أن ما يختص بالمتقدمين منهم مشهور بين الناس فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا تلك الحكايات ومجرّد سماعها يكفي في الاعتبار.
ثم وصف تلك القرون بثلاثة أوصاف: الأول: تمكينهم في الأرض.
مكن له في الأرض جعل له مكاناً، ومكنه فيها أثبته، وهما متقاربان ولهذا جمع بينهما في الآية.
والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما آتينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال وأسباب الدنيا.
الثاني: إرسال السماء عليهم مدراراً يعني الغيث أو السحاب أو الخضراء، لأن المطر ينزل من ذلك الصوب والمدرار كثير الدرّدرّ اللين إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير.
ومدراراً نعت المطر ويقال أيضاً سحاب مدراراً إذا تتابع أمطاره.
ومفعال من أبنية المبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث.
الثالث ﴿ وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ﴾ أي من تحت أمكنتهم والمراد أنهم أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات.
فإن قيل: الهلاك غير مختص بهم وإنما يجري ذلك على الأنبياء والمؤمنين أيضاً، قلنا: لدفع هذا الإشكال كرر فقال ﴿ فأهلكناهم بذنوبهم ﴾ فإن الإهلاك بسبب المعاصي والآثام لا يكون إلا بالعذاب والإيلام.
ثم نبه بقوله ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ﴾ على كمال عزته واستغنائه ونهاية قدرته واستعلائه كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ فالبلاد بلاده والعباد عباده بيده التخريب والتعمير وإليه الإعدام والإيجاد.
ثم ان الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف متعددة.
منهم من بالغ في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها على وفق هواه ومناه لا على قانون الخير والعدل فمنعه ذلك عن التزام التكاليف وهو المذكور في الآية، وفيه أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باقٍ، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات الفانية.
ومنهم من حملته العصبية والعناد على تكذيب معجزات الأنبياء وجعلها من قبيل السخر الذي لا أصل له وهم الذين عنوا بقوله ﴿ ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس ﴾ والمعنى أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عياناً لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر.
وههنا سؤال وهو أن نزول الكتاب من السماء جملة إن لم يكن باب المعجزات لم يكن إنكاره منكراً، وإن كان من قبيل الإعجاز فالملك يقدر على إنزاله من السماء وقبل الإيمان بصدق الرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة، وحينئذ يجوز أن يكون نزول ذلك من قبل بعض الجن والشياطين، أو من بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم فلا يكون دليلاً على الصدق.
وأجيب بأن المقصود من الآية ليس بيان الإعجاز، ولكن المراد أنهم إذا لمسوه بأيديهم يقوى الإدراك البصري بالإدراك اللمسي وبلغ الغاية في القوة والظهور.
ثم إن هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة.
قال القاضي: في الآية دليل على وجوب اللطف لأنه بيَّن أنه إنما لم ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول فيفهم منه أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة، وزيف بأن المفهوم ليس بحجة، ولو سلم فوقوع اللطف لا يدل على وجوبه.
ومن الكفرة من قابل النبوات بإيراد الشبهات والاقتراحات.
قال الكلبي: إن مشركي مكة قالوا: يا محمد والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله وذلك قوله ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ فأجاب الله عن مقترحهم بقوله ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ ومعنى القضاء الإتمام والإلزام كما مر.
وتقرير الجواب أن إنزال الملك على البشر آية باهرة وحينئذ ربما لم يؤمنوا فيجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال، أو لعلهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم.
ألا ترى أن رسول الله لما رأى جبرائيل على صورته الأصلية غشي عليه؟
وأن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشرة كأضياف إبراهيم ولوط، وكالذين تسوّروا المحراب، وأن جبرائيل تمثل لمريم بشراً سوياً؟
وفائدة ثمَّ أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجاة الشدة أفظع من نفس الشدة.
ثم إنهم كانوا يطعنون في نبوة محمد من جهة أخرى وهي أنه بشر مثلهم ويقولون: ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً ﴾ وتقرير الشبهة أن الرسل إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر وقدرتهم أشد ومهابتهم أعظم وامتيازهم عن الخلق أكمل والاشتباه في نبوتهم ورسالتهم أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم اختار ما هو أسرع إفضاء إلى المطلوب، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ ولو جعلناه ﴾ أي الرسول ﴿ ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ لأن إنزال الملك آية ظاهرة جارية مجرى الإلجاء وإزالة الاختيار وذلك منافٍ لغرض التكليف، ولأن الجنس إلى الجنس أميل، ولأن البشر لا يطيق رؤية الملك، ولأن طاعات الملك كثيرة فيحقرون طاعات البشر ويستعظمون إقدامهم على المعاصي فلا يصبرون معهم، ولأن إنزال الملك يقوي الشبهة من وجه آخر وذلك أن أيّ معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة لفعلنا مثل ما فعلت.
ثم قال ﴿ وللبسنا عليهم ما يلبسون ﴾ لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً ومنه لبس الثوب لأنه يفيد الستر.
والمعنى إذا جعلنا الملك في صورة البشر كان فعلنا نظيراً لفعلهم في التلبيس، وإنما كان ذلك لبساً لأن الناس يظنونه ملكاً مع أنه ليس بملك، أو يظنونه بشراً مع أنه ليس ببشر وإنما كان فعلهم لبساً لأنهم يخلطون على أنفسهم ويقولون إن البشر لا يصلح للرسالة فلا ينقطع السؤال أبداً ويبقى الأمر في حيز الاشتباه.
وعلى هذا التفسير يكون قوله ﴿ ما يلبسون ﴾ مفعولاً مطلقاً.
ويجوز أن يراد ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فيكون مفعولاً به يعني أن القوم إذا رأوا الملك في صورة الإنسان اشتبه الأمر عليهم، وإذا كنا قد فعلنا ذلك كان اللبس منسوباً إلينا.
ثم إنه وتعالى سلى رسول الله عما يلقى من قومه بقوله ﴿ ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق ﴾ أي نزل.
وقال الفراء: عاد عليهم والتركيب يدور على الإحاطة ومنه الحوق بالضم ما استدار بالكمرة ﴿ ما كانوا ﴾ أي الشيء الذي كانوا يستهزؤن به وهو الحق الذي جاء به محمد ، أسند الحق إليه حيث أهلكوا لأجل الاستهزاء به.
ويحتمل أن يراد بلفظة "ما" العذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وهم يستهزؤن بذلك، ثم أمر رسوله بأن يقول لهم: لا تغتروا بما وجدتم من زخارف الدنيا وسيروا في الأرض لتشاهدوا آثار الأمم السالفة الذين كذبوا رسلهم ونزل بهم ما نزل فإن الأسفار تورث الاعتبار وتفيد الاستبصار.
واعلم أنه قال ههنا ﴿ ثم انظروا ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فانظروا ﴾ فالفاء لمجرد اعتبار ترتيب النظر على السير.
وثم لتباعد ما بين المباح والواجب فإن السير مباح والنظر واجب.
وأيضاً شتان بين السير الصوري بقدم الأشباح وبين السير المعنوي بقدم الأرواح والله أعلم.
التأويل: حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب وأرض النفوس وجعل الظلمات.
أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم قال ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ وحيث أراد معناه قال ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلاً لربهم ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ للروح المفارق عن حضرته لأيام فراقه ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق وهذا محال ﴿ وهو الله ﴾ في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي أودع فيكم ﴿ وجهركم ﴾ الذي يظهر عنكم ﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر ﴿ من آية من آيات ربهم ﴾ في الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات والطاعات.
وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدراراً متوالياً، وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين ﴾ من الطلاب الصادقين التائبين المستقيمين ﴿ لجعلناه رجلاً ﴾ ليفهموا خطابه ويكون واقفاً على الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ﴾ قل سيروا في أرض النفوس بقدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ الحمد: هو الثناء عليه بما صنع إلى خلقه من الخير.
ألا ترى أن الذم نقيضه في: الشاهد، ويحمد المرء بما يصنع من الخير، ويذم على ضده.
فالتحميد: هو تمجيد الرب، والثناء عليه، والشكر له بما أنعم عليهم.
والتسبيح: هو تمجيد الرب وتنزيهه عما قالت الملحدة فيه من الولد وغيره.
والتهليل: هو تمجيد الرب وتنزيهه عما جعلوا له من الشركاء والأضداد، والوصف له بالوحدانية والربوبية.
والتكبير: هو تمجيد الرب والوصف له بالعظمة والجلال، وتنزيهه عمّا وصفوه بالعجز والضعف عن أن يكون ينشىء من العظام البالية خلقاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ﴾ .
سفههم - عز وجل - بما جعلوا له من الشركاء والأضداد على إقرار منهم أنه خلق السماوات والأرض، ولم يجعلوا له شركاء في خلقهما، وعلى علم منهم أنه تُعَلَّق منافع الأرض بمنافع السماء، مع بعد ما بينهما كيف جعلوا شركاء يشركونهم في العبادة والربوبية؟!.
وقوله - -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ﴾ .
قال الحسن: الظلمات والنور: الكفر والإيمان.
وقال غيره من أهل التأويل: الليل والنهار في الحقيقة ما يكشف عما استتر من الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب.
والظلم ما يستر ويغطي على الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب، فالظلمة تجعل كل شيء مستوراً عليه، والنور يجعل كل شيء كان مستوراً عليه ظاهراً بادياً، هذا هو تفسير الظلمة والنور حقيقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ قيل: يشركون مع ما بيَّن لهم ما يدل على وحدانية الرب وربوبيته، أي: جعلوا كل ما يعبدونه دون الله عديلا لله، وأثبتوا المعادلة بينه وبين الله - - وليس لله - - عديل، ولا نديد، ولا شريك، ولا ولد، ولا صاحبة، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
وقال الحسن: ﴿ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يكذبون.
وقوله - -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ أي: خلق آدم أبا البشر من طين، فأما خلق بني آدم من ماء؛ كقوله : ﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴾ أخبر الله - - أنه خلق آدم من الطين، وخلق بني آدم، سوى عيسى - من النطفة، وخلق عيسى - - لا من الطين ولا من الماء؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الخلق لا من شيء، وأنه لا اختصاص للخلق بشيء، ولا ينكرون - أيضاً - إنشاء الخلق وإحياءهم وموتهم، وذلك لأنه لا يخلو؛ إما أن صاروا تراباً أو ماء، أو لا ذا ولا ذا، فإذا رأوا أنه خلق آدم من الطين، وخلق سائر الحيوان من الماء، وخلق عيسى - - لا من هذين، كيف أنكروا إنشاء الخلق بعد الموت، وهو لا يخلو من هذه الوجوه التي ذكرنا؛ فيكون دليلا على منكري البعث بعد الموت، على الدهرية في إنشاء الخلق لا من شيء؛ فإنهم ينكرون ذلك ويحيلونه؛ ولهذا وقعوا في القول بقدم العالم، والله الهادي.
ويحتمل قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ﴾ أن يراد به في حق جميع بني آدم، وأضاف خلقنا إلى الطين، وكأن الخلق من الماء؛ لما أُبقِيَ في خلقنا من قوة ذلك الطين الذي في آدم وأثره، وإن لم يُرِه تلك القوة وذلك الأثر، وهذا كما أن الإنسان يرى أنه يأكل، ويشرب، ويغتذي، ويحصل به زيادة قوة في سمعه وبصره، وفي جميع جوارحه، وقد يحيا بها جميع الجوارح، وإن لم ير تلك القوة، فكذلك هذا.
ويحتمل - أيضاً - على ما روي في القصة أنه يمازج مع النطفة شيئاً من التراب، فيؤمر الملك بأن يأخذ شيئاً من التراب من المكان الذي حكم بأن يدفن فيه، فيخلط بالنطفة، فيصير علقة ومضغة، فإنما نسبهم إلى التراب لهذا.
ويحتمل النسبة إلى التراب وإن لم يكونوا من التراب؛ لما أن أصلهم من التراب، وهو آدم.
وقوله - -: ﴿ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ فالقضاء يتوجه إلى وجوه كلها ترجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه، وقد يكون لابتداء فعل وإنشائه؛ كقوله - -: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ﴾ [ويقال: قضيت هذا الثوب، أي: عملته وأحكمته.
وقد يكون بمعنى الأمر؛ قال الله - -: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ أي: أمر ربك؛ لأنه أمر قاطع حتم.
وقد يكون بمعنى الإعلام؛ قال - -: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: أعلمناهم إعلاماً قاطعاً.
وقد يكون لبيان الغاية [والانتهاء عنه والختم؛ كقوله - -: ﴿ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً ﴾ أي: ختم ذلك وأتمه، وقد] يكون غير ما ذكرنا.
ثم قوله: ﴿ قَضَىۤ أَجَلاً ﴾ يحتمل هذا كله سوى الأمر.
ثم قوله: ﴿ قَضَىۤ أَجَلاً ﴾ قيل: هو الموت، ﴿ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ﴾ يوم القيامة، أطلعنا على أحد الأجلين وهو الموت؛ لأنا نرى من يموت ونعاين، ولم يطلعنا على الآخر وهو الساعة والقيامة.
وقيل: ﴿ قَضَىۤ أَجَلاً ﴾ : أجل الدنيا من خلقك إلى أن تموت، ﴿ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ﴾ يوم القيامة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ .
أي: تشكون وتكذبون بعد هذا كله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ ﴾ هذا - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ فإذا كان خالقهما لم يَشْرَكْهُ أحد في خلقهما، كان إله من في السماوات وإله من في الأرض لم يَشْرَكْهُ أحد في ألوهيته، ولا في ربوبيته.
ويحتمل قوله: ﴿ وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: [إلى الله تدبير] ما في السماوات وما في الأرض، وحفظهما إليه؛ لأنه هو المتفرد بخلق ذلك كله؛ فإليه حفظ ذلك وتدبيره.
وقوله: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ﴾ اختلف فيه.
قيل: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ﴾ : ما تضمرون في القلوب ﴿ وَجَهْرَكُمْ ﴾ : ما تنطقون، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ : من الأفعال التي عملت الجوارح؛ أخبر أنه يعلم ذلك كله؛ ليعلموا أن ذلك كله يحصيه ليحاسبهم على ذلك؛ كقوله: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ ﴾ أخبر أنه يحاسبهم بما أبدوه وما أخفوه، فعلى ذلك الأول قد أفاد أن ذلك كله يحصيه عليهم، ويحاسبهم في ذلك؛ ليكونوا على حذر من ذلك وخوف.
وقيل: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ﴾ : ما خلق فيهم من الأسرار، من نحو السمع، والبصر وغيرهما؛ لأن البشر لا يعرفون ماهية هذه الأشياء وكيفيتها، ولا يرون ذلك كما يرون غيرها من الأشياء، ولا يعرفون حقائقها؛ أخبر أنه يعلم ذلك وأنتم لا تعلمون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَهْرَكُمْ ﴾ أي: الظواهر منكم، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ : من الأفعال والأقوال.
<div class="verse-tafsir"
الوصف بالكمال المطلق، والثناء بالمحاسن العليا مع المحبة، ثابت لله الذي خلق السماوات وخلق الأرض من غير مثال سابق، وخلق الليل والنهار يَتَعاقبان، الليل خلقه للظلام، والنهار خلقه للنور، ومع هذا فالذين كفروا يُسوُّون به غيره، ويجعلونه شريكًا له.
<div class="verse-tafsir" id="91.k6Vyr"