الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١١٢ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 112 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : وكما جعلنا لك - يا محمد - أعداء يخالفونك ، ويعادونك جعلنا لكل نبي من قبلك أيضا أعداء فلا يهيدنك ذلك ، كما قال تعالى : ( فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك ) [ آل عمران : 184 ] ، وقال تعالى : ( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ) [ الأنعام : 34 ] ، وقال تعالى : ( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ) [ فصلت : 43 ] ، وقال تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا ) [ الفرقان : 43 ] .
وقال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي .
وقوله : ( شياطين الإنس والجن ) بدل من ) عدوا ) أي : لهم أعداء من شياطين الإنس والجن ، ومن هؤلاء وهؤلاء ، قبحهم الله ولعنهم .
قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله تعالى ( شياطين الإنس والجن ) قال : من الجن شياطين ، ومن الإنس شياطين ، يوحي بعضهم إلى بعض ، قال قتادة : وبلغني أن أبا ذر كان يوما يصلي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " تعوذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن " فقال : أو إن من الإنس شياطين ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم " .
وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر وقد روي من وجه آخر عن أبي ذر ، رضي الله عنه ، قال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا أبو صالح ، حدثني معاوية بن صالح ، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة ، عن ابن عائذ ، عن أبي ذر قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس ، قال ، فقال : " يا أبا ذر ، هل صليت؟
" قال : لا يا رسول الله .
قال : " قم فاركع ركعتين " قال : ثم جئت فجلست إليه ، فقال : " يا أبا ذر ، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس؟
" قال : قلت : لا يا رسول الله ، وهل للإنس من شياطين؟
قال : " نعم ، هم شر من شياطين الجن " وهذا أيضا فيه انقطاع وروي متصلا كما قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا المسعودي ، أنبأني أبو عمر الدمشقي ، عن عبيد بن الخشخاش ، عن أبي ذر قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد ، فجلست فقال : " يا أبا ذر هل صليت؟
" قلت : لا .
قال : " قم فصل " قال : فقمت فصليت ، ثم جلست فقال : " يا أبا ذر ، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن " قال : قلت يا رسول الله ، وللإنس شياطين؟
قال : " نعم " .
وذكر تمام الحديث بطوله .
وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره ، من حديث جعفر بن عون ، ويعلى بن عبيد ، وعبيد الله بن موسى ، ثلاثتهم عن المسعودي ، به .
طريق أخرى عن أبي ذر : قال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا الحجاج ، حدثنا حماد ، عن حميد بن هلال ، حدثني رجل من أهل دمشق ، عن عوف بن مالك ، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أبا ذر ، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟
" قال : قلت يا رسول الله ، هل للإنس من شياطين؟
قال : " نعم " .
طريق أخرى للحديث : قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا معان بن رفاعة ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا ذر تعوذت من شياطين الجن والإنس؟
" قال : يا رسول الله ، وهل للإنس من شياطين؟
قال : " نعم ، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " فهذه طرق لهذا الحديث ، ومجموعها يفيد قوته وصحته ، والله أعلم .
وقد روى ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبو نعيم ، عن شريك ، عن سعيد بن مسروق ، عن عكرمة : ( شياطين الإنس والجن ) قال : ليس من الإنس شياطين ، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس ، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن .
قال : وحدثنا الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا إسرائيل ، عن السدي ، عن عكرمة في قوله : ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) قال : للإنسي شيطان ، وللجني شيطان فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن ، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا .
وقال أسباط ، عن السدي ، عن عكرمة في قوله : ( يوحي بعضهم إلى بعض ) في تفسير هذه الآية : أما شياطين الإنس ، فالشياطين التي تضل الإنس ، وشياطين الجن الذين يضلون الجن ، يلتقيان ، فيقول كل واحد منهما لصاحبه : إني أضللت صاحبي بكذا وكذا ، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا ، فيعلم بعضهم بعضا .
ففهم ابن جرير من هذا; أن المراد بشياطين الإنس عند عكرمة والسدي : الشياطين من الجن الذين يضلون الناس ، لا أن المراد منه شياطين الإنس منهم .
ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عكرمة ، وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى ، وهو محتمل ، وقد روى ابن أبي حاتم نحو هذا ، عن ابن عباس من رواية الضحاك ، عنه ، قال : إن للجن شياطين يضلونهم - مثل شياطين الإنس يضلونهم ، قال : فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن ، فيقول هذا لهذا : أضلله بكذا ، أضلله بكذا .
فهو قوله : ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) .
وعلى كل حال فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر : إن للإنس شياطين منهم ، وشيطان كل شيء مارده ، ولهذا جاء في صحيح مسلم ، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الكلب الأسود شيطان " ومعناه - والله أعلم - : شيطان في الكلاب .
وقال ابن جريج : قال مجاهد في تفسير هذه الآية : كفار الجن شياطين ، يوحون إلى شياطين الإنس ، كفار الإنس ، زخرف القول غرورا .
وروى ابن أبي حاتم ، عن عكرمة قال : قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل ، قال : فقال لي : اخرج إلى الناس فحدث الناس .
قال : فخرجت ، فجاء رجل فقال : ما تقول في الوحي؟
فقلت : الوحي وحيان ، قال الله تعالى : ( بما أوحينا إليك هذا القرآن ) [ يوسف : 3 ] ، وقال الله تعالى : ( شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) قال : فهموا بي أن يأخذوني ، فقلت : ما لكم ذاك ، إني مفتيكم وضيفكم .
فتركوني .
وإنما عرض عكرمة بالمختار - وهو ابن أبي عبيد - قبحه الله ، وكان يزعم أنه يأتيه الوحي ، وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر وكانت من الصالحات ، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه قال : صدق ، قال الله تعالى : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ) [ الأنعام : 121 ] ، وقوله تعالى : ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) أي : يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف ، وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره .
( ولو شاء ربك ما فعلوه ) أي : وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نبي عدو من هؤلاء .
( فذرهم ) أي : فدعهم ، ( وما يفترون ) أي : يكذبون ، أي : دع أذاهم وتوكل على الله في عداوتهم ، فإن الله كافيك وناصرك عليهم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مسلِّيَه بذلك عما لقي من كفرة قومه في ذات الله, وحاثًّا له على الصبر على ما نال فيه: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا)، يقول: وكما ابتليناك، يا محمد، بأن جعلنا لك من مشركي قومك أعداء شياطينَ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول، ليصدُّوهم بمجادلتهم إياك بذلك عن اتباعك والإيمان بك وبما جئتهم به من عند ربّك، كذلك ابتلينا من قبلك من الأنبياء والرسّل, بأن جعلنا لهم أعداءً من قومهم يؤذُونهم بالجدال والخصومات.
يقول: فهذا الذي امتحنتك به، لم تخصص به من بينهم وحدك, بل قد عممتهم بذلك معك لأبتليهم وأختبرهم، مع قدرتي على منع من آذاهم من إيذائهم, فلم أفعل ذلك إلا لأعرف أولي العزم منهم من غيرهم.
يقول: فاصبر أنتَ كما صبر أولو العزم من الرسل .
* * * وأما " شياطين الإنس والجن "، فإنهم مَرَدتهم ، وقد بينا الفعل الذي منه بُنِي هذا الاسم، بما أغنى عن إعادته .
(3) * * * ونصب " العدو " و " الشياطين " بقوله: (جعلنا) .
(4) * * * وأما قوله: (يُوحِي بعضُهم إلى بعض زخرف القول غرورًا)، فإنه يعني أنّه يلقي الملقي منهم القولَ، الذي زيّنه وحسَّنه بالباطل إلى صاحبه, ليغترّ به من سمعه، فيضلّ عن سبيل الله .
(5) * * * ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله: (شياطين الإنس والجن).
فقال بعضهم: معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس, وشياطين الجن التي مع الجنّ، وليس للإنس شياطين .
* ذكر من قال ذلك: 13765- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه)، أما " شياطين الإنس "، فالشياطين التي تضلّ الإنس=" وشياطين الجن "، الذين يضلون الجنّ، يلتقيان، فيقول كل واحد منهما: " إني أضللت صاحبي بكذا وكذا, وأضللت أنت صاحبك بكذا وكذا ", فيعلم بعضُهم بعضًا .
13766- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو نعيم, عن شريك, عن سعيد بن مسروق, عن عكرمة: (شياطين الإنس والجن)، قال: ليس في الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس, وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن .
(6) 13767- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن السدي في قوله: (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا)، قال: للإنسان شيطان, وللجنّي شيطان, فيلقَى شيطان الإنس شيطان الجن, فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا .
* * * قال أبو جعفر: جعل عكرمة والسدي في تأويلهما هذا الذي ذكرت عنهما، عدوّ الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا)، أولادَ إبليس، دون أولاد آدم، ودون الجن= وجعل الموصوفين بأن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول غرورًا, ولدَ إبليس, وأن مَنْ مع ابن آدم من ولد إبليس يوحي إلى مَنْ مع الجن من ولده زخرفَ القول غرورًا .
وليس لهذا التأويل وجه مفهوم, لأن الله جعل إبليس وولده أعداءَ ابن آدم, فكل ولده لكل ولده عدوّ.
وقد خصّ الله في هذه الآية الخبر عن الأنبياء أنه جعل لهم من الشياطين أعداءً.
فلو كان معنيًّا بذلك الشياطين الذين ذكرهم السدي, الذين هم ولد إبليس, لم يكن لخصوص الأنبياء بالخبرِ عنهم أنه جعل لهم الشياطين أعداءً، وجهٌ .
وقد جعل من ذلك لأعدى أعدائه، مثل الذي جعل لهم.
ولكن ذلك كالذي قلنا، من أنه معنيٌّ به أنه جعل مردة الإنس والجن لكل نبي عدوًّا يوحي بعضهم إلى بعض من القول ما يؤذيهم به .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
13768- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن حميد بن هلال قال، حدثني رجل من أهل دمشق, عن عوف بن مالك, عن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا ذر, هل تعوَّذت بالله من شر شياطين الإنس والجنّ؟
قال: قلت: يا رسول الله, هل للإنس من شياطين؟
قال: نعم!
(7) 13769- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة, عن ابن عائذ, عن أبي ذر, أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس, قال فقال: يا أبا ذر, هل صلَّيت؟
قال قلت: لا يا رسول الله.
قال: قم فاركع ركعتين.
قال: ثم جئت فجلستُ إليه فقال: يا أبا ذر، هل تعوَّذت بالله من شرِّ شياطين الإنس والجن؟
قال قلت: يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟
قال: نعم, شرٌّ من شياطين الجن!
(8) 13770- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: بلغني أن أبا ذر قام يومًا يُصلّي, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: تعوَّذ يا أبا ذر، من شياطين الإنس والجن.
فقال: يا رسول الله، أوَ إنّ من الإنس شياطين؟
قال: نعم!
(9) * * * وقال آخرون في ذلك بنحو الذي قلنا: من أن ذلك إخبارٌ من الله أنّ شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض .
* ذكر من قال ذلك: 13771- حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (شياطين الإنس والجن)، قال: من الجن شياطين, ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض = قال قتادة: بلغني أن أبا ذر كان يومًا يصلّي, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: تعوَّذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن.
فقال: يا نبي الله, أوَ إن من الإنس شياطين؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم!
13772- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا شياطين الإنس والجن)، الآية, ذكر لنا أنّ أبا ذر قام ذات يوم يصلي, فقال له نبي الله: تعوّذ بالله من شياطين الجن والإنس.
فقال: يا نبي الله، أوَ للإنس شياطين كشياطين الجن؟
قال: " نعم, أوَ كذَبْتُ عليه؟" (10) 13773- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوَّا شياطين الإنس والجن)، فقال: كفار الجنّ شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس، كفارِ الإنس، زخرفَ القول غرورًا .
* * * وأما قوله: (زُخرف القول غرورًا)، فإنه المزيَّن بالباطل، كما وصفت قبل.
يقال منه: " زخرف كلامه وشهادته "، إذا حسَّن ذلك بالباطل ووشّاه ، كما:- 13774- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبو نعيم, عن شريك, عن سعيد بن مسروق, عن عكرمة قوله: (زخرف القول غرورًا) قال: تزيين الباطل بالألسنة .
13775- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما " الزخرف ", فزخرفوه، زيَّنوه .
13776- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (زخرف القول غرورًا)، قال: تزيين الباطل بالألسنة .
13777- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
13778- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (زخرف القول غرورًا)، يقول: حسَّن بعضهم لبعضٍ القول ليتّبعوهم في فتنتهم .
13779- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (زخرف القول غرورًا) قال: " الزخرف "، المزيَّن, حيث زيَّن لهم هذا الغرور, كما زيَّن إبليس لآدم ما جاءه به وقاسمه إنه له لمن الناصحين .
وقرأ: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ، [سورة فصلت: 25].
قال: ذلك الزخرف .
* * * وأما " الغرور "، فإنه ما غرّ الإنسان فخدعه فصدَّه عن الصواب إلى الخطأ وعن الحق إلى الباطل (11) = وهو مصدر من قول القائل: " غررت فلانًا بكذا وكذا, فأنا أغرُّه غرورًا وغرًّا .
كالذي:- 13780- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( غرورًا ) قال: يغرّون به الناسَ والجنّ .
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شئت، يا محمد، أن يؤمن الذين كانوا لأنبيائي أعداءً من شياطين الإنس والجن فلا ينالهم مكرهم ويأمنوا غوائلهم وأذاهم, فعلتُ ذلك، ولكني لم أشأ ذلك، لأبتلي بعضهم ببعض، فيستحق كل فريق منهم ما سبق له في الكتاب السابق =(فذرهم)، يقول: فدعهم (12) = يعني الشياطين الذين يجادلونك بالباطل من مشركي قومك ويخاصمونك بما يوحي إليهم أولياؤهم من شياطين الإنس والجن=(وما يفترون)، يعني: وما يختلقون من إفك وزور.
(13) يقول له صلى الله عليه وسلم: اصبر عليهم، فإني من وراء عقابهم على افترائهم على الله، واختلاقهم عليه الكذبَ والزور .
--------------------- الهوامش : (3) انظر تفسير (( الشيطان )) فيما سلف 1 : 111 ، 112 ، 296 .
(4) انظر معاني القرآن 1 : 351 .
(5) انظر تفسير (( الوحي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) .
(6) الأثر : 13466 - (( سعيد بن مسروق الثوري )) ، مضى برقم : 7162 .
(7) الأثر : 13768 - (( حميد بن هلال العدوي )) ، ثقة ، متكلم فيه .
سمع من (( عوف ابن مالك )) ، ولكنه رواه بالوسطة ، عن مجهول : (( رجل من أهل دمشق )) .
مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 344 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 /230 .
و (( عوف بن مالك بن نضلة الجشمي )) ، ثقة ، مضى برقم : 6172 ، 12825 ، 12826 لم يذكر أنه سمع من أبي ذر .
وهذا الخبر فيه مجهول .
ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 380 (8) الأثر : 13769 - كان في إسناد هذا الخبر خطأ فاحش ، وقع شك من سهو الناسخ وعجلته ، فإنه كتب (( حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة ، عن أبي عن ابن عباس ، أبي عبد الله محمد بن أيوب )) ، ثم ضرب على (( ابن عباس )) .
ولكنه ترك (( عن علي بن أبي طلحة )) ، وهو خطأ لا شك فيه كما سترى بعد .
وسبب ذلك إسناد أبي جعفر المشهور وهو : (( حدثني المثنى ، قال حدثنا عبد الله صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس )) وهو إسناد دائر في التفسير ، آخره رقم : 13756 ، فجعل فكتب الإسناد المشهور ، ثم استدرك فضرب على (( ابن عباس )) ، والصواب أن يضرب أيضًا على (( علي بن أبي طلحة )) ، لأن هذا إسناد مختلف عن الأول كل الاختلاف ، ولذلك حذفت (( عن علي بن أبي طلحة )) ، مع ثبوته في المخطوطة والمطبوعة ، ولكن ابن كثير ذكره في التفسير على الصواب 3 : 379 ، كما أثبته .
و (( أبو عبد الله محمد بن أيوب )) ، كأنه أيضًا خطأ من الناسخ ، وصوابه : (( أبو عبد الملك محمد بن أيوب )) لما سترى .
(( محمد بن أيوب الأزدي )) ، (( أبو عبد الملك )) ، قال البخاري في الكبير 1 / 1 /29 ، 30 ( محمد بن أيوب أبو عبد الملك الأزدي ، عن ابن عائذ ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : آدم نبي مكلم .
قال لنا : عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن محمد بن أيوب ، حديثه في الشاميين .
سمع منه معاوية بن صالح )) وترجمة ابن أبي حاتم 3 / 2 / 196 ، 197 ، فذكر مثله .
و (( ابن عائذ )) هو (( عبد الرحمن بن عائذ الثمالي )) ، ويقال : الأزدي الكندي ، ويقال : اليحصبي .
وروى له الأربعة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 270 ، وكان ابن عائذ من حملة العلم ، يطلبه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحاب أصحابه .
روى عن عمر وعلي مرسلا .
وفي التهذيب انه روى عنهما وعن أبي ذر ، وعن غيرهم من الصحابة ، ولم يذكر (( مرسلا )) .
وذكر ابن كثير هذا الأثر والذي يليه في تفسيره 3 : 379 ثم قال : (( وهذا أيضًا فيه انقطاع )) ، وتبين من تفسيره إسناده أنه غير منقطع .
ثم قال : (( وروى متصلا كما قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا المسعودي ، أنبأني أبو عمر الدمشقي ، عن عبيد بن الخشخاش ، عن أبي ذر قال : ...
)) وذكر الحديث ، وهو بطوله في مسند أحمد 5 : 178 ، 179 .
ثم ذكر ابن كثير طرقًا أخرى للحديث ثم قال : (( فهذه طرق لهذا الحديث ، ومجموعها يفيد قوته وصحته ، والله أعلم )) .
(9) الأثر : 13770 - هذا أثر منقطع ، انظر التعليق على الخبر السالف ، وما قاله ابن كثير .
(10) قوله : (( أو كذبت عليه )) ، استنكار من رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤال أبي ذر ، فإن نص التنزيل دال على ذلك ، ورسول الله هو الصادق المصدق المبلغ عن ربه الحق الذي لا كذب فيه .
(11) انظر تفسير (( الغرور )) فيما سلف 7 : 453 / 9 : 224 .
(12) انظر تفسير (( ذر )) فيما سلف ص : 46 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(13) انظر تفسير (( الافتراء )) فيما سلف : 11 : 533 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترونقوله تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي يعزي نبيه ويسليه ، أي كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك عدوا أي أعداء .شياطين الإنس والجن حكى سيبويه " جعل " بمعنى وصف .
عدوا مفعول أول .
لكل نبي في موضع المفعول الثاني .
شياطين الإنس والجن بدل من عدو .
ويجوز أن يكون " شياطين " مفعولا أول ، عدوا مفعولا ثانيا ; كأنه قيل : جعلنا شياطين الإنس والجن عدوا .
وقرأ الأعمش : " شياطين الجن والإنس " بتقديم الجن .
والمعنى واحد .يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا عبارة عما يوسوس به شياطين الجن إلى شياطين الإنس .
وسمي وحيا لأنه إنما يكون خفية ، وجعل تمويههم زخرفا لتزيينهم إياه ; ومنه سمي الذهب زخرفا .
وكل شيء حسن مموه فهو زخرف .
والمزخرف المزين .
وزخارف الماء طرائقه .
و " غرورا " نصب على المصدر ، لأن معنى يوحي بعضهم إلى بعض يغرونهم بذلك غرورا .
ويجوز أن يكون في موضع الحال .
والغرور الباطل .
قال النحاس : وروي عن ابن عباس بإسناد ضعيف أنه قال في قول الله عز وجل يوحي بعضهم إلى بعض قال : مع كل جني شيطان ، ومع كل إنسي شيطان ، فيلقى أحدهما الآخر فيقول : إني قد أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله .
ويقول الآخر مثل ذلك ; فهذا وحي بعضهم إلى بعض .
وقاله عكرمة والضحاك والسدي والكلبي .
قال النحاس : والقول الأول يدل عليه وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ; فهذا يبين معنى ذلك .قلت : ويدل عليه من صحيح السنة قوله عليه السلام : ما منكم من أحد إلا وقد وكل به [ ص: 62 ] قرينه من الجن قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟
قال : ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير .
روي " فأسلم " برفع الميم ونصبها .
فالرفع على معنى فأسلم من شره .
والنصب على معنى فأسلم هو .
فقال : ما منكم من أحد ولم يقل ولا من الشياطين ; إلا أنه يحتمل أن يكون نبه على أحد الجنسين بالآخر ; فيكون من باب سرابيل تقيكم الحر وفيه بعد ، والله أعلم .
وروى عوف بن مالك عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن ؟
قال قلت : يا رسول الله ، وهل للإنس من شياطين ؟
قال : نعم هم شر من شياطين الجن .
وقال مالك بن دينار : إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن ، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن ، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا .
وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة تنشد :إن النساء رياحين خلقن لكم وكلكم يشتهي شم الرياحينفأجابها عمر رضي الله عنه :إن النساء شياطين خلقن لنا نعوذ بالله من شر الشياطينقوله تعالى : ولو شاء ربك ما فعلوه أي ما فعلوا إيحاء القول بالغرور .فذرهم أمر فيه معنى التهديد .
قال سيبويه : ولا يقال وذر ولا ودع ، استغنوا عنهما بترك .
قلت : هذا إنما خرج على الأكثر .
وفي التنزيل : وذر الذين وذرهم ، و " ما ودعك " .
وفي السنة لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات .
وقوله : إذا فعلوا - يريد [ ص: 63 ] المعاصي - فقد تودع منهم .
قال الزجاج : الواو ثقيلة ; فلما كان " ترك " ليس فيه واو بمعنى ما فيه الواو ترك ما فيه الواو .
وهذا معنى قوله وليس بنصه .
يقول تعالى -مسليا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم- وكما جعلنا لك أعداء يردون دعوتك، ويحاربونك، ويحسدونك، فهذه سنتنا، أن نجعل لكل نبي نرسله إلى الخلق أعداء، من شياطين الإنس والجن، يقومون بضد ما جاءت به الرسل.
{ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } أي: يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء، الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة، فيعتقدون الحق باطلا والباطل حقا
( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ) أي : أعداء ، فيه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم ، يعني كما ابتليناك بهؤلاء القوم ، فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك أعداء ، ثم فسرهم فقال : ( ( شياطين الإنس والجن ) قال عكرمة والضحاك والسدي والكلبي : معناه شياطين الإنس التي مع الإنس ، وشياطين الجن التي مع الجن ، وليس للإنس شياطين ، وذلك أن إبليس جعل جنده فريقين فبعث فريقا منهم إلى الإنس وفريقا منهم إلى الجن ، وكلا الفريقين أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأوليائه ، وهم الذين يلتقون في كل حين ، فيقول [ شيطان ] الإنس [ لشيطان ] الجن : أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله ، وتقول شياطين الجن لشياطين الإنس كذلك ، فذلك وحي بعضهم إلى بعض .
قال قتادة ومجاهد والحسن : إن من الإنس شياطين كما أن من الجن شياطين ، والشيطان : العاتي المتمرد من كل شيء ، قالوا : إن الشيطان إذا أعياه المؤمن وعجز من إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه ، يدل عليه ما روي عن أبي ذر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس " ؟
فقلت : يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟
قال : " نعم ، هم شر من شياطين الجن " .
وقال مالك بن دينار : إن شياطين الإنس أشد علي من شياطين الجن ، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن ، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا .
قوله تعالى : ( يوحي بعضهم إلى بعض ) أي : يلقي ، ( زخرف القول ) وهو قول مموه مزين بالباطل لا معنى تحته ، ( غرورا ) يعني : لهؤلاء الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم ، يغرونهم غرورا ، والغرور : القول الباطل ، ( ولو شاء ربك ما فعلوه ) أي : ما ألقاه الشيطان من الوسوسة [ في القلوب ] ( فذرهم وما يفترون )
«وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا» كما جعلنا هؤلاء أعداءك ويبدل منه «شياطين» مردة «الإنس والجن يوحي» يوسوس «بعضهم إلى بعض زخرف القول» مموهه من الباطل «غرورا» أي ليغروهم «ولو شاء ربُّك ما فعلوه» أي الإيحاء المذكور «فذرْهم» دع الكفار «وما يفترون» من الكفر وغيره مما زين لهم وهذا قبل الأمر بالقتال.
وكما ابتليناك -أيها الرسول- بأعدائك من المشركين ابتلينا جميع الأنبياء -عليهم السلام- بأعداء مِن مردة قومهم وأعداء من مردة الجن، يُلقي بعضهم إلى بعض القول الذي زيَّنوه بالباطل؛ ليغتر به سامعه، فيضل عن سبيل الله.
ولو أراد ربك -جلَّ وعلا- لحال بينهم وبين تلك العداوة، ولكنه الابتلاء من الله، فدعهم وما يختلقون مِن كذب وزور.
ثم سلى الله - تعالى - نبيه عن تعنت المشركين وتماديهم فى الباطل ببيان أن كل نبى كان له أعداء يسيئون إليه ويقفون عقبة فى طريق دعوته فقال :{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن } .والمعنى : ومثل ما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعاندونك جعلنا لكل نبى من قبلك - أيضاً - أعداء ، فلا يحزنك ذلك ، قال - تعالى - { مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } وقال - تعالى - { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين وكفى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً } والمراد بشياطين الإنس والجن ، المردة من النوعين .
والشيطان : كل عات متمرد من الإنس والجن .وجملة { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً } الخ مستأنفة لتسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما يشاهده من عداوة قريش له ، والكاف فى محل نصب على أنها نعت لمصدر مؤكد لما بعده .و ( جعل ) ينصب مفعولين أولهما { عَدُوّاً } وثانيهما { لِكُلِّ نِبِيٍّ } و { شَيَاطِينَ } بل من المفعول الأول ، وبعضهم أعرب { شَيَاطِينَ } مفعولا أولا و { عَدُوّاً } مفعولا ثانيا ، و { لِكُلِّ نِبِيٍّ } حالا من { عَدُوّاً } .وقوله : { يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً } .الوحى : الإعلام بالأشياء من طريق خفى دقيق سريع .
زخرف القول : باطله الذى زين وموه بالكذب .
وأصل الزخرف .
الزينة المزوقة ، ومنه قيل للذهب : زخرف ، ولكل شىء حسن مموه : زخرف .والغرور : الخداع والأخذ على غرة وغفلة .والمعنى : يلقى بعضهم إلى بعض بطرق خفية دقيقة القول المزين المموه الذى حسن ظاهره وقبح باطنه لكى يخدعوا به الضعفاء ويصرفونهم عن الحق إلى الباطل .والجملة المستأنفة لبيان إحكام عداوتهم ، أو حال من الشياطين وقد ورد أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أتباعه أن يستعيذوا بالله من شياطين الإنس والجن ، فعن أبى ذر قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مجلس .
قد أطال فيه الجلوس فقال : " يا أبا ذر هل صليت؟
قلت : لا يا رسول الله .
قال : قم فاركع ركعتين قال : ثم جئت فجلست إليه فقال : يا أبا ذر ، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس؟
قال : قلت لا يا رسول الله ، وهل للإنس من شياطين؟
قال : نعم ، هم شر من شياطين الجن " .وقد ساق الإمام ابن كثير عدة روايات عن أبى ذر فى هذا المعنى ، ثم قال فى نهايتها : فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد قوته وصحته " .وقوله : { وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } .أى : ولو شاء ربك ألا يفعل هؤلاء الشياطين ما فعلوه من معاداة الأنبياء ومن الإيحاء بالقول الباطل لتم له ذلك ، لأنه - سبحانه - هو صاحب المشيئة النافذة ، والإرادة التامة ولكنه - سبحانه - لم يشأ أن يجبرهم على خلاف ما زينته لهم أهواؤهم باختيارهم ، لكى يميز الله الخبيث من الطيب .فدعهم يا محمد وما يفترون من الكفر وغيره من ألوان الشرور ، فسوف يعلمون سوء عاقبتهم .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وكذلك ﴾ منسوق على شيء وفي تعيين ذلك الشيء قولان: الأول: أنه منسوق على قوله: ﴿ كذلك زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ أي كما فعلنا ذلك ﴿ كذلك جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً ﴾ الثاني: معناه: جعلنا لك عدواً كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء فيكون قوله: ﴿ كذلك ﴾ عطفاً على معنى ما تقدم من الكلام، لأن ما تقدم يدل على أنه تعالى جعل له أعداء.
المسألة الثانية: ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً ﴾ أنه تعالى هو الذي جعل أولئك الأعداء أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن تلك العداوة معصية وكفر فهذا يقتضي أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله تعالى، أجاب الجبائي عنه: بأن المراد بهذا الجعل الحكم والبيان، فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل: إنه كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل: إنه عدله، فكذا هاهنا أنه تعالى لما بين للرسول عليه الصلاة والسلام كونهم أعداء له لا جرم قال إنه جعلهم أعداء له، وأجاب أبو بكر الأصم عنه: بأنه تعالى لما أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العالمين وخصه بتلك المعجزة حسدوه، وصار ذلك الحسد سبباً للعداوة القوية، فلهذا التأويل قال إنه تعالى جعلهم أعداء له ونظيره قول المتنبي: فأنت الذي صيرتهم لي حسداً *** وأجاب الكعبي عنه: بأنه تعالى أمر الأنبياء بعدواتهم وأعلمهم كونهم أعداء لهم، وذلك يقتضي صيرورتهم أعداء للأنبياء.
لأن العداوة لا تحصل إلا من الجانبين، فلهذا الوجه جاز أن يقال إنه تعالى جعلهم أعداء للأنبياء عليهم السلام.
واعلم أن هذه الأجوبة ضعيفة جداً لما بينا أن الأفعال مستندة إلى الدواعي، وهي حادثة من قبل الله تعالى، ومتى كان الأمر كذلك.
فقد صح مذهبنا.
ثم هاهنا بحث آخر: وهو أن العداوة والصداقة يمتنع أن تحصل باختيار الإنسان، فإن الرجل قد يبلغ في عداوة غيره إلى حيث لا يقدر البتة على إزالة تلك الحالة عن قلبه، بل قد لا يقدر على إخفاء آثار تلك العداوة، ولو أتى بكل تكلف وحيلة لعجز عنه، ولو كان حصول العداوة والصداقة في القلب باختيار الإنسان لوجب أن يكون الإنسان متمكناً من قلب العداوة بالصداقة وبالضد وكيف لا نقول ذلك والشعراء عرفوا أن ذلك خارج عن الوسع؟
قال المتنبي: يراد من القلب نسيانكم *** وتأبى الطباع على الناقل والعاشق الذي يشتد عشقه قد يحتال بجميع الحيل في إزالة عشقه ولا يقدر عليه، ولو كان حصول ذلك الحب والبغض باختياره لما عجز عن إزالته.
المسألة الثالثة: النصب في قوله: ﴿ شياطين ﴾ فيه وجهان: الأول: أنه منصوب على البدل من قوله: ﴿ عَدُوّا ﴾ والثاني: أن يكون قوله: ﴿ عَدُوّا ﴾ منصوباً على أنه مفعول ثان، والتقدير: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء الأنبياء.
المسألة الرابعة: اختلفوا في معنى شياطين الإنس والجن على قولين: الأول: أن المعنى مردة الإنس والجن، والشيطان؛ كل عات متمرد من الإنس والجن، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ومجاهد والحسن وقتادة وهؤلاء قالوا: إن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، وإن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس، وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه، والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر: «هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس؟» قال قلت: وهل للإنس من شياطين؟
قال: «نعم هم شر من شياطين الجن».
والقول الثاني: أن الجميع من ولد إبليس إلا أنه جعل ولده قسمين، فأرسل أحد القسمين إلى وسوسة الإنس.
والقسم الثاني إلى وسوسة الجن، فالفريقان شياطين الإنس والجن، ومن الناس من قال: القول الأول أولى لأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين، ومنهم من يقول: القول الثاني أولى، لأن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس والجن.
والإضافة تقتضي المغايرة، وعلى هذا التقدير: فالشياطين نوع مغاير للجن وهم أولاد إبليس.
المسألة الخامسة: قال الزجاج وابن الأنباري: قوله: ﴿ عَدُوّاً ﴾ بمعنى أعداء وأنشد ابن الأنباري: إذا أنا لم أنفع صديقي بوده *** فإن عدوي لن يضرهمو بغضي أراد أعدائي، فأدى الواحد عن الجمع، وله نظائر في القرآن.
ومنها قوله: ﴿ ضَيْفِ إبراهيم المكرمين ﴾ جعل المكرمين وهو جمع نعتاً للضيف وهو واحد.
وثانيها: قوله: ﴿ والنخل باسقات لَّهَا طَلْعٌ ﴾ .
وثالثها: قوله: ﴿ أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء ﴾ .
ورابعها: قوله: ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ ﴾ .
وخامسها: قوله: ﴿ كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل ﴾ أكد المفرد بما يؤكد الجمع به، ولقائل أن يقول لا حاجة إلى هذا التكلف، فإن التقدير: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدواً واحداً، إذ لا يجب لكل واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد.
أما قوله تعالى: ﴿ يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً ﴾ فالمراد أن أولئك الشياطين يوسوس بعضهم بعضاً.
واعلم أنه لا يجب أن تكون كل معصية تصدر عن إنسان فإنها تكون بسبب وسوسة شيطان، وإلا لزم دخول التسلسل أو الدور في هؤلاء الشياطين، فوجب الاعتراف بانتهاء هذه القبائح والمعاصي إلى قبيح أول، ومعصية سابقة حصلت لا بوسوسة شيطان آخر.
إذا ثبت هذا الأصل فنقول: إن أولئك الشياطين كما أنهم يلقون الوساوس إلى الإنس والجن فقد يوسوس بعضهم بعضاً.
وللناس فيه مذاهب.
منهم من قال الأرواح إما فلكية وإما أرضية، والأرواح الأرضية منها طيبة طاهرة خيرة آمرة بالطاعة والأفعال الحسنة، وهم الملائكة الأرضية.
ومنها خبيثة قذرة شريرة، آمرة بالقبائح والمعاصي، وهم الشياطين.
ثم إن تلك الأرواح الطيبة كما أنها تأمر الناس بالطاعات والخيرات، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضاً بالطاعات.
والأرواح الخبيثة كما أنها تأمر الناس بالقبائح والمنكرات، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضاً بتلك القبائح والزيادة فيها.
وما لم يحصل نوع من أنواع المناسبة بين النفوس البشرية، وبين تلك الأرواح لم يحصل ذلك الانضمام، فالنفوس البشرية، إذا كانت طاهرة نقية عن الصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الطاهرة فتنضم إليها، وإذا كانت خبيثة موصوفة بالصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الخبيثة فتنضم إليها.
ثم إن صفات الطهارة كثيرة.
وصفات الخبث والنقصان كثيرة، وبحسب كل نوع منها طوائف من البشر وطوائف من الأرواح الأرضية بحسب تلك المجانسة والمشابهة والمشاكلة ينضم الجنس إلى جنسه، فإن كان ذلك في أفعال الخير كان الحامل عليها ملكاً وكان تقوية ذلك الخاطر إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان الحامل عليها شيطاناً، وكان تقوية ذلك الخاطر وسوسة.
إذا عرفت هذا الأصل فنقول: إنه تعالى عبر عن هذه الحالة المذكورة بقوله: ﴿ يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً ﴾ فيجب علينا تفسير ألفاظ ثلاثة: الأول: الوحي وهو عبارة عن الإيماء والقول السريع.
والثاني: الزخرف وهو الذي يكون باطنه باطلاً، وظاهره مزيناً ظاهراً، يقال: فلان يزخرف كلامه إذا زينه بالباطل والكذب، وكل شيء حسن مموه فهو مزخرف.
واعلم أن تحقيق الكلام فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور كونه مشتملاً على خير راجح ونفع زائد، فإنه لا يرغب فيه، ولذلك سمي الفاعل المختار مختاراً لكونه طالباً للخير والنفع، ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للمعتقد، فهو الحق والصدق والإلهام وإن كان صادراً من الملك، وإن لم يكن معتقداً مطابقاً للمعتقد، فحينئذ يكون ظاهره مزيناً، لأنه في اعتقاده سبب للنفع الزائد والصلاح الراجح، ويكون باطنه فاسداً باطلاً.
لأن هذا الاعتقاد غير مطابق للمعتقد فكان مزخرفاً.
فهذا تحقيق هذا الكلام.
والثالث: قوله: ﴿ غُرُوراً ﴾ قال الواحدي: ﴿ غُرُوراً ﴾ منصوب على المصدر، وهذا المصدر محمول على المعنى.
لأن معنى إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور، فكأنه قال يغرون غروراً، وتحقيق القول فيه أن المغرور هو الذي يعتقد في الشيء كونه مطابقاً للمنفعة والمصلحة مع أنه في نفسه ليس كذلك، فالغرور إما أن يكون عبارة عن عين هذا الجهل أو عن حالة متولدة عن هذا الجهل.
فظهر بما ذكرنا أن تأثير هذه الأرواح الخبيثة بعضها في بعض لا يمكن أن يعبر عنه بعبارة أكمل ولا أقوى دلالة على تمام المقصود من قوله: ﴿ يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ وأصحابنا يحتجون به على أن الكفر والإيمان بإرادة الله تعالى.
والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء، وقد سبق تقرير هذه المسألة على الاستقصاء، فلا فائدة في الإعادة.
ثم قال تعالى: ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ قال ابن عباس: معناه يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به قال القاضي: هذا القول يتضمن التحذير الشديد من الكفر والترغيب الكامل في الإيمان، ويقتضي زوال الغم عن قلب الرسول من حيث يتصور ما أعد الله للقوم على كفرهم من أنواع العذاب وما أعد له من منازل الثواب بسبب صبره على سفاهتهم ولطفه بهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوّاً ﴾ وكما خلينا بينك وبين أعدائك، وكذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من العداوة، لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر، وكثرة الثواب والأجر.
وانتصب ﴿ شياطين ﴾ على البدل من عدوّاً.
أو على أنهما مفعولان كقوله ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء الجن ﴾ [الأنعام: 100] ﴿ يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ يوسوس شياطين الجنّ إلى شياطين الإنس.
وكذلك بعض الجنّ إلى بعض وبعض الإنس إلى بعض.
وعن مالك ابن دينار: إن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجنّ، لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجنّ عني، وشيطان الأنس يجيئني فيجرّني إلى المعاصي عياناً ﴿ زُخْرُفَ القول ﴾ ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي ويموّهه ﴿ غُرُوراً ﴾ خدعاً وأخذاً على غرّة ﴿ وَلَوْ شَآء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ ما فعلوا ذلك، أي ما عادوك، أو ما أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول بأن يكفهم ولا يخليهم وشأنهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ أيْ كَما جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ سَبَقَكَ عَدُوًّا، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَداوَةَ الكَفَرَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وخَلْقِهِ.
﴿ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ﴾ مَرَدَةُ الفَرِيقَيْنِ، وهو بَدَلٌ مِن عَدُوًّا، أوْ أوَّلُ مَفْعُولَيْ جَعَلْنا وعَدُوًّا مَفْعُولُهُ الثّانِي، ولِكُلٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِنهُ.
﴿ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ يُوَسْوِسُ شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، أوْ بَعْضُ الجِنِّ إلى بَعْضٍ، وبَعْضُ الإنْسِ إلى بَعْضٍ.
﴿ زُخْرُفَ القَوْلِ ﴾ الأباطِيلَ المُمَوَّهَةَ مِنهُ مِن زَخْرَفَهُ إذا زَيَّنَهُ.
﴿ غُرُورًا ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ.
﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ﴾ إيمانَهم.
﴿ ما فَعَلُوهُ ﴾ أيْ ما فَعَلُوا ذَلِكَ يَعْنِي مُعاداةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيحاءُ الزَّخارِفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْإيحاءِ أوِ الزُّخْرُفِ أوِ الغُرُورِ، وهو أيْضًا دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ.
﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ وكُفْرَهم.
﴿ وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ عَطْفٌ عَلى غُرُورًا إنْ جُعِلَ عِلَّةً، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ ولِيَكُونَ ذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا.
والمُعْتَزِلَةُ لَمّا اضْطُرُّوا فِيهِ قالُوا: اللّامُ لامُ العاقِبَةِ أوْ لامُ القَسَمِ كُسِرَتْ لِما لَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ بِالنُّونِ أوْ لامُ الأمْرِ وضَعْفُهُ أظْهَرُ، والصَّغْوُ: المَيْلُ والضَّمِيرُ لِما لَهُ الضَّمِيرُ في فَعَلُوهُ.
﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ لِأنْفُسِهِمْ.
﴿ وَلِيَقْتَرِفُوا ﴾ ولِيَكْتَسِبُوا.
﴿ ما هم مُقْتَرِفُونَ ﴾ مِنَ الآثامِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً} وكما جعلنا لك أعداء من المشركين جعلنا لمن تقدمك من الأنبياء أعداء لما فيه من الابتلاء الذى هو سبب ظهور الثبات والصبروكثرة الثواب والأجر وانتصب {شياطين الإنس والجن} على البدل من عدو أو على أنه من المفعول الأول وعدوا مفعول ثانٍ
{يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ} يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس وكذلك بعض الجن إلى بعض وبعض الإنس إلى بعض وعن مالك بن دينار إن شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً وقال عليه السلام قرناء السوء شر من شياطين الجن {زُخْرُفَ القول} ما زينوه من القول والوسوسة والاغراء على المعاصى {غرورا} خداعا وأخذاً على غرة وهو مفعول له {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} أي الإيحاء يعني ولو شاء الله لمنع الشياطين من الوسوسة ولكنه امتحن بما يعلم أنه أجزل في الثواب {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} عليك وعلى الله فإن الله يخزيهم وينصرك ويجزيهم
﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَمّا يُشاهِدُهُ مِن عَداوَةِ قُرَيْشٍ وما بَنَوْا عَلَيْها مِنَ الأقاوِيلِ والأفاعِيلِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا تَقَدَّمَ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِما بَعْدَهُ والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ و ﴿ عَدُوًّا ﴾ بِمَعْنى أعْداءٍ كَما في قَوْلِهِ: إذا أنا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوِدِّهِ فَإنَّ عَدُوِّي لَمْ يَضُرَّهم بُغْضِي أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ في حَقِّكَ حَيْثُ جَعَلْنا لَكَ أعْداءً أيْضًا دُونَكَ ولا يُؤْمِنُونَ ويَبْغُونَكَ الغَوائِلَ ويَجْهَدُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ تَقَدَّمَكَ فَعَلُوا مَعَهم نَحْوَ ما فَعَلَ مَعَكَ أعْداؤُكَ لا جَعْلًا أنْقَصَ مِنهُ.
وجَعَلَهُ الإمامُ عَلِيٌّ عَلى هَذا الوَجْهِ عَطْفًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ ولَعَلَّهُ لَيْسَ المُرادَ مِنهُ العَطْفُ الِاصْطِلاحِيُّ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ أيْ كَما فَعَلْنا ذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا وفِيهِ بُعْدٌ.
وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ ظاهِرَةٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما أنَّهُ خالِقُ الخَيْرِ وحَمْلُها عَلى أنَّ المُرادَ بِها وكَما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ أعْدائِكَ كَذَلِكَ فَعَلْنا بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأعْدائِهِمْ لَمْ نَمْنَعْهم مِنَ العَداوَةِ لِما فِيهِ مِنَ الِامْتِحانِ الَّذِي هو سَبَبُ ظُهُورِ الثَّباتِ والصَّبْرِ وكَثْرَةِ الثَّوابِ والأجْرِ خِلافَ الظّاهِرِ ومِثْلُهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ أنَّ هَذا الجَعْلَ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ حَيْثُ أرْسَلَ سُبْحانَهُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وخَصَّهم بِالمُعْجِزاتِ فَحَسَدَهم مَن حَسَدَهم وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْعَداوَةِ القَوِيَّةِ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ المُتَنَبِّي: فَأنْتَ الَّذِي صَيَّرْتَهم حَسَدا .
وقِيلَ: المُرادُ كَما أمَرْناكَ بِعَداوَةِ قَوْمِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ كَذَلِكَ أمَرْنا مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ بِمُعاداةِ نَحْوِ أُولَئِكَ أوْ كَما أخْبَرْناكَ بِعَداوَةِ المُشْرِكِينَ وحَكَمْنا بِذَلِكَ أخْبَرْنا الأنْبِياءَ بِعَداوَةِ أعْدائِهِمْ وحَكَمْنا بِذَلِكَ والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ وهَكَذا غالِبُ تَأْوِيلاتِ المُعْتَزِلَةِ.
﴿ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ﴾ أيْ مَرَدَةُ النَّوْعَيْنِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى مِنِ البَيانِيَّةِ وقِيلَ: هي إضافَةُ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ والأصْلُ الإنْسُ والجِنُّ الشَّياطِينُ وقِيلَ: هي بِمَعْنى اللّامِ أيِ الشَّياطِينُ لِلْإنْسِ والجِنِّ وفي تَفْسِيرِ الكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُؤَيِّدُهُ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ جَعَلَ جُنْدَهُ فَرِيقَيْنِ فَبَعَثَ فَرِيقًا مِنهم إلى الإنْسِ وفَرِيقًا آخَرَ إلى الجِنِّ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ الجِنَّ هُمُ الجانُّ ولَيْسُوا بِشَياطِينِ الشَّياطِينِ وُلِدَ إبِلِيسُ وهم لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَهُ والجِنُّ يَمُوتُونَ ومِنهُمُ المُؤْمِنُ والكافِرُ وهو نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿ عَدُوًّا ﴾ والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ أوْ إلى اثْنَيْنِ وهو أوَّلُ مَفْعُولَيْهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ الثّانِي مُسارَعَةً إلى بَيانِ العَداوَةِ واللّامُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجَعْلِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿ عَدُوًّا ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِنَكارَتِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ وأنْ يَكُونَ نُصِبَ ﴿ شَياطِينَ ﴾ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أحْكامِ عَداوَتِهِمْ أوْ حالٌ مِن شَياطِينَ أوْ صِفَةٌ لِعَدُوٍّ وجُمِعَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في البَيْتِ السّابِقِ وأصْلُ الوَحْيِ كَما قالَ الرّاغِبُ الإشارَةُ السَّرِيعَةُ ولِتَضَمُّنِ السُّرْعَةِ قِيلَ أمْرُ وحْيٍ وذَلِكَ يَكُونُ بِالكَلامِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ وقَدْ يَكُونُ بِصَوْتٍ مُجَرَّدٍ عَنِ التَّرْكِيبِ وبِإشارَةِ بَعْضِ الجَوارِحِ وبِالكِتابَةِ أيْضًا والمَعْنى هُنا يُلْقِي ويُوَسْوِسُ شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ أوْ بَعْضُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى الآخَرِ ﴿ زُخْرُفَ القَوْلِ ﴾ أيِ المُزَوَّقُ مِنَ الكَلامِ الباطِلِ مِنهُ وأصْلُ الزُّخْرُفِ الزِّينَةُ المُزَوَّقَةُ ومِنهُ قِيلَ لِلذَّهَبِ زُخْرُفٌ وقالَ بَعْضُهم: أصْلُ مَعْنى الزُّخْرُفِ الذَّهَبُ ولَمّا كانَ حَسَنًا في الأعْيُنِ قِيلَ لِكُلِّ زِينَةٍ زَخْرَفَةٌ وقَدْ يُخَصُّ بِالباطِلِ ﴿ غُرُورًا ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِيُغْرُوهم أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ غارِّينَ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ يُوحِي ﴾ أيْ يَغُرُّونَ غُرُورًا وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الغُرُورَ بِالخِداعِ والأخْذِ عَلى غِرَّةٍ ونَسَبَ الرّاغِبُ أنَّهُ قالَ: يُقالُ غَرَّهُ غُرُورًا كَأنَّما طَواهُ عَلى غِرَّةٍ بِكَسْرِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ وهو طَيُّهُ الأوَّلُ.
﴿ ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ﴾ رُجُوعٌ كَما قِيلَ إلى بَيانِ الشُّؤُونِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ قَوْمِهِ المَفْهُومَةِ مِن حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَيْنَ أُمَمِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِالتِفاتُ والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُعْرِبَةُ عَنْ كَمالِ اللُّطْفِ في التَّسْلِيَةِ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿ فَعَلُوهُ ﴾ عائِدٌ إلى عَداوَتِهِمْ لَهُ وإيحاءُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ مُزْخَرَفاتِ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاعْتِبارِ انْفِهامِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ وأمْرُ الأفْرادِ سَهْلٌ وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ إلى ما ذُكِرَ مِن مُعاداةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيحاءُ الزَّخارِفِ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في أمْرِهِ وأُمُورِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفِيهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ (112) كالصَّرِيحِ في أنَّ المُرادَ بِهِمُ الكَفَرَةُ المُعاصِرُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الإيحاءِ أوِ الزُّخْرُفِ أوِ الغُرُورِ وفي أخْذِ ذَلِكَ عامًّا أوْ خاصًّا احْتِمالانِ لا يَخْفى الأوْلى مِنهُما ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ أيْ عَدَمُ ما ذُكِرَ ولا إشْكالَ في جَعْلِ العَدَمِ الخاصِّ مُتَعَلِّقَ المَشِيئَةِ وقَدَّرَهُ بَعْضُهم إيمانَهم.
واعْتُرِضَ بِأنَّ القاعِدَةَ المُسْتَمِرَّةَ أنَّ مَفْعُولَ المَشِيئَةِ عِنْدَ وُقُوعِها شَرْطًا يَكُونُ مَضْمُونَ الجَزاءِ كَما في عِلْمِ المَعانِي وهو هُنا ﴿ ما فَعَلُوهُ ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ها هُنا ذَكَرَ المَشِيئَةَ فِيما تَقَدَّمَ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ وهو الإيمانُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ ثُمَّ ذُكِرَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ بِدُونِ مُتَعَلِّقٍ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُ مَضْمُونِ الجَزاءِ وأنْ يُقَدَّرُ ما عُلِّقَ بِهِ فِعْلُ المَشِيئَةِ سابِقًا ولا بَأْسَ بِمُراعاةِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحالُ والمَذْكُورُ في المَعانِي إنَّما هو فِيما لَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهِ فِعْلُ المَشِيئَةِ ولَمْ يَكُنْ قَرِينَةٌ غَيْرَ الجَزاءِ فَلْيُعْرَفْ ذَلِكَ فَإنَّهُ بَدِيعٌ والأوْلى عِنْدِي اعْتِبارُ مَضْمُونِ الجَزاءِ مُطْلَقًا وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ هُنا ﴿ ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ﴾ وفِيما يَأْتِي ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ ﴾ فَغايَرَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ في المَحَلَّيْنِ لِما ذَكَرَ بَعْضُهم وهو أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِن عَداوَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي لَوْ شاءَ مَنعَهم عَنْها فَلا يَصِلُونَ إلى المَضَرَّةِ أصْلًا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِهَذا العُنْوانِ إشارَةً إلى أنَّهُ مُرَبِّيهِ في كَنَفِ حِمايَتِهِ وإنَّما لَمْ يَفْعَلْ سُبْحانَهُ ذَلِكَ لِأمْرٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَذَكَرَ قَبْلَها إشْراكَهم فَناسَبَ ذِكْرُهُ عَزَّ اسْمُهُ بِعُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي عَدَمَ الِاشْتِراكِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ها هُنا: إذا كانَ ما فَعَلُوهُ مِن أحْكامِ عَداوَتِكَ مِن فُنُونِ المَفاسِدِ بِمَشِيئَةِ رَبِّكَ جَلَّ شَأْنُهُ الَّذِي لَمْ تَزَلْ في كَنَفِ حِمايَتِهِ وظِلِّ تَرْبِيَتِهِ فاتْرُكْهم وافْتِراءَهم أوْ وما يَفْتَرُونَهُ مِن أنْواعِ المَكايِدِ ولا تُبالِ بِهِ فَإنَّ لَهم في ذَلِكَ عُقُوباتٍ شَدِيدَةً ولَكَ عَواقِبُ حَمِيدَةٌ لِابْتِناءِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ البَتَّةَ.
<div class="verse-tafsir"
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا يعني: أعداء ومعنى ذلك كما جعلنا لك ولأمتك أعداء مثل أبي جهل وأصحابه كذلك جعلنا لكل نبى عدوا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قال مقاتل وذلك أن إبليس وكل شياطين الإنس وشياطين الجن يضلونهم فإذا التقى شيطان الجن مع شيطان الإنس قال أحدهما للآخر: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا فأضْلِلْ أنت صاحبك بكذا وكذا.
فذلك قوله: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يعني: يكلم بعضهم بعضاً بالإضلال.
وقال عكرمة: للجن شياطين مثل شياطين الإنس.
وروي عن الزبير بن العوام أنّ جنياً شكا إليه ما لقي من الشيطان، فعلمه دعاء ليخلص منه فدعا به، ووجه آخر شياطين الإنس والجن يعني: الشياطين من الإنس والشياطين من الجن، لأن كل عات متمرد فهو شيطان.
وروي عن أبي ذر الغفاري أنه قال دخلت على رسول الله وهو في المسجد فأمرني أن أصلي ركعتين فصليت ثم جلست عنده قال: «يا أَبَا ذَرَ تَعَوَّذْ بِالله مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَشَيَاطِينَ الجِنِّ» فقلت يا رسول الله أوَ من الإنس شياطين؟
فقال النبي «أوَ مَا تَقْرَأ قَوْلَهُ شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؟» .
وكذلك هذان القولان من قوله تعالى الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: 5، 6] ثم قال يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يعني يوسوس بعضهم بعضاً.
زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً يعني: ما زين منه وحسن وموه يعني: يزين القول باطلاً، يغرهم بذلك.
وأصل الزخرف الذهب.
وسمى الزينة زخرفاً لأن أصل الزينة من الذهب يعني: يزين لبعض الأعمال.
ثم قال: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ يعني: لو شاء ربك لمنعهم من الوسوسة، ولكن الله يمتحن بما يعلم أنه أبلغ في الحكمة وأجزل في الثواب فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ يعني: خلّ عنهم وما يكذبون من القول والغرور.
ثم قال: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ يقول: ولتميل إلى ذلك الزخرف والغرور.
أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ إلى هذه الزينة والغرور وَلِيَرْضَوْهُ يقول: لكي يقبلوا من الشياطين الزينة والغرور وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ يعني: ليكسبوا ما هم مكتسبون من المعاصي وليعملوا ما هم عاملون.
وقرأ بعضهم وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا بجزم اللام على معنى الأمر، والمراد به التهديد كقوله اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: 40] والقراءة المعروفة بكسر اللام، والمراد به التهديد، ومعناه: اتركهم ليعلموا ما هم عاملون.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
الضلالةِ والكُفْر، ومعنى الآية: أن هؤلاء الذين أقسموا أنَّهم يؤمنُون إنْ جاءت آية- نحْنُ نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم أنْ لو جاءت فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا أولَ مرَّة بما دُعُوا إلَيْه من عبادة اللَّه تعالى، فأخبر اللَّه عزَّ وجلَّ على هذا التأويل بصورة فعله بهم، وقالتْ فرقة: قوله: كَما في هذه الآية: إنما هي بمعنى المجازاة، أي: لما لم يؤمنوا أولَ مرَّة، نجازيهم، بأنْ نقلِّب أفئدتهم عن الهدى، ونطبع على قلوبهم، فكأنه قال: ونحْنُ نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم، جَزَاءً لِمَا لم يؤمنوا أول مرة بما دُعُوا إلَيْه من الشرع، والضميرُ في بِهِ يحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، أو على القرآن، أو على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَنَذَرُهُمْ: معناه: نتركُهم، والطغيانُ: التخبُّط في الشرِّ، والإفراط فيما يتناوله المرء، ويَعْمَهُونَ: معناه: يتردّدون في حيرتهم.
وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ...
الآية: أخبر سبحانه أنه لو أتى بجميع ما اقترحوه مِنْ إنزال ملائكةٍ وإحياءِ سلفهم حَسْبما اقترحه بعضُهم أنْ يُحْشَرَ قُصَيٌّ وغيره، فيخبر بصدْقِ محمَّد- عليه السلام-، أو يحشر عليهم كلُّ شيء قُبُلاً- ما آمنوا إلا بالمشيئةِ واللُّطْفِ الذي يخلقه ويَخْتَرِعُه سبحانه في نفْسِ مَنْ يشاء، لا ربَّ غيره.
وقرأ نافع «١» وغيره: «قبلاً» ، ومعناه مواجهةً ومعاينةً قاله ابن عباس «٢» وغيره، ونصبه علَى الحالِ، وقال المبرِّد: معناه: ناحيةً كما تقول: لِي قِبَلَ فلانٍ دَيْنٌ.
قال ع «٣» : فنصبه على هذا: هو على الظرفِ، وقرأ حمزة «٤» وغيره: «قبلا» - بضمّ
القافِ والباءِ-، واختلف في معناه، فقال بعضهم: هو بمعنى «قِبَل» بكسر القافِ، أي:
مواجهةً كما تقول: قُبُل ودُبُر.
وقال الزَّجَّاج والفَرَّاء: هو جَمْعُ قَبِيلٍ، وهو الكفيل، أي وحشرنا عليهم كلّ شيء كفلاء بصدق محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال مجاهد وغيره: هو جمع قَبِيلٍ، أي: صنفاً صنفاً، ونوعاً نوعاً «١» ، والنصب في هذا كلّه على الحالة، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ، أي: يجهلون في اعتقادهم أن الآية تقتَضِي إيمانهم، ولا بُدَّ، فيقتضي اللفظ أنَّ الأقلَّ لا يجهل، فكان فيهم من يعتقد أنَّ الآية لو جاءت لم يُؤْمِنْ إلا مَنْ شاء اللَّه منه ذلك، قُلْتُ: وقال مكِّيٌّ: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ، أي: في مخالَفَتِكَ، وهم يعلمون أنَّك نبيٌّ صادقٌ فيما جئتهم به، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ يُدَاعِبُ أَبَا سُفْيَانَ بَعْدَ الفَتْحِ بِمِخْصَرَةٍ فِي يَدِهِ، وَيَطْعُنُ بِهَا أَبَا سُفْيَانَ، فَإذَا أحرقته، قال: نحّ عنّي مخصرتك، فو الله، لَوْ أَسْلَمْتُ إلَيْكَ هَذَا الأَمْرَ، مَا اختلف عليك فيه اثنان.
فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَسْلَمْتَ لَهُ، قِتَالُكَ إيَّايَ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ؟
فَقَالَ لَهُ أَبُو/ سُفْيَانَ: تَظُنُّ أَنِّي كُنْتُ أُقَاتِلُكَ تَكْذِيباً مِنِّي لَكَ، وَاللَّهِ، مَا شَكَكْتُ فِي صَدْقِكَ قَطُّ، وَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُكَ إلاَّ حَسَداً مِنِّي لَكَ، فَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَعَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِي، فَكَانَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَشْتَهِي ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَتَبَسَّمُ» .
انتهى من «الهداية» .
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ...
الآيةَ: تتضمَّن تسلية النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وعَرْضَ القُدْوة عليه، أي: هذا الذي امتحنت به، يا محمَّد، مِن الأعداء قد امتحن به غَيْرُك من الأنبياء ليبتليَ اللَّه أُولِي العزم منهم، وشَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ:
يريد: المتمردين من النوعين، ويُوحِي: معناه: يلقيه في اختفاء، فهو كالمناجاةِ والسِّرَارِ، وزُخْرُفَ الْقَوْلِ: محسَّنه ومُزَيَّنه بالأباطيل قاله عكرمة ومجاهد «٢» ، والزخرفة أكثر ما تستعملُ في الشرِّ والباطل، وغُرُوراً: مصدرٌ، ومعناه يغرُّون به المضلَّلين، والضمير في فَعَلُوهُ عائدٌ على اعتقادهم العداوةَ، ويحتملُ على «الوحْيِ» الذي تضمَّنه يُوحِي.
وقوله سبحانه: فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ: لفظٌ يتضمَّن الأمر بالموادعة، وهو منسوخ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ أيْ: وكَما جَعَلْنا لَكَ ولِأُمَّتِكَ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ أعْداءً، كَذَلِكَ جَعَلْنا لِمَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ؛ والمَعْنى: كَما ابْتَلَيْناكَ بِالأعْداءِ، ابْتُلِينا مِن قَبْلِكَ، لَيَعْظُمَ الثَّوابُ عِنْدَ الصَّبْرِ عَلى الأذى.
قالَ الزَّجّاجُ: "وَعَدُوٌّ" في مَعْنى أعْداءَ "وَشَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ": مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ مِن "عَدْوٍّ" ومُفَسَّرٌ لَهُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: "عَدُوًّا" مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، المَعْنى: وكَذَلِكَ جَعَلْنا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ أعْداءً لَأُمَمِهِمْ.
وفي شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم مَرَدَةُ الإنْسِ والجِنِّ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ شَياطِينَ الإنْسِ: الَّذِينَ مَعَ الإنْسِ وشَياطِينَ الجِنِّ: الَّذِينَ مَعَ الجِنِّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ: كُفّارُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: يُوحِي أصْلُ الوَحْيِ: الإعْلامُ والدَّلالَةُ بِسَتْرٍ وإخْفاءٍ.
وَفِي المُرادِ بِهِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: يَأْمُرُ.
والثّانِي: يُوَسْوِسُ.
والثّالِثُ: يُشِيرُ.
وَأمّا ﴿ زُخْرُفَ القَوْلِ ﴾ فَهو ما زُيِّنَ مِنهُ، وحَسُنَ، ومُوِّهَ، وأصْلُ الزُّخْرُفِ: الذَّهَبُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وزَيَّنْتَهُ وهو باطِلٌ، فَهو زُخْرُفٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: "الزُّخْرُفُ" في اللُّغَةِ: الزِّينَةُ؛ فالمَعْنى: أنَّ بَعْضَهم يُزَيِّنُ لَبَعْضِ الأعْمالِ القَبِيحَةِ؛ "وَغُرُورًا" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ وهَذا المَصْدَرُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى إيحاءِ الزُّخْرُفِ مِنَ القَوْلِ: مَعْنى الغُرُورِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يَغُرُّونَ غُرُورًا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا": الأمانِي بِالباطِلِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وكُلُّ إبْلِيسٍ بِالإنْسِ شَياطِينٌ يُضِلُّونَهم.، فَإذا التَقى شَيْطانُ الإنْسِ بِشَيْطانِ الجِنِّ، قالَ أحَدَهُما لَصاحِبِهِ: إنِّي أضْلَلْتُ صاحِبِي بِكَذا وكَذا، فَأضْلِلْ أنْتَ صاحِبَكَ بِكَذا وكَذا، فَذَلِكَ وحْيُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا أعْيا شَيْطانَهُ، ذَهَبَ إلى مُتَمَرِّدٍ مِنَ الإنْسِ، وهو شَيْطانُ الإنْسِ، فَأغْراهُ بِالمُؤْمِنِ لِيَفْتِنَهُ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ مِنَ الجِنِّ شَياطِينَ، وإنَّ مِنَ الإنْسِ شَياطِينَ.
وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: إنَّ شَيْطانَ الإنْسِ أشَدُّ عَلَيَّ مِن شَيْطانِ الجِنِّ، لَأنِّي إذا تَعَوَّذْتُ مِن ذاكَ ذَهَبَ عَنِّي، وهَذا يَجُرُّنِي إلى المَعاصِي عَيانًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الوَسْوَسَةِ.
والثّانِي: تَرْجِعُ إلى الكُفْرِ.
والثّالِثُ: إلى الغُرُورِ، وأذى النَّبِيِّينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ كُفّارَ مَكَّةَ وما يَفْتَرُونَ مِنَ الكَذِبِ.
وقالَ غَيْرُهُ: فَذَرِ المُشْرِكِينَ وما يُخاصِمُونَكَ بِهِ مِمّا يُوحِي إلَيْهِمْ أوْلِياؤُهم، وما يَخْتَلِقُونَ مِن كَذِبٍ، وهَذا القَدْرُ مِن هَذِهِ الآَيَةِ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ أخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ أتى بِجَمِيعِ ما اقْتَرَحُوهُ؛ مِن إنْزالِ المَلائِكَةِ؛ وإحْياءِ سَلَفِهِمْ؛ حَسْبَما كانَ مِنَ اقْتِراحِ بَعْضِهِمْ أنْ يُحْشَرَ قُصَيٌّ ؛ وغَيْرُهُ؛ فَيُخْبِرَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ؛ أو يُجْمَعَ عَلَيْهِمْ كُلُّ شَيْءٍ يُعْقَلُ أنْ يُحْشَرَ عَلَيْهِمْ؛ ما آمَنُوا؛ إلّا بِالمَشِيئَةِ؛ واللُطْفِ الَّذِي يَخْلُقُهُ تَعالى ؛ ويَخْتَرِعُهُ في نَفْسِ مَن شاءَ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ وهَذا يَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي تَضْطَرُّ الكُفّارَ إلى الإيمانِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُسْتَهْزِئِينَ؛ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا يَثْبُتُ إلّا بِسَنَدٍ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وغَيْرُهُما: "قِبَلًا"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ ومَعْناهُ: "مُواجَهَةً؛ ومُعايَنَةً"؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وغَيْرُهُ؛ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ؛ وقالَ المُبَرِّدُ: اَلْمَعْنى: "ناحِيَةً"؛ كَما تَقُولُ: "لِي قِبَلَ فُلانٍ دَيْنٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَنَصْبُهُ - عَلى هَذا - هو عَلى الظَرْفِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: "قُبُلًا"؛ بِضَمِّ القافِ؛ والباءِ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ هُنا؛ وقَرَأ: "اَلْعَذابَ قِبَلًا"؛ مَكْسُورَةَ القافِ؛ واخْتُلِفَ في مَعْناهُ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: "قُبُلٌ": جَمْعُ "قَبِيلٌ"؛ أيْ: صِنْفًا صِنْفًا؛ ونَوْعًا نَوْعًا؛ كَما يُجْمَعُ "قَضِيبٌ"؛ عَلى "قُضُبٌ"؛ وغَيْرُهُ؛ وقالَ الفَرّاءُ ؛ والزَجّاجُ: هو جَمْعُ "قَبِيلٌ"؛ وهُوَ: "اَلْكَفِيلُ"؛ أيْ: "وَحَشَرَنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ كُفَلاءَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ"؛ وذَكَرَهُ الفارِسِيُّ ؛ وضَعَّفَهُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: "قُبُلٌ"؛ بِالضَمِّ؛ بِمَعْنى: "قِبَلٌ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ أيْ: "مُواجَهَةً"؛ كَما تَقُولُ: "قُبُلَ"؛ و"دُبُرَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُدَّ مِن قُبُلٍ ﴾ ؛ ومِنهُ قِراءَةُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ"؛ أيْ لِاسْتِقْبالِها؛ ومُواجَهَتِها في الزَمَنِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ وأبُو حَيْوَةَ: "قُبْلًا"؛ بِضَمِّ القافِ؛ وسُكُونِ الباءِ؛ وذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَخْفِيفِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قَبْلًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وإسْكانِ الباءِ؛ وقَرَأ أُبَيٌّ؛ والأعْمَشُ: "قَبِيلًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الباءِ؛ وزِيادَةِ ياءٍ؛ والنَصْبُ في هَذا كُلِّهِ عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ ﴾ ؛ اَلضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ والمَعْنى: "يَجْهَلُونَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي إيمانَهُمْ؛ ولا بُدَّ"؛ فَيَقْتَضِي اللَفْظُ أنَّ الأقَلَّ لا يَجْهَلُ؛ فَكانَ فِيهِمْ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ الآيَةَ لَوْ جاءَتْ لَمْ يُؤْمِن إلّا أنْ يَشاءَ اللهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ تَسْلِيَةَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وعَرْضَ القُدْوَةِ عَلَيْهِ؛ أيْ: "إنَّ هَذا الَّذِي امْتُحِنْتَ بِهِ يا مُحَمَّدُ؛ مِنَ الأعْداءِ؛ قَدِ امْتُحِنَ بِهِ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ؛ لِيَبْتَلِيَ اللهُ تَعالى أُولِي العَزْمِ مِنهُمْ"؛ و"عَدُوًّا"؛ مُفْرَدٌ في مَعْنى الجَمْعِ؛ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِـ "جَعَلْنا"؛ والمَفْعُولُ الثانِي في قَوْلِهِ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ"؛ و"شَياطِينَ"؛ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "عَدُوًّا"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ "شَياطِينَ"؛ والثانِي "عَدُوًّا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ المُتَمَرِّدِينَ - مِنَ النَوْعَيْنِ - الَّذِينَ هم مِن شِيَمِ السُوءِ؛ كالشَياطِينِ؛ وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ صَلّى يَوْمًا؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "تَعَوَّذْ يا أبا ذَرٍّ مِن شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ"؛ قالَ: وإنَّ مِنَ الإنْسِ لِشَياطِينَ؟
قالَ: "نَعَمْ"؛» قالَ السُدِّيُّ ؛ وعِكْرِمَةُ: اَلْمُرادُ بِالشَياطِينِ: اَلْمُوَكَّلُونَ بِالإنْسِ؛ والشَياطِينُ المُوَكَّلُونَ بِمُؤْمِنِي الجِنِّ؛ وزَعَما أنَّ لِلْجِنِّ شَياطِينَ مُوَكَّلِينَ بِغَوايَتِهِمْ؛ وأنَّهم يُوحُونَ إلى شَياطِينِ الإنْسِ بِالشَرِّ؛ والوَسْوَسَةِ؛ يَتَعَلَّمُها بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؛ قالا: ولا شَياطِينَ مِنَ الإنْسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ لا يَسْتَنِدُ إلى خَبَرٍ؛ ولا إلى نَظَرٍ.
و"يُوحِي"؛ مَعْناهُ: يُلْقِيهِ في اخْتِفاءٍ؛ فَهو كالمُناجاةِ؛ والسِرارِ؛ و ﴿ زُخْرُفَ القَوْلِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "مُحَسِّنَهُ؛ ومُزَيِّنَهُ بِالأباطِيلِ"؛ قالَهُ عِكْرِمَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والزَخْرَفَةُ أكْثَرُ ذَلِكَ؛ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في الشَرِّ والباطِلِ؛ و"غُرُورًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ ومَعْناهُ أنَّهم يُغْرُونَ بِهِ المُضَلِّلِينَ؛ ويُوهِمُونَ لَهم أنَّهم عَلى شَيْءٍ؛ والأمْرُ بِخِلافٍ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَعَلُوهُ"؛ عائِدٌ عَلى اعْتِقادِهِمُ العَداوَةَ؛ ويُحْتَمَلُ عَلى الوَحْيِ؛ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ "يُوحِي"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ ﴾ ؛ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالمُوادَعَةِ؛ مَنسُوخٌ بِآياتِ القِتالِ؛ قالَ قَتادَةُ: كُلُّ "ذَرْ"؛ في كِتابِ اللهِ تَعالى فَهو مَنسُوخٌ بِالقِتالِ؛ و"يَفْتَرُونَ"؛ مَعْناهُ: "يَخْتَلِفُونَ؛ ويَشْتَقُّونَ"؛ وهو مِن "اَلْفِرْيَةُ"؛ تَشْبِيهًا بِفَرْيِ الأدِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
اعتراض قصد منه تسلية الرّسول صلى الله عليه وسلم والواو واو الاعتراض، لأنّ الجملة بمنزلة الفذلكة، وتكون للرّسول صلى الله عليه وسلم تسلية بعد ذكر ما يحزنه من أحوال كفار قومه، وتصلبّهم في نبذ دعوته، فأنبأه الله: بأنّ هؤلاء أعداؤه، وأن عداوة أمثالهم سنة من سنن الله تعالى في ابتلاء أنبيائه كلّهم، فما منهم أحد إلاّ كان له أعداء، فلم تكن عداوة هؤلاء للنبيء عليه الصلاة والسلام بِدْعا من شأن الرّسل.
فمعنى الكلام: ألَسْتَ نبيئا وقد جعلنا لكلّ نبيء عدوّا إلى آخره.
والإشارة بقوله: ﴿ وكذلك ﴾ إلى الجعل المأخوذ من فعل ﴿ جعلنا ﴾ كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً ﴾ [البقرة: 143].
فالكاف في محل نصب على أنّه مفعول مطلق لفعل ﴿ جعلنا ﴾ .
وقوله: ﴿ عدواً ﴾ مفعول ﴿ جعلنا ﴾ الأوّل، وقوله: ﴿ لكل نبي ﴾ المجرور مفعول ثان ل ﴿ جعلنا ﴾ وتقديمه على المفعول الأول للاهتمام به، لأنّه الغرض المقصود من السّياق، إذ المقصود الإعلام بأنّ هذه سنّة الله في أنبيائه كلّهم، فيحصل بذلك التَّأسِّي والقُدوة والتّسلية؛ ولأن في تقديمه تنبيهاً من أول السمع على أنه خبر، وأنه ليس متعلّقا بقوله: ﴿ عدواً ﴾ كيلا يخال السّامع أنّ قوله: ﴿ شياطين الإنس ﴾ مفعول لأنّه يُحَوّل الكلام إلى قصد الإخبار عن أحوال الشّياطين، أو عن تعيين العدوّ للأنبياء من هو، وذلك ينافي بلاغة الكلام.
و ﴿ شياطين ﴾ بدل من ﴿ عدواً ﴾ وإنَّما صيغ التّركيب هكذا: لأنّ المقصود الأوّل الإخبار بأنّ المشركين أعداء للرّسول صلى الله عليه وسلم فمن أعرب ﴿ شياطين ﴾ مفعولاً ل ﴿ جَعل ﴾ و ﴿ لكل نبي ﴾ ظرفاً لغواً متعلِّقاً ب ﴿ عدوّا ﴾ فقد أفسد المعنى.
والعَدُوّ: اسم يقع على الواحد والمعتددّ، قال تعالى: ﴿ هم العدوّ فاحذرهم ﴾ [المنافقون: 4] وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم ﴾ في سورة النساء (92).
والشّيطان أصله نوع من الموجودات المجرّدة الخفية، وهو نوع من جنس الجنّ، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشّياطين على ملك سليمان ﴾ [البقرة: 102].
ويطلق الشّيطان على المضلّل الّذي يفعل الخبائث من النّاس على وجه المجاز.
ومنه «شياطين العرب» لجماعة من خباثهم، منهم: ناشب الأعور، وابنُه سعد بن ناشب الشّاعر، وهذا على معنى التّشبيه، وشاع ذلك في كلامهم.
والإنس: الإنسان وهو مشتقّ من التأنّس والإلْف، لأنّ البشر يألف بالبشر ويأنس به، فسمّاه إنساً وإنساناً.
و«شياطين الإنس» استعارة للنّاس الّذين يفعلون فعل الشّياطين: من مكر وخديعة.
وإضافة شياطين إلى الإنس إضافة مجازية على تقدير (مِن) التبعيضية مجازا، بناء على الاستعارة التي تقتضي كون هؤلاء الإنس شياطين، فهم شياطين، وهم بعض الإنس، أي أنّ الإنس: لهم أفراد متعارفة، وأفراد غير متعارفة يطلق عليهم اسم الشّياطين، فهي بهذا الاعتبار من إضافة الأخصّ من وجهٍ إلى الأعمّ من وجهٍ، وشياطين الجنّ حقيقة، والإضافة حقيقة، لأنّ الجنّ منهم شياطين، ومنهم غير شياطين، ومنهم صالحون، وعداوة شياطين الجنّ للأنبياء ظاهرة، وما جاءت الأنبياء إلاّ للتحذير من فعل الشّياطين، وقد قال الله تعالى لآدم: ﴿ إنّ هذا عدوّ لك ولزوجك ﴾ [طه: 117].
وجملة ﴿ يوحى ﴾ في موضع الحال، يتقيّد بها الجَعل المأخوذ من ﴿ جعلنا ﴾ فهذا الوحي من تمام المجعول.
والوحي: الكلام الخفي، كالوسوسة، وأريد به ما يشمل إلقاء الوسوسة في النّفس من حديث يُزوّر في صورة الكلام.
والبعض الموحي: هو شياطين الجنّ، يُلقون خواطر المقدرة على تعليم الشرّ إلى شياطين الإنس، فيكونون زعماء لأهل الشرّ والفساد.
والزّخرف: الزّينة، وسمّي الذهب زُخرفاً لأنَّه يتزيَّن به حَلياً، وإضافة الزخرف إلى القول من إضافة الصّفة إلى الموصوف، أي القول الزُخرف: أي المُزَخْرَف، وهو من الوصف بالجامد الّذي في معنى المشتق، إذ كان بمعنى الزيْن.
وأفهم وصف القول بالزُخرف أنّه محتاج إلى التّحسين والزخرفَة، وإنَّما يحتاج القول إلى ذلك إذا كان غير مشتمل على ما يكسبه القبول في حدّ ذاته، وذلك أنّه كان يفضي إلى ضُرّ يحتاج قائله إلى تزيينه وتحسينه لإخفاء ما فيه من الضرّ، خشية أن ينفر عنه من يُسوله لهم، فذلك التّزيين ترويج يستهوون به النّفوس، كما تموّه للصّبيان اللُّعب بالألوان والتذهيب.
وانتصب ﴿ زخرف القول ﴾ على النيابة عن المفعول المطلق من فِعل ﴿ يوحى ﴾ لأنّ إضافة الزّخرف إلى القول، الّذي هو من نوع الوحي، تجعل ﴿ زخرف ﴾ نائياً عن المصدر المبيِّن لنوع الوحي.
والغرور: الخِداع والإطماع بالنّفع لقصد الإضرار، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ لا يغرنَّك تقلّب الذين كفروا في البلاد ﴾ في سورة آل عمران (196).
وانتصب غروراً } على المفعول لأجله لفعل ﴿ يوحى ﴾ ، أي يرحون زخرف القول ليَغُرّوهم.
والقول في معنى المشيئة من قوله: ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ كالقول في ﴿ ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله ﴾ [الأنعام: 111] وقوله: ﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ [الأنعام: 107] والجملة معترضة بين المفعول لأجله وبين المعطوف عليه.
والضّمير المنصُوبُ في قوله: ﴿ فعلوه ﴾ عائد إلى الوحي.
المأخوذ من ﴿ يوحى ﴾ أو إلى الإشراك المتقدّم في قوله: ﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ [الأنعام: 107] أو إلى العداوة المأخوذة من قوله: ﴿ لكل نبي عدواً ﴾ .
والضّمير المرفوع عائد إلى ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ ، أو إلى المشركين، أو إلى العدوّ، وفرع عليه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتركهم وافتراءَهم، وهو تركُ إعراضضٍ عن الاهتمام بغرورهم، والنكدِ منه، لا إعْراض عن وعظهم ودعوتهم، كما تقدّم في قوله: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ .
والواو بمعنى مع.
﴿ وما يفترون ﴾ مَوصول منصوب على المفعول معه.
وما يفترونه هو أكاذيبهم الباطلة من زعمهم إلهية الأصنام، وما يتبع ذلك من المعتقدات الباطلة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ أيْ جَعَلْنا لِلْأنْبِياءِ أعْداءً كَما جَعَلْنا لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ أعْداءً.
وَفي ﴿ جَعَلْنا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ حَكَمْنا بِأنَّهم أعْداءٌ.
والثّانِي: مَعْناهُ تَرَكْناهم عَلى العَداوَةِ، فَلَمْ نَمْنَعْهم مِنها.
وَفي ﴿ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي شَياطِينَ الإنْسِ الَّذِينَ مَعَ الإنْسِ، وشَياطِينَ الجِنِّ الَّذِينَ مَعَ الجِنِّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: شَياطِينُ الإنْسِ كُفّارُهم، وشَياطِينُ الجِنِّ كُفّارُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ مَرَدَتُهم، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
﴿ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ في يُوحِي ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي يُوَسْوِسُ بَعْضُهم بَعْضًا.
والثّانِي: يُشِيرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَعَبَّرَ عَنِ الإشارَةِ بِالوَحْيِ كَقَوْلِهِ: ﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ و ﴿ زُخْرُفَ القَوْلِ ﴾ ما زَيَّنُوهُ لَهم مِنَ الشُّبَهِ في الكُفْرِ وارْتِكابِ المَعاصِي.
والثّالِثُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا كَقَوْلِهِ: ﴿ وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها ﴾ أيْ أمْرٌ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما فَعَلُوهُ مِنَ الكُفْرِ.
والثّانِي: ما فَعَلُوا مِن زُخْرُفِ القَوْلِ.
وَفي تَرْكِهِمْ عَلى ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ابْتِلاءً لَهم وتَمْيِيزًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهم.
والثّانِي: لا يُلْجِئُهم إلى الإيمانِ فَيَزُولُ التَّكْلِيفُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ أيْ تَمِيلُ إلَيْهِ قُلُوبُهم، والإصْغاءُ: المَيْلُ، قالَ الشّاعِرُ: تَرى السَّفِيهَ بِهِ عَنْ كُلِّ مُحْكَمَةٍ زَيْغٌ وفِيهِ إلى التَّشْبِيهِ إصْغاءُ وَتَقْدِيرُ الكَلامِ، يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا لِيُغْرُوهم ولِتُصْغِيَ إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هي لامُ أمْرٍ ومَعْناها الخَبَرُ.
﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ لِأنَّ مَن مالَ قَلْبُهُ إلى شَيْءٍ رَضِيَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُرْضِيًا.
﴿ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولِيَكْتَسِبُوا مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي ما هم مُكْتَسِبُونَ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
والثّانِي: ولِيَكْذِبُوا عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ما هم كاذِبُونَ، وهو مُحْتَمَلٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإِنس.
قال: يا نبي الله وهل للإِنس شياطين؟
قال: نعم ﴿ شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ﴾ ؟» .
وأخرج أحمد وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم «تعوذ شياطين الانس والجن.
قلت: يا رسول الله وللانس شياطين؟
قال: نعم» .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً شياطين الإنس والجن ﴾ قال: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإِنس يضلونهم، فيلتقي شيطان الإِنس وشيطان الجن فيقول هذا لهذا: أضلله بكذا وأضلله بكذا.
فهو قوله: ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ﴾ وقال ابن عباس: الجن هم الجان وليسوا بشياطين، والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس، والجن يموتون فمنهمم المؤمن ومنهم الكافر.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود قال: الكهنة هم شياطين الإِنس.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوحي بعضهم إلى بعض ﴾ قال: شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإِنس، فإن الله تعالى يقول ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ﴾ [ الأنعام: 121] .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ شياطين الإِنس والجن ﴾ قال: من الإِنس شياطين ومن الجن شياطين.
﴿ يوحي بعضهم إلى بعض ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ يقول: بوراً من القول.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ يقول: بوراً من القول.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ قال: يحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهمم.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو نصر السجزي في الابانة وأبو الشيخ عن مجاهد في الآية قال: شياطين الجن يوحون إلى شياطين الانس كفار الإِنس ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ قال: تزيين الباطل بالألسنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ زخرف القول ﴾ قال: زخرفوه وزينوه ﴿ غروراً ﴾ قال: يغرون به الناس والجن.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد في الآية قال: الزخرف المزين حيث زين لهم هذا الغرور كما زين إبليس لآدم ما جاء به، وقاسمه إنه لمن الناصحين.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولتصغى ﴾ لتميل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ولتصغى إليه أفئدة ﴾ قال: تزيغ ﴿ وليقترفوا ﴾ قال: ليكتسبوا.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ قال: لتميل إليه قلوب الكفار ﴿ وليرضوه ﴾ قال: يحبوه ﴿ وليقرفوا ما هم مقترفون ﴾ يقول: ليعملوا ما هم عاملون.
وأخرج الطستي وابن الأنباري عن ابن عباس أن نافر بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ قال: باطل القول غروراً قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت أوس بن حجر وهو يقول: لم يغروكم غروراً ولكن ** يرفع الال جمعكم والدهاء وقال زهير بن أبي سلمى: فلا يغرنك دنيا ان سمعت بها ** عند امرئ سروه في الناس مغرور قال: فأخبرني عن قوله: ﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ﴾ ما تصغي؟
قال: ولتميل إليه.
قال فيه الفطامي: وإذا سمعن هما هما رفقة ** ومن النجوم غوابر لم تخفق أصغت إليه هجائن بخدودها ** آذانهن إلى الحداة السوّق قال: أخبرني عن قوله: ﴿ وليقترفوا ما هم مقترفون ﴾ قال: ليكتسبوا ما هم مكتسبون فإنهم يوم القيامة يجازون بأعمالهم.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: وإني لآتي ما أتيت وإنني ** لما اقترفت نفسي عليّ لراهب <div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ الآية: تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي بغيره ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ أي المتمردين من الصنفين، ونصب شياطين على البدل من عدواً، إذ هو بمعنى الجمع أو مفعول أول، وعدواً مفعول ثان ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ ﴾ أي يوسوس ويلقي الشر ﴿ زُخْرُفَ القول غُرُوراً ﴾ ما يزينه من القول ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ الضمير عائد على وحيهم، أو على عداوة الكفار ﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ وعيد ﴿ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ ما في موضع نصب على أنها مفعول معه أوعطف على الضمير.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ قبلاً ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون: بضمتين.
﴿ منزل ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحفص والمفضل.
﴿ كلمة ربك ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.
الباقون ﴿ كلمات ﴾ ﴿ من يضل ﴾ من الإضلال: الأصبهاني عن نصير، فصل على البناء للفاعل و ﴿ حرم ﴾ على البناء للمفعول: حمزة وخلف وعاصم غير حفص والمفضل، وقرأ أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وحفص جميعاً بالفتح الباقون: على البناء للمفعول فيهما ﴿ ليضلون ﴾ بضم الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون: بالفتح.
الوقوف: ﴿ يجهلون ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ مفصلاً ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ وعدلاً ﴾ ه ﴿ لكلماته ﴾ ج لابتداء الضمير المنفصل مع احتمال الواو الحال أي لا تبديل لكلماته وهو يسمع ويعلم، ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ج ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ بالمعتدين ﴾ ه ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ يقترفون ﴾ ه ﴿ لفسق ﴾ ط ﴿ ليجادلوكم ﴾ ج ﴿ لمشركون ﴾ ه.
التفسير: هذا شروع في تفصيل ما أجمله قوله ﴿ أنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وكان المستهزؤن بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب والحرث بن حنظلة، أتوا الرسول صلى الله عليه وآله في رهط من أهل مكة فقالوا: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله ، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقول أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه، فنفى الله عنهم الإيمان وإن أوتوا هذه المقترحات.
قال أبو زيد: يقال لقيت فلاناً قبلاً وقبلاً ومقابلة كلها بمعنى واحد وهو المواجهة رواه الواحدي، وقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: قبلاً بكسر القاف معناه معاينة.
روي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله: أكان آدم نبياً؟
قال: نعم، كان نبياً كلمه الله قبلاً، وأما قبلاً بضمتين فقيل: إنه جمع قبيل ومعناه الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب ولهذا قال الأخفش في تفسيره أي قبيلاً قبيلاً.
أو معناه الكفيل والعريف من قبل به يقبل قبالة، والمعنى لو حشرنا عليهم كل شيء فكفلوا بصحة ما يقول ما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، ومنها حي ومنها ميت، فإذا حشرها الله على اختلاف طبائعها مجتمعة في موقف واحد ثم أنطقها وأطبقوا على قبول هذه الكفارة كان ذلك من أعظم المعجزات، أما قوله : ﴿ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴾ إيمانهم، فقد قالت الأشاعرة: فلما لم يؤمنوا دل على أنه ما شاء إيمانهم، وقالت المعتزلة: لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم به لم يجب، ولو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر في كفره مطيعاً لله لأنه لا معنى للطاعة إلا فعل المراد، ولو جاز من الله أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به، ولجاز أن يأمرنا بأن نريد الكفر.
فالمراد من الآية أنه شاء من الكل الإيمان الاختياري وما شاء الإيمان القهري.
والمعنى: ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً إلا أن يشاء الله مشيئة إكراه واضطرار فحينئذ يؤمنون، وزيف بأن الاختيار لا بد معه من حصول داعية يترجح بها أحد طرفي الممكن، ولا تحصل تلك الداعية إلا بتخليق الله فكأنه لا اختيار.
قال الجبائي: قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ يدل على حدوث المشيئة إذ لو كانت قديمة وهي الشرط لزم من حصولها حصول المشروط.
وأجيب بأنها قديمة إلا أن تعلقها بأحداث المحدث في الحال إضافة حادثة.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قالت الأشاعرة: أي لا يعلمون أن الكل بقضاء الله وبقدره.
وقالت المعتزلة: إنهم لا يدرون أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآية التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في إيمانهم الاختياري بمجيء الآيات المقترحات.
ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ قيل: إنه منسوق على قوله: ﴿ وكذلك زينا ﴾ أي وكما زينا لكل أمة عملهم ﴿ جعلنا ﴾ وقيل: إن المشار إليه محذوف أي وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر.
قالت الأشاعرة: لا شك أن تلك العداوة معصية وكفر، وأن جعلها شرفاً لآية تدل على أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله.
قال الجبائي: المراد بهذا الجعل أنه حكم وبين فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل إنه كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل عدله.
وقال الكعبي: إنه أمر الأنبياء.
لأن العداوة تكون من الجانبين.
أجاب أبو بكر الأصم بأنه لما أرسل محمداً إلى العالمين وخصه بتلك المعجزات صار ذلك التخصيص سبباً للحسد والعداوة أو للبغضاء فهذا هو المراد بجعلهم أعداء له.
وزيف بأن الأفعال مستندة إلى الدواعي وهي من الله ، وبأن العداوة والمحبة متعلقة بالطبع لا بالإرادة والتكلف فلا يقدر عليها إلا الله ، وانتصاب ﴿ الشياطين ﴾ كما مر في قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: ﴿ عدوّا ﴾ في معنى الجمع، ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى هذا التكلف لصحة قولنا: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوّاً واحداً: إذ ليس يجب أن يحصل لكل واحدة من الأنبياء أكثر من عدو واحد.
عن ابن عباس: كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان.
وقال مجاهد وقتادة والحسن: إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، وإن شيطان الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليعينه عليه.
"روي أن النبي وآله قال لأبي ذر: هل تعوّذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟
قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟
قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" .
وقيل: إن الجميع من ولد إبليس إلا أن الذي يوسوس للإنس يسمى شيطان الإنس، والذي يوسوس للجن يسمى شيطان الجن.
وزيف بأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين.
وعن مالك بن دينار أن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً.
ومعنى الإيحاء الإيمان أو القول السريع أي يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وكأنه لا يتصوّر وسوسة الإنس إلى الجن إلا على تقدير القول بالتسخير.
و ﴿ زخرف القول ﴾ ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والتحقيق فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور خيرية أو نفعاً لم يرغب فيه.
ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للواقع فهو الحق والصدق والإلهام وكان صادراً من الملك وإلا كان مزخرفاً أي يكون باطنه فاسداً وظاهره مزيناً، قال الواحدي: ﴿ غروراً ﴾ نصب على المصدر لأن إيحاء الزخرف من القول في معنى الغرور.
﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ استدلال الأشاعرة به ظاهر والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء.
﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ منصوب على أنه مفعول معه أو مفعول به أي وافتراءهم أو ما يفترونه.
قال ابن عباس: يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به، وفيه تحذير من الكفر وترغيب في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتنبيه له على ما أعد للكفرة من العقاب وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم.
الصغو في اللغة الميل.
يقال في المستمع إنه مصغ إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت.
وأصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في بعض.
ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى.
قال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغواً أي مال، وكذلك صغى بالكسر يصغي بالفتح صغى وصغياً، واللام في ﴿ ولتصغي ﴾ لا بد لها من متعلق فقالت الأشاعرة: التقدير وإنما جعلنا مثل ذلك الشخص عدوّاً للنبي لتميل ﴿ إليه ﴾ أو إلى قوله المزخرف ﴿ أفئدة ﴾ الكفار فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة النبي ﴿ وليرضوه ﴾ وليختاروه على أنفسهم ﴿ وليقترفوا ﴾ وليكتسبوا من الآثام ﴿ ما هم مقترفون ﴾ وقال الجبائي: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ .
وزيف بأن حمل لام كي على لام الأمر تحريف.
وقال الكعبي: هي لام العاقبة تقديره: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار جعلنا لكل نبي عدواً.
وعن أبي مسلم أنها معطوفة على موضع ﴿ غرور ﴾ والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغتروا بذلك ولتميل قلوب الكفار إلى المذاهب الباطلة.
وأورد عليه أن ميل القلوب إلى الآراء الفاسدة هو عين الاغترار فيلزم عطف الشيء على نفسه.
وههنا بحث وهو أن الأشاعرة قالوا: البنية ليست شرطاً للحياة، فالحي هو الجزء الذي قامت الحياة به، والعالم هو الجزء الذي قام العلم به.
وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء.
حجة الأشاعرة أنه جعل الموصوف بالميل والرغبة في الآية هو القلب لا جملة الحي، وبمثله استدل من جعل المتعلق الأول للنفس هو القلب لا مجموع البدن.
ثم إنه لما ذكر أنه لا فائدة لهم في إظهار الآيات التي اقترحوها بين بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل والزائد على ذلك لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: الأول: أن الله قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل عليه الكتاب المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته وأشار إلى هذا الوجه بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز.
الوجه الثاني: اشتمال التوراة والإنجيل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله حقاً، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله وأشار إليه بقوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ﴾ ثم قال: ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ والخطاب لكل أحد أي إذا ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد.
وقيل: الخطاب للرسول في الظاهر والمراد به الأمة.
وقيل: الخطاب للرسول في الحقيقة والمراد التهييج والإلهاب كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ والمراد فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم.
قال الواحدي: الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة.
وقال بعض أهل التأويل: الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم والحكم هو الذي لا يحكم إلا بالحق.
ثم لما بين أن القرآن معجز قال: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي القرآن.
وقوله: ﴿ صدقاً وعدلاً ﴾ مصدران منتصبان على الحال من الكلمة، ومعنى تمامها أنها وافية كافية في كونها معجزة دالة على صدق محمد، أو كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى القيامة علماً وعملاً، أو المراد بالتمام أنها أزلية ولا يحدث بعد ذلك شيء.
واعلم أن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف؛ فالخبر كل ما أخبر الله عن وجوده أو عن عدمه كالخبر عن وجود ذاته وحصول صفاته أعني كونه قادراً سميعاً بصيراً ويدخل فيه الخبر عن صفات التقديس والتنزيه كقوله : ﴿ لم يلد ولم يولد ﴾ ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله وكيفية تدبيره لملكوته في السموات والأرض وفي عالم الأرواح والأجسام، ويدخل فيه الخبر عن أحكام الله في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أقسام أسماء الله والخبر عن النبوات وأقسام المعجزات، والخبر عن أحوال النشر والقيامة وصفات أهل الجنة والنار.
والخبر عن أحوال المتقدمين والخبر عن المغيبات.
وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه على عبيده سواء كان ملكاً أو بشراً أو شيطاناً، وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء المتقدمين أو في مراسيم الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله .
فإذن المراد وتمت كلمات ربك صدقاً إن كان من باب الخبر وعدلاً إن كان من باب التكاليف وهذا ضبط حسن.
وقيل: إن كل ما أخبر الله عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد أن يكون واقعاً، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون بصفة الظلم.
ثم قال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبه في كون القرآن دالاً على صدق محمد إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلالة ألبته لجلاء الدلالة ووضوحها.
أو المراد أن كلماته تبقى موصوفة بصفتها مصونة عن التحريف والتغيير كما قال: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ أو الغرض أنها بريئة عن التناقض كما قال: ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ أو المعنى أن أحكام الله لا تتغير ولا تتبدل لأنها أزلية والأزلي لا يزول، وهذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر إذ يلزم منه أن لا ينقلب السعيد شقياً وبالضد.
ثم لما أجاب عن شبه الكفار بيّن أن عند ظهور الحجة وتبين المحجة لا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى كلمات الجهال فقال: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ﴾ والمضل لا بد أن يكون ضالاً ويعني بهم الذين ينازعون النبي في الدين غير قاطعين بصحة مذاهبهم كالزنادقة وعبدة الكواكب والأصنام، وكالذين يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة فيحكمون على الحق بأنه باطل وعلى الباطل بأنه حق.
ثم قال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ يقدرون على أنهم على شيء أو يكذبون في أن الله أحل كذا وحرم كذا.
وأصل الخرص حزر ما على النخل من الرطب تمراً.
وليس لنفاة القياس تمسك بالآية من قبل توجه الذم على متبع الظن، لأن المذموم من اتباع الظن هو الذي لا يستند إلى أمارة كظن الكفار المستند إلى تقليد أسلافهم فقط، أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى إمارة فلم يتم أنه كذلك.
ثم قال: ﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ والمراد أنك بعدما عرفت أن الحق ما هو والباطل ما هو فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم لأن الله عالم بأن المهتدي من هو والضال من هو فيجازي كل أحد بما يليق بعمله، أو المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون والله عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم، ومطلع على تحيرهم في أودية الجهالة وتيه الضلال، قال النحويون: إن أفعل التفضيل لا يعمل في مظهر، ففي الكلام محذوف أي يعلم من يضل عن سبيله، فإن لم يقدر محذوف قوي بالباء كما في القلم { ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ وهذا هو الأصل، وإنما خص هذه السورة بالحذف موافقة لقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ وعدل إلى لفظ المستقبل تنبيهاً على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل "أفعل من" يستعمل مع الماضي نحو "أعلم من دب ودرج" و "أحسن من قام وقعد" و "أفضل من حج واعتمر".
فلو لم يعدل إلى لفظ المستقبل التبس بالإضافة عن ذلك.
وجوّز بعضهم أن يكون "من" للاستفهام كقوله: ﴿ لنعلم أي الحزبين أحصى ﴾ ثم قال: ﴿ فكلوا ﴾ والفاء مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم.
فقال الله للمسلمين: إن كنتم محققين بالإيمان فكلوامما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله.
فإن قيل: إن القوم كانوا يبيحون ما ذبح على اسم الله ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أكل الميتة فإنهم كانوا يبيحونها والمسلمون يحرمونها، فما الحكمة في إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه؟
فالجواب لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة فرد الله عليهم في الأمرين بقوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ وبقوله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ أو نقول: المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، وعلى هذا فيكون المراد تحريم الميتة فقط والله أعلم.
أما قوله: ﴿ وقد فصل لكم ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: المراد به ما فصل في أول المائدة من قوله: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ إلى آخر الآية، واعترض عليه بأن سورة الأنعام مكية والمائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والآية تقتضي أن يكون المفصل مقدماً على هذا المجمل بل الأولى أن يقال: المراد قوله بعد هذه الآية: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ إلى آخرها.
فإن هذا القدر من التأخر غير ضائر.
وقوله: ﴿ إلا ما اضطررتم ﴾ أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدّة المجاعة ﴿ وإن كثيراً ليضلون ﴾ المبالغة في قراءة ضم الياء أكثر لأن كل مضل فإنه يكون ضالاً، وقد يكون الضال غير مضل، قيل: إنه عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة.
وقوله: ﴿ بأهوائهم بغير علم ﴾ يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة، وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرون في إحلالها، أو يحتجون عليها بقولهم إذ حل ما تذبحونه أنتم فلأن يحل ما يذبحه الله أولى، وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوّة محمد صلى الله عليه وآله.
وفي الآية دلالة على أن النزاع في الدين بمجرد التقليد حرام ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ فيجازيهم عليها وفيه من التهديد ما فيه.
ثم ذكر آية جامعة فقال: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ فقيل: ظاهره الزنا في الحوانيت وباطنه الصديقة في السر.
قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالاً ما كان سراً.
والأصح أن النهي عام إذ لا دليل على تخصيصه.
ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم.
وقيل: ما عملتم وما نويتم.
وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً أي ما أخذته بوجه من الوجوه.
وقريب منه قول من قال: المراد النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج عن كونه إنما بسبب إخفائه وكتمانه.
وقيل: المراد النهي عن الإقدام على الإثم.
ثم قال: ﴿ وباطنه ﴾ ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس.
وقيل: ظاهر الإثم أفعال الجوارح، وباطنه أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة الشر للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني والندم على أفعال الخيرات، ومنه يعلم أن ما يوجد في القلب قد يؤاخذ به وإن لم يقترن به عمل ﴿ إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ أي يكتسبون من الآثام ومنه الاعتراف يمحو الاقتراف كما يقال: التوبة تمحو الحوبة.
وظاهر النص يدل على أنه يعاقب المذنب ألبتة إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب.
وأهل السنة على أنه إذا لم يتب احتمل العفو ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام أو شراب فهو حرام تمسكاً بعموم الآية.
وأجمع سائر الفقهاء على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فمالك: كل ذبح لم يذكر اسم الله عليه فهو حرام، ترك الذكر عمداً أو نسياناً وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين.
أبو حنيفة: إن ترك عمداً حرام وإن ترك نسياناً حل.
الشافعي: متروك التسمية عمداً وسهواً حلال إذا كان الذابح مسلماً لقوله : ﴿ وإنه لفسق ﴾ والضمير عائد إلى الأكل الذي دل عليه الفعل أو إلى الموصول على أنه في نفسه فسق مثل "رجل عدل" أو على تقدير حذف المضاف أي وإن أكله لفسق.
وقد أجمع المسلمون على أنه لا يفسق بأكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية ولقوله : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ وهذه المناظرة كانت في مسألة الميتة؛ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة من قتلها إذا ماتت؟
قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟
فأنزل الله الآية، فالمراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليخاصموا محمداً وأصحابه في أكل الميتة.
وقال عكرمة: وإن الشياطين - يعني مردة المجوس - ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش.
وذلك أنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً وأصحابه يزعمون أن ما يذبحونه حلال وأن ما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين شيء فنزلت الآية.
ثم قال: ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ يعني في استحلال الميتة ﴿ إنكم لمشركون ﴾ قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك لأنه أثبت حاكماً سوى الله .
ثم قال الشافعي: الفسق في آية أخرى وهي، قوله: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ﴾ إلى قوله: ﴿ أو فسقاً أهل لغير الله ﴾ مفسر بما أهل به لغير الله فعلمنا أن الفسق في هذه الآية أيضاً مفسر به نزلنا عن هذا المقام وهو التمسك بالمخصصات، فلم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا لما روي أنه صلى الله عليه وآله قال: "ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل" فيحمل هذا الذكر على ذكر القلب.
أو نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن معنا ما يدل على الحل، وإذا تعارض الحل والحرمة فالحل راجح لأن الأصل في الأشياء الإباحة وللعمومات الدالة على الحل كقوله: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ ولأنه مستطاب وقد قال: ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ ، ولأن الطبع يميل إليه وقد نهى عن إضاعة المال، هذا تقرير مذهب الشافعي ومع ذلك فالأولى بالمسلم أن يحترز عنه لقوة ظاهر النص.
قال الكعبي: في الآية دلالة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات لأنه سمى مخالفته شركاً.
وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يراد بالشرك ههنا اعتقاد أن لله شريكاً في الحكم.
التأويل: ﴿ وكلمهم الموتى ﴾ أي: قلوبهم الميتة ﴿ وحشرنا ﴾ أي أريناهم جميع الآيات المودعة في المكونات ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فإن المشيئة تغير السجية والعناية الأزلية كفاية الأبدية ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ أن الهدى ليس بالمنى وأنه بمشيئة المولى، ثم أخبر أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا فقال: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس ﴾ هي النفس الأمارة التي هي أعدى الأعداء.
﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هديناهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال ﴿ فلا تكونن ﴾ نهى التكوين في الأزل ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ كلامه وقضاؤه في الأزل ﴿ صدقاً ﴾ فيما قال ﴿ وعدلاً ﴾ فيما حكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، وأحسن شيء خلقه هو الإنسان ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ وكذلك شر شيء هو الإنسان عند فساد استعداده ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ ولأهل الكمال ترقٍ في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان تسفل في القبح إلى الأبد أيضاً إظهاراً للقدرة الكاملة غير المتناهية ﴿ وهو السميع ﴾ لحاجة كل ذي حاجة ﴿ العليم ﴾ بما يستأهله كل موجود ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض ﴾ وهم أهل الأهواء وأقلهم أهل الحق ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ في دعوى طلب الحق.
فإن سبيل الحق لا يسلك بالهوى وإنما يسلك بالصدق والهدى.
﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ فمن أمارات الإيمان أن يأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع ويذيبوه بذكر الله كما قال صلى الله عليه وآله "أذيبوا طعامكم بذكر الله" فالأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان والحرمان من الجنان.
﴿ وقد فصل لكم ﴾ يا أهل الله ﴿ ما حرم عليكم ﴾ وهو الدنيا وما فيها والآخرة ونعيمها ﴿ إلا ما اضطررتم إليه ﴾ من ضروريات البشر في الدارين بأمر المولى لا بالطبع والهوى ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ الذين جاوزوا المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى ﴿ وذروا ظاهر الإثم ﴾ يعني الأعمال الطبيعية ﴿ وباطنه ﴾ يعني الأخلاق، الذميمة الردية ﴿ سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ لأن الأخلاق الظلمانية توجب صدأ مرآة القلب وتزيدها ريناً إلى أن يصير حجاباً بين العبد وبين الله : ولا تأكلوا طعاماً إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، ﴿ وإنه ﴾ يعني ظلام الطعام يؤدي إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الكلمة النّفسانية.
﴿ وإن الشياطين ليوحون ﴾ فإن للشيطان مجالاً في الوسوسة إذا كانت النفوس في المجادلة مع القلوب لتدعوها إلى متابعة الهوى الله حسبي.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ .
قالوا: جهد أيمانهم: [أيمانهم] بالله، فهذا يخرج على وجوه: أحدها: أن الحنث في اليمين يخرج مخرج الاستخفاف والتهاون، [وإن كان المسلم لا يقصد قصد الاستخفاف بالله ] وإن كان في اليمين التعظيم، وفي الحنث استخفاف، ففي اليمين بالله جهد اليمين.
ويحتمل وجهين سوى هذا، وذلك ما قيل: إن الكفرة كانوا لا يحلفون بالله إلا عند العظيم من الأمور، [و] الجليل منها، وفي غير ذلك كانوا يحلفون بدونه؛ فسمي اليمين بالله جهد اليمين؛ تعظيماً لله وتبجيلا.
والثاني: يحتمل أنهم كانوا يحلفون بأشياء، ويؤكدون اليمين بالله ويشددونه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ .
قيل: إنهم كانوا يقسمون جهد أيمانهم ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ ، كانوا يسألون رسول الله آيات: لئن جاءتهم ليؤمنن بها؛ من نحو ما قالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً ﴾ ، وكقولهم: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ﴾ ، وغير ذلك من الآيات؛ فقال: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد: ﴿ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ هو الذي يرسلها وينزلها، وأنا لا أملك إرسالها ولا إنزالها؛ كقوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ ، وغير ذلك من الآيات؛ إنباء منه أنه لا يملك إنزال ما كانوا يسألونه من الآيات، ثم قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن وأبو بكر الأصم: إنه خاطب بقوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ أهل القسم الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها؛ فقال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ ، أي: ما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءكم آية ثم استأنف، فقال: ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، [وهكذا كان يقرؤه] الحسن بالخفض: ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ على الاستئناف والابتداء.
وقال غيرهم من أهل التأويل: الخطاب لأصحاب رسول الله ؛ وذلك أنهم لما قالوا: ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ ، ظنوا أنهم لما أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يؤمنون إذا جاءتهم آية، يفعلون ذلك ويؤمنون على ما يقولون؛ فقال [لهم]: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، على طرح لا، أي ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون [ويحتمل فيه وجهاً آخر على الإضمار، وكأنه قال: وما يشعركم فاعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون على الوقف في قوله ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ ثم ابتدأ فقال: اعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون] وهذا كأنه أقرب.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن أهل الإسلام قالوا: إنهم - وإن جاءتم آية - لا يؤمنون؛ فقال عند ذلك: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ خاطب به هؤلاء ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
والثاني: أنهم، وإن آمنوا بها، إذا جاءت؛ فنقلب أفئدتهم من بعد.
وعلى هذا التأويل أن خلق تقلب أفئدتهم وأبصارهم كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ ، أي: خلق زيغ قلوبهم؛ فكذلك الأوّل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ ﴾ .
أي: نقلب أفئدتهم وأبصارهم بالحجج والآيات، ويردونها؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.
وقال أهل التأويل: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ ﴾ ، أي: نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآيات؛ فلا يؤمنون؛ كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقلب في أفئدتهم وأبصارهم آيات وحدانيته وألوهيته؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.
ثم تخصيص الأفئدة والأبصار دون غيرها من الجوارح؛ لأن القلب والبصر لا يقع إلا على ما يشهد به [على] وحدانية الله وألوهيته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
قال بعضهم: إن هؤلاء، وإن جاءتهم آية، فإنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية لما سألوا الآيات قبلهم؛ فكذلك هؤلاء لا يؤمنون بها، وإن جاءتهم الآية بعد السؤال.
وقال غيرهم: قوله: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، أي: قد جاءتهم آيات قبل هذا على غير سؤال، فلم يؤمنوا بها؛ فكذلك إن جاءتهم بالسؤال، فلا يؤمنون بها.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن مشركي العرب كانوا يقسمون بالله: أنه إن جاءهم نذير يؤمنون به، وهو قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ ﴾ يعنون - والله أعلم - اليهود والنصارى، أي: لو جاءهم نذير ليكونون أهدى من اليهود والنصارى، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا يخبر أنهم كما لم يؤمنوا بالنذير عند سؤالهم النذير في الابتداء إذا جاءهم نذير، فكذلك - أيضاً - لا يؤمنون عند سؤالهم الآيات، وإن جاءتهم آيات.
يخبر نبيه أنهم ليسوا يسألون الآيات سؤال استرشاد، ولكن يسألون سؤال عناد ومكابرة، وهذا التأويل كأنه أقرب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .
إذا علم أنهم لا يؤمنون، تركهم في [ظلمات] ضلالتهم يعمهون، ويتحيرون، والعمه: الحيرة في اللغة.
وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .
قيل: هذه الآية صلة قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ ﴾ الآية: أخبر أنهم وإن نزل إليهم الآيات بعد السؤال منهم الآيات: من إنزال الملائكة، وتكليم الموتى - أنهم لا يؤمنون؛ إذ سؤالهم الآيات سؤال تعنت واستهزاء وعناد، لا سؤال استرشاد؛ لأنهم قد جاءتهم آيات لو لم يعاندوا لآمنوا [بها] ثم إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون، وأن ما يسألون من الآيات [إنما يسألون] سؤال تعنت وعناد جعل فيهم خصالا على الخذلان من [نحو] قساوة القلب، حتى أخبر أن قلوبهم أقصى من الحجارة، ومن نحو البغض والجهالة، وغير ذلك من الخصال [ما يدل] على ما ذكرنا، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ [يخبر] عن تعنتهم ومكابرتهم.
وفيه دليل أن الآيات لا تضطر أهلها على الإيمان؛ لأنه قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ...
﴾ الآية، لو كانت آية تضطرهم إلى الإيمان لكانت هذه، وهذا يدل على أن معنى قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ أنهم لا يؤمنون بالآية، ولكن إذا شاء أن يؤمنوا لآمنوا، ولو كانت الآيات تضطر أهلها إلى الإيمان به لكان لا آية أعظم من القيامة، ولا أبين منها، ثم أخبر عنهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وقال: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ قد كذبوا عند معاينتهم القيامة والعذاب؛ فهذا يدل على أن الآية لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها، ويدل أن تأويل قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ أنهم يخضعون إذا شاء أن يخضعوا، لا أن الآية تضطرهم على الخضوع بالدلائل التي ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
قال الحسن: هذه المشيئة مشيئة القدرة، أي: لو شاء الله أن يعجزهم حتى يؤمنوا، وهو كقوله - - ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ ﴾ ، ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ ﴾ ونحوه فهذه المشيئة؛ مشيئة القدرة، لكنا نقول: إنه أخبر أنه لو شاء أن يمسخهم لمسخهم؛ فقل - أيضاً -: إنه لو شاء أن يهديهم لهداهم، ولو شاء أن يهتدوا لاهتدوا، وكذلك يقول المعتزلة: إن المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والجبر، وقد ذكرنا ألا يكون في حال القهر والجبر إيمان؛ فيصير على قولهم: إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فآمنوا فلا يكون إيماناً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ : اختلف في تلاوته وتأويله: [عن الحسن] قال ﴿ قُبُلاً ﴾ : عياناً، وعن قتادة كذلك ﴿ قُبُلاً ﴾ : عياناً: حتى يعاينوا ذلك معاينة.
﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ، وهو على ما ذكرنا إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فيؤمنوا.
وعن مجاهد: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: أفواجاً [قبيلاً] وفي حرف أبي عمرو بن العلاء: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، يقول: جيلا فجيلا.
وفي حرف أبي: ﴿ قَبِيلاً ﴾ ، أي: [قبيلة].
وقال القتبي: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: جماعة جماعة، وقبلا، أي: أصنافاً.
ويقال: القبيل: الكفيل؛ كقوله: ﴿ أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً ﴾ ، أي: ضمينا كفيلا.
قال الكيساني: من قرأها ﴿ قُبُلاً ﴾ فقد تكون جمع (القبيل)؛ مثل (الجبيل) و (الجُبُل)، وقد يكون (القبيل) - أيضاً - من معنى الإقبال؛ كقوله: من قبل ومن دبر.
ومن قرأها (قِبَلا): أراد معاينة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، يقال أتانا الناس قبلا، أي: كلهم؛ وقبلا: من المقابلة، وتأويله ما ذكرنا: أن لو فعلنا هذا كله: من إنزال الملائكة إليهم، وتكليم الموتى إياهم، ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، فأخبروهم بالذي يقول محمد إنه حق ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ لهم الإيمان فيؤمنوا، وفيه ما ذكرنا من الدليل أن الآيات لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا؛ فيحنئذ يؤمنون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ .
أي: لكن أكثرهم لا ينتفعون بعلمهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ .
قيل: كما جعلنا لكل نبي [من قبل] عدوا كذلك نجعل لك عدوا، [ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ثم قوله: كذلك] ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، قال الحسن: إن من حكم الله أن بعث رسلا، وأن كل من اتبع رسله يكون وليا له، ومن عصى رسله يكون عدوا له، هذا حكم الله في الكل.
وقال جعفر بن حرب والكعبي وغيرهما من المعتزلة: إن قوله: ﴿ جَعَلْنَا ﴾ ، أي: خلينا بينهم وبين ما اختاروا من الكفر والعداوة، يقال: جعل فلان كذا إذا كان مسلطاً على ذلك، وهو يقدر أن يمنعه عن ذلك؛ ويصير التأويل على قول المعتزلة، أي: لم نجعل لكل نبي عدوّاً؛ ولكن هم جعلوا أنفسهم أعداء لكل نبي.
وقلنا نحن: إن قوله: ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، والجعل من الله: هو الخلق؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ ﴾ .
وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً ﴾ .
كل جعل أضيف إلى الله فهو خلق؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، ولو كان الحكم على ما قال الحسن، وما قال أولئك من التخلية لكان يجوز أن يضاف فعل الكفر وفعل الضلال إلى الله، وذلك بعيد.
والثاني: لم يوفق لهم فعل الولاية؛ لما علم منهم أنهم يختارون فعل العداوة على فعل الولاية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: الشياطين كلهم يكونون من الجن، ثم إنهم يوحون إلى الإنس؛ فيكونون هم الذين يدعون الخلق إلى معصية الله؛ فيكونُ من الجن وحياً إلى الإنس، ومن الإنس إلى الخلق قولا ودُعاء.
وقال بعضهم: يكونُ من الجن شياطين، [ومن الإنس شياطين] تدعو شياطين الجن - الجن إلى معصية الله [وهكذا من دعا آخر إلى معصيته والكفر به، ويدعو شياطين الإنسِ الإنسَ إلى ذلك، يدعو كل فريق قومه إلى معصية الله، وهكذا من دعا آخر إلى معصية الله] فهو شيطان، وكذلك كبراء الكفرة ورؤساؤهم الذين كانوا يدعون أتباعهم وسفلتهم إلى الكفر والضلال بالله؛ فهم شياطينهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ .
وقوله : ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ ﴾ .
[وقوله]: ﴿ قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ .
وغيره من الآيات؛ أن كلَّ من دعا غيره [إلى] معصية الله والكفر به، فهو شيطان.
والشيطان هو البعيدُ من رحمة الله؛ شطن أي: بَعُدَ.
وقيل: إن إبليس وكَّلَ [شياطين الإنس] يضلونهم ويدعونهم إلى معصية الله، ووكَّلَ شياطين بالجن يضلونهم.
وهو تأويل الأول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ \[أي: يزين بعضهم لبعض القول غرورا\] يغرون به.
قال القتبي - رحمه الله -: زخرف القول غرورا: ما زين به وحسن وموه.
وقال واصل: الزخرف: الذهب؛ ويقال: [زخرف الشيء، أي: حسنه].
قال أبو عوسجة: الوحي أن يحى بعينه أو بشفتيه، وهي إشارة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ قال بعضهم: [لو شاء] ربك خلقهم خلقا لم يركب فيهم الشهوات والحاجات حتى أطاعوه ولم يعصوا؛ كما خلق الملائكة لم يركب [فيهم] الشهوات والحاجات والأماني، فلم يعصوه.
وقالت المعتزلة: لو شاء ربك لأعجزهم وقهرهم؛ حتى لا يقدروا على معصية الله والكفر به فآمنوا واهتدوا.
[وعندنا] أنه لو شاء ربك لهداهم لاهتدوا، لكن لما علم منهم أنهم يختارون الضلال على الهدى شاء ألا يهديهم.
وقد ذكرنا قبح تأويلهم الآية في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ هذا يخرج على الوعيد لهم؛ كقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ﴾ وكقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ أي: ذرهم وما يختارون؛ فإنك تراهم في العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ قيل: ولتميل قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة إلى زخرف القول الذي كان يوحي ويلقي شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ لما كان الذي أوحى وألقى بعضهم إلى بعض من زخرف القول الذي يوافق هواهم، وكل من ظفر بما يوافق هواه فإنه يرضى به؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا ﴾ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة ولا يرجون لقاءه وكانت همتهم هذه الدنيا ورضوا بها واطمأنوا فيها.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ ﴾ أي: إلى الكتاب ﴿ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ ؛ أي: ليس ميل قبول منهم له، ولكن ميل طلب الطعن فيه، وهكذا كانت [همة] أولئك الكفرة، وعادتهم طلب الطعن فيه، والأول أشبه.
ثم إن كان زخرف القول الذي أوحى بعضهم إلى بعض من كبرائهم وعظمائهم، فقد أشرك - - هؤلاء وأولئك في الكذب الذي كان منهم كان من الكبراء الدعاء إلى ذلك، ومن الأتباع الرضا والإجابة، وكان منهم التزيينُ والزخرفة، ومن الأتباع القبولُ والرضا به، فقد اشتركوا جميعاً في ذلك الكذب، والقول: الغرور.
وقوله: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ اختلف فيه: قال قائلون: قوله: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ يعني: هؤلاء الأتباع ﴿ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ أي: ليكتسبوا هؤلاء الأتباع من الكذب ما كان أولئك يكتسبون من الكذب.
وقيل: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ أولئك المتبوعون من الكذب ﴿ مَا هُم ﴾ يعني: هؤلاء الأتباع ﴿ مُّقْتَرِفُونَ ﴾ من القول الغرور والزخرف.
ثم اختلف في الاقتراف: قال بعضهم: الاكتسابُ؛ اكتسابُ كلِّ شيء.
وقال قائلون: الاقترافُ هو موافقة الذنب والإثم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وكما ابتليناك بمعاداة هؤلاء المشركين لك ابتلينا كل نبي من قبلك، فجعلنا لكل واحد منهم أعداء من مَرَدَة الإنس، وأعداء من مَرَدَة الجن، يوسوس بعضهم لبعض فيزينون لهم الباطل ليخدعوهم، ولو شاء الله ألا يفعلوا ذلك ما فعلوه، ولكنه شاء لهم ذلك ابتلاء، فاتركهم وما يفترون من الكفر والباطل، ولا تعبأ بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.BaJlD"