الآية ١٥٨ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٥٨ من سورة الأنعام

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٥٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 185 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٨ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى متوعدا للكافرين به ، والمخالفين رسله والمكذبين بآياته ، والصادين عن سبيله : ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ) وذلك كائن يوم القيامة .

( أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك ) الآية ، وذلك قبل يوم القيامة كائن من أمارات الساعة وأشراطها كما قال البخاري في تفسير هذه الآية : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا عمارة ، حدثنا أبو زرعة ، حدثنا أبو هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا رآها الناس آمن من عليها .

فذلك حين ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) .

حدثنا إسحاق ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون ، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها " ثم قرأ هذه الآية .

هكذا روي هذا الحديث من هذين الوجهين .

ومن الوجه الأول أخرجه بقية الجماعة في كتبهم إلا الترمذي ، من طرق ، عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عن أبي هريرة ، به .

وأما الطريق الثاني : فرواه عن إسحاق غير منسوب ، فقيل : هو ابن منصور الكوسج ، وقيل : إسحاق بن نصر والله أعلم .

وقد رواه مسلم عن محمد بن رافع النيسابوري ، كلاهما عن عبد الرزاق ، به .

وقد ورد هذا الحديث من طرق أخر عن أبي هريرة ، كما انفرد مسلم بروايته من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، به .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن فضيل ، عن أبيه ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث إذا خرجن ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ) طلوع الشمس من مغربها ، والدجال ، ودابة الأرض " ورواه أحمد ، عن وكيع ، عن فضيل بن غزوان ، عن أبي حازم سلمان ، عن أبي هريرة به ، وعنده : " والدخان " ورواه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، عن وكيع .

ورواه هو أيضا والترمذي ، من غير وجه ، عن فضيل بن غزوان ، به .

ورواه إسحاق بن عبد الله الفروي ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة .

ولكن لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه ، لضعف الفروي ، والله أعلم .

وقال ابن جرير : حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا شعيب بن الليث ، عن أبيه ، عن جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت آمن الناس كلهم ، وذلك حين ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) الآية .

ورواه ابن لهيعة ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، به .

ورواه وكيع ، عن فضيل بن غزوان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، به .

أخرج هذه الطرق كلها الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره .

وقال ابن جرير : حدثنا الحسن بن يحيى ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها ، قبل منه " لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة .

حديث آخر عن أبي ذر الغفاري : في الصحيحين وغيرهما ، من طرق ، عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر جندب بن جنادة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟

" قلت : لا أدري ، قال : " إنها تنتهي دون العرش ، ثم تخر ساجدة ، ثم تقوم حتى يقال لها : ارجعي فيوشك يا أبا ذر أن يقال لها : ارجعي من حيث جئت ، وذلك حين : ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) .

حديث آخر عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري ، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا سفيان ، عن فرات ، عن أبي الطفيل ، عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ، ونحن نتذاكر الساعة ، فقال : " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج عيسى ابن مريم ، والدجال ، وثلاثة خسوف : خسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق - أو : تحشر - الناس ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا " وهكذا رواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث فرات القزاز ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن حذيفة بن أسيد ، به .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

حديث آخر عن حذيفة بن اليمان ، رضي الله عنه : قال الثوري ، عن منصور ، عن ربعي ، عن حذيفة قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، ما آية طلوع الشمس من مغربها؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين ، فبينما الذين كانوا يصلون فيها ، يعملون كما كانوا يعملون قبلها والنجوم لا تسري ، قد قامت مكانها ، ثم يرقدون ، ثم يقومون فيصلون ، ثم يرقدون ، ثم يقومون فيطل عليهم جنوبهم حتى يتطاول عليهم الليل ، فيفزع الناس ولا يصبحون ، فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذ طلعت من مغربها ، فإذا رآها الناس آمنوا ، ولا ينفعهم إيمانهم " .

رواه ابن مردويه ، وليس في الكتب الستة من هذا الوجه والله أعلم .

حديث آخر عن أبي سعيد الخدري - واسمه : سعد بن مالك بن سنان - رضي الله عنه وأرضاه : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا ابن أبي ليلى ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ) قال : " طلوع الشمس من مغربها " .

ورواه الترمذي ، عن سفيان بن وكيع ، عن أبيه ، به .

وقال : غريب ، ورواه بعضهم ولم يرفعه .

وفي حديث طالوت بن عباد ، عن فضال بن جبير ، عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها " وفي حديث عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش ، عن صفوان بن عسال قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله فتح بابا قبل المغرب عرضه سبعون عاما للتوبة " ، قال : " لا يغلق حتى تطلع الشمس منه " رواه الترمذي وصححه النسائي ، وابن ماجه في حديث طويل .

حديث آخر عن عبد الله بن أبي أوفى : قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن علي بن دحيم ، حدثنا أحمد بن حازم ، حدثنا ضرار بن صرد ، حدثنا ابن فضيل ، عن سليمان بن زيد ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه ، فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون ، يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ، ثم ينام ، ثم يقوم فيقرأ حزبه ، ثم ينام .

فبينما هم كذلك إذ صاح الناس بعضهم في بعض فقالوا : ما هذا؟

فيفزعون إلى المساجد ، فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها ، فضج الناس ضجة واحدة ، حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها " قال : " حينئذ لا ينفع نفسا إيمانها " هذا حديث غريب من هذا الوجه وليس هو في شيء من الكتب الستة .

حديث آخر عن عبد الله بن عمرو .

قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا أبو حيان ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال : جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة فسمعوه يقول - وهو يحدث في الآيات - : إن أولها خروج الدجال .

قال : فانصرف النفر إلى عبد الله بن عمرو ، فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في الآيات ، فقال لم يقل مروان شيئا قد حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك حديثا لم أنسه بعد ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ضحى ، فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها " ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتب - : وأظن أولها خروجا طلوع الشمس من مغربها ، وذلك أنها كلما غربت أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع فأذن لها في الرجوع ، حتى إذا بدا الله أن تطلع من مغربها فعلت كما كانت تفعل : أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع ، فلم يرد عليها شيء ، ثم تستأذن في الرجوع فلا يرد عليها شيء ، ثم تستأذن فلا يرد عليها شيء ، حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب ، وعرفت أنه إذا أذن لها في الرجوع لم تدرك المشرق ، قالت : ربي ، ما أبعد المشرق .

من لي بالناس .

حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في الرجوع ، فيقال لها : من مكانك فاطلعي .

فطلعت على الناس من مغربها " ، ثم تلا عبد الله هذه الآية : ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ) الآية .

وأخرجه مسلم في صحيحه ، وأبو داود وابن ماجه ، في سننيهما ، من حديث أبي حيان التيمي - واسمه يحيى بن سعيد بن حيان - عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، به .

حديث آخر عنه : قال الطبراني : حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حبان الرقي ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم - بن زبريق الحمصي - حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار ، حدثنا ابن لهيعة ، عن حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدا ينادي ويجهر : إلهي ، مرني أن أسجد لمن شئت " قال : " فيجتمع إليه زبانيته فيقولون : يا سيدهم ، ما هذا التضرع؟

فيقول : إنما سألت ربي أن ينظر إلى الوقت المعلوم ، وهذا الوقت المعلوم " قال " ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا " قال : " فأول خطوة تضعها بأنطاكية فتأتي إبليس فتخطمه .

هذا حديث غريب جدا وسنده ضعيف ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك ، فأما رفعه فمنكر ، والله أعلم .

حديث آخر عن عبد الله بن عمرو ، وعبد الرحمن بن عوف ، ومعاوية بن أبي سفيان ، رضي الله عنهم أجمعين : قال الإمام أحمد : حدثنا الحكم بن نافع ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد يرده إلى مالك بن يخامر ، عن ابن السعدي ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل " فقال معاوية ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن عمرو بن العاص : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الهجرة خصلتان : إحداهما تهجر السيئات ، والأخرى تهاجر إلى الله ورسوله ، ولا تنقطع ما تقبلت التوبة ، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه ، وكفي الناس العمل " هذا الحديث حسن الإسناد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، والله أعلم .

حديث آخر عن ابن مسعود ، رضي الله عنه : قال عوف الأعرابي ، عن محمد بن سيرين ، حدثني أبو عبيدة ، عن ابن مسعود ; أنه كان يقول : ما ذكر من الآيات فقد مضى غير أربع : طلوع الشمس من مغربها ، والدجال ، ودابة الأرض ، وخروج يأجوج ومأجوج .

قال : وكان يقول : الآية التي تختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها ، ألم تر أن الله يقول : ( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ) الآية كلها ، يعني طلوع الشمس من مغربها .

حديث ابن عباس ، رضي الله عنهما : رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث عبد المنعم بن إدريس ، عن أبيه ، عن وهب بن منبه ، عن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعا - فذكر حديثا طويلا غريبا منكرا رفعه ، وفيه : " أن الشمس والقمر يطلعان يومئذ مقرونين وإذا نصفا السماء رجعا ثم عادا إلى ما كانا عليه " وهو حديث غريب جدا بل منكر ، بل موضوع ، والله أعلم إن ادعى أنه مرفوع ، فأما وقفه على ابن عباس أو وهب بن منبه - وهو الأشبه - فغير مدفوع والله أعلم .

وقال سفيان ، عن منصور ، عن عامر ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : إذا خرج أول الآيات ، طرحت الأقلام ، وحبست الحفظة ، وشهدت الأجساد على الأعمال .

رواه ابن جرير .

فقوله عز وجل ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) أي : إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لا يقبل منه ، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك ، فإن كان مصلحا في عمله فهو بخير عظيم ، وإن كان مخلطا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته ، كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة ، وعليه يحمل قوله تعالى : ( أو كسبت في إيمانها خيرا ) أي : ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك .

وقوله : ( قل انتظروا إنا منتظرون ) تهديد شديد للكافرين ، ووعيد أكيد لمن سوف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك .

وإنما كان الحكم هذا عند طلوع الشمس من مغربها ، لاقتراب وقت القيامة ، وظهور أشراطها كما قال : ( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ) [ محمد : 18 ] ، وقال تعالى : ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) [ غافر : 84 ، 85 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك القول في تأويل قوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك } يقول جل ثناؤه : هل ينتظر هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام , إلا أن تأتيهم الملائكة بالموت فتقبض أرواحهم , أو أن يأتيهم ربك يا محمد بين خلقه في موقف القيامة { أو يأتي بعض آيات ربك } يقول : أو أن يأتيهم بعض آيات ربك ; وذلك فيما قال أهل التأويل : طلوع الشمس من مغربها .

ذكر من قال من أهل التأويل ذلك : 11050 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { إلا أن تأتيهم الملائكة } يقول : عند الموت حين توفاهم , أو يأتي ربك ذلك يوم القيامة .

{ أو يأتي بعض آيات ربك } طلوع الشمس من مغربها .

11051 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة : { إلا أن تأتيهم الملائكة } بالموت , { أو يأتي ربك } يوم القيامة , { أو يأتي بعض آيات ربك } قال : آية موجبة طلوع الشمس من مغربها , أو ما شاء الله .

- حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } يقول : بالموت , { أو يأتي ربك } وذلك يوم القيامة , { أو يأتي بعض آيات ربك } .

11052 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } عند الموت , { أو يأتي بعض آيات ربك } يقول : طلوع الشمس من مغربها .

11053 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا : ثنا جرير , عن منصور , عن أبي الضحى , عن مسروق , قال : قال عبد الله في قوله : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك } قال : يصبحون والشمس والقمر من هنا من قبل المغرب كالبعيرين القرينين .

زاد ابن حميد في حديثه : فذلك حين { لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } وقال : كالبعيرين المقترنين .

11054 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قوله : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } تقبض الأنفس بالموت , { أو يأتي ربك } يوم القيامة , { أو يأتي بعض آيات ربك } .يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا القول في تأويل قوله تعالى : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } .

يقول تعالى ذكره : يوم يأتي بعض آيات ربك , لا ينفع من كان قبل ذلك مشركا بالله أن يؤمن بعد مجيء تلك الآية .

وقيل : إن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه أن الكافر لا ينفعه إيمانه عند مجيئها : طلوع الشمس من مغربها .

ذكر من قال ذلك وما ذكر فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : 11055 - حدثني عيسى بن عثمان الرملي , قال : ثنا يحيى بن عيسى , عن ابن أبي ليلى , عن عطية , عن أبي سعيد الخدري , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها } قال : " طلوع الشمس من مغربها " .

* حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن ابن أبي ليلى , عن عطية , عن أبي سعيد , عن النبي صلى الله عليه وسلم , مثله .

11056 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن فضيل , وجرير عن عمارة , عن أبي زرعة , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها " قال : " فإذا رآها الناس آمن من عليها , فتلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " .

11057 - حدثنا عبد الحميد بن بيان اليشكري وإسحاق بن شاهين , قالا : أخبرنا خالد بن عبد الله الطحان , عن يونس , عن إبراهيم التيمي , عن أبيه , عن أبي ذر , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما : " أتدرون أين تذهب هذه الشمس ؟

" قالوا : الله ورسوله أعلم .

قال : " إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش , فتخر ساجدة , فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي من حيث شئت , فتصبح طالعة من مطلعها .

ثم تجري إلى أن تنتهي إلى مستقر لها تحت العرش , فتخر ساجدة , فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي من حيث شئت فتصبح طالعة من مطلعها .

ثم تجري لا ينكر الناس منها شيئا , حتى تنتهي فتخر ساجدة في مستقر لها تحت العرش , فيصبح الناس لا ينكرون منها شيئا , فيقال لها : اطلعي من مغربك !

فتصبح طالعة من مغربها " .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتدرون أي يوم ذلك ؟

" قالوا : الله ورسوله أعلم , قال : " ذاك يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " .

- حدثنا مؤمل بن هشام ويعقوب بن إبراهيم , قالا : ثنا ابن علية , عن يونس , عن إبراهيم بن يزيد التيمي , عن أبيه , عن أبي ذر , عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه .

11058 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبيد الله , عن إسرائيل , عن عاصم , عن زر , عن صفوان بن عسال , قال : ثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من قبل مغرب الشمس بابا مفتوحا للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه , فإذا طلعت الشمس من نحوه .

لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " .

- حدثنا المفضل بن إسحاق , قال : ثنا أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد اليامي , عن أبيه , عن زبيد , عن زر بن حبيش , عن صفوان بن عسال المرادي , قال : ذكرت التوبة , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عاما أو أربعين عاما , فلا يزال كذلك حتى يأتي بعض آيات ربك " .

- حدثني محمد بن عمارة , قال : ثنا سهل بن عامر , قال : ثنا مالك , عن عاصم بن أبي النجود , عن زر بن حبيش , عن صفوان بن عسال , أنه قال : " إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين عاما , فإذا طلعت الشمس من مغربها , لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " .

- حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن فضيل , عن عمارة بن القعقاع , عن أبي زرعة , عن أبي هريرة , قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها , فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها , فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " .

- حدثنا أبو كريب , قال : ثنا خالد بن مخلد , قال : ثنا محمد بن جعفر , عن العلاء , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها , فيومئذ يؤمن الناس كلهم أجمعون , وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " .

11059 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن أبي عون , عن ابن سيرين , عن أبي هريرة , قال : التوبة مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها .

11060 - حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي , قال : ثنا سليمان بن عبد الرحمن , قال : ثنا ابن عياش , قال : ثنا ضمضم بن زرعة , عن شريح بن عبيد , عن مالك بن يخامر , عن معاوية بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن عوف , وعبد الله بن عمرو بن العاص , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : " لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها , فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه , وكفي الناس العمل " .

* حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو أسامة وجعفر بن عون , بنحوه .

11061 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن أبي حيان التيمي , عن أبي زرعة , قال : جلس ثلاثة من المسلمين إلى مروان بن الحكم بالمدينة , فسمعوه وهو يحدث عن الآيات , أن أولها خروجا الدجال .

فانصرف القوم إلى عبد الله بن عمرو , فحدثوه بذلك , فقال : لم يقل مروان شيئا , قد حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا لم أنسه , لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول الآيات خروجا : طلوع الشمس من مغربها , أو خروج الدابة على الناس ضحى , أيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا " .

ثم قال عبد الله بن عمرو وكان يقرأ الكتب : أظن أولهما خروجا طلوع الشمس من مغربها ; وذلك أنها كلما غربت أتت تحت العرش , فسجدت واستأذنت في الرجوع , فيؤذن لها في الرجوع , حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها فعلت كما كانت تفعل أتت تحت العرش , فسجدت واستأذنت في الرجوع , فلم يرد عليها شيئا , فتفعل ذلك ثلاث مرات لا يرد عليها بشيء , حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب , وعرفت أن لو أذن لها لم تدرك المشرق , قالت : ما أبعد المشرق رب من لي بالناس , حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في الرجوع , فقيل لها : اطلعي من مكانك !

فتطلع من مغربها .

ثم قرأ : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها } .

..

إلى آخر الآية .

- حدثني المثنى , قال : ثنا أبو ربيعة فهد , قال : ثنا حماد , عن يحيى بن سعيد أبي حيان , عن الشعبي , أن ثلاثة نفر دخلوا على مروان بن الحكم , فذكر نحوه , عن عبد الله بن عمرو .

- حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , قال : سمعت عاصم بن أبي النجود يحدث عن زر بن حبيش , عن صفوان بن عسال , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين عاما , لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه " .

11062 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد , عن حجاج , عن عاصم , عن زر بن حبيش , عن صفوان بن عسال , قال : إذا طلعت الشمس من مغربها , فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل .

- حدثني المثنى , قال : ثنا أبو ربيعة فهد , قال : ثنا عاصم بن بهدلة , عن زر بن حبيش , قال : غدونا إلى صفوان بن عسال , فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : " إن باب التوبة مفتوح من قبل المغرب , عرضه مسيرة سبعين عاما , فلا يزال مفتوحا حتى تطلع من قبله الشمس " .

ثم قرأ : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك } .

..

إلى : { خيرا } .

- حدثني الربيع بن سليمان , قال : ثنا شعيب بن الليث , قال : ثنا الليث , عن جعفر بن ربيعة , عن عبد الرحمن بن هرمز , أنه قال : قال أبو هريرة , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من المغرب " , قال : " فإذا طلعت الشمس من المغرب آمن الناس كلهم وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " .

11063 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن أيوب , عن ابن سيرين , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها قبل منه " .

11064 - حدثني المثنى , قال : ثنا فهد , قال : ثنا حماد , عن يونس بن عبيد , عن إبراهيم بن يزيد التيمي , عن أبي ذر , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : " إن الشمس إذا غربت , أتت تحت العرش فسجدت , فيقال لها : اطلعي من حيث غربت !

" ثم قرأ هذه الآية : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } .

..

إلى آخر الآية .

11065 - حدثني المثنى , قال : ثنا يزيد بن هارون , عن سفيان بن حسين , عن الحكم , عن إبراهيم التيمي , عن أبيه , عن أبي ذر , قال : كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على حمار , فنظر إلى الشمس حين غربت , فقال : " إنها تغرب في عين حمئة , تنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش حتى يأذن لها , فإذا أراد أن يطلعها من مغربها حبسها , فتقول : يا رب إن مسيري بعيد , فيقول لها : اطلعي من حيث غربت !

فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " .

- حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبدة , عن موسى بن المسيب , عن إبراهيم التيمي , عن أبيه , عن أبي ذر قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم يوما إلى الشمس فقال : " يوشك أن تجيء حتى تقف بين يدي الله , فيقول : ارجعي من حيث جئت !

فعند ذلك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " .

11066 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } فهو أنه لا ينفع مشركا إيمانه عند الآيات , وينفع أهل الإيمان عند الآيات إن كانوا اكتسبوا خيرا قبل ذلك .

قال ابن عباس : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية من العشيات , فقال لهم : " يا عباد الله , توبوا إلى الله !

فإنكم توشكون أن تروا الشمس من قبل المغرب , فإذا فعلت ذلك حبست التوبة وطوي العمل وختم الإيمان " .

فقال الناس : هل لذلك من آية يا رسول الله ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن آية تلكم الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال , فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون له , ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقض , ثم يأتون مضاجعهم فينامون , حتى إذا استيقظوا والليل مكانه , فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم , فإذا أصبحوا وطال عليهم طلوع الشمس .

فبينا هم ينتظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب , فإذا فعلت ذلك , لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " .

- حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن صالح مولى التوأمة , عن أبي هريرة , أنه سمعه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها , فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا كلهم أجمعون , فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها " .

..

الآية .

11067 - وبه قال : حدثني حجاج , قال : قال ابن جريج : أخبرني ابن أبي عتيق , أنه سمع عبيد بن عمير يتلو : { يوم يأتي بعض آياته ربك لا ينفع نفسا إيمانها } قال : يقول : نتحدث والله أعلم أنها الشمس تطلع من مغربها .

قال ابن جريج : وأخبرني عمرو بن دينار , أنه سمع عبيد بن عمير يقول ذلك .

قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن أبي مليكة , أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول : إن الآية التي { لا ينفع نفسا إيمانها } إذا طلعت الشمس من مغربها .

قال ابن جريج : وقال مجاهد ذلك أيضا .

11068 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن شعبة , عن قتادة , عن زرارة بن أوفى , عن ابن مسعود : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها } قال : طلوع الشمس من مغربها .

- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى , قالا : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت قتادة يحدث عن زرارة بن أوفى , عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية : { يوم يأتي بعض آيات ربك } قال : طلوع الشمس من مغربها .

11069 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي وعبد الوهاب بن عوف , عن ابن سيرين , قال : ثني أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود , قال : كان عبد الله بن مسعود يقول : ما ذكر من الآيات فقد مضين غير أربع : طلوع الشمس من مغربها , ودابة الأرض , والدجال , وخروج يأجوج ومأجوج .

والآية التي تختم بها الأعمال : طلوع الشمس من مغربها , ألم تر أن الله قال : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } ؟

قال : فهي طلوع الشمس من مغربها .

- حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن سليمان , عن أبي الضحى , عن مسروق , قال : قال عبد الله : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها } قال : طلوع الشمس من مغربها مع القمر , كأنهما بعيران مقرونان .

* قال شعبة : وحدثنا قتادة , عن زرارة , عن عبد الله بن مسعود : { يوم يأتي بعض آيات ربك } قال : طلوع الشمس من مغربها .

- حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن الأعمش , عن أبي الضحى , عن مسروق , عن عبد الله بن مسعود : { يوم يأتي بعض آيات ربك } قال : طلوع الشمس من مغربها مع القمر كالبعيرين المقترنين .

- حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن منصور والأعمش , عن أبي الضحى , عن مسروق عن عبد الله : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها } قال : طلوع الشمس من مغربها مع القمر كالبعيرين القرينين .

11070 - وقال : ثنا أبي , عن إسرائيل وأبيه , عن أشعث بن أبي الشعثاء , عن أبيه , عن عبد الله , قال : التوبة مبسوطة ما لم تطلع الشمس من مغربها .

11071 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : ذكر لنا أن ابن أم عبد كان يقول : لا يزال باب التوبة مفتوحا حتى تطلع الشمس من مغربها , فإذا رأى الناس ذلك آمنوا , وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا .

- حدثنا بشر , قال : ثنا عبد الله بن جعفر , قال : ثنا العلاء بن عبد الرحمن , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها , فإذا طلعت آمن الناس كلهم , فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا " .

- حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن عمرو بن دينار , عن عبيد بن عمير : { يوم يأتي بعض آيات ربك } قال : طلوع الشمس من مغربها .

11072 - وقال : حدثنا أبي , عن الحسن بن عقبة أبي كبران , عن الضحاك : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها } قال : طلوع الشمس من مغربها .

- حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا إسرائيل , قال : أخبرني أشعث بن أبي الشعثاء , عن أبيه , عن ابن مسعود , في قوله : { لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل } قال : لا تزال التوبة مبسوطة ما لم تطلع الشمس من مغربها .

11073 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله : { يوم يأتي بعض آيات ربك } قال : طلوع الشمس من مغربها .

11074 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني أبو صخر , عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل } يقول : إذا جاءت الآيات لم ينفع نفسا إيمانها , يقول : طلوع الشمس من مغربها .

- حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا سفيان الثوري , عن عاصم بن أبي النجود , عن زر بن حبيش , عن صفوان بن عسال : { يوم يأتي بعض آيات ربك } قال : طلوع الشمس من مغربها .

- حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن وهب بن جابر , عن عبد الله بن عمرو : { يوم يأتي بعض آيات ربك } قال : طلوع الشمس من مغربها .

وقال آخرون : بل ذلك بعض الآيات الثلاثة : الدابة , ويأجوج ومأجوج , وطلوع الشمس من مغربها .

ذكر من قال ذلك : 11075 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جعفر بن عون , عن المسعودي , عن القاسم , قال : قال عبد الله : التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ما لم تخرج إحدى ثلاث : ما لم تطلع الشمس من مغربها , أو الدابة , أو فتح يأجوج ومأجوج .

- حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا المسعودي , عن القاسم بن عبد الرحمن , قال : قال عبد الله : التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ما لم تخرج إحدى ثلاث : الدابة , وطلوع الشمس من مغربها , وخروج يأجوج ومأجوج .

11076 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن منصور , عن عامر , عن عائشة , قالت : إذا خرج أول الآيات طرحت الأقلام , وحبست الحفظة , وشهدت الأجساد على الأعمال .

11077 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن فضيل , عن أبيه , عن أبي حازم , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث إذا خرجت لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها , والدجال , ودابة الأرض " .

11078 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا معاوية بن عبد الكريم , قال : ثنا الحسن , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بادروا بالأعمال ستا : طلوع الشمس من مغربها , والدجال والدخان , ودابة الأرض , وخويصة أحدكم , وأمر العامة " .

11079 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : ذكر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول , فذكر نحوه .

وأولى الأقوال بالصواب في ذلك , ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ذلك حين تطلع الشمس من مغربها " .

وأما قوله : { أو كسبت في إيمانها خيرا } فإنه يعني : أو عملت في تصديقها بالله خيرا من عمل صالح تصدق قيله , وتحققه من قبل طلوع الشمس من مغربها , لا ينفع كافرا لم يكن آمن بالله قبل طلوعها , كذلك إيمانه بالله إن آمن وصدق بالله ورسله , لأنها حالة لا تمتنع نفس من الإقرار بالله العظيم لهول الوارد عليهم من أمر الله , فحكم إيمانهم كحكم إيمانهم عند قيام الساعة ; وتلك حال لا يمتنع الخلق من الإقرار بوحدانية الله لمعاينتهم من أهوال ذلك اليوم ما ترتفع معه حاجتهم إلى الفكر والاستدلال والبحث والاعتبار , ولا ينفع من كان بالله وبرسله مصدقا ولفرائض الله مضيعا غير مكتسب بجوارحه لله طاعة إذا هي طلعت من مغربها أعماله إن عمل , وكسبه إن اكتسب , لتفريطه الذي سلف قبل طلوعها في ذلك .

كما : 11080 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } يقول : كسبت في تصديقها خيرا عملا صالحا , فهؤلاء أهل القبلة .

وإن كانت مصدقة ولم تعمل قبل ذلك خيرا فعملت بعد أن رأت الآية لم يقبل منها .

وإن عملت قبل الآية خيرا ثم عملت بعد الآية خيرا , قبل منها .

11081 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول , في قوله : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها } قال : من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه قبل الله منه العمل بعد نزول الآية كما قبل منه قبل ذلك .قل انتظروا إنا منتظرون القول في تأويل قوله تعالى : { قل انتظروا إنا منتظرون } .

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام : انتظروا أن تأتيكم الملائكة بالموت , فتقبض أرواحكم , أو أن يأتي ربك لفصل القضاء بيننا وبينكم في موقف القيامة , أو أن يأتيكم طلوع الشمس من مغربها , فتطوى صحائف الأعمال , ولا ينفعكم إيمانكم حينئذ إن آمنتم , حتى تعلموا حينئذ المحق منا من المبطل , والمسيء من المحسن , والصادق من الكاذب , وتتبينوا عند ذلك بمن يحيق عذاب الله وأليم نكاله , ومن الناجي منا ومنكم ومن الهالك , إنا منتظرو ذلك , ليجزل الله لنا ثوابه على طاعتنا إياه , وإخلاصنا العبادة له , وإفرادناه بالربوبية دون ما سواه , ويفصل بيننا وبينكم بالحق , وهو خير الفاصلين .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرونقوله تعالى هل ينظرون معناه أقمت عليهم الحجة وأنزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا ، فماذا ينتظرون .هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أي عند الموت لقبض أرواحهم .أو يأتي ربك قال ابن عباس والضحاك : أمر ربك فيهم بالقتل أو غيره ، وقد يذكر المضاف إليه والمراد به المضاف ; كقوله تعالى : واسأل القرية يعني أهل القرية .

وقوله : وأشربوا في قلوبهم العجل أي حب العجل .

كذلك هنا : يأتي أمر ربك أي عقوبة ربك وعذاب ربك .

ويقال : هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله .

وقد تقدم القول في مثله في " البقرة " وغيرها .أو يأتي بعض آيات ربك قيل : هو طلوع الشمس من مغربها .

بين بهذا أنهم يمهلون في الدنيا فإذا ظهرت الساعة فلا إمهال .وقيل : إتيان الله تعالى مجيئه لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة ; كما قال تعالى : وجاء ربك والملك صفا صفا .

وليس مجيئه تعالى حركة ولا انتقالا ولا زوالا ; لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا .

والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون : يجيء وينزل ويأتي .

ولا يكيفون ; لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصيروفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض .

وعن صفوان بن عسال المرادي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة [ ص: 132 ] لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه .

أخرجه الدارقطني والدارمي والترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح .

وقال سفيان : قبل الشام ، خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض .

" مفتوحا " يعني للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه .

قال : حديث حسن صحيح .قلت : وكذب بهذا كله الخوارج والمعتزلة كما تقدم .

وروى ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب فقال : أيها الناس ، إن الرجم حق فلا تخدعن عنه ، وإن آية ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ، وأن أبا بكر قد رجم ، وأنا قد رجمنا بعدهما ، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم ، ويكذبون بالدجال ، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها ، ويكذبون بعذاب القبر ، ويكذبون بالشفاعة ، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا .

ذكره أبو عمر .

وذكر الثعلبي في حديث فيه طول عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه : أن الشمس تحبس عن الناس - حين تكثر المعاصي في الأرض ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد ، ويفشو المنكر فلا ينهى عنه - مقدار ليلة تحت العرش ، كلما سجدت واستأذنت ربها تعالى من أين تطلع لم يجئ لها جواب حتى يوافيها القمر فيسجد معها ، ويستأذن من أين يطلع فلا يجاء إليهما جواب حتى يحبسا مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر ; فلا يعرف طول تلك الليلة إلا المتهجدون في الأرض وهم يومئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين فإذا تم لهما مقدار ثلاث ليال أرسل الله تعالى إليهما جبريل عليه السلام فيقول : إن الرب سبحانه وتعالى يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه ، وأنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور .

فيطلعان من مغاربهما أسودين ، لا ضوء للشمس ولا نور للقمر ، مثلهما في كسوفهما قبل ذلك .

فذلك قوله تعالى : وجمع الشمس والقمر وقوله : إذا الشمس كورت فيرتفعان كذلك مثل البعيرين المقرونين ; فإذا ما بلغ الشمس والقمر سرة السماء وهي منتصفها جاءهما جبريل عليه السلام فأخذ بقرونهما وردهما إلى المغرب ، فلا يغربهما من مغاربهما ولكن يغربهما من باب التوبة ثم يرد المصراعين ، ثم يلتئم ما بينهما فيصير كأنه لم يكن بينهما صدع .

فإذا أغلق باب التوبة لم تقبل لعبد بعد ذلك توبة ، ولم تنفعه بعد ذلك حسنة يعملها ; إلا من كان قبل ذلك محسنا فإنه يجري عليه ما كان عليه قبل ذلك اليوم ; فذلك قوله تعالى : [ ص: 133 ] يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا .ثم إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك الضوء والنور ، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك يطلعان ويغربان .

قال العلماء : وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوعها من مغربها ; لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس ، وتفتر كل قوة من قوى البدن ; فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم ، وبطلانها من أبدانهم ; فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته ، كما لا تقبل توبة من حضره الموت .

قال صلى الله عليه وسلم : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر أي تبلغ روحه رأس حلقه ، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار ; فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله .

وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة ما عاش ; لأن علمه بالله تعالى وبنبيه صلى الله عليه وسلم وبوعده قد صار ضرورة .

فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان ، ولا يتحدثوا عنه إلا قليلا ، فيصير الخبر عنه خاصا وينقطع التواتر عنه ; فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قبل منه .

والله أعلم .وفي صحيح مسلم عن عبد الله قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا .

وفيه عن حذيفة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفة ونحن أسفل منه ، فاطلع إلينا فقال : ما تذاكرون ؟

قلنا : الساعة .

قال : إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات : خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس .قال شعبة : وحدثني عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عن أبي سريحة مثل ذلك ، لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال أحدهما في العاشرة : ونزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم .

وقال الآخر : وريح تلقي الناس في [ ص: 134 ] البحر .

قلت : وهذا حديث متقن في ترتيب العلامات .

وقد وقع بعضها وهي الخسوفات على ما ذكر أبو الفرج الجوزي من وقوعها بعراق العجم والمغرب .

وهلك بسببها خلق كثير ; ذكره في كتاب فهوم الآثار وغيره .

ويأتي ذكر الدابة في " النمل " .

ويأجوج ومأجوج في " الكهف " .

ويقال : إن الآيات تتابع كالنظم في الخيط عاما فعاما .

وقيل : إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها أن إبراهيم عليه السلام قال لنمروذ : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر وأن الملحدة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون : هو غير كائن ; فيطلعها الله تعالى يوما من المغرب ليري المنكرين قدرته أن الشمس في ملكه ، إن شاء أطلعها من المشرق وإن شاء أطلعها من المغرب .

وعلى هذا يحتمل أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن وتاب من المنكرين لذلك المكذبين لخبر النبي صلى الله عليه وسلم بطلوعها ، فأما المصدقون لذلك فإنه تقبل توبتهم وينفعهم إيمانهم قبل ذلك .

وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال : لا يقبل من كافر عمل ولا توبة إذا أسلم حين يراها ، إلا من كان صغيرا يومئذ ; فإنه لو أسلم بعد ذلك قبل ذلك منه .

ومن كان مؤمنا مذنبا فتاب من الذنب قبل منه .

وروي عن عمران بن حصين أنه قال : إنما لم تقبل توبته وقت طلوع الشمس حين تكون صيحة فيهلك فيها كثير من الناس ; فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت وهلك لم تقبل توبته ، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته ; ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره .

وقال عبد الله بن عمر : يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة حتى يغرسوا النخل .

والله بغيبه أعلم .وقرأ ابن عمر وابن الزبير ( يوم تأتي ) بالتاء ; مثل ( تلتقطه بعض السيارة ) .

وذهبت بعض أصابعه .

وقال جرير :لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشعقال المبرد : التأنيث على المجاورة لمؤنث لا على الأصل .

وقرأ ابن سيرين ( لا تنفع ) بالتاء .

قال أبو حاتم : يذكرون أن هذا غلط من ابن سيرين .

قال النحاس : في هذا شيء دقيق من النحو ذكره سيبويه ، وذلك أن الإيمان والنفس كل واحد منهما مشتمل على الآخر فأنث الإيمان إذ هو من النفس وبها ; وأنشد سيبويه :مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم[ ص: 135 ] قال المهدوي : وكثيرا ما يؤنثون فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث ، وكان المضاف بعض المضاف إليه منه أو به ; وعليه قول ذي الرمة : مشين .

.

.

البيت فأنث المر لإضافته إلى الرياح وهي مؤنثة ، إذ كان المر من الرياح .

قال النحاس : وفيه قول آخر وهو أن يؤنث الإيمان لأنه مصدر كما يذكر المصدر المؤنث ; مثل فمن جاءه موعظة من ربه وكما قال :فقد عذرتنا في صحابته العذرففي أحد الأقوال أنث العذر لأنه بمعنى المعذرة .قل انتظروا إنا منتظرون بكم العذاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: هل ينظر هؤلاء الذين استمر ظلمهم وعنادهم، { إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ } مقدمات العذاب، ومقدمات الآخرة بأن تأتيهم { الْمَلَائِكَةِ } لقبض أرواحهم، فإنهم إذا وصلوا إلى تلك الحال، لم ينفعهم الإيمان ولا صالح الأعمال.

{ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ } لفصل القضاء بين العباد، ومجازاة المحسنين والمسيئين.

{ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } الدالة على قرب الساعة.

{ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } الخارقة للعادة، التي يعلم بها أن الساعة قد دنت، وأن القيامة قد اقتربت.

{ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا } أي: إذا وجد بعض آيات الله لم ينفع الكافر إيمانه أن آمن، ولا المؤمنَ المقصر أن يزداد خيرُه بعد ذلك، بل ينفعه ما كان معه من الإيمان قبل ذلك، وما كان له من الخير المرجوِّ قبل أن يأتي بعض الآيات.

والحكمة في هذا ظاهرة، فإنه إنما كان الإيمان ينفع إذا كان إيمانا بالغيب، وكان اختيارا من العبد، فأما إذا وجدت الآيات صار الأمر شهادة، ولم يبق للإيمان فائدة، لأنه يشبه الإيمان الضروري، كإيمان الغريق والحريق ونحوهما، ممن إذا رأى الموت، أقلع عما هو فيه كما قال تعالى: { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ } وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد ببعض آيات الله، طلوع الشمس من مغربها، وأن الناس إذا رأوها، آمنوا، فلم ينفعهم إيمانهم، ويُغلق حينئذ بابُ التوبة.

ولما كان هذا وعيدا للمكذبين بالرسول صلى الله عليه وسلم، منتظرا، وهم ينتظرون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه قوارع الدهر ومصائب الأمور، قال: { قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ } فستعلمون أينا أحق بالأمن.

وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى، كالاستواء والنزول، والإتيان لله تبارك وتعالى، من غير تشبيه له بصفات المخلوقين.

وفي الكتاب والسنة من هذا شيء كثير، وفيه أن من جملة أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها.

وأن الله تعالى حكيم قد جرت عادته وسنته، أن الإيمان إنما ينفع إذا كان اختياريا لا اضطراريا، كما تقدم.

وأن الإنسان يكتسب الخير بإيمانه.

فالطاعة والبر والتقوى إنما تنفع وتنمو إذا كان مع العبد الإيمان.

فإذا خلا القلب من الإيمان لم ينفعه شيء من ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( هل ينظرون ) أي : هل ينتظرون بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن ، ( إلا أن تأتيهم الملائكة ) لقبض أرواحهم ، وقيل : بالعذاب ، قرأ حمزة والكسائي " يأتيهم " بالياء هاهنا وفي النحل ، والباقون بالتاء ، ( أو يأتي ربك ) بلا كيف ، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة ، ( أو يأتي بعض آيات ربك ) يعني طلوع الشمس من مغربها ، عليه أكثر المفسرين ورواه أبو سعيد الخدري مرفوعا .

( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) أي : لا ينفعهم الإيمان عند ظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان ، ( أو كسبت في إيمانها خيرا ) يريد : لا يقبل إيمان كافر ولا توبة فاسق ( قل انتظروا ) يا أهل مكة ، ( إنا منتظرون ) بكم العذاب .

أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن همام بن منبه ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعين ، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبيدة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يدا الله بسطان لمسيء الليل ليتوب بالنهار ، ولمسيء النهار ليتوب بالليل ، حتى تطلع الشمس من مغربها " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ثنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أنا حميد بن زنجويه أنا النضر بن شميل أنا هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الرياني أنا حميد بن زنجويه أنا أحمد بن عبد الله أنا حماد بن زيد أنا عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال : أتيت صفوان بن عسال المرادي فذكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أن الله - عز وجل - جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله " ، وذلك قول الله تعالى : " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " .

وروى أبو حازم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا : الدجال ، والدابة ، وطلوع الشمس من مغربها " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هل ينظرون» ما ينتظر المكذبون «إلا أن تأتيهم» بالتاء والياء «الملائكة» لقبض أرواحهم «أو يأتي ربُّك» أي أمره بمعنى عذابه «أو يأتي بعض آيات ربِّك» أي علاماته الدالة على الساعة «يوم يأتي بعض آيات ربَّك» وهي طلوع الشمس من مغربها كما في حديث الصحيحين «لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» الجملة صفة النفس «أو» نفسا لم تكن «كسبت في إيمانها خيرا» طاعة أي لا تنفعها توبتها كما في الحديث «قل انتظروا» أحد هذه الأشياء «إنا منتظرون» ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هل ينتظر الذين أعرضوا وصدوا عن سبيل الله إلا أن يأتيهم ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم، أو يأتي ربك -أيها الرسول- للفصل بين عباده يوم القيامة، أو يأتي بعض أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على مجيئها، وهي طلوع الشمس من مغربها؟

فحين يكون ذلك لا ينفع نفسا إيمانها، إن لم تكن آمنت من قبل، ولا يُقبل منها إن كانت مؤمنة كسب عمل صالح إن لم تكن عاملة به قبل ذلك.

قل لهم -أيها الرسول-: انتظروا مجيء ذلك؛ لتعلموا المحق من المبطل، والمسيء من المحسن، إنا منتظرون ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يمضى القرآن فى تهديدهم خطوة أخرى .

رداً على ما كانوا يطلبون من الآيات الخارقة ، وتحذيراً من إعراضهم وتقاعسهم عن طريق الحق مع أن الزمن لا يتوقف ، والفرص لا تعود فيقول : { هَلْ يَنظُرُونَ .

.

.

.

}أى : ما ينتظر مشركو مكة وغيرهم من المكذبين بعد إعراضهم عن آيات الله إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم من أجسادهم .والجملة الكريمة مستأنفة لبيان أنهم لا يتأتى منهم الإيمان بإنزال ما ذكر من البينات والهدى .قال البيضاوى : وهم ما كانوا منتظرين لذلك ، ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبهوا بالمنتظرين .وقوله : { أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ } أى : إتياناً يناسب ذاته الكريمة بدون كيف أو تشبيه للقضاء بين الخلق يوم القيامة ، وقيل المراد بإتيان الرب ، إتيان ما وعد به من النصر للمؤمنين والعذاب للكافرين .وقوله : { أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } أى : بعض علامات قيام الساعة ، وذلك قبل يوم القيامة ، وفسر فى الحديث بطلوع الشمس من مغربها .فقد روى البخارى عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها .

فإذا رآها الناس آمن من عليها .

فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل " .وفى رواية لمسلم والترمذى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيراً : طلوع الشمس من مغربها ، والدجال ، ودابة الأرض " .ثم بين - سبحانه - أنه عند مجىء علامات الساعة لا ينفع الإيمان فقال :{ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً } .أى : عند مجىء بعض أشراط الساعة ، يذهب التكليف ، فلا ينفع الإيمان حينئذ نفساً كافرة لم تكن آمنت قبل ظهورها ، ولا ينفع العمل الصالح نفساً مؤمنة تعمله عند ظهور هذه الأشراط ، لأن العمل أو الإيمان عند ظهور هذه العلامات لا قيمة له لبطلان التطليف فى هذا الوقت .قال الطبرى : معنى الآية لا ينفع كافراً لم يكن آمن قبل الطلوع - أى طلوع الشمس من مغربها - إيمان بعد الطلوع .

ولا ينفع مؤمناً لم يكن عمل صالحاً قبل الطلوع ، بعد الطلوع .

لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ .

حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة ، وذلك لا يفيد شيئاً .

كما قال - تعالى - { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } وكما ثبت فى الحديث الصحيح : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " .وقال ابن كثير : إذا أنشأ الكافر إيماناً يومئذ لم يقبل منه ، فأما من كان مؤمناً قبل ذلك فإن كان مصلحاً فى عمله فهو بخير عظيم ، وإن لم يكن مصلحاً فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته ، كما دلت عليه الأحاديث ، وعليه يحمل قوله - تعالى - : { أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً } أى : لا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك " .وقوله : { قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ } تهديد لهم .

أى : قل يا محمد لهؤلاء الكافرين : انتظروا ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور ألثلاثة لتروا أى شىء تنتظرون ، فإنا منتظرون معكم لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قرأ حمزة والكسائي: ﴿ يَأْتِيهُمُ ﴾ بالياء وفي النحل مثله، والباقون ﴿ تَأْتِيَهُمُ ﴾ بالتاء.

واعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أنزل الكتاب إزالة للعذر، وإزاحة للعلة، وبين أنهم لا يؤمنون ألبتة وشرح أحوالاً توجب اليأس عن دخولهم في الإيمان فقال: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة ﴾ ونظير هذه الآية قوله في سورة البقرة: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام  ﴾ ومعنى ينظرون ينتظرون وهل استفهام معناه النفي، وتقدير الآية: أنهم لا يؤمنون بك إلا إذا جاءهم أحد هذه الأمور الثلاثة، وهي مجيء الملائكة، أو مجيء الرب، أو مجيء الآيات القاهرة من الرب.

فإن قيل: قوله: ﴿ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ ﴾ هل يدل على جواز المجيء والغيبة على الله.

قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا حكاية عنهم، وهم كانوا كفاراً، واعتقاد الكافر ليس بحجة، والثاني: أن هذا مجاز.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَأَتَى الله بنيانهم  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله  ﴾ والثالث: قيام الدلائل القاطعة على أن المجيء والغيبة على الله تعالى محال، وأقربها قول الخليل صوات الله عليه في الرد على عبدة الكواكب ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين  ﴾ .

فإن قيل: قوله: ﴿ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ ﴾ لا يمكن حمله على إثبات أثر من آثار قدرته، لأن على هذا التقدير: يصير هذا عين قوله: ﴿ أو يأتي ربك ﴾ فوجب حمله على أن المراد منه إتيان الرب.

قلنا: الجواب المعتمد أن هذا حكاية مذهب الكفار، فلا يكون حجة، وقيل: يأتي ربك بالعذاب، أو يأتي بعض آيات ربك وهو المعجزات القاهرة.

ثم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءايات رَبّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ وأجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علامات القيامة، عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر أمر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تتذاكرون؟

قلنا: نتذاكر الساعة قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفاً بالمشرق، وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب، والدجال وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن وقوله: ﴿ لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ صفة لقوله: ﴿ نَفْساً ﴾ وقوله: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمانها خَيْرًا ﴾ صفة ثانية معطوفة على الصفة الأولى، والمعنى: أن أشراط الساعة إذا ظهرت ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان نفساً ما آمنت قبل ذلك، وما كسبت في إيمانها خيراً قبل ذلك.

ثم قال تعالى: ﴿ قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾ وعيد وتهديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الملائكة ﴾ ملائكة الموت، أو العذاب ﴿ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ ﴾ أو يأتي كل آيات ربك.

بدليل قوله: ﴿ أَوْ يأْتِىَ بَعْضُ ءايات رَبِّكَ ﴾ يريد آيات القيامة والهلاك الكلي، وبعض الآيات.

أشراط الساعة، كطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك.

وعن البراء بن عازب: كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما تتذاكرون؟

فقلنا: نتذاكر الساعة قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفاً بالمغرب، وخسفاً بالمشرق، وخسفاً بجزيرة العرب، والدجال، وطُلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، وناراً تخرج من عدن» ﴿ لَمْ تَكُنْ آمنت مِن قَبْلُ ﴾ صفة لقوله نفساً.

وقوله: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمانها خَيْرًا ﴾ عطف على آمنت.

والمعنى أنّ أشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات ملجئة مضطرة، ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذ نفساً غير مقدّمة إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو مقدّمة الإيمان غير كاسبة في إيمانها خيراً، فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيراً، ليعلم أنَّ قوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ [البقرة: 25] جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبهما ويسعد، وإلاّ فالشقوة والهلاك ﴿ قُلِ انتظروا إنا مُنتَظِرُونَ ﴾ وعيد.

وقرئ: ﴿ أن يأتيهم الملائكة ﴾ بالياء والتاء.

وقرأ ابن سيرين: (لا تنفع) بالتاء؛ لكون الإيمان مضافاً إلى ضمير المؤنث الذي هو بعضه كقولك: ذهبت بعض أصابعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، وهم ما كانُوا مُنْتَظِرِينَ لِذَلِكَ ولَكِنْ لَمّا كانَ يَلْحَقُهم لُحُوقَ المُنْتَظِرِ شُبِّهُوا بِالمُنْتَظِرِينَ.

﴿ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ مَلائِكَةُ المَوْتِ أوِ العَذابِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ هُنا وفي «النَّحْلِ» .

﴿ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ أيْ أمْرُهُ بِالعَذابِ، أوْ كُلُّ آيَةٍ يَعْنِي آياتِ القِيامَةِ والهَلاكَ الكُلِّيَّ لِقَوْلِهِ: ﴿ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي أشْراطَ السّاعَةِ.

وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ: « (كُنّا نَتَذاكَرُ السّاعَةَ إذْ أشْرَفَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: ما تَذاكَرُونَ؟

قُلْنا: نَتَذاكَرُ السّاعَةَ، قالَ: «إنَّها لا تَقُومُ حَتّى تَرَوْا قَبْلَها عَشْرَ آياتٍ: الدُّخانَ، ودابَّةَ الأرْضِ، وخَسْفًا بِالمُشْرِقِ، وخَسْفًا بِالمَغْرِبِ، وخَسْفًا بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، والدَّجّالَ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ونُزُولَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونارًا تَخْرُجُ مِن عَدَنَ)» .

﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ﴾ كالمُحْتَضَرِ إذْ صارَ الأمْرُ عَيانًا والإيمانُ بُرْهانِيًّا.

وَقُرِئَ «تَنْفَعُ» بِالتّاءِ لِإضافَةِ الإيمانِ إلى ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ.

﴿ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ صِفَةُ نَفْسًا.

﴿ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا ﴾ عَطْفٌ عَلى آمَنَتْ والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا غَيْرَ مُقَدَّمَةٍ إيمانَها أوْ مُقَدَّمَةً إيمانَها غَيْرَ كاسِبَةٍ في إيمانِها خَيْرًا، وهو دَلِيلٌ لِمَن لَمْ يَعْتَبِرِ الإيمانَ المُجَرَّدَ عَنِ العَمَلِ ولِلْمُعْتَبِرِ تَخْصِيصُ هَذا الحُكْمِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، وحَمْلُ التَّرْدِيدِ عَلى اشْتِراطِ النَّفْعِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ عَلى مَعْنى لا يَنْفَعُ نَفْسًا خَلَتْ عَنْها إيمانُها، والعَطْفُ عَلى لَمْ تَكُنْ بِمَعْنى لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها الَّذِي أحْدَثَتْهُ حِينَئِذٍ وإنْ كَسَبَتْ فِيهِ خَيْرًا.

﴿ قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ ﴾ وعِيدٌ لَهُمْ، أيِ: انْتَظِرُوا إتْيانَ أحَدِ الثَّلاثَةِ فَإنّا مُنْتَظِرُونَ لَهُ وحِينَئِذٍ لَنا الفَوْزُ وعَلَيْكُمُ الوَيْلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هَلْ يَنظُرُونَ} أي أقمنا حجج الوحدانية وثبوت الرسالة وأبطلنا ما يعتقدون من الضلالة فما ينتظرون في ترك الضلالة بعدها {إِلا أَن تأتيهم الملائكة} أى ملاك الموت لقبض أرواحهم يَأْتِيهِمُ حمزة وعلي {أَوْ

يأتي ربك} أى أمر ربكم وهو العذاب أو القيامة وهذا لأن الإتيان متشابه وإتيان أمره منصوص عليه محكم فيرد إليه {أو يأتي بعض آيات رَبِّكَ} أي أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك {يوم يأتي بعض آيات رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} لأنه ليس بإيمان اختيارى بل هل إيمان دفع العذاب والبأس عن أنفسهم {لَمْ تكن آمنت مِن قَبْلُ} صفة نَفْساً {أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمانها خيرا}

أي إخلاصاً كما لا يقبل إيمان الكافر بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل إخلاص المنافق أيضاً أو توبته وتقديره لا ينفع إيمان من لم يؤمن ولا توبة من لم يتب قبل {قُلِ انتظروا} إحدى الآيات الثلاث {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} بكم إحداها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ بِإنْزالِ ما ذُكِرَ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى والإيذانِ بِأنَّ مِنَ الآياتِ ما لا فائِدَةَ لِلْإيمانِ عِنْدَهُ مُبالَغَةً في التَّبْلِيغِ والإنْذارِ وإزاحَةِ العِلَلِ والإعْذارِ و( هَلْ ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وأنْكَرَ الرَّضِيُّ مَجِيئَها لِذَلِكَ وقالَ: إنَّها لِلتَّقْرِيرِ في الإثْباتِ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ والضَّمِيرُ لِكُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ.

وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّهُ لِلنَّبِيِّ  وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أيْ ما يَنْتَظِرُونَ ﴿ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ ﴿ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ حَسْبَما أخْبَرَ وبِالمَعْنى الَّذِي أرادَ وإلى هَذا التَّفْسِيرِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ وقِيلَ: إتْيانُ المَلائِكَةِ لِإنْزالِ العَذابِ والخَسْفِ بِهِمْ وعَنِ الحَسَنِ إتْيانُ الرَّبِّ عَلى مَعْنى إتْيانِ أمْرِهِ بِالعَذابِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ يَأْتِي أمْرُ رَبِّكَ فِيهِمْ بِالقَتْلِ وقِيلَ: المُرادُ يَأْتِي كُلُّ آياتِهِ يَعْنِي آياتِ القِيامَةِ والهَلاكَ الكُلِّيَّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ مِن مَذْهَبِ السَّلَفِ عَدَمُ تَأْوِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ ونَحْوِهِ بَلْ تَفْوِيضُ المُرادِ مِنهُ إلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ مَعَ الجَزْمِ بِعَدَمِ إرادَةِ الظّاهِرِ ومِنهم مَن يُبْقِيهِ عَلى الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ يَدَّعِي أنَّ الإتْيانَ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعالى لَيْسَ الإتْيانَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ الحادِثُ وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ يَقُولُ بِالظَّواهِرِ ويَنْفِي اللَّوازِمَ ويَدَّعِي أنَّها لَوازِمُ في الشّاهِدِ وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ.

وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ حَمْلَ الكَلامِ عَلى الظّاهِرِ المُتَعارَفِ عِنْدَ النّاسِ والمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ مَذْهَبِ الكُفّارِ واعْتِقادُهم وعَلى ذَلِكَ اعْتَمَدَ الإمامُ وهو بَعِيدٌ أوْ باطِلٌ والمُرادُ بِالآياتِ عِنْدَ بَعْضِ أشْراطِ السّاعَةِ وهي عَلى ما يُسْتَفادُ مِنَ الأخْبارِ كَثِيرَةٌ وصَحَّ مِن طُرُقِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ قالَ: «أشْرَفَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ  مِن عِلْيَةٍ ونَحْنُ نَتَذاكَرُ فَقالَ: ما تُذاكِرُونَ قُلْنا: نَتَذاكَرُ السّاعَةَ قالَ: إنَّها لا تَقُومُ حَتّى تَرَوْا قَبْلَها عَشْرَ آياتٍ: الدُّخانُ والدَّجّالُ وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ويَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ والدّابَّةُ وطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وثَلاثَةُ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالمَشْرِقِ وخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ وخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ وآخِرُ ذَلِكَ نارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنٍ أوِ اليَمَنِ تَطْرُدُ النّاسَ إلى المَحْشَرِ تَنْزِلُ مَعَهم إذا نَزَلُوا وتُقِيلُ مَعَهم إذا قالُوا» وبِبَعْضِها عَلى ما قِيلَ: الدَّجّالُ والدّابَّةُ وطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وهو المُرادُ بِالبَعْضِ أيْضًا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ ورَوى مُسْلِمٌ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ما هو صَرِيحٌ في ذَلِكَ واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ خُرُوجَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الدَّجّالِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْعُو النّاسَ إلى الإيمانِ ويَقْبَلُهُ مِنهم وفي زَمَنِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ وأُجِيبَ عَنْهُ بِما يَخْلُو عَنِ النَّظَرِ والحَقُّ أنَّ المُرادَ بِهَذا البَعْضِ الَّذِي لا يَنْفَعُ الإيمانُ عِنْدَهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها.

فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها فَإذا طَلَعَتْ ورَآها النّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» بَلْ قَدْ رُوِيَ هَذا التَّعْيِينُ عَنْهُ  في غَيْرِ ما خَبَرٍ صَحِيحٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جُلَّةُ المُفَسِّرِينَ وما يُرْوى مِنَ الأخْبارِ الَّتِي ظاهِرُها المُنافاةُ لِذَلِكَ غَيْرُ مُنافٍ لَهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ وسَبَبُ عَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ إذا شُوهِدَ تَغَيُّرُ العالَمِ العُلْوِيِّ يَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ ويَرْتَفِعُ الإيمانُ بِالغَيْبِ وهو المُكَلَّفُ بِهِ فَيَكُونُ الإيمانُ حِينَئِذٍ كالإيمانِ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ ومُقْتَضى الإخْبارِ في هَذا المَطْلَبِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ الإيمانُ بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا لَكِنَّ الظّاهِرَ عَلى ما في الزَّواجِرِ قَبُولُ ما وقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْصِيرٍ كَمَن جُنَّ وأفاقَ بَعْدُ أوْ أسْلَمَ بِتَبَعِيَّةِ أبَوَيْهِ.

وعَنِ البَلْقِينِيِّ أنَّهُ إذا تَراخى الحالُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ وطالَ العَهْدُ حَتّى نُسِيَ قُبِلَ الإيمانُ لِزَوالِ الآيَةِ المُلْجِئَةِ ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ وقَوْلُ العِراقِيِّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لا يَطُولُ العَهْدُ حَتّى يُنْسى غَيْرُ مُتَّجِهٍ لِما رَواهُ القُرْطُبِيُّ في تَذْكِرَتِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ  ونَقَلَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ أنَّ النّاسَ يَبْقُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً والكَلامُ عَنْ كَيْفِيَّةِ طُلُوعِها مِنَ المَغْرِبِ مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ وفي سُوقِ العَرُوسِ لِابْنِ الجَوْزِيِّ أنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيها ثُمَّ يُقالُ لَها: ارْجِعِي مِن مَطْلَعِكِ والمَشْهُورُ أنَّها تَطْلُعُ يَوْمًا واحِدًا مِنَ المَغْرِبِ فَتَسِيرُ إلى خَطِّ نِصْفِ النَّهارِ ثُمَّ تَرْجِعُ إلى المَغْرِبِ وتَطْلُعُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المَشْرِقِ كَعادَتِها قَبْلُ وخَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى صَرِيحٌ في ذَلِكَ والكُلُّ أمْرٌ مُمْكِنٌ واللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

ورَوى البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَساكِرَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ عَنْ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُطْلِعَ الشَّمْسَ مِن مَغْرِبِها أدارَها بِالقُطْبِ فَجَعَلَ مَشْرِقَها مَغْرِبَها ومَغْرِبَها مَشْرِقَها وأهْلُ الهَيْئَةِ ومَن وافَقَهم يَزْعُمُونَ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مُحالٌ ويَقُولُونَ: إنَّ الشَّمْسَ وغَيْرَها مِنَ الفَلَكِيّاتِ بَسِيطَةٌ لا تَخْتَلِفُ مُقْتَضَياتُها جِهَةً وحَرَكَةٌ وغَيْرَ ذَلِكَ ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْها تَغْيِيرٌ عَمّا هي عَلَيْهِ وقَدْ بَنَوْا ذَلِكَ عَلى مِثْلِ شَفا جُرُفٍ هارٍ وقالَ الكَرْمانِيُّ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ قَواعِدِهِمْ لا امْتِناعَ في ذَلِكَ أيْضًا لِقَوْلِهِمْ بِجَوازِ انْطِباقِ مِنطَقَةِ فَلَكِ البُرُوجِ المُسَمّى بِفَلَكِ الثَّوابِتِ عَلى المُعَدَّلِ وهي مِنطَقَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ المُسَمّى بِفَلَكِ الأطْلَسِ بِحَيْثُ يَصِيرُ المَشْرِقُ مَغْرِبًا والمَغْرِبُ مَشْرِقًا.

انْتَهى.

وفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ بُعْدُ بَيانِ كَيْفِيَّةِ الِانْطِباقِ وما يَتْبَعُهُ ويَلْزَمُ مِنهُ عَلى ما في كُتُبِ مُحَقِّقِيهِمْ فَأقُولُ: قالَ في التَّذْكِرَةِ وشَرْحِها لِلسَّيِّدِ السَّنَدِ: المَيْلُ الكُلِّيُّ وهو غايَةُ التَّباعُدِ بَيْنَ مِنطَقَتَيِ المُعَدَّلِ وفَلَكِ البُرُوجِ المَوْجُودُ بِالأرْصادِ القَدِيمَةِ والحَدِيثَةِ لَيْسَ شَيْئًا واحِدًا بَلْ كانَ ما وجَدَهُ القُدَماءُ أكْثَرَ مِمّا وجَدَهُ المُحْدَثُونَ وقَدْ يُظَنُّ أنَّ ما وجَدَهُ مَن هو أحْدَثُ زَمانًا كانَ أقَلَّ مِمّا وجَدَهُ مَن هو أقْدَمُ زَمانًا مَعَ أنَّ أكْثَرَ ما وجَدُوهُ لَمْ يَبْلُغْ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ جُزْءًا وأقَلُّهُ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ ثَلاثَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا ونِصْفِ جُزْءٍ.

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ إنَّما هو بِسَبَبِ اخْتِلالِ الآلاتِ في اسْتِدارَتِها أوْ قِسْمَتِها أوْ نَصْبِها في حَقِيقَةِ نِصْفِ النَّهارِ لا بِسَبَبِ تَحَرُّكِ إحْدى المِنطَقَتَيْنِ إلى الأُخْرى وإلّا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ عَلى نِظامٍ واحِدٍ ولَمْ يُوجَدْ كَذَلِكَ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ لَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُ الِاخْتِلافِ بِسَبَبِ التَّحَرُّكِ وعَدَمُ الِانْتِظامِ بِسَبَبِ الِاخْتِلالِ ولَمّا امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّقارُبُ بِحَرَكَةِ المُعَدَّلِ نَحْوَ مِنطَقَةِ البُرُوجِ إذْ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ تَخْتَلِفَ عُرُوضُ البُلْدانِ عَمّا هي عَلَيْهِ وأنْ يَكُونَ خَطُّ الِاسْتِواءِ في كُلِّ زَمانٍ مَكانًا آخَرَ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ مِنطَقَةَ البُرُوجِ تَتَحَرَّكُ في العَرْضِ فَتَقْرُبُ مِن مُعَدَّلِ النَّهارِ فَإنْ كانَ هَذا حَقًّا يَجِبُ أنْ يَثْبُتَ فَلَكًا آخَرَ يُحَرِّكُ فَلَكَ البُرُوجِ هَذِهِ الحَرَكَةَ ثُمَّ إنَّ المِنطَقَةَ إنْ تَحَرَّكَتْ في العَرْضِ أمْكَنَ أنْ تَتِمَّ الدَّوْرَةُ وأمْكَنَ أنْ لا تُتِمَّها بَلْ تَتَحَرَّكُ إلى غايَةٍ ما ثُمَّ تَعُودُ وتِلْكَ الغايَةُ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بَعْدَ انْطِباقِها عَلى مِنطَقَةِ المُعَدَّلِ مَرَّتَيْنِ أوْ حالَ انْطِباقِها الثّانِي أوْ فِيما بَيْنَ الِانْطِباقَيْنِ وذَلِكَ إمّا بَعْدَ قِطَعِ نِصْفِ دَوْرَتِها أوْ حالَ قَطْعِ النِّصْفِ أوْ قَبْلَهُ وإنْ لَمْ تَصِلْ إلى ما بَيْنَ الِانْطِباقَيْنِ فَإمّا أنْ تَعُودَ حالَ انْطِباقِها الأوَّلِ أوْ قَبْلَ ذَلِكَ وثَمانِيَةُ احْتِمالاتٍ عَقْلِيَّةٍ لا مَزِيدَ عَلَيْها وعَلى التَّقْدِيراتِ الخَمْسِ الأُوَلِ يَتَبادَلُ نِصْفا سَطْحِ فَلَكِ البُرُوجِ الشَّمالِيِّ والجَنُوبِيِّ فَيَصِيرُ نِصْفُ سَطْحِ فَلَكِ البُرُوجِ الَّذِي هو شَمالِيٌّ عَنِ المُعَدَّلِ جَنُوبًا عَنْهُ وبِالعَكْسِ مَعَ ما يَتْبَعُ النِّصْفَيْنِ مِنَ الأحْكامِ فَتَثْبُتُ أحْكامُ النِّصْفِ الشَّمالِيِّ لِلنِّصْفِ الجَنُوبِيِّ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ شَمالِيًّا وأحْكامُ الجَنُوبِيِّ لِلشَّمالِيِّ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ جَنُوبِيًّا وفي الثَّلاثَةِ الأُولى مِنها يَنْطَبِقُ كُلُّ واحِدٍ مِنها نِصْفَيْ مِنطَقَةِ البُرُوجِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن نِصْفَيْ مِنطَقَةِ المُعَدَّلِ وعَلى التَّقْدِيراتِ الباقِيَةِ بَعْدَ الخَمْسَةِ الأُولى لا يَتَبادَلُ غَيْرُ البَعْضِ مِنَ السَّطْحِ المَذْكُورِ وعَلى التَّقْدِيراتِ السَّبْعَةِ الأُولى يَنْطَبِقُ النِّصْفُ مِن مِنطَقَةِ فَلَكِ البُرُوجِ عَلى النِّصْفِ المُجاوِرِ لَهُ مِن مِنطَقَةِ المُعَدَّلِ وعِنْدَ كُلِّ انْطِباقٍ يَتَساوى اللَّيْلُ والنَّهارُ في جَمِيعِ البِقاعِ لِأنَّ مَدارَ الشَّمْسِ هو المُعَدَّلُ المُنَصَّفُ بِالآفاقِ القاطِعَةِ لَهُ وتَبْطُلُ فُصُولُ السَّنَةِ لِأنَّ بُعْدَ الشَّمْسِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ يَكُونُ شَيْئًا واحِدًا هو مِقْدارُ عَرْضِ البَلَدِ ويَسْتَمِرُّ الحالُ عَلى هَذا إلى أنْ تَفْتَرِقَ المِنطَقَتانِ بِمِقْدارٍ يُحَسُّ بِهِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ الِانْطِباقِ وتَساوِي المَلَوَيْنِ وبُطْلانُ الفُصُولِ إلّا أنَّ الِارْتِفاعاتِ ومَقادِيرَ الأيّامِ واللَّيالِي لِأجْزاءَ بِعَيْنِها مِن فَلَكِ البُرُوجِ تَزِيدُ وتَنْقُصُ في بُقْعَةٍ بِعَيْنِها.

انْتَهى مُلَخَّصًا.

ولا يَخْفى أنَّهُ مِن لَوازِمِ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّبادُلِ النّاشِئِ عَنِ الِانْطِباقِ مَرَّتَيْنِ انْطِباقُ قُطْبِ البُرُوجِ الجَنُوبِيِّ عَلى قُطْبِ العالَمِ الشَّمالِيِّ وعَكْسُهُ وصَيْرُورَةُ بُرُوجِ الخَرِيفِ بُرُوجَ الرَّبِيعِ وعَكْسُهُ وبُرُوجُ الصَّيْفِ بُرُوجَ الشِّتاءِ وعَكْسُهُ وانْعِكاسُ تَوالِي البُرُوجِ إلى خِلافِهِ فَيَطْلُعُ الحُوتُ ثُمَّ الدَّلْوُ ثُمَّ الجَدْيُ وهَكَذا إلى الحَمَلِ وتَوافُقُ حَرَكَةِ ما حَرَكَتُهُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ولَيْسَ صَيْرُورَةُ المَشْرِقِ مَغْرِبًا والمَغْرِبِ مَشْرِقًا مِن لَوازِمِ الِانْطِباقِ المَذْكُورِ بَلْ لا يُتَصَوَّرُ أصْلًا نَعَمْ لَوْ كانَ المُدَّعى انْطِباقَ مِنطَقَةِ المُعَدَّلِ عَلى مِنطَقَةِ فَلَكِ البُرُوجِ بِحَيْثُ تَكُونُ الحَرَكَةُ لِلْمُعَدَّلِ نَحْوَ المِنطَقَةِ لِتَصَوُّرِ ما ذُكِرَ لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ السَّيِّدُ السَّنَدُ فِيما مَرَّ وقَدْ فَرَضَ عَدَمَ الِامْتِناعِ فَتَدَبَّرْ والِانْتِظارُ في الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى تَشْبِيهِ حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والتَّمادِي عَلى العِنادِ إلى أنْ تَأْتِيَهم تِلْكَ الأُمُورُ الهائِلَةُ الَّتِي لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ عِنْدَ مُشاهَدَتِها البَتَّةَ بِحالِ مُنْتَظِرِينَ لَها وهَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنِ التَّفْسِيرِ بَعْدَ أنْ صَحَّتْ نِسْبَةُ بَعْضِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  والبَعْضِ الآخَرِ إلى بَعْضِ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ولَيْسَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ ما يَأْباهُ ولا أنَّ المَقامَ إنَّما يُساعِدُ عَلى ما سِواهُ وقِيلَ: المُرادُ بِإتْيانِ المَلائِكَةِ وإتْيانِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ ما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا ﴾ وبِقَوْلِهِ ﴿ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ وبِإتْيانِ بَعْضِ الآياتِ غَيْرُ ما ذُكِرَ كَما اقْتَرَحُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا ﴾ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن عَظائِمِ الآياتِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها إيمانَهم وجُوِّزَ حَمْلُ بَعْضِ الآياتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ عَلى ما يَعُمُّ مُقْتَرَحاتِهِمْ وغَيْرَها مِنَ الدَّواهِي العِظامِ السّالِبَةِ لِلِاخْتِيارِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ التَّكْلِيفِ وهو كَلامٌ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِالدُّونِ ولَكِنْ إذا صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِيٌّ والتَّعْبِيرُ بِالبَعْضِ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ كَما أنَّ إضافَةَ الآياتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُنْبِئِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ لِذَلِكَ وإضافَتَهُ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّشْرِيفِ وتَنْكِيرُ ﴿ نَفْسًا ﴾ لِلتَّعْمِيمِ وجُمْلَةُ ﴿ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ صِفَةٌ لَنَفْسًا فُصِلَ بَيْنَهُما بِالفاعِلِ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِ المَوْصُوفِ ولا ضَيْرَ فِيهِ لِأنَّهُ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ مِنهُ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ وجُوِّزَ كَوْنُها اسْتِئْنافِيَّةً و( يَوْمَ ) مَنصُوبٌ بِلا يَنْفَعُ وامْتِناعُ عَمَلِ ما بَعْدَ لا فِيما قَبْلَها إنَّما هو عِنْدَ وُقُوعِها جَوابَ القَسَمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَأْتِيهِمْ ) بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وقُرِئَ ( يَوْمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ هو الجُمْلَةُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ لا يَنْفَعُ فِيهِ وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وابْنُ سِيرِينَ ( لا تَنْفَعُ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ وخَرَّجَها ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّها مِن بابِ قُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ فالمُضافُ فِيهِ قَدِ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ شَبِيهًا بِما يُسْتَغْنى عَنْهُ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ التَّأْنِيثَ لِتَأْوِيلِ الإيمانِ بِالعَقِيدَةِ والمَعْرِفَةِ مِثْلَ جاءَتْهُ كِتابِي فاحْتَقَرَها عَلى مَعْنى الصَّحِيفَةِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ آمَنَتْ ﴾ والكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى نَفْيِ التَّرْدِيدِ المُسْتَلْزِمِ لِلْعُمُومِ المُفِيدِ بِمَنطُوقِهِ لِاشْتِراطِ عَدَمِ النَّفْعِ بِعَدَمِ الأمْرَيْنِ مَعًا الإيمانُ المُقَدَّمُ والخَيْرُ المَكْسُوبُ فِيهِ وبِمَفْهُومِهِ لِاشْتِراطِ النَّفْعِ بِتَحَقُّقِ أحَدِهِما بِطْرِيقِ مَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الِانْفِصالِ الحَقِيقِيِّ والمَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا لَمْ يَصْدُرْ عَنْها مِن قِبَلِ الإيمانِ المُجَرَّدِ أوِ الخَيْرِ المَكْسُوبِ فِيهِ فَيَتَحَقَّقُ الخَيْرُ بِأيِّهِما كانَ حَسْبَما تَنْطِقُ بِهِ النُّصُوصُ الكَرِيمَةُ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: إنَّ التَّرْدِيدَ بَيْنَ النَّفْيَيْنِ المُرادُ نَفْيُ العُمُومِ لا عُمُومَ النَّفْيِ والمَعْنى أنَّهُ يَنْفَعُ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا غَيْرَ مُقَدِّمَةٍ إيمانَها أوْ مُقَدِّمَةً إيمانَها غَيْرَ كاسِبَةٍ فِيهِ خَيْرًا وهَذا صَرِيحٌ فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أنَّ الإيمانَ المُجَرَّدَ عَنِ العَمَلِ لا يُعْتَبَرُ ولا يَنْفَعُ صاحِبَهُ ولَمْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ كَما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ حالِيَّةٌ أوْ مَقالِيَّةٌ عَلى خِلافِهِ وهُنا قَدْ قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى خِلافِهِ فَإنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ عُمُومُ النَّفْيِ لُغِيَ ذِكْرُ اشْتِراطِ عَدَمِ النَّفْعِ بِالخُلُوِّ عَنْ كَسْبِ الخَيْرِ في الإيمانِ ضَرُورَةَ أنَّهُ إذا انْتَفى الإيمانُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ انْتَفى كَسْبُ الخَيْرِ فِيهِ قَطْعًا عَلى أنَّ المُوجِبَ لِلْخُلُودِ في النّارِ هو عَدَمُ الإيمانِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِعَدَمِ كَسْبِ الخَيْرِ دَخْلٌ ما في ذَلِكَ أصْلًا فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بِصَدَدِ بَيانِ ما يُوجِبُ الخُلُودَ لَغْوًا مِنَ الكَلامِ أيْضًا.

وأجابَ شَيْخُ الإسْلامِ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ المَقْصُودَ بِوَصْفِ النَّفْسِ بِالعَدَمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مُجَرَّدُ بَيانِ إيجابِهِما لِلْخُلُودِ فِيها وعَدَمُ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ في إنْجائِها عَنْهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ وإلّا لَكَفى في البَيانِ أنْ يُقالَ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها الحادِثُ بَلِ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن وصْفِها بِذَيْنِكَ العَدَمَيْنِ في أثْناءِ عَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ تَحْقِيقُ أنَّ مُوجِبَ النَّفْعِ إحْدى مِلْكِيَّتِهِما أعْنِي الإيمانَ السّابِقَ والخَيْرَ المَكْسُوبَ فِيهِ لِما ذُكِرَ مِنَ الطَّرِيقَةِ والتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِهِما في ضِمْنِ التَّحْذِيرِ مِن تَرْكِهِما ولا سَبِيلَ إلى أنْ يُقالَ: كَما أنَّ عَدَمَ الأوَّلِ مُسْتَقِلٌّ في إيجابِ الخُلُودِ في النّارِ فَيَلْغُو ذِكْرُ عَدَمِ الثّانِي كَذَلِكَ وُجُودُ مُسْتَقِلٍّ في إيجابِ الخَلاصِ عَنْها فَيَكُونُ ذِكْرُ الثّانِي لَغْوًا لِما أنَّهُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ كَيْفَ لا والخُلُودُ فِيها أمْرٌ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَعَدُّدُ العِلَلِ وأمّا الخَلاصُ مِنها مَعَ دُخُولِ الجَنَّةِ فَلَهُ مَراتِبُ بَعْضُها مُتَرَتِّبٌ عَلى نَفْسِ الإيمانِ وبَعْضُها عَلى فُرُوعِهِ المُتَفاوِتَةِ كَمًّا وكَيْفًا.

ولَمْ يَقْتَصِرْ إتْيانُ ما يُوجِبُ أصْلَ النَّفْعَ وهو الإيمانُ السّابِقُ مَعَ أنَّهُ المُقابِلُ بِما لا يُوجِبُهُ أصْلًا وهو الإيمانُ الحادِثُ بَلْ قُرِنَ بِهِ ما يُوجِبُ النَّفْعَ الزّائِدَ أيْضًا إرْشادًا إلى تَحَرِّيَ الأعْلى وتَنْبِيهًا عَلى كِفايَةِ الأدْنى وإقْناطًا لِلْكَفَرَةِ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةُ مِن أعْمالِ البِرِّ الَّتِي عَمِلُوها في الكُفْرِ مِمّا هو مِن بابِ المَكارِمِ وأنَّ الإيمانَ الحادِثَ كَما لا يَنْفَعُهم وحْدَهُ لا يَنْفَعُهم بِانْضِمامِ أعْمالِهِمُ السّابِقَةُ واللّاحِقَةُ ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: المَقْصُودُ بِوَصْفِ النَّفْسِ بِما ذُكِرَ مِنَ العَدَمَيْنِ التَّعْرِيضُ بِحالِ الكَفَرَةِ في تَمَرُّدِهِمْ وتَفْرِيطِهِمْ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ الواجِبَيْنِ عَلَيْهِمْ وإنْ كانَ وُجُوبُ أحَدِهِما مَنُوطًا بِالآخَرِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ﴾ ﴿ ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ ) تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ طُغْيانِهِمْ وإيذانًا بِتَضاعُفِ عِقابِهِمْ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ .

انْتَهى.

( وقِيلَ ) في دَفْعِ اللُّغَوِيَّةِ غَيْرُ ذَلِكَ وأجابَ بَعْضُهم عَنْ مُتَمَسَّكِ المُعْتَزِلَةِ بِأنَّ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما سُمِّيَ في عِلْمِ البَلاغَةِ بِاللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ولا كَسْبُها في إيمانِها خَيْرًا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ خَيْرًا فاقْتَصَرَتْ لِلْعِلْمِ بِهِ وفِيهِ خَفاءٌ لا يَخْفى ومِثْلُهُ ما تَفَطَّنَ لَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وإنْ تَمَّ الكَلامُ بِهِ مِن غَيْرِ لَفٍّ ولا اعْتِبارِ اقْتِصارٍ وهو أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ إذا لَمْ يَحْصُلْ قَبْلُ ولا بِاعْتِبارِ العَمَلِ إذا لَمْ يُعْمَلْ قَبْلُ ونَفَعَ الإيمانُ بِاعْتِبارِ العَمَلِ أنْ يَصِيرَ سَبَبًا لِقَبُولِ العَمَلِ فَإنَّ العِبارَةَ لا تَحْتَمِلُهُ ولا يُفْهَمُ مِنها مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيرٍ في نَظْمِ الكَلامِ وقالَ مَوْلانا ابْنُ الكَمالِ: إنَّ المُرادَ بِالإيمانِ في الآيَةِ المُعَرَّفَةِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قِراءَةُ ( لا تَنْفَعُ ) بِالتّاءِ ويَكْسِبُ الخَيْرُ الإذْعانَ ونَحْنُ مَعاشِرَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ نَقُولُ بِما هو مُوجِبٌ النَّصَّ مِن أنَّ الإيمانَ النّافِعَ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ ولا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُخالِفِ لِأنَّ مَبْناها حَمْلُ الإيمانِ عَلى المَعْنى الِاصْطِلاحِيِّ المُخْتَرَعِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ وتَخْصِيصُ الخَيْرِ بِما يَكُونُ بِالجَوارِحِ وكُلٌّ مِنهُما خِلافُ الأصْلِ والظّاهِرِ ولَوْ سُلِّمَ فَنَقُولُ: الإيمانُ النّافِعُ لا بُدَّ فِيهِ مِن أمْرَيْنِ الِاعْتِقادُ بِالقَلْبِ والإقْرارُ بِاللِّسانِ وقَدْ عُبِّرَ عَنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ آمَنَتْ ﴾ وعَنِ الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ كَسَبَتْ ﴾ فالكَسْبُ يَكُونُ بِالآلاتِ البَدَنِيَّةِ ومِنها اللِّسانُ فَمَنطُوقُ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِنا.

انْتَهى.

ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الألْفاظَ المُسْتَعْمَلَةَ في كَلامِ الشّارِعِ حَقائِقُ شَرْعِيَّةٌ يَتَبادَرُ مِنها ما عُلِمَ بِلا قَرِينَةٍ والإيمانُ وإنْ صَحَّ أنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هو تَصْدِيقُ القَلْبِ مُطْلَقًا وإنِ اسْتُعْمِلَ في التَّصْدِيقِ الخاصِّ إلّا أنَّ المُتَبادَرَ مِنهُ هَذا التَّصْدِيقُ وحِينَئِذٍ فَكَلامُ هَذا العَلّامَةِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ وأجابَ القاضِي البَيْضاوِيُّ بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ بِأنَّ لِمَنِ اعْتَبَرَ الإيمانَ المُجَرَّدَ عَنِ العَمَلِ وقالَ بِأنَّهُ يَنْفَعُ صاحِبَهُ حَيْثُ يُخَلِّصُهُ عَنِ الخُلُودِ في النّارِ تَخْصِيصُ هَذا الحُكْمِ بِذَلِكَ أيْ أنَّ هَذا الحُكْمَ أعْنِي عَدَمَ نَفْعِ الإيمانِ المُجَرَّدِ لِصاحِبِهِ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ اليَوْمِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ فِيهِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ النَّفْعِ هو ما حَدَثَ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ نَفْعِ ما حَدَثَ فِيهِ عَدَمُ نَفْعِ الإيمانِ السّابِقِ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مُجَرَّدًا عَنِ العَمَلِ كَما قِيلَ لِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَخْصِيصِ الحُكْمِ في شَيْءٍ بَلْ هو تَخْصِيصُ المَحْكُومِ عَلَيْهِ قَدْ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى اشْتِمالِ الآيَةِ عَلى اللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ كَما أشَّرْنا إلَيْهِ ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ تَخْصِيصُ الحُكْمِ بِعَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِهِ أيْضًا ولا قائِلَ بِهِ إذْ هو لا يَنْفَعُ صاحِبَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ بِالِاتِّفاقِ ويُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأنَّ التَّخْصِيصَ في حُكْمِ عَدَمِ النَّفْعِ إنَّما يُلاحَظُ بِالنَّظَرِ إلى الإيمانِ المُجَرَّدِ وبِاعْتِبارِهِ فَقَطْ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ الإيمانُ الغَيْرُ السّابِقِ إلَيْهِ صاحِبَهُ فِيهِ ولا الإيمانُ الغَيْرُ المُكْتَسَبِ فِيهِ الخَيْرُ وإنْ نَفَعَ هو بِالآخِرَةِ إلّا أنَّ في هَذا تَخْصِيصًا في الحُكْمِ والمَحْكُومِ بِهِ فَتَأمَّلْ وبِأنَّ لَهُ أيْضًا صُرِفَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( كَسَبَتْ ) عَنْ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ( آمَنَتْ ) إلى عَطْفِهِ إلى ( لَمْ تَكُنْ ) لَكِنْ بَعْدَ جَعْلِ أوْ بِمَعْنى الواوِ وحَمْلِ الإيمانِ في ﴿ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ﴾ عَلى الإيمانِ الحادِثِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وإذا لَمْ يَنْفَعُ ذَلِكَ مَعَ كَسْبِ الخَيْرِ فِيهِ يُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ نَفْعِهِ بِدُونِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا الِاحْتِمالِ يَضُرُّ بِالِاسْتِدْلالِ ونَحْنُ بِصَدَدِ الطَّعْنِ بِاسْتِدْلالِهِمْ فَلا يَضُرُّنا أنَّ فِيهِ نَوْعَ بُعْدٍ ومِن عَجِيبِ ما وقَفْتُ عَلَيْهِ لِبَعْضِ فُضَلاءِ الرُّومِ في الجَوابِ أنَّ أوْ بِمَعْنى إلّا وبَعْدَها مُضارِعٌ مُقَدَّرٌ مِثْلُها في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ التّاسِعَةِ: فَواللَّهِ ما تَمَضْمَضَتْ مُقْلَتِي بِنَوْمِها ولا تَمَخَّضَتْ لَيْلَتِي عَنْ يَوْمِها أوْ ألْفَيْتُ أبا زَيْدٍ السُّرُوجِيَّ والأصْلُ أوْ يَكُونُ كَسَبَ أيْ إلّا أنْ يَكُونَ والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ المُبالَغَةُ في نَفْيِ النَّفْيِ بِتَعْلِيقِهِ بِالمُحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ .

﴿ وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ في رَأْيٍ وقَوْلِ الشّاعِرِ.

ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وحاصِلُ المَعْنى فِيما نَحْنُ فِيهِ إذا جاءَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ يَنْفَعُ الإيمانُ نَفْسًا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا أنْ تَكُونَ تِلْكَ النَّفْسُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ كَسَبَتْ في الإيمانِ خَيْرًا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ وكَسْبُ الخَيْرِ في الإيمانِ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ لِلنَّفْسِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ قَبْلُ مُمْتَنِعٌ فالنَّفْعُ المَطْلُوبُ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا وقَدْ أُجِيبَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِوُجُوهٍ أُخَرَ وحاصِلُ جَمِيعِ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ لِما فِيها مِنَ الِاحْتِمالاتِ لا تَكُونُ مُعارِضَةً لِلنُّصُوصِ القَطْعِيَّةِ المُتُونِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا يَشُوبُها مِثْلُ ذَلِكَ الصّادِحَةِ بِكِفايَةِ الإيمانِ المُجَرَّدِ عَنِ العَمَلِ في الإنْجاءِ مِنَ العَذابِ الخالِدِ ولَوْ بَعْدَ اللَّتِيا والَّتِي وبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ أنَّ الخَيْرَ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ ويَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نَفْعُ الإيمانِ بِمُجَرَّدِ الخَيْرِ ولَوْ واحِدًا ولَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَهم فَإنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ داخِلَةٌ في الخَيْرِ عِنْدَهم.

﴿ قُلِ ﴾ لَهم بَعْدَ بَيانِ حَقِيقَةِ الحالِ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ ﴿ انْتَظِرُوا ﴾ ما تَنْتَظِرُونَهُ مِن إتْيانِ أحَدِ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿ إنّا مُنْتَظِرُونَ ﴾ (158) لِذَلِكَ وحِينَئِذٍ نَفُوزُ وتَهْلَكُونَ قِيلَ: في هَذا تَأْيِيدٌ لِكَوْنِ المُرادِ بِما يَنْتَظِرُونَهُ إتْيانَ مَلائِكَةِ العَذابِ أوِ إتْيانَ أمْرِهِ تَعالى بِهِ وعِدَةً ضِمْنِيَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ  والمُؤْمِنِينَ بِمُعايَنَتِهِمْ بِما يَحِيقُ بِالكَفَرَةِ مِنَ العِقابِ ولَعَلَّ ذَلِكَ هو الَّذِي شاهَدُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

هَلْ يَنْظُرُونَ معناه، أقمت عليهم الحجة وأنزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا فماذا ينتظرون؟

فهل ينتظرون إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ لقبض أرواحهم أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ يعني: يأتي أمر ربك بما وعد لهم كقوله: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: 2] ويقال: أن تأتي عقوبة ربك وعذابه.

وقد ذكر المضاف إليه ويراد به المضاف.

كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] يعني: أهل القرية.

وكقوله: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: 93] يعني: حب العجل.

كذلك هاهنا يأتي أمر ربك يعني: عقوبة ربك وعذاب ربك.

ويقال: هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعني: طلوع الشمس من مغربها يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها حين طلعت الشمس من مغربها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ يعني: أن الكافر إذا آمن في ذلك الوقت لا يقبل إيمانه، لأنها قد ارتفعت المحنة حين عاينوها.

وإنما الإيمان بالغيب.

ثم قال: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً يعني: المسلم الذي يعمل في إيمانه خيراً كأن لم يقبل عمله قبل ذلك، فإنه لا يقبل منه بعد ذلك.

ومن كان قبل من قبل ذلك فإنه يقبل منه بعد ذلك أيضاً أو كانت النفس مؤمنة ولم تكن كسبت خيراً قبل ذلك الوقت لا ينفعها الخير بعد.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد بإسناده عن زر بن حبيش عن صفوان بن عسال المرادي قال: بَيْنَمَا رَسُول الله  في سفر إذ جاء أعرابي فسأله عن أشياء حتى ذكر التوبة فقال النبيّ  : «لِلتَّوْبَةِ بَابٌ فِي المَغْرِبِ مَسِيرَة سَبْعِينَ عَاماً أَوْ أَرْبَعِينَ عَاماً فلا يَزَالُ حَتَّى يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ» .

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج.

قال: حدثنا زياد بن أيوب عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله  وهو على حمار وعليه بردعة أو قطيفة فنظر إلى الشمس حين غابت فقال: «يا أبَا ذَرَ هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَغِيبُ هذه» ؟

قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: «فإنَّهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنِ حَمِئَةٍ فَتَنْطَلِقُ حَتَّى تَخُرَّ لِرَبِّها سَاجِدَةً تَحْتَ العَرْشِ، فإذَا دَنَا خُرُوجُهَا أُذِنَ لَهَا فَخَرَجَتْ.

فَإِنْ أَرَادَ الله أنْ يُطْلِعَها مِنْ مَغْرِبِهَا حَبَسَها.

فَتَقُولُ: يا رَبِّ إنّ مَسِيري بَعِيدٌ.

فَيَقُولُ الله تعالى اطْلَعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها وروي عن عبد الله بن عباس  أنه قال: لا يقبل الله من كافر عملاً ولا توبة إذا أسلم حين يراها إلا من كان صغيراً يومئذ.

فإنّه لو أسلم بعد ذلك قُبِلَ ذلك منه، ومتى كان مؤمناً مذنباً فتاب من الذنب قبلت منه.

وروي عن عمران بن حصين أنه قال: إنما لم يقبل وقت الطلوع حتى تكون صيحة فيهلك كثير من الناس.

فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت وهلك لم يقبل منه ومن تاب بعد ذلك قبلت منه.

ثم قال: قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ يعني: انتظروا العذاب فإنا منتظرون بكم حتى ننظر أينا أسعد حالاً.

قرأ حمزة والكسائي إلا أن يَأْتِيَهُمُ الملائكة بالياء بلفظ التذكير، والباقون إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ بلفظ التأنيث لأن الفعل مقدم فيجوز أن يذكر ويؤنث.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ، أي: ينتظرُونَ، يعني: العرب المتقدّم الآن ذكرهم، والْمَلائِكَةُ هنا: هم ملائكة المَوْت الذين يصحبون «١» عزرائيل المخْصُوصَ بقَبْض الأرواح، قاله مجاهد وقتادة وابنُ جْرَيْج «٢» .

وقوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، قال الطبريُّ «٣» : لموقف الحساب يَوْمَ القيامة، وأسند ذلك إلى قتادة وجماعةٍ من المتأوِّلين «٤» ، وقال الزَّجَّاج «٥» : إن المراد: «أو يأتي عذاب ربك» .

قال ع «٦» : وعلى كلِّ تأويل فإنما هو بحذفِ مضافٍ، تقديره: أمر ربك، أو بَطْش رَبِّك، أو حسابُ ربك، وإلا فالإتيانُ المفهومُ من اللغة مستحيلٌ على اللَّه تعالى ألا ترى أن اللَّه عزَّ وجلَّ يقول: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: ٢] فهذا إتيان قد وقع، وهو على المجازِ، وحذفِ المضافِ.

قال الفَخْر «٧» : والجواب المعتمَدُ عليه هنا أنَّ هذا حكايةُ مذهب الكفَّار، واعتقادِهِم، فلا يفتقر إلى تأويله، وأجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علاماتُ القيامةِ.

انتهى.

قلتُ: وما ذكره الفَخْر من أن هذا حكايةُ مذهب الكفار هي دعوى تفتقر إلى دليلٍ.

وقوله سبحانه: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ، قال مجاهد وغيره هي إشارة إلى طلوع

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُونَ ﴿ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "تَأْتِيهِمْ" بِالتّاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ بِالياءِ.

وهَذا الإتْيانُ لَقَبْضِ أرْواحِهِمْ.

وقالَ مُقاتِلٌ المُرادُ بِالمَلائِكَةِ: مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ يَأْتِيَ إهْلاكُهُ وانْتِقامُهُ، إمّا بِعَذابٍ عاجِلٍ، أوْ بِالقِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ ورَوى عَبْدُ الوارِثِ إلّا القَزّازُ: بِتَسْكِينِ ياءِ "أوْ يَأْتِي وفَتَحَها الباقُونَ.

وفي هَذِهِ الآَيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنَ النَّبِيِّ  ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

وفي رِوايَةِ زُرارَةَ بْنِ أوْفى عَنْهُ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فَإذا طَلَعَتْ ورَآَها النّاسُ، آَمَنَ مَن عَلَيْها، فَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا" .» ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "لا تَزالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فَإذا طَلَعَتْ، طُبِعَ عَلى كُلِّ قَلْبٍ بِما فِيهِ، [وَ]كَفى النّاسَ العَمَلُ"» والثّانِي: أنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِن مَغْرِبِهِما، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إحْدى الآَياتِ، الثَّلاثُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدّابَّةُ، وفَتْحُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، رَوى هَذا المَعْنى القاسِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والرّابِعُ أنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، ودابَّةُ الأرْضِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ؛ والأوَّلُ أصَحُّ.

والمُرادُ بِالخَيْرِ هاهُنا العَمَلُ الصّالِحُ وإنَّما لَمْ يَنْفَعِ الإيمانُ.

والعَمَلُ الصّالِحُ؛ حِينَئِذٍ، لَظُهُورِ الآَيَةِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ.

وقالَ الضَّحّاكُ: مَن أدْرَكَهُ بَعْضُ الآَياتِ وهو عَلى عَمَلٍ صالِحٍ مَعَ إيمانِهِ، قُبِلَ مِنهُ، كَما يَقْبَلُ مِنهُ قَبْلَ الآَيَةِ.

وقِيلَ إنَّ الحِكْمَةَ في طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، أنَّ المُلْحِدَةَ والمُنَجِّمِينَ، زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، فَيُرِيهِمُ اللهُ قُدْرَتَهُ، ويُطْلِعُها مِنَ المَغْرِبِ كَما أُطْلِعُها مِنَ المَشْرِقِ، ولِتَحَقُّقِ عَجْزِ نَمْرُودَ حِينَ قالَ لَهُ إبْراهِيمَ: ﴿ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ، فَبُهِتَ  ﴾ .

* فَصْلٌ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ التَّهْدِيدُ، فَهو مُحْكَمٌ.

والثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ بِالكَفِّ عَنِ القِتالِ، فَهو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أو يَأْتِيَ رَبُّكَ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبُّكَ يَوْمَ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبُّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أو كَسَبَتْ في إيمانُها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في "يَنْظُرُونَ"؛ هو لِلطّائِفَةِ الَّتِي قِيلَ لَها قَبْلُ: ﴿ فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ  ﴾ ؛ وهُمُ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ؛ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ مَضَتْ أكْثَرُ آياتِ السُورَةِ في جِدالِهِمْ؛ و"يَنْظُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ؛ و"اَلْمَلائِكَةُ"؛ هُنا؛ يُرادُ بِها مَلائِكَةُ المَوْتِ؛ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ "عِزْرائِيلَ"؛ اَلْمَخْصُوصَ بِقَبْضِ الأرْواحِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَتَصَرَّفُونَ في قِيامِ الساعَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ"؛ بِالياءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "تَأْتِيَهُمُ"؛ بِالتاءِ مِن فَوْقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: "لِمَوْقِفِ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ"؛ وأسْنَدَ ذَلِكَ إلى قَتادَةَ وجَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ؛ ويَحْكِي الزَجّاجُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أو يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ ؛ أيْ: "اَلْعَذابُ الَّذِي يُسَلِّطُهُ اللهُ تَعالى في الدُنْيا عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ؛ كالصَيْحاتِ؛ والرَجْفاتِ؛ والخَسْفِ؛ ونَحْوِها".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الكَلامُ - عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ - فَإنَّما هو بِحَذْفِ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أمْرُ رَبِّكَ"؛ أو: "بَطْشُ رَبِّكَ"؛ أو: "حِسابُ رَبِّكَ"؛ وإلّا فالإتْيانُ المَفْهُومُ مِنَ اللُغَةِ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى ؛ ألا تَرى أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ فَأتاهُمُ اللهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا  ﴾ ؟

فَهَذا إتْيانٌ قَدْ وقَعَ؛ وهو عَلى المَجازِ؛ وحَذْفِ المُضافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ ؛ أمّا ظاهِرُ اللَفْظِ - لَوْ وقَفْنا مَعَهُ - فَيَقْتَضِي أنَّهُ تَوَعَّدَهم بِالشَهِيرِ الفَظِيعِ مِن أشْراطِ الساعَةِ؛ دُونَ أنْ يَخُصَّ مِن ذَلِكَ شَرْطًا؛ يُرِيدُ بِذَلِكَ الإبْهامَ؛ الَّذِي يَتْرُكُ السامِعَ مَعَ أقْوى تَخَيُّلِهِ؛ لَكِنْ لَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ﴾ ؛ وبَيَّنَتِ الآثارُ الصِحاحُ؛ في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ ؛ أنَّ الآيَةَ الَّتِي مَعَها هَذا الشَرْطُ هي طُلُوعُ الشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ؛ وقَوّى أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أو يَأْتِيَ رَبُّكَ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبُّكَ ﴾ ؛ إنَّما هي إلى طُلُوعِ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها؛ وقالَ بِهَذا التَأْوِيلِ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ ويُقَوِّي أيْضًا أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى غَرْغَرَةِ الإنْسانِ عِنْدَ المَوْتِ؛ أو ما يَكُونُ في مَثابِتِها؛ لِمَن لَمْ يُغَرْغِرْ؛ فَفي الحَدِيثِ أنَّ تَوْبَةَ العَبْدِ تُقْبَلُ؛ ما لَمْ يُغَرْغِرْ؛ وهَذا إجْماعٌ؛ لِأنَّ مَن غَرْغَرَ؛ وعايَنَ؛ فَهو في عِدادِ المَوْتى؛ وكَوْنِ المَرْءِ في هَذِهِ الحالَةِ مِن آياتِ اللهِ تَعالى ؛ وهَذا عَلى مَن يَرى المَلائِكَةَ المُتَصَرِّفِينَ في قِيامِ الساعَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَمَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدُ الكافِرِينَ بِأحْوالٍ لا يَخْلُونَ مِنها؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَلْ يَنْظُرُونَ - مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ - إلّا المَوْتَ الَّذِي لَهم بَعْدَهُ أشَدُّ العَذابِ؛ والأخْذاتِ المَعْهُودَةِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أوِ الآياتِ الَّتِي تَرْفَعُ التَوْبَةَ؛ وتُعْلِمُ بِقُرْبِ القِيامَةِ؟".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ ؛ جَمِيعَ ما يُقْطَعُ بِوُقُوعِهِ مِن أشْراطِ الساعَةِ؛ ثُمَّ خَصَّصَ - بَعْدَ ذَلِكَ - بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الَّتِي تَرْفَعُ التَوْبَةَ مَعَها؛ وقَدْ بَيَّنَتِ الأحادِيثُ أنَّها طُلُوعُ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها.

وقَرَأ زُهَيْرُ الفُرْقُبِيُّ: "يَوْمُ يَأْتِي"؛ بِالرَفْعِ؛ وهو عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: "لا يَنْفَعُ"؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ والعائِدُ مِنَ الجُمْلَةِ مَحْذُوفٌ؛ لِطُولِ الكَلامِ؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ؛ وأبُو العالِيَةِ: "لا تَنْفَعُ"؛ بِتاءٍ؛ وأنَّثَ الإيمانَ؛ لَمّا أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ؛ أو لَمّا نُزِّلَ مَنزِلَةَ التَوْبَةِ؛ وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ التَأْوِيلِ - كَما تَقَدَّمَ -: اَلْآيَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ التَوْبَةُ مِنَ الشِرْكِ؛ أو مِنَ المَعاصِي بَعْدَها؛ هي طُلُوعُ الشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها إحْدى ثَلاثٍ؛ إمّا طُلُوعُ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها؛ وإمّا خُرُوجُ الدابَّةِ؛ وإمّا خُرُوجُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الأحادِيثَ تَرُدُّهُ؛ وتُخَصِّصُ الشَمْسَ؛ ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّ الشَمْسَ تَجْرِي كُلَّ يَوْمٍ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ؛ وتَسْتَأْذِنُهُ؛ فَيُؤْذَنُ لَها في الطُلُوعِ مِنَ المَشْرِقِ؛ وحَتّى إذا أرادَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - سَدَّ بابِ التَوْبَةِ؛ أمَرَها بِالطُلُوعِ مِن مَغْرِبِها؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "فَتَطْلُعُ هي والقَمَرُ كالبَعِيرَيْنِ القَرِينَيْنِ"؛» ويُقَوِّي النَظَرَ أيْضًا أنَّ الغَرْغَرَةَ هي الآيَةُ الَّتِي تُرْفَعُ مَعَها التَوْبَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا ﴾ ؛ يُرِيدُ جَمِيعَ أعْمالِ البِرِّ؛ فَرْضَها ونَفْلَها؛ وهَذا الفَصْلُ هو لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ؛ كَما أنَّ قَوْلَهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ ؛ هو لِلْكُفّارِ؛ والآيَةُ المُشارُ إلَيْها تَقْطَعُ تَوْبَةَ الصِنْفَيْنِ؛ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ: "أو كَسَبَتْ في إيمانِها صالِحًا".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلِ انْتَظِرُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ أيْ: فَسَتَرَوْنَ مَن يَحِقُّ كَلامُهُ؛ ويَتَّضِحُ ما أخْبَرَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني نشأ في قوله: ﴿ فمن أظلم ممن كذب بآيات الله ﴾ [الأنعام: 157] الآية، وهو يحتمل الوعيد ويحتمل التهكّم، كما سيأتي.

فإن كان هذا وعيداً وتهديداً فهو ناشئ عن جملة: ﴿ سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا ﴾ [الأنعام: 157] لإثارته سؤال سائل يقول: متى يكون جزاؤهم، وإن كان تهكّما بهم على صدفهم عن الآيات التي جاءتهم، وتطلّعهم إلى آيات أعظم منها في اعتقادهم، فهو ناشئ عن جملة: ﴿ فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ﴾ [الأنعام: 157] لأنَّه يثير سؤال سائل يقول: ماذا كانوا يترقَّبون من الآيات فوق الآيات التي جاءتهم.

و ﴿ هل ﴾ للاستفهام الإنكاري، وهي ترد له كما ترد له الهمزة على التّحقيق، ولذلك جاء بعده الاستثناء.

و ﴿ ينظرون ﴾ مضارع نَظَر بمعنى انتظر، وهو مشترك مع نظر بمعنى رأى في الماضي والمضارع والمصدر، ويخالفه في التّعدية، ففِعل نَظَر العين متعدّ بإلى، وفعل الانتظار متعدّ بنفسه، ويخالفه أيضاً في أنّ له اسم مصدر وهو النظِرة بكسر الظاء ولا يقال ذلك في النّظر بالعين.

والضّمير عائد للّذين يصدفون عن الآيات.

ثمّ إنْ كان الانتظار واقعاً منهم على أنَّه انتظار آيات، كما يقترحون، فمعنى الحصر: أنَّهم ما ينتظرون بعد الآيات التي جاءتهم ولم يقتنعوا بها إلاّ الآيات التي اقترحوها وسألوها وشرطوا أن لا يؤمنوا حتّى يُجاءوا بها، وهي ما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى قوله ﴿ أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ﴾ [الإسراء: 90 92] وقوله ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ [الأنعام: 8] فهم ينتظرون بعض ذلك بجِدّ من عامتَّهم، فالانتظار حقيقة، وبسخرية من قادتهم ومضلّليهم، فالانتظار مجاز بالصّورة، لأنَّهم أظهروا أنفسهم في مظهر المنتظرين، كقوله تعالى: ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبّئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا ﴾ [التوبة: 64] الآية.

والمراد ببعض آيات ربّك: ما يشمل ما حكي عنهم بقوله: ﴿ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً إلى قوله حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه ﴾ [الإسراء: 90 93].

وفي قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ إلى قوله ﴿ فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ [الأنعام: 8 10] فالكلام تهكّم بهم وبعقائدهم.

وإن كان الانتظار غير واقع بجدّ ولا بسخرية فمعناه أنَّهم ما يترقَّبون شيئاً من الآيات يأتيهم أعظم ممَّا أتاهم، فلا انتظار لهم، ولكنّهم صمّموا على الكفر واستبطنوا العناد، فإن فرض لهم انتظار فإنَّما هو انتظار ما سيَحل بهم من عذاب الآخرة أو عذاب الدّنيا أو ما هو برزخ بينهما، فيكون الاستنثاء تأكيداً للشّيء بما يشبه ضدّه.

والمراد: أنَّهم لا ينتظرون شيئاً ولكن سيجيئهم ما لا ينتظرونه، وهو إتيان الملائكة، إلى آخره، فالكلام وعيد وتهديد.

والقصر على الاحتمالين إضافي، أي بالنّسبة لما ينتظر من الآيات، والاستفهام الخبري مستعمل في التهكّم بهم على الاحتمالين، لأنَّهم لا ينتظرون آية، فإنَّهم جازمون بتكذيب الرّسول صلى الله عليه وسلم ولكنّهم يسألون الآيات إفحاماً في ظنّهم.

ولا ينتظرون حساباً لأنَّهم مكذّبون بالبعث والحشر.

والإتيان بالنّسبة إلى الملائكة حقيقة، والمراد بهم: ملائكة العذاب، مثل الّذين نزلوا يوم بدر ﴿ إذ يوحي ربّك إلى الملائكة أنّي معكم فثبّتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرّعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان ﴾ [الأنفال: 12].

وأمّا المسند إلى الرّب فهو مجاز، والمراد به: إتيان عذابه العظيم، فهو لعظم هوله جعل إتيانه مسنداً إلى الآمر به أمراً جازماً ليعرف مقدار عظمته، بحسب عظيم قدرة فاعله وآمره، فالإسناد مجازي من باب: بنى الأمير المدينة، وهذا مجاز وارد مثله في القرآن، كقوله تعالى: ﴿ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ﴾ [الحشر: 2] وقوله: ﴿ ووجد الله عنده فوفّاه حسابه ﴾ [النور: 39].

ويجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ أو يأتي ربك ﴾ إتيان أمره بحساب النّاس يوم القيامة، كقوله: ﴿ وجاء ربك والملك صفا صفاً ﴾ [الفجر: 22]، أي لا ينتظرون إلاّ عذاب الدّنيا أو عذاب الآخرة.

وعلى الاحتمالات كلّها يجوز أن يكون وقوع ذلك يوم القيامة، ويجوز أن يكون في الدّنيا.

وجملة: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً تذكيراً لهم بأنّ الانتظار والتريّث عن الإيمان وخِيمُ العاقبة، لأنَّه مهدّد بما يمنع من التّدارك عند النّدامة، فإمَّا أن يعقبه الموت والحساب، وإمّا أن يعقبه مجيء آية من آيات الله، وهي آية عذاب خارق للعادة يختصّ بهم فيعلموا أنَّه عقوبة على تكذيبهم وصَدْفهم، وحين ينزّل ذلك العذاب لا تبقى فسحة لتدارك ما فات لأنّ الله إذا أنزل عذابه على المكذّبين لم ينفع عنده توبة، كما قال تعالى: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ﴾ [يونس: 98] وقال تعالى: ﴿ ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذاً منظرين ﴾ [الحجر: 8] وقال ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ [الأنعام: 8].

ومن جملة آيات الله الآيات التي جعلها الله عامّة للنّاس، وهي أشراط السّاعة: والتي منها طلوع الشّمس من مغربها حين تُؤذن بانقراض نظام العالم الدنيوي.

روى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تقوم السّاعة حتّى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها النّاس آمنوا أجمعون وذلك حينَ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل» ثمّ قرأ هذه الآية.

والنّفع المنفي هو النّفع في الآخرة، بالنّجاة من العذاب، لأنّ نفع الدّنيا بكشف العذاب عند مجيء الآيات لا ينفع النّفوس المؤمنة ولا الكافرة، لقوله تعالى: ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ [الأنفال: 25] وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثمّ يحشرون على نياتهم».

والمراد بالنّفس: كلّ نفس، لوقوعه في سياق النّفي.

وجملة: ﴿ لم تكن آمنت من قبل ﴾ صفة ﴿ نفساً ﴾ ، وهي صفة مخصّصة لعموم: ﴿ نفساً ﴾ ، أي: النّفس التي لم تكن آمنت من قبل إتيان بعض الآيات لا ينفعها إيمانها إذا آمنت عند نزول العذاب، فعلم منه أنّ النّفس التي كانت آمنت من قبل نزول العذاب ينفعها إيمانها في الآخرة.

وتقديم المفعول في قوله: ﴿ نفساً إيمانها ﴾ ليتمّ الإيجاز في عود الضّمير.

وقوله: ﴿ أو كسبت في إيمانها خيراً ﴾ عطف على ﴿ آمنت ﴾ ، أي أو لم تكن كسبت في إيمانها خيراً.

و ﴿ في ﴾ للظرفيّة، وإنَّما يصلح للظرفية مدّة الإيمان، لا الإيمان، أي أو كسبت في مدّة إيمانها خيراً.

والخير هو الأعمال الصّالحة والطّاعات.

و ﴿ أو ﴾ للتّقسيم في صفات النّفس فيستلزم تقسيم النّفوس التي خصّصتها الصّفتان إلى قسمين: نفوس كافرة لم تكن آمنت من قبل، فلا ينفعها إيمانها يوم يأتي بعض آيات الله، ونفوس آمنت ولم تكسب خيراً في مدّة إيمانها، فهي نفوس مؤمنة، فلا ينفعها ما تكسبه من خير يوم يأتي بعض آيات ربّك.

وهذا القسم الثّاني ذو مراتب متفاوتة، لأنّ التّقصير في اكتساب الخير متفاوت، فمنه إضاعة لأعمال الخير كلّها، ومنه إضاعة لبعضها، ومنه تفريط في الإكثار منها.

وظاهر الآية يقتضي أن المراد نفوس لم تكسب في إيمانها شيئاً من الخير أي اقتصرت على الإيمان وفرّطت في جميع أعمال الخير.

وقد علم من التّقسيم أنّ هذه النّفوس لا ينفعها اكتساب الخير من بعد مجيء الآيات، ولا ما يقوم مقام اكتساب الخير عند الله، وهو ما منّ به على هذه الأمّة من غفران السيّئات عند التّوبة، فالعزم على الخير هو التّوبة، أي العزم على اكتساب الخير، فوقع في الكلام إيجازُ حذف اعتمَاداً على القرينة الواضحة.

والتّقدير: لا ينفع نفساً غيرَ مؤمنة إيمانُها أو نفساً لم تكن كسبت خيراً في إيمانها من قبل كسبها، يعني أو ما يقوم مقام كسب الخير، مثل التّوبة فإنَّها بعض اكتساب الخير، وليس المراد أنّه لا ينفع نفساً مؤمنة إيمانُها إذا لم تكن قد كسبت خيراً بحيث يضيع الإيمان إذا لم يقع اكتساب الخير، لأنَّه لو أريد ذلك لما كانت فائدة للتّقسيم، ولكفى أن يقال لا ينفع نفساً إيمانها لم تكسب خيراً، ولأنّ الأدلّة القطعية ناهضة على أن الإيمان الواقع قبل مجيء الآيات لا يُدْحَض إذا فرّط صاحبه في شيء من الأعمال الصّالحة، ولأنَّه لو كان كذلك وسلَّمناه لما اقتضى أكثر من أنّ الّذي لم يفعل شيئاً من الخير عدا أنَّه آمن لا ينفعه إيمانه، وذلك إيجاد قسم لم يقل به أحد من علماء الإسلام.

وبذلك تعلم أنّ الآية لا تنهض حجّة للمعتزلة ولا الخوارج الذين أوجبوا خلود مرتكب الكبيرة غير التّائب في النّار، والتّسويةَ بينه وبين الكافر، وإن كان ظاهرُها قبل التأمّل يوهم أنَّها حجّة لهم، ولأنّه لو كان الأمر كما قالوا لصار الدّخول في الإيمان مع ارتكاب كبيرة واحدة عبثاً لا يرضاه عاقل لنفسه، لأنّه يدخل في كلفةِ كثيرٍ من الأعمال بدون جدوى عليه منها، ولكان أهون الأحوال على مرتكب الكبيرة أن يخلع ربقة الإيمان إلى أن يتوب من الأمرين جميعاً.

وسخافة هذا اللازم لأصحاب هذا المذهب سخافة لا يرضاها من له نظر ثاقب.

6 والاشتغال بتبيين ما يستفاد من نظم الآية من ضبط الحدّ الذي ينتهي عنده الانتفاع بتحصيل الإيمان وتحصيل أعمال الخير، أجدى من الخوض في لوازم معانيها من اعتبار الأعمال جُزْءاً من الإيمان، لا سيّما مع ما في أصل المعنى من الاحتمال المسقط للاستدلال.

فصفة: ﴿ لم تكن آمنت من قبل ﴾ تحذير للمشركين من التريُّث عن الإيمان خشية أن يبغتهم يومُ ظهور الآيات، وهم المقصود من السّياق.

وصفة ﴿ أو كسبت في إيمانها خيراً ﴾ إدماج في أثناء المقصود لتحذير المؤمنين من الإعراض عن الأعمال الصّالحة.

ثمّ إنّ أقوال المفسرين السّالفين، في تصوير هذين القسمين، تفرّقت تفرّقاً يؤذن باستصعاب استخلاص مقصود الآية من ألفاظها، فلم تقارب الإفصاح بعبارة بيّنة، ويجمع ذلك ثلاثة أقوال: الأوّل: عن السدّي، والضحاك: أنّ معنى ﴿ كسبت في إيمانها خيراً ﴾ : كسبت في تصديقها، أي معه أو في مدّته، عملاً صالحاً، قَالا: وهؤلاء أهلُ القبلة، فإن كانت مُصدّقة ولم تعمل قبل ذلك، أي إتيان بعض آيات الله، فعمِلت بعد أن رأت الآية لم يُقبل منها، وإن عملتْ قبل الآية خيراً ثمّ عملت بعد الآية خيراً قُبل منها.

الثّاني: أنّ لفظ القرآن جرى على طريقة التّغليب، لأنّ الأكثر ممّن ينتفع بإيمانه ساعتئذ هو من كسب في إيمانه خيراً.

الثّالث: أنّ الكلام إبهام في أحد الأمرين، فالمعنى: لا ينفع يومئذ إيمان من لم يكن آمن قبل ذلك اليوم أو ضمّ إلى إيمانه فعل الخير، أي لا ينفع إيمان من يؤمن من الكفار ولا طاعة من يطيع من المؤمنين.

وأمّا من آمن قبل فإنَّه ينفعه إيمانه، وكذلك من أطاع قبلُ نفعته طاعته.

وقد كان قوله: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ بعد قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك ﴾ ، مقتصراً على ما يأتي من آيات الله في اليوم المؤجّل له، إعراضاً عن التعرّض لما يكون يوم تأتي الملائكة أو يأتي ربّك، لأنّ إتيان الملائكة، والمعطوف عليه غير محتمَل الوقوع وإنَّما جرى ذكره إبطالاً لقولهم: ﴿ أو تأتي باللَّه والملائكة قَبيلاً ﴾ [الإسراء: 92] ونحوه من تهكّماتهم، وإنَّما الذي يكون ممّا انتظروه هو أن يأتي بعض آيات الله، فهو محلّ الموعظة والتّحذير، وآيات القرآن في هذا كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ﴾ [غافر: 85].

وآياتُ اللَّه منها ما يختصّ بالمشركين وهو ما هدّدهم الله به من نزول العذاب بهم في الدّنيا، كما نزل بالأمم من قبلهم، ومنها آيات عامّة للنّاس أجمعين، وهو ما يُعرف بأشراط السّاعة، أي الأشراط الكبرى.

وقد جاء تفسير هذه الآية في السنّة بطلوع الشّمس من مغربها.

ففي «الصّحيحين» وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تقوم السّاعة حتّى تطلع الشّمس من مغربها فإذا رآها النّاس آمَن مَنْ عليها فذلك حينَ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ".

ثمّ قرأ هذه الآية، أي قوله تعالى: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ إلى قوله ﴿ خيراً ﴾ .

وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تاب قبل طلوع الشّمس من مغربها تاب الله عليه ".

وفي «جامع التّرمذي»، عن صفوان بن عسال المرادي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بابٌ مِن قِبل المغرب مفتوح مسيرة عَرضه أربعين سنة (كذا) مفتوح للتَّوبة لا يُغلق حتّى تطلُع الشّمس من مغربها " قال التّرمذي: حديث صحيح.

واعلم أنّ هذه الآية لا تعارض آية سورة النّساء (18): ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار ﴾ لأنّ محمل تلك الآية على تعيين وقت فوات التّوبة بالنّسبة للأحوال الخاصّة بآحاد النّاس، وذلك ما فُسّر في حديث ابن عمر: أنّ رسول الله قال: إنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ رواه التّرمذي، وابن ماجه، وأحمد.

(ومعنى يغرغر أن تبلغ روحه أي أنفاسه رأْس حلقه).

ومحمل الآية التي نتكلّم فيها تعيين وقت فوات التّوبة بالنّسبة إلى النّاس كافة، وهي حالة يأس النّاس كلّهم من البقاء.

وجاء الاستئناف بقوله: قل انتظروا إنا منتظرون} أمراً للرّسول صلى الله عليه وسلم بأن يهدّدهم ويتوعّدهم على الانتظار، إن كان واقعاً منهم، أو على التريُّثثِ والتّأخّر عن الدّخول في الإسلام الذي هو شبيه بالإنتظار إن كان الانتظار إدّعائياً، بأن يأمرهم بالدّوام على حالهم التي عبّر عنها بالانتظار أمْرَ تهديد، ويخبرهم بأنّ المسلمين ينتظرون نصر الله ونزول العقاب بأعدائهم، أي: دوموا على انتظاركم فنحن منتظرون.

وفي مفهوم الصّفتين دلالة على أنّ النّفس التي آمنت قبل مجيء الحساب، وكسبت في إيمانها خيراً، ينفعها إيمانها وعملها.

فاشتملت الآية بمنطوقها ومفهومها على وعيد ووعد مُجملين تبيّنهما دلائل الكتاب والسنّة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ رُسُلًا، يَعْنِي الكُفّارَ الَّذِينَ يَتَوَقَّفُونَ عَنِ الإيمانِ مَعَ ظُهُورِ الدَّلائِلِ.

والثّانِي: هَلْ يَنْظُرُونَ يَعْنِي في حُجَجِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

﴿ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمْرُ رَبِّكَ بِالعَذابِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: قَضاءُ رَبِّكَ في القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَعَ القَمَرِ في وقْتٍ واحِدٍ وقَرَأ: ﴿ وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ  ﴾ .

والثّانِي: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ في أوَّلِ آياتِ السّاعَةِ وآخِرِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أوَّلَها الدَّجّالُ، ثُمَّ الدُّخانُ، ثُمَّ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، ثُمَّ الدّابَّةُ، ثُمَّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ﴿ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ هَذا قَوْلُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ.

والثّانِي: أنَّ أوَّلَها خُرُوجُ الدَّجّالِ، ثُمَّ خُرُوجُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ثُمَّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها ﴿ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ ثُمَّ خُرُوجُ الدّابَّةِ، وهَذا قَوْلُ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ورَواهُ مَرْفُوعًا.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا في ألّا يَنْفَعَها إيمانُها بِظُهُورِ أوَّلِ الآياتِ أوْ بِظُهُورِ آخِرِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: إذا خَرَجَ أوَّلُ الآياتِ، طُرِحَتِ الأقْلامُ، وجَلَسَتِ الحَفَظَةُ، وشَهِدَتِ الأجْسادُ عَلى الأعْمالِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِخُرُوجِ آخِرِ الآياتِ لِيَكُونَ لَنا فِيها أثَرٌ في الإنْذارِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا ﴾ أمّا إيمانُها قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ فَمُعْتَدٌّ بِهِ، وأمّا بَعْدَها فَإنْ لَمْ تَكْسِبْ فِيهِ خَيْرًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وإنْ كَسَبَتْ فِيهِ خَيْرًا فَفي الِاعْتِدادِ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُعْتَدُّ بِهِ، وهو ظاهِرُ الآيَةِ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الآياتِ أوْ بَعْدَهُ.

والثّانِي: لا يُعْتَدُّ بِهِ، ويَكُونُ مَعْناهُ: لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ وكَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَفي الخَيْرِ الَّذِي تَكْسَبُهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَأْدِيَةُ الفُرُوضِ عَلى أكْمَلِ أحْوالِها.

والثّانِي: التَّطَوُّعُ بِالنَّوافِلِ بَعْدَ الفُرُوضِ.

رَوى مُجاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «بابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، فالتَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ إلّا مِن ثَلاثَةٍ: مِن إبْلِيسَ رَأْسِ الكُفْرِ، ومِن قابِيلَ قاتِلِ هابِيلَ، ومَن قَتَلَ نَبِيًّا لا تَوْبَةَ لَهُ، فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِن ذَلِكَ البابِ كالعَكَرِ الأسْوَدِ لا نُورَ لَها حَتّى تَتَوَسَّطَ السَّماءَ ثُمَّ تَرْجِعُ فَيُغْلَقُ البابُ وتُرَدُّ التَّوْبَةُ فَلا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا، ثُمَّ تَرْجِعُ إلى مَشارِقِها، فَتَطْلُعُ بَعْدَ ذَلِكَ عِشْرِينَ ومِائَةَ سَنَةٍ إلّا أنَّها سُنُونَ تَمُرُّ مَرًّا.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ قال: عند الموت ﴿ أو يأتي ربك ﴾ قال: يوم القيامة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ قال: بالموت ﴿ أو يأتي ربك ﴾ قال: يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿ أو يأتي ربك ﴾ قال: يوم القيامة في ظلل من الغمام.

أخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والترمذي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ قال «طلوع الشمس من مغربها» .

وأخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ قال «طلوع الشمس من مغربها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي سعيد الخدري ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ قال: طلوع الشمس من مغربها.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ قال: طلوع الشمس من مغربها.

وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني عن ابن مسعود ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ قال: طلوع الشمس والقمر من مغربهما مقترنين كالبعيرين القرنيين، ثم قرأ ﴿ وجمع الشمس والقمر ﴾ [ القيامة: 9] .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ قال: طلوع الشمس من مغربها.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها، ثم قرأ الآية» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث إذا خرجت لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله صلى عليه وسلم أن أوّل الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحى، فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها، ثم قال عبدالله وكان قرأ الكتب: وأظن أولهما خروجاً الشمس من مغربها، وذلك أنها كلما خرجت أتت تحت العرش، فسجدت وأستأذنت في الرجوع فيأذن لها في الرجوع، حتى إذا بدا لله أن تطلع عن مغربها فعلت كما كانت تفعل، أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع فلم يرد عليها شيء، ثم تستأذن في الرجوع فلا يرد عليها شيء، حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب، وعرفت أنه إن أذن لها في الرجوع لم تدرك المشرق قالت: رب ما أبعد المشرق من لي بالناس؟

حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في الرجوع فيقال لها: من مكانك فاطلعي.

فطلعت على الناس من مغربها، ثم تلا عبدالله هذه الآية ﴿ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ما آية طلوع الشمس من مغربها؟

فقال: «تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين، فبينما الذين كانوا يصلون فيها فيعملون كما كانوا والنجوم لا ترى قد قامت مقامها، ثم يرقدون ثم يقومون فيعملون ثم يرقدون، ثم يقومون فيطل عليهم جنوبهم حتى يتطاول عليهم الليل فيفزع الناس ولا يصبحون، فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذا هي طلعت من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا ولا ينفعهم إيمانهم» وأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال: «كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار وعليه بردعة وقطيفة وذاك عند غروب الشمس فقال: يا أبا ذر أتدري أين تغيب هذه؟

قلت: الله ورسوله أعلم...

!

قال: فإنها تغرب في عين حمئة تنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش، فإذا حان خروجها أذن لها فتخرج فتطلع، فإذا أراد أن يطلعها من حيث تغرب حبسها فتقول: يا رب ان سيري بعيد؟

فيقول لها: اطلعي من حيث غربت.

فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ﴾ فهو آية لا ينفع مشركاً إيمانه عند الآيات، وينفع أهل الإِيمان عند الآيات إن كانوا اكتسبوا خيراً قبل ذلك قال ابن عباس: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية من العيشات فقال لهم «يا عباد الله توبوا إلى الله بقراب، فإنكم توشكون أن تروا الشمس من قبل المغرب، فإذا فعلت ذلك حبست التوبة، وطوى العمل، وختم الإِيمان.

فقال الناس: هل لذلك من آية يا رسول الله؟

فقال: آية تلكم الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال، فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون له، ثم يقضون صلاتهم والليل كأنه لم ينقض، فيضطجعون حتى إذا استيقظوا والليل مكانه، فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم، فإذا أصبحوا فطال عليهم طلوع الشمس، فبينما هم ينتظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب، فإذا فعلت ذلك لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك...

﴾ الآية.

قال ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، ودابة الأرض، وخويصة أحدكم وأمر العامة.

القيامة، ذكر لنا أن قائلاً قال: يا نبي الله ما آية طلوع الشمس من مغربها؟

قال: تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين.

فيقوم المتهجدون لحينهم الذي كانوا يصلون فيه، فيصلون حتى يقضوا صلاتهم والنجوم مكانها لا تسري، ثم يأتون فرشهم فيرقدون حتى تكل جنوبهم، ثم يقومون فيصلون حتى يتطاول عليهم الليل فيفزع الناس، ثم يصبحون ولا يصبحون إلا عصراً عصراً، فبينما هم ينتظرونها من مشرقها إذ فجئتهم من مغربها» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ﴾ قال: لا ينفعها الإِيمان إن آمنت ولا تزداد في عمل ان لم تكن عملته.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ أو كسبت في إيمانها خيراً ﴾ يقول: كسبت في تصديقها عملاً صالحاً، هؤلاء أهل القبلة وإن كانت مصدقة لم تعمل قبل ذلك خيراً فعملت بعد أن رأت الآية لم يقبل منها، وإن عملت قبل الآية خيراً ثم عملت بعد الآية خيراً قبل منها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله: ﴿ أو كسبت في إيمانها خيراً ﴾ يعني المسلم الذي لم يعمل في إيمانه خيراً، وكان قبل الآية مقيماً على الكبائر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عبدالله بن عمرو قال: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الآيات خرزات منظومات في سلك، انقطع السلك فتبع بعضها بعضاً» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإِمارات خرزات منظومات بسلك، فإذا انقطع السلك نبع بعضه» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الآيات خرز منظومات في سلك يقطع السلك فيتبع بعضها بعضاً» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: لو أن رجلاً ارتبط فرساً في سبيل الله، فانتحبت مهراً منذ أول الآيات ما ركب المهر حتى يرى آخرها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: إذا رأيتم أول الآيات تتابعت.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي هريرة قال: الآيات كلها في ثمانية أشهر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي العالية قال: الآيات كلها ستة أشهر.

وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه عن عبدالله بن عمرو قال: أن الشمس إذا غربت سلمت وسجدت وأستأذنت فيؤذن لها، حتى إذا كان يوماً غربت فسلمت وسجدت واستأذنت فلا يؤذن لها، فتقول: يا رب إن المشرق بعيد وإني ان لا يؤذن لي لا أبلغ؟

قال: فتحبس ما شاء الله، ثم يقال لها.

اطلعي من حيث غربت فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل الآية.

وأخرج البيهقي في البعث عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: الآية التي لا ينفع نفساً إيمانها إذا طلعت الشمس من مغربها.

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليأتين على الناس ليلة بقدر ثلاث ليال من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك يعرفها المصلون يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فبينما هم كذلك ماج الناس بعضهم في بعض فقالوا: ما هذا؟!

فيفزعون إلى المساجد، فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها، فضج الناس ضجة واحدة حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت طلعت من مطلعها، وحينئذ لا ينفع نفساً إيمانها» .

وأخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والطبراني وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي وابن مردويه عن صفوان بن عسال عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله جعل بالمغرب باباً عرضه سبعون عاماً، مفتوحاً للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من مغربها قبله، فذلك قوله: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها ﴾ ولفظ ابن ماجة: فإذا طلعت من نحوه لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» .

وأخرج الطبراني عن صفوان بن عسال قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانشأ يحدثنا أن للتوبة باباً عرض ما بين مصراعيه ما بين المشرق والمغرب لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك...

﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» .

وأخرج عبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود قال: التوبة معروضة على ابن آدم ما لم يخرج إحدى ثلاث: ما لم تطلع الشمس من مغربها، أو تخرج الدابة، أو يخرج يأجوج ومأجوج.

وقال: مهما يأتِ عليكم عام فالآخر شر.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» .

وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان وابن مردويه من طريق مالك بن يخامر السكسكي عن عبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الهجرة خصلتان: «إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبل التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: مضت الآيات غير أربعة: الدجال، والدابة، ويأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، والآية التي يختم الله بها الأعمال.

طلوع الشمس من مغربها، ثم قرأ ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك...

﴾ الآية قال: فهي طلوع الشمس من مغربها.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير في هذه الأمة قردة وخنازير، وتطوى الدواوين، وتجف الأقلام، لا يزاد في حسنه ولا ينقص من سيئه، ولا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عائشة قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت الأقلام، وطويت الصحف، وحبست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، ودابة الأرض، وخويصة أحدكم، وأمر العامة، قال قتادة: خويصة أحدكم: الموت.

وأمر العامة: الساعة» .

وأخرج ابن ماجة عن أنس عن رسول الله صلى عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض، والدجال، وخويصة أحدكم، وأمر العامه» .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العظام سبع، مضت واحدة وهي الطوفان وبقيت فيكم ست: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، والصور» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يلتقي الشيخان الكبيران فيقول أحدهما لصاحبه: متى ولدت؟

فيقول: زمن طلعت الشمس من مغربها» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: كنا نحدِّث أن الآيات يتابعن تتابع النظام في الخيط عاماً فعاماً.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو قال: الآيات خرزات منظومات في سلك، انقطع السلك فتبع بعضهن بعضاً.

وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الآيات بعد المائتين» .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود قال: أن الناس بعد الآية يصلون ويصومون ويحجون، فيتقبل الله ممن كان يتقبل منه قبل الآية، ومن لم يتقبل منه قبل الآية لم يتقبل منه بعد الآية.

وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر قال: يبيت الناس يسرون إلى جمع، وتبيت دابة الأرض تسري إليهم، فيصبحون وقد جعلتهم بين رأسها وذنبها، فما من مؤمن الا تمسحه، ولا منافق ولا كافر الا تخطمه، وان التوبة لمفتوحة، ثم يخرج الدخان فيأخذ المؤمن منه كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالشيء الخفيف، وان التوبة لمفتوحة، ثم تطلع الشمس من مغربها.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في البعث عن حذيفة بن أسيد قال: أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من علية ونحن نتذاكر فقال: «ماذا تذكرون؟قلنا: نتذاكر الساعة.

قال فإنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، والدجال، وعيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن أو اليمن تطرد الناس إلى المحشر، تنزل معهم إذا نزلوا وتقيل معهم إذا قالوا» .

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو قال: إن يأجوج ومأجوج ما يموت الرجل منهم حتى يولد له من صلبه ألف فصاعداً، وان من ورائهم ثلاث أمم ما يعلم عدتهم إلا الله تعالى: منسك، وتأويل، وتاريس، وان الشمس إذا طلعت كل يوم أبصرها الخلق كلهم، فإذا غربت خرت ساجدة فتسلم وتستأذن فلا يؤذن لها، ثم تستأذن فلا يؤذن لها، ثم الثالثة فلا يؤذن لها فتقول: يا رب إن عبادك ينظروني والمدى بعيد؟

فلا يؤذن لها حتى إذا كان قدر ليلتين أو ثلاث قيل لها: اطلعي من حيث غربت فتطلع فيراها أهل الأرض كلهم، وهي فيما بلغنا أول الآيات ﴿ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ﴾ فيذهب الناس فيتصدقون بالذهب الأحمر فلا يؤخذ منهم، ويقال: لو كان بالأمس.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن عبد الله بن مسعود أنه قال ذات يوم لجلسائه: أرأيتم قول الله عز وجل ﴿ تغرب في عين حمئة ﴾ [ الكهف: 86] ماذا يعني بها؟

قالوا: الله أعلم!

قال: فإنها إذا غربت سجدت له وسبحته وعظمته وكانت تحت العرش، فإذا حضر طلوعها سجدت له وسبحته وعظمته واستأذنته فيؤذن لها، فإذا كان اليوم الذي تحبس فيه سجدت له وسبحته وعظمته، ثم استأذنته فيقال لها: أثبتي.

فإذا حضر طلوعها سجدت له وسبحته وعظمته، ثم استأذنته فيقال لها: أثبتي.

فتحبس مقدار ليلتين قال: ويفزع إليها المتهجدون، وينادي الرجل جاره يا فلان ما شأننا الليلة، لقد نمت حتى شبعت، وصليت حتى أعيت؟!

ثم يقال لها: إطلعي من حيث غربت.

فذاك ﴿ يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل...

﴾ الآية.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن ابن عباس قال: خطبنا عمر فقال: أيها الناس سيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا.

وأخرج البخاري في تاريخه وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن كعب قال: إذا أراد الله أن تطلع الشمس من مغربها أدارها بالقطب، فجعل مشرقها مغربها ومغربها مشرقها.

وأخرج ابن مردويه بسند واه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله عند المشرق حجاباً من الظلمة على البحر السابع على مقدار ليالي الدنيا كلها، فإذا كان غروب الشمس أقبل ملك من الملائكة قد وكل بالليل، فيقبض قبضة من ظلمة ذلك الحجاب ثم يستقبل المغرب، فلا يزال يرسل تلك الظلمة من خلال أصابعه قليلاً قليلاً وهو يراعي الشفق، فإذا غاب الشفق أرسل الظلمة كلها، ثم ينشر جناحيه فيبلغان أقطار الأرض وأكناف السماء، فيجاوزان ما شاء الله أن يجاوزا في الهواء، فيشق ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس لله حتى يبلغ المغرب على قدر ساعات الليل، فإذا بلغ المغرب انفجر الصبح من المشرق ضم جناحيه وضم الظلمة بعضها إلى بعض بكفيه، حتى يقبض عليها بكف واحدة مثل قبضته حين تناولها من الحجاب بالمشرق، ثم يضعها عن المغرب على البحر السابع فمن هناك تكون ظلمة الليل، فإذا حوّل ذلك الحجاب من المشرق إلى المغرب نفخ في الصور، فضوء النهار من قبل الشمس وظلمة الليل من قبل ذلك الحجاب.

فلا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها حتى يأتي الوقت الذي جعله الله لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلع ويستأذن القمر من أين يطلع فلا يؤذن لهما، فيحسبان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر، فلا يعرف مقدار حبسهما إلا قليل من الناس وهم بقية أهل الأرض وحملة القرآن، يقرأ كل رجل منهم ورده في تلك الليلة، حتى إذا فرغ منه نظر فإذا ليلته على حالها، فيعود فيقرأ ورده فإذا فرغ منه نظر فإذا الليلة على حالها، فيعود فيقرأ ورده فإذا فرغ منه نظر فإذا الليلة على حالها، فلا يعرف طول تلك الليلة إلا حملة القرآن، فينادي بعضهم بعضاً، فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة ومقدار تلك الليلة مقدار ثلاث ليال، ثم يرسل الله جبريل عليه السلام إلى الشمس والقمر، فيقول: إن الرب عزل وجل أمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منها فإنه لا ضوء لكما ولا نور.

فتبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت، فترجع الشمس والقمر فتطلعان من مغربهما.

فبينما الناس كذلك يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل والغافلون في غفلاتهم إذ نادى مناد: ألا أن باب التوبة قد أغلق والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما، فينظر الناس فإذا بهما أسودان كالعكمين لا ضوء لهما ولا نور، فذلك قوله: ﴿ وجمع الشمس والقمر ﴾ [ القيامة: 9] فيرتفعان مثل البعيرين المقرونين المعقودين، ينازع كل واحد منهما صاحبه استباقاً، ويتصايح أهل الدنيا، وتذهل الأمهات، وتضع كل ذات حمل حملها، فأما الصالحون والأبرار فإنه ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب لهم عبادة، وأما الفاسقون والفجار فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب عليهم حسرة، فإذا بلغت الشمس والقمر سرة السماء وهو منصفها جاءهما جبريل عليه السلام فأخذ بقرونهما فردهما إلى المغرب، فلا يغربهما في مغاربهما ولكن يغربهما في باب التوبة.

فقال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وما باب التوبة؟

فقال: يا عمر خلق الله باباً للتوبة خلف المغرب وهو من أبواب الجنة، له مصراعان من ذهب مكللان بالدر والياقوت والجوهر، ما بين المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عاماً للراكب المسرع، فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربها، ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحاً من لدن آدم إلى ذلك اليوم إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب ثم ترفع إلى الله، فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله وما التوبة النصوح؟

قال: أن يندم العبد على الذنب الذي أصاب فيهرب إلى الله منه، ثم لا يعود إليه حتى يعود اللبن في الضرع.

قال: فيغربهما جبريل في ذلك الباب ثم يرد المصراعين، فيلتئم ما بينهما ويصيران كأنهما لم يكن فيهما صدع قط ولا خلل، فإذا أغلق باب التوبة لم تقبل لعبد بعد ذلك توبة ولم تنفعه حسنة يعملها بعد ذلك إلا ما كان قبل ذلك، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك، فذلك قوله تعالى ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ﴾ .

فقال أبي بن كعب: يا رسول الله فداك أبي وأمي فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك، وكيف بالناس والدنيا...؟!

قال: يا أبي إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك ضوء النور، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس فإنهم حين رأوا ما رأوا من تلك الآية وعظمها، يلحون على الدنيا فيعمرونها ويجرون فيها الأنهار، ويغرسون فيها الأشجار، ويبنون فيها البنيان، فاما الدنيا فإنه لو نتج مهراً لم يركب حتى تقوم الساعة من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور» .

وأخرج نعيم بن حماد في الفتن والحاكم في المستدرك وضعفه عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين أذني الدجال أربعون ذراعاً، وخطوة حمارة مسيرة ثلاثة أيام، يخوض البحر كما يخوض أحدكم الساقية، ويقول: أنا رب العالمين، وهذه الشمس تجري باذني أتريدون أن أحبسها؟

فتحبس الشمس حتى يجعل اليوم كالشهر والجمعة، ويقول: أتريدون أن أسيرها؟

فيقولون: نعم.

فيجعل اليوم كالساعة، وتأتيه المرأة فتقول: يا رب أحي لي أخي وابني وزوجي، حتى انها تعانق شيطاناً وبيوتهم مملوءة شياطين، ويأتيه الأعرابي فيقول: يا رب أحي لنا ابلنا وغنمنا، فيعطيهم شياطين أمثال ابلهم وغنمهم سواء بالسن والسمة، فيقولون: لو لم يكن هذا ربنا لم يحي لنا موتانا؟!

ومعه جبل من فرق وعراق اللحم حار لا يبرد، ونهر حار، وجبل من جنان وخضرة، وجبل من نار ودخان يقول: هذه جنتي، وهذه ناري، وهذا طعامي، وهذا شرابي.

واليسع عليه السلام معه ينذر الناس يقول: هذا المسيح الكذاب فاحذروه لعنه الله.

ويعطيه الله من السرعة والخفة ما لا يلحقه الدجال، فإذا قال: أنا رب العالمين.

قال له الناس: كذبت، ويقول، اليسع: صدق الناس.

فيمر بمكة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت؟

فيقول أنا ميكائيل بعثني الله لأمنعه من حرمه، ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم، فيقول من أنت؟

فيقول: أنا جبريل بغثني الله لأمنعه من حرم رسوله.

فيمر الدجال بمكة فإذا رأى ميكائيل ولى هارباً ويصيح، فيخرج إليه من مكة منافقوها ومن المدينة كذلك، ويأتي النذير إلى الذين فتحوا القسطنطينية، ومن تألف من المسلمين ببيت المقدس قال: فيتناول الدجال ذلك الرجل فيقول: هذا الذي يزعم أني لا أقدر عليه فاقتلوه، فَيُنْشَر ثم يقول: أنا أحييه قم ولا يأذن الله لنفس غيرها فيقول: أليس قد أمتُّك ثم أَحْيَيْتُك؟

فيقول: الآن ازددت فيك يقيناً، بشرني رسول الله صلى الله عليه وسلم انك تقتلني ثم أحيا باذن الله، فيوضع على جلده صفائح من نحاس فلا يحيك فيه سلاحهم، فيقول اطرحوه في ناري، فيحوّل الله ذلك الجبل على النذير جناناً، فيشك الناس فيه ويبادر إلى بيت المقدس، فإذا صعد على عقبة أفيق وقع ظله على المسلمين فيوترون قسيهم لقتاله، فاقواهم من برك أو جلس من الجوع والضعف ويسمعون النداء: جاءكم الغوث.

فيقولون: هذا صوت رجل شبعان.

وتشرق الأرض بنور ربها، وينزل عيسى ابن مريم ويقول: يا معشر المسلمين احمدوا ربكم وسبحوه، فيفعلون ويريدون الفرار، فيضيق الله عليهم الأرض فإذا أتوا باب لد في نصف ساعة فيوافقون عيسى، فإذا نظر إلى عيسى يقول: أقم الصلاة.

فيقول الدجال: يا نبي الله قد أقيمت الصلاة...؟!

فيقول: يا عدو الله زعمت انك رب العالمين فلمن تصلي؟

فيضربه بمقرعة فيقتله، فلا يبقى أحد من أنصاره خلف شيء إلا نادى: يا مؤمن هذا دجَّال فاقتله، فيمتعوا أربعين سنة لا يموت أحد ولا يمرض أحد، ويقول الرجل لغنمه ولدوابه: اذهبوا فارعوا وتمر الماشية بين الزرعين لا تأكل منه سنبلة، والحيات والعقارب لا تؤذي أحداً، والسبع على أبواب الدور لا يؤذي أحداً ويأخذ الرجل المدَّ من القمح فيبدره بلا حرث فيجيء منه سبعمائة مد.

فيمكثون في ذلك حتى يكسر سد يأجوج ومأجوج، فيموجون ويفسدون ويستغيث الناس فلا يستجاب لهم، وأهل طور سينا هم الذين فتح الله عليهم فيدعون، فيبعث الله دابة من الأرض ذات قوائم، فتدخل في آذانهم فيصبحون موتى أجمعين، وتنتن الأرض منهم فيؤذون الناس بنتنهم أشد من حياتهم، فيستغيثون بالله، فيبعث الله ريحاً يمانية غبراء، فيصير على الناس غماً ودخاناً وتقع عليهم الزكمة، ويكشف ما بهم بعد ثلاث وقد قذف جميعهم في البحر، ولا يلبثون إلا قليلاً حتى تطلع الشمس من مغربها، وجفت الأقلام وطويت الصحف، ولا يقبل من أحد توبة، ويخر إبليس ساجداً ينادي: إلهي مرني أن أسجد لمن شئت، وتجتمع إليه الشياطين فتقول يا سيدنا إلى من تفزع؟

فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى يوم البعث وقد طلعت الشمس من مغربها وهذا الوقت المعلوم.

وتصير الشياطين ظاهرة في الأرض حتى يقول الرجل: هذا قريني الذي يغويني فالحمد لله الذي أخزاه، ولا يزال أبليس ساجداً باكياً حتى تخرج الدابة فتقتله وهو ساجد ويتمتع المؤمنون بعد ذلك أربعين سنة لا يتمنون شيئاً إلا أعطوه حتى تتم أربعون سنة بعد الدابة، ثم يعود فيهم الموت ويسرع فلا يبقى مؤمن، ويبقى الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم حتى ينكح الرجل أمه في وسط الطريق يقوم واحد عنها وينزل واحد، وأفضلهم يقول: لو تنحيتم عن الطريق كان أحسن، فيكون على مثل ذلك حتى لا يولد أحد من نكاح، ثم يعقم الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا شرار الناس عليهم تقوم الساعة» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجداً ينادي ويجهر: إلهي مرني أسجد لمن شئت؟

فتجتمع إليه زبانيته فيقولون: يا سيدهم ما هذا التضرع؟!

فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم وهذا الوقت المعلوم.

قال: وتخرج دابة الأرض من صدع في الصفا، فأول خطوة تضعها بانطاكية، فتأتي إبليس فتخطمه» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: إذا طلعت الشمس من مغربها ذهب الرجل إلى المال كنزه، فيستخرجه فيحمله على ظهره فيقول: من له في هذه؟

فيقال له: أفلا جئت به بالأمس؟

فلا يقبل منه، فيجيء إلى المكان الذي احتفره فيضرب به الأرض ويقول: ليتني لم أرك.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جندب بن عبد الله البجلي قال: استأذنت على حذيفة ثلاث مرات فلم يأذن لي فرجعت، فإذا رسوله قد لحقني فقال: ما ردك؟

قلت ظننت أنك نائم.

قال: ما كنت لأنام حتى أنظر من أين تطلع الشمس؟

قال ابن عون: فحدثت به محمداً فقال: قد فعله غير واحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أسامة قال: إن صبح يوم القيامة يطول تلك الليلة كطول ثلاث ليال، فيقوم الذين يخشون ربهم فيصلون، حتى إذا فرغوا من صلاتهم أصبحوا ينظرون إلى الشمس من مطلعها، فإذا هي قد طلعت من مغربها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ .

وذكرنا الكلام في هذا في (١) ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ الآية [البقرة: 210] قال ابن عباس: ( ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ إذ كذبوك (إلا أن تأتيهم (٢) (٣) (٤) (٥) ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ  ﴾ خبر معناه: الأمر، وهو كثير في القرآن، والمعنى: يجب أن لا ينظروا بعد تكذيبك (إلا أن تأتيهم (٦) (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ قال ابن عباس: (يتنزل أمر ربك فيهم) (١٠) (١١) ﴿ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ أو يأتي إهلاك ربك إياهم، وانتقامه منهم، إما بعذاب عاجل، أو بالقيامة) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ﴾ .

قال المفسرون عامة: (يعني: طلوع الشمس من مغربها) (١٣) ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ﴾ (أي: لا ينفعها الإيمان عند الآية التي تضطرهم إلى الإيمان؛ لأن الله جل وعز بعث الرسل بالآيات التي تتدبر، فيكون للمؤمن بها ثواب، ولو بعث الله على كل من لم يؤمن عذابا لاضطر الناس إلى الإيمان، وسقط التكليف والجزاء) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ  ﴾ قال ابن عباس: ( ﴿ قُلِ انْتَظِرُوا ﴾ يا (١٥) ﴿ إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴾ بكم العذاب يوم القيامة، أو قبلها في الدنيا (١٦) وقوله تعالى: ﴿ قُلِ انْتَظِرُوا ﴾ دليل على أن قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ (١٧) (١٨) (١) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 126 ب.

(٢) في (أ): (يأتيهم) بالياء.

وقد قرأ حمزة والكسائي: (إلا أن يأتيهم) بالياء، وقرأ الباقون بالتاء، انظر: السبعة ص 274، و"المبسوط" ص 177.

(٣) "تنوير المقباس" 2/ 76، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 96، والسمرقندي 1/ 525.

(٤) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 164.

(٥) انظر: تفسير الرازي 14/ 6.

(٦) في (ش): (يأتيهم) بالياء.

(٧) صاحب النظم هو: أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني، تقدمت ترجمته، وكتابه "نظم القرآن" (مفقود) انظر: مقدمة "تفسير البسيط".

(٨) يقصد قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  ﴾ .

(٩) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 124 أ.

(١٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 145، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 144، وأبو حيان في "البحر" 4/ 258.

(١١) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 126 ب.

(١٢) "معاني الزجاج" 2/ 307، وانظر "معاني النحاس" 2/ 522، وتفسير السمرقندي 1/ 525 - 526 والأرجح أن ذلك يوم القيامة للفصل بين العباد، وأن الله سبحانه وتعالى يأتي للفصل على وجه يليق بجلاله وعظمته، وهو قول الطبري في "تفسيره" 8/ 96، وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد وقتادة وابن جريج، واختاره البغوي في "تفسيره" 3/ 207، وابن كثير 2/ 216، والشنقيطي 2/ 283 - 284، وانظر: "تفسير القرطبي" 7/ 145، و"فتاوى شيخ الإسلام" 6/ 398 - 424.

(١٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 96، 97 من عدة طرق جيدة عن عبد الله بن مسعود، ومجاهد وقتادة والسدي، ورجحه الطبري في "تفسيره"، وابن الجوزي 3/ 157، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 108 وأخرج البخاري في صحيحه رقم (4635)، في كتاب "التفسير"، الأنعام، ومسلم رقم (157)، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل في الإيمان -حديث- عن أبي هريرة  أن النبي  قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت آمن الناس أجمعون، وذلك حين ﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ﴾ "، ثم قرأ الآية.

اهـ.

وأخرج مسلم أيضًا - حديث رقم (158) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (ثلاث إذا خرجن ﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾ : طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض) ا.

هـ.

وقال ابن == عطية في "تفسيره" 5/ 409: (يصح أن يراد جميع ما يقطع بوقوعه من أشراط الساعة ثم خصص بعد ذلك بقوله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ﴾ الآية التي ترفع التوبة معها وقد بينت الأحاديث أنها طلوع الشمس من مغربها وهو قول جمهور أهل التأويل، وروي عن ابن مسعود أنها إحدى ثلاث: إما طلوع الشمس من مغربها، وإما خروج الدابة، وإما خروج يأجوج ومأجوج، وهذا فيه نظر؛ لأن الأحاديث ترده وتخصص الشمس) ا.

هـ.

ملخصًا.

وانظر: "تفسير الرازي" 14/ 7 وفيه: (أجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علامات القيامة) اهـ.

(١٤) "معاني الزجاج" 2/ 308.

(١٥) في (ش): (قل انتظروا إنا أهل مكة إنا متظرن ..)، وهو تحريف.

(١٦) "تنوير المقباس" 2/ 76، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 146، وهو في "تفسير البغوي" 3/ 207 بدون نسبة.

(١٧) في النسخ: (هل ينتظرون ..)، وهو تحريف.

(١٨) في (أ): (يأتيهم) بالياء.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هَلْ يَنظُرُونَ ﴾ الآية: تقدمت نظيرتها في [البقرة: 210] ﴿ بَعْضُ آيات رَبِّكَ ﴾ أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها، فحينئذ لا يقبل إيمان كافر ولا توبة عاص، فقوله: لا ينفع نفساً إيمانها يعني أن إيمان الكافر لا ينفعه حينئذ وقوله: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ في إيمانها خَيْراً ﴾ يعني أن من كان مؤمناً ولم يكسب حسنات قبل ظهور تلك الآيات، ثم تاب إذا ظهرت: لم ينفعه لأنه باب التوبة يغلق حينئذ ﴿ قُلِ انتظروا ﴾ وعيد <div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تذكرون ﴾ بتخفيف الذال حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد فحذفوا إحدى التاءين.

الباقون: بالتشديد لأجل إدغام تاء التفعل في الذال ﴿ وأن هذا ﴾ بسكون النون.

ابن عامر ويعقوب ﴿ وإن هذا ﴾ بكسر الهمزة وتشديد النون: حمزة وعلي وخلف، الباقون: ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ صراطي ﴾ بفتح الياء: ابن عامر والأعشى والبرجمي ﴿ فتفرق ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ أن يأتيهم ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في النحل: علي وحمزة وخلف.

الباقون: بالتاء الفوقانية.

﴿ فارقوا ﴾ وكذلك في الروم: حمزة وعلي الباقون ﴿ فرقوا ﴾ بالتشديد ﴿ عشر ﴾ بالتنوين ﴿ أمثالها ﴾ بالرفع: يعقوب.

الباقون بالإضافة ﴿ ربي إلي ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع، ﴿ قيماً ﴾ بكسر القاف وفتح الياء: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.

الباقون: بالعكس مع تشديد الباء.

﴿ محياي ﴾ بالسكون ﴿ مماتي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بالعكس.

﴿ وأنا أوّل ﴾ بالمد: نافع وأبو جعفر.

الوقوف: ﴿ شيئاً ﴾ ط للحذف أي وأحسنوا بالوالدين ﴿ إحساناً ﴾ ج لابتداء النهي مع احتمال العطف أي وأن لا تقتلوا، ﴿ من إملاق ﴾ ط.

﴿ وإياهم ﴾ ج للعطف مع العارض.

﴿ وما بطن ﴾ ط للفصل بين الحكمين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالحق ﴾ ط لانتهاء بيان الأحكام إلى توكيد الإيصاء للأحكام ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ج للفصل بين الحكمين ﴿ بالقسط ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ ذا قربى ﴾ ج لتناهي جواب "إذا" وتقدّم مفعول ﴿ أوفوا ﴾ ﴿ تذكرون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وإن هذا ﴾ بالكسر.

﴿ فاتبعوه ﴾ ج للفصل بين النقيضين معنى مع الاتفاق نظماً.

﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه لا لأن التقدير فاتبعوه لئلا تقولوا ﴿ من قبلنا ﴾ ص.

﴿ لغافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ أهدى منهم ﴾ ج للفاء مع أن "قد" لتوكيد الابتداء.

﴿ ورحمة ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ وصدف عنها ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ بعض آيات ربك ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ منتظرون ﴾ ه ﴿ في شيء ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ أمثالها ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ج لاحتمال أن ﴿ دينا ﴾ نصب على البدل من محل ﴿ إلى صراط ﴾ أو على الإغراء أي الزموا.

﴿ حنيفاً ﴾ ج لابتداء النفي مع اتحاد المعنى ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا.

﴿ لا شريك له ﴾ ج ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ إلا عليها ﴾ ج لتفصيل الأمرين على التهويل مع اتفاق الجملتين ﴿ أخرى ﴾ ج لأنّ "ثم" لترتيب الإخبار مع اتحاد المقصود ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ آتاكم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ز للتفصيل بين تحذير وتبشير والوصل للعطف أوضح ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: لما بين فساد ما يقوله الكفار في باب التحليل والتحريم أتبعه البيان الشافي في الباب فقال: ﴿ قل تعالوا ﴾ وهو من الخاص الذي صار عاماً لأن أصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه.

و "ما" في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ إما منصوب بفعل التلاوة أي أتل الذي حرمه ربكم فالعائد محذوف.

وقوله: ﴿ عليكم ﴾ يكون متعلقاً بـ ﴿ أتل ﴾ أوبـ ﴿ حرم ﴾ وإما منصوب بـ ﴿ حرم ﴾ على أن "ما" استفهامية فلا راجع.

والمعنى أقل أي شيء حرم لأن التلاوة نوع من القول وتقديم المفعول للتخصيص.

فإن قيل: قوله ﴿ أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ﴾ كالتفصيل لما أجمله في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ فيلزم أن يكون ترك الشرك والإحسان إلى الوالدين محرماً.

فالجواب أن المراد من التحريم البيان المضبوط، أو الكلام تم عند قوله: ﴿ ما حرم ربكم ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ عليكم أن لا تشركوا ﴾ أو "أن" مفسرة أي ذلك التحريم هو قوله: ﴿ لا تشركوا ﴾ وهذا في النواهي واضح، وأما الأوامر فيعلم بالقرينة أن التحريم راجع إلى أضدادها وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله.

ولا يجوز أن يجعل "أن" ناصبة وإلا لزم عطف الطلب أعني الامر على الخبر.

واعلم أنه  بيّن فرق المشركين في هذه السورة أحسن بيان، وذلك أن منهم من يجعل الأصنام شركاء لله  فأشار إليهم بقوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة  ﴾ ومنهم عبدة الكواكب الذين أبطل قولهم بقوله: ﴿ لا أحب الآفلين  ﴾ ومنهم القائلون بيزدان واهرمن ومنهم الذين يقولون الملائكة بنات الله والمسيح ابن الله وزيف معتقدهم بقوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم  ﴾ ثم عمم النهي بقوله: ﴿ لا تشكروا به شيئاً ﴾ ثم حث على إحسان الوالدين وكفى به خصلة شريفة أن جعله تالياً لتوحيده.

ثم أوجب رعاية حقوق الأولاد بعد رعاية حقوق الوالدين.

ومعنى ﴿ من إملاق ﴾ أي من خوف الفقر كما صرح بذلك في الآية الأخرى ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق  ﴾ كانوا يدفنون البنات أحياء بعضهم للغيرة وبعضهم لخوف الإملاق وهو السبب الغالب فلذلك أزيل الوهم بقوله: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ فكما يجب على الوالد الاتكال في رزق نفسه على الله فكذا القول في حال الولد، قال شمر: أملق لازم ومعتد.

أملق الرجل إذا افتقر، وأملق الدهر ما عنده إذا أفسده.

وإنما قال ههنا: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ وقال في  بالعكس لأن التقدير في الآية من إملاق بكم نحن نرزقكم وإياهم، وهناك زيدت الخشية التي تتعلق بالمستقبل فالتقدير خشية إملاق يقع بهم نحن نزرقهم وإياكم، ثم نهى عن قربان الفواحش كلها.

ومعنى ما ظهر منها وما بطن كما مر في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه  ﴾ وفيه أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله  وامتثال أمره ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس.

ثم أفرز من جملة الفواحش قتل النفس المحرمة تنبيهاً على فظاعتها ولما نيط بها من الاستثناء وهو قوله ﴿ إلا بالحق ﴾ وذلك أن قتل النفس المحرمة قد يكون حقاً لجرم صدر عنها كما جاء في الحديث " لا يحل دم امرىءٍ مسلم إلا لإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق" وينخرط في سلكه جزاء قاطع الطريق.

والحاصل أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا لأمر منفصل.

ثم لما بيّن النواهي الخمسة أتبعه الكلام الذي يقرب إلى القلوب القبول فقال: ﴿ ذلكم وصاكم ﴾ لما في لفظ التوصية من الرأفة والاستعطاف.

ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا.

ثم ذكر أربعة أنواع أخر من التكاليف وذلك قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتم إلا بالتي ﴾ أي بالخصلة أو الطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي السعي في تثميره وإنمائه ورعاية وجوه الغبطة لأجله كما مر في أول سورة النساء ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ أي احفظوا ماله إلى هذه الغاية أي أوان الاحتلام ولكن بشرط أن يؤنس منه الرشد.

قال الفراء: واحد الأشد شدته في القياس ولم يسمع.

وقال أبو الهيثم: الواحد شدّة كأنعم في نعمة، والشدّة القوّة ومنه قولهم: "بلغ الغلام شدّته" وقيل: إنه واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما ﴿ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ﴾ بالعدل والسوية.

وإيفاء الكيل إتمامه خلاف البخس.

وقوله: ﴿ والميزان ﴾ أي الوزن بالميزان.

فإن قيل: إيفاء الكيل والوزن هو عين القسط فما فائدة التكرار؟

قلنا: أمر الله المعطى بإيفاء إيتاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة.

ثم قال: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ليعلم أن الواجب هو القدر الممكن من العدالة والسوية لا التحقيق المؤدي إلى الحرج والعسر.

فزعمت المعتزلة ههنا أن هذا القدر من التضييق حيث لم يجوزه الله  فكيف يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه أو يخلق القدرة الموجبة للكفر والداعية المقتضية له ثم ينهاه عنه وعورض بالعلم والداعي كما تقدّم مراراً ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ﴾ المقول له أو عليه ﴿ ذا قربى ﴾ حمله المفسرون على أداء الشهادة وعلى الأمر والنهي والأولى أن يحمل على الأقوال كلها ويدخل فيه قول الرجل في الدعاء إلى الدين.

وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل مخلصاً عن الحشو ومبرأ عن النقص ومجرداً عن العصبية والجدال على مقتضى الهوى والتشهي، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا الحكاية الرواية والرسالة.

وحكم الحاكم بحيث يستوي فيه بين القريب والبعيد ولا ينظر إلا إلى رضا الله، وختم الأوامر بقوله: ﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ كما قال: ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ ويندرج في هذه الخاتمة بالحقيقة جميع الأنواع المذكورة ﴿ وإن هذا صراطي ﴾ من قرأ بالفتح والتخفيف فبإعماله في ضمير الشأن والتقدير: تعالوا أتل ما حرم وأتل أنه هذا صراطي، وكذا فيمن قرأ بالتشديد وبالفتح إلا أن ضمير الشأن لا يقدر.

وإن شئت جعلتها خفضاً متعلقاً بما قبله أي ذلكم وصاكم به وبأن هذا، أو بما بعده والتقدير وبأن هذا صراطي مستقيماً ﴿ فاتبعوه ﴾ ومن كسر فلأن التلاوة في معنى القول أو على الاستئناف والمعنى اتبعوا صراطي أنه مستقيم ﴿ ولا تتبعوا السبل ﴾ المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات ﴿ فتفرق بكم ﴾ الباء للتعدية أي فيفرقكم ذلك الأتباع ﴿ عن سبيله ﴾ المستقيم وهو دين الإسلام.

وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل الرشد.

ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية.

فهذه الآية بالحقيقة إجمال لما في الآيتين المتقدمتين ولهذا ختمها بالتقوى التي هي ملاك العمل وخير الزاد وختم الأولى بقوله ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لأنها أمور ظاهرة جلية يكفي في تعقلها أدنى مسكة وعقل، وختم الثانية بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ لأن المذكور فيها أمور خفية تحتاج إلى التدبر والتذكر حتى يقف فيها على موضع الاعتدال.

أو نقول: الأمور الخمسة المذكورة في الآية الأولى كلها عظام جسام وكانت الوصية بها من أبلغ الوصايا فختم الآية بما في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل الذي امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان، وأما المذكورة في الثانية فأشياء يقبح تعاطيها وارتكابها وكانت الوصية بها تجري مجرى الزجر والوعظ فختمها بقوله: ﴿ تذكرون ﴾ أي تتعظون بمواعظ الله  .

قوله: ﴿ ثم آتينا موسى الكتاب ﴾ معطوف على ﴿ وصاكم ﴾ فسئل كيف صح عطفه عليه بثم والإيتاء قبل الوصية بدهر طويل؟

وأجيب بأن التكاليف التسعة المذكورة تكاليف لا تختلف بحسب اختلاف الشرائع كما روي عن ابن عباس أن هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل: إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة.

وأما الشرائع التي كانت التوراة مختصة بها فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك.

وقيل: إن في الآية حذفاً تقديره: ثم قل يا محمد صلى الله عليه وآله إنا آتينا.

والمعنى اتل ما أوحي إليك ثم اتل عيلهم خبر ما آتينا موسى.

وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب  ﴾ وقوله: ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ مفعول له أي لتتم نعمتنا على الذي أحسن أي على من كان محسناً صالحاً، أو المراد إتمام للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وكل ما أمر به، أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته أي زيادة على علمه.

وقرىء ﴿ أحسن ﴾ بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه ﴿ وتفصيلاً لكل شيء ﴾ فيدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وآله وصحة دينه وشرعه ﴿ وهدى ﴾ دلالة ﴿ ورحمة ﴾ لكي يؤمنوا بلقاء ما وعدهم ربهم به من ثواب وعقاب ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ لا شك أنه القرآن ﴿ مبارك ﴾ كثير الخير والنفع أو ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين ﴿ فاتبعوه واتقوا ﴾ لكي ترحموا لأن الغرض من التقوى رحمة الله  ، أو اتقوا لترحموا جزاء على التقوى، أو اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة.

قال الفراء قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ مفعول ﴿ واتقوا ﴾ وقال الكسائي: التقدير: إنا أنزلناه لئلا تقولوا.

وقال البصريون: إنا أنزلناه كراهة أن تقولوا والخطاب لأهل مكة ﴿ إنما أنزل الكتاب ﴾ أي التوراة والإنجيل ﴿ على طائفتين من قبلنا ﴾ اليهود والنصارى ﴿ وإن كنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في ﴿ لغافلين ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية والأصل وإنه كنا ومعنى الدراسة القراءة.

وإنما قالوا: ﴿ لكنا أهدى منهم ﴾ لحدة أذهانهم وكثرة حفظهم لأيام العرب ووقائعها وخطبها وأشعارها وأمثالها مع كونهم أميين قطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم.

ثم قال: ﴿ فقد جاءكم ﴾ أي إن صدقتم أن عدم إنزال الكتاب يصلح للعذر وأنه لو أنزل عليكم الكتاب لكنتم أهدى منهم فقد جاءكم ﴿ بينة من ربكم ﴾ فيما يعلم سمعاً ﴿ وهدى ﴾ فيما يعلم سمعاً وعقلاً ﴿ ورحمة ﴾ من الله في إصلاح المعاش والمعاد ﴿ فمن أظلم ﴾ بعد هذه المعجزات والبينات ﴿ ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ﴾ أي منع غيره منها لأن الأول ضلال والثاني إضلال، ثم ختم الآية بأشد الوعيد وأبلغ التهديد ثم ذكر أنهم بعد نصب الأدلة وإزاحة العذر لا يؤمنون ألبتة، وشرح أحوالاً توجب المبادرة إلى الإيمان والتوبة فقال: ﴿ هل ينظرون ﴾ أي ينتظرون ومعنى الاستفهام النفي وتقدير الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا عند مجيء أحد هذه الأمور: مجيء الملائكة، أو مجيء الرب ويعني به عذابه وبأسه كما سلف في البقرة، أو مجيء المعجزات القاهرة.

قال في الكشاف: الملائكة ملائكة الموت أو ملائكة العذاب ومجيء الرب مجيء كل آية، ثم قال: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ وأجمعوا على أن المراد بهذه الآية علامات القيامة.

عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر أمر الساعة إذا أشرف النبي صلى الله عليه وآله فقال: "أتتذاكرون الساعة؟

إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفاً بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وناراً تخرج من عدن" والمراد أنه إذا بدت أشراط الساعة ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، ولا نفساً ما كسبت في إيمانها خيراً.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ قل انتظروا إنا منتظرون ﴾ ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: ﴿ إن الذين فارقوا دينهم ﴾ أو فرقوا ومعنى القراءتين في الحقيقة واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وكفر ببعض فقد فارقه أي تركه.

قال ابن عباس: يريد أن المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون إنهم بنات الله، وبعضهم يعبدون الأصنام ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فصاروا شيعاً أي فرقاً وإخواناً في الضلالة.

والشيعة كل فرقة تشيع إماماً لها.

وقال مجاهد وقتادة: هم اليهود والنصارى تفرقوا فرقاً وكفر بعضهم بعضاً وأخذوا بعضاً وتركوا بعضاً كقوله: ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  ﴾ وعن مجاهد أيضاً أنهم من هذه الأمة وهم أهل البدع والشبهات وفي الحديث "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية - وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة.

وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في الهاوية إلا واحدة" ﴿ لست منهم في شيء ﴾ أي إنك بعيد من أقوالهم ومذاهبهم والعقاب اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم لا يتعداهم إليك.

وقال السدي: معناه لم تؤمر بقتالهم فلما أمر بقتالهم نسخ.

ويحتمل أن يقال: إن النهي عن القتال في وقت لا ينافي الأمر في وقت آخر فلا نسخ ﴿ إنما أمرهم إلى الله ﴾ بالاستئصال والإهلاك ﴿ ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.

وفي الآية حث على أن كلمة المسلمين يجب أن تكون واحدة ليستأهلوا الثواب الجزيل كما قال: ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ هي لا إله إلا الله والسيئة الشرك.

والأولى حملها على العموم ﴿ فله عشر أمثالها ﴾ أقام صفة الجنس المميز مقام الموصوف تقديره: عشر حسنات أمثالها كقراءة من قرأ ﴿ عشر أمثالها ﴾ بالرفع والتنوين، قيل: هذا أقل الموعود وقد وعد سبعمائة وبغير حساب.

وقيل: ليس المراد التحديد بل أراد الأضعاف مطلقاً كقول القائل: لئن أسديت إليّ معروفاً لأكافئنك بعشرة أمثاله.

وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشراً.

روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله قال عن الله تعالى: "الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره" وقال صلى الله عليه وآله يقول الله  : " إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فسيئة" ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي لا ينقص من ثواب طاعاتهم ولا يزاد على عقاب سيآتهم.

أسؤلة: ما الحكمة في الأضعاف؟

جوابه كان للأمم أعمار طويلة وطاعات كثيرة فوضع الله لهذه الأمة ليلة القدر خيراً من ألف شهر وأضعاف الأعمال ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة  ﴾ ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب  ﴾ وأيضاً لو أن الخصماء يتعلقون بهم يوم القيامة فيذهبون بأعمالهم إلى أن تبقى الأضعاف فيقول الله أضعافهم ليست من فعلهم هي من رحمتي فلا أقتص منهم أبداً.

آخر: كيف يوجب الكفر عقاب الأبد؟

جوابه أن الكافر كان على عزم الكفر لو عاش أبداً فاستحق العقاب الأبدي بناء على ذلك الاعتقاد بخلاف المسلم المذنب فإنه يكون على عزم الإقلاع فلا جرم تكون عقوبته منقطعة، وأيضاً الذي جهله الكافر وهو ذات القديم  وصفاته شيء لا نهاية له فيكون جهله لا يتناهى فكذا عقابه.

آخر: إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلاً عن صيام ستين يوماً وهو في كفارة الظهار وتارة بدلاً عن صيام أيام قلائل.

آخر: أحدث في رأس إنسان موضحتين فوجب أرشان فإن عاد ورفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ازدادت الجناية وقل العقاب.

آخر: قد يجتمع بسبب أطراف تبان ولطائف تزال ديات متعددة إذا حصل الاندمال، وقد ترتقي إلى نيف وعشرين.

الأذنان أو إبطال حسهما، العينان أو البصر، الأجفان، المارن،الشفتان، اللسان أو النطق، الأسنان، اللحيان، اليدان، الذكر والأنثيان، الحلمتان، الشفران، الإليتان، الرجلان، العقل، السمع، الشم، الصوت، الذوق، الإمناء أو الإحبال، إبطال لذة الجماع، إبطال لذة الطعام، الإفضاء، البطش، المشي.

وقد تضاف إليها موجبات الجوائف والمواضح وسائر الشجات.

فإن عاد الجاني قبل الاندمال وحز الرقبة أوقده بنصفين لم يجب إلاّ دية النفس، وكل ذلك يدل على أن رعاية المماثلة غير معتبرة في الشرع.

والجواب عن الأسئلة الثلاثة أن هذه الأمور من تعبدات الشرع المطهر وتحكماته فلا سبيل بعقولنا إليها.

ويمكن أن يجاب عن الثالث بأن بدل الأطراف لما لم يستقر بالاندمال دخل في دية النفس لعسر ضبط ذلك والجزاء الحقيقي موكول إلى يوم الجزاء والله أعلم.

قال أهل السنة: كل الثواب تفضل من الله  فلا إشكال.

وقالت المعتزلة: إن بين الثواب والتفضل فرقاً لأن الثواب هو المنفعة المتسحقة والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة.

ثم اختلفوا فقال الجبائي: العشرة تفضل والثواب غيرها إذ لو كان الواحد ثواباً والتسعة تفضلاً لزم أن يكون الثواب دون التفضل فلا يكون للتكليف فائدة.

وقال آخرون: لا يبعد أن يكون الواحد ثواباًً إلا أنه يكون أعلى شأناً من التسعة الباقية.

ثم لما علم رسوله صلى الله عليه وآله أنواع الدلائل والرد على أصناف المشركين وبالغ في تقرير إثبات القضاء والقدر وردّ على أهل الجاهلية أباطيلهم أمره بأن يقول: ﴿ إنني هداني ربي ﴾ ليعلم أن الهداية لا تحصل إلا بالله عز وجل.

﴿ وقيماً ﴾ "فيعل" من قام كسيد من ساد.

ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى أنه مصدر بمعنى القيام كالصغر والكبر وصف به للمبالغة و ﴿ ملة إبراهيم ﴾ عطف بيان و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من إبراهيم أو من الملة، والمعنى هداني وعرفني ملة إبراهيم حال كونه أو كونها موصوفاً بالحنيفية.

ثم قال في صفة إبراهيم: ﴿ وما كان من المشركين ﴾ رداً على من زعم عليه شيئاً من ذلك.

ثم كما عرفه الدين القويم والطريق المستقيم علمه كيف يصنع به ويؤديه فقال: ﴿ قل إن صلاتي ونسكي ﴾ أي عبادتي وتقربي إليه كما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة.

وقيل: للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث.

وقيل: المراد بالنسك ههنا الذبائح جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر  ﴾ وقيل: صلاتي وحجي أخذاً من مناسك الحج.

﴿ ومحياي ومماتي ﴾ أي حياتي وموتي مصدران ميميان.

وقال في الكشاف: المراد وما آتيه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح.

وفيه أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل لا بد أن يكون جيمع حركات المرء وسكناته لله رب العالمين ﴿ وبذلك ﴾ من الإخلاص ﴿ أمرت وأنا أول المسلمين ﴾ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته.

وقال في التفسير الكبير: إنه  أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله  وتقديره وقضائه، وحكمه وذلك أن المحيا والممات بخلق الله فكذا الصلاة والنسك وبذلك من التوحيد أمرت، ثم لما أمر نبيه بالتوحيد المحض أمره أن يذكر ما يجري مجرى الدليل عليه فقال: ﴿ قل أغير الله أبغي رباً ﴾ وتقريره أن طوائف المشركين من عبدة الأصنام والكواكب ومن اليهود والنصارى والوثنية كلهم معترفون بأن الله  خالق الكل فكأنه  قال: قل يا محمد منكراً أغير الله أطلب رباً مع أن هؤلاء الذين اتخذوا من دونه آلهة مقرون بأنه خالق تلك الأشياء ولا يدخل في العقل جعل المربوب والعبد شريكاً للرب والمولى.

وبوجه آخر الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، وقد ثبت أن الواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته فهو إذن رب كل شيء، وصريح العقل شاهد بأن المربوب لا يكون شريكاً للرب فلا يختص إذن بالربوبية غيره.

ثم لما بين الدليل القاطع على التوحيد ذكر أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب فقال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ ومعناه أن إثم الجاني عليه لا على غيره ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم نفس أخرى وهذا كالرد لقولهم: ﴿ اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم  ﴾ ثم بين أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم هناك إلا الله  فقال: ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ ثم ختم السورة ببيان حال المبدإ والوسط والمعاد على سبيل الإجمال فقال ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ﴾ قيل: الخطاب لبني آدم لأنه جعلهم بحيث يخلف بعضهم بعضاً.

وقيل: لأمة محمد صلى الله عليه وآله لأنه خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم، وقيل: لخواص الأمة الذين هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها بالحق كقوله: ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس  ﴾ ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في الشرف والعقل والجاه والمال والرزق لا للعجز والبخل ولكن لأجل شبه الابتلاء والامتحان، ولظهور الموفر من المقصر وتميز المطيع من العاصي حسب ما تقتضيه الحكمة والعدالة والتدبير والتقدير.

ثم وصف نفسه بالقدرة الكاملة على إيصال العقاب وإيفاء الثواب فقال ﴿ إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ فأدخل اللام في قرينة الترغيب وأسقطها عن قرينة الترهيب ترجيحاً لجانب الرحمة والغفران فإن اللطف والرحمة تفيض عنه بالذات والقهر والتعذيب يصدر عنه بالعرض لأن ذلك من ضروريات الملك ولهذا قال "سبقت رحمتي غضبي" وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت قريب.

وإنما لم يسقط اللام عن قرينة العقاب في سورة الأعراف في قصة أصحاب السبت لأن ذلك قد ورد عقيب ذكر المسخ فناسب التأكيد باللام، وإنما أخر قرينة الرحمة في الموضعين ليقع ختم الكلام على المغفرة والرحمة فيكون أدل على كمال رأفته ووفور إحسانه.

التأويل: ﴿ من إملاق ﴾ فيه ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله ﴿ وأوفوا الكيل ﴾ أوفوا بكيل العمر وميزان الشرع حقوق الربوبية واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الألوهية.

﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ بأن لا تعبدوا ولا تحبوا ولا تروا إلا إياه ﴿ وإن هذا صراطي مستقيماً ﴾ إشارة إلى أن الصراط المستقيم الحقيقي إلى الله  هو صراط محمد  ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ أي على من أحسن من أمتك إسلامه.

وفيه أن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء كانت تتمة للدين الحنيفي الذي هو الإسلام، ولهذا أمر بأن يقتدى بالأنبياء ليجمع بين هداه وهداهم.

ويحتمل أن يراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وآله والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ﴿ أنزلناه مبارك ﴾ وبركته أنه أنزل على قلبه فكان خلقه القرآن ﴿ فقد جاءكم بينة ﴾ ما يبين لكم طريق السير إلى الله ومهدي ما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاء في الكتابين ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ عياناً وتسوقيهم إلى الله قهراً والجاء ﴿ أو يأتي ربك ﴾ إليهم إذ لم يأتوا إليه في متابعتك ﴿ قل انتظروا ﴾ للمستحيلات ﴿ إنا منتظرون ﴾ للميعاد في المعاد ﴿ إن الذين فارقوا ﴾ الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان ﴿ وكانوا شيعاً ﴾ فرقاً مختلفة من المبتدعة والزنادقة والمتزيدة رياء وسمعة وعلماء السوء وملحدة المتفلسفة ﴿ لست منهم في شيء ﴾ لأنك على الحق وهم على الباطل وبينهما تضاد إنما أمرهم إلى الله في بدء الخلقة وقسم الاستعداد كما شاء ﴿ ثم ينبئهم ﴾ يوم الجزاء بما يستحقه كل منهم ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ قبل ذلك حتى يقدر على الإتيان بتلك الحسنة وهي حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد حيث خلقه في أحسن تقويم، وحسنة التربية وحسنة الرزق وحسنة بعثة الرسل وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات من السيئات، وحسنة التوفيق للحسنة وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات ﴿ ومن جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها ﴾ لأن السيئة بذر يزرع في أرض النفس والنفس خبيثة لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يزرع في أرض القلب والقلب طيب ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً  ﴾ والتحقيق أنه كما للأعداد ثلاث مراتب الآحاد والعشرات والمئات وبعد ذلك تكون الألوف إلى حيث لا يتناهى، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس والقلب والروح والسر.

فالعمل الواحد في مرتبة النفس أي إذا صدر عنها يكون واحداً، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها، وفي مرتبة الروح يكون بمائة، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى، وهذا سر ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت جزاء الحسنات والله  أعلم ورسوله.

﴿ قل إنني هداني ربي ﴾ من أسفل سافلين القالب بجذبه العناية الأزلية ﴿ ونسكي ﴾ أي سيري على منهاج "الصلاة معراج المؤمن" ﴿ ومحياي ﴾ أي حياة قلبي وروحي ﴿ ومماتي ﴾ أي موت نفسي لطلب ﴿ رب العالمين ﴾ والوصول إليه ﴿ وأنا أول ﴾ المستسلمين عند الإيجاد لأمر "كن" كما قال: "أول ما خلق الله نوري".

﴿ قل أغير الله ﴾ كيف أطلب غير الله وهو حبيبي والمحب لا يطلب إلا الحبيب وإذا هو رب كل شيء فيكون ما له لي، وإن طلبت غيره دونه يكون ذلك الغير علي لا لي كما قال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ لأن النفس أمارة بالسوء والسوء عليها لا لها ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ فإن كان القلب سليماً من كدورات صفات النفس باقياً على ما جبل عليه من حب الله  وطلبه لا يؤاخذ بمعاملة النفس ولا يتألم بعذابها وإنما تكون النفس فقط مأخوذة بوزرها معاقبة بما هي أهله، وإن كان القلب منقلب الحال وأزاغه الله  بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فتصدأ مرآة القلب بصفات النفس وأخلاقها فيتبع النفس وهواها فيزول عنه الصفاء والطهارة والسلامة والذكر والفكر والتوحيد والإيمان والتوكل والصدق والإخلاص ورعاية وظائف العبودية فيكون مأخوذاً بوزره لا بوزر غيره ﴿ وهو الذي جعل ﴾ كل واحد من بني آدم وقته خليفة ربه في الأرض.

وسر الخلافة أن صوره على صفات نفسه حياً قيوماً سميعاً بصيراً عالماً قادراً مريداً متكلماً ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في استعداد الخلافة ﴿ ليبلوكم ﴾ ليظهر من المتخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع القهقرى إلى صفات البهائم وأبطل الاستعداد للخلافة بالختم والطبع والحبس في سجين الطبيعة ﴿ لغفور رحيم ﴾ لمن وفقه لمرضاته ورفع درجاته الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً ﴾ .

اختلف فيه؛ قال الحسن: قوله: ﴿ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ ﴾ ، أي: من أحسن صحبته، تمت نعمة الله وكرامته عليه في الآخرة.

وقيل: ﴿ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ ﴾ ، يعني: على المحسنين والمؤمنين، و "على" بمعنى: للذي أحسن وللذي آمن، ويجوز "على" في موضع اللام؛ كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ ، أي: للنصب.

وقتادة قال: فمن أحسن فيما آتاه الله، تمت عليه كرامة الله في جنته ورضوانه، ومن لم يحسن فيما آتاه الله، نزع الله ما في يده، ثم أتى الله ولا عذر له.

وقال أبو بكر الكيساني في قوله: ﴿ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ ﴾ : أي: ثم آتيناكم من الحجج والبيان تماماً من موسى وكتابه، أي: موسى وكتابه مصدق وموافق لما أعطاكم؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً...

﴾ الآية [هود: 17].

ويحتمل: تمام ما ذكرنا تماماً بالنعمة والكرامة.

ويحتمل: تماماً بالحجة والبيان، وتماماً بالحكمة والعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ ﴾ .

أي: للذي أحسن.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (تماماً وعلى الذي أحسن وتفصيلاً لكل شيء)، أي: تبياناً لكل شيء، وهدى من الضلال والشبهات، ونعمة، ورحمة من العذاب والعقاب.

﴿ لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

أي: ليكونوا بلقاء ربهم يؤمنون؛ هو على التحقيق.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ ﴾ يقول: أتم له الكتاب على أحسنه على الذي بلغ من رسالته، وتفصيل كل شيء: بيان كل شيء ﴿ وَهُدًى ﴾ ، أي: تبياناً من الضلالة ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ ، أي: نعمة، ﴿ لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أي: بالبعث بعد الموت، ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أي: ليكونوا مؤمنين بالبعث.

ومنهم من يقول في قوله: ﴿ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ ﴾ : إنه وإن أتى بحرف الترتيب، فإنه على الإخبار؛ كأنه قال: ثم قد كنا آتينا موسى الكتاب تماماً، معناه: وقد آتيناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ ﴾ يعني: القرآن أنزلناه.

﴿ مُبَارَكٌ ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: البركة هي التي من تمسك بها أوصلته إلى كل خير وعصمته من كل شرّ، وهو المبارك.

وقال الحسن: هو المبارك لمن أخذه واتبعه وعمل به، فهو مبارك له، وسمّي هذا القرآن مباركاً؛ لما يبارك فيه لمن اتبعه، هو مبارك لمتبعه والعامل به، وإلا من لم يتبعه فليس هو بمبارك له، بل هو عليه شدة ورجس؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ ، فهو ما ذكرنا مبارك لمن اتبعه وتمسك به، وسمي مجيداً - أيضاً - وكريماً لمن اتبعه يصير مجيداً كريماً، وكذلك سمي روحاً ووحياً؛ لما يحيا به من اتبعه.

وأصل البركة: هو أن ينتفع بشيء على غير تبعة، فهو البركة؛ وعلى ذلك يخرج قول الناس بعضهم لبعض: بارك الله لك في كذا، أي: جعل لك فيه منافع لا تبعة عليك فيه؛ فعلى هذا يجيء أن يكون القرآن مباركاً بكسر الراء، لكن قيل: مبارك؛ لانتفاع الناس به.

والبركة تحتمل وجهين: أحدهما: اسم لكل خير يكون أبداً على النماء والزيادة.

والثاني: اسم لكل منفعة لا تبعة عليه [فيها] ولا مؤنة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ ﴾ .

أي: اتبعوا إشاراته، [....] [ ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ أي: اتقوا مخالفته ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ ؛ أي: لكي ترحموا، من اتبع أوامره وإشاراته واتقى] نواهيه ومحارمه رُحِمَ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا  ﴾ .

قال أهل التأويل: أنزل الكتاب على الطائفتين: اليهود والنصارى، ومن أنزل الكتاب على اليهود والنصارى إنما أنزله على المسلمين، لكن المعنى - والله أعلم -: إنما أنزل الكتاب على طائفتين، أي: إنما [يظهر نزول الكتاب التوراة والإنجيل] عند الخلق بطائفتين من قبلنا سموا يهود ونصارى بالتوراة والإنجيل، وإلا لم يكن وقت نزول التوراة يهود، و [لا وقت] نزول الإنجيل نصارى.

ثم قوله: ﴿ أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ ﴾ لئلا تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ولم ينزل علينا.

ويجوز "أن" بمعنى "لن"، أي: لن تقولوا: إنما أنزل الكتاب؛ كقوله: ﴿ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ  ﴾ أي: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ﴾ .

أي: وقد كنا عن دراستهم لغافلين، ويجيء أن يكون عن دراستها؛ لأنها دراسة الكتب، لكن أضيف إليهم، أي: أولئك القوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ ﴾ .

هو على ما ذكرنا لئلا تقولوا: لو أنا أنزل علينا الكتاب.

﴿ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

أنزل الله - عز وجل - هذا القرآن؛ قطعاً لحجاجهم، ومنعاً لعذرهم، وإن لم يكن لهم الحجاج والعذر، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ ، لا يكون لهم حجة على الله، وإن لم ينزل الرسل والكتب.

ثم يحتمل عذر هؤلاء أن يقولوا: إنما أنزل الكتاب بلسانهم، لم ينزل بلساننا، ونحن لا نعرف لسانهم، وكنا عن دراستهم لغافلين، ولو كان لهم العذر والاحتجاج بهذا، لكان للعجم الاحتجاج والعذر في ترك اتباع القرآن؛ لما لم ينزل بلسان العجم، ولم يعرفوا هم لسانهم، أعني: لسان العرب، ثم لم يكن للعجم الاحتجاج بذلك؛ لما جعل لهم سبيل الوصول إلى معرفته؛ فعلى ذلك لا عذر للعرب في ترك اتباع ما في الكتب التي أنزلت بغير لسانهم؛ لما في وسعهم الوصول إلى معرفتها، والتعلم منهم، والأخذ عنهم، وهذا يدل على أنه يجوز التكليف بأشياء ليست معهم أسبابها، بعد أن جعل لهم سبيل الوصول إلى تلك الأسباب.

والثاني: من احتجاجهم أن يقولوا: إن اليهود والنصارى قد اختلفت وتفرقت تفرقاً لا اجتماع بينهم أبداً، فكيف نتبعهم في ذلك؟!

فيقال: إن مذاهبهم وكتبهم إنما تفرقت بهم وبقولهم، فقد أنزل من الحجج والبيان ما يعرف ذلك الذي تفرق بهم، فلا حجة لهم في ذلك؛ وهذا كقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا  ﴾ وقد جاءتهم آيات فلم يؤمنوا [بها]؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا  ﴾ وقوله: ﴿ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

وفي الآية دلالة على أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب؛ لأنهم لو كانوا أهل كتاب صار أهل الكتاب ثلاث طوائف، وقد أخبر أنه إنما أنزل الكتاب على طائفتين، وذلك محال.

فإن قيل: إنما هذا حكاية من الله -  - عن المشركين، قلنا: معناه - والله أعلم -: إني أنزلت عليكم الكتاب؛ لئلا تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، فلم يقولوا ذلك، ولكن الله قطع بإنزاله الكتاب حجتهم التي علم أنهم كانوا يحتجون بها لو لم ينزله، وإن لم يكن لهم في ذلك حجة ولا عذر، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

قيل: القرآن.

وقيل: محمد  .

﴿ وَهُدًى ﴾ .

أي: هدى من الضلالة وكل شبهة.

﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ .

أي: ذلك منه رحمة ونعمة.

﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: لا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله.

قيل: بآيات الله: حجج الله.

وقيل: دين الله، وقد ذكرناها في غير موضع.

وقد ذكرنا أن قوله: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ حرف استفهام في الظاهر، ولكن ذلك من الله على الإيجاب؛ كأنه قال: لا أحد أوحش ظلماً ممن كذب بآيات الله وصدف عنها [وقوله: ﴿ وَصَدَفَ عَنْهَا ﴾ أي أعرض عنها ﴿ سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ ﴾ يعرضون ويبدلون...

الآية ظاهرة].

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ...

﴾ .

قال أهل التأويل: ما ينظرون، وحرف "هل" هو حرف استفهام وتعجب، لكن أهل التأويل قالوا: ما ينظرون، حملوا على الجواب؛ لأنه لم يخرج له جواب، فجوابه ما قالوا: ما ينظرون؛ كما [قالوا] في قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً  ﴾ ، أي: لا أحد أظلم ممن كذب، هو جواب؛ لأن جوابه لم يخرج، فجوابه ما قالوا: لا أحد أظلم؛ لأنه سؤال واستفهام، فجوابه ما ذكروا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ ﴾ هو استفهام ولم يخرج له الجواب، فجوابه: لا ينظرون؛ كقوله: ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً  ﴾ .

ثم قوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - يشبه أن تكون الآية في المعاندين منهم والمتمردين، الذين همتهم العناد والتعنت، خرج على إياس رسول الله  ، من أولئك الكفرة، وكان رسول الله  حريصاً على إيمانهم مشفقاً على أنفسهم؛ حتى كادت نفسه تذهب حسرات عليهم؛ حرصاً على إيمانهم وإشفاقاً على أنفسهم؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...

﴾ الآية [الكهف: 6]، ونحوه، فآيسه الله -  - عن إيمان أولئك الكفرة؛ لئلا يطمع في إيمانهم وإسلامهم بعد ذلك، ولا تذهب نفسه حسرات عليهم؛ ليتخذهم أعداء ويبغضهم، ويخرج الشفقة التي في قلبه لهم، وليتأهب لعدوانهم، ويتبرأ منهم؛ كما فعل إبراهيم: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ  ﴾ ، وكما قال لنوح: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ  ﴾ : آيسه الله عن إيمان قومه إلا من قد آمن، ونهاه أن يحزن عليهم [وعلى فوت إيمانهم؛ فعلى ذلك هذا آيس رسول الله  عن إيمانهم]، ونهاه أن يحزن عليهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، إلى الوقت الذي ذكر أنهم يؤمنون في ذلك الوقت، وهو وقت نزول الملائكة وإتيانهم بآياتهم، وهو قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ  ﴾ .

ثم قال بعضهم: تأتيهم الملائكة بقبض الأرواح مع اللعن والسخط؛ فعند ذلك يؤمنون بالله.

وقال بعضهم قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ﴾ يوم القيامة، وهو كقوله: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ .

على إضمار الأمر؛ كأنه قال: أو يأتي أمر ربك؛ على ما ذكر في سورة النحل: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ  ﴾ .

ثم الأمر فيه عذاب الله؛ كقوله -  -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا  ﴾ ، يعني: عذابنا؛ فعلى ذلك في هذا: أمر الله عذاب الله، والأصل فيما أضيف إلى الله في موضع الوعيد لا يراد به الذات، ولكن يراد به نقمته وعذابه [وعقوبته]؛ كقوله: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ  ﴾ لا يريد به [ذاته]، ولكن يريد به [نقمته] وعذابه؛ كقوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ  ﴾ ، لا يريد به [لقاء] ذاته؛ [وكذلك قوله: ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ  ﴾ ، ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ  ﴾ ، وغيرها من الآيات، لا يراد به ذاته] ولكن يراد به عذابه ونقمته.

أو نقول: إن كل شيء يراد به تعظيمه، يضاف إلى الله -  - فيراد به تعظيم ذلك الشيء، أو تعظيم عذابه ونقمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ ﴾ : يحتمل بعض آياته ما قال - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ...

﴾ \[الآية\] [غافر: 84].

كقوله ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 24].

وكقوله: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ الآية [المعارج: 1]، ونحوه من الآيات، يؤمنون عند معاينتهم العذاب، ولا ينفعهم الإيمان [في ذلك الوقت].

ويحتمل ما قال أهل التأويل: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، وخروج الدابة، وعلى ذلك روي عن رسول الله  قال: "ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً" ، [وقال] أبو هريرة -  -: إن النبي  قال: "بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، وخويصة أحدكم، وأمر العامة" ، وخويصة أحدكم: الموت، وأمر العامة: الساعة إذا قامت.

وعن ابن مسعود -  - قال: "التوبة معروضة حتى تطلع الشمس من مغربها" ، ثم قال: "مهما يأتِ عليكم عام [إلا والآخر] شر" ونحوه من الأخبار.

فإن ثبتت هذه الأخبار فهي المعتمدة.

وعن عائشة -  ا - قالت: "إذا خرج أول الآيات، طرحت الأقلام، وجست الخطبة، وشهدت الأجساد على الأعمال" وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْل ﴾ .

أخبر أن الإيمان لا ينفع في ذلك الوقت؛ لأنه ليس بإيمان اختيار في الحقيقة؛ إنما [هو] إيمان دفع العذاب والبأس عن أنفسهم؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ  ﴾ أخبر أنهم لو ردوا إلى الدنيا، لعادوا إلى تكذيبهم الرسل وكفرهم بالله؛ فدل أن إيمانهم في ذلك الوقت إيمان دفع العذاب والبأس وإيمان خوف، وهو كإيمان فرعون؛ حيث قال: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ  ﴾ ، لم ينفعه إيمانه في ذلك [الوقت]؛ لأنه إيمان دفع الهلاك عن نفسه، لا إيمان حقيقة باختيار.

والثاني: أنه في ذلك الوقت - وقت نزول العذاب - لا يقدر أن يستدل بالشاهد على الغائب؛ ليكون قوله قولا عن معرفة وعلم، وإنما هو قول يقوله بلسانه لا عن معرفة في قلبه [فلم ينفعه إيمانه] في ذلك الوقت؛ لما ذكرنا، وهو كقوله: ﴿ وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ  ﴾ ؛ لأنه إيمان دفع البأس والعذاب، أو يبالغ بالاجتهاد؛ حتى يكون إيمانه إيماناً باجتهاد؛ لذلك كان ما ذكرنا.

أو أن يكون في طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، ودابة الأرض، وما ذكر من البلاء والشدة والعذاب ما يضطرهم إلى الإيمان به؛ فيكون إيمانهم إيمان اضطرار لا اختيار.

ويشبه أن تكون [الأخبار] التي رويت عن النبي  أنه لا تقبل التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها، وبعد خروج الدجال ودابة الأرض، أي: لا يثابون على طاعتهم، وإلا فمن البعيد أن يدعوا إلى الإيمان والطاعات، ثم إذا أتوا بها لم تقبل منهم، لكنه يحتمل ما ذكرنا [بألا]: لا يثابوا على ذلك، ويعاقبوا ما كان منهم [من] الكفر وكفران النعم؛ لأن جهة وجوب الثواب إفضال وإحسان، وفي الحكمة ترك الإفضال بالثواب في الطاعات إذا كان من الله - عز وجل - من النعم ما يكون ذلك شكراً له، والعقاب على الكفر مما توجبه الحكمة؛ لذلك كان ما ذكرنا [واحداً]؛ [ولهذا] يخرج قول أبي حنيفة -  - حيث قال: لا ثواب للجن على طاعتهم؛ لأن طريق وجوبه الإفضال ولم يذكر [لهم] ذلك، ويعاقبون بما كان منهم من الكفران والإجرام؛ لما ذكرنا من المعنى الذي وصفنا، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا ﴾ .

عند معاينة العذاب والبأس والآيات؛ إذا لم تكن آمنت من قبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً ﴾ .

أي: لا ينفع ذا إلا بذا: إذا عملت خيراً ولم تكن آمنت لا ينفعها ذلك، ولم ينفعها إيمان عند معاينة العذاب والآيات، إذا لم تكن كسبت قبل ذلك خيراً.

وقيل: قوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً ﴾ ، أي: لا ينفع نفساً إيمانها إذا لم تعزم ألا ترتد ولا ترجع عنه أبداً.

وقيل: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: لا ينفع نفساً إيمانها، [ ﴿ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً ﴾ أي:] وكسبت في تصديقها التعظيم لله والإجلال؛ فعند ذلك تنفع صاحبها؛ لأنه لا كل تصديق يكون فيه التعظيم له والإجلال [ينفي التعظيم والإجلال] إذا لم يكن من التعظيم له.

وقيل: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً ﴾ ، أي: لم تكن عملت في تصديقها خيراً قبل معاينة الآيات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾ ، هو يخرج على الوعيد، أي: انتظروا إحدى هذه الثلاث التي ذكرنا؛ فإنا منتظرون، وهو كقوله: ﴿ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ  ﴾ ، وانتظروا العذاب؛ فإنا منتظرون بكم ذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما ينتظر المكذبون إلا أن يأتيهم ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم في الدنيا، أو يأتي ربك يوم الفصل في الآخرة -أيها الرسول- لفصل القضاء بينهم، أو يأتي بعض آيات ربك الدالة على الساعة، يوم يأتي بعض آيات ربك -كطلوع الشمس من مغربها- لا ينفع كافرًا إيمانه، ولا ينفع مؤمنًا لم يعمل خيرًا من قبله عملُه، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: انتظروا أحد هذه الأشياء، إنا منتظرون.

<div class="verse-tafsir" id="91.A3qNM"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل