الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٥٩ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 93 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال مجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، والسدي : نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى .
وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فتفرقوا .
فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنزل : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) الآية .
وقال ابن جرير : حدثني سعد بن عمرو السكوني ، حدثنا بقية بن الوليد : كتب إلي عباد بن كثير ، حدثني ليث ، عن طاوس ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن في هذه الأمة ( الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) وليسوا منك ، هم أهل البدع ، وأهل الشبهات ، وأهل الضلالة ، من هذه الأمة " لكن هذا الإسناد لا يصح ، فإن عباد بن كثير متروك الحديث ، ولم يختلق هذا الحديث ، ولكنه وهم في رفعه .
فإنه رواه سفيان الثوري ، عن ليث - وهو ابن أبي سليم - عن طاوس ، عن أبي هريرة ، في قوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) قال : نزلت في هذه الأمة .
وقال أبو غالب ، عن أبي أمامة ، في قوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) قال : هم الخوارج .
وروي عنه مرفوعا ، ولا يصح .
وقال شعبة ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن شريح ، عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) قال : " هم أصحاب البدع " .
وهذا رواه ابن مردويه ، وهو غريب أيضا ولا يصح رفعه .
والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له ، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق ، فمن اختلف فيه ( وكانوا شيعا ) أي : فرقا كأهل الملل والنحل - وهي الأهواء والضلالات - فالله قد برأ رسوله مما هم فيه .
وهذه الآية كقوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) الآية [ الشورى : 13 ] ، وفي الحديث : " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ، ديننا واحد " فهذا هو الصراط المستقيم ، وهو ما جاءت به الرسل ، من عبادة الله وحده لا شريك له ، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر ، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء ، الرسل برآء منها ، كما قال : ( لست منهم في شيء ) .
وقوله : ( إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) كقوله ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ) [ الحج : 17 ] ، ثم بين فضله يوم القيامة في حكمه وعدله فقال :
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) قال أبو جعفر: اختلف القرأة في قراءة قوله: (فرقوا) .
فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه, ما: 14252- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن عمرو بن دينار, أن عليًّا رضي الله عنه قرأ: " إنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ" .
14253- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير قال، قال حمزة الزيات: قرأها علي رضي الله عنه: " فَارَقُوا دِينَهُمْ" .
14254- .
.
.
وقال، حدثنا الحسن بن علي, عن سفيان, عن قتادة: " فَارَقُوا دِينَهُمْ".
* * * وكأن عليًّا ذهب بقوله: " فارقوا دينهم "، خرجوا فارتدوا عنه، من " المفارقة ".
* * * وقرأ ذلك عبد الله بن مسعود, كما:- 14255- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن رافع, عن زهير قال، حدثنا أبو إسحاق أن عبد الله كان يقرؤها: (فَرَّقوا دِينَهُمْ) .
* * * وعلى هذه القراءة = أعني قراءة عبد الله = قرأة المدينة والبصرة وعامة قرأة الكوفيين .
وكأنّ عبد الله تأوّل بقراءته ذلك كذلك: أن دين الله واحد, وهو دين إبراهيم الحنيفية المسلمة, ففرّق ذلك اليهود والنصارى, فتهوّد قومٌ وتنصَّر آخرون, فجعلوه شيعًا متفرقة .
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان, قد قرأت بكل واحدة منهما أئمة من القرأة, وهما متفقتا المعنى غير مختلفتيه .
وذلك أن كل ضالّ فلدينه مفارق, وقد فرَّق الأحزابُ دينَ الله الذي ارتضاه لعباده, فتهود بعض وتنصر آخرون, وتمجس بعض.
وذلك هو " التفريق " بعينه، ومصير أهله شيعًا متفرقين غير مجتمعين, فهم لدين الله الحقِّ مفارقون، وله مفرِّقون.
(52) فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فهو للحق مصيب, غير أني أختار القراءة بالذي عليه عُظْم القرأة, وذلك تشديد " الراء " من " فرقوا " .
* * * ثم اختلف أهل التأويل في المعنيين بقوله: (إن الذين فرّقوا دينهم).
فقال بعضهم: عنى بذلك اليهود والنصارى .
* ذكر من قال ذلك: 14256- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (وكانوا شيعًا)، قال: يهود .
14257- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .
14258- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (فرقوا دينهم)، قال: هم اليهود والنصارى.
14259- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا)، من اليهود والنصارى.
14260- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)، هؤلاء اليهود والنصارى .
وأما قوله: (فارقوا دينهم)، فيقول: تركوا دينهم وكانوا شيعًا .
(53) 14261- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا)، وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يبعث محمد، فتفرقوا.
فلما بعث محمد أنـزل الله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) .
14262- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا)، يعني اليهود والنصارى .
14263- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي, عن شيبان, عن قتادة: " فارقوا دينهم "، قال: هم اليهود والنصارى .
* * * وقال آخرون: عنى بذلك أهلَ البدع من هذه الأمة، الذين اتبعوا متشابه القرآن دون محكمه .
* ذكر من قال ذلك: 14264- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن ليث, عن طاوس, عن أبي هريرة قال: (إن الذين فرقوا دينهم)، قال: نـزلت هذه الآية في هذه الأمة .
(54) 14265- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ليث, عن طاوس, عن أبي هريرة: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا)، قال: هم أهل الصلاة .
(55) 14266- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد قال: كتب إليّ عباد بن كثير قال، حدثني ليث, عن طاوس, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في هذه الآية: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)، وليسوا منك, هم أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة .
(56) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه بريء ممن فارق دينه الحق وفرقه, وكانوا فرقًا فيه وأحزابًا شيعًا, وأنه ليس منهم.
ولا هم منه، لأن دينه الذي بعثه الله به هو الإسلام، دين إبراهيم الحنيفية، كما قال له ربه وأمره أن يقول: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة الأنعام: 161].
فكان من فارق دينه الذي بعث به صلى الله عليه وسلم من مشرك ووثنيّ ويهودي ونصرانيّ ومتحنِّف مبتدع قد ابتدع في الدين ما ضلّ به عن الصراط المستقيم والدين القيم ملة إبراهيم المسلم, فهو بريء من محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد منه بريء, وهو داخل في عموم قوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) .
* * * وأما قوله: (لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله)، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: نـزلت هذه الآية على نبيّ الله بالأمر بترك قتال المشركين قبل وُجوب فرض قتالهم, ثم نسخها الأمر بقتالهم في" سورة براءة ", وذلك قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .[ سورة التوبة: 5].
* ذكر من قال ذلك: 14267- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله)، لم يؤمر بقتالهم, ثم نسخت, فأمر بقتالهم في" سورة براءة " .
* * * وقال آخرون: بل نـزلت على النبي صلى الله عليه وسلم إعلامًا من الله له أنَّ من أمته من يُحْدث بعده في دينه.
وليست بمنسوخة, لأنها خبرٌ لا أمر, والنسخ إنما يكون في الأمر والنهي .
* ذكر من قال ذلك: 14268- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا مالك بن مغول, عن علي بن الأقمر, عن أبي الأحوص, أنه تلا هذه الآية: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)، ثم يقول: بريء نبيكم صلى الله عليه وسلم منهم .
(57) 14269- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي وابن إدريس وأبو أسامة ويحيى بن آدم, عن مالك بن مغول, بنحوه .
14270- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا شجاع أبو بدر, عن عمرو بن قيس الملائي قال، قالت أم سلمة: ليتّق امرؤ أن لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء !
ثم قرأت: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) = قال عمرو بن قيس: قالها مُرَّة الطيِّب، وتلا هذه الآية .
(58) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قوله: (لست منهم في شيء)، إعلام من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه من مبتدعة أمته الملحدة في دينه بريء, ومن الأحزاب من مشركي قومه، ومن اليهود والنصارى .
وليس في إعلامه ذلك ما يوجب أن يكون نهاه عن قتالهم, لأنه غير محال أن في الكلام: " لست من دين اليهود والنصارى في شيء فقاتلهم.
فإن أمرهم إلى الله في أن يتفضل على من شاء منهم فيتوب عليه, ويهلك من أراد إهلاكه منهم كافرًا فيقبض روحه, أو يقتله بيدك على كفره, ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون عند مقدَمهم عليه ".
وإذ كان غير مستحيل اجتماع الأمر بقتالهم, وقوله: (لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله)، ولم يكن في الآية دليلٌ واضح على أنها منسوخة، ولا ورد بأنها منسوخة عن الرسول خبرٌ = كان غير جائز أن يُقْضَى عليها بأنها منسوخة، حتى تقوم حجةٌ موجبةٌ صحةَ القول بذلك، لما قد بينا من أن المنسوخ هو ما لم يجز اجتماعه وناسخه في حال واحدة، في كتابنا كتاب: " اللطيف عن أصول الأحكام " .
(59) * * * وأما قوله: (إنما أمرهم إلى الله)، فإنه يقول: أنا الذي إليَّ أمر هؤلاء المشركين الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعًا, والمبتدعة من أمتك الذين ضلوا عن سبيلك, دونك ودون كل أحد.
إما بالعقوبة إن أقاموا على ضلالتهم وفُرْقتهم دينهم فأهلكهم بها, وإما بالعفو عنهم بالتوبة عليهم والتفضل مني عليهم =(ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون)، (60) يقول: ثم أخبرهم في الآخرة عند ورودهم عليَّ يوم القيامة بما كانوا يفعلون، فأجازي كلا منهم بما كانوا في الدنيا يفعلون, المحسنَ منهم بالإحسان، والمسيء بالإساءة .
ثم أخبر جل ثناؤه ما مبلغ جزائه من جازى منهم بالإحسان أو بالإساءة فقال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ .
-------------------- الهوامش : (51) في المطبوعة : (( لا ينفع كافرًا )) بغير واو ، والسياق يقتضي إثباتها .
(52) انظر تفسير (( الشيع )) فيما سلف 11 : 419 .
(53) في المطبوعة والمخطوطة : (( فرقوا )) في الموضعين ، والتفسير في الأثر ، يوجب أن تكون (( فارقوا )) كما أثبتها .
(54) الأثران : 14264 ، 14265 - إسنادهما صحيح إلى أبي هريرة ، موقوفًا ، وانظر التعليق على الأثر التالي .
(55) كان في المطبوعة : (( هم أهل الضلالة )) ، كما سيأتي في الأثر التالي ، غير أن المخطوطة واضحة هنا (( أهل الصلاة )) ، فأثبتها كما هي ، لأنها صحيحة المعنى ، أي أنها نزلت في المؤمنين من أهل القبلة .
(56) الأثر : 14266 - (( سعيد بن عمرو السكوني )) شيخ الطبري ، مضى برقم : 5563 ، 6521 .
و (( بقية بن الوليد الحمصي )) ، ثقة ، نعوا عليه بالتدليس ، مضى برقم : 152 ، 5563 ، 6521 ، 6899 ، 9224 .
و (( عباد بن كثير الرملي الفلسطيني )) ، ضعيف الحديث .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 85 .
وهذا الخبر مرفوعًا لا يصح ، وهو ضعيف الإسناد .
قال ابن كثير في تفسيره 3 : 438 : (( لكن هذا إسناد لا يصح ، فإن عباد بن كثير متروك الحديث .
ولم يختلق هذا الحديث ، ولكنه وهم في رفعه ، فإنه رواه سفيان الثوري عن ليث = وهو ابن أبي سليم = عن طاوس ، عن ابي هريرة في هذه الآية أنه قال : نزلت في هذه الأمة )) .
ولكن خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 22 ، 23 ، ثم قال : (( رواه الطبراني في الأوسط ، ورجاله رجال الصحيح ، غير معلل بن نفيل ، وهو ثقة )) .
وهكذا في مجمع الزوائد (( معلل بن نفيل )) ، وهو محرف بلا شك .
(57) الأثر : 14268 - (( مالك بن مغول البجلي ) ، ثقة : مضى برقم : 5431 ، 10872 و (( علي بن الأقمر الهمداني )) ، روى له الجماعة ، مضى برقم 11941 .
وهو إسناد صحيح .
(58) الأثر : 14270 - (( شجاع ، أبو بدر )) ، هو (( شجاع بن الوليد بن قيس السكوبي )) ثقة صدوق .
روى عنه أحمد .
مترجم في التهذيب .
(( عمرو بن قيس الملائي )) .
ثقة مضى مرارًا آخرها : 9646 .
وهذا إسناد منقطع ، (( عمرو بن قيس )) لم يدرك أم سلمة .
أما خبر (( مرة الطيب )) فهو (( مرة بن سراحيل الهمداني )) ، مضى مرارًا .
آخرها : 7539 وروايته هذه أيضًا منقطعة .
لأنه لم يدرك .
وخرج السيوطي في الدر المنثور 3 : 63 ، خبر أم سلمة .
ونسبة إلى ابن منيع في مسنده وأبي الشيخ ، وخرج خبر مرة الطيب ، ونسبه إلى ابن أبي حاتم .
(59) انظر ما سلف في (( الناسخ والمنسوخ )) 10: 333 تعليق: 1 والمراجع هناك واسم كتاب أبي جعفر هو ما أثبت ، ما ورد في 5 : 414 ، وكان هنا في المخطوطة والمطبوعة (( اللطيف عن أصول الأحكام )) ، وهو لا يستقيم .
(60) انظر تفسير (( النبأ )) فيما سلف ص : 37 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلونقوله تعالى إن الذين فرقوا دينهم قرأه حمزة والكسائي ( فارقوا ) بالألف ، وهي قراءة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ; من المفارقة والفراق .
على معنى أنهم تركوا دينهم وخرجوا عنه .
وكان علي يقول : والله ما فرقوه ولكن فارقوه .
وقرأ الباقون بالتشديد ; إلا النخعي فإنه قرأ ( فرقوا ) مخففا ; أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض .
والمراد اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك .
وقد وصفوا بالتفرق ; قال الله تعالى : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة .
وقال : ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله .
وقيل : عنى المشركين ، عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة .
وقيل : الآية عامة في جميع الكفار .
وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر الله عز وجل به فقد فرق دينه .
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية إن الذين فرقوا دينهم هم أهل البدع والشبهات ، وأهل الضلالة من هذه الأمة .
وروى بقية بن الوليد حدثنا شعبة بن الحجاج حدثنا مجالد عن الشعبي عن شريح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا إنما هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ، [ ص: 136 ] يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة وأنا بريء منهم وهم منا برآء .
وروى ليث بن أبي سليم عن طاوس عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( إن الذين فارقوا دينهم ) .ومعنى شيعا فرقا وأحزابا .
وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع .لست منهم في شيء فأوجب براءته منهم ; وهو كقوله عليه السلام : من غشنا فليس منا أي نحن برآء منه .
وقال الشاعر :إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست منيأي أنا أبرأ منك .
وموضع في شيء نصب على الحال من المضمر الذي في الخبر ; قاله أبو علي .
وقال الفراء هو على حذف مضاف .
المعنى : لست من عقابهم في شيء ، وإنما عليك الإنذار .إنما أمرهم إلى الله تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم .
يتوعد تعالى الذين فرقوا دينهم، أي: شتتوه وتفرقوا فيه، وكلٌّ أخذ لنفسه نصيبا من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئا، كاليهودية والنصرانية والمجوسية.
أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئا ويجعله دينه، ويدع مثله، أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة من أهل البدع والضلال والمفرقين للأُمة.
ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أهل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية.
وأمره أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم فقال: { لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } أي لست منهم وليسوا منك، لأنهم خالفوك وعاندوك.
{ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ } يردون إليه فيجازيهم بأعمالهم { ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }
قوله - عز وجل - : ( إن الذين فرقوا دينهم ) قرأ حمزة والكسائي : " فارقوا " ، بالألف هاهنا وفي سورة الروم ، أي : خرجوا من دينهم وتركوه وقرأ الآخرون : " فرقوا " مشددا ، أي : جعلوا دين الله وهو واحد - دين إبراهيم عليه السلام الحنيفية - أديانا مختلفة ، فتهود قوم وتنصر قوم ، يدل عليه قوله - عز وجل - : ( وكانوا شيعا ) أي : صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي .
وقيل : هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة .
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة : " يا عائشة إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة " .
حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن زياد الحنفي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الأنصاري أنا أبو عبد الله محمد بن عقيل بن الأزهري بن عقيل الفقيه البلخي أنا الرمادي أحمد بن منصور أنا الضحاك بن مخلد أنا ثور بن يزيد أنا خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية قال : " صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، وقال قائل : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا : فقال : " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا ، فإن من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة " .
وروي عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن بني إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين فرقة ، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة ، كلهم في النار إلا واحدة " ، قالوا : من هي يا رسول الله؟
قال : " ما أنا عليه وأصحابي " .
قال عبد الله بن مسعود : " فإن أحسن الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها " .
ورواه جابر مرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
قوله - عز وجل - : ( لست منهم في شيء ) قيل : لست من قتالهم في شيء ، نسختها آية القتال وهذا على قول من يقول : المراد في الآية اليهود والنصارى ، ومن قال : أراد بالآية أهل الأهواء قال : المراد من قوله : " لست منهم في شيء " أي أنت منهم بريء وهم منك برآء ، تقول العرب : إن فعلت كذا فلست مني ولست منك أي : كل واحد منا بريء من صاحبه ، ( إنما أمرهم إلى الله ) يعني : في الجزاء والمكافآت ، ( ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) إذا وردوا للقيامة .
«إن الذين فرَّقوا دينهم» باختلافهم فيه فأخذوا بعضه وتركوا بعضه «وكانوا شيعا» فرقا في ذلك، وفي قراءة فارقوا أي تركوا دينهم الذي أمروا به وهم اليهود والنصارى «لست منهم في شيء» أي فلا تتعرض لهم «إنما أمرهم إلى الله» يتولاه «ثم ينبِّئهم» في الآخرة «بما كانوا يفعلون» فيجازيهم به وهذا منسوخ بآيه السيف.
إن الذين فرقوا دينهم بعد ما كانوا مجتمعين على توحيد الله والعمل بشرعه، فأصبحوا فرقا وأحزابا، إنك -أيها الرسول- بريء منهم، إنما حكمهم إلى الله تعالى، ثم يخبرهم بأعمالهم، فيجازي من تاب منهم وأحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته.
ثم بين - سبحانه - أحوال الفرق الضالة بوجه عام فقال : { إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } .أى : إن الذين فرقوا دينهم بأن اختلفوا فيه مع وحدته فى نفسه فجعلوه أهواء متفرقة ، ومذاهب متباينة : { وَكَانُواْ شِيَعاً } أى فرقاً ونحلا تتبع كل فرقة إماماً لها على حسب أهوائها ومتعها ومنافعها بدون نظر إلى الحق .وقوله : { قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ } تهديد لهم .
أى : قل يا محمد لهؤلاء الكافرين : انتظروا ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة لتروا أى شىء تنتظرون ، فإنا منتظرون معكم لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة .ثم بين - سبحانه - أحوال الفرق الضالة بوجه عام فقال : { إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } .أى : إن الذين فرقوا دينهم بأن اختلفوا فيه مع وحدته فى نفسه فجعلوه أهواء متفرقة ، ومذاهب متباينة : { وَكَانُواْ شِيَعاً } أى فرقاً ونحلا تتبع كل فرقة إماماً لها على حسب أهوائها ومتعها ومنافعها بدون نظر إلى الحق .وقوله : { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } أى : أنت برىء منهم محمى الجناب عن مذاهبهم الباطلة ، وفرقهم الضالة .
أو لست من هدايتهم إلى التوحيد فى شىء إذ هم قد انطمست قلوبهم فأصبحوا لا يستجيبون لمن يدعوهم إلى الهدى .وقوله : { إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى الله } تعليل للنفى المذكور قبله أى : هو يتولى وحده أمرهم جميعاً ، ويدبره حسب ما تقتضيه حكمته ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون " .وقوله : { ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } أى : ثم يخبرهم يوم القيامة بما كانوا يفعلونه فى الدنيا من آثام وسيئات ، ويعاقبهم على ذلك بما يستحقونه من عقوبات .والآية الكريمة عامة فى كل من فارق تعاليم الإسلام سواء أكان مشركاً أو كتابياً ، ويندرج فيها أصحاب الفرق الباطلة والمذاهب الفاسدة فى كل زمان ومكان ، كالقاديانية ، والباطنية ، والبهائية ، وغير ذلك من أصحاب الأهواء والبدع والضلالات .قال ابن كثير : " والظاهر أن الآية عامة فى كل من فارق دين الله وكان مخالفاً له ، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق .فمن اختلف فيه { وَكَانُواْ شِيَعاً } أى : فرقا كأهل الأهواء والملل والنحر والضلالات ، فإن الله قد برأ رسوله منهم .
وهذه الآية كقوله تعالى : { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ }الاية .وفى الحديث : " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات .
ديننا واحد " فهذا هو الصراط المستقيم ، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده والتمسك بشريعة الرسول المتأخر ، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء ، والرسل برآء منها كما قال - تعالى - { لست منهم فى شىء } .
قرأ حمزة والكسائي ﴿ فارقوا ﴾ بالألف والباقون ﴿ فَرَّقُواْ ﴾ ومعنى القراءتين عند التحقيق واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وأنكر بعضاً، فقد فارقه في الحقيقة، وفي الآية أقوال: القول الأول: المراد سائر الملل.
قال ابن عباس: يريد المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويزعمون أنهم بنات الله، وبعضهم يعبدون الأصنام، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فهذا معنى فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، أي فرقاً وأحزاباً في الضلالة.
وقال مجاهد وقتادة: هم اليهود والنصارى، وذلك لأن النصارى تفرقوا فرقاً، وكفر بعضهم بعضاً، وكذلك اليهود، وهم أهل كتاب واحد، واليهود تكفر النصارى.
والقول الثاني: أن المراد من الآية أخذوا ببعض وتركوا بعضاً، كما قال تعالى: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ وقال أيضاً: ﴿ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ .
والقول الثالث: قال مجاهد: إن الذين فرقوا دينهم من هذه الأمة، هم أهل البدع والشبهات واعلم أن المراد من الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة، وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع وقوله: ﴿ لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيء ﴾ فيه قولان: الأول: أنت منهم بريء وهم منك برآء وتأويله: إنك بعيد عن أقوالهم ومذاهبهم، والعقاب اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم ولا يتعداهم.
والثاني: لست من قتالهم في شيء.
قال السدي: يقولون لم يؤمر بقتالهم، فلما أمر بقتالهم نسخ، وهذا بعيد، لأن المعنى لست من قتالهم في هذا الوقت في شيء، فورد الأمر بالقتال في وقت آخر لا يوجب النسخ.
ثم قال: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ﴾ أي فيما يتصل بالإمهال والإنظار، والاستئصال والإهلاك ﴿ ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ والمراد الوعيد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ ﴾ اختلفوا فيه كما اختلفت اليهود والنصارى.
وفي الحديث: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلاّ واحدة وهي الناجية، وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلاّ واحدة، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلاّ واحدة» وقيل: فرّقوا دينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.
وقرئ: ﴿ فارقوا دينهم ﴾ أي تركوه ﴿ وَكَانُواْ شِيَعاً ﴾ فرقاً كل فرقة تشيع إماماً لها ﴿ لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء ﴾ أي من السؤال عنهم وعن تفرّقهم.
وقيل: من عقابهم.
وقيل: هي منسوخة بآية السيف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ بَدَّدُوهُ فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، أوِ افْتَرَقُوا فِيهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً، وتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً» .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «فارَقُوا» أيْ بايَنُوا.
﴿ وَكانُوا شِيَعًا ﴾ فِرَقًا تُشَيِّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامًا.
﴿ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ ﴾ أيْ مِنَ السُّؤالِ عَنْهم وعَنْ تَفَرُّقِهِمْ، أوْ مِن عِقابِهِمْ، أوْ أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم.
وقِيلَ هو نَهْيٌ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهم وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
﴿ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ﴾ يَتَوَلّى جَزاءَهم.
﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ بِالعِقابِ.
﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ﴾ أيْ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالُها فَضْلًا مِنَ اللَّهِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ «عَشَرَةٌ» بِالتَّنْوِينِ وأمْثالُها بِالرَّفْعِ عَلى الوَصْفِ.
وهَذا أقَلُّ ما وعَدَ مِنَ الأضْعافِ وقَدْ جاءَ الوَعْدُ بِسَبْعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ وبِغَيْرِ حِسابٍ ولِذَلِكَ قِيلَ: المُرادُ بِالعَشْرِ الكَثْرَةُ دُونَ العَدَدِ.
﴿ وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها ﴾ قَضِيَّةً لِلْعَدْلِ.
﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ.
<div class="verse-tafsir"
{إن الذين فرقوا دينهم} اختلفوا فيه وصاروا فرقاً كما اختلفت اليهود والنصارى وفي الحديث افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها فى الهاوية إلا واحدة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي السواد الأعظم وفي رواية وهي ما أنا عليه وأصحابي وقيل فرقوا دينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض فارقوا دِينَهُمُ حمزة وعلي أي تركوا {وَكَانُواْ شِيَعاً} فرقاً كل فرقة تشيع إماماً لها {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} أي من السؤال عنهم وعن تفرقهم أو من عقابهم {إنما أمرهم إلى الله ثم يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} فيجازيهم على ذلك
﴿ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى أيْ بَدَّدُوا دَيْنَهم وبَعَّضُوهُ فَتَمَسَّكَ بِكُلِّ بَعْضٍ مِنهُ فِرْقَةٌ مِنهم وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( فارَقُوا ) بِالألِفِ أيْ بايَنُوا فَإنَّ تَرْكَ بَعْضِهِ وإنْ كانَ بِأْخْذِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ تَرْكُ الكُلِّ أوْ مُفارَقَةٌ لَهُ ﴿ وكانُوا شِيَعًا ﴾ أيْ فِرَقًا تُشَيِّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامًا وتَتْبَعُهُ أوْ تُقَوِّيهِ وتُظْهِرُ أمْرَهُ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً وافْتَرَقَتِ النَّصارى عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً وسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً» واسْتِثْناءُ الواحِدَةِ مِن فِرَقِ كُلٍّ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى العَصْرِ الماضِي قَبْلَ النَّسْخِ وأمّا بَعْدَهُ فالكُلُّ في الهاوِيَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أسْبابُ دُخُولِهِمْ ومِن غَرِيبِ ما وقَعَ أنَّ بَعْضَ مُتَعَصِّبِي الشِّيعَةِ الأمامِيَّةِ مِن أهْلِ زَمانِنا واسْمُهُ حَمَدٌ رَوى بَدَلَ إلّا واحِدَةً في هَذا الخَبَرِ إلّا فِرْقَةً وقالَ: إنَّ فِيهِ إشارَةً إلى نَجاةِ الشِّيعَةِ فَإنَّ عَدَدَ لَفْظِ فِرْقَةٍ بِالجُمَلِ وعَدَدَ لَفْظِ شِيعَةٍ سَواءٌ فَكَأنَّهُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إلّا الشِّيعَةَ والمَشْهُورُ بِهَذا العُنْوانِ هُمُ الشِّيعَةُ الإمامِيَّةُ فَقُلْتُ لَهُ بَعْدَ عِدَّةِ تَزْيِيفاتٍ لِكَلامِهِ: يَلْزَمُ هَذا النَّوْعُ مِنَ الإشارَةِ أنْ تَكُونَ كَلْبًا لِأنَّ عَدَدَ كَلْبٍ وعَدَدَ حَمَدٍ سَواءٌ فَأُلْقِمَ الكَلْبُ حَجَرًا.
﴿ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ ﴾ أيْ مِنَ السُّؤالِ عَنْهم والبَحْثِ عَنْ تَفَرُّقِهِمْ أوْ مِن عِقابِهِمْ أوْ أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا لِرَسُولِ اللَّهِ بِالعِصْمَةِ عَنْهم أيْ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ مِنَ الضَّرَرِ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ نُهِيَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِقِتالِهِمْ ثُمَّ نُسِخَ بِما في سُورَةِ بَراءَةٌ و( مِنهم ) في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّهُ صِفَةٌ نَكِرَةٌ قُدِّمَتْ عَلَيْها ﴿ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ أيْ هو يَتَوَلّى وحْدَهُ أمْرَ أُولاهم وآخِرَتِهِمْ ويُدَبِّرُهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وقِيلَ: المُفَرِّقُونَ أهْلُ البِدَعِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ وابْنُ مَرْدُوَيْهَ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا ﴾ ..
إلَخْ.
هم أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها يا عائِشُ إنَّ الَّذِينَ فارَقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا هم أصْحابُ البِدَعِ وأصْحابُ الأهْواءِ وأصْحابُ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ لَيْسَ لَهم تَوْبَةٌ وأنا مِنهم بَرِيءٌ وهم مُنِّيَ بُرَآءُ» فَيَكُونُ الكَلامُ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ حالِ المُبْتَدِعِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ إشارَةً إلى أنَّهم لَيْسُوا مِنهم بِبَعِيدٍ ولَعَلَّ جُمْلَةَ ﴿ إنَّما أمْرُهُمْ ﴾ ..
إلَخْ.
عَلى هَذا لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ وإنَّما هي لِلْوَعِيدِ عَلى ما فَعَلُوا أيْ أنَّ رُجُوعَهُمُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ (159) في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ بِالعِقابِ عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ قرأ حمزة والكسائي فارقوا دينهم بالألف يعني: تركوا دينهم الإسلام ودخلوا في اليهودية والنصرانية.
وقرأ الباقون فَرَّقُوا دِينَهُمْ يعني: آمنوا ببعض الرسل ولم يؤمنوا ببعض وَكانُوا شِيَعاً يعني: صاروا فرقاً مختلفة.
وروي عن أسباط عن السدي أنه قال: هؤلاء اليهود والنصارى تركوا دينهم وصاروا فرقاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أي: لم تؤمر بقتالهم ثم نسخ وأمر بقتالهم في سورة براءة.
وروى أبو أمامة الباهلي عن رسول الله أنه قال: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً إنَّهُمْ الخَوَارِجُ» .
وفي هذه الآية حثّ للمؤمنين على أن كلمة المؤمنين ينبغي أن تكون واحدة، وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع ما استطاعوا.
ثم قال: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ يقول: إنما عليك الرسالة وليس عليك القتال.
ثم قال تعالى: إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ يعني: الحكم إلى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ أي في الدنيا ويقال ليس بيدك توبتهم ولا عذابهم إنما أمرهم إلى الله تعالى، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
الشمْسِ من مغربها بدليلِ الَّتي بعدها.
قال ع «١» : ويصحُّ أن يريد سبحانه بقوله: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ جميعَ ما يُقْطَعُ بوقوعه من أشراط الساعة، ثم خصَّص سبحانه بعد ذلك بقوله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ الآيةَ التي ترتفع التوبةُ معها، وقد بيَّنت الأحاديثُ الصِّحاح في البخاريِّ ومسلمٍ أنها طلوع الشمس مِنْ مغربها، ومقْصِدُ الآية تهديدُ الكفَّار بأحوالٍ لا يخلُونَ منها، وقوله: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً يريد: جميعَ أعمال البرِّ، وهذا الفَصْل هو للعُصَاة من المؤمنين كما أن قوله: لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ هو للكافرين، / فالآية المشارُ إليها تقطع توبة الصّنفين، قال الداوديّ: قوله تعالى: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً، يريد أن النفس المؤمنة التي ارتكبت الكبائر لا تُقْبَلُ منها التوبة يومئذ، وتكونُ في مشيئة اللَّه تعالى كأن لم تَتُبْ، وعن عائشة (رضي اللَّه عنها) : إذا خرجَتْ أول الآيات، طُرِحَتِ الأقلامُ، وحُبِسَتِ الحَفَظَةُ، وشَهِدَتِ الأجساد على الأعمال.
انتهى.
وقوله سبحانه: قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ: لفظ يتضمّن الوعيد.
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، قال ابن عباس وغيره: المراد ب «الذين» اليهود والنصارى «٢» ، أي: فَرَّقوا دين إبراهيم، ووَصَفَهم ب «الشِّيَعِ» إذ كل طائفة منهم لها فرق واختلافات، ففي الآية حضٌّ للمؤمنين على الائتلاف وتركِ الاختلافِ، وقال أبو الأحْوَص وأم سلمة زوجُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: الآية في أهْل البدع والأهواء والفتنِ، ومَنْ جرى مجراهم من أمة نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم «٣» ، أي: فرّقوا دين
الإسلام، وقرأ حمزة «١» والكسائيُّ: «فارَقُوا» ، ومعناه: تركوا.
وقوله تعالى: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ: أي: لا تشفع لهم، ولا لهم بك تعلُّق، وهذا على الإطلاق في الكفَّار، وعلى جهة المبالغة في العُصَاة.
وقوله سبحانه: إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ...
الآية: وعيدٌ محضٌ، وقال السدي: هذه آية لم يؤمر فيها بقتالٍ، فهي منسوخة بالقتال «٢» .
قال ع «٣» : الآية خبر لا يدخله نسخٌ، ولكنها تضمَّنت بالمعنى أمراً بموادعةٍ، فيشبه أنْ يقال: إن النسخ وقع في ذلك المعنَى الذي قد تقرَّر نسخه في آيات أخرى.
وقوله سبحانه: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ...
الآية: قال ابن مسعود وغيره: بِالْحَسَنَةِ هنا: «لا إله إلا الله» ، وبِالسَّيِّئَةِ: الكفر «٤» .
قال ع «٥» : وهذه هي الغاية من الطرفَيْنِ، وقالت فرقة: ذلك لفظٌ عامٌّ في جميع الحسناتِ والسيئاتِ، وهذا هو الظاهر، وتقديرُ الآية: مَنْ جاء بالحسنة، فله ثوابُ عَشْرِ أمثالها، وقرأ «٦» يعقوبُ وغيره: «فَلَهُ عَشْرٌ» - بالتنوين- «أَمْثَالُهَا» - بالرفع-.
وقوله تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ...
الآية: في غاية الوضوح والبيان، وقِيَماً: نعت للدّين، ومعناه: مستقيما، ومِلَّةَ:
بدل من الدّين.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، " فَرَّقُوا " مُشَدَّدَةً.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " فارَقُوا " بِألِفٍ.
وكَذَلِكَ قَرَؤُوا في [الرُّومِ:٣٢]؛ فَمَن قَرَأ:" فَرَّقُوا " أرادَ: آَمَنُوا بِبَعْضٍ، وكَفَرُوا بِبَعْضٍ.
ومَن قَرَأ: " فارَقُوا" أرادَ: بايِنُوا.
وفي المُشارِ إلَيْهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ؛ والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: اليَهُودُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: جَمِيعُ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ، دِينُهُمُ: الكُفْرُ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا، وعَلى ما قَبْلَهُ، دِينُهُمُ: الَّذِي أمَرَهُمُ اللهُ بِهِ.
والشِّيَعُ: الفِرَقُ والأحْزابُ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "شَيَّعْتُ" في اللُّغَةِ: اتَّبَعْتُ.
والعَرَبُ تَقُولُ: شاعَكُمُ السَّلامُ، وأشاعَكم، أيْ: تَبِعَكم.
قالَ الشّاعِرُ: ألّا يا نَخْلَةً مِن ذاتِ عِرْقٍ بُرُودِ الظِّلِّ شاعَكُمُ السَّلامُ وَتَقُولُ: أتَيْتُكَ غَدًا، أوْ شِيعَةً، أيْ: أوِ اليَوْمَ الَّذِي يَتْبَعُهُ.
فَمَعْنى الشِّيعَةِ: الَّذِينَ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَيْسَ كُلُّهم مُتَّفِقِينَ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَسْتَ مِن قِتالِهِمْ في شَيْءٍ؛ ثُمَّ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا مَذْهَبُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: لَسْتَ مِنهم، أيْ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم، وهم مِنكَ بُرَءاءُ، إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ في جَزائِهِمْ، فَتَكُونُ الآَيَةُ مَحْكَمَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والصَحابَةُ؛ وقَتادَةُ: اَلْمُرادُ بِـ "اَلَّذِينَ": اَلْيَهُودُ والنَصارى؛ أيْ: فَرَّقُوا دِينَ إبْراهِيمَ؛ الحَنِيفِيَّةَ؛ وأُضِيفَ الدِينُ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمُوهُ؛ إذْ هو دِينُ اللهِ تَعالى الَّذِي ألْزَمَهُ العِبادَ؛ فَهو دِينُ جَمِيعِ الناسِ بِهَذا الوَجْهِ؛ ووَصَفَهم بِالشِيَعِ؛ إذْ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم لَها فِرَقٌ؛ واخْتِلافاتٌ؛ فَفي الآيَةِ حَضٌّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِائْتِلافِ؛ وقِلَّةِ الِاخْتِلافِ؛ وقالَ أبُو الأحْوَصِ ؛ وأُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ زَوْجُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اَلْآيَةُ في أهْلِ البِدَعِ؛ والأهْواءِ؛ والفِتَنِ؛ ومَن جَرى مُجْراهم مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ أيْ: فَرَّقُوا دِينَ الإسْلامِ.
وَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "فارَقُوا"؛ ومَعْناهُ: "تَرَكُوا"؛ ثُمَّ بَيَّنَ قَوْلُهُ: "وَكانُوا شِيَعًا"؛ أنَّهم فَرَّقُوهُ أيْضًا؛ والشِيَعُ: جَمْعُ "شِيعَةٌ"؛ وهي الفِرْقَةُ؛ عَلى مَقْصِدِ ما يَتَشايَعُونَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ ﴾ ؛ أيْ: "لا تَشْفَعُ لَهُمْ؛ ولا لَهم بِكَ تَعَلُّقٌ"؛ وهَذا عَلى الإطْلاقِ في الكُفّارِ؛ وعَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ في العُصاةِ؛ والمُتَنَطِّعِينَ في الشَرْعِ؛ لِأنَّهم لَهم حَظٌّ مِن تَفْرِيقِ الدِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّما أمْرُهم إلى اللهِ ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ والقَرِينَةُ المُتَقَدِّمَةُ تَقْتَضِي أنَّ: ﴿ أمْرُهم إلى اللهِ ﴾ ؛ فِيهِ وعِيدٌ؛ كَما أنَّ القَرِينَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهِ ﴾ ؛ تُعْطِي أنَّ في ذَلِكَ الأمْرِ رَجاءً؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَأمْرُهُ في إقْبالٍ؛ وإلى خَيْرٍ".
وقَرَأ النَخَعِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ وأبُو صالِحٍ: "فَرَّقُوا"؛ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: هَذِهِ آيَةٌ لَمْ يُؤْمَرْ فِيها بِقِتالٍ؛ وهي مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُتْقَنٍ؛ فَإنَّ الآيَةَ خَبَرٌ؛ لا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ؛ ولَكِنَّها تَضَمَّنَتْ بِالمَعْنى أمْرًا بِمُوادَعَةٍ؛ فَيُشْبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَسْخَ وقَعَ في ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي تَقَرَّرَ في آياتٍ أُخَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الأعْرابِ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ فَضاعَفَ اللهُ حَسَناتِهِمْ؛ لِلْحَسَنَةِ عَشْرٌ؛ وكانَ المُهاجِرُونَ قَدْ ضُوعِفَ لَهُمُ؛ لِلْحَسَنَةِ سَبْعُمِائَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ؛ أيْ: "إنَّ اللهَ تَعالى يُضاعِفُ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَذا المَضْمُونِ قَدْ يَزِيدُ ما يَشاءُ؛ وقَدْ يَزِيدُ أيْضًا عَلى بَعْضِ الأعْمالِ كَنَفَقَةِ الجِهادِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والقاسِمُ بْنُ أبِي بَزَّةَ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلْحَسَنَةُ هَهُنا: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"؛ والسَيِّئَةُ: "اَلْكُفْرُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ هي الغايَةُ مِنَ الطَرَفَيْنِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ؛ وهَذا هو الظاهِرُ؛ وأُنِّثَ لَفْظُ العَشْرِ لِأنَّ الأمْثالَ هَهُنا بِالمَعْنى حَسَناتٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ الأمْثالَ أُنِّثَ لَمّا أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهو الضَمِيرُ؛ كَما قالَ الشاعِرُ: مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ فَأنَّثَ.
وقَرَأ الحَسَنُ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والأعْمَشُ ؛ ويَعْقُوبُ: "فَلَهُ عَشْرٌ"؛ بِالتَنْوِينِ؛ "أمْثالُها"؛ بِالرَفْعِ.
ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "اَلْأعْمالُ سِتٌّ مُوجِبَةٌ ومُوجِبَةٌ؛ ومُضَعَّفَةٌ ومُضَعَّفَةٌ؛ ومِثْلٌ ومِثْلٌ؛ فَلا إلَهَ إلّا اللهُ تُوجِبُ الجَنَّةَ؛ والشِرْكُ يُوجِبُ النارَ؛ ونَفَقَةُ الجِهادِ تُضَعَّفُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ؛ والنَفَقَةُ عَلى الأهْلِ حَسَنَتُها بِعَشْرٍ؛ والسَيِّئَةُ جَزاؤُها مِثْلُها؛ ومَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مِثْلُها".» وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "لا يُظْلَمُونَ"؛ ﴾ أيْ: لا يُوضَعُ في جَزائِهِمْ شَيْءٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وتَقْدِيرُ الآيَةِ: "مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ ثَوابُ عَشْرِ أمْثالِها"؛ والمُماثَلَةُ بَيْنَ الحَسَنَةِ والثَوابِ مُتَرَتِّبَةٌ إذا تَدَبَّرْتَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ: "مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ"؛ اَلْآيَةَ؛ يُرِيدُ: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ؛ أيْ: "مَن جاءَ مُؤْمِنًا فَلَهُ الجَنَّةُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَصْدُ بِالآيَةِ إلى العُمُومِ في جَمِيعِ العالَمِ ألْيَقُ بِاللَفْظِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف جاء عقب الوعيد كالنّتيجة والفذلكة، لأنّ الله لما قال لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ قل انتظروا إنا منتظرون ﴾ [الأنعام: 158] أعقب ذلك بأنّ الفريقين متباينان مُتجافيان في مدّة الانتظار.
وجيء بالموصوليّة لتعريف المسند إليه لإفادة تحقّق معنى الصّلة فيهم، لأنَّها تناسب التّنفير من الاتّصال بهم، لأنّ شأن الدّين أن يكون عقيدة واحدة وأعمالاً واحدة، والتّفرّق في أصوله ينافي وحدته، ولذلك لم يزل علماء الإسلام يبْذلون وسعهم لاستنباط مراد الله من الأمّة، ويعلمون أنّ الحقّ واحدٌ وأنّ الله كلّف العلماء بإصابته وجعل للمصيب أجرين ولمن أخطأه مع استفراغ الوسع أجراً واحداً، وذلك أجر على بذل الوسع في طلبه فإنّ بذل الوسع في ذلك يوشك أن يُبلِّغ المقصود.
فالمراد ب ﴿ الذين فرّقوا دينهم ﴾ قال ابن عبّاس: هم المشركون، لأنَّهم لم يَتّفقوا على صورة واحدة في الدين، فقد عبدت القبائل أصناماً مختلفة، وكان بعض العرب يعبدون الملائكة، وبعضهم يعبد الشّمس، وبعضهم يعبد القمر، وكانوا يجعلون لكلّ صنم عبادة تخالف عبادة غيره.
ويجوز أن يراد: أنَّهم كانوا على الحنيفيّة، وهي دين التّوحيد لجميعهم، ففرّقوا وجعلوا آلهة عباداتها مختلفة الصّور.
وأمّا كونهم كانوا شيعاً فلأنّ كلّ قبيلة كانت تنتصر لصنمها، وتزعم أنّه ينصرهم على عُبَّاد غيره كما قال ضِرار بن الخطّاب الفهري: وفَرّت ثقيفٌ إلى لاتها *** بمنقلَب الخائب الخاسر ومعنى: ﴿ لست منهم في شيء ﴾ أنّك لا صلة بينك وبينهم.
فحرف (مِن) اتّصالية.
وأصلها (من) الابتدائيّة.
و ﴿ شيء ﴾ اسم جنس بمعنى موجود فنفيه يفيد نفي جميع ما يوجد من الاتّصال، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ﴾ في سورة آل عمران (28)، وقوله: ﴿ لستم على شيء ﴾ في سورة المائدة (68).
ولمّا دلّت على التبرّي منهم وعدم مخالطتهم، كان الكلام مثار سؤال سائل يقول: أعلى الرّسول أن يتولّى جَزاءهم على سُوء عملهم، فلذلك جاء الاستئناف بقوله: إنما أمرهم إلى الله } فهو استئناف بياني، وصيغة القصر لقلب اعتقاد السائل المتردّد، أي إنَّما أمرهم إلى الله لا إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم ولا إلى غيره، وهذا إنذار شديد، والمراد بأمرهم: عملهم الذي استحقوا به الجزاء والعقوبة.
و(إلى) مستعمل في الانتهاء المجازي: شبّه أمرهم بالضالّة التي تركها النّاس فسارت حتّى انتهت إلى مراحها، فإنّ الخلق كلّهم عبيد الله وإليه يرجعون، والله يمهلهم ثمّ يأخذهم بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين حين يأذن لرسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم كما قال تعالى: ﴿ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربَّنا اكشف عنا العذاب إنَّا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلَّم مجنون إنَّا كاشفوا العذاب قليلاً إنّكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ [الدخان: 10، 16].
والبطشة الكبرى هي بطشة يوم بدر.
وقوله: ﴿ ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ﴾ (ثمّ) فيه للتّرتيب الرُّتبي مع إفادة المهلة، أي يبقى أمرهم إلى الله مدّة.
وذلك هو الإمهال والإملاء لهم، ثمّ يعاقبهم، فأطلق الإنباء على العقاب، لأنَّه إن كان العقاب عقاب الآخرة فهو يتقدّمه الحساب، وفيه إنباء الجاني بجنايته وبأنَّه مأخوذ بها، فإطلاق الإنباء عليه حقيقة مراد معها لازمه على وجه الكناية، وإن كان العقاب عقاب الدّنيا فإطلاق الإنباء عليه مجاز، لأنّه إذا نزل بهم العذاب بعد الوعيد عَلموا أنَّه العقاب الموعود به، فكَانَ حصول ذلك العلم لهم عند وقوعه شَبيهاً بحصول العلم الحاصل عن الإخبار فأطلق عليه الإنباء، فيكون قوله: ﴿ ينبئهم ﴾ بمعنى يعاقبهم بما كانوا يفعلون.
ووصف المشركين بأنَّهم فَرّقوا دينهم وكانوا شيعاً: يؤذن بأنَّه وصف شنيع، إذ ما وصفهم الله به إلاّ في سياق الذم، فيؤذن ذلك بأنّ الله يحذّر المسلمين من أن يكونوا في دينهم كما كان المشركون في دينهم، ولذلك قال تعالى: ﴿ شَرَع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك إلى قوله أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ﴾ [الشورى: 13].
وتفريق دين الإسلام هو تفريق أصوله بعد اجتماعها، كما فعل بعض العرب من منعهم الزّكاة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه: لأقاتلنّ من فرّق بين الصّلاة والزّكاة.
وأمّا تفريق الآراء في التّعليلات والتَّبيينات فلا بأس به، وهو من النّظر في الدّين: مثل الاختلاف في أدلّة الصّفات، وفي تحقيق معانيها، مع الاتّفاق على إثباتها.
وكذلك تفريق الفُروع: كتفريق فروع الفقه بالخلاف بين الفقهاء، مع الإتّفاق على صفة العمل وعلى ما به صحة الأعمال وفسادها.
كالاختلاف في حقيقة الفرض والواجب.
والحاصلُ أنّ كلّ تفريق لا يُكفِّر به بعض الفرق بعضاً، ولا يفضي إلى تقاتل وفتن، فهو تفريق نظر واستدلال وتطلّب للحقّ بقدر الطّاقة وكلّ تفريق يفضي بأصحابه إلى تكفير بعضهم بعضاً، ومقاتلة بعضهم بعضاً في أمر الدّين، فهو ممّا حذّر الله منه، وأمّا ما كان بين المسلمين نزاعاً على المُلك والدّنيا فليس تفريقاً في الدّين، ولكنّه من الأحوال التي لا تسلم منها الجماعات.
وقرأه الجمهور: ﴿ فَرّقوا ﴾ بتشديد الراء وقرأه حمزة، والكسائي: ﴿ فَارَقوا ﴾ بألف بعد الفاء أي تركوا دينهم، أي تركوا ما كان ديناً لهم، أي لجميع العرب، وهو الحنيفية فنبذوها وجعلوها عدّة نحل.
ومآل القراءتين واحد.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: أهْلُ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
وَفي تَفْرِيقِهِمُ الَّذِي فَرَّقُوهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الدِّينُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَرَّقُوهُ لِاخْتِلافِهِمْ فِيهِ بِاتِّباعِ الشُّبُهاتِ.
والثّانِي: أنَّهُ الكُفْرُ الَّذِي كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا لَهم.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَكانُوا شِيَعًا ﴾ يَعْنِي فِرَقًا.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: أنْ يَكُونَ الشِّيَعُ المُتَّفِقِينَ عَلى مُشايَعَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وهو الأشْبَهُ، لِأنَّهم يَتَمالَأُونَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ مَعَ اخْتِلافِهِمْ في غَيْرِهِ.
وَفِي أصْلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أصْلُهُ الظُّهُورُ، مِن قَوْلِهِمْ شاعَ الخَبَرُ إذا ظَهَرَ.
والثّانِي: أصْلُهُ الِاتِّباعُ، مِن قَوْلِهِمْ شايَعَهُ عَلى الأمْرِ إذا اتَّبَعَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَسْتَ مِن قِتالِهِمْ في شَيْءٍ، ثُمَّ نَسَخَها بِسُورَةِ التَّوْبَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: لَسْتَ مِن مُخالَطَتِهِمْ في شَيْءٍ، نَهْيٌ لِنَبِيِّهِ عَنْ مُقارَبَتِهِمْ، وأمْرٌ لَهُ بِمُباعَدَتِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، كَما قالَ النّابِغَةُ: ؎ إذا حاوَلَتْ في أسَدٍ فُجُورًا فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اختلفت اليهود والنصارى قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا، فلما بعث محمد أنزل عليه ﴿ إن الذين فرقوا دينهم...
﴾ الآية.
وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الذين فرقوا دينهم ﴾ قال: اليهود والنصارى، تركوا الإِسلام والدين الذين أمروا به، وكانوا ﴿ شيعاً ﴾ فرقاً.
أحزاباً: مختلفة ﴿ لست منهم في شيء ﴾ نزلت بمكة، ثم نسخها ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ [ النساء: 40] الآية.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس وكانوا شيعاً قال: مللاً شتى.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة في قوله: ﴿ إن الذين فرقوا دينهم...
﴾ الآية.
قال هم في هذه الأمة.
وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير والطبراني والشيرازي في الألقاب وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ قال: هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أمامة ﴿ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ قال: هم الحرورية.
وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه عن أبي غالب «أنه سئل عن هذه الآية ﴿ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ فقال: حدثني أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم الخوارج» .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه وأبو نصر السجزي في الابانة والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «يا عائشة ﴿ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ هم أصحاب البدع، وأصحاب الأهواء، وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ليست لهم توبة، يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة، أنا منهم بريء وهم منى براء» .
وأخرج عبد بن حميد وعن ابن مسعود.
أنه كان يقرأ ﴿ إن الذين فرقوا ﴾ بغير ألف.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أنه قرأها ﴿ إن الذين فارقوا دينهم ﴾ بالألف.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ فارقوا دينهم ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إن الذين فرقوا دينهم ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إن الذين فرقوا دينهم ﴾ قال: اليهود.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ إن الذين فرقوا دينهم ﴾ قال: تركوا دينهم، وهم اليهود والنصارى ﴿ وكانوا شيعاً ﴾ قال: فرقاً ﴿ لست منهم في شيء ﴾ قال: لم تؤمر بقتالهم، ثم نسخت فأمر بقتالهم في سورة براءة.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي الأحوص في قوله: ﴿ لست منهم في شيء ﴾ قال: برئ منهم نبيكم صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مرة الطيب قال: ليس أمري أن لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، ثم قرأ هذه الآية ﴿ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ﴾ .
وأخرج ابن منيع في مسنده وأبو الشيخ عن أم سلمة قالت: ليتقين امرؤ أن لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، ثم قرأت هذه الآية ﴿ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: رأيت يوم قتل عثمان ذراع أمراة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قد أخرجت من بين الحائط والستر، وهي تنادي: ألا إن الله ورسوله بريئان من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً.
وأخرج الحكيم الترمذي عن أفلح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى عليه وسلم أنه قال: «أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: ضلالة الأهواء، واتباع الشهوات في البطن والفرج، والعجب» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ الآية.
قال ابن عباس (١) ﴿ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ) (٢) فهذا معنى ﴿ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ﴾ أي: فرقًا وأحزابًا في الضلالة، فتفريقهم دينهم أنهم لم يجتمعوا في دينهم الذي هو شرك على شيء واحد، وقال مجاهد (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) قال الزجاج (١١) (١٢) (١٣) ﴿ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ ما قال يمان بن رئاب: (أخذوا [ببعض] (١٤) ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ (١٥) (١٦) ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾ وقال في وصفهم أيضاً: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ .
ومعنى قوله ﴿ دِينَهُمْ ﴾ قال مقاتل: (هو الإِسلام الذي أمروا به) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ فَرَّقُوا ﴾ ألا ترى أنهم لما آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه فارقوه كله، فخرجوا عنه ولم يتبعوه، وعلى هذه (٢٠) (٢١) -، فالدين [الذي] (٢٢) ﴿ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ﴾ أي: دينهم الذي دعوا إليه وشرع لهم، ألا ترى أنهم لا يلبسون عليهم دينهم الذي هو الإشراك.
وقال مجاهد فيما روى عنه ليث (٢٣) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ (هم من هذ الأمة) (٢٤) وكذلك روي عن طاووس (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال أبو إسحاق: (وفي هذه الآية حث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة، وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع) (٢٩) ﴿ لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ قال الكلبي: (لست من قتالهم [في شيء]) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) ﴿ لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ منسوخ، نسخه السيف في سورة براءة (٣٤) قال ابن الأنباري: (معنى (٣٥) ﴿ لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ (٣٦) (٣٧) إِذَا حَاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ...
فَإنّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنّي (٣٨) : "من غشنا فليس منا" (٣٩) (٤٠) (٤١) (١) أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1430 عن ابن عباس بسند جيد في الآية قال: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) ا.
هـ.
وفي "تنوير المقباس" 2/ 77 قال: (تركوا دينهم ودين آبائهم وصاروا فرقًا، اليهودية والنصرانية والمجوسية) ا.
هـ.
وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 104، 105، وابن أبي حاتم 5/ 1430، والنحاس في "ناسخه" 2/ 356، عن ابن عباس بسند ضعيف قال: (اليهود والنصارى) اهـ.
ملخصًا.
(٢) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 7.
(٣) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 577، والثعلبي في "الكشف" 178 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 146، والبغوي في "تفسيره" 3/ 208، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 229 قال: (يهود)، وأخرجه الطبري في تفسيره 8/ 105 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 118.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 222، والطبري 12/ 269 - 270، وابن أبي حاتم 3/ 129 أبسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 118.
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 146، وهو في "تنوير المقباس" 2/ 77.
(٦) "تفسير مقاتل" 1/ 599.
(٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 105، وابن أبي حاتم 5/ 1430، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 403.
(٨) في (ش): (في أصح)، وهو تحريف.
(٩) الظاهر إن الآية عامة تشمل كل أهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 105، والنحاس في "إعراب القرآن" 2/ 110، وابن كثير 2/ 219، والشوكاني 2/ 259.
(١٠) "معاني الفراء" 1/ 266.
(١١) "معاني الزجاج" 2/ 308.
(١٢) لفظ: (أن النصارى) ساقط من (ش).
(١٣) كذا في النسخ، والصواب: (والنصارى يكفرون اليهود، واليهود يكفرون النصارى) وعند الزجاج في معانيه 2/ 308: (وبعضهم يكفر بعضًا، أعني اليهود تكفر النصارى، والنصارى تكفر اليهود) اهـ.
(١٤) لفظ: (ببعض) ساقط من (ش).
(١٥) لفظ: (وتكفرون ببعض) ساقط من (ش).
(١٦) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 8 بدون نسبة.
(١٧) هذا نص كلام أبي علي في "الحجة" 3/ 438.
(١٨) "تفسيرمقاتل" 1/ 599.
(١٩) قرأ حمزة والكسائي: (فارقوا) بالألف مع تخفيف الراء، وقرأ الباقون: (فرقوا) بغير ألف مع تشديد الراء.
انظر: السبعة ص 274، و"المبسوط" ص 177، و"التذكرة" 2/ 413، و"التيسير" ص 108، و"النشر" 2/ 266.
(٢٠) هذا نص كلام أبي علي في الحجة 3/ 438، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 396، و"إعراب القراءات" 1/ 173، و"الحجة" لابن خالويه ص 152، ولابن زنجلة 278، و"الكشف" 1/ 458.
(٢١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢٢) لفظ: (الذي) ساقط من (ش).
(٢٣) ليث بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم، أبو بكر الكوفي، تقدمت ترجمته.
(٢٤) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 8.
(٢٥) لم أقف عليه.
(٢٦) لم أقف عليه.
(٢٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 105، وابن أبي حاتم 5/ 1429، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 117، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في "حاشية الطبري".
(٢٨) المرفوع جاء من ثلاثة طرق: الأول: عن عمر بن الخطاب أن الرسول قال: "يا عائشة، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ﴾ هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، ليست لهم توبة.
يا عائشة، إن لكل صاحب ذنب توبة == غير أصحاب البدع والأهواء ليس لهم توبة، أنا منهم بريء وهم مني براء" اهـ.
أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1430، والطبراني في "الصغير" 1/ 203، والواحدي في "الوسيط" 1/ 147، وذكر السيوطي في "الدر" 3/ 117، وزاد نسبته إلى: (الحكيم الترمذي وأبي الشيخ وأبي نعيم في "الحلية" وابن مردويه وأبي نصر السجزي في الإبانة والبيهقي في "شعب الإيمان".
وذكره الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 2/ 219، وقال: (رواه ابن مردويه وهو غريب ولا يصح رفعه) ا.
هـ.
وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 22، وقال: (رواه الطبراني في الصغير وإسناد جيد) ا.
هـ.
وقال في 1/ 188: (رواه الطبراني في الصغير، وفيه بقية بن الوليد ومجالد بن سعيد، وكلاهما ضعيف).
وقال الحافظ في "التقريب" 1/ 105: (بقية صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، علق له البخاري، وروي له الباقون).
الثاني: عن أبي هريرة عن النبي في قوله: " ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ﴾ قال: (هم أهل البدع، وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة" اهـ.
أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 105، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 117، وزاد نسبته إلى: (الحكيم الترمذي والطبراني والشيرازي في الألقاب وابن مردويه)، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 219، وقال: (رواه ابن جرير، وإسناده لا يصح، فيه عباد بن كثير، متروك الحديث) ا.
هـ وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 22 - 23 وقال: (رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، غير معلل بن نفيل، وهو ثقة) ا.
هـ.
الثالث: عن أبي أمامة ، عن الرسول في قوله عز وجل: " ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ﴾ قال: هم الخوارج" اهـ.
أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1429، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 117، وزاد نسبته إلى: (النحاس وابن مردويه).
وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 219، والشوكاني 2/ 260، وقالا: (لا يصح رفعه) اهـ.
(٢٩) "معاني الزجاج" 2/ 308، وذكر مثله السمرقندي في "تفسيره" 1/ 527، وانظر "تفسير" ابن عطية 5/ 410، والقرطبي 7/ 149.
(٣٠) "تنوير المقباس" 2/ 77.
(٣١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 106، وابن أبي حاتم 5/ 1431 بسند جيد.
(٣٢) أخرجه النحاس في "ناسخه" 2/ 356 بسند ضعيف.
(٣٣) لم أقف عليه، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 366، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 527.
(٣٤) آية السيف في أصح الأقوال هي قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ انظر: النسخ في القرآن الكريم للدكتور/ مصطفى زيد 2/ 504.
(٣٥) في (أ): (يعني).
(٣٦) لفظ: (في شيء) ساقط من (ش).
(٣٧) في (ش): (وهم منك براء، وتأويلهم لم تلتبس بشيء من مذاهبهم).
(٣٨) ديوان النابغة الذبياني ص 127، و"الكتاب" 4/ 186، و"تفسير الماوردي" 2/ 193، والقرطبي 7/ 150، و"البحر المحيط" 4/ 260، و"الدر المصون" 5/ 236 - 237، والفجور بالضم: الريبة والكذب، والشاعر يريد نقض الحلف، انظر: "اللسان" 7/ 3352 (فجر).
(٣٩) أخرجه أحمد في المسند 2/ 50، والدرامي 3/ 1655 (2583)، ومسلم في "صحيحه" رقم (164)، وأبو داود (3452)، وابن ماجه (2224 - 2225)، والترمذي (1315)، وقال: (حديث حسن صحيح)؛ كلهم في السنن كتاب البيوع، باب النهي عن الغش، ومسلم في باب الإيمان باب قول النبي : "من غشنا فليس منا"، وابن ماجه في كتاب التجارات باب النهي عن الغش.
(٤٠) قال ابن الأثير في "النهاية" 3/ 369: (الغش: ضد النصح من الغشش، وهو المشرب الكدر، وقوله: "ليس منا" أي: ليس من أخلاقنا ولا على سنتنا) اهـ.
(٤١) لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وعلى هذا القول تكون الآية محكمة غير منسوخة، وهو الظاهر؛ لأنها خبر، والمعنى: أنت بريء منهم، وهم منك براء، وليس إليك شيء من أمرهم، وإنما أمرهم إلى الله سبحانه وتعالى، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 106، 107، والنحاس في ناسخه 2/ 356، ومكي في "الإيضاح" ص 247، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 411، والرازي 14/ 8، وانظر: "الناسخ والمنسوخ" لابن حزم ص 38، ولابن العربي 2/ 213، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 337، و"النسخ في القرآن الكريم" لمصطفى زيد 1/ 441.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ ﴾ هم اليهود والنصارى، وقيل أهل الأهواء والبدع، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قيل يا رسول الله ومن تلك الواحدة؟
قال من كان على ما أنا وأصحابي عليه» ، وقرئ فارقوا أي تركوا ﴿ وَكَانُواْ شِيَعاً ﴾ جمع شيعة أي متفرّقين كل فرقة تتشيع لمذهبا ﴿ لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ أي أنت بريء منهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تذكرون ﴾ بتخفيف الذال حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد فحذفوا إحدى التاءين.
الباقون: بالتشديد لأجل إدغام تاء التفعل في الذال ﴿ وأن هذا ﴾ بسكون النون.
ابن عامر ويعقوب ﴿ وإن هذا ﴾ بكسر الهمزة وتشديد النون: حمزة وعلي وخلف، الباقون: ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ صراطي ﴾ بفتح الياء: ابن عامر والأعشى والبرجمي ﴿ فتفرق ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ أن يأتيهم ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في النحل: علي وحمزة وخلف.
الباقون: بالتاء الفوقانية.
﴿ فارقوا ﴾ وكذلك في الروم: حمزة وعلي الباقون ﴿ فرقوا ﴾ بالتشديد ﴿ عشر ﴾ بالتنوين ﴿ أمثالها ﴾ بالرفع: يعقوب.
الباقون بالإضافة ﴿ ربي إلي ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع، ﴿ قيماً ﴾ بكسر القاف وفتح الياء: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.
الباقون: بالعكس مع تشديد الباء.
﴿ محياي ﴾ بالسكون ﴿ مماتي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بالعكس.
﴿ وأنا أوّل ﴾ بالمد: نافع وأبو جعفر.
الوقوف: ﴿ شيئاً ﴾ ط للحذف أي وأحسنوا بالوالدين ﴿ إحساناً ﴾ ج لابتداء النهي مع احتمال العطف أي وأن لا تقتلوا، ﴿ من إملاق ﴾ ط.
﴿ وإياهم ﴾ ج للعطف مع العارض.
﴿ وما بطن ﴾ ط للفصل بين الحكمين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالحق ﴾ ط لانتهاء بيان الأحكام إلى توكيد الإيصاء للأحكام ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ج للفصل بين الحكمين ﴿ بالقسط ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ ذا قربى ﴾ ج لتناهي جواب "إذا" وتقدّم مفعول ﴿ أوفوا ﴾ ﴿ تذكرون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وإن هذا ﴾ بالكسر.
﴿ فاتبعوه ﴾ ج للفصل بين النقيضين معنى مع الاتفاق نظماً.
﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه لا لأن التقدير فاتبعوه لئلا تقولوا ﴿ من قبلنا ﴾ ص.
﴿ لغافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ أهدى منهم ﴾ ج للفاء مع أن "قد" لتوكيد الابتداء.
﴿ ورحمة ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ وصدف عنها ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ بعض آيات ربك ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ منتظرون ﴾ ه ﴿ في شيء ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ أمثالها ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ج لاحتمال أن ﴿ دينا ﴾ نصب على البدل من محل ﴿ إلى صراط ﴾ أو على الإغراء أي الزموا.
﴿ حنيفاً ﴾ ج لابتداء النفي مع اتحاد المعنى ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا.
﴿ لا شريك له ﴾ ج ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ إلا عليها ﴾ ج لتفصيل الأمرين على التهويل مع اتفاق الجملتين ﴿ أخرى ﴾ ج لأنّ "ثم" لترتيب الإخبار مع اتحاد المقصود ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ آتاكم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ز للتفصيل بين تحذير وتبشير والوصل للعطف أوضح ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير: لما بين فساد ما يقوله الكفار في باب التحليل والتحريم أتبعه البيان الشافي في الباب فقال: ﴿ قل تعالوا ﴾ وهو من الخاص الذي صار عاماً لأن أصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه.
و "ما" في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ إما منصوب بفعل التلاوة أي أتل الذي حرمه ربكم فالعائد محذوف.
وقوله: ﴿ عليكم ﴾ يكون متعلقاً بـ ﴿ أتل ﴾ أوبـ ﴿ حرم ﴾ وإما منصوب بـ ﴿ حرم ﴾ على أن "ما" استفهامية فلا راجع.
والمعنى أقل أي شيء حرم لأن التلاوة نوع من القول وتقديم المفعول للتخصيص.
فإن قيل: قوله ﴿ أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ﴾ كالتفصيل لما أجمله في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ فيلزم أن يكون ترك الشرك والإحسان إلى الوالدين محرماً.
فالجواب أن المراد من التحريم البيان المضبوط، أو الكلام تم عند قوله: ﴿ ما حرم ربكم ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ عليكم أن لا تشركوا ﴾ أو "أن" مفسرة أي ذلك التحريم هو قوله: ﴿ لا تشركوا ﴾ وهذا في النواهي واضح، وأما الأوامر فيعلم بالقرينة أن التحريم راجع إلى أضدادها وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله.
ولا يجوز أن يجعل "أن" ناصبة وإلا لزم عطف الطلب أعني الامر على الخبر.
واعلم أنه بيّن فرق المشركين في هذه السورة أحسن بيان، وذلك أن منهم من يجعل الأصنام شركاء لله فأشار إليهم بقوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ ومنهم عبدة الكواكب الذين أبطل قولهم بقوله: ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ ومنهم القائلون بيزدان واهرمن ومنهم الذين يقولون الملائكة بنات الله والمسيح ابن الله وزيف معتقدهم بقوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ﴾ ثم عمم النهي بقوله: ﴿ لا تشكروا به شيئاً ﴾ ثم حث على إحسان الوالدين وكفى به خصلة شريفة أن جعله تالياً لتوحيده.
ثم أوجب رعاية حقوق الأولاد بعد رعاية حقوق الوالدين.
ومعنى ﴿ من إملاق ﴾ أي من خوف الفقر كما صرح بذلك في الآية الأخرى ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ كانوا يدفنون البنات أحياء بعضهم للغيرة وبعضهم لخوف الإملاق وهو السبب الغالب فلذلك أزيل الوهم بقوله: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ فكما يجب على الوالد الاتكال في رزق نفسه على الله فكذا القول في حال الولد، قال شمر: أملق لازم ومعتد.
أملق الرجل إذا افتقر، وأملق الدهر ما عنده إذا أفسده.
وإنما قال ههنا: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ وقال في بالعكس لأن التقدير في الآية من إملاق بكم نحن نرزقكم وإياهم، وهناك زيدت الخشية التي تتعلق بالمستقبل فالتقدير خشية إملاق يقع بهم نحن نزرقهم وإياكم، ثم نهى عن قربان الفواحش كلها.
ومعنى ما ظهر منها وما بطن كما مر في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ وفيه أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وامتثال أمره ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس.
ثم أفرز من جملة الفواحش قتل النفس المحرمة تنبيهاً على فظاعتها ولما نيط بها من الاستثناء وهو قوله ﴿ إلا بالحق ﴾ وذلك أن قتل النفس المحرمة قد يكون حقاً لجرم صدر عنها كما جاء في الحديث " لا يحل دم امرىءٍ مسلم إلا لإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق" وينخرط في سلكه جزاء قاطع الطريق.
والحاصل أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا لأمر منفصل.
ثم لما بيّن النواهي الخمسة أتبعه الكلام الذي يقرب إلى القلوب القبول فقال: ﴿ ذلكم وصاكم ﴾ لما في لفظ التوصية من الرأفة والاستعطاف.
ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا.
ثم ذكر أربعة أنواع أخر من التكاليف وذلك قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتم إلا بالتي ﴾ أي بالخصلة أو الطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي السعي في تثميره وإنمائه ورعاية وجوه الغبطة لأجله كما مر في أول سورة النساء ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ أي احفظوا ماله إلى هذه الغاية أي أوان الاحتلام ولكن بشرط أن يؤنس منه الرشد.
قال الفراء: واحد الأشد شدته في القياس ولم يسمع.
وقال أبو الهيثم: الواحد شدّة كأنعم في نعمة، والشدّة القوّة ومنه قولهم: "بلغ الغلام شدّته" وقيل: إنه واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما ﴿ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ﴾ بالعدل والسوية.
وإيفاء الكيل إتمامه خلاف البخس.
وقوله: ﴿ والميزان ﴾ أي الوزن بالميزان.
فإن قيل: إيفاء الكيل والوزن هو عين القسط فما فائدة التكرار؟
قلنا: أمر الله المعطى بإيفاء إيتاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة.
ثم قال: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ليعلم أن الواجب هو القدر الممكن من العدالة والسوية لا التحقيق المؤدي إلى الحرج والعسر.
فزعمت المعتزلة ههنا أن هذا القدر من التضييق حيث لم يجوزه الله فكيف يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه أو يخلق القدرة الموجبة للكفر والداعية المقتضية له ثم ينهاه عنه وعورض بالعلم والداعي كما تقدّم مراراً ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ﴾ المقول له أو عليه ﴿ ذا قربى ﴾ حمله المفسرون على أداء الشهادة وعلى الأمر والنهي والأولى أن يحمل على الأقوال كلها ويدخل فيه قول الرجل في الدعاء إلى الدين.
وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل مخلصاً عن الحشو ومبرأ عن النقص ومجرداً عن العصبية والجدال على مقتضى الهوى والتشهي، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا الحكاية الرواية والرسالة.
وحكم الحاكم بحيث يستوي فيه بين القريب والبعيد ولا ينظر إلا إلى رضا الله، وختم الأوامر بقوله: ﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ كما قال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ويندرج في هذه الخاتمة بالحقيقة جميع الأنواع المذكورة ﴿ وإن هذا صراطي ﴾ من قرأ بالفتح والتخفيف فبإعماله في ضمير الشأن والتقدير: تعالوا أتل ما حرم وأتل أنه هذا صراطي، وكذا فيمن قرأ بالتشديد وبالفتح إلا أن ضمير الشأن لا يقدر.
وإن شئت جعلتها خفضاً متعلقاً بما قبله أي ذلكم وصاكم به وبأن هذا، أو بما بعده والتقدير وبأن هذا صراطي مستقيماً ﴿ فاتبعوه ﴾ ومن كسر فلأن التلاوة في معنى القول أو على الاستئناف والمعنى اتبعوا صراطي أنه مستقيم ﴿ ولا تتبعوا السبل ﴾ المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات ﴿ فتفرق بكم ﴾ الباء للتعدية أي فيفرقكم ذلك الأتباع ﴿ عن سبيله ﴾ المستقيم وهو دين الإسلام.
وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل الرشد.
ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية.
فهذه الآية بالحقيقة إجمال لما في الآيتين المتقدمتين ولهذا ختمها بالتقوى التي هي ملاك العمل وخير الزاد وختم الأولى بقوله ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لأنها أمور ظاهرة جلية يكفي في تعقلها أدنى مسكة وعقل، وختم الثانية بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ لأن المذكور فيها أمور خفية تحتاج إلى التدبر والتذكر حتى يقف فيها على موضع الاعتدال.
أو نقول: الأمور الخمسة المذكورة في الآية الأولى كلها عظام جسام وكانت الوصية بها من أبلغ الوصايا فختم الآية بما في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل الذي امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان، وأما المذكورة في الثانية فأشياء يقبح تعاطيها وارتكابها وكانت الوصية بها تجري مجرى الزجر والوعظ فختمها بقوله: ﴿ تذكرون ﴾ أي تتعظون بمواعظ الله .
قوله: ﴿ ثم آتينا موسى الكتاب ﴾ معطوف على ﴿ وصاكم ﴾ فسئل كيف صح عطفه عليه بثم والإيتاء قبل الوصية بدهر طويل؟
وأجيب بأن التكاليف التسعة المذكورة تكاليف لا تختلف بحسب اختلاف الشرائع كما روي عن ابن عباس أن هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل: إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة.
وأما الشرائع التي كانت التوراة مختصة بها فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك.
وقيل: إن في الآية حذفاً تقديره: ثم قل يا محمد صلى الله عليه وآله إنا آتينا.
والمعنى اتل ما أوحي إليك ثم اتل عيلهم خبر ما آتينا موسى.
وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب ﴾ وقوله: ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ مفعول له أي لتتم نعمتنا على الذي أحسن أي على من كان محسناً صالحاً، أو المراد إتمام للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وكل ما أمر به، أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته أي زيادة على علمه.
وقرىء ﴿ أحسن ﴾ بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه ﴿ وتفصيلاً لكل شيء ﴾ فيدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وآله وصحة دينه وشرعه ﴿ وهدى ﴾ دلالة ﴿ ورحمة ﴾ لكي يؤمنوا بلقاء ما وعدهم ربهم به من ثواب وعقاب ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ لا شك أنه القرآن ﴿ مبارك ﴾ كثير الخير والنفع أو ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين ﴿ فاتبعوه واتقوا ﴾ لكي ترحموا لأن الغرض من التقوى رحمة الله ، أو اتقوا لترحموا جزاء على التقوى، أو اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة.
قال الفراء قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ مفعول ﴿ واتقوا ﴾ وقال الكسائي: التقدير: إنا أنزلناه لئلا تقولوا.
وقال البصريون: إنا أنزلناه كراهة أن تقولوا والخطاب لأهل مكة ﴿ إنما أنزل الكتاب ﴾ أي التوراة والإنجيل ﴿ على طائفتين من قبلنا ﴾ اليهود والنصارى ﴿ وإن كنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في ﴿ لغافلين ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية والأصل وإنه كنا ومعنى الدراسة القراءة.
وإنما قالوا: ﴿ لكنا أهدى منهم ﴾ لحدة أذهانهم وكثرة حفظهم لأيام العرب ووقائعها وخطبها وأشعارها وأمثالها مع كونهم أميين قطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم.
ثم قال: ﴿ فقد جاءكم ﴾ أي إن صدقتم أن عدم إنزال الكتاب يصلح للعذر وأنه لو أنزل عليكم الكتاب لكنتم أهدى منهم فقد جاءكم ﴿ بينة من ربكم ﴾ فيما يعلم سمعاً ﴿ وهدى ﴾ فيما يعلم سمعاً وعقلاً ﴿ ورحمة ﴾ من الله في إصلاح المعاش والمعاد ﴿ فمن أظلم ﴾ بعد هذه المعجزات والبينات ﴿ ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ﴾ أي منع غيره منها لأن الأول ضلال والثاني إضلال، ثم ختم الآية بأشد الوعيد وأبلغ التهديد ثم ذكر أنهم بعد نصب الأدلة وإزاحة العذر لا يؤمنون ألبتة، وشرح أحوالاً توجب المبادرة إلى الإيمان والتوبة فقال: ﴿ هل ينظرون ﴾ أي ينتظرون ومعنى الاستفهام النفي وتقدير الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا عند مجيء أحد هذه الأمور: مجيء الملائكة، أو مجيء الرب ويعني به عذابه وبأسه كما سلف في البقرة، أو مجيء المعجزات القاهرة.
قال في الكشاف: الملائكة ملائكة الموت أو ملائكة العذاب ومجيء الرب مجيء كل آية، ثم قال: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ وأجمعوا على أن المراد بهذه الآية علامات القيامة.
عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر أمر الساعة إذا أشرف النبي صلى الله عليه وآله فقال: "أتتذاكرون الساعة؟
إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفاً بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وناراً تخرج من عدن" والمراد أنه إذا بدت أشراط الساعة ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، ولا نفساً ما كسبت في إيمانها خيراً.
ثم أوعدهم بقوله ﴿ قل انتظروا إنا منتظرون ﴾ ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: ﴿ إن الذين فارقوا دينهم ﴾ أو فرقوا ومعنى القراءتين في الحقيقة واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وكفر ببعض فقد فارقه أي تركه.
قال ابن عباس: يريد أن المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون إنهم بنات الله، وبعضهم يعبدون الأصنام ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فصاروا شيعاً أي فرقاً وإخواناً في الضلالة.
والشيعة كل فرقة تشيع إماماً لها.
وقال مجاهد وقتادة: هم اليهود والنصارى تفرقوا فرقاً وكفر بعضهم بعضاً وأخذوا بعضاً وتركوا بعضاً كقوله: ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ وعن مجاهد أيضاً أنهم من هذه الأمة وهم أهل البدع والشبهات وفي الحديث "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية - وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة.
وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في الهاوية إلا واحدة" ﴿ لست منهم في شيء ﴾ أي إنك بعيد من أقوالهم ومذاهبهم والعقاب اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم لا يتعداهم إليك.
وقال السدي: معناه لم تؤمر بقتالهم فلما أمر بقتالهم نسخ.
ويحتمل أن يقال: إن النهي عن القتال في وقت لا ينافي الأمر في وقت آخر فلا نسخ ﴿ إنما أمرهم إلى الله ﴾ بالاستئصال والإهلاك ﴿ ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.
وفي الآية حث على أن كلمة المسلمين يجب أن تكون واحدة ليستأهلوا الثواب الجزيل كما قال: ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ هي لا إله إلا الله والسيئة الشرك.
والأولى حملها على العموم ﴿ فله عشر أمثالها ﴾ أقام صفة الجنس المميز مقام الموصوف تقديره: عشر حسنات أمثالها كقراءة من قرأ ﴿ عشر أمثالها ﴾ بالرفع والتنوين، قيل: هذا أقل الموعود وقد وعد سبعمائة وبغير حساب.
وقيل: ليس المراد التحديد بل أراد الأضعاف مطلقاً كقول القائل: لئن أسديت إليّ معروفاً لأكافئنك بعشرة أمثاله.
وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشراً.
روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله قال عن الله تعالى: "الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره" وقال صلى الله عليه وآله يقول الله : " إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فسيئة" ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي لا ينقص من ثواب طاعاتهم ولا يزاد على عقاب سيآتهم.
أسؤلة: ما الحكمة في الأضعاف؟
جوابه كان للأمم أعمار طويلة وطاعات كثيرة فوضع الله لهذه الأمة ليلة القدر خيراً من ألف شهر وأضعاف الأعمال ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ﴾ ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ وأيضاً لو أن الخصماء يتعلقون بهم يوم القيامة فيذهبون بأعمالهم إلى أن تبقى الأضعاف فيقول الله أضعافهم ليست من فعلهم هي من رحمتي فلا أقتص منهم أبداً.
آخر: كيف يوجب الكفر عقاب الأبد؟
جوابه أن الكافر كان على عزم الكفر لو عاش أبداً فاستحق العقاب الأبدي بناء على ذلك الاعتقاد بخلاف المسلم المذنب فإنه يكون على عزم الإقلاع فلا جرم تكون عقوبته منقطعة، وأيضاً الذي جهله الكافر وهو ذات القديم وصفاته شيء لا نهاية له فيكون جهله لا يتناهى فكذا عقابه.
آخر: إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلاً عن صيام ستين يوماً وهو في كفارة الظهار وتارة بدلاً عن صيام أيام قلائل.
آخر: أحدث في رأس إنسان موضحتين فوجب أرشان فإن عاد ورفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ازدادت الجناية وقل العقاب.
آخر: قد يجتمع بسبب أطراف تبان ولطائف تزال ديات متعددة إذا حصل الاندمال، وقد ترتقي إلى نيف وعشرين.
الأذنان أو إبطال حسهما، العينان أو البصر، الأجفان، المارن،الشفتان، اللسان أو النطق، الأسنان، اللحيان، اليدان، الذكر والأنثيان، الحلمتان، الشفران، الإليتان، الرجلان، العقل، السمع، الشم، الصوت، الذوق، الإمناء أو الإحبال، إبطال لذة الجماع، إبطال لذة الطعام، الإفضاء، البطش، المشي.
وقد تضاف إليها موجبات الجوائف والمواضح وسائر الشجات.
فإن عاد الجاني قبل الاندمال وحز الرقبة أوقده بنصفين لم يجب إلاّ دية النفس، وكل ذلك يدل على أن رعاية المماثلة غير معتبرة في الشرع.
والجواب عن الأسئلة الثلاثة أن هذه الأمور من تعبدات الشرع المطهر وتحكماته فلا سبيل بعقولنا إليها.
ويمكن أن يجاب عن الثالث بأن بدل الأطراف لما لم يستقر بالاندمال دخل في دية النفس لعسر ضبط ذلك والجزاء الحقيقي موكول إلى يوم الجزاء والله أعلم.
قال أهل السنة: كل الثواب تفضل من الله فلا إشكال.
وقالت المعتزلة: إن بين الثواب والتفضل فرقاً لأن الثواب هو المنفعة المتسحقة والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة.
ثم اختلفوا فقال الجبائي: العشرة تفضل والثواب غيرها إذ لو كان الواحد ثواباً والتسعة تفضلاً لزم أن يكون الثواب دون التفضل فلا يكون للتكليف فائدة.
وقال آخرون: لا يبعد أن يكون الواحد ثواباًً إلا أنه يكون أعلى شأناً من التسعة الباقية.
ثم لما علم رسوله صلى الله عليه وآله أنواع الدلائل والرد على أصناف المشركين وبالغ في تقرير إثبات القضاء والقدر وردّ على أهل الجاهلية أباطيلهم أمره بأن يقول: ﴿ إنني هداني ربي ﴾ ليعلم أن الهداية لا تحصل إلا بالله عز وجل.
﴿ وقيماً ﴾ "فيعل" من قام كسيد من ساد.
ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى أنه مصدر بمعنى القيام كالصغر والكبر وصف به للمبالغة و ﴿ ملة إبراهيم ﴾ عطف بيان و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من إبراهيم أو من الملة، والمعنى هداني وعرفني ملة إبراهيم حال كونه أو كونها موصوفاً بالحنيفية.
ثم قال في صفة إبراهيم: ﴿ وما كان من المشركين ﴾ رداً على من زعم عليه شيئاً من ذلك.
ثم كما عرفه الدين القويم والطريق المستقيم علمه كيف يصنع به ويؤديه فقال: ﴿ قل إن صلاتي ونسكي ﴾ أي عبادتي وتقربي إليه كما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة.
وقيل: للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث.
وقيل: المراد بالنسك ههنا الذبائح جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ وقيل: صلاتي وحجي أخذاً من مناسك الحج.
﴿ ومحياي ومماتي ﴾ أي حياتي وموتي مصدران ميميان.
وقال في الكشاف: المراد وما آتيه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح.
وفيه أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل لا بد أن يكون جيمع حركات المرء وسكناته لله رب العالمين ﴿ وبذلك ﴾ من الإخلاص ﴿ أمرت وأنا أول المسلمين ﴾ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته.
وقال في التفسير الكبير: إنه أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله وتقديره وقضائه، وحكمه وذلك أن المحيا والممات بخلق الله فكذا الصلاة والنسك وبذلك من التوحيد أمرت، ثم لما أمر نبيه بالتوحيد المحض أمره أن يذكر ما يجري مجرى الدليل عليه فقال: ﴿ قل أغير الله أبغي رباً ﴾ وتقريره أن طوائف المشركين من عبدة الأصنام والكواكب ومن اليهود والنصارى والوثنية كلهم معترفون بأن الله خالق الكل فكأنه قال: قل يا محمد منكراً أغير الله أطلب رباً مع أن هؤلاء الذين اتخذوا من دونه آلهة مقرون بأنه خالق تلك الأشياء ولا يدخل في العقل جعل المربوب والعبد شريكاً للرب والمولى.
وبوجه آخر الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، وقد ثبت أن الواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته فهو إذن رب كل شيء، وصريح العقل شاهد بأن المربوب لا يكون شريكاً للرب فلا يختص إذن بالربوبية غيره.
ثم لما بين الدليل القاطع على التوحيد ذكر أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب فقال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ ومعناه أن إثم الجاني عليه لا على غيره ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم نفس أخرى وهذا كالرد لقولهم: ﴿ اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ ثم بين أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم هناك إلا الله فقال: ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ ثم ختم السورة ببيان حال المبدإ والوسط والمعاد على سبيل الإجمال فقال ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ﴾ قيل: الخطاب لبني آدم لأنه جعلهم بحيث يخلف بعضهم بعضاً.
وقيل: لأمة محمد صلى الله عليه وآله لأنه خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم، وقيل: لخواص الأمة الذين هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها بالحق كقوله: ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ﴾ ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في الشرف والعقل والجاه والمال والرزق لا للعجز والبخل ولكن لأجل شبه الابتلاء والامتحان، ولظهور الموفر من المقصر وتميز المطيع من العاصي حسب ما تقتضيه الحكمة والعدالة والتدبير والتقدير.
ثم وصف نفسه بالقدرة الكاملة على إيصال العقاب وإيفاء الثواب فقال ﴿ إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ فأدخل اللام في قرينة الترغيب وأسقطها عن قرينة الترهيب ترجيحاً لجانب الرحمة والغفران فإن اللطف والرحمة تفيض عنه بالذات والقهر والتعذيب يصدر عنه بالعرض لأن ذلك من ضروريات الملك ولهذا قال "سبقت رحمتي غضبي" وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت قريب.
وإنما لم يسقط اللام عن قرينة العقاب في سورة الأعراف في قصة أصحاب السبت لأن ذلك قد ورد عقيب ذكر المسخ فناسب التأكيد باللام، وإنما أخر قرينة الرحمة في الموضعين ليقع ختم الكلام على المغفرة والرحمة فيكون أدل على كمال رأفته ووفور إحسانه.
التأويل: ﴿ من إملاق ﴾ فيه ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله ﴿ وأوفوا الكيل ﴾ أوفوا بكيل العمر وميزان الشرع حقوق الربوبية واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الألوهية.
﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ بأن لا تعبدوا ولا تحبوا ولا تروا إلا إياه ﴿ وإن هذا صراطي مستقيماً ﴾ إشارة إلى أن الصراط المستقيم الحقيقي إلى الله هو صراط محمد ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ أي على من أحسن من أمتك إسلامه.
وفيه أن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء كانت تتمة للدين الحنيفي الذي هو الإسلام، ولهذا أمر بأن يقتدى بالأنبياء ليجمع بين هداه وهداهم.
ويحتمل أن يراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وآله والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ﴿ أنزلناه مبارك ﴾ وبركته أنه أنزل على قلبه فكان خلقه القرآن ﴿ فقد جاءكم بينة ﴾ ما يبين لكم طريق السير إلى الله ومهدي ما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاء في الكتابين ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ عياناً وتسوقيهم إلى الله قهراً والجاء ﴿ أو يأتي ربك ﴾ إليهم إذ لم يأتوا إليه في متابعتك ﴿ قل انتظروا ﴾ للمستحيلات ﴿ إنا منتظرون ﴾ للميعاد في المعاد ﴿ إن الذين فارقوا ﴾ الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان ﴿ وكانوا شيعاً ﴾ فرقاً مختلفة من المبتدعة والزنادقة والمتزيدة رياء وسمعة وعلماء السوء وملحدة المتفلسفة ﴿ لست منهم في شيء ﴾ لأنك على الحق وهم على الباطل وبينهما تضاد إنما أمرهم إلى الله في بدء الخلقة وقسم الاستعداد كما شاء ﴿ ثم ينبئهم ﴾ يوم الجزاء بما يستحقه كل منهم ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ قبل ذلك حتى يقدر على الإتيان بتلك الحسنة وهي حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد حيث خلقه في أحسن تقويم، وحسنة التربية وحسنة الرزق وحسنة بعثة الرسل وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات من السيئات، وحسنة التوفيق للحسنة وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات ﴿ ومن جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها ﴾ لأن السيئة بذر يزرع في أرض النفس والنفس خبيثة لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يزرع في أرض القلب والقلب طيب ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً ﴾ والتحقيق أنه كما للأعداد ثلاث مراتب الآحاد والعشرات والمئات وبعد ذلك تكون الألوف إلى حيث لا يتناهى، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس والقلب والروح والسر.
فالعمل الواحد في مرتبة النفس أي إذا صدر عنها يكون واحداً، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها، وفي مرتبة الروح يكون بمائة، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى، وهذا سر ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت جزاء الحسنات والله أعلم ورسوله.
﴿ قل إنني هداني ربي ﴾ من أسفل سافلين القالب بجذبه العناية الأزلية ﴿ ونسكي ﴾ أي سيري على منهاج "الصلاة معراج المؤمن" ﴿ ومحياي ﴾ أي حياة قلبي وروحي ﴿ ومماتي ﴾ أي موت نفسي لطلب ﴿ رب العالمين ﴾ والوصول إليه ﴿ وأنا أول ﴾ المستسلمين عند الإيجاد لأمر "كن" كما قال: "أول ما خلق الله نوري".
﴿ قل أغير الله ﴾ كيف أطلب غير الله وهو حبيبي والمحب لا يطلب إلا الحبيب وإذا هو رب كل شيء فيكون ما له لي، وإن طلبت غيره دونه يكون ذلك الغير علي لا لي كما قال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ لأن النفس أمارة بالسوء والسوء عليها لا لها ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ فإن كان القلب سليماً من كدورات صفات النفس باقياً على ما جبل عليه من حب الله وطلبه لا يؤاخذ بمعاملة النفس ولا يتألم بعذابها وإنما تكون النفس فقط مأخوذة بوزرها معاقبة بما هي أهله، وإن كان القلب منقلب الحال وأزاغه الله بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فتصدأ مرآة القلب بصفات النفس وأخلاقها فيتبع النفس وهواها فيزول عنه الصفاء والطهارة والسلامة والذكر والفكر والتوحيد والإيمان والتوكل والصدق والإخلاص ورعاية وظائف العبودية فيكون مأخوذاً بوزره لا بوزر غيره ﴿ وهو الذي جعل ﴾ كل واحد من بني آدم وقته خليفة ربه في الأرض.
وسر الخلافة أن صوره على صفات نفسه حياً قيوماً سميعاً بصيراً عالماً قادراً مريداً متكلماً ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في استعداد الخلافة ﴿ ليبلوكم ﴾ ليظهر من المتخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع القهقرى إلى صفات البهائم وأبطل الاستعداد للخلافة بالختم والطبع والحبس في سجين الطبيعة ﴿ لغفور رحيم ﴾ لمن وفقه لمرضاته ورفع درجاته الله حسبي.
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً ﴾ .
عن عائشة وأبي هريرة - ما - قال أحدهما: فتيكم في الكفرة، وقال الآخر في أهل الصلاة.
وقيل: هم الحرورية.
وقيل: هم اليهود والنصارى.
ولكن لا ندري من هم، وليس بنا إلى معرفة من كان حاجة.
ثم يحتمل وجوهاً ثلاثة: يحتمل: فارقوا دينهم حقيقة؛ لأن جميع أهل الأديان عند أنفسهم أنهم يدينون بدين الله، لا أحد يقول: إنه يدين بدين غير الله.
ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : فهم وإن كانوا عند أنفسهم أنهم يدينون بدين الله، فهم في الحقيقة فارقوا دينهم، وليسوا على دين الله.
ويحتمل قوله: فارقوا دينهم الذي أمروا به ودعا إليه الرسل والأنبياء - صلوات الله عليهم - فارقوا ذلك الدين.
ويحتمل: فارقوا دينهم الذي دانوا به في عهد الأنبياء والرسل بدين الله، ففارقوا ذلك الدين، والله أعلم؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 106]: كانوا مؤمنين به، وصاروا شيعاً، أي: صاروا فرقاً وأحزاباً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ .
من الناس من صرف [تأويل قوله]: ﴿ لَّسْتَ مِنْهُمْ ﴾ ، أي: ليست أنت من قتالهم في شيء؛ كأنه نهاه عن قتالهم في وقت، ثم أذن له بعد ذلك، ثم نسخته آية السيف، وهذا بعيد.
ويحتمل: ﴿ لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ ، أي: لست من دينهم في شيء؛ لأن دينهم كان تقليداً لآبائهم، ودينك دين بالحجج والبراهين؛ فلست منهم، أي: من دينهم في شيء.
ويحتمل: ﴿ لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ ، أي: لا تسأل أنت عن دينهم ولا تحاسب على ذلك؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ الآية [الأنعام: 52].
أو يخرج على إياس أولئك الكفرة عن عود رسول الله إلى دينهم؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ الآية [المائدة: 3].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: أي الحكم فيهم إلى الله؛ ليس إليك، هو الذي يحكم فيهم.
أو أن يكون أمرهم إلى الله في القتال، حتى يأذن لك بالقتال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ .
هو وعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ .
ليس في قوله: ﴿ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ إيجاب الجزاء في السيئة، وفي قوله: ﴿ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ إيجاب الجزاء؛ لأنه قال: فله كذا؛ فيه إيجاب الجزاء، وإنما إيجاب الجزاء في السيئة بقوله: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ وغيره من الآيات.
وقد ذكرنا أن إيجاب الجزاء والثواب في الحسنات والخيرات إفضالٌ وإحسان؛ لأنه قد سبق من الله - - إلى كل أحد من النعم ما يكون منه تلك الخيرات جزاء لما أنعم عليه وشكراً له، ولا جزاء للجازي إلا من جهة الإفضال والإكرام.
وأما جزاء السيئة فمما توجبه الحكمة؛ لما خرج الفعل منه مخرج الكفران لما أنعم عليه؛ فيستوجب بالكفران العقوبة والجزاء على ذلك.
والثاني: أنه خرج الفعل منه في الخيرات والحسنات على موافقة خلقته وصورته وتقويمه وتسويته على ما خلقها الله وأنشأها وبناها؛ فلم يخرج الفعل منه على خلاف ما هو بني عليه؛ فلم يستوجب به الجزاء.
وأما السيئات: فهي إخراجها على خلاف خلقتها وتقويمها وصرفها إلى غير الوجه الذي كانت خلقتها وتقويمها؛ فاستوجب بذلك العقوبة والجزاء عليها؛ لقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ .
ليس هو على التحديد حتى لا يزاد عليه ولا ينقص منه، إنما خرج - والله أعلم - على التعظيم لذلك والإجلال؛ لأنه أخبر في النفقة التي تنفق في سبيل الله أنها تزداد وتنمو إلى سبعمائة، ولا يجوز أن يكون في الحسنة التي جاء بها في التوحيد [ما] يبلغ إلى ما ذكر، وإذا جاء بنفس ذلك التوحيد لا يبلغ ذلك أو يقصر عن ذلك، ولكنها - والله أعلم - على التعظيم له، أو على التمثيل؛ كقوله: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ذكر هذا؛ لما لا شيء عند الخلق أوسع منها، وكقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ ﴾ ومثله هو على التمثيل؛ خرج لعظيم ما قالوا في الله، ليس على أنها تنشق أو تنفطر؛ فعلى ذلك الأول أنه يخرج لما ذكرنا، لا على التحديد له والوقف.
ثم قوله: من جاء بالحسنة فله كذا، ومن جاء بالسيئة فله كذا: ذكر مجيء الحسنة ومجيء السيئة، ولم يقل: من عمل بالحسنة فله كذا، ومن عمل بالسيئة؛ ليعلم أن النظر إلى ما ختم به وقبض عليه؛ فكأنه قال: من ختم بالحسنة وقبض عليها فله كذا؛ لأنه قد يعمل بالحسنة، ثم يفسدها وينقضها بارتكاب ما ينقضه ويفسده من الشرك وغيره؛ على ما روي: "الأعمال بالخواتيم" ثم اختلف في قوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ : قال بعضهم: [من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها بعد التوحيد] ومن جاء بالسيئة بعد التوحيد فلا يجزي إلا مثلها.
وقال بعض أهل التأويل: من جاء بالحسنة يعني بالتوحيد فله عشر أمثالها، لكنه ليس على التحديد لما ذكرنا، ولكن على التعظيم له والقدر عند الله، أو على التمثيل.
ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها [يعني: الشرك، لا يجزى إلا مثله].
فكان التخليد في النار مثل الشرك؛ لأن الشرك أعظم السيئات.
وفي الآية دلالة أن المثل قد يكون من غير نوعه؛ حيث أوجب في الحسنة من الثواب عشر أمثالها ومن السيئة مثلها، وليس واحد منهما من نوع الأصل والعمل الذي يثاب عليه.
وقيل: من جاء بالحسنة في الآخرة: بالتوحيد، فله عشر أمثالها، في الأضعاف.
ومن جاء بالسيئة في الآخرة، يعني: الشرك فلا يجزى إلا مثلها في العظم؛ فجزاء الشرك النار؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، والنار أعظم العقوبة، وذلك كقوله ﴿ جَزَآءً وِفَاقاً ﴾ ، أي: وفاق العمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ جميعاً لا يزاد على المثل ولا ينقص مما ذكر.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين جعلوا دينهم متفرقًا من اليهود والنصارى، حيث أخذوا بعضه وتركوا بعضه، وكانوا فِرَقًا مختلفين، لستَ -أيها الرسول- منهم في شيء، فأنت بريء مما هم عليه من الضلال، وليس عليك إلا إنذارهم، فأَمْرهم موكول إلى الله، ثم هو يوم القيامة يخبرهم بما كانوا يعملون في الدنيا فيجازيهم عليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.gW2ra"