الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٣٣ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 118 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مسليا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه : ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ) أي : قد أحطنا علما بتكذيب قومك لك ، وحزنك وتأسفك عليهم ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) [ فاطر : 8 ] كما قال تعالى في الآية الأخرى : ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) [ الشعراء : 3 ] ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) [ الكهف : 7 ] وقوله : ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) أي : لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر ( ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) أي : ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم ، كما قال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية بن كعب ، عن علي [ رضي الله عنه ] قال : قال أبو جهل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إنا لا نكذبك ، ولكن نكذب ما جئت به ، فأنزل الله : ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) ورواه الحاكم ، من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة ، حدثنا بشر بن المبشر الواسطي ، عن سلام بن مسكين ، عن أبي يزيد المدني ; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي أبا جهل فصافحه ، قال له رجل : ألا أراك تصافح هذا الصابئ ؟
!
فقال : والله إني أعلم إنه لنبي ، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا؟
!
وتلا أبو يزيد : ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) قال أبو صالح وقتادة : يعلمون أنك رسول الله ويجحدون .
وذكر محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الليل ، هو وأبو سفيان صخر بن حرب والأخنس بن شريق ، ولا يشعر واحد منهم بالآخر .
فاستمعوها إلى الصباح ، فلما هجم الصبح تفرقوا ، فجمعتهم الطريق ، فقال كل منهم للآخر : ما جاء بك؟
فذكر له ما جاء له ثم تعاهدوا ألا يعودوا ، لما يخافون من علم شباب قريش بهم ، لئلا يفتتنوا بمجيئهم فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظنا أن صاحبيه لا يجيئان ، لما تقدم من العهود ، فلما أجمعوا جمعتهم الطريق ، فتلاوموا ، ثم تعاهدوا ألا يعودوا .
فلما كانت الليلة الثالثة جاؤوا أيضا ، فلما أصبحوا تعاهدوا ألا يعودوا لمثلها [ ثم تفرقوا ] فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته ، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟
قال : يا أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها .
قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به .
ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه في بيته فقال : يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟
قال : ماذا سمعت؟
تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء!
فمتى ندرك هذه؟
والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه ، قال : فقام عنه الأخنس وتركه وروى ابن جرير ، من طريق أسباط ، عن السدي ، في قوله : ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة : يا بني زهرة ، إن محمدا ابن أختكم ، فأنتم أحق من كف عنه .
فإنه إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم ، وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم ، فإن غلب محمد رجعتم سالمين ، وإن غلب محمد فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئا .
فيومئذ سمي الأخنس : وكان اسمه " أبي " فالتقى الأخنس وأبو جهل ، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال : يا أبا الحكم ، أخبرني عن محمد : أصادق هو أم كاذب؟
فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يسمع كلامنا .
فقال أبو جهل : ويحك!
والله إن محمدا لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجاب والنبوة ، فماذا يكون لسائر قريش ؟
فذلك قوله : ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) فآيات الله : محمد - صلى الله عليه وسلم - .
القول في تأويل قوله : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قد نعلم "، يا محمد، إنه ليحزنك الذي يقول المشركون, وذلك قولهم له: إنه كذّاب =" فإنهم لا يكذبونك " .
* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك [فقرأته جماعة من أهل الكوفة: (فَإنَّهُمْ لا يُكْذِبونَكَ) بالتخفيف]، (21) بمعنى: إنهم لا يُكْذِبونك فيما أتيتهم به من وحي الله, ولا يدفعون أن يكون ذلك صحيحًا، بل يعلمون صحته, ولكنهم يجحَدون حقيقته قولا فلا يؤمنون به.
* * * وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يحكي عن العرب أنهم يقولون: " أكذبت الرجل "، إذا أخبرت أنه جاءَ بالكذب ورواه.
قال: ويقولون: " كذَّبْتُه " ، إذا أخبرت أنه كاذبٌ.
(22) * * * وقرأته جماعة من قرأة المدينة والعراقيين والكوفة والبصرة: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بمعنى: أنهم لا يكذّبونك علمًا, بل يعلمون أنك صادق = ولكنهم يكذبونك قولا عنادًا وحسدًا .
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة, ولكل واحدة منهما في الصحة مخرج مفهوم.
وذلك أن المشركين لا شكَّ أنه كان منهم قوم يكذبون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ويدفعونه عما كان الله تعالى ذكره خصه به من النبوّة، فكان بعضهم يقول: " هو شاعر ", وبعضهم يقول: " هو كاهن ", وبعضهم يقول: " هو مجنون "، وينفي جميعُهم أن يكون الذي أتَاهم به من وحي السماء، ومن تنـزيل رب العالمين، قولا.
وكان بعضهم قد تبين أمرَه وعلم صحة نبوّته, وهو في ذلك يعاند ويجحد نبوّته حسدًا له وبغيًا.
* * * فالقارئ: (فَإنَّهُمْ لا يُكْذِبونَكَ) = بمعنى (23) أن الذين كانوا يعرفون حقيقة نبوّتك وصدق قولك فيما تقول, يجحدونَ أن يكون ما تتلوه عليهم من تنـزيل الله ومن عند الله، قولا - وهم يعلمون أن ذلك من عند الله علمًا صحيحًا = مصيبٌ، (24) لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم من هذه صفته.
وفي قول الله تعالى في هذه السورة: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ [سورة الأنعام : 20] ، أوضح الدليل على أنه قد كان فيهم المعاند في جحود نبوّته صلى الله عليه وسلم, مع علمٍ منهم به وبصحة نبوّته.
(25) * * * وكذلك القارئ: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) = (26) بمعنى: أنهم لا يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عنادًا، لا جهلا بنبوّته وصدق لَهْجته = مصيب، (27) لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم مَنْ هذه صفته.
وقد ذَهب إلى كل واحد من هذين التأويلين جماعة من أهل التأويل .
* * * * ذكر من قال: معنى ذلك: فإنهم لا يكذبونك ولكنهم يجحدون الحقّ على علم منهم بأنك نبيٌّ لله صادق .
13190 - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح في قوله: " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك " ، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزينٌ, فقال له: ما يُحزنك؟
فقال: كذَّبني هؤلاء!
قال فقال له جبريل: إنهم لا يكذبونك، هم يعلمون أنك صادق," ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " .
13191- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن إسماعيل, عن أبي صالح قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس حزين, فقال له: ما يحزنك؟
.
فقال: كذَّبني هؤلاء!
فقال له جبريل: إنهم لا يكذبونك, إنهم ليعلمون أنك صادق," ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " .
13192 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ، قال: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون .
13193 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط: عن السدي في قوله: " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ، لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة, إن محمدًا ابن أختكم, فأنتم أحقُّ مَنْ كَفَّ عنه، (28) فإنه إن كان نبيًّا لم تقاتلوهُ اليوم، وإن كان كاذبًا كنتم أحق من كف عن ابن أخته!
قفوا ههنا حتى ألقى أبا الحكم فإن غُلب محمدٌ [صلى الله عليه وسلم] رجعتم سالمين, وإن غَلَب محمدٌ فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئًا = فيومئذ سمّي" الأخنس ", وكان اسمه " أبيّ" = (29) فالتقى الأخنس وأبو جهل, فخلا الأخنس بأبي جهل, فقال: يا أبا الحكم, أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟
فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا!
فقال أبو جهل: وَيْحك, والله إن محمدًا لصادق, وما كذب محمّد قط, ولكن إذا ذهب بنو قُصَيِّ باللواء والحجابة والسقاية والنبوة, فماذا يكون لسائر قريش؟
فذلك قوله: " فإنهم لا يكذّبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ،" فآيات الله "، محمدٌ صلى الله عليه وسلم .
13194- حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس, عن سالم الأفطس, عن سعيد بن جبير: " فإنهم لا يكذبونك " ، قال: ليس يكذّبون محمدًا, ولكنهم بآيات الله يجحدون .
* * * * ذكر من قال: ذلك بمعنى: فإنهم لا يكذّبونك، ولكنهم يكذِّبون ما جئت به.
13195 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن ناجية قال: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نتهمك, ولكن نتَّهم الذي جئت به!
فأنـزل الله تعالى ذكره: " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " .
13196- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن ناجية بن كعب: أنّ أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنّا لا نكذبك, ولكن نكذب الذي جئت به!
فأنـزل الله تعالى ذكره: " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " .
* * * وقال آخرون: معنى ذلك، فإنهم لا يبطلون ما جئتهم به .
* ذكر من قال ذلك: 13197 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن سليمان, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب: " فإنهم لا يكذبونك " ، قال: لا يبطلون ما في يديك .
* * * وأما قوله: " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ، فإنه يقول: ولكن المشركين بالله، بحجج الله وآي كتابه ورسولِه يجحدون, فينكرون صحَّة ذلك كله.
* * * وكان السدي يقول: " الآيات " في هذا الموضع، معنيٌّ بها محمّد صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبلُ.
(30) ---------------------- الهوامش : (21) هذه الزيادة بين القوسين ، ساقطة من المخطوطة والمطبوعة ، ولكن زيادتها لا بد منها ، واستظهرتها من نسبة هذه القراءة ، فهي قراءة علي ونافع والكسائي.
انظر معاني القرآن للفراء 1: 331 ، وتفسير أبي حيان 4: 111 ، وغيرهما.
(22) انظر معاني القرآن للفراء 1: 331.
(23) في المطبوعة: "يعني به" وفي المخطوطة: "معنى أن الذين .
.
." ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(24) السياق: "فالقارئ .
.
.
مصيب".
(25) في المطبوعة: " .
.
.
على أنه قد كان فيهم العناد في جحود نبوته .
.
.
مع علم منهم به وصحة نبوته" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب ، إلا أنه في المخطوطة أيضًا"به وصحة نبوته" ، فرأيت السياق يقتضي أن تكون"وبصحة" ، فأثبتها.
(26) في المطبوعة: "يعني أنهم .
.
." ، وأثبت ما في المخطوطة.
(27) السياق: "وكذلك القارئ .
.
.
مصيب".
(28) في تفسير ابن كثير 3: 305 ، في هذا الموضع: "فأنتم أحق من ذب عنه".
(29) سمى"الأخنس" ، لأنه من"خنس يخنس خنوسا" ، إذا انقبض عن الشيء وتأخر ورجع.
(30) انظر آخر الأثر السالف رقم: 13193.
قوله تعالى : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدونقوله تعالى : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون كسرت إن لدخول اللام .
قال أبو ميسرة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا : يا محمد ، والله ما نكذبك وإنك عندنا لصادق ، ولكن نكذب ما جئت به ; فنزلت هذه الآية فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون
أي: قد نعلم أن الذي يقول المكذبون فيك يحزنك ويسوءك، ولم نأمرك بما أمرناك به من الصبر إلا لتحصل لك المنازل العالية والأحوال الغالية.
فلا تظن أن قولهم صادر عن اشتباه في أمرك، وشك فيك.
{ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ } لأنهم يعرفون صدقك، ومدخلك ومخرجك، وجميع أحوالك، حتى إنهم كانوا يسمونه -قبل البعثة- الأمين.
{ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } أي: فإن تكذيبهم لآيات الله التي جعلها الله على يديك .
قوله عز وجل : ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ) قال السدي : التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام ، فقال الأخنس لأبي جهل يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟
فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري ، قال أبو جهل : والله إن محمدا لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟
فأنزل الله عز وجل هذه الآية .
وقال ناجية بن كعب : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم لا نتهمك ولا نكذبك ، ولكنا نكذب الذي جئت به ، فأنزل الله تعالى : ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ) .
( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ) بأنك كاذب ، ( فإنهم لا يكذبونك ) قرأ نافع والكسائي بالتخفيف ، وقرأ الآخرون بالتشديد من التكذيب ، والتكذيب هو أن تنسبه إلى الكذب ، وتقول له : كذبت ، والإكذاب هو أن تجده كاذبا ، تقول العرب : أجدبت الأرض وأخصبتها إذا وجدتها جدبة ومخصبة ، ( ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) يقول : إنهم لا يكذبونك في السر لأنهم عرفوا صدقك فيما مضى ، وإنما يكذبون وحيي ويجحدون آياتي ، كما قال : " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم " ( النمل ، 94 ) .
«قد» للتحقيق «نعلم إنه» أي الشأن «ليحزنك الذي يقولون» لك من التكذيب «فإنهم لا يكذِّبونك» في السر لعلمهم أنك صادق وفي قراءة بالتخفيف أي لا ينسبونك إلى الكذب «ولكن الظالمين» وضعه موضع المضمر «يآيات الله» القرآن «يجحدون» يكذبون.
إنا نعلم إنه ليُدْخل الحزنَ إلى قلبك تكذيبُ قومك لك في الظاهر، فاصبر واطمئن؛ فإنهم لا يكذبونك في قرارة أنفسهم، بل يعتقدون صدقك، ولكنهم لظلمهم وعدوانهم يجحدون البراهين الواضحة على صدقك، فيكذبونك فيما جئت به.
ثم أخذ القرآن الكريم فى مخاطبة النبى صلى الله عليه وسلم وفى تسليته عما أصابه من قومه فقال : { قَدْ نَعْلَمُ .
.
.
} .{ قَدْ } هنا للتحقيق وتأكيد العلم وتكثيره ، والتحقيق هنا جاء من موضوعها لا من ذاتها كما أن التكثير راجع إلى متعلقات العلم ، لا إلى العلم نفسه ، لأن صفة القديم لا تقبل الزيادة والتكثير وإلا لزم حدوثها .
والحزن ألم يعترى النفس عند فقد محبوب ، أو امتناع مرغوب أو حدوث مكروه .قال الأمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : يوقل تعالى مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم .
فى تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ } أى : قد أحطنا علما بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم وقوله { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ } أى : هم لا يتهمونك بالكذب فى نفس الأمر ، ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم كما قال سفيان الثورى عن أبى إسحاق عن ناجيه عن على قال : قال أبو جهل للنبى صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك يا محمد ولكن نكذب ما جئت به فأنزل الله { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ } .
وعن أبى يزيد المدنى أن النبى صلى الله عليه وسلم لقى أبا جهل فصافحه فقال له رجل : ألا أراك تصافح هذا الصابىء؟
فقال : والله إنى لأعلم أنه لنبى ، ولكن متى كنا لبنى عبد مناف تبعاً؟
وتلا أبو زيد { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ } .فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الاستئناف لتسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما كان يصيبه من المشركين ومما لا شك فيه أنه - عليه الصلاة والسلام - كان حريصاً على إسلامهم ، فإذا ما رآهم معرضين عن دعوته حزن وأسف ، وفى معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً } ومنها قوله - تعالى - { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } ومنها قوله - تعالى - { فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } قال الجمل : والفاء فى قوله { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ } للتعليل ، فإن قوله { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ } بمعنى لا يحزنك ، كما يقال فى مقام المنع والزجر نعلم ما تفعل .
ووجه التعليل : أن التكذيب فى الحقيقة لى وأنا الحليم الصبور ، فتخلق بأخلاقى .
ويحتمل أن يكون المعنى : إنه يحزنك قولهم لأنه تكذيب لى فأنت لم تحزن لنفسك بل لما هو أهم .والمعنى : إن هؤلاء الكفار - يا محمد - لا ينسبونك إلى الكذب ، فهم قد لقبوك بالصادق الأمين ، ولكنهم يجحدون الآيات الدالة على صدقك بإنكارها بألسنتهم مع اعتقادهم صدقها .والجحود هو الإنكار مع العلم ، أى نفى ما فى القلب ثبوته ، أو إثبات ما فى القلب نفيه ، وفى التعبير بالجحود بعد نفى التكذيب إشارة إلى أن آيات الله واضحة بحيث يصدقها كل عاقل وأنه لا يصح إنكارها إلا عن طريق الجحود .وقال - سبحانه - { ولكن الظالمين } ولم يقل ( ولكنهم ) ، لبيان سبب جحودهم وهو الظلم الذى استقر فى نفوسهم ، وفيه فوق ذلك تسجيل للظلم عليهم حتى يكونوا أهلا لما يصيبهم من عقاب .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن طوائف الكفار كانوا فرقاً كثيرين، فمنهم من ينكر نبوته لأنه كان ينكر رسالة البشر ويقول يجب أن يكون رسول الله من جنس الملائكة وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة شبهة هؤلاء وأجاب عنها.
ومنهم من يقول: إن محمداً يخبرنا بالحشر والنشر بعد الموت وذلك محال.
وكانوا يستدلون بامتناع الحشر والنشر على الطعن في رسالته.
وقد ذكر الله تعالى ذلك وأجاب عنه بالوجوه الكثيرة التي تقدم ذكرها ومنهم من كان يشافهه بالسفاهة وذكر ما لا ينبغي من القول وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية.
واختلفوا في أن ذلك المحزن ما هو؟
فقيل كانوا يقولن إنه ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وهو قول الحسن.
وقيل: إنهم كانوا يصرحون بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه وشريعته.
وقيل: كانوا ينسبونه إلى الكذب والافتعال.
المسألة الثانية: قرأ نافع ﴿ لَيَحْزُنُكَ ﴾ بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي وهما لغتان يقال حزنني كذا وأحزنني.
المسألة الثالثة: قرأ نافع والكسائي ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ ﴾ خفيفة والباقون يكذبونك مشددة وفي هاتين القراءتين قولان: الأول: أن بينهما فرقاً ظاهراً ثم ذكروا في تقرير الفرق وجهين: أحدهما: كان الكسائي يقرأ بالتخفيف، ويحتج بأن العرب تقول كذبت الرجل إذا نسبته إلى الكذب وإلى صنعه الأباطيل من القول وأكذبته إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب وإن لم يكن ذلك بافتعاله وصنعه.
قال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت ومعنى أكذبته أن الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على سبيل الافتعال والقصد فكأن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً عليه السلام ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة تلك النبوة وتلك الرسالة، إلا أن ذلك الذي تخيله فهو في نفسه باطل.
والفرق الثاني قال أبو علي: يجوز أن يكون معنى ﴿ لاَ يُكَذّبُونَكَ ﴾ أي لا يصادفونك كاذباً لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة كما يقال أحمدت الرجل إذا أصبته محموداً فأحببته وأحسنت محمدته إذا صادفته على هذه الأحوال.
والقول الثاني: أنه لا فرق بين هاتين القراءتين: قال أبو علي: يجوز أن يكون معنى القراءتين واحداً لأن معنى التفعيل النسبة إلى الكذب بأن يقول له كذبت كما تقول ذنبته وفسقته وخطأته أي قلت له فعلت هذه الأشياء وسقيته ورعيته أي قلت له سقاك الله ورعاك وقد جاء في هذا المعنى أفعلته قالوا أسقيته أي قلت له سقاك الله.
قال ذو الرمة: وأسقيه حتى كاد مما أبثه *** تكلمني أحجاره وملاعبه أي أنسبه إلى السقيا بأن أقول سقاك الله فعلى هذا التقدير يكون معنى القراءتين واحداً، إلا إن فعلت إذا أرادوا أن ينسبوه إلى أمر أكثر من أفعلت.
المسألة الرابعة: ظاهر هذه الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً صلى الله عليه وسلم ولكنهم يجحدون بآيات الله واختلفوا في كيفية الجمع بين هذين الأمرين على وجوه: الوجه الأول: أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن والنبوة.
ثم ذكروا لتصحيح هذا الوجه روايات: إحداها: أن الحرث بن عامر من قريش قال يا محمد والله ما كذبتنا قط ولكنا إن اتبعناك نتخطف من أرضنا فنحن لا نؤمن بك لهذا السبب.
وثانيها: روي أن الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا، فقال له والله إن محمداً لصادق وما كذب قط؟
ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش فنزلت هذه الآية.
إذا عرفت هذا فنقول: معنى الآية على هذا التقدير أن القوم لا يكذبونك بقلوبهم ولكنهم يجحدون نبوتك بألسنتهم وظاهر قولهم وهذا غير مستبعد ونظيره قوله تعالى في قصة موسى ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ﴾ .
الوجه الثاني: في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك أنت كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل والزمان المديد وما وجدوا منك كذباً ألبتة وسموك بالأمين فلا يقولون فيك إنك كاذب ولكن جحدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان فلأجله تخيل من نفسه كونه رسولاً من عند الله، وبهذا التقدير: لا ينسبونه إلى الكذب أو لأنهم قالوا: إنه ما كذب في سائر الأمور، بل هو أمين في كلها إلا في هذا الوجه الواحد.
الوجه الثالث: في التأويل: أنه لما ظهرت المعجزات القاهرة على وفق دعواه، ثم إن القوم أصروا على التكذيب فالله تعالى قال له إن القوم ما كذبوك، وإنما كذبوني، ونظيره أن رجلاً إذا أهان عبداً لرجل آخر، فقال هذا الآخر: أيها العبد إنه ما أهانك، وإنما أهانني: وليس المقصود منه نفي الإهانة عنه بل المقصود تعظيم الأمر وتفخيم الشأن.
وتقريره: أن إهانة ذلك العبد جارية مجرى إهانته، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ﴾ .
والوجه الرابع: في التأويل وهو كلام خطر بالبال، هو أن يقال المراد من قوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ ﴾ أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً، وهو المراد من قوله: ﴿ ولكن الظالمين بئايات الله يَجْحَدُونَ ﴾ والمراد أنهم يقولون في كل معجزة إنها سحر وينكرون دلالة المعجزة على الصدق على الإطلاق فكان التقدير: إنهم لا يكذبونك على التعيين بل القوم يكذبون جميع الأنبياء والرسل، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ ﴾ في ﴿ قد نعلم ﴾ بمعنى (ربما) الذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته، كقوله: أَخُو ثِقَةٍ لاَ تُهْلِكُ الْخَمْرُ مَالَه ** وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ الْمَالَ نَائِلُهْ والهاء في ﴿ إِنَّهُ ﴾ ضمير الشأن ﴿ لَيَحْزُنُكَ ﴾ قرئ بفتح الياء وضمها.
و ﴿ الذى يَقُولُونَ ﴾ هو قولهم: ساحر كذاب ﴿ لاَ يُكَذّبُونَكَ ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف من كذبه إذا جعله كاذباً في زعمه وأكذبه إذا وجده كاذباً.
والمعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى الله، لأنك رسوله المصدق بالمعجزات فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله بجحود آياته، فاله عن حزنك لنفسك وإن هم كذبوك وأنت صادق، وليشغلك عن ذلك ما هو أهمّ وهو استعظامك بجحود آيات الله تعالى والاستهانة بكتابه.
ونحوه قول السيد لغلامه- إذا أهانه بعض الناس- إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني.
وفي هذه الطريقة قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ﴾ [الفتح: 10] وقيل: فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم، ولكنهم يجحدون بألسنتهم.
وقيل: فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق، ولكنهم يجحدون بآيات الله.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء، ولكنهم كانوا يجحدون.
وكان أبو جهل يقول: ما نكذبك لأنك عندنا صادق، وإنما نكذب ما جئتنا به.
وروي: أنّ الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس عندنا أحد غيرنا؟
فقال له: والله إن محمداً لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والنبوّة، فماذا يكون لسائر قريش، فنزلت، وقوله: ﴿ ولكن الظالمين ﴾ من إقامة الظاهر مقام المضمر، للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ مَعْنى قَدْ زِيادَةُ الفِعْلِ وكَثْرَتُهُ كَما في قَوْلِهِ: وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ والهاءُ في أنَّهُ لِلشَّأْنِ.
وقُرِئَ «لَيُحْزِنُكَ» مِن أحْزَنَ.
﴿ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ في الحَقِيقَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ لا يُكَذِّبُونَكَ مِن أكْذَبَهُ إذا وجَدَهُ كاذِبًا، أوْ نَسَبَهُ إلى الكَذِبِ.
﴿ وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويُكَذِّبُونَها، فَوَضَعَ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ظَلَمُوا بِجُحُودِهِمْ، أوْ جَحَدُوا لِتَمَرُّنِهِمْ عَلى الظُّلْمِ، والباءُ لِتَضْمِينِ الجُحُودِ مَعْنى التَّكْذِيبِ.
رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَقُولُ: ما نُكَذِّبُكَ وإنَّكَ عِنْدَنا لَصادِقٌ وإنَّما نُكَذِّبُ ما جِئْتَنا بِهِ.
فَنَزَلَتْ.
<div class="verse-tafsir"
نزلت لما قال أبو جهل ما نكذبك يا محمد وإنك عندنا لمصدق وإنما نكذب ما جئتنا به نزل {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ} الهاء ضمير الشأن {لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} لا ينسبونك إلى الكذب وبالتخفيف نافع وعلى من أكذبه إذا وجده كاذباً {ولكن الظالمين بآيات الله يَجْحَدُونَ} من أقامة الظاهر مقام المضمر وفيه دلالة على أنهم ظلموا في جحودهم والباء يتعلق بيجحدون أو بالظالمين كقوله {فظلموا بها} والمعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى الله لأنك رسوله المصدق بالمعجزات فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله لأن تكذيب الرسل تكذيب المرسل
﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَنِ الحُزْنِ الَّذِي يَعْتَرِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ مِنَ الإصْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ والمُبالَغَةِ، وكَلِمَةُ قَدْ لِلتَّكْثِيرِ وهو -كَما قالَ الحَلَبِيُّ رادًّا بِهِ اعْتِراضَ أبِي حَيّانَ- راجِعٌ إلى مُتَعَلِّقاتِ العَلَمِ لا العَلَمِ نَفْسِهِ إذْ صِفَةُ القَدِيمِ لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ والتَّكْثِيرَ وإلّا لَزِمَ حُدُوثُها المُسْتَلْزِمُ لِحُدُوثِ مَن قامَتْ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقالَ السَّفاقُسِيُّ: قَدْ تَصِحُّ الكَثْرَةُ بِاعْتِبارِ المَعْلُوماتِ وما في حَيِّزِ العِلْمِ هَنا كَثِيرٌ بِناءً عَلى أنَّ الفِعْلَ المَذْكُورَ دالٌّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، وأنْشَدُوا عَلى إفادَتِها ذَلِكَ بُقُولِ الهُذَلِيِّ: قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كَأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصادِ، وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّ إفادَتَها لِلتَّكْثِيرِ قَوْلٌ غَيْرُ مَشْهُورٍ لِلنُّحاةِ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وكَلامُ سِيبَوَيْهِ حَيْثُ قالَ: وتَكُونُ (قَدْ) بِمَنزِلَةِ (رُبَّما) لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ وما اسْتَشْهَدُوا بِهِ عَلى دَعْواهم إنَّما فُهِمَ التَّكْثِيرُ فِيهِ مِن سِياقِ الكَلامِ ومِنهُ البَيْتُ فَإنَّ التَّكْثِيرَ إنَّما فُهِمَ فِيهِ لِأنَّ الفَخْرَ إنَّما يَحْصُلُ بِكَثْرَةِ وُقُوعِ المُفْتَخَرِ بِهِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الحَقَّ ما قالَهُ ابْنُ مالِكٍ أنَّ إطْلاقَ سِيبَوَيْهِ أنَّها بِمَنزِلَةِ (رُبَّما) يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما في التَّقْلِيلِ والصَّرْفِ إلى المُضِيِّ والبَيْتُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ فَإنَّ الفَخْرَ يَقَعُ بِتَرْكِ الشُّجاعِ قَرْنَهُ وقَدْ صُبِغَتْ أثْوابُهُ بِدِمائِهِ في بَعْضِ الأحْيانِ وقَوْلُ أبِي حَيّانَ أنَّ الفَخْرَ إنَّما يَحْصُلُ بِكَثْرَةٍ إلَخْ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى إطْلاقِهِ بَلْ هو فِيما يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، وأمّا ما يَنْدُرُ فَيُفْتَخَرُ بِوُقُوعِهِ نادِرًا لِأنَّ قِرْنَ الشُّجاعِ لَوْ غَلَبَهُ كَثِيرٌ لَمْ يَكُنْ قِرْنًا لَهُ لَأنَّ القِرْنَ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ المُقاوِمُ المُساوِي وفِي القامُوسِ القِرْنُ كُفْؤُكَ في الشَّجاعَةِ أوْ أعَمُّ فَلَفْظِهُ يَقْتَضِي بِحَسَبِ دَقِيقِ النَّظَرِ أنَّهُ لا يَغْلِبُهُ إلّا قَلِيلًا وإلّا لَمْ يَكُنْ قِرْنًا، ويَتَناقَضُ أوَّلُ الكَلامِ وآخِرُهُ، وادَّعى الطِّيبِيُّ أنَّ لَفْظَ (قَدْ) لِلتَّقْلِيلِ وقَدْ يُرادُ بِهِ في بَعْضِ المَواضِعِ ضِدُّهُ وهو مِن بابِ اسْتِعارَةِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لِلْآخِرِ، والنُّكْتَةُ هُنا تَصْبِيرُ رَسُولِ اللَّهِ مِن أذى قَوْمِهِ وتَكْذِيبِهِمْ يَعْنِي مِن حَقِّكَ وأنْتَ سَيِّدُ أُولِي العَزْمِ أنْ لا تُكْثِرَ الشَّكْوى مِن أذى قَوْمِكَ وأنْ لا يَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى مِن إظْهارِكَ الشَّكْوى إلّا قَلِيلًا وأنْ يَكُونَ تَهَكُّمًا بِالمُكَذِّبِينَ وتَوْبِيخًا لَهُمْ ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ (قَدْ) هُنّا لِلتَّقْلِيلِ عَلى مَعْنى أنَّ ما هم فِيهِ أقَلُّ مَعْلُوماتِهِ تَعالى، وضَمِيرُ (إنَّهُ) لِلشَّأْنِ وهو اسْمُ (إنَّ) وخَبَرُها الجُمْلَةُ المُفَسِّرَةُ لَهُ والمَوْصُولُ فاعِلُ يَحْزُنُكَ وعائِدُهُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي يَقُولُهُ وهو ما حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ أوْ هو وما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ مِن هَذَيانِهِمْ وجُمْلَةُ (إنَّهُ) إلَخْ، سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (يَعْلَمُ) وقَرَأ نافِعٌ: (لِيُحْزِنُكَ) مِن أحْزَنَ المَنقُولِ مِن حَزَنَ اللّازِمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِاعْتِدادِ بِما قالُوا بِطَرِيقِ التَّسَلِّي بِما يُفِيدُهُ مِن بُلُوغِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَلالَةِ القَدْرِ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ غايَةً لَيْسَ وراءَها غايَةٌ حَيْثُ نَفى تَكْذِيبَهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأثْبَتَهُ لِآياتِهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ إيذانًا بِكَمالِ القُرْبِ واضْمِحْلالِ شُئُونِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في شَأْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أيْضًا اسْتِعْظامٌ لِجِنايَتِهِمْ مُنْبِئٌ عَنْ عِظَمِ عُقُوبَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْتَدَّ بِهِ وكُلُّهُ إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهم في تَكْذِيبِهِمْ ذَلِكَ لا يُكَذِّبُونَكَ في الحَقِيقَةِ ﴿ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ 33 - أيْ ولَكِنَّهم بِآياتِهِ تَعالى يُكَذِّبُونَ فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالرُّسُوخِ في الظُّلْمِ الَّذِي جُحُودُهم هَذا فَنٌّ مِن فُنُونِهِ، وقِيلَ: إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الظُّلْمِ مُطْلَقَهُ، فالوَضْعُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ دَأْبُهم ودَيْدَنُهم وأنَّهُ عِلَّةُ الجَحُودِ لِأنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلِّيَّةَ المَأْخَذِ وإنْ أُرِيدَ بِهِ الظُّلْمُ المَخْصُوصُ فَهو عَيْنُ الجَحْدِ وواقِعٌ بِهِ نَحْوَ: ﴿ ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ ﴾ فَيَكُونُ المُبْتَدَأُ مُشِيرًا إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ، وقِيلَ: أنَّ (ألْ) في الظّالِمِينَ إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً واسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى الحُدُوثِ أفادَ الكَلامَ سَبَبِيَّةَ الجَحْدَ لِلظُّلْمِ، وإنْ كانَتْ حَرْفَ تَعْرِيفٍ واسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى الثُّبُوتِ أفادَ سَبَبِيَّةَ الظُّلْمِ لِلْجَحْدِ لا يَخْفى ما فِيهِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ واسْتِعْظامًا لِما قَدِمُوا عَلَيْهِ، وإيرادُ الجُحُودِ في مَوْرِدِ التَّكْذِيبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ آياتِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ يُشاهِدُ صِدْقَها كُلُّ أحَدٍ، وأنَّ مَن يُنْكِرُها فَإنَّما يُنْكِرُها بِطَرِيقِ الجَحُودِ، وهو كالجَحْدِ نَفْيُ ما في القَلْبِ ثَباتُهُ أوْ إثْباتُ ما في القَلْبِ نَفْيُهُ، والباءُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَجْحَدُونَ) والجَحْدُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ والباءِ، فَيُقالُ جَحَدَهُ حَقَّهُ وبِحَقِّهِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الجَوْهَرِيِّ والرّاغِبِ، وقِيلَ: إنَّهُ إنَّما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ والباءِ هَهُنا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّكْذِيبِ، وأيًّا ما كانَ فَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ مُراعاةً لِرُءُوسِ الآيِ أوْ لِلْقَصْرِ، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِـ (الظّالِمِينَ) وفِيهِ خَفاءٌ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ الفاءَ لِتَعْلِيلِ ما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ هو الَّذِي قَرَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ أنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ قَدْ نَعْلَمُ إلَخْ بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ لا تَحْزَنُ كَما يُقالُ في مَقامِ المَنعِ والزَّجْرِ: نَعْلَمُ ما تَفْعَلُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْزَنُ مِمّا يَقُولُونَ فَإنَّ التَّكْذِيبَ في الحَقِيقَةِ لِي وأنا الحَلِيمُ الصَّبُورُ فَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّهُ يَحْزُنُكَ قَوْلُهم لِأنَّهُ تَكْذِيبٌ لِي فَأنْتَ لَمْ تَحْزَنْ لِنَفْسِكَ بَلْ لِما هو أهَمُّ وأعْظَمُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ المُتَبادِرِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ بِقُلُوبِهِمْ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ ويُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ السُّدِّيُّ أنَّهُ التَقى الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ وأبُو جَهْلٍ فَقالَ الأخْنَسُ لِأبِي جَهْلٍ: يا أبا الحَكَمِ أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ - - أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ فَإنَّهُ لَيْسَ هَهُنا أحَدٌ يَسْمَعُ كَلامَكَ غَيْرِي، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ، وما كَذَبَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَطُّ، ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قَصِيٍّ بِاللِّواءِ والسِّقايَةِ والحِجابَةِ والنَّدْوَةِ والنُّبُوَّةِ فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وكَذا ما أخْرَجُهُ الواحِدِيُّ عِنْدَ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ الحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافِ بْنِ قَصِّيِ بْنِ كِلابٍ يُكَذِّبُ النَّبِيَّ في العَلانِيَةِ فَإذا خَلا مَعَ أهْلِ بَيْتِهِ قالَ: ما مُحَمَّدٌ مِن أهْلِ الكَذِبِ ولا أحْسَبُهُ إلّا صادِقًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهم لَيْسَ قَصْدُهم تَكْذِيبَكَ لِأنَّكَ عِنْدَهم مَوْسُومٌ بِالصِّدْقِ، وإنَّما يَقْصِدُونَ تَكْذِيبِي والجُحُودَ بِآياتِي، ونُسِبَ هَذا إلى الكِسائِيِّ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ : ما نُكَذِّبُكَ وإنَّكَ عِنْدَنا لَصادِقٌ ولَكُنّا نُكَذِّبُ ما جِئْتِنا بِهِ فَنَزَلَتْ، وكَذا أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، واعْتَرَضَ الرَّضِيُّ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُصَدِّقُوهُ في نَفْسِهِ ويُكَذِّبُوا ما أتى بِهِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما أتى بِهِ وصِدْقِهِ وأنَّهُ الدِّينُ القَيِّمُ والحَقُّ الَّذِي لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صادِقًا في خَبَرِهِ ويَكُونُ الَّذِي أتى بِهِ فاسِدًا بَلْ إنْ كانَ صادِقًا فالَّذِي أُتِيَ بِهِ صَحِيحٌ، وإنْ كانَ الَّذِي أتى بِهِ فاسِدًا فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ كاذِبًا فِيهِ، وقالَ مَوْلانا سِنانٌ: إنَّ حاصِلَ المَعْنى أنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهم يَقُولُونَ إنَّكَ صادِقٌ ولَكِنْ يَتَوَهَّمُونَ أنَّهُ اعْتَرى عَقْلَكَ وحاشاكَ نَوْعُ خَلَلٍ فَخُيِّلَ إلَيْكَ أنَّكَ نَبِيٌّ ولَيْسَ الأمْرُ بِذاكَ وما جِئْتَ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقالَ الطِّيبِيُّ: مُرادُهم إنَّكَ لا تَكْذِبُ لِأنَّكَ الصّادِقُ الأمِينُ ولَكِنْ ما جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ ويُعْلَمُ مِن هَذا الجَوابِ عَنِ اعْتِراضِ الرَّضِيِّ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ فِيما وافَقَ كُتُبَهم وإنْ كَذَّبُوكَ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يُكَذِّبُكَ جَمِيعُهم وإنْ كَذَّبَكَ بَعْضُهم وهُمُ الظّالِمُونَ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى هَذا لا يَكُونُ ذِكْرُ الظّالِمِينَ مِن وضْعِ المَظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ولا يَخْفى ما الألْيَقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ عَنْ أبِي بَكْرٍ: (لا يَكْذِبُونَكَ) مِنَ الإكْذابِ وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورُوِيَتْ أيْضًا عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ الجُمْهُورُ: كِلاهُما بِمَعْنى كَأكْثَرَ وكَثُرَ وأنْزَلَ ونَزَلَ، وقِيلَ: مَعْنى أكْذَبْتُهُ وجَدْتُهُ كاذِبًا كَأحْمَدْتُهُ بِمَعْنى وجَدْتُهُ مَحْمُودًا، ونَقَلَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: كَذَّبْتَ بِالتَّشْدِيدِ إذا نَسَبَتِ الكَذِبَ إلَيْهِ وأكْذَبْتَهُ إذا نَسَبَتِ الكَذِبَ إلى ما جاءَ بِهِ دُونَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ روى سفيان عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب قال: قال أبو جهل للنبي ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به، فنزلت هذه الآية.
وروى أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح قال: جاء جبريل إلى النبيّ وهو حزين فقال: ما يحزنك؟
قال: «كَذَّبَنِي هؤلاء» .
فقال: إنهم لا يكذبونك، يعلمون أنك صادق فنزلت هذه الآية: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ من تكذيبهم إياك في العلانية فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ في السر، ويعلمون أنك صادق.
وكانوا يسمونه أميناً قبل أن يوحى إليه فلما أوحي إليه، كذّبوه، فقال: وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وهم يعلمون أنك صادق.
والجحد يكون ممن علم الشيء ثم جحده كقوله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل: 14] قرأ نافع والكسائي: فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف.
وقرأ الباقون بالتشديد.
فمن قرأ بالتخفيف فمعناه أنهم لا يجحدونك كاذباً.
ومن قرأ بالتشديد فمعناه: أنهم لا ينسبونك إلى الكذب، ولا يكذبونك في السر.
وقرأ نافع: يَحْزُنكَ برفع الياء، وكسر الزاي.
وقرأ الباقون لَيَحْزُنُكَ بنصب الياء، وضم الزاي، ومعناهما واحد.
ثم عزّاه ليصبر على أذاهم فقال: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ يعني: أن قومهم كذبوهم كما كذبك قريش فَصَبَرُوا عَلى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا يعني: صبروا على تكذيبهم وأذاهم حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا يعني: عذابنا لهلاكهم وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ يعني: لا مغيّر لوعد الله.
فهذا وعد من الله تعالى للنبي بالنصرة، كما نصر النبيين من قبله.
ثم قال: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ يعني: من خبر المرسلين، كيف أنجيت المرسلين، وكيف أهلكت قومهم.
فلما وعد الله تعالى بالنصرة للنبي تعجل أصحابه لذلك، وأرادوا أن يعجل بهلاك الكفار فنزل: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ خاطب النبي وأراد به قومه فقال: إن عظم عليك إعراضهم عن الإيمان، ولا تصبر على تكذيبهم إياك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ يعني: إن قدرت أن تطلب سِرْباً في الأرض والنافقاء إحدى جحري اليربوع أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ يعني: مصعداً إلى السماء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فافعل ذلك على وجه الإضمار.
وهذا كما قال في آية أخرى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ [الحج: 15] الآية.
وروى محمد بن المنكدر: أن جبريل قال للنبي : إن الله أمر السماء أن تطيعك، وأمر الأرض أن تطيعك، وأمر الجبال أن تطيعك، فإن أحببت أن ينزل عذاباً عليهم قال: «يا جبريل أؤخر عن أمتي لعل الله أن يتوب عليهم» .
ثم قال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى يعني: لهداهم إلى الإيمان.
ويقال: ولو شاء لاضطرهم إلى الهدى كما قال في آية أخرى إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشعراء: 4] ومعناه: وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ على الهدى قهراً وجبراً، ولكن ما فعل وكلفهم وتركهم فاختيارهم.
ثم قال: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ يعني: بأنه لو شاء لهداهم.
وقال الضحاك: يعني: القدر خيره وشره من الله تعالى، فلا تجعل معرفة ذلك بعد البيان.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
من عَمَلِهِ الصالح، ويكثر من تَجْرِهِ الرابح، والمُقَصِّرُ يَوَدُّ أنه لو رُدَّ ليستدرك ما فيه فَرَّطَ، وقد قال عليه السَّلاَمُ: «ما مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إلاَّ نَدِمَ» قَالُوا: وَمَا ندامته يا رسول الله؟
قال:
«إن كان محسنا ندم ألا يكون ازداد، وإن كان مُسِيئاً نَدِمَ ألا يَكُونَ نَزَعَ» خرجه الترمذي «١» .
انتهى.
وقوله تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ الواو واو الحَالِ، والأَوْزَارُ جمع وِزْر بكسر الواو، وهو الثّقْلُ من الذنوب، والوِزْرُ هنا تَجَوُّز وتَشْبِيهٌ بثقل الأَحْمَالِ.
ومن قال: إنه من الوَزَرِ، وهو الجَبَلُ الذي يُلْجَأُ إلَيْهِ، فهو قول غير بَيِّنِ.
وقال الطبري «٢» وغيره: هذا على جهة الحَقِيقَةِ، وَرَوَوْا في ذلك خَبَراً: أنَّ المُؤْمِنَ يَلْقَاهُ عمله في أَحْسَنِ صُورَةً وأَفْوَحِهَا فَيُسَلِّمُ عليه وَيَقُولُ طَالَ مَا رَكِبْتُكَ في الدُّنْيَا وَأَجْهَدْتُكَ، فَارْكَبْنِي اليَوْمَ.
قال: فَيَحْمِلُهُ تِمْثَالُ العَمَلِ.
وإن الكَافِرَ يَلْقَاهُ عَمَلَهُ في أَقْبَحِ صُورَةً وأَنْتَنِهَا فَيَشْتِمُهُ، ويقول: أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ طَالَ مَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا بِشَهَوَاتِكَ فَأَنا أرْكَبُك اليَوْمَ، قال: فيحمل تِمْثَالَ عَمَلِهِ الخَبِيثَ وَأَوْزَارَهُ على ظَهْرِهِ.
قلت: والأحاديث الصحيحة في معنى ما ذَكَرَهُ الطبري كثيرةٌ كأحاديث مَانِعِي الزكاة، وغيرها.
قال مكي: وروى المَقْبُرِيُّ عن أبي هريرة في حديث يرفعه، قال: «إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ بَعَثَ اللَّه مع كل امرئ مُؤْمِنٍ عَمَلَهُ، وبَعَثَ مع الكافر عَمَلَهُ فلا يرى المُؤْمِنُ شَيْئاً يروعه، ولا شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويخافه إلاَّ قَالَ له عَمَلُهُ: أَبْشِرْ بالَّذِي يَسُرُّكَ فَإنَّكَ لَسْتَ بِالَّذِي يُرَادُ بهذا.
ولا يرى الكَافِر شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويروعه ويَخَافُهُ إلا قال له عَمَلُهُ: أبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بالذي يسوءك، فو الله إنك لأنت الذي تراد بهذا» .
انتهى.
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)
وقوله سبحانه: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ الآية.
هذا ابتداء خَبَرٍ عن حَالِ الدنيا، والمعنى: أنها إذ كانت فَانِيَةٌ لا طائل لها أشبهت اللَّعِبَ، واللهو الذي لا طَائِلَ له إذا تقضى.
وهذه الآية تتضمن الرَّدَّ على قولهم: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [الأنعام: ٢٩] وهو المقصود بها.
قال عبد الحق في «العاقبة» : اعلم- رحمك الله- أن حُبَّ الدُّنْيَا هو سَبَبُ طُولِ الأَمَلِ، والإكْبَابُ عليها يَمْنَعُ من الفِكْرَةِ في الخروج عنها، والجهل بغَوَائِلِهَا يحمل على الإرادة لها، والازدياد منها لأن من أَحَبَّ شَيْئاً أحَبَّ/ الكَوْنَ معه، والازدياد منه، ومن كان مَشْغُوفاً بالدنيا مُحِبًّا لها قد خَدَعَتْهُ بزُخْرُفِهَا وَأَمَالَتْهُ برَوْنَقِهَا كيف يحبُّ مفارقتها، أو يحب مُزَايَلَتَهَا، هذا أمر لم تَجْرِ العادة به، ولا حُدِّثْنَا عنه، بَلْ نجد مَنْ كَانَ على هذه الصفة أَعْمَى عَنْ طريق الخَيْرِ، أصم عن دَاعِي الرشد، أَفِنَ الرأي، سَيِّىءَ النظر، ضَعِيفَ الإيمان، لم تترك له الدُّنْيَا ما يَسْمَعُ به، ولا ما يرى، إنما دِينُهُ وشغله وحديثه دُنْيَاهُ، لها ينظر، ولها يَسْمَعُ، قد ملأت عينه وقلبه، ثم قال: واعلم أن أَهْلَ القُبُورِ إنما يَنْدَمُونَ على ما يتركون، ويفرحون بما يُقَدِّمُونَ، فما عليه أهل القُبُورِ يندمون، أَهْلُ الدنيا عليه يَقْتَتِلُون.
انتهى.
وقوله سبحانه: قَدْ نَعْلَمُ ...
الآية: نَعْلَمُ إذا كانت من اللَّه- تعالى- تَتَضَمَّنُ استمرار العَلْمِ وقِدَمَهُ، فهي تعمُّ الماضي، والحال، والاستقبال.
قلت: ونحو هذا لأبي «١» حَيَّانَ قال: وعبر هنا بالمُضَارِعِ لأنَّ المُرَادَ الاتصاف بالعلم، واستمراره، ولم يلحظ فيه الزمان، كقولهم: فلان يعطي ويمنع.
انتهى.
وقرأ نافع «٢» وحده «لَيُحْزِنُكَ» من أَحْزَنَ.
وقرأ الباقون: «لَيَحْزُنْكَ» من حَزَنْتُ الرجلَ.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة «لا يكذّبونك» «٣» - بتشديد
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ فِي سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: الحارِثُ بْنُ عامِرٍ، قالَ: واللَّهِ يا مُحَمَّدُ ما كَذَبْتَنا قَطُّ فَنَتَّهِمُكَ اليَوْمَ، ولَكِنّا إنْ نَتَّبِعُكَ نُتَخَطَّفُ مِن أرْضِنا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ الحارِثُ بْنُ عامِرٍ يُكْذِّبُ النَّبِيَّ في العَلانِيَةِ، فَإذا خَلا مَعَ أهْلِ بَيْتِهِ، قالَ: ما مُحَمَّدُ مِن أهْلِ الكَذِبِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ.
والثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا رَأوُا النَّبِيَّ ، قالُوا فِيما بَيْنَهُمْ: إنَّهُ لَنَبِيٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والثّالِثُ: «أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لَلنَّبِيِّ : إنّا لا نُكَذِّبُكَ، ولَكِنْ نُكَذِّبُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ» قالَهُ ناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ.
وَقالَ أبُو يَزِيدَ المَدَنِيُّ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ أبا جَهْلٍ، فَصافَحَهُ أبُو جَهْلٍ، فَقِيلَ لَهُ: أتُصافِحُ هَذا الصّابِئَ؟
فَقالَ: واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، ولَكِنْ مَتى كُنّا تَبَعًا لَبَنِي عَبْدِ مَنافٍ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآَيَةَ.
والرّابِعُ: أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ لَقِيَ أبا جَهْلٍ، فَقالَ الأخْنَسُ: يا أبا الحَكَمِ، أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أصادِقٌ هو، أمْ كاذِبٌ فَلَيْسَ هاهُنا مَن يَسْمَعُ كَلامَكَ غَيْرِي.
فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ، وما كَذَبَ قَطُّ، ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قَصِيٍّ بِاللِّواءِ، والسِّقايَةِ، والحِجابَةِ، والنُّبُوَّةِ، فَماذا يَكُونُ لَسائِرِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
فَأمّا الَّذِي يَقُولُونَ، فَهو التَّكْذِيبُ لَلنَّبِيِّ ، والكَفْرُ بِاللَّهِ وفي الآَيَةِ تَسْلِيَةٌ لَلنَّبِيِّ وتَعْزِيَةٌ عَمّا يُواجَهُونَ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يُكَذِّبُونَكَ" بِالتَّخْفِيفِ وتَسْكِينِ الكافِ.
وفي مَعْناها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يُلْفُونَكَ كاذِبًا قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: لا يُكَذِّبُونَ الشَّيْءَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، إنَّما يَجْحَدُونَ آَياتِ اللَّهِ، ويَتَعَرَّضُونَ لِعُقُوباتِهِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكانَ الكِسائِيُّ يَحْتَجُّ لَهَذِهِ القِراءَةِ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: كَذَبْتُ الرَّجُلَ: إذا نَسَبْتُهُ إلى الكَذِبِ وصَنْعَةِ الأباطِيلِ مِنَ القَوْلِ؛ وأكْذَبْتُهُ إذا أخْبَرْتُ أنَّ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ كَذِبٌ، لَيْسَ هو الصّانِعُ لَهُ قالَ: وقالَ غَيْرُ الكِسائِيِّ: يُقالُ أكْذَّبْتَ الرَّجُلَ: إذا أدْخَلْتَهُ في جُمْلَةِ الكَذّابِينَ، ونَسَبْتُهُ إلى صِفَتِهِمْ، كَما يُقالُ: أبْخَلْتَ الرَّجُلَ: إذا نَسَبْتَهُ إلى البُخْلِ، وأجْبَنْتُهُ: إذا وجَدْتَهُ جَبانًا قالَ الشّاعِرُ: فَطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّكم وطائِفَةٌ قالُوا مُسِيءٌ ومُذْنِبُ وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ: "يُكَذِّبُونَكَ" بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ الكافِ، وفي مَعْناها خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا يُكَذِّبُونَكَ بِحُجَّةٍ، وإنَّما هو تَكْذِيبُ عِنادٍ وبُهْتٍ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: لا يَقُولُونَ لَكَ: أنَّكَ كاذِبٌ، لَعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، ولَكِنْ يُكَذِّبُونَ ما جِئْتَ بِهِ، قالَهُ ناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ.
والثّالِثُ: لا يُكَذِّبُونَكَ في السِّرِّ، ولَكِنْ يُكَذِّبُونَكَ في العِلانَيْهِ عَداوَةً لَكَ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: لا يُقْدِرُونَ أنْ يَقُولُوا لَكَ فِيما أنْبَأتْ بِهِ مِمّا في كُتُبِهِمْ: كَذَبْتَ.
والخامِسُ: لا يُكَذِّبُونَكَ بِقُلُوبِهِمْ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّكَ صادِقٌ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.
وَقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا وإنِ اخْتَلَفَتِ اللَّفْظَتانِ، إلّا أنْ "فَعَّلْتُ": إذا أرادُوا أنْ يَنْسُبُوهُ إلى أمْرٍ أكْثَرَ مِن "أفْعَلْتُ" .
ويُؤَكِّدُ أنَّ القِراءَتَيْنِ بِمَعْنًى، ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ أنَّهم قالُوا: قَلَّلْتَ، وأقْلَلْتَ، وكَثَّرْتَ، وأكْثَرْتَ بِمَعْنًى.
قالَ أبُو عَلِيٍّ ومَعْنى "لا يُكَذِّبُونَكَ" لا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْسِبُوكَ إلى الكَذِبِ فِيما أخْبَرْتَ بِهِ مِمّا جاءَ في كُتُبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الحَقِيقَةِ: لا يُصادِفُونَكَ كاذِبًا كَما يُقالُ أحْمَدْتُ الرَّجُلَ: إذا أصَبْتَهُ مَحْمُودًا، لِأنَّهم يَعْرِفُونَكَ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ ﴿ وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ ما يَعْلَمُونَهُ يَقِينًا، لَعِنادِهِمْ وَفِي "آَياتِ اللَّهِ" هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها أنَّها مُحَمَّدٌ قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي مُحَمَّدٌ والقُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والثّالِثُ: القُرْآَنُ.
قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَما الحَياةُ الدُنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ خَبَرٍ عن حالِ الدُنْيا؛ والمَعْنى: "إنَّها إذا كانَتْ فانِيَةً؛ مُنْقَضِيَةً؛ لا طائِلَ لَها؛ أشْبَهَتِ اللَعِبَ واللهْوَ الَّذِي لا طائِلَ لَهُ إذا انْقَضى.
وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ: "وَلَلدّارُ"؛ بِلامَيْنِ؛ و"اَلْآخِرَةُ"؛ نَعْتٌ لِلدّارِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "وَلَدارُ"؛ بِلامٍ واحِدَةٍ؛ وكَذَلِكَ وقَعَ في مَصاحِفِ الشامِ؛ بِإضافَةِ "اَلدّارُ"؛ إلى "اَلْآخِرَةِ"؛ وهَذا نَحْوُ: "مَسْجِدُ الجامِعِ"؛ أيْ: "مَسْجِدُ اليَوْمِ الجامِعِ"؛ فَكَذَلِكَ هَذا: "وَلَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وأبُو بَكْرٍ ؛ عن عاصِمٍ: "يَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ الغائِبِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ ؛ عن عاصِمٍ: "تَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ المُخاطَبِينَ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وفي آخِرِ "يُوسُفَ"؛ ووافَقَهم أبُو بَكْرٍ في آخِرِ "يُوسُفَ"؛ فَأمّا "أفَلا يَعْقِلُونَ"؛ في "يـس" فَقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ بِتاءٍ؛ والباقُونَ بِياءٍ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا ﴾ ؛ وهو المَقْصُودُ بِها؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ؛ عَلى مَعْنى: "فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ؛ إذِ الحالُ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ: أفَلا تَعْقِلُونَ؟".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "قَدْ نَعْلَمُ"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ "قَدْ"؛ اَلْمُلازِمُ لِلْفِعْلِ؛ حَرْفٌ يَجِيءُ مَعَ التَوَقُّعِ؛ إمّا عِنْدَ المُتَكَلِّمِ؛ وإمّا عِنْدَ السامِعِ؛ أو مُقَدَّرًا عِنْدَهُ؛ فَإذا كانَ الفِعْلُ خالِصًا لِلِاسْتِقْبالِ؛ كانَ التَوَقُّعُ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ كَقَوْلِكَ: "قَدْ يَقُومُ زَيْدٌ"؛ و"قَدْ يَنْزِلُ المَطَرُ في شَهْرِ كَذا"؛ وإذا كانَ الفِعْلُ ماضِيًا؛ أو فِعْلَ حالٍ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ مِثْلَ آيَتِنا هَذِهِ؛ فَإنَّ التَوَقُّعَ لَيْسَ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ بَلِ المُتَكَلِّمُ مُوجِبٌ ما أخْبَرَ بِهِ؛ وإنَّما كانَ التَوَقُّعُ عِنْدَ السامِعِ؛ فَيُخْبِرُهُ المُتَكَلِّمُ بِأحَدِ المُتَوَقَّعَيْنِ.
و"نَعْلَمُ"؛ تَتَضَمَّنُ - إذا كانَتْ مِنَ اللهِ تَعالى - اسْتِمْرارَ العِلْمِ؛ وقِدَمَهُ؛ فَهي تَعُمُّ الماضِي؛ والحالَ؛ والِاسْتِقْبالَ؛ ودَخَلَتْ "أنَّ"؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَأْكِيدِ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ مِن "أحْزَنَ"؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لَيَحْزُنُكَ"؛ مِن "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِيُحْزِنْكَ" بِكَسْرِ اللامِ والزايِ؛ وجَزْمِ النُونِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ "يَحْزُنُكَ"؛ بِغَيْرِ لامٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ "يَحْزَنُ؛ حَزَنًا وحُزْنًا"؛ و"حَزَنْتُهُ أنا"؛ وحُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ قَوْلَهُمْ: "حَزَنْتُهُ"؛ لَيْسَ هو تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ عَلى نَحْوِ "دَخَلَ"؛ و"أدْخَلْتُهُ"؛ ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: "جَعَلْتُ فِيهِ حُزْنًا"؛ كَما تَقُولُ: "كَحَلْتُهُ"؛ و"دَهَنْتُهُ"؛ قالَ الخَلِيلُ: ولَوْ أرَدْتَ تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ لَقُلْتَ: "أحْزَنْتُهُ"؛ وحَكى أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ - في كِتابِ "خَبْأةٌ"؛ عَنِ العَرَبِ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"حَزَنْتُ الرَجُلَ"؛ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا عِنْدَهم مِن "أحْزَنْتُهُ"؛ فَمَن قَرَأ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ فَهو عَلى القِياسِ في التَغْيِيرِ؛ ومَن قَرَأ: "لَيَحْزُنُكَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ فَهو عَلى كَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.
و"اَلَّذِي يَقُولُونَ"؛ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ أقْوالِهِمُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والدَفْعَ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ؛ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إنَّهُ كَذّابٌ؛ مُفْتَرٍ؛ ساحِرٌ"؛ وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إنَّهُ مَجْنُونٌ؛ مَسْحُورٌ"؛ وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "لَهُ رَئِيٌّ مِنَ الجِنِّ"؛ ونَحْوِ هَذا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "لا يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ وفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ورَدَّها عَلى قارِئٍ عَلَيْهِ: "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقالَ: إنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ بِسُكُونِ الكافِ؛ وتَخْفِيفِ الذالِ؛ وقَرَأها عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهُما قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ؛ صَحِيحَتانِ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْناهُما؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ؛ كَما تَقُولُ: "سَقَيْتُ" و"أسْقَيْتُ"؛ و"قَلَّلْتُ"؛ و"أقْلَلْتُ"؛ و"كَثَّرْتُ"؛ و"أكْثَرْتُ"؛ وحَكى الكِسائِيُّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "كَذَّبْتُ الرَجُلَ"؛ إذا وجَدَتْهُ كَذّابًا؛ كَما تَقُولُ: "أحْمَدْتُهُ"؛ إذا وجَدَتْهُ مَحْمُودًا؛ فالمَعْنى عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ أيْ: "لا تَحْزَنْ؛ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ تَكْذِيبًا يَضُرُّكَ؛ إذْ لَسْتَ بِكاذِبٍ في حَقِيقَتِكَ؛ فَتَكْذِيبُهم كَلا تَكْذِيبَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ﴿ "فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ" ﴾ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ عنهم أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ؛ وأنَّهم يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ؛ ونُبُوَّتَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ عِنادًا مِنهُمْ؛ وظُلْمًا؛ والآيَةُ عَلى هَذا لا تَتَناوَلُ جَمِيعَ الكُفّارِ؛ بَلْ تَخُصُّ الطائِفَةَ الَّتِي حَكى عنها أنَّها كانَتْ تَقُولُ: "إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ؛ ولَكِنْ إذا آمَنّا بِهِ فَضَلَتْنا بَنُو هاشِمٍ بِالنُبُوَّةِ؛ فَنَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا"؛ رُوِيَتْ هَذِهِ المَقالَةُ عن أبِي جَهْلٍ؛ ومَن جَرى مُجْراهُ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ؛ فَإنَّهُ كانَ يُكَذِّبُ في العَلانِيَةِ؛ ويُصَدِّقُ في السِرِّ؛ ويَقُولُ: "نَخافُ أنْ تَتَخَطَّفَنا العَرَبُ؛ وَنَحْنُ أكَلَةُ رَأْسٍ"؛ والمَعْنى - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُكْذِبُونَكَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ - يَحْتَمِلُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في "يُكَذِّبُونَكَ"؛ أيْ: "لا يَجِدُونَكَ كاذِبًا في حَقِيقَتِكَ"؛ ويَحْتَمِلُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْتُ في "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِشَدِّ الذالِ.
وآياتُ اللهِ: عَلاماتُهُ؛ وشَواهِدُ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"يَجْحَدُونَ"؛ حَقِيقَتُهُ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْإنْكارُ بَعْدَ مَعْرِفَةٍ؛ وهو ضِدُّ الإقْرارِ؛ ومَعْناهُ - عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى الآيَةَ في المُعانِدِينَ - مُتَرَتِّبٌ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ وهو قَوْلُ قَتادَةَ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وغَيْرِهِما؛ وعَلى قَوْلِ مَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ قاطِبَةً؛ دُونَ تَخْصِيصِ أهْلِ العِنادِ؛ يَكُونُ في اللَفْظَةِ تَجَوُّزٌ؛ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ؛ ورامُوا تَكْذِيبَهُ بِالدَعْوى الَّتِي لا تُعَضِّدُها حُجَّةٌ؛ عَبَّرَ عن إنْكارِهِمْ بِأقْبَحِ وُجُوهِ الإنْكارِ؛ وهو الجَحْدُ؛ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ؛ وتَقْبِيحًا لِفِعْلِهِمْ؛ إذْ مُعْجِزاتُهُ؛ وآياتُهُ نَيِّرَةٌ؛ يَلْزَمُ كُلَّ مَفْطُورٍ أنْ يَعْلَمَها؛ ويُقِرَّ بِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَمِيعُ ما في هَذِهِ التَأْوِيلاتِ؛ مِن نَفْيِ التَكْذِيبِ؛ إنَّما هو عَنِ اعْتِقادِهِمْ؛ وأمّا أقْوالُهم جَمِيعِهِمْ؛ فَمُكَذِّبَةٌ؛ إمّا لَهُ؛ وإمّا لِلَّذِي جاءَ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكُفْرُ العِنادِ جائِزُ الوُقُوعِ؛ بِمُقْتَضى النَظَرِ؛ وظَواهِرُ القُرْآنِ تُعْطِيهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ﴾ ؛ وغَيْرِها؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إلى المَنعِ مِن جَوازِهِ؛ وذَهَبُوا إلى أنَّ المَعْرِفَةَ تَقْتَضِي الإيمانَ؛ والجَحْدَ يَقْتَضِي الكُفْرَ؛ ولا سَبِيلَ إلى اجْتِماعِهِما؛ وتَأوَّلُوا ظَواهِرَ القُرْآنِ؛ فَقالُوا - في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَجَحَدُوا بِها" ﴾ -: "إنَّها في أحْكامِ التَوْراةِ الَّتِي بَدَّلُوها؛ كَآيَةِ الرَجْمِ؛ وغَيْرِها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وَدَفْعُ ما يُتَصَوَّرُ ويُعْقَلُ مِن جَوازِ كُفْرِ العِنادِ عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ صَعْبٌ؛ أما إنَّ كُفْرَ العِنادِ مِنَ العارِفِ بِاللهِ تَعالى وبِالنُبُوَّةِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا داعِيَةَ إلى كُفْرِ العِنادِ إلّا الحَسَدُ؛ ومَن عَرَفَ اللهَ تَعالى والنُبُوَّةَ؛ وأنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَجِيئُهُ مَلَكٌ مِنَ السَماءِ؛ فَلا سَبِيلَ إلى بَقاءِ الحَسَدِ مَعَ ذَلِكَ؛ أما إنَّهُ جائِزٌ؛ فَقَدْ رَأى أبُو جَهْلٍ عَلى رَأْسِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَحْلًا عَظِيمًا مِنَ الإبِلِ قَدْ هَمَّ بِأبِي جَهْلٍ؛ ولَكِنَّهُ كَفَرَ مَعَ ذَلِكَ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وجَدَ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَزِينًا؛ فَسَألَهُ؛ فَقالَ: "كَذَّبَنِي هَؤُلاءِ"؛ فَقالَ: "إنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ؛ بَلْ يَعْلَمُونَ أنَّكَ صادِقٌ؛ ولَكِنَّ الظالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ".» والَّذِي عِنْدِي في كُفْرِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ؛ ومَن جَرى مُجْراهُ؛ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَ صِفاتِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويَعْرِفُونَها؛ أو أكْثَرَها؛ ثُمَّ يَرَوْنَ مِن آياتِهِ زائِدًا عَلى ما عِنْدَهُمْ؛ فَيَتَعَلَّقُونَ في مُغالَطَةِ أنْفُسِهِمْ بِكُلِّ شُبْهَةٍ؛ بِأضْعَفِ سَبَبٍ؛ وتَتَخالَجُ ظُنُونُهُمْ؛ فَيَقُولُونَ مَرَّةً: "هُوَ ذاكَ"؛ ومَرَّةً: "عَساهُ لَيْسَهُ"؛ ثُمَّ يَنْضافُ إلى هَذا حَسَدُهُمْ؛ وفَقْدُهُمُ الرِياسَةَ؛ فَيَتَزَيَّدُ؛ ويَتَمَكَّنُ إعْراضُهُمْ؛ وكُفْرُهُمْ؛ فَهم عَلى هَذا؛ وإنْ عَرَفُوا أشْياءَ وعانَدُوا فِيها؛ فَقَدْ قَطَعُوا في ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَةِ المَعْرِفَةِ؛ وبَقُوا في ظُلْمَةِ الجَهْلِ؛ فَهم جاهِلُونَ بِأشْياءَ؛ مُعانِدُونَ في أشْياءَ غَيْرِها؛ وأنا أسْتَبْعِدُ العِنادَ مَعَ المَعْرِفَةِ التامَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي قصدت به تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره بالصبر، ووعده بالنصر، وتأييسه من إيمان المتغالين في الكفر، ووعده بإيمان فرق منهم بقوله: ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى إلى قوله يسمعون ﴾ .
وقد تهيّأ المقام لهذا الغرض بعد الفراغ من محاجّة المشركين في إبطال شركهم وإبطال إنكارهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم والفراغ من وعيدهم وفضيحة مكابرتهم ابتداء من قوله: ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم ﴾ [الأنعام: 4] إلى هنا.
و ﴿ قد ﴾ تحقيق للخبر الفعلي، فهو في تحقيق الجملة الفعلية بمنزلة (إنّ) في تحقيق الجملة الاسمية.
فحرف ﴿ قد ﴾ مختصّ بالدخول على الأفعال المتصرّفة الخبرية المثبتة المجرّدة من ناصب وجازم وحرف تنفيس، ومعنى التحقيق ملازم له.
والأصحّ أنّه كذلك سواء كان مدخولها ماضياً أو مضارعاً، ولا يختلف معنى ﴿ قد ﴾ بالنسبة للفعلين.
وقد شاع عند كثير من النحويّين أنّ ﴿ قد ﴾ إذا دخل على المضارع أفاد تقليل حصول الفعل.
وقال بعضهم: إنّه مأخوذ من كلام سيبويه، ومن ظاهر كلام «الكشاف» في هذه الآية.
والتحقيق أنّ كلام سيبويه لا يدلّ إلاّ على أنّ ﴿ قد ﴾ يستعمل في الدلالة على التقليل لكن بالقرينة وليست بدلالة أصلية.
وهذا هو الذي استخلصتُه من كلامهم وهو المعوّل عليه عندي.
ولذلك فلا فرق بين دخول ﴿ قد ﴾ على فعل المضي ودخوله على الفعل المضارع في إفادة تحقيق الحصول، كما صرّح به الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿ قد يعلم ما أنتم عليه ﴾ في سورة النور (64).
فالتحقيق يعتبر في الزمن الماضي إن كان الفعل الذي بعد قد } فعلَ مُضيّ، وفي زمن الحال أو الاستقبال إن كان الفعل بعد (قد) فعلاً مضارعاً مع ما يضمّ إلى التحقيق من دلالة المقام، مثللِ تقريب زمن الماضي من الحال في نحو: قد قامت الصلاة.
وهو كناية تنشأ عن التعرّض لتحقيق فعل ليس من شأنه أن يشكّ السامع في أنّه يقع، ومثللِ إفادة التكثير مع المضارع تبعاً لما يقتضيه المضارع من الدلالة على التجدّد، كالبيت الذي نسبه سيبويه للهذلي، وحقّق ابن بري أنّه لعبيد بن الأبرص، وهو: قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرّا أنَامِلُه *** كأنّ أثْوَابَه مُجَّتْ بِفِرْصَاد وبيت زهير: أخا ثقة لا تُهلك الخمرُ مالَه *** ولكنَّه قد يهلك المالَ نائلُه وإفادة استحضار الصورة، كقول كعب: لَقد أقُومُ مَقَاما لو يقوم به *** أرى وأسمعُ ما لو يسمَع الفِيلُ لَظلّ يُرعَد إلاّ أن يكون له *** من الرسول بإذن الله تَنْويل أراد تحقيق حضوره لدى الرسول صلى الله عليه وسلم مع استحضار تلك الحالة العجيبة من الوجل المشوب بالرجاء.
والتحقيق أنّ كلام سيبويه بريء ممّا حَمَّلوه، وما نشأ اضطراب كلام النحاة فيه إلاّ من فهم ابن مالك لكلام سيبويه.
وقد ردّه عليه أبو حيّان ردّاً وجيهاً.
فمعنى الآية علمنا بأنّ الذي يقولونه يُحزنك محقّقاً فتصبّر.
وقد تقدّم لي كلام في هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿ قد نرى تقلّب وجهك في السماء ﴾ في سورة البقرة (144)، فكان فيه إجمال وأحَلْت على تفسير آية سورة الأنعام، فهذا الذي استقرّ عليه رأيي.
وفعل نعلم} معلّق عن العمل في مفعولين بوجود اللام.
والمراد ب ﴿ الذي يقولون ﴾ أقوالهم الدّالة على عدم تصديقهم الرسول صلى الله عليه وسلم كما دلّ عليه قوله بعده ﴿ ولقد كُذّبَتْ رسل ﴾ [الأنعام: 34]، فعدل عن ذكر اسم التكذيب ونحوه إلى اسم الموصول وصلته تنزيهاً للرسول عليه الصلاة والسلام عن ذكر هذا اللفظ الشنيع في جانبه تلطّفاً معه.
وقرأ نافع، وأبو جعفر ﴿ لَيُحْزنك ﴾ بضم الياء وكسر الزاي.
وقرأه الباقون بفتح الياء وضمّ الزاي يُقال: أحزنت الرجل بهمزة تعدية لفعل حَزن، ويقال: حَزَنْتُه أيضاً.
وعن الخليل: أنّ حزنته، معناه جعلت فيه حُزناً كما يقال: دَهنته.
وأمّا التعدية فليست إلاّ بالهمزة.
قال أبو علي الفارسي: حَزَنْت الرجل، أكثر استعمالاً، وأحزنته، أقيس.
و ﴿ الذي يقولون ﴾ هو قولهم ساحر، مجنون، كاذب، شاعر.
فعدل عن تفصيل قولهم إلى إجماله إيجازاً أو تحاشياً عن التصريح به في جانب المنزّه عنه.
والضمير المجعول اسم (إنّ) ضمير الشأن، واللام لام القسم، وفعل ﴿ يحزنك ﴾ فعل القسم، و ﴿ الذي يقولون ﴾ فاعله، واللام في ﴿ ليحزنك ﴾ لام الابتداء، وجملة ﴿ يحزنك ﴾ خبر إنّ، وضمائر الغيبة راجعة إلى ﴿ الذين كفروا ﴾ في قوله «ثم الذين كفروا بربِّهم يعدلون».
والفاء في قوله: ﴿ فإنّهم ﴾ يجوز أن تكون للتعليل، والمعلّل محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ قد نعلم ﴾ ، أي فلا تحزنْ فإنّهم لا يُكذبونك، أي لأنّهم لا يكذبونك.
ويجوز كونها للفصيحة، والتقدير: فإن كان يحزنك ذلك لأجل التكذيب فإنّهم لا يكذبونك، فالله قد سلّى رسوله عليه الصلاة والسلام بأن أخبره بأنّ المشركين لا يكذبونه ولكنّهم أهل جحود ومكابرة.
وكفى بذلك تسلية.
ويجوز أن تكون للتفريع على ﴿ قد نعلم ﴾ ، أي فعلمنا بذلك يتفرّع عليه أنّا نثبّت فؤادك ونشرح صدرك بإعلامك أنّهم لا يكذبونك، وإن نذكِّرك بسنة الرسل من قبلك، ونذكّرك بأنّ العاقبة هي نصرك كما سبق في علم الله.
وقرأ نافع، والكسائي، وأبو جعفر ﴿ لا يكْذبونك ﴾ ، بسكون الكاف وتخفيف الذال.
وقرأه الجمهور بفتح الكاف وتشديد الذال.
وقد قال بعض أئمة اللغة إنّ أكذب وكذّب بمعنى واحد، أي نسبه إلى الكذب.
وقال بعضهم: أكذبه، وجده كاذباً، كما يقال: أحمدَه، وجده محموداً.
وأمّا كذّب بالتشديد فهو لنسبة المفعول إلى الكذب.
وعن الكسائي: أنّ أكذبه هو بمعنى كَذّب ما جاء به ولم ينْسُب المفعول إلى الكذب، وأنّ كذّبه هو نسبه إلى الكذب.
وهو معنى ما نقل عن الزجّاج معنى كذبتهُ، قلت له: كذبتَ، ومعنى أكذبتُه، أريتُه أنّ ما أتى به كَذب.
وقوله: ﴿ ولكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ استدراك لدفع أن يتوهّم من قوله: ﴿ لا يكذبونك ﴾ على قراءة نافع ومن وافقه أنّهم صدّقوا وآمنوا، وعلى قراءة البقية ﴿ لا يكذّبونك ﴾ أنّهم لم يصدر منهم أصل التكذيب مع أنّ الواقع خلاف ذلك، فاستدرك عليه بأنّهم يجحدون بآيات الله فيظهر حالهم كحال من ينسب الآتيَ بالآيات إلى الكذب وما هم بمكذّبين في نفوسهم.
والجحد والجحود، الإنكار للأمر المعروف، أي الإنكار مع العلم بوقوع ما ينكر، فهو نفي ما يَعلم النافي ثبوته، فهو إنكار مكابرة.
وعُدل عن الإضمار إلى قوله ﴿ ولكنّ الظّالمين ﴾ ذمّاً لهم وإعلاماً بأنّ شأن الظالم الجحد بالحجّة، وتسجيلاً عليهم بأنّ الظلم سجيّتهم.
وعدّي ﴿ يجحدون ﴾ بالباء كما عدّي في قوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ﴾ [النحل: 14] لتأكيد تعلّق الجحد بالمجحود، كالباء في قوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6]، وفي قوله: ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلاّ أن كذّب بها الأولون ﴾ [الإسراء: 59]، وقول النابغة: لك الخير إن وارتْ بك الأرض واحداً *** وأصبح جَدّ الناس يظلع عاثراً ثم إنّ الجحد بآيات الله أريد به الجحد بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الآيات.
وجحْدها إنكار أنّها من آيات الله، أي تكذيب الآتي بها في قوله: إنّها من عند الله، فآل ذلك إلى أنّهم يكذّبون الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يجمع هذا مع قوله ﴿ فإنّهم لا يكذّبونك ﴾ على قراءة الجمهور.
والذي يستخلص من سياق الآية أنّ المراد فإنّهم لا يعتقدون أنّك كاذب لأنّ الرسول عليه الصلاة والسلام معروف عندهم بالصدق وكان يلقّب بينهم بالأمين.
وقد قال النضر بن الحارث لمّا تشاورت قريش في شأن الرسول: «يا معشر قريش قد كان محمد فيكم غلاماً أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً حتّى إذا رأيتم الشيب في صدغيه قلتم ساحر وقلتم كاهن وقلتم شاعر وقلتم مجنون ووالله ما هُو بأولئكم».
ولأنّ الآيات التي جاء بها لا يمتري أحد في أنّها من عند الله، ولأنّ دلائل صدقه بيِّنة واضحة ولكنّكم ظالمون.
والظالم هو الذي يجري على خلاف الحقّ بدون شبهة.
فهم ينكرون الحق مع علمهم بأنّه الحق، وذلك هو الجحود.
وقد أخبر الله عنهم بذلك وهو أعلم بسرائرهم.
ونظيرها قوله تعالى حكاية عن قوم فرعون ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلُوّاً ﴾ [النمل: 14] فيكون في الآية احتباك.
والتقدير: فإنّهم لا يكذّبونك ولا يكذّبون الآيات ولكنّهم يجحدون بالآيات ويجحدون بصدقك، فحذف من كلَ لدلالة الآخر.
وأخرج الترمذي عن ناجية بن كعب التابعي أنّ أبا جهل قال للنبيء صلى الله عليه وسلم لا نكذّبك ولكن نكذّب ما جئت به.
فأنزل الله ﴿ فإنّهم لا يكذّبونك ولكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ .
ولا أحسب هذا هو سبب نزول الآية.
لأنّ أبا جهل إن كان قد قال ذلك فقد أراد الاستهزاء، كما قال ابن العربي في «العارضة»: ذلك أنّه التكذيب بما جاء به تكذيب له لا محالة، فقوله: لا نكذّبك، استهزاء بإطماع التصديق.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ التَّكْذِيبِ لَكَ، والكُفْرُ بِي.
﴿ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ بِحُجَّةٍ، وإنَّما هو تَكْذِيبُ بُهْتٍ وعِنادٍ، فَلا يَحْزُنْكَ، فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَ قَوْلَكَ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، ولَكِنْ يُكَذِّبُونَ ما جِئْتَ بِهِ، قالَهُ ناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ.
والثّالِثُ: لا يُكَذِّبُونَكَ في السِّرِّ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، ولَكِنَّهم يُكَذِّبُونَكَ في العَلانِيَةِ لِعَداوَتِهِمْ لَكَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّ تَكْذِيبَهم لِقَوْلِكَ لَيْسَ بِتَكْذِيبٍ لَكَ، لِأنَّكَ رَسُولٌ مُبَلِّغٌ، وإنَّما هو تَكْذِيبٌ لِآياتِي الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ والمُوجِبَةِ لِقَبُولِ قَوْلِكَ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ.
وَقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ﴿ لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ وهي قِراءَةٌ عَنِ النَّبِيِّ وتَأْوِيلُها: لا يَجِدُونَكَ كاذِبًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لا مُبْطِلَ لِحُجَّتِهِ ولا دافِعَ لِبُرْهانِهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ فِيما قَضاهُ مِن نَصْرِ أوْلِيائِهِ، وأوْجَبَهُ مِن هَلاكِ أعْدائِهِ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ لا تَكْذِيبَ لِخَبَرِهِ فِيما حَكاهُ مِن نَصْرِ مَن نُصِرَ وهَلاكِ مَن أُهْلِكَ.
والرّابِعُ: مَعْناهُ لا يَشْتَبِهُ ما تَخَرَّصَهُ الكاذِبُونَ عَلَيْهِ بِما بَلَّغَهُ الأنْبِياءُ عَنْهُ.
﴿ وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ فِيما صَبَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الأذى، وقُوبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّصْرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [إعْراضُهُمْ] عَنْ سَماعِ القُرْآنِ.
والثّانِي: عَنِ اسْتِماعِكَ.
﴿ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ ﴾ أيْ سِرْبًا، وهو المَسْلَكُ فِيها، مَأْخُوذٌ مِن نافِقاءِ اليَرْبُوعِ.
﴿ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِصْعَدًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: دَرَجًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: سَبَبًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ولا لَكُما مَنجًى عَلى الأرْضِ فابْغِيا بِهِ نَفَقًا أوْ في السَّماواتِ سُلَّمًا ﴿ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ﴾ يَعْنِي أفْضَلَ مِن آيَتِكَ ولَنْ تَسْتَطِيعَ ذَلِكَ، لَمْ يُؤْمِنُوا لَكَ، فَلا يُحْزِنُكَ تَكْذِيبُهم وكُفْرُهم، قالَ الفَرّاءُ: وفي الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: فَتَأْتِيهِمْ بِآيَةٍ فافْعَلْ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى ﴾ يَعْنِي بِالإلْجاءِ والِاضْطِرارِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَوْضِعٍ قالَ اللَّهُ فِيهِ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ فَإنَّهُ لَمْ يَشَأْ.
﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ يَعْنِي تَجْزَعُ في مَواطِنِ الصَّبْرِ، فَتَصِيرُ بِالأسَفِ والتَّحَسُّرِ مُقارِبًا لِأحْوالِ الجاهِلِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ الِاسْتِجابَةُ هي القَبُولُ، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الجَوابِ: أنَّ الجَوابَ قَدْ يَكُونُ قَبُولًا وغَيْرَ قَبُولٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الَّذِينَ يَعْقِلُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: الَّذِينَ يَسْمَعُونَ طَلَبًا لِلْحَقِّ، لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ قَدْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ طَلَبًا لِلْحَقِّ، فَأمّا مَن لا يَسْمَعُ، أوْ يَسْمَعُ لَكِنْ لا بِقَصْدِ طَلَبِ الحَقِّ، فَلا يَكُونُ مِنهُ اسْتِجابَةً.
﴿ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالمَوْتى هُنا الكُفّارُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.
وَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: إنَّما يَسْتَجِيبُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، والكُفّارُ لا يَسْمَعُونَ إلّا عِنْدَ مُعايَنَةِ الحَقِّ اضْطِرارًا حِينَ لا يَنْفَعُهم حَتّى يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ كُفّارًا ثُمَّ يُحْشَرُونَ كُفّارًا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ المَوْتى الَّذِينَ فَقَدُوا الحَياةَ، وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: كَما أنَّ المَوْتى لا يَسْتَجِيبُونَ حَتّى يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ فَكَذَلِكَ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والضياء في المختارة عن علي قال: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله: ﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي يزيد المدني «أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل، فجعل أبو جهل يلاطفه ويسائله، فمر به بعض شياطينه فقال: أتفعل هذا؟
قال: أي والله إني لأفعل به هذا، وإني لاعلم أنه صادق ولكن متى كنا تبعاً لبني عبد مناف، وتلا أبو يزيد ﴿ فإنهم لا يكذبونك...
﴾ الآية» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن أبي ميسرة قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي جهل فقال: والله يا محمد ما نكذبك أنك عندنا لمصدق ولكنا نكذب بالذي جئت به، فأنزل الله: ﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن أبي صالح في الآية قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس حزين، فقال له: ما يحزنك؟
فقال» كذبني هؤلاء.
فقال له جبريل: «إنهم لا يكذبونك، إنهم ليعلمون أنك صادق ﴿ ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ » .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي صالح قال: كان المشركون إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قال بعضهم لبعض فيما بينهم: إنه لنبي، فنزلت هذه الآية ﴿ قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والضياء عن علي بن أبي طالب.
أنه قرأ ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ خفيفة قال: لا يجيئون بحق هو أحق من حقك.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني عن ابن عباس.
أنه قرأ ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ مخففة قال: لا يقدرون على أن لا تكون رسولاً، وعلى أن لا يكون القرآن قرآناً، فاما أن يكذبونك بألسنتهم فهم يكذبونك، فذاك، الا كذاب وهذا، التكذيب.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب.
أنه كان يقرؤها ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ بالتخفيف.
يقول: لا يبطلون ما في يديك.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ قال: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن.
أنه قرأ عنده رجل ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ خفيفة فقال الحسن ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ وقال: إن القوم قد عرفوه ولكنهم جحدوا بعد المعرفة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ .
معنى ﴿ قَدْ ﴾ هاهنا التوقع (١) لما سمع تكذيب قومه إياه توقع ما يخاطبه الله تعالى في ذلك فقال: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ ﴾ ذلك تسلية وتعزية عما يواجه به قومه (٢) قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد تعزية النبي وتصبيره فيما تقول (٣) (٤) وقوله تعالى ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ .
دخلت الفاء (٥) (٦) ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ فقال ابن عباس: ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ في السر قد علموا أنك صادق: ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ بمحمد والقرآن في العلانية) (٧) (٨) (٩) (١٠) ، وأنه غير كاذب فيما يقول، ولكن عاندوا وجحدوا).
يدل على هذا ما قال مقاتل: (نزلت في الحارث بن عامر (١١) في العلانية، فإذا خلا مع أهله قال: ما محمد من أهل الكذب نعلم أن الذي يقوله حق، ولا يمنعنا من أن نتبعه إلا المخافة من أن يتخطفنا الناس من أرضنا -يعني: العرب- فإنا أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم؛ فأنزل الله تعالى: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ في العلانية أنك كذاب ومفترٍ ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ في السر يعلمون أنك صادق، وقد جربوا منك الصدق فيما مضى، ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ بالقرآن بعد المعرفة) (١٢) (١٣) وقال السدي (١٤) (١٥) (١٦) وأبو يزيد (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقال قتادة: (يعلمون أنك رسول، ولكن يجحدون) (٢١) وقال ابن جريج: (لا يكذبونك بما تقول، ولكن يجحدون بآيات الله).
وقال عطاء: (لا يكذبونك، ولكن جحدوا ربوبيتي وقدرتي وسلطاني) (٢٢) ومعنى الجحد: إنكار المعرفة.
وهو ضد الإقرار (٢٣) (٢٤) (٢٥) وذكر الزجاج وجهين يوافقان هذا التفسير الذي ذكرناه: (أحدهما ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ بقلوبهم، أي: يعلمون أنك صادق، وإنما جحدوا براهين الله جل وعز، قال: وجائز أن يكون ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ أي: أنت عندهم صدوق؛ لأنه كان يسمى فيهم الأمين قبل الرسالة، ولكنهم جحدوا بألسنتهم ما تشهد قلوبهم بكذبهم فيه) (٢٦) وقال أبو علي الفارسي: ( ﴿ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ ؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة، ولذلك سمي الأمين، ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ بألسنتهم ما يعلمونه يقينًا؛ لعنادهم وما يؤثرونه من ترك الانقياد للحق، وقد قال جل وعز في صفة قوم: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾ ) [النمل: 14] (٢٧) ونحو هذا قال ابن الأنباري (٢٨) (٢٩) وقال الضحاك: ( ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ (لا يقدرون على أن تكون رسولاً (٣٠) (٣١) ﴿ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ لا يستطيعون أن يجعلوك كذابًا، [وحرر أبو بكر هذا القول فقال: معناه فإنهم لا يصححون عليك كذابًا] (٣٢) (٣٣) وقال غيره ما يؤكد هذا المعنى، فقال: معناه: ( ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ بحجة، أي: فلا يعتد بتكذيبهم، فإنه لا حقيقة له) (٣٤) واختلف القراء (٣٥) ﴿ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ فقرؤوا مشددًا ومخففًا.
قال الفراء: (معنى التخفيف -والله أعلم-: لا يجعلونك كذابًا ، ولكن يقولون: إن ما جئت به باطل؛ لأنهم لم يجربوا عليه كذبًا فيكذبوه، وإنما أكذبوه، أي: قالوا: إن ما جئت به كذب.
قال: والتكذيب أن يقال: كذبت) (٣٦) وقال الزجاج: (معنى كذبته: قلت له: كذبت، ومعنى أكذبته: أريت (٣٧) (٣٨) وكان الكسائي يقرأ بالتخفيف ويحتج: (بأن العرب تقول: كذبت الرجل إذا نسبته إلى الكذب وإلى صنعة الأباطيل من القول (٣٩) (٤٠) ونحو هذا حكى عنه أحمد بن يحيى، وقال: (كان الكسائي يحكي عن العرب: أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاء بكذب لم يضعه هو، كأنه حكى كذبًا، وكذبته إذا أخبرت أنه كذاب) (٤١) وقال أبو علي: (لا يجوز أن يكون معنى القراءتين واحداً؛ لأن معنى التثقيل النسبة إلى الكذب، بأن تقول له: كذبت، كما تقول: زنيته وفسقته وخطأته، أي: قلت له: فعلت هذه الأشياء، وسقيته ورعيته قلت له: سقاك الله ورعاك الله، وقد جاء في المعنى أفعلته قالوا: أسقيته قلت له: سقاك الله (٤٢) وأُسْقيهِ حَتَّى كَادَ ممَّا أَبُثُّهُ ...
تُكَلّمُنِي أَحْجَارُهُ ومَلاعبُهْ (٤٣) أي: أنسبه إلى السقيا بأن أقول: سقاك الله.
فيجوز على هذا أن يكون معنى القراءتين واحداً وإن اختلف اللفظان، إلا أن فَعَّلْتَ إذا أرادوا أن ينسبوا إلى أمر أكثر من أَفْعَلْتَ (٤٤) ﴿ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ : لا يصادفونك كاذبًا؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة، كما تقول: أحمدت الرجل إذا أصبته محمودًا، وأجبنته وأبخلته وأفحمته إذا صادفته على هذه الأحوال) (٤٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ قد مضى تفسيره (٤٦) ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ ولكن يكذبون بآيات الله.
وقال أبو علي: ( ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أي: برد آيات الله أو إنكار (٤٧) ﴿ يَجْحَدُونَ ﴾ ، أي: يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك، ومن ذلك (٤٨) ﴿ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ﴾ ، أي: ظلموا بردها أو الكفر (٤٩) ﴿ فَظَلَمُوا بِهَا ﴾ من صلة ظلموا، كذلك يكون من صلة الظلم في قوله: ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ ، و ﴿ يَجْحَدُونَ ﴾ محذوف المفعول للدلالة عليه) (٥٠) (١) قد: للتوقع مع المضارع، وكذلك مع الماضي عند الأكثر، وقال ابن هشام في "المغني" 1/ 171: هي مع الماضي للتقريب؛ لأنها تدخل على ماضٍ متوقع.
وانظر: "المقتضب" 2/ 334، و"حروف المعاني" للزجاجي ص 13، و"معاني الحروف" للرماني ص 445، و"رصف المباني" ص445، وقال السمين في "الدر" 4/ 601: (قد هنا حرف تحقيق) ا.
هـ.
وانظر.
"الكشاف" 2/ 14، وابن عطية 5/ 180، و"البيان" 1/ 491، و"الفريد" 2/ 141، و"البحر" 4/ 110.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 180، وابن الجوزي 3/ 28.
(٣) في (أ): (يقول): بالياء.
(٤) لم أقف عليه.
وانظر: "تنوير المقباس" 2/ 15.
(٥) لم أقف على من تكلم عن الفاء هنا.
وفي الجدول في "إعراب القرآن" 4/ 7/ 100، قال في الآية: (الفاء للتعليل؛ لأن القول السابق يفيد النهي، أي: لا تحزن إنهم لا يكذبونك) ا.
هـ (٦) في (ش): (هذه).
(٧) "تنوير المقباس" 2/ 15، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 29.
(٨) أخرجه الطبري 7/ 181، بسند جيد، وذكره أكثرهم.
(٩) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 207، والطبري 7/ 181، وابن أبي حاتم 4/ 1283 بسند جيد.
(١٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 29، عن ابن عباس وقتادة والسدي ومقاتل.
(١١) الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي.
مشرك كان يؤذي النبي وأصحابه بمكة وقتل في بدر مع المشركين.
انظر: "السيرة" لابن هشام 2/ 357، و"جوامع السير" ص 147، و"عيون الأثر" 1/ 285.
(١٢) "تفسير مقاتل" 1/ 558.
(١٣) "تنوير المقباس" 2/ 15، وذكره الماوردي 2/ 108، وابن الجوزي 3/ 29، و"البحر" 4/ 111، وذكره ابن الجوزي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(١٤) أخرجه الطبري 7/ 182، بسند جيد، وذكره أكثرهم.
انظر: "الثعلبي" ص 177 أ، و"أسباب النزول" للواحدي ص 219، والبغوي 3/ 139، وابن الجوزي 3/ 28.
(١٥) أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني، أبو ميسرة الكوفي مشهور بكنيته، إمام تابعي عابد جليل صالح ثقة مخضرم.
وقال بعضهم: له صحبة.
توفي سنة 36 هـ انظر: "طقات ابن سعد" 6/ 106، و"الجرح والتعديل" 6/ 237، و"الحلية" 4/ 141، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 135، و"الإصابة" 4/ 114، و"تهذيب التهذيب" 4/ 596.
(١٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 29، وأسباب النزول ص 219، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 18، وقال: (أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه) ا.
هـ.
(١٧) أبو يزيد المدني نزل البصرة لا يعرف اسمه وهو تابعي ثقة، روى عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس وغيرهم، وروى عنه أيوب السختياني وغيره، وأخرج له البخاري والنسائي، توفي بعد المائة.
انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 458، و"الكاشف" 2/ 472 (6902)، و"تهذيب التهذيب" 4/ 609، و"تقريب التهذيب" (8452) ص 685.
(١٨) أخرجه ابن حاتم 4/ 1283، بسند رجاله ثقات سوى بشر بن مبشر الواسطي فقد قال ابن حجر في "اللسان" 2/ 32 (ضعفه الأزدي وذكره ابن حبان في "الثقات" ا.
هـ.
وانظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 324، و"المغني للذهبي" 1/ 107، وذكر الرواية عن أبي يزيد: ابن كثير 2/ 146، والسيوطي في "الدر" 3/ 18، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ.
(١٩) ناجية بن كعب الأسدي الكوفي، تابعي ثقة، روى عن علي وعمار ما وغيرهما، وروى عنه أبو إسحاق السبيعي وغيره.
أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي، توفي بعد المائة.
انظر: "تاريخ الثقات" للعجلي 2/ 308 (1830)، و"الجرح والتعديل" 8/ 486، و"ميزان الاعتدال" 4/ 239، و"تهذيب التهذيب" 4/ 204، و"التقريب" (7065) ص 557.
(٢٠) أخرجه الترمذي (3064)، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام، والطبري 7/ 182، وابن أبي حاتم 4/ 1282، من طرق جيدة عن ناجية، وأخرجه الترمذي وابن أبي حاتم، والنحاس في "معانيه" 2/ 418، والحاكم 2/ 315، عن ناجية عن علي ، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ا.
هـ.
ووافقه الذهبي وقال: (لم يخرجا لناجية شيئًا).
وصححه الشيخ أحمد شاكر في حاشية "عمدة التفسير" 1/ 770، وقال: (حديث علي صحيح؛ لأن الوصل زيادة من ثقتين، فهي مقبولة على اليقين) ا.
هـ.
وقال الترمذي: == (الموقف على ناجية أصح) ا.
هـ.
وضعفه الألباني في "ضعيف الترمذي" ص 354 - رقم 590 - 591، وفي "المشكاة" 3/ 1622 - رقم (5834)، وقال: (الموقوف أصح).
وانظر: "الدر المنثور" 3/ 18.
(٢١) سبق تخريجه.
(٢٢) لم أقف على من ذكره عن ابن جريج وعطاء.
(٢٣) انظر: "العين" 3/ 72، و"الجمهرة" 2/ 435، و"تهذيب اللغة" 1/ 541، و"الصحاح" 2/ 451، و"مقاييس اللغة" 1/ 425، و"المفردات" ص 187، و"اللسان" 1/ 547 (جحد).
(٢٤) في (ش): (كأنه قيل).
(٢٥) جاء في (أ): تكرار لفظ: (أكثر).
(٢٦) "معاني الزجاج" 2/ 242.
(٢٧) "الحجة" 3/ 303.
(٢٨) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3114، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 29، وابن منظور في "اللسان" 7/ 3841 (كذب).
(٢٩) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 1/ 157، و"تفسير الطبري" 7/ 181، و"معاني النحاس" 2/ 417 - 419، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 544، و"معاني القراءات" للأزهري 1/ 352.
(٣٠) في (ش): (يكون) بالياء.
(٣١) أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1282، بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 18، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ والطبراني، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 87، وقال: (رواه الطبراني عن ابن عباس، وفيه بشر بن عمارة وهو ضعيف) ا.
هـ (٣٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٣٣) لم أقف عليه، وقريب منه ما نقله الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3114، وابن منظور في "اللسان" 7/ 3841، عن ابن الأنباري في معنى الآية أنه قال: (ويمكن أن يكون ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ بمعنى لا يجدونك كذابًا عند البحث والتدبر والتفتيش).
ا.
هـ.
(٣٤) ذكر هذا القول الماوردي في "تفسيره" 2/ 107، عن أبي صالح وقتادة والسدي، وانظر: "زاد المسير" 3/ 29.
(٣٥) قرأ نافع والكسائي (لا يكذبوك) بسكون الكاف وتخفيف الذال من أَكْذبَ، وقرأ الباقون بفتح الكاف وتشديد الذال من كذَب.
انظر: "السبعة" ص 257، و"المبسوط" ص 168، و"التذكرة" 2/ 397، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 257.
(٣٦) "معاني الفراء" 1/ 331.
(٣٧) كذا في النسخ، وعند الزجاج 2/ 242: (ادعيت).
(٣٨) "معاني الزجاج" 2/ 242، بتصرف يسير.
ولم يشر الزجاج إلى أن ذلك معنى التخفيف.
(٣٩) لفظ: (من القول) ساقط من (ش).
(٤٠) "تهذيب اللغة" 4/ 3115.
(٤١) "مجالس ثعلب" 271، و"معاني النحاس" 2/ 419، و"الحجة" لأبي علي 3/ 304.
(٤٢) جاء في (ش): تكرار: (ورعاك الله - إلى سقاك الله).
(٤٣) "ديوانه" ص 288، و"الكتاب" 4/ 59، و"النوادر" لأبي زيد ص 213، و"أدب الكاتب" ص 356، و"الممتع في التصريف" 1/ 187، و"اللسان" 4/ 2042 (سقى)، وقال الخطيب التبريزي في "شرحه" 289: (أبثه، أي أخبره بكل ما في نفسي، وأسقيه، أي: أدعو له بالسقيا، وملاعبه: مواضع يلعب فيها) ا.
هـ.
(٤٤) انظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 58.
(٤٥) "الحجة" 3/ 302 - 305، ولم يذكر قوله: "وأجبنته وأبخلته وأفحمته ...
" وانظر: "الحجة" لابن خالويه ص 138، و"إعراب القراءات" 1/ 155، و"الحجة" لابن زنجلة ص 247، و"الكشف" 1/ 430، و"المشكل" 1/ 251، و"الدر المصون" 4/ 603.
(٤٦) هي آية لم ترد قبل، ولعله يريد ص 174 من هذا البحث.
(٤٧) في (ش): (وإنكار).
(٤٨) في (أ): (ذلك قوله).
(٤٩) في (أ): (بردها والكفر بها).
(٥٠) "الحجة" لأبي علي 1/ 339، وقال السمين في "الدر" 4/ 604 - 605: (يجوز في هذا الجار وجهان: أحدهما: أنه متعلق بيجحدون، وهو الظاهر الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وجوز أبو البقاء أن يتعلق بالظالمين قال: كقوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ﴾ ، وهذا الذي قاله ليس بجيد؛ لأن الباء هناك سببية أي: ظلموا بسببها، والباء هنا معناها التعدية، وهنا شيء يتعلق به تعلقًا واضحًا فلا ضرورة تدعو إلى الخروج عنه) ا.
هـ.
وانظر: "التبيان" 1/ 320، و"الفريد" 2/ 142.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ ﴾ قرأ نافع يحزن حيث وقع بضم الياء من أحزن، إلا قوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر، وقرأ الباقون بفتح الياء من حزن الثلاثي وهو أشهر في اللغة والذي يقولون: قولهم إنه ساحر، شاعر، كاهن ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ من قرأ بالتشديد فالمعنى: لا يكذبونك معتقدين لكذبك، وإنما هم يجحدون بالحق مع علمهم به، ومن قرأ بالتخفيف فقيل: معناه لا يجدونك كاذباً، يقال؛ أكذبت فلاناً إذا وجدته كاذباً، كما يقال: أحمدته إذا وجدته محموداً، وقيل: هو بمعنى التشديد، يقال: كذبك فلان فلاناً وأكذبه بمعنى واحد، وهو الأظهر لقوله بعد هذا يجحدون، ويؤيد هذا ما روي أنها نزلت في أبي جهل فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكفر بك ولكن نكذب ما جئت به، وأنه قال للأخنس بن شريق: والله إن محمداً لصادق، ولكني أحسده على الشرف ﴿ ولكن الظالمين ﴾ أي: ولكنهم ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ بالنصب فيهما: حمزة وحفص ويعقوب وافق ابن عامر في ﴿ ونكون ﴾ الباقون: بالرفع ﴿ ولدار الآخرة ﴾ بالإضافة: ابن عامر بتأويل الساعة الآخرة، الباقون: بتعريف الدار ورفع الآخرة على الوصفية.
﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص وكذلك في الأعراف ﴿ يكذبونك ﴾ بالتخفيف من أكذبه إذا وجده كاذباً: علي ونافع والأعشى في اختياره.
الباقون: بالتشديد من كذبه إذا نسبه إلى الكذب.
﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ وينأون عنه ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ بلقاء الله ﴾ ط لأن "حتى" للابتداء فيها لا لأن الواو للحال ﴿ على ظهورهم ﴾ ط ﴿ يزرون ﴾ ه ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقصود لكلمات الله كذلك.
﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ بآية ﴾ ط ﴿ من الجاهلين ﴾ ه ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.
التفسير: لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بعض أسباب ذلك فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال ابن عباس: حضر عند رسول الله أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف واستمعوا إلى حديث رسول الله فقالوا للنضر: ما تقول في محمد؟
فقال: ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحريك.
شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية.
وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدث قريشاً فيستملحون حديثه فنزلت الآية.
والأكنة جمع كنان وهو كل ما وقى شيئاً وستره من الأغطية والقفل، ومنه أكننت وكننت.
وأن يفقهوه مفعول لأجله أي كراهة فقههم.
والوقر الثقل في الآذان.
والتركيب يدور على الثقل ومنه الوِقر بالكسر الحمل، والوقار الحلم.
وفي الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذي يصرف عن الإيمان ويحول بين المرء وبين قلبه.
وقالت المعتزلة: لا يمكن أجراؤها على ظاهرها وإلا كأن فيها حجة الكفار، ولأنه يكون تكليفاً للعاجز.
ولم يتوجه ذمهم في قولهم ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ فلا بد من التأويل وذلك من وجوه الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يسمعون لقراءة الرسول ليتوسلوا بسماع قراءته إلى مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله يلقي على قلوبهم النوم والغفلة، وعلى آذانهم الثقل.
وزيف بأن المراد لوكان ذلك لقيل " أن يسمعوه" بدل "أن يفقوه".
وبأن قوله ﴿ وأن يروا كل آية ﴾ أي كل دليل وحجة ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ لا يناسبه.
الثاني: أن المكلف الذي علم الله أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم قلبه بعلامة مخصوصة لتستدل الملائكة برؤيتها فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان مع انها في نفسها ليست بمانعة عن الإيمان.
الثالث: يقال: إنه جبل على كذا إذا كان مصّراً عليه وذلك على جهة التمثيل.
الرابع: لما منعهم الألطاف التي تصلح أن تفعل بالمهتدين وفوّض أمورهم إلى أنفسهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه.
الخامس: أن هذا حكاية قولهم ﴿ وفي ءَاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ وعورضت هذه الأدلة بالعلم والداعي، وذلك أن الله علم من الكافر أنه لا يؤمن وخلاف علمه محال، وأنه هو الذي خلق فيهم داعية الكفر ومع وجود تلك الداعية يستحيل الإيمان فهو المعنى بالكنان.
وتحقيق المسألة تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ والإفراد في ﴿ يستمع ﴾ والجمع في ﴿ قلوبهم ﴾ اعتبار اللفظ من تارة ولمعناه أخرى ﴿ حتى إذا جاؤك ﴾ هي حتى المبتدأة التي يقع بعدها الجمل كقوله: حتى ماء دجلة أشكل.
والجملة ههنا مجموع الشرط والجزاء أعني قوله ﴿ إذا جاؤك ﴾ يقول: ﴿ ويجادلونك ﴾ في موضع الحال.
ويجوز أن تكون حتى جارّة أي حتى وقت مجيئهم ﴿ ويجادلونك ﴾ حال بحاله ﴿ ويقول ﴾ تفسير له.
والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى حالة المجادلة.
ثم فسر الجدل بأنهم يقولون ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ وأصل السطر هو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً في صف ومنه سطر الكتاب وسطر من نخيل وجمعه أسطار وجمع الجمع أساطير.
وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة كأحاديث وأحدوثة.
وقال أبو زيد: لا واحد له كعباديد.
قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها.
ومن فسر الأساطير بالخرافات والترهات نظر.
إلى أن الإغلب هو أن لا يكون فيها فائدة معتبرة كحديث رستم وغيره فذلك معنى وليس بتفسير.
ثم إن غرض القوم من هذا القول هو القدح في كون القرآن معجزاً كما الكتب المشتملة على الأخبار والقصص ليست بمعجزة، والجواب أن هذا مقرون بالتحدي وقد عجزوا عن آخرهم دون تلك فظهر الفرق.
ثم أكد طعنهم في القرآن بقوله ﴿ وهم ينهون عنه ﴾ قال محمد بن الحنفية وابن عباس في رواية والسدي والضحاك: عن القرآن وتدبره والاستماع له ﴿ وينأون عنه ﴾ والنأي البعد.
نأيته ونأيت عنه وناء الرجل إذا بعد لغة في "نأى" وحملوه على القلب لأن المصدر لم يجيء إلا على النأي.
وقيل: الضمير للرسول والمراد النهي عن اتباعه والتصديق بنبوّته، جمعوا بين قبيحين: النأي والنهي فضلوا وأضلوا.
وعن عطاء ومقاتل عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ويتباعد عما جاء به.
روي أن قريشاً اجتمعوا إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي فقال أبو طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذلك منك عيونا وعرضت ديناً لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً وضعفت هذه الرواية بقوله ﴿ إن يهلكون إلا أنفسهم ﴾ يعني بما تقدم ذكره، ولكن النهي عن أذيته حسن لا يوجب الهلاك.
ويمكن أن يجاب بأن الذم توجه على الهيئة الاجتماعية الحاصلة من النهي مع النأي كقوله ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ ولو سلم فلم لا يجوز أن يرجع الذم إلى القسم الأخير فقط.
ثم بيَّن أنه كيف يعود الضرر إليهم فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ وجواب "لو" محذوف أي لرأيت سوء منقلبهم ونحو ذلك.
وجاز حذفه للعلم به ولما في الحذف من تفخيم الشأن وهو ذهاب الوهم كل مذهب كما لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب.
ذهب فكره إلى أنواع المكاره من الضرب والقتل وغيرهما بخلاف ما لو قلت: لأضربنك.
ولمثل هذا من إرادة المبالغة قال ﴿ وقفوا ﴾ بلفظ الماضي مع "إذا" الدال على المضي كأن هذا الأمر وقع وتحقق فكان من حقه أن يخبر عنه بلفظ الماضي أي وقفوا على أن يدخلوا النار وهم يعاينونها، أو وقفوا عليها وهي تحتهم، أو هو من قولهم: وقفت على المسألة الفلانية وقوفاً أي عرفوا حقيقتها تعريفاً أو المراد أنهم في جوف النار غائصين فيها فتكون "على" بمعنى "في" وجاز لأن النار دركات بعضها فوق بعض فلا يخلو من معنى الاستعلاء ﴿ يا ليتنا نردّ ﴾ هو داخل في حكم التمني.
أما قوله ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ فمن قرأ بالنصب فيهما فبإضمار "أن" على جواب التمني والمعنى إن رددنا إلى دار التكليف لم نكذب ونكن من المؤمنين.
ومن قرأ بالرفع فيهما فوجهان: أحدهما أن التمني يتم عند قوله ﴿ نرد ﴾ ثم ابتدؤا ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ أي ونحن لا نكذب ونكون كأنهم ضمنوا أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين سواء حصل الرد أو لم يحصل.
وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني.
وثانيهما أن يكونا معطوفين على ﴿ نرد ﴾ أو حالين على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيدخل المجموعتحت حكم التمني.
وأورد على هذا الوجه أن المتمني لا يكون كاذباً وقد قال ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وأجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى الوعد فجاز أن يتعلق به التكذيب كقول القائل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك فهذا متمن في حكم الواعد فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه كذب لأنه كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.
وأما قراءة ابن عامر فمعناه إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين ثم رد الله عليهم بأنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا وترك التكذيب وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأجل خوفهم من العذاب الذي شاهدوه وعاينوه فقال ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وما الذي كانوا يخفونه في الدنيا.
قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى ﴿ بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك أن كفرهم ما كان ظاهراً لهم وإنما ظهر لهم يوم القيامة.
وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء منهم من أمر البعث والنشور بدليل قوله بعد ذلك ﴿ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ وهذا قول الحسن.
وقيل: إنها في المنافقين كانوا يسرون الكفر فيظهر نفاقهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.
وقيل: هو في أهل الكتاب يظهر لهم ما كانوا يكتمونه من صحة نبوة محمد .
والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار اللهم كفر عنا سيآتنا في ذلك اليوم.
ثم قال ﴿ ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ قيل كيف يتصوّر هذا وإنهم قد عرفوا الله حينئذ بالضرورة وشاهدوا الأحوال والأهوال؟
وأجاب القاضي بأن المراد ولو ردّوا إلى حالة التكليف.
وعلى هذا التقدير لا تبقى المعرفة ضرورية فلا يمتنع صدور الكفر عنهم.
وضعف بأن المقصود من إيراد هذا الكلام المبالغة في غيهم وتماديهم وإصرارهم على الكفر.
وإذا فرض عودهم إلى حالة التكليف زال التعجب كما هو الأن فإذن لا تنحل العقدة إلا بأن يقال: المراد توكيد جريان القضاء السابق فيهم بحيث لو شاهدوا العذاب والعقاب ثم سألوا الرجعة فردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ولم ينجع ذلك فيهم ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما وعدوا في ضمن التمني أو في كل شيء ولهذا قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ "إن" نافية والضمير عائد إلى حقيقة الحياة "المعلومة في الأذهان ولهذا أضيف الى جمع المتكلم أي ما لنا حياة إلا هذه الحياة" التي هي أقرب إلينا ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ بعدها.
وقيل: إن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا البعث ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا.
ثم لما قرر إنكارهم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ﴾ تمسك بعض المشبهة بهذا على أنه يحضر تارة ويغيب أخرى، ورد بأن استعلاء شيء على ذات الله محال بالاتفاق فوجب تأويل الأية بأنه مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب، أو لمضاف محذوف أي على جزاء ربهم أو وعده أو إخباره بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين، أوهو من قولك: وقفته على كذا أي أطلعته عليه.
ثم كان لسائل أن يقول: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟
فأجيب ﴿ قال أليس هذا ﴾ الذي عاينتموه من حديث البعث والجزاء ﴿ بالحق ﴾ الذي حدثتموه؟
﴿ قالوا بلى وربنا ﴾ وفيه دليل على أن حالهم في الإنكار سيؤل إلى الإقرار، ثم كأنه سئل ماذا قيل لهم بعد الإقرار؟
فأجيب ﴿ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أي بسبب كفركم وذلك ليعلم أن الإقرار في غير دار التكليف لا ينفع، وذلك أن جوهر النفس اللطيفة القدسية بعث إلى هذا العالم الجسماني الكثيف وأعطى الآلات الجسمانية لتحصيل المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت.
فإذا استعملها الإنسان بناء على اعتقاد عدم المعاد في تحصيل اللذات الفانية والسعادات المنقطعة إلى أن ينقضي أجله فقد ضاع رأس المال ولا ربح وذلك قوله ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ أي ببلوغ الآخرة وثوابها وعقابها.
عبر عن ذلك بلقاء الله لأنه لا حكم لأحد هناك إلا لله بخلاف الدنيا فإنه قد يظن أن للإنسان تصرفاً واختياراً وملكاً وملكاً.
وحمل اللقاء على الرؤية أيضاً غير بعيد عند أهل السنة.
و"حتى" غاية لـ ﴿ كذبوا ﴾ لا لـ ﴿ خسر ﴾ لأن خسرانهم لا غاية له أي لم يزل بهم التكذيب إلى تحسرهم وقت مجيء الساعة بل وقت موتهم، فإن أمارات السعادة والشقاوة تلوح على صفحات أحوال المكلف من وقتئذ وهذا معنى قوله "من مات فقد قامت قيامته" وسمى يوم القيامة الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هو إلا ساعة الحساب، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله ولهذا قال ﴿ بغتة ﴾ أي فجأة.
وانتصابها على الحال أي باغتة من بغته إذا فاجأه، أو على المصدر العام أي بغتتهم الساعة بغتة أو الخاص لأن البغت نوع من المجيء ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" ﴿ يا حسرتنا ﴾ مثل ﴿ يا ويلتي ﴾ وقد مر مثله في سورة المائدة أي احضري فهذا وقتك ﴿ على ما فرّطنا ﴾ أصله يدل على الترك والهمزة في الإفراط لإزالة ذلك.
وقولهم فرطت القوم أي سبقتهم إلى الماء، معناه تركتهم من ورائي حتى حصل لي التقدم.
أما الضمير في ﴿ فيها ﴾ فقال ابن عباس: أي في الدنيا وإن لم يجر لها ذكر في الآية بدلالة العقل لأن موضع التقصير هو الدنيا.
وقال الحسن: أي في وقت الساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها وإعداد الزاد وتحصيل الأهبة لها.
وقال محمد بن جرير الطبري: يعود إلى الصفقة والمبايعة بدلالة ذكر الخسران.
وقيل: إلى ما فيما فرطنا أي يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي تركناها وقصرنا فيها.
ثم بين تضاعف خسرانهم بأنهم لم يحصلوا لأنفسهم مواجب الثواب ولكن حصلوا مواجب العقاب فقال ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ هي الآثام والخطايا.
وأصل الوزر الثقل ومنه الوزير لأنه يحمل ثقل صاحبه.
والوزر الملجأ لأنه يدفع عنه ما أصابه فكأنه حمله.
أما كيفية حملهم الأوزار فقال في الكشاف: إنه مجاز عن حصولها لهم كقوله ﴿ فبما كسبت أيديكم ﴾ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي.
وقال الزجاج: الثقل قد يذكر في الحال والصفة.
ثقل عليّ خطاب فلان أي كرهته، فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم.
وقيل: هو كقولك: شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي.
وقال جمع من المفسرين: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قالوا ركباناً وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم قاله قتادة والسدي.
﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ بئس شيئاً يزرون وزرهم.
ثم رغب في الحياة الباقية وزهد في الحياة العاجلة فقال ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق لأن حياة المؤمن تحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً.
وقال آخرون: هو عام في حياة المؤمن والكافر وذلك أن مدة اللهو واللعب وكل شيء يلهيك ويشغلك مما لا أصل له قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك.
وأيضاً اللعب واللهو لا بد أن يتناهيا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك، ولهذا رفضها العلماء المحققون والحكماء المتألهون.
﴿ وللدار الآخرة ﴾ قال ابن عباس: هي الجنة وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي.
وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير.
وقال الآخرون: نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا من حيث إنها دائمة باقية مصونة عن شوائب الآفات والمخافات، آمنة من نقص الانقضاء والانقراض ﴿ للذين يتقون ﴾ فيه أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن اتقى الكفر والمعاصي، وأما الكافر والفاسق فالدنيا بالنسبة إليهما خير كما قال : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" .
﴿ أفلا تعقلون ﴾ قال الواحدي: من قرأ بتاء الخطاب فالمعنى قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون، ومن قرأ بالياء فمعناه أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟
وذلك أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوات التي يشارك فيها سائر الحيوانات، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل، فالجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب والنمر والحيات أقوى غضباً وقهراً، وكل من وقف عمره على هذه المطالب لم يكن له عند العقلاء وزن ولا عند الحكماء والعلماء قدر، وكل من صرف عمره في تحصيل الكمالات الدائمات والسعادات الباقيات كان له في العيون مهابة وفي القلوب قبول، وذلك دليل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية وعلو مرتبة الكمالات الروحانية.
وهب أن النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة أليس المعلوم أفضل من المظنون وأن خيرات الآخرة معلومة قطعاً والوصول إلى خيرات الدنيا في الغد غير معلوم ولا مظنون؟
فكم من سلطان قاهر بكرة صار تحت التراب عشية، وكم من متمول متغلب أصبح أميراً كبيراً ثم أمسى فقيراً حقيراً.
وهب أنه وجد بعد هذا اليوم يوماً آخر فلن يمكنه الانتفاع بكل ما جمع من الأسباب، ولو انتفع فقلما يخلص من شوائب المكاره والآفات كما روي أنه قال "من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق.
قيل: وما هو يا رسول الله؟
قال: سرور يوم بتمامه" وهب أن الدست له قد تم، أليس مآل كل ذلك إلى الزوال والانقراض؟
وكفى بذلك نقصاً وكدراً كما قال: كمال الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا ثم سلى رسول الله وقال ﴿ قد نعلم ﴾ والمراد كثرة العلم والمبالغة كما مر في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ والهاء في ﴿ أنه ﴾ ضمير الشأن وكسرت بعد العلم لمكان لام الابتداء في ﴿ ليحزنك ﴾ وما ذلك المحزن؟
قال الحسن: هو قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون: وقيل: تصريحهم بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه.
وقيل: نسبتهم إياه إلى الكذب ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ قال أبو علي وثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى.
وقيل: أكذبت الرجل ألفيته كاذباً، وكذبته إذا قلت له كذبت.
وقال الكسائي: أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب.
وقال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته أن الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على سبيل الافتعال والقصد.
فمن قرأ بالتخفيف نظر إلى أن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة ذلك وأنه نبي إلا أن تخيله باطل.
ثم إن ظاهر الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً ولكنهم يجحدون بآيات الله، وفي الجمع بين الأمرين وجوه: الأول أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن ونبوته ويؤكده رواية السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل بن هشام التقيا فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟
فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري.
فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت.
وقال أبو ميسرة: إن رسول الله مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا يا محمد إنا والله ما نكذبك إنك عندنا لصادق ولكن نكذب ما جئت به فنزلت.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل كان يكذب النبي في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقاً فإذن هذه الآية نظير قوله في قصة موسى ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾ فانظر.
الثاني في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل وما وجدوا منك كذباً وسموك الصادق الأمين فلا يقولون بعد إنك كاذب، ولكن حجدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان فلأجل ذلك تخيل أنه رسول لا أنه كذب في نفسه، أو لأنهم زعموا أنه أمين في كل الأمور إلا في هذا الواحد.
الثالث أنه لما ظهرت المعجزات على يده ثم إن القوم أصروا على التكذيب فقال له إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ومثله قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ فكأنه قيل له: إله عن حزنك لنفسك وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه.
الرابع: قيل في التفسير الكبير: أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً ويكذبون جميع الأنبياء والرسل.
وقوله ﴿ ولكنّ الظالمين ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم في جحودهم، لأن من وضع التكذيب مقام التصديق فقد ظلم.
ثم صبر رسوله على أذية القوم فقال ﴿ ولقد كذبت رسل ﴾ وأيّ رسل ﴿ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ﴾ فأنت أولى بهذه السيرة لأنك مبعوث إلى كافة الخلائق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.
﴿ ولا مبدّل لكلمات الله ﴾ أي لمواعيده في نحو قوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ وقوله ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون ﴾ ﴿ ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ قال الأخفش "من" زائدة والأصح أنها للتبعيض لقلة مجيء زيادة "من" في الإثبات، ولأن الواصل إليه بعض قصص الأنبياء لقوله ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ فالتقدير: ولقد جاءك بعض أنبائهم.
وكان يكبر على النبي كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزلت ﴿ وإن كان كبر ﴾ أي شق ﴿ عليك إعراضهم ﴾ عن الإيمان وصحة القرآن ﴿ وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ فافعل.
يعني أنك لا تستطيع ذلك والجواب محذوف وحسن للعلم به.
والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ومنه اشتقاق المنافق.
والسلم واحد السلاليم التي يرتقي عليها وأصله من السلامة كأنه يسلمك إلى مصعدك.
والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها وبكل ما اقترحوه رجاء إيمانهم، ويجوز أن يكون ابتغاء النفق أو السلم هو الآية كأنه قيل: لو استطعت ذلك لفعلت كل ذلك ليكون لك آية يؤمنون عندها، ثم قال ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ قال أهل السنة: فهو دليل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر.
وقالت المعتزلة: المراد مشيئة الإلجاء المنافي للتكليف.
والإلجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه فيضطرون إلى الإيمان.
مثاله: أن يحصل شخص بحضرة السلطان وهناك خدمه وحشمه فيعلم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال فيصير هذا العلم مانعاً له من القتل.
وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
أما قوله ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ أي من الذين يرومون خلاف مأمور الله.
فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه.
ثم بيَّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان فقال ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ﴾ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة.
والمراد أنه هو الذي يقدر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، يعني أن الذين تحرص على حصول إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون كقوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ أو المعنى أن هؤلاء الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم.
أما وجه تشبيه الكفرة بالموتى فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة الصانع كما أن حياة الجسد بالروح.
ثم ذكر شبهة أخرى للطاعنين في نبوّة محمد وهو أنه ما جاء بآية قاهرة ومعجزة باهرة فكأنهم طعنوا في كون هذا القرآن معجزاً على سبيل العناد أو قياساً على سائر الكتب السماوية، أو طلبوا معجزات تقرب من حد الإلجاء كشق الجبل وفلق البحر، فإن معجزات نبينا من تسبيح الحصا وانشقاق القمر وغير ذلك ليست بأقل منها.
أو اقترحوا مزيد الآيات بطريقة التعنت واللجاج كقولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن فاعليته ليست إلا بحسب محض المشيئة عند أهل السنة، أو على وفق المصلحة عند المعتزلة، لا على موجب اقتراحات الناس ومطالباتهم.
أو أنه لما ظهرت المعجزة الباهرة والدلالة الكافية من القرآن وغيره لم يبق لهم عذر ولا علة، فلو أجابهم إلى مقترحهم فلعلهم يقترحون اقتراحاً ثانياً وثالثاً وهلم جر أو ذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة وهذا خلاف المقصود، أو لا يعلمون أنه لو أعطاهم سؤلهم ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الاستئصال، أو لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل العناد لا لأجل الفائدة - وقد علم الله ذلك - لم يعطهم مطلوبهم ولو كان غرضهم طلب الحق ونيله لأعطاهم مطلوبهم على أكمل الوجوه.
التأويل: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ إنكاراً واختباراً ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ من شؤم إنكارهم حجباً من غير الإنكار ﴿ وفي آذانهم وقراً ﴾ من فساد الاستعداد الفطري.
﴿ وإن يروا كل آية ﴾ بعين الظاهر ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها ﴿ وهم ينهون ﴾ الطلاب عن الحق.
﴿ وإن يهلكون ﴾ بتنفير الخلق عن الحق ﴿ إلا أنفسهم ﴾ لأن التباعد من أهل الحق هو البعد عن الحق وهذا هو الهلاك الحقيقي.
﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ أي أرواح الأشقياء بعد الخلاص عن حبس الطبيعة عرفوا ألم عذاب القطيعة ﴿ فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ إلى عالم الصورة وإلى الاستعداد الفطري ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ أين يظهر عليهم آثار الشقاوة التي كتبت لهم وكانوا يتكلفون سترها في عالم الصورة بلباس البشرية ﴿ ولو ردوا ﴾ إلى عالم الصورة ﴿ لعادوا لما نهوا عنه ﴾ من اتباع الهوى فيفسدون استعدادهم مرة أخرى ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما يدعون لأنهم خلقوا لأجل التكذيب لا لأجل التصديق، ولهذا نسوا ما شاهدوا يوم الميثاق من الألطاف والإعطاف، وقولهم "بلى" في جواب خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ إذ وقفوا على ربهم ﴾ عرفوا ربوبية ربهم ولو عرفوها في الدنيا لم يذوقوا عذاب البعد في العقبى ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ هي الساعة التي يجتذب العبد فيها عن أوصاف البشرية بجذبات المحبة فجأة وهي قيامة أخرى لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق فيتأسف عليها ويقول: أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات، فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات ﴿ وهم يحملون ﴾ أثقال التعلقات الزائدة على ظهور وجودهم، فإن الوجود على السالك ثقيل مانع عن السلوك فكيف ما زيد عليه؟
﴿ إلا لعب ولهو ﴾ كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان ﴿ وللدار الآخرة ﴾ هي السير من البشرية إلى الروحانية والإقبال على الله والإعراض عما سواه ﴿ خير للذين يتقون ﴾ غير الله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن الإنسان خلق لهذا الشأن لا لغيره كقوله ﴿ واصطنعتك لنفسي ﴾ ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك ﴾ من ضيق نطاق البشرية أثر في حبيب الله مقالة الجهلة ولا مبدل لكلمات الله لمقدّراته التي قدّرها ودبرها من الأزل إلى الأبد بكلمة "كن" ﴿ ولو شاء الله لجمعهم ﴾ في عالم الأرواح عند رشاش النور على الهدى ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعلمون الحكمة في جعل البعض في مظاهر اللطف والبعض بمظاهر القهر.
والنهي في حقه هو نهي الامتناع عن الكينونة أي خلق في الأزل ممتنعاً عن الجهل بواسطة كلمة لا تكن كما أنه خلق مستعداً للكمال بكلمة "كن" ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ﴾ في كل لحظة ولمحة ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ دلالة الكائنات على المكوّن والممكنات على الواجب والمصنوعات على الصانع ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ﴾ .
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ ﴾ هذا - والله أعلم - إخبار منه نبيه - - أنه عن علم منه بتكذيبهم إياك بعثك إليهم رسولا، وأمرك بتبليغ الرسالة إليهم، وكان عالماً بما يلحقك من الحزن بتكذيبهم إياك، ولكن بعثك إليهم رسولا مع علم منه بهذا كله لتبلغهم، يذكر هذا - والله أعلم - ليعلم رسوله ألا عذر له في ترك تبليغ الرسالة، وإن كذّبوه في تبليغها.
ثم الذي يحمله على الحزن يحتمل وجوهاً: يحتمل: يحزنه افتراؤهم وكذبهم على الله.
أو كان يحزن لتكذيب أقربائه وعشيرته إياه فإذا أكذبته عشيرته، انتهى الخبر إلى الأبعدين فيكذبونه، فيحزن لذلك.
أو يحزن حزن طبع؛ لأن طبع كل أحد ينفر عن التكذيب.
أو كان يحزن إشفاقاً عليهم بما ينزل عليهم من العذاب بتكذيبهم إياه وآذاهم له؛ كقوله - -: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...
﴾ الآية [الكهف: 6] وكقوله - -: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ اختلف في تلاوته: قرأ بعضهم بالتخفيف، وبعضهم بالتشديد والتثقيل: فمن قرأ بالتخفيف: قراءة ﴿ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ ، أي: لا يجدونك كاذباً قط.
ومن قرأ بالتثقيل: ﴿ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ ، أي: لا ينسبونك إلى الكذب، ولا يكذبونك في نفسك.
ويحتمل قوله: ولا يكذبونك في السر، ولكن يقولون ذلك في العلانية، والتكذيب هو أن يقال: إنك كاذب.
﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ .
أي: عادة الظالمين التكذيب بآيات الله.
و ﴿ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الظالمين على نعم الله عادتهم التكذيب بآيات الله.
[الثاني] والظالمين على أنفسهم؛ لأنهم وضعوها في غير موضعها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ ﴾ .
يخبر نبيه - عليه الصلاة والسلام - ويصبره على تكذيبهم إياه وأذاهم بتبليغ الرسالة، يقول: لست أنت بأول مكذب من الرسل، بل كذب إخوانك من قبلك على تبليغ الرسالة، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، ولم يتركوا تبليغ الرسالة مع تكذيبهم إياهم؛ فعلى ذلك لا عذر لك في ترك تبليغ الرسالة وإن كذبوك في التبليغ وآذوك، وهو ما ذكرنا أنه يخبره أنه بعثك رسولا على علم منه بكل الذي كان منهم من التكذيب والأذى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ﴾ .
أخبر الله أنه نصر رسله، ثم يحتمل ذلك (النصر) وجوهاً.
أحدها: ينصرهم أي: أظهر حججه وبراهينه، حتى علموا جميعاً أنها هي الحجج والبراهين، وأنهم رسل الله، لكنهم عاندوا وكابروا.
ويحتمل: النصر لهم بما جعل آخر أمرهم لهم، وإن كان قد أصابهم شدائد في بدء الأمر.
أو نصرهم لما استأصل قومهم وأهلكهم بتكذيبهم الرسل، وفي استئصال القوم وإهلاكه إياهم، وإبقاء الرسل نَصْرُهم، وكذلك قوله - -: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴾ يخرج على الوجوه التي ذكرناها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ هو ما ذكرنا من النصر لهم، واستئصال قومهم، وما أوعدهم من العذاب؛ فذلك كلمات الله.
ويحتمل قوله: ﴿ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : حججه وبراهينه؛ كقوله: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ ، أي: بحججه وآياته، وكقوله - -: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾ أي: حجج ربي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ يحتمل ما ذكرنا من إهلاك القوم وإبقاء الرسل، قد جاءك ذلك النبأ.
ويحتمل قوله - -: ﴿ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ من تكذيب قومهم لهم وأذاهم إياهم، فإن كان هذا ففيه تصبير رسول الله .
[وقوله ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ كان يشتد على رسول الله ] ويشق عليه كفر قومه وإعراضهم عن الإيمان، حتى كادت نفسه تتلف وتهلك لذلك إشفاقاً عليهم؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ وقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ونحو ذلك من الآيات، يشفق عليهم بتركهم الإيمان لما يعذبون أبداً في النار، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ .
أو كان يكبر عليه ويثقل إعراضهم لما كانوا يطلبون منه الآيات، حتى إذا جاء بها لا يؤمنون؛ من نحو ما قالوا: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ﴾ وغير ذلك من الآيات التي سألوها، فطمع رسول الله في إيمانهم إذا جاء بما سألوا من الآيات، فكان الله عالماً بأنه وإن جاءتهم آيات لم يؤمنوا، وإنما يسألون سؤال تعنت لا سؤال طلب آيات لتدلهم على الهدى، فقال عند ذلك: ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
أو أن يكون قوله: ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ نهياً عن الحزن عليهم، أي: لا تحزن عليهم كل هذا الحزن بما ينزل بهم، وقد تعلم صنيعهم وسوء معاملتهم آيات الله.
وكذلك روي في القصة عن ابن عباس - - أن نفراً من قريش قالوا: يا محمد، ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات إذا سألوهم: فإن أتيتنا آمنا بك وصدقناك، فأبى الله أن يأتيهم بما قالوا، فأعرضوا عنه، فكبر ذلك عليه وشق، فأنزل الله: ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ...
﴾ .
يقول: إن قدرت ﴿ أَن تَبْتَغِيَ ﴾ يقول: أن تطلب ﴿ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: سرباً في الأرض كنفق اليربوع نافذاً أو مخرجاً فتوارى فيه منهم ﴿ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ يكون سبباً إلى صعود السماء، ﴿ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ﴾ التي سألوكها فافعل.
قال القتبي: النفق في الأرض: المدخل، وهو السرب، والسلم في السماء: المصعد.
وقال أبو عوسجة: النفق: الغار، والأنفاق: الغيران، والغار واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ .
قال الحسن: أي: لو شاء الله لقهرهم على الهدى وأكرههم، كما فعل بالملائكة؛ إذ من قوله إن الملائكة مجبورون مقهورون [على ذلك]، ثم هو يفضل الملائكة على البشر ويجعل لهم مناقب، لا يجعل ذلك لأحد من البشر، فلو كانت الملائكة مجبورين مقهورين على ذلك، لم يكن في ذلك لهم كبير منقبة؛ ففي قوله اضطراب.
وأما تأويله عندنا: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ ، أي: لجعلهم جميعاً بحيث اختاروا الهدى وآثروه على غيره، ولكن لما علم منهم أنهم يختارون الكفر على الهدى، لم يشأ أن يجمعهم على الهدى، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ألا يكون الهدى في حال القهر والجبر، وإنما يكون في حال الاختيار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: فلا تكونن من الجاهلين: من قضاء الله وحكمه.
ويحتمل: لا تكونن من الجاهلين: من إحسانه وفضله، أي: من إحسانه [وفضله] يجعل لهم الهدى.
ويحتمل: لا تكونن من الجاهلين أنه يؤمن بك بعضهم وبعضهم لا يؤمن.
قال أبو بكر الكيساني في قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ أي: لو شاء الله ابتلاهم بدون ما ابتلاهم به ليخف عليهم، فيجيبون بأجمعهم، أو يقول: لو شاء [الله] لوفقهم جميعاً للهدى فيهتدون، وهو قولنا، لكن لم يشأ؛ لما ذكرنا أنه لم يوفقهم لما علم منهم أنهم يختارون الكفر.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ﴾ ، بأن الله قادر لو شاء لجعلهم جميعاً مهتدين.
ثم معلوم أن رسول الله كان معصوماً، لا يجوز أن يقال إنه يكون من الجاهلين أو من الشاكرين، على ما ذكر، ولكن ذكر هذا - والله أعلم - ليعلم أن العصمة لا ترفع الأمر والنهي والامتحان، بل تزيد؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
نحن نعلم أنك -أيها الرسول- يحزنك تكذيبهم لك في الظاهر، فاعلم أنهم لا يكذبونك في أنفسهم؛ لعلمهم بصدقك وأمانتك، ولكنهم قوم ظالمون ينكرون أمرك ظاهرًا وهم يوقنون به في أنفسهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.yqgeA"