الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٣٤ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٤ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله ( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ) هذه تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتعزية له فيمن كذبه من قومه ، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ، ووعد له بالنصر كما نصروا ، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة ، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ ، ثم جاءهم النصر في الدنيا ، كما لهم النصر في الآخرة ; ولهذا قال : ( ولا مبدل لكلمات الله ) أي : التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين ، كما قال : ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) [ الصافات : 171 - 173 ] ، وقال تعالى : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) [ المجادلة : 21 ] .
وقوله : ( ولقد جاءك من نبإ المرسلين ) أي : من خبرهم كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم من قومهم ، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة .
القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) قال أبو جعفر: وهذا تسلية من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم, وتعزيةٌ له عما ناله من المساءة بتكذيب قومه إيّاه على ما جاءهم به من الحق من عند الله .
يقول تعالى ذكره: إن يكذبك، يا محمد، هؤلاء المشركون من قومك, فيجحدوا نبوّتك, وينكروا آيات الله أنّها من عنده, فلا يحزنك ذلك, واصبر على تكذيبهم إياك وما تلقى منهم من المكروه في ذات الله, حتى يأتي نصر الله, (31) فقد كُذبت رسلٌ من قبلك أرسلتهم إلى أممهم، فنالوهم بمكروه, فصبروا على تكذيب قومهم إياهم، ولم يثنهم ذلك من المضيّ لأمر الله الذي أمرهم به من دعاء قومهم إليه, حتى حكم الله بينهم وبينهم =" ولا مبدّل لكلمات الله " ، يقول: ولا مغيِّر لكلمات الله = و " كلماته " تعالى ذكره: ما أنـزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، من وعده إياه النصر على من خَالفه وضادّه, والظفرَ على من تولّى عنه وأدبر =" ولقد جاءك من نبإ المرسلين " ، يقول: ولقد جاءك يا محمد، من خبر من كان قبلك من الرسل، (32) وخبر أممهم, وما صنعتُ بهم = حين جحدوا آياتي وتمادَوا في غيهم وضلالهم = أنباء = وترك ذكر " أنباء " ، لدلالة " مِنْ" عليها.
يقول تعالى ذكره: فانتظر أنت أيضًا من النصرة والظفر مثل الذي كان منِّي فيمن كان قبلك من الرسل إذ كذبهم قومهم, واقتد بهم في صبرهم على ما لَقُوا من قومهم.
* * * وبنحو ذلك تأوَّل من تأوَّل هذه الآية من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك: 13198 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا "، يعزِّي نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمعون, ويخبره أن الرسل قد كُذّبت قبله، فصبروا على ما كذبوا، حتى حكم الله وهو خير الحاكمين .
13199 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك: " ولقد كذبت رسل من قبلك " ، قال: يعزّي نبيَّه صلى الله عليه وسلم .
13200 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " ولقد كذبت رسل من قبلك " ، الآية، قال: يعزِّي نبيّه صلى الله عليه وسلم .
--------------------------- الهوامش : (31) إذ في المخطوطة: "حتى أتاهم نصر الله" ، وهو سهو من الناسخ ، صوابه ما في المطبوعة.
(32) انظر تفسير"النبأ" فيما سلف ص: 262 ، تعليق: 3 ، والمراجع.
ثم آنسه بقوله : ولقد كذبت رسل من قبلك الآية .
وقرئ " يكذبونك " مخففا ومشددا ; وقيل : هما بمعنى واحد كحزنته وأحزنته ; واختار أبو عبيد قراءة التخفيف ، وهي قراءة علي رضي الله عنه ; وروي عنه أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك ولكن [ ص: 325 ] نكذب ما جئت به ; فأنزل الله عز وجل فإنهم لا يكذبونك .
قال النحاس : وقد خولف أبو عبيد في هذا .
وروي : لا نكذبك .
فأنزل الله عز وجل : لا يكذبونك .
ويقوي هذا أن رجلا قرأ على ابن عباس " فإنهم لا يكذبونك " مخففا فقال له ابن عباس : فإنهم لا يكذبونك لأنهم كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم الأمين .
ومعنى يكذبونك عند أهل اللغة ينسبونك إلى الكذب ، ويردون عليك ما قلت .
ومعنى " لا يكذبونك " أي : لا يجدونك تأتي بالكذب ; كما تقول : أكذبته وجدته كذابا ; وأبخلته وجدته بخيلا ، أي : لا يجدونك كذابا إن تدبروا ما جئت به .
ويجوز أن يكون المعنى : لا يثبتون عليك أنك كاذب ; لأنه يقال : أكذبته إذا احتججت عليه وبينت أنه كاذب .
وعلى التشديد : لا يكذبونك بحجة ولا برهان ; ودل على هذا ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون .
قال النحاس : والقول في هذا مذهب أبي عبيد ، واحتجاجه لازم ; لأن عليا كرم الله وجهه هو الذي روى الحديث ، وقد صح عنه أنه قرأ بالتخفيف ; وحكى الكسائي عن العرب : أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه ، وكذبته إذا أخبرته أنه كاذب ; وكذلك قال الزجاج : كذبته إذا قلت له كذبت ، وأكذبته إذا أردت أن ما أتى به كذب .قوله تعالى : فصبروا على ما كذبوا أي : فاصبر كما صبروا .
وأوذوا حتى أتاهم نصرنا أي : عوننا ، أي : فسيأتيك ما وعدت به .
ولا مبدل لكلمات الله مبين لذلك النصر ; أي : ما وعد الله عز وجل به فلا يقدر أحد أن يدفعه ; لا ناقض لحكمه ، ولا خلف لوعده ; و لكل أجل كتاب ، إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي .
ولقد جاءك من نبإ المرسلين فاعل جاءك مضمر ; المعنى : جاءك من نبإ المرسلين نبأ .
{ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا } فاصبر كما صبروا، تظفر كما ظفروا.
{ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ } ما به يثبت فؤادك، ويطمئن به قلبك.
( ولقد كذبت رسل من قبلك ) كذبهم قومهم كما كذبتك قريش ، ( فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ) بتعذيب من كذبهم ، ( ولا مبدل لكلمات الله ) لا ناقض لما حكم به ، وقد حكم في كتابه بنصر أنبيائه عليهم السلام ، فقال : ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) ( الصافات ، 171 - 172 ) ، وقال : ( إنا لننصر رسلنا ) ( غافر ، 51 ) وقال : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) ( المجادلة ، 21 ) ، وقال الحسن بن الفضل : لا خلف [ لعداته ] ( ولقد جاءك من نبأ المرسلين ) و ( من ) صلة كما تقول : أصابنا من مطر .
«ولقد كذِّبت رسل من قبلك» فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم «فصبروا على ما كذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا» بإهلاك قومهم فاصبر حتى يأتيك النصر بإهلاك قومك «ولا مبدِّل لكلمات الله» مواعيده «ولقد جاءك من نبأ المرسلين» ما يسكن به قلبك.
ولقد كذَّب الكفارُ رسلا من قبلك أرسلهم الله تعالى إلى أممهم وأوذوا في سبيله، فصبروا على ذلك ومضوا في دعوتهم وجهادهم حتى أتاهم نصر الله.
ولا مبدل لكلمات الله، وهي ما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مِن وعده إياه بالنصر على مَن عاداه.
ولقد جاءك -أيها الرسول- مِن خبر مَن كان قبلك من الرسل، وما تحقق لهم من نصر الله، وما جرى على مكذبيهم من نقمة الله منهم وغضبه عليهم، فلك فيمن تقدم من الرسل أسوة وقدوة.
وفي هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم زاد القرآن فى تعزية النبى صلى الله عليه وسلم وتسليته عن طريق إخباره بما حدث للأنبياء من قبله فإن عموم البلوى مما يخفف وقعها فقال : { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ على مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حتى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا } .أى : أن الرسل من قبلك - يا محمد - قد كذبتهم أقوامه وأنزلت بهم الأدى ، فليس بدعا أن يصيبك من أعدائك ما أصاب الأنبياء من قبلك ، ولقد صبر أولئك الأنبياء الكرام على التطاول والسفه فكانت نتيجة صبرهم أن آتاهم الله النصر والظفر ، فعليك - وأنت خاتمهم وإمامهم - أن تصبر كما صبروا حتى تنال ما نالوا من النصر ، فإن سنة الله لا تتخلف فى أى زمان أو مكان .وجاء قوله - تعالى - { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ } مؤكدا بقد وباللام ، للإشارة إلى تأكيد التسلية والتعزية ، وإلى تأكيد التمسك بفضيلة الصبر التى سيعقبها النصر الذى وعد الله به الصابرين .و { مَا } فى قوله { على مَا كُذِّبُواْ } مصدرية ، { وَأُوذُواْ } معطوف على قوله { كُذِّبَتْ } أى : كذبت الرسل وأوذوا فصبروا على كل ذلك .وقوله { حتى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا } غاية للصبر ، أى : صبروا على التكذيب وما قارنه من الإيذاء إلى أن جاءهم نصرنا وفيه بشارة للنبى صلى الله عليه وسلم مؤكداً للتسلية بأنه - سبحانه - سينصره على القوم الظالمين .وقوله - تعالى - { وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله } معناه : لا مغير لكلمات الله وآياته التى وعد فيها عباده الصالحين بالنصر على أعدائه ، ومن ذلك قوله - تعالى - { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ } وقوله - تعالى - { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون } وقوله - تعالى - { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد } إلى غير ذلك من الآيات التى بشر فيها عباده المؤمنين بالفلاح وحسن العاقبة .ويرى المحققون من العلماء أن المراد بكلمات الله : شرائعه ، وصفاته ، وأحكامه ، وسننه فى كونه ، ويدخل فيها دخولا أوليا ما وعد الله به أنبياءه وأولياءه من النصر والظفر .
وهذا الرأى أرجح من سابقه لأنه أعم وأشمل .وإضافة الكلمات إليه - سبحانه - للإشعار باستحالة تبديلها أو تغييرها لأنه - سبحانه - لا يغالبه أحد فى فعل من الأفعال ، ولا يقع منه خلف فى قول من الأقوال ، فما دام المؤمنون يخلصون له العبادة والقول والعمل ويجتهدون فى مباشرة الأسباب واتخاذ الوسائل النافعة ، فإنه - سبحانه - سيجعل العاقبة لهم .وقوله - تعالى - { وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين } تأكيد وتقرير لما قبله أى : ولقد جاءك من أخبار المرسلين وأنبائهم - مما قصه عليك فى كتابه - ما فيه العظات والعبر ، فلقد صبر المرسلون على الأذى فكافأهم الله - تعالى - على ذلك بالظفر على أعدائهم .
في الآية مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى أزال الحزن عن قلب رسوله في الآية الأولى بأن بين أن تكذيبه يجري مجرى تكذيب الله تعالى فذكر في هذه الآية طريقاً آخر في إزالة الحزن عن قلبه وذلك بأن بين أن سائر الأمم عاملوا أنبياءهم بمثل هذه المعاملة، وأن أولئك الأنبياء صبروا على تكذيبهم وإيذائهم حتى أتاهم النصر والفتح والظفر فأنت أولى بالتزام هذه الطريقة لأنك مبعوث إلى جميع العالمين، فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.
ثم أكد وقوى تعالى هذا الوعد بقوله ولا مبدل لكلمات الله يعني أن وعد الله إياك بالنصر حق وصدق، ولا يمكن تطرق الخلف والتبديل إليه ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين ﴾ وقوله: ﴿ كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى ﴾ وبالجملة فالخلف في كلام الله تعالى محال وقوله: ﴿ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِىْ المرسلين ﴾ أي خبرهم في القرآن كيف أنجيناهم ودمرنا قومهم.
قال الأخفش: ﴿ مِنْ ﴾ هاهنا صلة، كما تقول أصابنا من مطر.
وقال غيره: لا يجوز ذلك لأنها لا تزاد في الواجب، وإنما تزاد مع النفي كما تقول: ما أتاني من أحد، وهي هاهنا للتبعيض، فإن الواصل إلى الرسول عليه السلام قصص بعض الأنبياء لا قصص كلهم كما قال تعالى: ﴿ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ﴾ وفاعل: (جاء) مضمر أضمر لدلالة المذكور عليه، وتقديره: ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ ولا مبدل لكلمات الله ﴾ يدل على قولنا في خلق الأفعال لأن كل ما أخبر الله عن وقوعه، فذلك الخبر ممتنع التغير، وإذا امتنع تطرق التغير إلى ذلك الخبر امتنع تطرق التغير إلى المخبر عنه.
فإذا أخبر الله عن بعضهم بأنه يموت على الكفر كان ترك الكفر منه محالاً.
فكان تكليفه بالإيمان تكليفاً بما لا يطاق.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ كُذّبَتْ ﴾ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا دليل على أن قوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ ﴾ [الأنعام: 33] ليس بنفي لتكذيبه، وإنما هو من قولك لغلامك: ما أهانوك ولكنهم أهانوني ﴿ على مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ ﴾ على تكذيبهم وإيذائهم ﴿ وَلاَ مُبَدّلَ لكلمات الله ﴾ لمواعيده من قوله: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون ﴾ [الصافات: 171] ﴿ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين ﴾ بعض أنبائهم وقصصهم وما كابدوا من مصابرة المشركين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: لا يُكَذِّبُونَكَ، لَيْسَ لِنَفْيِ تَكْذِيبِهِ مُطْلَقًا.
﴿ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا ﴾ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ فَتَأسَّ بِهِمْ واصْبِرْ.
﴿ حَتّى أتاهم نَصْرُنا ﴾ فِيهِ إيماءٌ بِوَعْدِ النَّصْرِ لِلصّابِرِينَ.
﴿ وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ لِمَواعِيدِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ ﴾ الآياتِ.
﴿ وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ أيْ بَعْضُ قِصَصِهِمْ وما كابَدُوا مِن قَوْمِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)
{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل على أن قوله فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ ليس بنفي لتكذيبه وإنما هو من قولك لغلامك إذا أهانه بعض الناس إنهم لم يهينوك وإنما أهانونى {فصبروا} الصبر حبس النفس على المكروه {على مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ} على تكذيبهم وإيذائهم {حتى أتاهم نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدّلَ لكلمات الله} لمواعيده من قوله {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين} إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون انا لننصر رسلنا {ولقد جاءك من نبإ المرسلين} بعض أنبائهم وقصصهم وما كابدوا من مصابرة المشركين وأجاز
الأنعام (٣٥ _ ٣٨)
الأحفش أن تكون من زائدة والفاعل نَّبَإِ المرسلين وسيبويه لا يجيز زيادتها في الواجب
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ تَسْلِيَةٌ إثْرَ تَسْلِيَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ فَإنَّ عُمُومَ البَلْوى رُبَّما يُهَوِّنُها بَعْضُ تَهْوِينٍ وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ في الصَّبْرِ عَلى الأذى وعُدَّةٌ ضِمْنِيَّةٌ بِمِثْلِ ما مُنِحُوهُ مِنَ النَّصْرِ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ التَّسْلِيَةِ، وتَنْوِينُ رُسُلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِتَكْذِيبٍ، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (رُسُلٍ)، ورَدَّهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ الجَنَّةَ لا تُوصَفُ بِالزَّمانِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والمَعْنى تاللَّهِ لَقَدْ كُذِّبَتْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِكَ رُسُلٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ وعَدَدٍ كَثِيرٍ أوْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ كانُوا مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ ﴿ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ وقَوْلُهُ: (وأُوذُوا) عَطْفٌ عَلى (كُذِّبُوا) داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ ومَصْدَرُ كُذِّبَ التَّكْذِيبُ، وآذى أذًى وأذاةً وأذِيَّةً كَما في القامُوسِ وإيذاءً كَما أثْبَتَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وقَوْلُ صاحِبِ القامُوسِ: ولا تَقُلْ إيذاءً خَطَأٌ والَّذِي غَرَّهُ تَرْكُ الجَوْهَرِيِّ وغَيْرِهِ لَهُ، وهو وسائِرُ أهْلِ اللُّغَةِ لا يَذْكُرُونَ المَصادِرَ القِياسِيَّةَ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى ذِكْرِها، والمَصْدَرانِ هُنا مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وهو ظاهِرٌ أيْ فَصَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِهِمْ لَهم وإيذائِهِمْ إيّاهم فَتَأسَّ بِهِمْ واصْبِرْ عَلى ما نالَكَ مِن قَوْمِكَ،والمُرادُ بِإيذائِهِمْ إمّا عَيْنُ تَكْذِيبِهِمْ أوْ ما يُقارِنُهُ مِن فُنُونِ الإيذاءِ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ ثِقَةً بِاسْتِلْزامِ التَّكْذِيبِ إيّاهُ غالِبًا، وفِيهِ تَأْكِيدُ لِلتَّسْلِيَةِ، وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى (كُذِّبَتْ) أوْ عَلى (صَبَرُوا)، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِئْنافًا ثُمَّ رَجَّحَ الأوَّلَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى أتاهم نَصْرُنا ﴾ غايَةٌ لِلصَّبْرِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى وعْدِ النَّصْرِ لِلصّابِرِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ غايَةً لِلْإيذاءِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى احْتِمالِ الِاسْتِئْنافِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلْإشارَةِ إلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ النَّصْرِ ﴿ ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن إتْيانِ نَصْرِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُمْ، والمُرادُ بِكَلِماتِهِ تَعالى -كَما قالَ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ- الآياتُ الَّتِي وعَدَ فِيها نَصْرَ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الدّالَّةُ عَلى نَصْرِ النَّبِيِّ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي ﴾ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ ﴾ ﴿ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ كَلِماتِهِ سُبْحانَهُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْمَواعِيدِ الكَرِيمَةِ ويَدْخُلُ فِيها المَواعِيدُ الوارِدَةُ في حَقِّهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ كَما قِيلَ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن مُوجِباتِ أنْ لا يُغالِبَهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ ولا يَقَعَ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ خُلْفٌ في قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ أحَدًا غَيْرَهُ تَعالى لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُبَدِّلَ كَلِماتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِمَعْنى أنْ يَفْعَلَ خِلافَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ويَحُولَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ وبَيْنَ تَحْقِيقِ ذَلِكَ وأمّا أنَّهُ تَعالى لا يُبَدِّلُ فَلا تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، والَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ أنَّهُ سُبْحانَهُ رُبَّما يُبَدِّلُ الوَعِيدَ ولا يُبَدِّلُ الوَعْدَ ﴿ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ 43 - تَقْرِيرٌ أيُّ تَقْرِيرٍ لِما مُنِحُوا مِنَ النَّصْرِ وتَأْكِيدٌ لِما أشْعَرَ بِهِ الكَلامُ مِنَ الوَعْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ أوْ تَقْرِيرٌ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيذائِهِمْ ونَصْرِهِمْ، والنَّبَأُ كالقَصَصِ لَفْظًا ومَعْنًى وفِي القامُوسِ النَّبَأُ - مُحَرَّكَةٌ- الخَبَرُ جَمْعُهُ أنْباءٌ وقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ، وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِما لَهُ شَأْنٌ، وهو عِنْدَ الأخْفَشِ المُجَوِّزُ زِيادَةَ ”مِن“ في الإثْباتِ وقَبْلَ المَعْرِفَةِ مُخالِفًا في ذَلِكَ لِسِيبَوَيْهِ فاعِلُ (جاءَ)، وصَحَّحَ أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ هو أيِ النَّبَإ أوِ البَيانِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، وقِيلَ -وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الرُّمّانِيُّ- إنَّهُ مَحْذُوفٌ والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَتُهُ أيْ: ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ كائِنٌ مَن نَبَّإ المُرْسَلِينَ، وفِيهِ أنَّ الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ هُنا، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أيْ ولَقَدْ جاءَكَ هَذا الخَبَرُ مِنَ التَّكْذِيبِ وما يَتْبَعُهُ وقِيلَ -ورُبَّما يَشْعُرُ بِهِ كَلامُ الكَشّافِ-: إنَّ مِن هي الفاعِلُ، والمُرادُ بَعْضُ أنْبائِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ روى سفيان عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب قال: قال أبو جهل للنبي ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به، فنزلت هذه الآية.
وروى أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح قال: جاء جبريل إلى النبيّ وهو حزين فقال: ما يحزنك؟
قال: «كَذَّبَنِي هؤلاء» .
فقال: إنهم لا يكذبونك، يعلمون أنك صادق فنزلت هذه الآية: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ من تكذيبهم إياك في العلانية فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ في السر، ويعلمون أنك صادق.
وكانوا يسمونه أميناً قبل أن يوحى إليه فلما أوحي إليه، كذّبوه، فقال: وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وهم يعلمون أنك صادق.
والجحد يكون ممن علم الشيء ثم جحده كقوله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل: 14] قرأ نافع والكسائي: فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف.
وقرأ الباقون بالتشديد.
فمن قرأ بالتخفيف فمعناه أنهم لا يجحدونك كاذباً.
ومن قرأ بالتشديد فمعناه: أنهم لا ينسبونك إلى الكذب، ولا يكذبونك في السر.
وقرأ نافع: يَحْزُنكَ برفع الياء، وكسر الزاي.
وقرأ الباقون لَيَحْزُنُكَ بنصب الياء، وضم الزاي، ومعناهما واحد.
ثم عزّاه ليصبر على أذاهم فقال: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ يعني: أن قومهم كذبوهم كما كذبك قريش فَصَبَرُوا عَلى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا يعني: صبروا على تكذيبهم وأذاهم حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا يعني: عذابنا لهلاكهم وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ يعني: لا مغيّر لوعد الله.
فهذا وعد من الله تعالى للنبي بالنصرة، كما نصر النبيين من قبله.
ثم قال: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ يعني: من خبر المرسلين، كيف أنجيت المرسلين، وكيف أهلكت قومهم.
فلما وعد الله تعالى بالنصرة للنبي تعجل أصحابه لذلك، وأرادوا أن يعجل بهلاك الكفار فنزل: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ خاطب النبي وأراد به قومه فقال: إن عظم عليك إعراضهم عن الإيمان، ولا تصبر على تكذيبهم إياك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ يعني: إن قدرت أن تطلب سِرْباً في الأرض والنافقاء إحدى جحري اليربوع أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ يعني: مصعداً إلى السماء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فافعل ذلك على وجه الإضمار.
وهذا كما قال في آية أخرى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ [الحج: 15] الآية.
وروى محمد بن المنكدر: أن جبريل قال للنبي : إن الله أمر السماء أن تطيعك، وأمر الأرض أن تطيعك، وأمر الجبال أن تطيعك، فإن أحببت أن ينزل عذاباً عليهم قال: «يا جبريل أؤخر عن أمتي لعل الله أن يتوب عليهم» .
ثم قال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى يعني: لهداهم إلى الإيمان.
ويقال: ولو شاء لاضطرهم إلى الهدى كما قال في آية أخرى إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشعراء: 4] ومعناه: وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ على الهدى قهراً وجبراً، ولكن ما فعل وكلفهم وتركهم فاختيارهم.
ثم قال: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ يعني: بأنه لو شاء لهداهم.
وقال الضحاك: يعني: القدر خيره وشره من الله تعالى، فلا تجعل معرفة ذلك بعد البيان.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
الذال، وفتح الكاف- وقرأها ابن عباس، ورَدَّهَا على قارئ قرأ عليه «يُكذبونك» بضم الياء، وقال: إنهم كانوا يسمونه الأَمِينَ.
وقرأ نافع والكسائي- بسكون الكاف، وتخفيف الذال-، وهما قراءتان مشهورتان صحيحتان، وهما بمعنى واحد، فمعنى: لا يكذبونك، أي: لا يعتقدون كذبك، وإنهم يعلمون صِدْقَكَ، ولكنهم يَجْحَدُونَ عنَاداً وظُلْماً، وهذا تأويل قتادة والسُّدي وغيرهما «١» .
وحكي عن طائفة من الكُفَّارِ أنها كانت تَقُولُ: إنا لنعلم أن محمداً صادق، ولكن إذا آمنَّا به فضلنا بنو هاشم بالنبوءة، فنحن لا نُؤْمِنُ به أَبَداً.
رويت هذه المَقَالَةِ عن أَبِي جَهْلٍ «٢» ، ومن جرى مجراه.
وأسْنَدَ الطَّبَريُّ «٣» : «أن جِبْريلَ وجد النبي صلّى الله عليه وسلّم حَزِيناً فسأله، فقال: كذبني هؤلاء، فقَال: إنهم لا يكذبونك بل يعلمون أَنَّكَ صَادِقٌ ولكن الظالمين بآيات اللَّه يَجْحَدُونَ» وجَحْدُ العِنَادِ جائز الوقوع بمقتضى النظر، وظواهر القرآن تعطيه، ويَجْحَدُونَ: حِقِيقِتُهُ في كلام العرب الإنْكارُ بعد معرفة، وهو ضد الإقرار.
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا الآية.
قال ابن جُرَيْجٍ، والضحاك: عزى اللَّه بهذه الآية نَبِيَّهُ- عليه السلام- «١» ثم قَوَّى سبحانه رَجَاء نَبِيِّهِ فيما وَعَدَهُ من النصر، بقوله: وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، أي: لاَ رَادَّ لأَمْرِهِ، وكلماته السابقة بما يكون، فكأن المعنى: فاصبر كما صَبَرُوا، وانتظر ما يأتي، وَثِقْ بهذا الإخبار، فإنه لا مُبَدِّلَ له.
وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ...
الآية فيها إلزام الحجة للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتقسيم الأحوال عليه حتى يبين أنْ لاَ وَجْهَ إلا الصَّبر، والمعنى: إن كنت تعظم تكذيبهم، وكفرهم على نَفْسِكَ، وتلتزم الحُزْنَ، فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعمال الأرض، أو على ارْتِقَاءِ سُلَّمٍ في السماء، فافعل، أي: ولست بِقَادِرٍ على شيء من هذا، ولا بُدَّ لك من التزام الصَّبْرِ، واحتمال المشقة، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ في أن تَأْسَفَ وتحزن على أَمْرٍ أراده اللَّه، وأمضاه.
وروى الدّارقطنيّ في «سننه» / عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قال: «إذا أَصَابَ أَحَدَكُمْ هَمٌّ أوْ حُزْنٌ فليقل سَبْعَ مَرَّاتٍ: اللَّه اللَّه رَبِّي لاَ أُشْرِكُ بِه شَيْئاً» «٢» انتهى من «الكوكب الدّري» .
وفَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أي: بعلامة.
وقال مَكّي، والمَهْدوي: الخِطَابُ بقوله: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمُرَادُ أمته، وهذا ضَعِيفٌ لا يقتضيه اللفظ.
قلت وما قاله ع: فيه عندي نَظَرٌ لأن هذا شَأْنُ التأويل إخراج اللَّفْظِ عن ظاهره لموجب، عَلَى أن أَبَا محمد مَكِّيًّا- رحمه اللَّه- نَقَلَ هذا القول عن غيره نَقْلاً، ولفظه: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أي: ممن لا يعلم أن اللَّه لو شَاءَ لَجَمَعَ على الهُدَى جميع خَلْقِهِ.
وقيل: معنى الخطاب لأمّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمعنى: فلا تكونوا من الجاهلين، ومثله في القرآن كثير.
انتهى من «الهِدَايَةِ» .
وقوله سبحانه: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هذا من النَّمَطِ المتقدّم في التسلية،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ هَذِهِ تَعْزِيَةٌ لَهُ عَلى ما يَلْقى مِنهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا ﴾ رَجاءَ ثَوابِي، وأُوذُوا حَتّى نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ، وحُرِّقُوا بِالنّارِ ﴿ حَتّى أتاهم نَصْرُنا ﴾ بِتَعْذِيبٍ مِن كَذِبِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا خُلْفَ لَمَواعِيدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا مُبْدِّلَ لِما أخْبَرَ بِهِ، وما أمَرَ بِهِ قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: لا مُبَدِّلَ لِحُكُوماتِهِ، وأُقْضِيَتِهِ النّافِذَةِ في عِبادِهِ، فَعَبَّرَتِ الكَلِماتُ عَنْ هَذا المَعْنى، كَقَوْلِهِ ﴿ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ ﴾ أيْ: وجَبَ ما قُضِيَ عَلَيْهِمْ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ، والَّذِي قَبْلَهُ، يَكُونُ المَعْنى: لا مُبْدِّلَ لَحُكْمِ كَلِماتِ اللَّهِ، ولا ناقِضَ لِما حَكَمَ بِهِ، وقَدْ حَكَمَ بِنَصْرِ أنْبِيائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي ﴾ والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ مَعْنى النَّهْيِ، وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الإخْبارُ؛ فالمَعْنى: لا يُبَدِّلْنَّ أحَدٌ كَلِماتِ اللَّهِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَبْدِيلِ كَلامِ اللَّهِ، وإنْ زَخْرَفَ واجْتَهَدَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صانَهُ بِرَصِينِ اللَّفْظِ، وقَوِيمِ الحُكْمِ، أنَّ يَخْتَلِطَ بِألْفاظِ أهْلِ الزَّيْغِ ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ أيْ: فِيما صَبَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الأذى فَنُصِرُوا.
وقِيلَ إنَّ: "مِن" صِلَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أو سُلَّمًا في السَماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتْ عَرْضَ الأُسْوَةِ الَّتِي يَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِها عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَرْجِيَتُهُ أنْ يَأْتِيَهُ مِثْلُ ما أتاهم مِنَ النَصْرِ إذا امْتَثَلَ ما امْتَثَلُوهُ مِنَ الصَبْرِ؛ قالَ الضَحّاكُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: عَزّى اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَأُذُوا"؛ بِغَيْرِ واوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.
ثُمَّ قَوّى ذَلِكَ الرَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ ﴾ ؛ أيْ: لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ وكَلِماتِهِ السابِقاتِ بِما يَكُونُ؛ ولا مُكَذِّبَ لِما أخْبَرَ بِهِ؛ فَكَأنَّ المَعْنى: "فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا؛ وانْتَظِرْ ما يَأْتِي؛ وثِقْ بِهَذا الإخْبارِ؛ فَإنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَهُ"؛ فالقَصْدُ هُنا هَذا الخَبَرُ؛ وجاءَ اللَفْظُ عامًّا جَمِيعَ كَلِماتِ اللهِ تَعالى السابِقاتِ؛ وأمّا كَلامُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَها؛ وإنَّما حَرَّفَها اليَهُودُ بِالتَأْوِيلِ؛ لا بِبَدَلِ حُرُوفٍ وألْفاظٍ؛ وجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَكُونُوا بَدَّلُوا الألْفاظَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتُحْفِظُوها؛ وهو الأظْهَرُ؛ وأمّا القُرْآنُ فَإنَّ اللهَ تَعالى تَضَمَّنَ حِفْظَهُ؛ فَلا يَجُوزُ فِيهِ التَبْدِيلُ؛ قالَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ ؛ وقالَ في أُولَئِكَ: ﴿ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللهِ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ ؛ أيْ فِيما أنْزَلْناهُ؛ وقَصَصْناهُ عَلَيْكَ؛ ما يَقْضِي هَذا الَّذِي أخْبَرْناكَ بِهِ؛ وفاعِلُ "جاءَكَ"؛ مُضْمَرٌ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ ؛ والرُمّانِيُّ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ؛ أو أنْباءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَوابُ عِنْدِي في المَعْنى أنْ يُقَدَّرَ: "جَلاءٌ"؛ أو "بَيانٌ".
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ ؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "جاءَ"؛ ودَخَلَ حَرْفُ الجَرِّ عَلى الفاعِلِ؛ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في تَجْوِيزِهِ دُخُولَ "مِن" في الواجِبِ؛ ووَجْهُ قَوْلِ الرُمّانِيِّ أنَّ "مِن"؛ لا تُزادُ في الواجِبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ آيَةٌ فِيها إلْزامُ الحُجَّةِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْسِيمُ الأحْوالِ عَلَيْهِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنْ لا وجْهَ إلّا الصَبْرُ؛ والمُضِيُّ لِأمْرِ اللهِ تَعالى ؛ والمَعْنى: "إنْ كُنْتَ تُعْظِمُ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم عَلى نَفْسِكَ؛ وتَلْتَزِمُ الحُزْنَ عَلَيْهِ؛ فَإنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى دُخُولِ سَرْبٍ في أعْماقِ الأرْضِ؛ أو عَلى ارْتِقاءِ سُلَّمٍ في السَماءِ؛ فَدُونَكَ وشَأْنَكَ بِهِ"؛ أيْ: "إنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا؛ ولا بُدَّ لَكَ مِنَ التِزامِ الصَبْرِ؛ واحْتِمالِ المَشَقَّةِ؛ ومُعارَضَتِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِلنّاظِرِينَ المُتَأمِّلِينَ؛ إذْ هو - لا إلَهَ إلّا هو - لَمْ يُرِدْ أنْ يَجْمَعَهم عَلى الهُدى؛ وإنَّما أرادَ أنْ يَنْصُبَ مِنَ الآياتِ ما يَهْتَدِي بِالنَظَرِ فِيهِ قَوْمٌ؛ ويَضِلُّ آخَرُونَ؛ إذْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ؛ وهَدى السَبِيلَ؛ وسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ؛ ولَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِحَقِّ مِلْكِهِ تَعالى ؛ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ في أنْ تَأْسَفَ؛ وتَحْزَنَ عَلى أمْرٍ أرادَهُ اللهُ تَعالى وأمْضاهُ؛ وعَلِمَ المَصْلَحَةَ فِيهِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أُسْلُوبُ مَعْنى الآيَةِ.
واسْمُ "كانَ"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الأمْرَ؛ والشَأْنَ؛ و ﴿ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ ﴾ ؛ خَبَرُها؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "إعْراضُهُمْ"؛ هو اسْمَ "كانَ"؛ ويُقَدَّرَ في "كَبُرَ"؛ ضَمِيرٌ؛ وتَكُونَ "كَبُرَ"؛ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ والأوَّلُ مِنَ الوَجْهَيْنِ أقْيَسُ.
و"اَلنَّفَقُ": اَلسَّرْبُ في الأرْضِ؛ ومِنهُ: "نافِقاءُ اليَرْبُوعِ"؛ و"اَلسُّلَّمُ": اَلشَّيْءُ الَّذِي يُصْعَدُ عَلَيْهِ؛ ويُرْتَقى؛ ويُمْكِنُ أنْ يُشْتَقَّ اسْمُهُ مِن "اَلسَّلامَةُ"؛ لِأنَّهُ سَبَبُها؛ وجَمْعُهُ: "سَلالِيمُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لا يَحْجِزُ المَرْءَ أحْجاءُ البِلادِ ولا ∗∗∗ تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ و"فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ"؛ أيْ: بِعَلامَةٍ؛ ويُرِيدُ: إمّا في فِعْلِكَ ذَلِكَ؛ أيْ: تَكُونُ الآيَةُ نَفْسَ دُخُولِكَ في الأرْضِ؛ أوِ ارْتِقائِكَ في السَماءِ؛ وإمّا أنْ تَأْتِيَهم بِالآيَةِ مِن إحْدى الجِهَتَيْنِ؛ وحُذِفَ جَوابُ الشَرْطِ قَبْلُ في قَوْلِهِ: "فَإنِ اسْتَطَعْتَ"؛ إيجازًا؛ لِفَهْمِ السامِعِ بِهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "فافْعَلْ؛ أو فَدُونَكَ"؛ كَما تَقَدَّمَ.
و"لَجَمَعَهُمْ"؛ يَحْتَمِلُ: إمّا بِأنْ يَخْلُقَهم مُؤْمِنِينَ؛ وإمّا بِأنْ يُكْسِبَهُمُ الإيمانَ بَعْدَ كُفْرِهِمْ؛ بِأنْ يَشْرَحَ صُدُورَهُمْ؛ و"اَلْهُدى": اَلْإرْشادُ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى القَدَرِيَّةِ المُغْرِضَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: "إنَّ القُدْرَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ؛ وإنَّ ما يَأْتِيهِ الإنْسانُ مِن جَمِيعِ أفْعالِهِ لا خَلْقَ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ"؛ تَعالى اللهُ عن قَوْلِهِمْ.
و"مِنَ الجاهِلِينَ"؛ يُحْتَمَلُ في ألّا يَعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى لَوْ شاءَ لَجَمَعَهُمْ؛ ويُحْتَمَلُ في أنْ تَهْتَمَّ بِوُجُودِ كُفْرِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ؛ وأرادَهُ؛ وتَذْهَبَ بِهِ لِنَفْسِكَ إلى ما لَمْ يُقَدِّرْهُ اللهُ تَعالى.
يَظْهَرُ تَبايُنٌ ما بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ؛ وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أفْضَلُ الأنْبِياءِ؛ قالَ مَكِّيٌّ والمَهْدِيُّ: "والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ؛ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ"؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ؛ وقالَ قَوْمٌ: وُقِّرَ نُوحٌ لِسِنِّهِ؛ وشَيْبَتِهِ؛ وقالَ قَوْمٌ: جاءَ الحَمْلُ أشَدَّ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِقُرْبِهِ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ ومَكانَتِهِ عِنْدَهُ؛ كَما يَحْمِلُ المُعاتِبُ عَلى قَرِيبِهِ أكْثَرَ مِن حَمْلِهِ عَلى الأجانِبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والوَجْهُ القَوِيُّ عِنْدِي في الآيَةِ هو أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَجِئْ بِحَسَبِ النَبِيَّيْنِ؛ وإنَّما جاءَ بِحَسَبِ الأمْرَيْنِ اللَذَيْنِ وقَعَ النَهْيُ عنهُما؛ والعِتابُ فِيهِما؛ وبَيِّنٌ أنَّ الأمْرَ الَّذِي نُهِيَ عنهُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أكْبَرُ قَدْرًا وأخْطَرُ مُواقَعَةً مِنَ الأمْرِ الَّذِي واقَعَهُ نُوحٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ فإنّهم لا يكذّبونك ﴾ [الأنعام: 33] أو على جملة ﴿ ولكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ [الأنعام: 33].
ويجوز أن تكون الواو واو الحال من الكلام المحذوف قبل الفاء، أي فلا تحزن، أو إن أحزنك ذلك فإنّهم لا يكذّبونك والحال قد كذّبت رسل من قبلك.
والكلام على كلّ تقدير تسلية وتهوين وتكريم بأنّ إساءة أهل الشرك لمحمد عليه الصلاة والسلام هي دون ما أساء الأقوام إلى الرسل من قبله؛ فإنّهم كذّبوا بالقول والاعتقاد وأمّا قومه فكذّبوا بالقول فقط.
وفي الكلام أيضاً تأسَ للرسول بمن قبله من الرسل.
ولام القسم لتأكيد الخبر بتنزيل الرسول صلى الله عليه وسلم منزلة من ذهل طويلاً عن تكذيب الرسل لأنّه لمّا أحزنه قول قومه فيه كان كمن بعُد علمه بذلك.
و ﴿ من قبلك ﴾ وصف كاشف لِ ﴿ رُسل ﴾ جيء به لتقرير معنى التأسّي بأنّ ذلك سنّة الرسل.
وفي موقع هذه الآية بعد التي قبلها إيماء لرجاحة عقول العرب على عقول من سبقهم من الأمم، فإنّ الأمم كذّبت رسلها باعتقاد ونطق ألسنتها، والعرب كذّبوا باللسان وأيقنوا بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام بعقولهم التي لا يروج عندها الزيف.
و (ما) مصدرية، أي صبروا على التكذيب، فيجوز أن يكون قوله ﴿ وأوذوا ﴾ عطفاً على ﴿ كذّبوا ﴾ وتكون جملة ﴿ فصبروا ﴾ معترضة.
والتقدير: ولقد كذّبت وأوذيَت رسل فصبروا.
فلا يعتبر الوقف عند قوله ﴿ على ما كذّبوا ﴾ بل يوصل الكلام إلى قوله ﴿ نَصْرُنَا ﴾ ، وأن يكون عطفاً على ﴿ كُذّبت رسل ﴾ ، أي كذّبت وأوذوا.
ويفهم الصبر على الأذى من الصبر على التكذيب لأنّ التكذيب أذى فيحسن الوقف عند قوله: ﴿ على ما كذّبوا ﴾ .
وقرن فعل ﴿ كذّبت ﴾ بعلامة التأنيث لأنّ فاعل الفعل إذا كان جمع تكسير يرجّح اتِّصال الفعل بعلامة التأنيث على التأويل بالجماعة.
ومن ثمّ جاء فعلا ﴿ فصبروا ﴾ و ﴿ كذّبوا ﴾ مقترنين بواو الجمع، لأنّ فاعليهما ضميران مستتران فرجح اعتبار التذكير.
وعطف ﴿ وأوذوا ﴾ على ﴿ كذّبت ﴾ عطف الأعمّ على الأخصّ، والأذى أعمّ من التكذيب، لأنّ الأذى هو ما يسوء ولو إساءة مّا، قال تعالى: ﴿ لن يضرّوكم إلاّ أذى ﴾ [آل عمران: 111] ويطلق على الشديد منه.
فالأذى اسم اشتقّ منه آذى إذا جعل له أذى وألحقه به.
فالهمزة به للجعل أو للتصيير.
ومصادر هذا الفعل أذى وأذَاة وأذيَّة.
وكلّها أسماء مصادر وليست مصادر.
وقياس مصدره الإيذاء لكنّه لم يسمع في كلام العرب.
فلذلك قال صاحب «القاموس»: لا يقال: إيذاء.
وقال الراغب: يقال: إيذاء.
ولعلّ الخلاف مبني على الخلاف في أنّ القياسي يصحّ إطلاقه ولو لم يسمع في كلامهم أو يتوقّف إطلاقه على سماع نوعه من مادّته.
ومن أنكر على صاحب «القاموس» فقد ظلمه.
وأيّاً ما كان فالإيذاء لفظ غير فصيح لغرابته.
ولقد يعدّ على صاحب «الكشاف» استعماله هنا وهو ما هو في علم البلاغة.
و ﴿ حتَّى ﴾ ابتدائية أفادت غاية ما قبلها، وهو التكذيب والأذى والصبر عليهما، فإنّ النصر كان بإهلاك المكذّبين المؤذين، فكان غاية للتكذيب والأذى، وكان غاية للصبر الخاصّ، وهو الصبر على التكذيب والأذى، وبقي صبر الرسل على أشياء ممّا أمر بالصبر عليه.
والإتيان في قوله: ﴿ أتاهم نصرنا ﴾ مجاز في وقوع النصر بعد انتظاره، فشبِّه وقوعه بالمجيء من مكان بعيد كما يجيء المنادى المنتظر.
وتقدّم بيان هذا عند قوله تعالى: ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين ﴾ في هذه السورة [4].
وجملة ﴿ ولا مبدّل ﴾ عطف على جملة: ﴿ أتاهم نصرنا ﴾ .
وكلمات الله وحيه للرسل الدّالّ على وعده إيّاهم بالنصر، كما دلّت عليه إضافة النصر إلى ضمير الجلالة.
فالمراد كلمات من نوع خاصّ، فلا يرد أنّ بعض كلمات الله في التشريع قد تبدّل بالنسخ؛ على أنّ التبديل المنفي مجاز في النقض، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ فمَن بدّله بعدما سَمعَه ﴾ في سورة [البقرة: 181].
وسيأتي تحقيق لهذا المعنى عند قوله تعالى: وتمّت كلمات ربّك صدقاً وعدلاً لا مبدّل لكلماته في هذه السورة [115].
وهذا تطمين للنبيء بأنّ الله ينصره كما نصر من قبله من الرسل، ويجوز أن تكون كلمات الله ما كتبه في أزله وقدره من سننه في الأمم، أي أنّ إهلاك المكذّبين يقع كما وقع إهلاك من قبلهم.
ونفي المُبدّل كناية عن نفي التبذيل، أي لا تبديل، لأنّ التبديل لا يكون إلاّ من مبدّل.
ومعناه: أنّ غير الله عاجز عن أن يبدّل مراد الله، وأن الله أراد أن لا يبدّل كلماته في هذا الشأن.
وقوله: ولقد جاءك من نبإ المرسلين } عطف على جملة: ﴿ ولا مبدّل لكلمات الله ﴾ ، وهو كلام جامع لتفاصيل ما حلّ بالمكذّبين، وبكيف كان نصر الله رسله.
وذلك في تضاعيف ما نزل من القرآن في ذلك.
والقول في ﴿ جاءك ﴾ كالقول في ﴿ أتاهم نصرُنا ﴾ ، فهو مجاز في بلوغ ذلك وإعلام النبي صلى الله عليه وسلم به.
و (مِنْ) في قوله: ﴿ مِنْ نبأ ﴾ إمّا اسم بمعنى (بعض) فتكون فاعلاً مضافة إلى النبأ، وهو ناظر إلى قوله تعالى: ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ [غافر: 78].
والأحسن أن تجعل صفة لموصوف محذوف تقديره: لقد جاءك نَبَأ من نَبَأ المرسلين.
والنبأ الخبر عن أمر عظيم، قال تعالى: ﴿ عمّ يتساءلون عن النّبأ العظيم ﴾ [النبأ: 1، 2]، وقال: ﴿ قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ﴾ [ص: 67، 68]، وقال في هذه السورة [67] ﴿ لكلّ نبإ مُسْتَقرّ وسوف تعلمون.
﴾ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ التَّكْذِيبِ لَكَ، والكُفْرُ بِي.
﴿ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ بِحُجَّةٍ، وإنَّما هو تَكْذِيبُ بُهْتٍ وعِنادٍ، فَلا يَحْزُنْكَ، فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَ قَوْلَكَ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، ولَكِنْ يُكَذِّبُونَ ما جِئْتَ بِهِ، قالَهُ ناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ.
والثّالِثُ: لا يُكَذِّبُونَكَ في السِّرِّ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، ولَكِنَّهم يُكَذِّبُونَكَ في العَلانِيَةِ لِعَداوَتِهِمْ لَكَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّ تَكْذِيبَهم لِقَوْلِكَ لَيْسَ بِتَكْذِيبٍ لَكَ، لِأنَّكَ رَسُولٌ مُبَلِّغٌ، وإنَّما هو تَكْذِيبٌ لِآياتِي الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ والمُوجِبَةِ لِقَبُولِ قَوْلِكَ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ.
وَقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ﴿ لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ وهي قِراءَةٌ عَنِ النَّبِيِّ وتَأْوِيلُها: لا يَجِدُونَكَ كاذِبًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لا مُبْطِلَ لِحُجَّتِهِ ولا دافِعَ لِبُرْهانِهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ فِيما قَضاهُ مِن نَصْرِ أوْلِيائِهِ، وأوْجَبَهُ مِن هَلاكِ أعْدائِهِ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ لا تَكْذِيبَ لِخَبَرِهِ فِيما حَكاهُ مِن نَصْرِ مَن نُصِرَ وهَلاكِ مَن أُهْلِكَ.
والرّابِعُ: مَعْناهُ لا يَشْتَبِهُ ما تَخَرَّصَهُ الكاذِبُونَ عَلَيْهِ بِما بَلَّغَهُ الأنْبِياءُ عَنْهُ.
﴿ وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ فِيما صَبَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الأذى، وقُوبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّصْرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [إعْراضُهُمْ] عَنْ سَماعِ القُرْآنِ.
والثّانِي: عَنِ اسْتِماعِكَ.
﴿ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ ﴾ أيْ سِرْبًا، وهو المَسْلَكُ فِيها، مَأْخُوذٌ مِن نافِقاءِ اليَرْبُوعِ.
﴿ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِصْعَدًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: دَرَجًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: سَبَبًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ولا لَكُما مَنجًى عَلى الأرْضِ فابْغِيا بِهِ نَفَقًا أوْ في السَّماواتِ سُلَّمًا ﴿ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ﴾ يَعْنِي أفْضَلَ مِن آيَتِكَ ولَنْ تَسْتَطِيعَ ذَلِكَ، لَمْ يُؤْمِنُوا لَكَ، فَلا يُحْزِنُكَ تَكْذِيبُهم وكُفْرُهم، قالَ الفَرّاءُ: وفي الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: فَتَأْتِيهِمْ بِآيَةٍ فافْعَلْ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى ﴾ يَعْنِي بِالإلْجاءِ والِاضْطِرارِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَوْضِعٍ قالَ اللَّهُ فِيهِ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ فَإنَّهُ لَمْ يَشَأْ.
﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ يَعْنِي تَجْزَعُ في مَواطِنِ الصَّبْرِ، فَتَصِيرُ بِالأسَفِ والتَّحَسُّرِ مُقارِبًا لِأحْوالِ الجاهِلِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ الِاسْتِجابَةُ هي القَبُولُ، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الجَوابِ: أنَّ الجَوابَ قَدْ يَكُونُ قَبُولًا وغَيْرَ قَبُولٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الَّذِينَ يَعْقِلُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: الَّذِينَ يَسْمَعُونَ طَلَبًا لِلْحَقِّ، لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ قَدْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ طَلَبًا لِلْحَقِّ، فَأمّا مَن لا يَسْمَعُ، أوْ يَسْمَعُ لَكِنْ لا بِقَصْدِ طَلَبِ الحَقِّ، فَلا يَكُونُ مِنهُ اسْتِجابَةً.
﴿ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالمَوْتى هُنا الكُفّارُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.
وَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: إنَّما يَسْتَجِيبُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، والكُفّارُ لا يَسْمَعُونَ إلّا عِنْدَ مُعايَنَةِ الحَقِّ اضْطِرارًا حِينَ لا يَنْفَعُهم حَتّى يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ كُفّارًا ثُمَّ يُحْشَرُونَ كُفّارًا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ المَوْتى الَّذِينَ فَقَدُوا الحَياةَ، وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: كَما أنَّ المَوْتى لا يَسْتَجِيبُونَ حَتّى يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ فَكَذَلِكَ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا ﴾ قال: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمعون، ويخبره أن الرسل قد كذبت قبله فصبروا على ما كذبوا حتى حكم الله وهو خير الحاكمين.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ولقد كذبت رسل من قبلك ﴾ قال: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولقد كذبت رسل من قبلك...
﴾ الآية.
قال يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ الآية.
قال الزجاج: (عزى الله نبيه وصبره (١) (٢) ﴿ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا ﴾ رجاء ثوابي، ﴿ وَأُوذُوا ﴾ حتى نشروا بالمناشير وحرقوا بالنار) (٣) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ﴾ معنى النصر: المعونة على العدو (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ﴾ قال الكلبي (٦) ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴾ الآيات، وقوله تعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾ (٧) (٨) (٩) (١٠) ﴿ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ﴾ معناه: لا ناقض لحكمه في كل مما حكم به من وعد ووعيد وثواب وعقاب، فليس يخص هذا الحكم الواحد، وهو نصر المرسلين، وإذا كان كذلك فالتقدير عند النحويين في الكلمات: ذوي الكلمات أي: يخبر بها عنه.
يقول: لا مبدل لما أخبرت عنه بكلماتي ليس يريد أنه لا مبدل للكلمات التي هي عبارات؛ هذا معنى قول أبي علي (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴾ أي: خبرهم في القرآن كيف نجيناهم ودمرنا قومهم (١٢) قال الأخفش: ( ﴿ مِن ﴾ هاهنا صلة كما تقول: أصابنا من مطر) (١٣) وقال غيره (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ مِّن ﴾ هاهنا للتبعيض وفاعل جاء مضمر، أضمر لدلالة المذكور عليه، تقديره: ولقد جاءك من نبأ المرسلين نبأ (١٧) (١) في (ش): (فصبر).
(٢) "معاني الزجاج" 2/ 243، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 183، والسمرقندي 3/ 223.
(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 30، وابن الجوزي 3/ 30، وأبو حيان في "البحر" 4/ 112.
(٤) انظر: "العين" 7/ 108، و"الجمهرة" 2/ 744، و"تهذيب اللغة" 4/ 3584 و"الصحاح" 2/ 829، و"المجمل" 3/ 870، و"مقاييس اللغة" 5/ 435 ، و"المفردات" ص 808، و"اللسان" 7/ 4440 (نصر).
(٥) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 183، والسمرقندي 1/ 482، والبغوي 3/ 140، وابن الجوزي 3/ 30، وكلهم اقتصر على هذا المعنى.
(٦) ذكره الثعلبي 177 أ، وفي "تنوير المقباس" 2/ 15 نحوه.
(٧) لم أقف عليه.
وانظر: "الماوردي" 1/ 108، وابن الجوزي 3/ 31، وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 147: (أي: لا مبدل لعذاب الله أو لا مبدل لمقتضى عذاب الله) ا.
هـ.
والظاهر العموم، وحمل الكلمات على الحقيقة أي لا مبدل لكلام الله تعالى الذي به يأمر وينهى ويشرع، وهو صفة من صفاته العلية التي لا تتناهى كسائر صفاته سبحانه وتعالى.
(٨) ذكر ابن الجوزي 3/ 31، وأبو حيان في "البحر" 4/ 112، عنه في الآية قال: (لا خلف لمواعيده)، وانظر: ابن عطية 5/ 185، والقرطبي 6/ 417.
(٩) لفظ: (الواو) ساقط من (ش).
(١٠) "معاني الزجاج" 2/ 243، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 544.
(١١) "الحجة" 2/ 34، وفيه قال: (والكلمات تقديرها: ذوي الكلمات، أي: ما عبر == عنه بها من وعد ووعيد وثواب وعقاب) ا.
هـ.
وانظر: تفسير ابن عطية 5/ 185.
(١٢) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 183، والسمرقندي 1/ 482.
(١٣) "معاني القرآن" 2/ 274، وفيه: (كما تقول: قد أصابنا من مطر، وقد كان من حديث) ا.
هـ.
وانظر: المصدر نفسه 1/ 98 - 99، 223، واقتصر على هذا القول البغوي في "تفسيره" 3/ 140.
(١٤) انظر: "الكتاب" 2/ 315 - 316، 4/ 225، و"المقتضب" 4/ 136 - 138، و"الأصول" 1/ 409 - 411، و"حروف المعاني" للزجاجي ص 50.
(١٥) الواجب ما تقع له حالة الوجوب، والموجب الكلام المثبت غير المنفي، وهو المراد هنا.
انظر: "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" للدكتور محمد اللبدي ص 238، 239.
(١٦) انظر: "معاني الحروف" للرماني ص 97، و"الصاحبي" ص 271، و"المغني" 1/ 322 - 325، وقال المالقي في "رصف المباني" ص 391: (وقد تكون من زائدة عند الكوفيين في الواجب، وحكوا: قد كان من مطر وهو عند البصريين غير الأخفش مؤول، أي: حادث من مطر أو كائن من مطر، وبعد فهو قليل لا يقاس) ا.
هـ.
وحكى ابن فارس في "الصاحبي" زيادتها في الواجب عن أبي عبيدة أيضًا.
(١٧) انظر: "غرائب الكرماني" 1/ 357، و"البيان" 1/ 320، و"التبيان" ص 330، و"الفريد" 2/ 143، و"البحر" 4/ 113، و"الدر المصون" 4/ 606، وعندهم التقدير: (ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ ﴾ الآية: تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وحضّ له على الصبر، ووعد له بالنصر ﴿ وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله ﴾ أي لمواعيده لرسله؛ كقوله: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون ﴾ [الصافات: 172]، وفي هذا تقوية للوعد ﴿ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين ﴾ أي من أخبارهم ويعني بذلك صبرهم ثم نصرهم، وهذا أيضاً تقوية للوعد والحض على الصبر، وفاعل جاءك محذوف تقديره نبأ أو خلاف، وقيل هو المجرور.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ بالنصب فيهما: حمزة وحفص ويعقوب وافق ابن عامر في ﴿ ونكون ﴾ الباقون: بالرفع ﴿ ولدار الآخرة ﴾ بالإضافة: ابن عامر بتأويل الساعة الآخرة، الباقون: بتعريف الدار ورفع الآخرة على الوصفية.
﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص وكذلك في الأعراف ﴿ يكذبونك ﴾ بالتخفيف من أكذبه إذا وجده كاذباً: علي ونافع والأعشى في اختياره.
الباقون: بالتشديد من كذبه إذا نسبه إلى الكذب.
﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ وينأون عنه ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ بلقاء الله ﴾ ط لأن "حتى" للابتداء فيها لا لأن الواو للحال ﴿ على ظهورهم ﴾ ط ﴿ يزرون ﴾ ه ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقصود لكلمات الله كذلك.
﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ بآية ﴾ ط ﴿ من الجاهلين ﴾ ه ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.
التفسير: لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بعض أسباب ذلك فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال ابن عباس: حضر عند رسول الله أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف واستمعوا إلى حديث رسول الله فقالوا للنضر: ما تقول في محمد؟
فقال: ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحريك.
شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية.
وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدث قريشاً فيستملحون حديثه فنزلت الآية.
والأكنة جمع كنان وهو كل ما وقى شيئاً وستره من الأغطية والقفل، ومنه أكننت وكننت.
وأن يفقهوه مفعول لأجله أي كراهة فقههم.
والوقر الثقل في الآذان.
والتركيب يدور على الثقل ومنه الوِقر بالكسر الحمل، والوقار الحلم.
وفي الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذي يصرف عن الإيمان ويحول بين المرء وبين قلبه.
وقالت المعتزلة: لا يمكن أجراؤها على ظاهرها وإلا كأن فيها حجة الكفار، ولأنه يكون تكليفاً للعاجز.
ولم يتوجه ذمهم في قولهم ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ فلا بد من التأويل وذلك من وجوه الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يسمعون لقراءة الرسول ليتوسلوا بسماع قراءته إلى مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله يلقي على قلوبهم النوم والغفلة، وعلى آذانهم الثقل.
وزيف بأن المراد لوكان ذلك لقيل " أن يسمعوه" بدل "أن يفقوه".
وبأن قوله ﴿ وأن يروا كل آية ﴾ أي كل دليل وحجة ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ لا يناسبه.
الثاني: أن المكلف الذي علم الله أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم قلبه بعلامة مخصوصة لتستدل الملائكة برؤيتها فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان مع انها في نفسها ليست بمانعة عن الإيمان.
الثالث: يقال: إنه جبل على كذا إذا كان مصّراً عليه وذلك على جهة التمثيل.
الرابع: لما منعهم الألطاف التي تصلح أن تفعل بالمهتدين وفوّض أمورهم إلى أنفسهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه.
الخامس: أن هذا حكاية قولهم ﴿ وفي ءَاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ وعورضت هذه الأدلة بالعلم والداعي، وذلك أن الله علم من الكافر أنه لا يؤمن وخلاف علمه محال، وأنه هو الذي خلق فيهم داعية الكفر ومع وجود تلك الداعية يستحيل الإيمان فهو المعنى بالكنان.
وتحقيق المسألة تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ والإفراد في ﴿ يستمع ﴾ والجمع في ﴿ قلوبهم ﴾ اعتبار اللفظ من تارة ولمعناه أخرى ﴿ حتى إذا جاؤك ﴾ هي حتى المبتدأة التي يقع بعدها الجمل كقوله: حتى ماء دجلة أشكل.
والجملة ههنا مجموع الشرط والجزاء أعني قوله ﴿ إذا جاؤك ﴾ يقول: ﴿ ويجادلونك ﴾ في موضع الحال.
ويجوز أن تكون حتى جارّة أي حتى وقت مجيئهم ﴿ ويجادلونك ﴾ حال بحاله ﴿ ويقول ﴾ تفسير له.
والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى حالة المجادلة.
ثم فسر الجدل بأنهم يقولون ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ وأصل السطر هو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً في صف ومنه سطر الكتاب وسطر من نخيل وجمعه أسطار وجمع الجمع أساطير.
وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة كأحاديث وأحدوثة.
وقال أبو زيد: لا واحد له كعباديد.
قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها.
ومن فسر الأساطير بالخرافات والترهات نظر.
إلى أن الإغلب هو أن لا يكون فيها فائدة معتبرة كحديث رستم وغيره فذلك معنى وليس بتفسير.
ثم إن غرض القوم من هذا القول هو القدح في كون القرآن معجزاً كما الكتب المشتملة على الأخبار والقصص ليست بمعجزة، والجواب أن هذا مقرون بالتحدي وقد عجزوا عن آخرهم دون تلك فظهر الفرق.
ثم أكد طعنهم في القرآن بقوله ﴿ وهم ينهون عنه ﴾ قال محمد بن الحنفية وابن عباس في رواية والسدي والضحاك: عن القرآن وتدبره والاستماع له ﴿ وينأون عنه ﴾ والنأي البعد.
نأيته ونأيت عنه وناء الرجل إذا بعد لغة في "نأى" وحملوه على القلب لأن المصدر لم يجيء إلا على النأي.
وقيل: الضمير للرسول والمراد النهي عن اتباعه والتصديق بنبوّته، جمعوا بين قبيحين: النأي والنهي فضلوا وأضلوا.
وعن عطاء ومقاتل عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ويتباعد عما جاء به.
روي أن قريشاً اجتمعوا إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي فقال أبو طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذلك منك عيونا وعرضت ديناً لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً وضعفت هذه الرواية بقوله ﴿ إن يهلكون إلا أنفسهم ﴾ يعني بما تقدم ذكره، ولكن النهي عن أذيته حسن لا يوجب الهلاك.
ويمكن أن يجاب بأن الذم توجه على الهيئة الاجتماعية الحاصلة من النهي مع النأي كقوله ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ ولو سلم فلم لا يجوز أن يرجع الذم إلى القسم الأخير فقط.
ثم بيَّن أنه كيف يعود الضرر إليهم فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ وجواب "لو" محذوف أي لرأيت سوء منقلبهم ونحو ذلك.
وجاز حذفه للعلم به ولما في الحذف من تفخيم الشأن وهو ذهاب الوهم كل مذهب كما لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب.
ذهب فكره إلى أنواع المكاره من الضرب والقتل وغيرهما بخلاف ما لو قلت: لأضربنك.
ولمثل هذا من إرادة المبالغة قال ﴿ وقفوا ﴾ بلفظ الماضي مع "إذا" الدال على المضي كأن هذا الأمر وقع وتحقق فكان من حقه أن يخبر عنه بلفظ الماضي أي وقفوا على أن يدخلوا النار وهم يعاينونها، أو وقفوا عليها وهي تحتهم، أو هو من قولهم: وقفت على المسألة الفلانية وقوفاً أي عرفوا حقيقتها تعريفاً أو المراد أنهم في جوف النار غائصين فيها فتكون "على" بمعنى "في" وجاز لأن النار دركات بعضها فوق بعض فلا يخلو من معنى الاستعلاء ﴿ يا ليتنا نردّ ﴾ هو داخل في حكم التمني.
أما قوله ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ فمن قرأ بالنصب فيهما فبإضمار "أن" على جواب التمني والمعنى إن رددنا إلى دار التكليف لم نكذب ونكن من المؤمنين.
ومن قرأ بالرفع فيهما فوجهان: أحدهما أن التمني يتم عند قوله ﴿ نرد ﴾ ثم ابتدؤا ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ أي ونحن لا نكذب ونكون كأنهم ضمنوا أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين سواء حصل الرد أو لم يحصل.
وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني.
وثانيهما أن يكونا معطوفين على ﴿ نرد ﴾ أو حالين على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيدخل المجموعتحت حكم التمني.
وأورد على هذا الوجه أن المتمني لا يكون كاذباً وقد قال ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وأجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى الوعد فجاز أن يتعلق به التكذيب كقول القائل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك فهذا متمن في حكم الواعد فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه كذب لأنه كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.
وأما قراءة ابن عامر فمعناه إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين ثم رد الله عليهم بأنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا وترك التكذيب وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأجل خوفهم من العذاب الذي شاهدوه وعاينوه فقال ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وما الذي كانوا يخفونه في الدنيا.
قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى ﴿ بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك أن كفرهم ما كان ظاهراً لهم وإنما ظهر لهم يوم القيامة.
وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء منهم من أمر البعث والنشور بدليل قوله بعد ذلك ﴿ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ وهذا قول الحسن.
وقيل: إنها في المنافقين كانوا يسرون الكفر فيظهر نفاقهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.
وقيل: هو في أهل الكتاب يظهر لهم ما كانوا يكتمونه من صحة نبوة محمد .
والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار اللهم كفر عنا سيآتنا في ذلك اليوم.
ثم قال ﴿ ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ قيل كيف يتصوّر هذا وإنهم قد عرفوا الله حينئذ بالضرورة وشاهدوا الأحوال والأهوال؟
وأجاب القاضي بأن المراد ولو ردّوا إلى حالة التكليف.
وعلى هذا التقدير لا تبقى المعرفة ضرورية فلا يمتنع صدور الكفر عنهم.
وضعف بأن المقصود من إيراد هذا الكلام المبالغة في غيهم وتماديهم وإصرارهم على الكفر.
وإذا فرض عودهم إلى حالة التكليف زال التعجب كما هو الأن فإذن لا تنحل العقدة إلا بأن يقال: المراد توكيد جريان القضاء السابق فيهم بحيث لو شاهدوا العذاب والعقاب ثم سألوا الرجعة فردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ولم ينجع ذلك فيهم ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما وعدوا في ضمن التمني أو في كل شيء ولهذا قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ "إن" نافية والضمير عائد إلى حقيقة الحياة "المعلومة في الأذهان ولهذا أضيف الى جمع المتكلم أي ما لنا حياة إلا هذه الحياة" التي هي أقرب إلينا ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ بعدها.
وقيل: إن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا البعث ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا.
ثم لما قرر إنكارهم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ﴾ تمسك بعض المشبهة بهذا على أنه يحضر تارة ويغيب أخرى، ورد بأن استعلاء شيء على ذات الله محال بالاتفاق فوجب تأويل الأية بأنه مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب، أو لمضاف محذوف أي على جزاء ربهم أو وعده أو إخباره بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين، أوهو من قولك: وقفته على كذا أي أطلعته عليه.
ثم كان لسائل أن يقول: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟
فأجيب ﴿ قال أليس هذا ﴾ الذي عاينتموه من حديث البعث والجزاء ﴿ بالحق ﴾ الذي حدثتموه؟
﴿ قالوا بلى وربنا ﴾ وفيه دليل على أن حالهم في الإنكار سيؤل إلى الإقرار، ثم كأنه سئل ماذا قيل لهم بعد الإقرار؟
فأجيب ﴿ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أي بسبب كفركم وذلك ليعلم أن الإقرار في غير دار التكليف لا ينفع، وذلك أن جوهر النفس اللطيفة القدسية بعث إلى هذا العالم الجسماني الكثيف وأعطى الآلات الجسمانية لتحصيل المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت.
فإذا استعملها الإنسان بناء على اعتقاد عدم المعاد في تحصيل اللذات الفانية والسعادات المنقطعة إلى أن ينقضي أجله فقد ضاع رأس المال ولا ربح وذلك قوله ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ أي ببلوغ الآخرة وثوابها وعقابها.
عبر عن ذلك بلقاء الله لأنه لا حكم لأحد هناك إلا لله بخلاف الدنيا فإنه قد يظن أن للإنسان تصرفاً واختياراً وملكاً وملكاً.
وحمل اللقاء على الرؤية أيضاً غير بعيد عند أهل السنة.
و"حتى" غاية لـ ﴿ كذبوا ﴾ لا لـ ﴿ خسر ﴾ لأن خسرانهم لا غاية له أي لم يزل بهم التكذيب إلى تحسرهم وقت مجيء الساعة بل وقت موتهم، فإن أمارات السعادة والشقاوة تلوح على صفحات أحوال المكلف من وقتئذ وهذا معنى قوله "من مات فقد قامت قيامته" وسمى يوم القيامة الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هو إلا ساعة الحساب، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله ولهذا قال ﴿ بغتة ﴾ أي فجأة.
وانتصابها على الحال أي باغتة من بغته إذا فاجأه، أو على المصدر العام أي بغتتهم الساعة بغتة أو الخاص لأن البغت نوع من المجيء ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" ﴿ يا حسرتنا ﴾ مثل ﴿ يا ويلتي ﴾ وقد مر مثله في سورة المائدة أي احضري فهذا وقتك ﴿ على ما فرّطنا ﴾ أصله يدل على الترك والهمزة في الإفراط لإزالة ذلك.
وقولهم فرطت القوم أي سبقتهم إلى الماء، معناه تركتهم من ورائي حتى حصل لي التقدم.
أما الضمير في ﴿ فيها ﴾ فقال ابن عباس: أي في الدنيا وإن لم يجر لها ذكر في الآية بدلالة العقل لأن موضع التقصير هو الدنيا.
وقال الحسن: أي في وقت الساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها وإعداد الزاد وتحصيل الأهبة لها.
وقال محمد بن جرير الطبري: يعود إلى الصفقة والمبايعة بدلالة ذكر الخسران.
وقيل: إلى ما فيما فرطنا أي يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي تركناها وقصرنا فيها.
ثم بين تضاعف خسرانهم بأنهم لم يحصلوا لأنفسهم مواجب الثواب ولكن حصلوا مواجب العقاب فقال ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ هي الآثام والخطايا.
وأصل الوزر الثقل ومنه الوزير لأنه يحمل ثقل صاحبه.
والوزر الملجأ لأنه يدفع عنه ما أصابه فكأنه حمله.
أما كيفية حملهم الأوزار فقال في الكشاف: إنه مجاز عن حصولها لهم كقوله ﴿ فبما كسبت أيديكم ﴾ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي.
وقال الزجاج: الثقل قد يذكر في الحال والصفة.
ثقل عليّ خطاب فلان أي كرهته، فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم.
وقيل: هو كقولك: شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي.
وقال جمع من المفسرين: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قالوا ركباناً وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم قاله قتادة والسدي.
﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ بئس شيئاً يزرون وزرهم.
ثم رغب في الحياة الباقية وزهد في الحياة العاجلة فقال ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق لأن حياة المؤمن تحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً.
وقال آخرون: هو عام في حياة المؤمن والكافر وذلك أن مدة اللهو واللعب وكل شيء يلهيك ويشغلك مما لا أصل له قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك.
وأيضاً اللعب واللهو لا بد أن يتناهيا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك، ولهذا رفضها العلماء المحققون والحكماء المتألهون.
﴿ وللدار الآخرة ﴾ قال ابن عباس: هي الجنة وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي.
وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير.
وقال الآخرون: نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا من حيث إنها دائمة باقية مصونة عن شوائب الآفات والمخافات، آمنة من نقص الانقضاء والانقراض ﴿ للذين يتقون ﴾ فيه أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن اتقى الكفر والمعاصي، وأما الكافر والفاسق فالدنيا بالنسبة إليهما خير كما قال : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" .
﴿ أفلا تعقلون ﴾ قال الواحدي: من قرأ بتاء الخطاب فالمعنى قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون، ومن قرأ بالياء فمعناه أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟
وذلك أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوات التي يشارك فيها سائر الحيوانات، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل، فالجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب والنمر والحيات أقوى غضباً وقهراً، وكل من وقف عمره على هذه المطالب لم يكن له عند العقلاء وزن ولا عند الحكماء والعلماء قدر، وكل من صرف عمره في تحصيل الكمالات الدائمات والسعادات الباقيات كان له في العيون مهابة وفي القلوب قبول، وذلك دليل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية وعلو مرتبة الكمالات الروحانية.
وهب أن النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة أليس المعلوم أفضل من المظنون وأن خيرات الآخرة معلومة قطعاً والوصول إلى خيرات الدنيا في الغد غير معلوم ولا مظنون؟
فكم من سلطان قاهر بكرة صار تحت التراب عشية، وكم من متمول متغلب أصبح أميراً كبيراً ثم أمسى فقيراً حقيراً.
وهب أنه وجد بعد هذا اليوم يوماً آخر فلن يمكنه الانتفاع بكل ما جمع من الأسباب، ولو انتفع فقلما يخلص من شوائب المكاره والآفات كما روي أنه قال "من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق.
قيل: وما هو يا رسول الله؟
قال: سرور يوم بتمامه" وهب أن الدست له قد تم، أليس مآل كل ذلك إلى الزوال والانقراض؟
وكفى بذلك نقصاً وكدراً كما قال: كمال الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا ثم سلى رسول الله وقال ﴿ قد نعلم ﴾ والمراد كثرة العلم والمبالغة كما مر في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ والهاء في ﴿ أنه ﴾ ضمير الشأن وكسرت بعد العلم لمكان لام الابتداء في ﴿ ليحزنك ﴾ وما ذلك المحزن؟
قال الحسن: هو قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون: وقيل: تصريحهم بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه.
وقيل: نسبتهم إياه إلى الكذب ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ قال أبو علي وثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى.
وقيل: أكذبت الرجل ألفيته كاذباً، وكذبته إذا قلت له كذبت.
وقال الكسائي: أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب.
وقال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته أن الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على سبيل الافتعال والقصد.
فمن قرأ بالتخفيف نظر إلى أن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة ذلك وأنه نبي إلا أن تخيله باطل.
ثم إن ظاهر الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً ولكنهم يجحدون بآيات الله، وفي الجمع بين الأمرين وجوه: الأول أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن ونبوته ويؤكده رواية السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل بن هشام التقيا فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟
فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري.
فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت.
وقال أبو ميسرة: إن رسول الله مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا يا محمد إنا والله ما نكذبك إنك عندنا لصادق ولكن نكذب ما جئت به فنزلت.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل كان يكذب النبي في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقاً فإذن هذه الآية نظير قوله في قصة موسى ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾ فانظر.
الثاني في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل وما وجدوا منك كذباً وسموك الصادق الأمين فلا يقولون بعد إنك كاذب، ولكن حجدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان فلأجل ذلك تخيل أنه رسول لا أنه كذب في نفسه، أو لأنهم زعموا أنه أمين في كل الأمور إلا في هذا الواحد.
الثالث أنه لما ظهرت المعجزات على يده ثم إن القوم أصروا على التكذيب فقال له إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ومثله قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ فكأنه قيل له: إله عن حزنك لنفسك وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه.
الرابع: قيل في التفسير الكبير: أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً ويكذبون جميع الأنبياء والرسل.
وقوله ﴿ ولكنّ الظالمين ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم في جحودهم، لأن من وضع التكذيب مقام التصديق فقد ظلم.
ثم صبر رسوله على أذية القوم فقال ﴿ ولقد كذبت رسل ﴾ وأيّ رسل ﴿ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ﴾ فأنت أولى بهذه السيرة لأنك مبعوث إلى كافة الخلائق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.
﴿ ولا مبدّل لكلمات الله ﴾ أي لمواعيده في نحو قوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ وقوله ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون ﴾ ﴿ ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ قال الأخفش "من" زائدة والأصح أنها للتبعيض لقلة مجيء زيادة "من" في الإثبات، ولأن الواصل إليه بعض قصص الأنبياء لقوله ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ فالتقدير: ولقد جاءك بعض أنبائهم.
وكان يكبر على النبي كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزلت ﴿ وإن كان كبر ﴾ أي شق ﴿ عليك إعراضهم ﴾ عن الإيمان وصحة القرآن ﴿ وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ فافعل.
يعني أنك لا تستطيع ذلك والجواب محذوف وحسن للعلم به.
والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ومنه اشتقاق المنافق.
والسلم واحد السلاليم التي يرتقي عليها وأصله من السلامة كأنه يسلمك إلى مصعدك.
والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها وبكل ما اقترحوه رجاء إيمانهم، ويجوز أن يكون ابتغاء النفق أو السلم هو الآية كأنه قيل: لو استطعت ذلك لفعلت كل ذلك ليكون لك آية يؤمنون عندها، ثم قال ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ قال أهل السنة: فهو دليل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر.
وقالت المعتزلة: المراد مشيئة الإلجاء المنافي للتكليف.
والإلجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه فيضطرون إلى الإيمان.
مثاله: أن يحصل شخص بحضرة السلطان وهناك خدمه وحشمه فيعلم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال فيصير هذا العلم مانعاً له من القتل.
وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
أما قوله ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ أي من الذين يرومون خلاف مأمور الله.
فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه.
ثم بيَّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان فقال ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ﴾ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة.
والمراد أنه هو الذي يقدر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، يعني أن الذين تحرص على حصول إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون كقوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ أو المعنى أن هؤلاء الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم.
أما وجه تشبيه الكفرة بالموتى فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة الصانع كما أن حياة الجسد بالروح.
ثم ذكر شبهة أخرى للطاعنين في نبوّة محمد وهو أنه ما جاء بآية قاهرة ومعجزة باهرة فكأنهم طعنوا في كون هذا القرآن معجزاً على سبيل العناد أو قياساً على سائر الكتب السماوية، أو طلبوا معجزات تقرب من حد الإلجاء كشق الجبل وفلق البحر، فإن معجزات نبينا من تسبيح الحصا وانشقاق القمر وغير ذلك ليست بأقل منها.
أو اقترحوا مزيد الآيات بطريقة التعنت واللجاج كقولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن فاعليته ليست إلا بحسب محض المشيئة عند أهل السنة، أو على وفق المصلحة عند المعتزلة، لا على موجب اقتراحات الناس ومطالباتهم.
أو أنه لما ظهرت المعجزة الباهرة والدلالة الكافية من القرآن وغيره لم يبق لهم عذر ولا علة، فلو أجابهم إلى مقترحهم فلعلهم يقترحون اقتراحاً ثانياً وثالثاً وهلم جر أو ذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة وهذا خلاف المقصود، أو لا يعلمون أنه لو أعطاهم سؤلهم ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الاستئصال، أو لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل العناد لا لأجل الفائدة - وقد علم الله ذلك - لم يعطهم مطلوبهم ولو كان غرضهم طلب الحق ونيله لأعطاهم مطلوبهم على أكمل الوجوه.
التأويل: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ إنكاراً واختباراً ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ من شؤم إنكارهم حجباً من غير الإنكار ﴿ وفي آذانهم وقراً ﴾ من فساد الاستعداد الفطري.
﴿ وإن يروا كل آية ﴾ بعين الظاهر ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها ﴿ وهم ينهون ﴾ الطلاب عن الحق.
﴿ وإن يهلكون ﴾ بتنفير الخلق عن الحق ﴿ إلا أنفسهم ﴾ لأن التباعد من أهل الحق هو البعد عن الحق وهذا هو الهلاك الحقيقي.
﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ أي أرواح الأشقياء بعد الخلاص عن حبس الطبيعة عرفوا ألم عذاب القطيعة ﴿ فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ إلى عالم الصورة وإلى الاستعداد الفطري ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ أين يظهر عليهم آثار الشقاوة التي كتبت لهم وكانوا يتكلفون سترها في عالم الصورة بلباس البشرية ﴿ ولو ردوا ﴾ إلى عالم الصورة ﴿ لعادوا لما نهوا عنه ﴾ من اتباع الهوى فيفسدون استعدادهم مرة أخرى ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما يدعون لأنهم خلقوا لأجل التكذيب لا لأجل التصديق، ولهذا نسوا ما شاهدوا يوم الميثاق من الألطاف والإعطاف، وقولهم "بلى" في جواب خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ إذ وقفوا على ربهم ﴾ عرفوا ربوبية ربهم ولو عرفوها في الدنيا لم يذوقوا عذاب البعد في العقبى ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ هي الساعة التي يجتذب العبد فيها عن أوصاف البشرية بجذبات المحبة فجأة وهي قيامة أخرى لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق فيتأسف عليها ويقول: أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات، فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات ﴿ وهم يحملون ﴾ أثقال التعلقات الزائدة على ظهور وجودهم، فإن الوجود على السالك ثقيل مانع عن السلوك فكيف ما زيد عليه؟
﴿ إلا لعب ولهو ﴾ كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان ﴿ وللدار الآخرة ﴾ هي السير من البشرية إلى الروحانية والإقبال على الله والإعراض عما سواه ﴿ خير للذين يتقون ﴾ غير الله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن الإنسان خلق لهذا الشأن لا لغيره كقوله ﴿ واصطنعتك لنفسي ﴾ ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك ﴾ من ضيق نطاق البشرية أثر في حبيب الله مقالة الجهلة ولا مبدل لكلمات الله لمقدّراته التي قدّرها ودبرها من الأزل إلى الأبد بكلمة "كن" ﴿ ولو شاء الله لجمعهم ﴾ في عالم الأرواح عند رشاش النور على الهدى ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعلمون الحكمة في جعل البعض في مظاهر اللطف والبعض بمظاهر القهر.
والنهي في حقه هو نهي الامتناع عن الكينونة أي خلق في الأزل ممتنعاً عن الجهل بواسطة كلمة لا تكن كما أنه خلق مستعداً للكمال بكلمة "كن" ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ﴾ في كل لحظة ولمحة ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ دلالة الكائنات على المكوّن والممكنات على الواجب والمصنوعات على الصانع ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ﴾ .
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ ﴾ هذا - والله أعلم - إخبار منه نبيه - - أنه عن علم منه بتكذيبهم إياك بعثك إليهم رسولا، وأمرك بتبليغ الرسالة إليهم، وكان عالماً بما يلحقك من الحزن بتكذيبهم إياك، ولكن بعثك إليهم رسولا مع علم منه بهذا كله لتبلغهم، يذكر هذا - والله أعلم - ليعلم رسوله ألا عذر له في ترك تبليغ الرسالة، وإن كذّبوه في تبليغها.
ثم الذي يحمله على الحزن يحتمل وجوهاً: يحتمل: يحزنه افتراؤهم وكذبهم على الله.
أو كان يحزن لتكذيب أقربائه وعشيرته إياه فإذا أكذبته عشيرته، انتهى الخبر إلى الأبعدين فيكذبونه، فيحزن لذلك.
أو يحزن حزن طبع؛ لأن طبع كل أحد ينفر عن التكذيب.
أو كان يحزن إشفاقاً عليهم بما ينزل عليهم من العذاب بتكذيبهم إياه وآذاهم له؛ كقوله - -: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...
﴾ الآية [الكهف: 6] وكقوله - -: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ اختلف في تلاوته: قرأ بعضهم بالتخفيف، وبعضهم بالتشديد والتثقيل: فمن قرأ بالتخفيف: قراءة ﴿ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ ، أي: لا يجدونك كاذباً قط.
ومن قرأ بالتثقيل: ﴿ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ ، أي: لا ينسبونك إلى الكذب، ولا يكذبونك في نفسك.
ويحتمل قوله: ولا يكذبونك في السر، ولكن يقولون ذلك في العلانية، والتكذيب هو أن يقال: إنك كاذب.
﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ .
أي: عادة الظالمين التكذيب بآيات الله.
و ﴿ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الظالمين على نعم الله عادتهم التكذيب بآيات الله.
[الثاني] والظالمين على أنفسهم؛ لأنهم وضعوها في غير موضعها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ ﴾ .
يخبر نبيه - عليه الصلاة والسلام - ويصبره على تكذيبهم إياه وأذاهم بتبليغ الرسالة، يقول: لست أنت بأول مكذب من الرسل، بل كذب إخوانك من قبلك على تبليغ الرسالة، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، ولم يتركوا تبليغ الرسالة مع تكذيبهم إياهم؛ فعلى ذلك لا عذر لك في ترك تبليغ الرسالة وإن كذبوك في التبليغ وآذوك، وهو ما ذكرنا أنه يخبره أنه بعثك رسولا على علم منه بكل الذي كان منهم من التكذيب والأذى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ﴾ .
أخبر الله أنه نصر رسله، ثم يحتمل ذلك (النصر) وجوهاً.
أحدها: ينصرهم أي: أظهر حججه وبراهينه، حتى علموا جميعاً أنها هي الحجج والبراهين، وأنهم رسل الله، لكنهم عاندوا وكابروا.
ويحتمل: النصر لهم بما جعل آخر أمرهم لهم، وإن كان قد أصابهم شدائد في بدء الأمر.
أو نصرهم لما استأصل قومهم وأهلكهم بتكذيبهم الرسل، وفي استئصال القوم وإهلاكه إياهم، وإبقاء الرسل نَصْرُهم، وكذلك قوله - -: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴾ يخرج على الوجوه التي ذكرناها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ هو ما ذكرنا من النصر لهم، واستئصال قومهم، وما أوعدهم من العذاب؛ فذلك كلمات الله.
ويحتمل قوله: ﴿ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : حججه وبراهينه؛ كقوله: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ ، أي: بحججه وآياته، وكقوله - -: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾ أي: حجج ربي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ يحتمل ما ذكرنا من إهلاك القوم وإبقاء الرسل، قد جاءك ذلك النبأ.
ويحتمل قوله - -: ﴿ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ من تكذيب قومهم لهم وأذاهم إياهم، فإن كان هذا ففيه تصبير رسول الله .
[وقوله ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ كان يشتد على رسول الله ] ويشق عليه كفر قومه وإعراضهم عن الإيمان، حتى كادت نفسه تتلف وتهلك لذلك إشفاقاً عليهم؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ وقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ونحو ذلك من الآيات، يشفق عليهم بتركهم الإيمان لما يعذبون أبداً في النار، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ .
أو كان يكبر عليه ويثقل إعراضهم لما كانوا يطلبون منه الآيات، حتى إذا جاء بها لا يؤمنون؛ من نحو ما قالوا: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ﴾ وغير ذلك من الآيات التي سألوها، فطمع رسول الله في إيمانهم إذا جاء بما سألوا من الآيات، فكان الله عالماً بأنه وإن جاءتهم آيات لم يؤمنوا، وإنما يسألون سؤال تعنت لا سؤال طلب آيات لتدلهم على الهدى، فقال عند ذلك: ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
أو أن يكون قوله: ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ نهياً عن الحزن عليهم، أي: لا تحزن عليهم كل هذا الحزن بما ينزل بهم، وقد تعلم صنيعهم وسوء معاملتهم آيات الله.
وكذلك روي في القصة عن ابن عباس - - أن نفراً من قريش قالوا: يا محمد، ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات إذا سألوهم: فإن أتيتنا آمنا بك وصدقناك، فأبى الله أن يأتيهم بما قالوا، فأعرضوا عنه، فكبر ذلك عليه وشق، فأنزل الله: ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ...
﴾ .
يقول: إن قدرت ﴿ أَن تَبْتَغِيَ ﴾ يقول: أن تطلب ﴿ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: سرباً في الأرض كنفق اليربوع نافذاً أو مخرجاً فتوارى فيه منهم ﴿ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ يكون سبباً إلى صعود السماء، ﴿ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ﴾ التي سألوكها فافعل.
قال القتبي: النفق في الأرض: المدخل، وهو السرب، والسلم في السماء: المصعد.
وقال أبو عوسجة: النفق: الغار، والأنفاق: الغيران، والغار واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ .
قال الحسن: أي: لو شاء الله لقهرهم على الهدى وأكرههم، كما فعل بالملائكة؛ إذ من قوله إن الملائكة مجبورون مقهورون [على ذلك]، ثم هو يفضل الملائكة على البشر ويجعل لهم مناقب، لا يجعل ذلك لأحد من البشر، فلو كانت الملائكة مجبورين مقهورين على ذلك، لم يكن في ذلك لهم كبير منقبة؛ ففي قوله اضطراب.
وأما تأويله عندنا: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ ، أي: لجعلهم جميعاً بحيث اختاروا الهدى وآثروه على غيره، ولكن لما علم منهم أنهم يختارون الكفر على الهدى، لم يشأ أن يجمعهم على الهدى، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ألا يكون الهدى في حال القهر والجبر، وإنما يكون في حال الاختيار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: فلا تكونن من الجاهلين: من قضاء الله وحكمه.
ويحتمل: لا تكونن من الجاهلين: من إحسانه وفضله، أي: من إحسانه [وفضله] يجعل لهم الهدى.
ويحتمل: لا تكونن من الجاهلين أنه يؤمن بك بعضهم وبعضهم لا يؤمن.
قال أبو بكر الكيساني في قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ أي: لو شاء الله ابتلاهم بدون ما ابتلاهم به ليخف عليهم، فيجيبون بأجمعهم، أو يقول: لو شاء [الله] لوفقهم جميعاً للهدى فيهتدون، وهو قولنا، لكن لم يشأ؛ لما ذكرنا أنه لم يوفقهم لما علم منهم أنهم يختارون الكفر.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ﴾ ، بأن الله قادر لو شاء لجعلهم جميعاً مهتدين.
ثم معلوم أن رسول الله كان معصوماً، لا يجوز أن يقال إنه يكون من الجاهلين أو من الشاكرين، على ما ذكر، ولكن ذكر هذا - والله أعلم - ليعلم أن العصمة لا ترفع الأمر والنهي والامتحان، بل تزيد؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولا تحسب أن هذا التكذيب خاص بما جئت به، فقد كُذبَتْ رسل من قبلك، وآذاهم أقوامهم، فواجهوا ذلك بالصبر على الدعوة والجهاد في سبيل الله حتى جاءهم النصر من الله، ولا مُبدِّل لما كتبه الله من النصر، ووعد به رسله، ولقد جاءك -أيها الرسول- من أخبار من قبلك من الرسل وما لاقوه من أقوامهم وما حباهم الله من النصر على أعدائهم لإهلاكهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.MdDk1"