الآية ٤٥ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٤٥ من سورة الأنعام

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) كما قال : ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا "، فاستؤصل القوم الذين عَتَوا على ربهم، وكذّبوا رسله، وخالفوا أمره، عن آخرهم, فلم يترك منهم أحد إلا أهلك بغتةً إذ جاءهم عذاب الله.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 13242 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا "، يقول: قُطع أصل الذين ظلموا.

13243 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا "، قال: استؤصلوا.

* * * و " دابر القوم "، الذي يدبرُهم, وهو الذي يكون في أدبارهم وآخرهم.

يقال في الكلام: " قد دَبَر القومَ فلانٌ يدبُرُهم دَبْرًا ودبورًا "، إذا كان آخرهم, ومنه قول أمية: فَــاُهْلِكُوا بِعَــذَابٍ حَـصَّ دَابِـرَهُمْ فَمَـا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفًا وَلا انْتَصَرُوا (1) * * * =" والحمد لله رب العالمين "، يقول: والثناء الكامل والشكر التام =" لله رب العالمين "، على إنعامه على رسله وأهل طاعته, (2) بإظهار حججهم على من خالفهم من أهل الكفر, وتحقيق عِدَاتِهم ما وَعدوهم على كفرهم بالله وتكذيبهم رسله (3) = من نقم الله وعاجل عذابه.

(4) ---------------------- الهوامش : (1) ديوانه: 32 ، من أبيات يحكى فيها صفة الموقف في يوم الحشر.

يقال: "حص الشعر" ، إذا حلقه ، لم يبق منه شيئًا.

(2) انظر تفسير"الحمد" ، و"رب العالمين" فيما سلف في سورة الفاتحة.

(3) في المطبوعة: "وتحقيق عدتهم ما وعدهم" ، وفي المخطوطة: "عداتهم ما وعدوهم" ، وصواب قراءة ذلك كله ما أثبته.

(4) السياق: " .

.

.

ما وعدوهم .

.

.

من نقم الله وعاجل عذابه".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواالدابر الآخر ; يقال : دبر القوم يدبرهم دبرا إذا كان آخرهم في المجيء .وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود ( من الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبريا ) أي في آخر الوقت ; والمعنى هنا قطع خلفهم من نسلهم وغيرهم فلم تبق لهم باقية .قال قطرب : يعني أنهم استؤصلوا وأهلكوا .قال أمية بن أبي الصلت : فأهلكوا بعذاب حص دابرهم فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا ومنه التدبير لأنه إحكام عواقب الأمور .وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَقيل : على إهلاكهم وقيل : تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه .وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم ; لما يعقب من قطع الدابر , إلى العذاب الدائم , مع استحقاق القاطع الحمد من كل حامد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا } أي اصطلموا بالعذاب، وتقطعت بهم الأسباب.

{ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } على ما قضاه وقدره، من هلاك المكذبين.

فإن بذلك، تتبين آياته، وإكرامه لأوليائه، وإهانته لأعدائه، وصدق ما جاءت به المرسلون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فقطع دابر القوم الذين ظلموا ) أي : آخرهم [ الذين بدبرهم ، يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبرا ودبورا إذا كان آخرهم ] ومعناه أنهم استؤصلوا بالعذاب فلم يبق منهم باقية ، ( والحمد لله رب العالمين ) حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم لأنه نعمة على الرسل ، فذكر الحمد لله تعليما لهم ولمن آمن بهم ، أن يحمدوا الله على كفايته شر الظالمين ، وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ربهم إذا أهلك المكذبين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فقطع دابر القوم الذين ظلموا» أي آخرهم بأن استؤصلوا «والحمد لله رب العالمين» على نصر الرسل وإهلاك الكافرين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فاستؤصل هؤلاء القوم وأُهلكوا إذ كفروا بالله وكذَّبوا رسله، فلم يبق منهم أحد.

والشكر والثناء لله تعالى -خالق كل شيء ومالكه- على نصرة أوليائه وهلاك أعدائه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال - تعالى - : { فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } .الدابر : الآخر ، والمعنى : فأهلك الله - تعالى - أولئك الأقوام عن آخرهم بسبب ظلمهم وفجورهم ، والحمد لله رب العالمين الذى نصر رسله وأولياءه على أعدائهم ، وفى ختام هذه الآية بقوله { والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } تعليم لنا ، إذ أن زوال الظالمين نعمة تستوجب الحمد والثناء على الله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا الكلام من تمام القصة الأولى فبيّن الله تعالى أنه أخذهم أولاً بالبأساء والضراء لكي يتضرعوا ثم بيّن في هذه الآية أنهم لما نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فتحنا عليهم أبواب كل شيء، ونقلناهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء، والمقصود أنه تعالى عاملهم بتسليط المكاره والشدائد عليهم تارة فلم ينتفعوا به، فنقلهم من تلك الحالة إلى ضدها وهو فتح أبواب الخيرات عليهم وتسهيل موجبات المسرات والسعادات لديهم فلم ينتفعوا به أيضاً.

وهذا كما يفعله الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلباً لصلاحه حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ولا إقدام على اعتذار وتوبة، فلا جرم أخذناهم بغتة.

واعلم أن قوله: ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ معناه فتحنا عليهم كل شيء كان مغلقاً عنهم من الخير، ﴿ حتى إذا فرحوا ﴾ أي إذا ظنوا أن الذي نزل بهم من البأساء والضراء ما كان على سبيل الانتقام من الله.

ولما فتح الله عليهم أبواب الخيرات ظنوا أن ذلك باستحقاقهم، فعند ذلك ظهر أن قلوبهم قست وماتت وأنه لا يرجى لها انتباه بطريق من الطرق، لا جرم فاجأهم الله بالعذاب من حيث لا يشعرون.

قال الحسن: في هذه الآية مكر بالقوم ورب الكعبة، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج من الله تعالى» ثم قرأ هذه الآية.

قال أهل المعاني: وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية وقوله: ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ أي آيسون من كل خير.

قال الفرّاء: المبلس الذي انقطع رجاؤه، ولذلك قيل للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس.

وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين، والابلاس في اللغة يكون بمعنى اليأس من النجاة عند ورود الهلكة، ويكون بمعنى انقطاع الحجة، ويكون بمعنى الحيرة بما يرد على النفس من البلية وهذه المعاني متقاربة.

ثم قال تعالى: ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ﴾ الدابر التابع للشيء من خلفه كالولد للوالد يقال: دبر فلان القوم يدبرهم دبوراً ودبراً إذا كان آخرهم.

قال أُمية بن أبي الصلت: فاستؤصلوا بعذاب حص دابرهم *** فما استطاعوا له صرفا ولا نتصروا وقال أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم.

وقال الأصمعي الدابر الأصل يقال قطع الله دابره أي أذهب الله أصله.

وقوله: ﴿ والحمد لله ربّ العالمين ﴾ فيه وجوه: الأول.

معناه أنه تعالى حمد نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم لأن ذلك كان جارياً مجرى النعمة العظيمة على أولئك الرسل في إزالة شرهم عن أولئك الأنبياء.

والثاني: أنه تعالى لما علم قسوة قلوبهم لزم أن يقال: إنه كلما ازدادت مدة حياتهم ازدادت أنواع كفرهم ومعاصيهم، فكانوا يستوجبون به مريد العقاب والعذاب فكان إفناؤهم وإماتتهم في تلك الحالة موجباً أن لا يصيروا مستوجبين لتلك الزيادات من العقاب فكان ذلك جارياً مجرى الانعام عليهم.

والثالث: أن يكون هذا الحمد والثناء إنما حصل على وجود إنعام الله عليهم في أن كلفهم وأزال العذر والعلة عنهم ودبرهم بكل الوجوه الممكنة في التدبير الحسن، وذلك بأن أخذهم أولاً بالبأساء والضراء، ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء، وأمهلهم وبعث الأنبياء والرسل إليهم، فلما لم يزدادوا إلا انهماكاً في الغي والكفر، أفناهم الله وطهر وجه الأرض من شرهم، فكان قوله: ﴿ والحمد الله ربّ العالمين ﴾ على تلك النعم الكثيرة المتقدمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

البأساء، والضراء: البؤس، والضر.

وقيل: البأساء: القحط والجوع.

والضراء: المرض ونقصان الأموال والأنفس.

والمعنى: ولقد أرسلنا إليهم الرسل فكذبوهم فأخذناهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون عن ذنوبهم ﴿ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ معناه: نفي التّضرع، كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا.

ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ ﴾ من البأساء والضراء: أي تركوا الاتعاظ به ولم ينفع فيهم ولم يزجرهم ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيْء ﴾ من الصحة والسعة وصنوف النعمة، ليزاوج عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، كما يفعل الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى، طلباً لصلاحه ﴿ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ ﴾ من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر، من غير انتداب لشكر ولا تصدّ لتوبة واعتذار ﴿ أخذناهم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ ﴾ واجمون، متحسرون آيسون ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم ﴾ آخرهم لم يترك منهم أحد، قد استؤصلت شأفتهم ﴿ والحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجلّ النعم وأجزل القسم.

وقرئ: ﴿ فَتَحْنَا ﴾ بالتشديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِهِ.

﴿ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِن أنْواعِ النِّعَمِ مُراوَحَةً عَلَيْهِمْ بَيْنَ نَوْبَتِي الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ، وامْتِحانًا لَهم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلْعِلَّةِ، أوْ مَكْرًا بِهِمْ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَكْرٌ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ».» .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «فَتَحْنا» بِالتَّشْدِيدِ في جَمِيعِ القُرْآنِ ووافَقَهُ يَعْقُوبُ فِيما عَدا هَذا، والَّذِي في «الأعْرافِ» .

﴿ حَتّى إذا فَرِحُوا ﴾ أُعْجِبُوا ﴿ بِما أُوتُوا ﴾ مِنَ النِّعَمِ ولَمْ يَزِيدُوا غَيْرَ البَطَرِ والِاشْتِغالِ بِالنِّعَمِ عَنِ المُنْعِمِ والقِيامِ بِحَقِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

﴿ أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ ﴾ مُتَحَسِّرُونَ آيِسُونَ.

﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ آخِرُهم بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ مِن دَبَرَهُ دَبْرًا ودُبُورًا إذا تَبِعَهُ.

﴿ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ عَلى إهْلاكِهِمْ فَإنَّ هَلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَحِقُّ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ} أي أهلكوا عن آخرهم ولم يترك منهم أحد {والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة وأنه من أجل النعم وأجزل القسم أو احمدوا الله على إهلاك من لم يحمد الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ آخِرُهم كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وهو مِن دُبُرِهِ إذا تَبِعَهُ فَكَأنَّهُ في دُبُرِهِ أيْ خَلْفَهُ، ومِنهُ إنَّ مِنَ النّاسِ مَن لا يَأْتِي الصَّلاةَ إلّا دُبُرًا أيْ في آخِرِ الوَقْتِ وقالَ الأصْمَعِيُّ: الدّابِرُ الأصْلُ ومِنهُ قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أصْلَهُ.

وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالعَذابِ ولَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ ﴿ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ 54 - عَلى ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ النَّكالِ والإهْلاكِ فَإنَّ إهْلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ أنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ وأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَحِقُّ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها فَهَذا مِنهُ تَعالى تَعْلِيمٌ لِلْعِبادِ أنْ يَحْمَدُوهُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ حَمِدَ مِنهُ عَزَّ اسْمُهُ لِنَفْسِهِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يعني: الأمم الخالية حين لم يعتبروا بالشدة ولم يرجعوا: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم والخصب ويقال: إن الله تعالى يبتلي العوام بالشدة، فإذا أنعم عليهم يكون استدراجاً.

وأما الخواص فيبتليهم بالنعمة والرخاء فيعرفون ويعدّون ذلك بلاء.

كما روي في الخبر: أن الله تعالى أوحى إلى موسى بن عمران إذا رأيت الفقر مقبلاً إليك فقل: مرحباً بشعار الصالحين.

وإذا رأيت الغنى مقبلاً إليك فقل: ذنب عجلت عقوبته فهؤلاء الذين أرسل إليهم، ابتلاهم الله تعالى بالشدة، فلم يعتبروا ولم يرجعوا، فتح عليهم أبواب كل خير عقوبة لهم لكي يعتبروا فيها.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا أبو عتبة قال: حدثنا محمد بن حمير عن شهاب بن خراش عن حرملة عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله  : «إذا رَأَيْتَ الله يُعْطِي عَبْداً مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعْصِيَةٍ مِمَّا يُحِبَّ فإنَّمَا ذلك مِنْهُ اسْتِدْرَاج» .

ثم قرأ رسول الله  فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ الآية.

وقال الحسن: والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه.

وما أمسكها الله تعالى عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه.

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يعني: تركوا ما وعظوا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ يعني: أرسلنا عليهم كل خير.

ويقال: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الرزق قرأ ابن عامر: فَتَحْنَا بالتشديد على معنى المبالغة.

والباقون بالتخفيف حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من أنواع الخير فأعجبهم ما هم فيه أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً يعني: أصبناهم بالعذاب فجأة فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يعني: آيسين من كل خير.

وقال مجاهد: الإبلاس: الفضيحة.

وقال الفراء: المبلس: المنقطع بالحجة.

وقال الزجاج: المبلس: الشديد الحسرة والآيس الحزين.

وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير.

ومعناه: فلما فتحنا عليهم أبواب كل شيء، ونسوا ما ذكروا به أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون.

ثم قال عز وجل: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: قُطع أصلهم فلم يبق منهم أحد وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على هلاك أعدائه واستئصالهم ويقال: الحمد لله الذي ينتقم من أعدائه، ولا ينتقم منه أحد.

ويقال: هذا تعليم ليحمدوه سبحانه على إهلاك الظالمين.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ في الكلام حَذْفٌ، تقديره: فكذبوا فأخذناهم؟

أي: تابعناهم بالبَأْسَاءِ الآية، والبأساء المَصَائِبُ في الأموال، والضراء في الأَبْدَانِ.

هذا قول الأكثر.

وقيل: قد يُوضَعُ كل واحد بَدَلَ الآخر، والتضرُّعُ التذلل، والاستكانة، ومعنى الآية توعد الكفار، وضرب المثل لهم، وفَلَوْ لا تحضيض، وهي التي تلي الفِعْلَ بمعنى:

«هلا» وهذا على جِهَةِ المعاتبة لِمُذْنِبٍ غائب، وإظهار سوء فعله مع تَحَسُّرِ ما عليه.

قلت: أي: مع تَحَسُّرٍ ما، باعتبار حالة البَشَرِ.

وقوله سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ...

الآية عبر عن الترك بالنّسيان، وفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي: من النِّعَمِ الدنيوية بعد الذي أَصَابَهُمْ من البَأْسَاءِ والضراء، وفَرِحُوا معناه: بطروا، / وأعجِبوا، وظنوا أن ذَلِكَ لا يَبيدُ، وأنه دَالٌّ على رضا اللَّه عنهم، وهو اسْتِدْرَاجٌ من اللَّه تعالى.

وقد رُوِيَ عن بعض العلماء: رحم اللَّه عبداً تَدَبَّر هذه الآية حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً.

وروى عقبة بن عامر أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: إذا رأيت اللَّه- تعالى- يعطي العِبَادَ ما يشاءون على مَعَاصيهم، فذلك اسْتِدْرَاجٌ ثم تلا: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ...

الآية «١» كلها، وأَخَذْناهُمْ في هذا المَوْضِعِ معناه: استأصلناهم بَغْتَةً أي: فجأة، والمبلس الحَزِينُ الباهت اليَائِسُ من الخَيْرِ الذي لا يَحِيرُ جَوَاباً لشدة ما نَزَلَ به من سوء الحال.

وقوله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ ...

الآية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: دابِرُهُمُ: الَّذِي يَتَخَلَّفُ في آَخِرِهِمْ.

والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُهُمْ: آَخِرُهُمُ الَّذِي يُدَبِّرُهم.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو كَما يُقالُ: اجْتُثَّ أصْلُهم.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما حَمِدَ نَفْسَهُ عَلى قَطْعِ دابِرِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ إنْعامٌ عَلى رُسُلِهِمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهم، وعَلَّمَ الحَمْدَ عَلى كِفايَتِهِ شَرَّ الظّالِمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ ﴾ ﴿ فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ ﴾ ﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ"؛ ومَعْناهُ: "لازَمْناهُمْ؛ وتابَعْناهُمُ الشَيْءَ بَعْدَ الشَيْءِ".

و"اَلْبَأْساءُ": اَلْمَصائِبُ في الأمْوالِ؛ و"اَلضَّرّاءُ": في الأبْدانِ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ؛ وقِيلَ: قَدْ يُوضَعُ كُلُّ واحِدٍ بَدَلَ الآخَرِ؛ ويُؤَدِّبُ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ ومِن هُنالِكَ أدَّبَ العُبّادُ نُفُوسَهم بِالبَأْساءِ؛ في تَفْرِيقِ المالِ؛ والضَرّاءِ؛ في الحَمْلِ عَلى البَدَنِ؛ في جُوعٍ؛ وعُرْيٍ.

والتَرَجِّي في "لَعَلَّ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ إنَّما هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ؛ أيْ: "لَوْ رَأى أحَدٌ ذَلِكَ لَرَجا تَضَرُّعَهم بِسَبَبِهِ"؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": اَلتَّذَلُّلُ؛ والِاسْتِكانَةُ؛ وفي المَثَلِ: "إنَّ الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ"؛ ومَعْنى الآيَةِ تَوَعُّدُ الكُفّارِ؛ وضَرْبُ المَثَلِ لَهُمْ؛ و"فَلَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ؛ وهي الَّتِي تَلِي الفِعْلَ بِمَعْنى "هَلّا"؛ وهَذا عَلى جِهَةِ المُعاتَبَةِ لِمُذْنِبٍ غائِبٍ؛ وإظْهارِ سُوءِ فِعْلِهِ؛ مَعَ تَحَسُّرٍ ما عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: "إذا جاءَهم أوائِلُ البَأْسِ؛ وعَلاماتُهُ؛ وهو تَرَدُّدُ البَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ و"قَسَتْ"؛ مَعْناهُ: صَلُبَتْ؛ وهي عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ؛ ونَسَبَ التَزْيِينَ إلى الشَيْطانِ؛ وقَدْ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ  ﴾ ؛ لِأنَّ تَسَبُّبَ الشَيْطانِ ووَسْوَسَتَهُ؛ تَجْلِبُ حُسْنَ الكُفْرِ في قُلُوبِهِمْ؛ وذَلِكَ المَجْلُوبُ؛ اللهُ يَخْلُقُهُ؛ فَإنْ نُسِبَ إلى اللهِ تَعالى فَبِأنَّهُ خالِقُهُ؛ وإلى الشَيْطانِ فَبِأنَّهُ مُسَبِّبُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَمّا نَسُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ عَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِالنِسْيانِ؛ إذا بَلَغَ وُجُوهَ التَرْكِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ نِسْيانٌ؛ وزَوالُ المَتْرُوكِ عَنِ الذِهْنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ: "فَتَّحْنا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ و"كُلِّ شَيْءٍ"؛ مَعْناهُ: "مِمّا كانَ سُدَّ عَلَيْهِمْ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ مِنَ النِعَمِ الدُنْيَوِيَّةِ"؛ فَهو عُمُومٌ مَعْناهُ خُصُوصٌ؛ و"فَرِحُوا"؛ مَعْناهُ: بَطَرُوا؛ وأشَرُوا؛ وأُعْجِبُوا؛ وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَبِيدُ؛ وأنَّهُ دالٌّ عَلى رِضا اللهِ تَعالى عنهُمْ"؛ وهو اسْتِدْراجٌ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ وقَدْ رُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا تَدَبَّرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً ﴾ "؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَضْرِ الحارِثِيِّ: "أُمْهِلَ القَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً"؛ ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إذا رَأيْتُمُ اللهَ تَعالى يُعْطِي العِبادَ ما يَشاؤُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ؛ فَذَلِكَ اسْتِدْراجٌ"؛» ثُمَّ تَلا ﴿ فَلَمّا نَسُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ كُلَّها.

و"أخَذْناهُمْ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ مَعْناهُ: اِسْتَأْصَلْناهُمْ؛ وسَطَوْنا بِهِمْ؛ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: فَجْأةً؛ والعامِلُ فِيهِ: "أخَذْناهُمْ"؛ وهو مَصْدَرٌ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ و"اَلْمُبْلِسُ": اَلْحَزِينُ؛ الباهِتُ؛ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ؛ الَّذِي لا يُحِيرُ جَوابًا؛ لِشِدَّةِ ما نَزَلَ بِهِ مِن سُوءِ الحالِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلدّابِرُ": آخِرُ الأمْرِ؛ الَّذِي يَدْبُرُهُ؛ أيْ: يَأْتِي مِن خَلْفِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَأُهْلِكُوا بِعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم ∗∗∗ فَما اسْتَطاعُوا لَهُ دَفْعًا ولا انْتَصَرُوا وقَوْلُ الآخَرِ: وقَدْ زَعَمَتْ عُلْيا بَغِيضٍ ولِفُّها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأنِّي وحِيدٌ قَدْ تَقَطَّعَ دابِرِي وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِ شَأْفَتِهِمْ؛ ومَحْوِ آثارِهِمْ؛ كَأنَّهم ورَدُوا العَذابَ حَتّى ورَدَ آخِرُهُمُ الَّذِي دَبَرَهُمْ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "فَقَطَعَ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ والطاءِ؛ "دابِرَ"؛ بِالنَصْبِ.

وحَسُنَ الحَمْدُ عَقِبَ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِجَمالِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ؛ في أنْ أرْسَلَ تَعالى الرُسُلَ؛ وتَلَطَّفَ في الأخْذِ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ لِيُتَضَرَّعَ إلَيْهِ؛ فَيَرْحَمَ؛ ويُنْعِمَ؛ وقَطَعَ في آخِرِ الأمْرِ دابِرَ ظُلْمِهِمْ؛ وذَلِكَ حَسَنٌ في نَفْسِهِ؛ ونِعْمَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ فَحَسُنَ الحَمْدُ بِعَقِبِ هَذِهِ الأفْعالِ؛ وبِحَمْدِ اللهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يُخْتَمَ كُلُّ فِعْلٍ؛ وكُلُّ مَقالَةٍ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا أنذرهم بتوقّع العذاب أعقبه بالاستشهاد على وقوع العذاب بأمم من قبل، ليَعلَم هؤلاء أنّ تلك سنة الله في الذين ظلموا بالشرك.

وهذا الخبر مستعمل في إنذار السامعين من المشركين على طريقة التعريض، وهم المخاطبون بالقول المأمور به في الجملة التي قبلها.

فجملة: ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ عطف على جملة: ﴿ قل أرأيتكم ﴾ [الأنعام: 40]، والواو لعطف الجمل، فتكون استئنافية إذ كانت المعطوف عليها استئنافاً.

وافتتحت هذه الجملة بلام القسم و(قد) لتوكيد مضمون الجملة، وهو المفرّع بالفاء في قوله: ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضرّاء ﴾ .

نزّل السامعون المعرّض بإنذارهم منزلة من ينكرون أن يكون ما أصاب الأمم الذين من قبلهم عقاباً من الله تعالى على إعراضهم.

وقوله: ﴿ فأخذناهم ﴾ عطف على ﴿ أرسلنا ﴾ باعتبار ما يؤذن به وصف ﴿ مِنْ قبلك ﴾ من معاملة أممهم إيّاهم بمثل ما عاملك به قومك، فيدلّ العطف على محذوف تقديره: فكذّبوهم.

ولمّا كان أخذهم بالبأساء والضرّاء مقارناً لزمن وجود رسلهم بين ظهرانيهم كان الموقع لفاء العطف للإشارة إلى أنّ ذلك كان بمرأى رسلهم وقبل انقراضهم ليكون إشارة إلى أنّ الله أيّد رسله ونصرهم في حياتهم؛ لأنّ أخذ الأمم بالعقاب فيه حكمتان: إحداهما: زجرهم عن التكذيب، والثانية: إكرام الرسل بالتأييد بمرأى من المكذّبين.

وفيه تكرمة للنبيء صلى الله عليه وسلم بإيذانه بأنّ الله ناصره على مكذّبيه.

ومعنى ﴿ أخذناهم ﴾ أصبناهم إصابة تمكّن.

وتقدّم تفسير الأخذ عند قوله تعالى: ﴿ أخذتْه العزّة بالإثم ﴾ في سورة [البقرة: 206].

وقد ذكر متعلّق الأخذ هنا لأنّه أخْذ بشيء خاصّ بخلاف الآتي بُعيد هذا.

والبأساء والضرّاء تقدّماً عند قوله تعالى: ﴿ والصابرين في البأساء والضرّاء ﴾ في سورة [البقرة: 177].

وقد فسّر البأساء بالجوع والضرّاء بالمرض، وهو تخصيص لا وجه له، لأنّ ما أصاب الأمم من العذاب كان أصنافاً كثيرة.

ولعلّ من فسَّره بذلك اعتبر ما أصاب قريشاً بدعوة النبي.

و (لَعلّ) للترّجي.

جُعل علّة لابتداء أخذهم بالبأساء والضرّاء قبل الاستئصال.

ومعنى يتضرّعون} يتذلّلون لأنّ الضراعة التذلّل والتخشّع، وهو هنا كناية عن الاعتراف بالذنب والتوبة منه، وهي الإيمان بالرسل.

والمراد: أنّ الله قدّم لهم عذاباً هيّناً قبل العذاب الأكبر، كما قال: ﴿ ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلّهم يرجعون ﴾ [السجدة: 21] وهذا من فرط رحمته الممازجة لمقتضى حكمته؛ وفيه إنذار لقريش بأنّهم سيصيبهم البأساء والضرّاء قبل الاستئصال، وهو استئصال السيف.

وإنّما اختار الله أن يكون استئصالهم بالسيف إظهاراً لكون نصر الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم كان بيده ويد المصدّقين به.

وذلك أوقع على العرب، ولذلك روعي حال المقصودين بالإنذار وهم حاضرون.

فنزّل جميع الأمم منزلتهم، فقال: ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ﴾ ، فإنّ (لولا) هنا حرف توبيخ لدخولها على جملة فعلية ماضوية واحدة، فليست (لولا) حرفَ امتناع لوجود.

والتوبيخ إنّما يليق بالحاضرين دون المنقرضين لفوات المقصود.

ففي هذا التنزيل إيماء إلى مساواة الحالين وتوبيخ للحاضرين بالمهمّ من العبرة لبقاء زمن التدارك قطعاً لمعذرهم.

ويجوز أن تجعل (لولا) هنا للتّمنّي على طريقة المجاز المرسل، ويكون التّمنّي كناية عن الإخبار بمحبّة الله الأمر المتمنّى فيكون من بناء المجاز على المجاز، فتكون هذه المحبّة هي ما عبّر عنه بالفرح في الحديث «الله أفرح بتوبة عبده» الحديث.

وتقديم الظرف المضاف مع جملته على عامله في قوله ﴿ إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ﴾ للاهتمام بمضمون جملته، وأنّه زمن يحقّ أن يكون باعثاً على الإسراع بالتضرّع ممّا حصل فيه من البأس.

والبأس تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وحين البأس ﴾ في سورة [البقرة: 177].

والمراد به هنا الشدّة على العدوّ وغلبته.

ومجيء البأس: مجيء أثره، فإنّ ما أصابهم من البأساء والضرّاء أثر من آثار قوّة قدرة الله تعالى وغلبه عليهم.

والمجيء مستعار للحدوث والحصول بعد أن لم يكن تشبيهاً لحدوث الشيء بوصول القادم من مكان آخر بتنقّل الخطوات.

ولمّا دلّ التوبيخ أو التمنّي على انتفاء وقوع الشيء عطف عليه ب (لَكِنْ) عطفاً على معنى الكلام، لأنّ التضرّع ينشأ عن لين القلب فكان نفيه المفاد بحرف التوبيخ ناشئاً عن ضدّ اللين وهو القساوة، فعطف بلكن}.

والمعنى: ولكن اعتراهم ما في خلقتهم من المكابرة وعدم الرجوع عن الباطل كأنّ قلوبهم لا تتأثّر فشبّهت بالشيء القاسي.

والقسوة: الصلابة.

وقد وجد الشيطان من طباعهم عوناً على نفث مراده فيهم فحسّن لهم تلك القساوة وأغراهم بالاستمرار على آثامهم وأعمالهم.

ومن هنا يظهر أنّ الضلال ينشأ عن استعداد الله في خلقة النفس.

والتزيين: جعل الشيء زَيْنا.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ زيّن للناس حبّ الشهوات ﴾ في سورة [آل عمران: 14].

وقوله: فلمّا نسوا ما ذُكِّروا به } عطف على جملة ﴿ قست قلوبهم وزيّن لهم الشيطان ﴾ .

والنسيان هنا بمعنى الإعراض، كما تقدّم آنفاً في قوله: ﴿ وتَنسون ما تشركون ﴾ [الأنعام: 41].

وظاهرٌ تفرّع الترك عن قسوة القلوب وتزيين الشيطان لهم أعمالهم.

و(ما) موصولة ماصْدَقُها البأساء والضرّاء، أي لمّا انصرفوا عن الفطنة بذلك ولم يهتدوا إلى تدارك أمرهم.

ومعنى ﴿ ذُكِّروا به ﴾ أنّ الله ذكّرهم عقابه العظيم بما قدّم إليهم من البأساء والضرّاء.

و(لمَّا) حرف شرط يدلّ على اقتران وجود جوابه بوجود شرطه، وليس فيه معنى السببية مثل بقية أدوات الشرط.

وقوله: ﴿ فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء ﴾ جواب ﴿ لمّا ﴾ والفتح ضدّ الغلق، فالغلق: سد الفرجة التي يمكن الاجتياز منها إلى ما وراءها بباب ونحوه، بخلاف إقامة الحائط فلا تسمّى غلقاً.

والفتح: جعْل الشيء الحاجز غيرَ حاجز وقابلاً للحجز، كالباب حين يفتح.

ولكون معنى الفتح والغلق نسبيين بعضهما من الآخر قيل للآلة التي يمسك بها الحاجز ويفتح بها مِفتاحاً ومِغْلاقاً، وإنّما يعقل الفتح بعد تعقّل الغلق، ولذلك كان قوله تعالى: ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ مقتضياً أنّ الأبواب المراد ها هنا كانت مغلقة وقت أن أخذوا بالبأساء والضرّاء، فعلم أنّها أبواب الخير لأنّها التي لا تجتمع مع البأساء والضرّاء.

فالفتح هنا استعارة لإزالة ما يؤلم ويغمّ كقوله: ﴿ ولو أنّ أهل القُرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ﴾ [الأعراف: 96].

ومنه تسمية النصر فتحنا لأنّه إزالة غمّ القهر.

وقد جُعل الإعراض عمَّا ذُكّروا به وقتاً لفتح أبواب الخير، لأنّ المعنى أنّهم لمّا أعرضوا عن الاتِّعاظ بنُذر العذاب رفعنا عنهم العذاب وفتحنا عليهم أبواب الخير، كما صُرّح به في قوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبّيء إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء لعلّهم يضرّعون ثمّ بدّلنا مكان السيّئة الحسنة حتّى عفوا وقالوا قد مسّ آباءنا الضرّاء والسرّاء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ [الأعراف: 94، 95].

وقرأ الجمهور ﴿ فتحنا ﴾ بتخفيف المثنّاة الفوقية.

وقرأه ابن عامر، وأبو جعفر ورُويس عن يعقوب بتشديدها للمبالغة في الفتح بكثرته كما أفاده قوله ﴿ أبوابَ كلّ شيء ﴾ .

ولفظ (كلّ) هنا مستعمل في معنى الكثرة، كما في قول النابغة: بها كلّ ذيَّال وخنساء ترعوي *** إلى كلّ رجّاف من الرمل فارد أو استعمل في معناه الحقيقي؛ على أنَّه عامّ مخصوص، أي أبواب كل شيء يبتغونه، وقد علم أنّ المراد بكلّ شيء جميع الأشياء من الخير خاصّة بقرينة قوله: ﴿ حتى إذا فرحوا ﴾ وبقرينة مقابلة هذا بقوله: ﴿ أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء ﴾ [الأعراف: 79]، فهنالك وصف مقدّر، أي كلّ شيء صالح، كقوله تعالى: ﴿ يأخذ كلّ سفينة غصبا ﴾ [الكهف: 79] أي صالحة.

و ﴿ حتّى ﴾ في قوله: ﴿ حتَّى إذا فرحوا ﴾ ابتدائية.

ومعنى الفرح هنا هو الازدهاء والبطر بالنعمة ونسيان المنعم، كما في قوله تعالى: ﴿ إذ قال له قومه لا تفرح إنّ الله لا يحبّ الفرحين ﴾ [القصص: 76].

قال الراغب: ولم يرخّص في الفرح إلاّ في قوله تعالى: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ﴾ [يونس: 58].

و(إذا) ظرف زمان للماضي.

ومراد الله تعالى من هذا هو الإمهال لهم لعلّهم يتذكّرون الله ويوحّدونه فتطهر نفوسهم، فابتلاهم الله بالضرّ والخير ليستقصي لهم سببي التذكّر والخوف، لأنّ من النفوس نفوساً تقودها الشدّة ونفوساً يقودها اللين.

ومعنى الأخذ هنا الإهلاك.

ولذلك لم يذكر له متعلِّق كما ذكر في قوله آنفاً ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضرّاء ﴾ للدلالة على أنَّه أخذ لا هوادة فيه.

والبغتة فعلة من البغْت وهو الفُجأة، أي حصول الشيء على غير ترقّب عند من حصل له وهي تستلزم الخفاء.

فلذلك قوبلت بالجهرة في الآية الآتية.

وهنا يصحّ أن يكون مؤوّلاً باسم الفاعل منصوباً على الحال من الضمير المرفوع، أي مباغتين لهم، أو مؤوّلاً باسم المفعول على أنَّه حال من الضمير المنصوب، أي مبغوتين، ﴿ وكذلك أخذ ربّك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ﴾ [هود: 102].

وقوله: ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ (إذا] فجائية.

وهي ظرف مكان عند سيبويه، وحرف عند نحاة الكوفة.

والمبلسون اليائسون من الخير المتحيّرون، وهو من الإبلاس، وهو الوجوم والسكوت عند طلب العفو يأساً من الاستجابة.

وجملة ﴿ فقطع دابر القوم ﴾ معطوفة على جملة ﴿ أخذناهم ﴾ ، أي فأخذناهم أخذ الاستئصال.

فلم يُبق فيهم أحداً.

والدابر اسم فاعل من دَبَره من باب كَتَب، إذا مشى من ورائه.

والمصدر الدبور بضم الدال، ودابر الناس آخرهم، وذلك مشتقّ من الدُبُر، وهو الوراء، قال تعالى: ﴿ واتَّبِع أدبارهم ﴾ [الحجر: 65].

وقطع الدابر كناية عن ذهاب الجميع لأنّ المستأصل يبدأ بما يليه ويذهب يستأصل إلى أن يبلغ آخره وهو دَابره، وهذا ممّا جرى مجرى المثل، وقد تكرّر في القرآن، كقوله: ﴿ أنّ دابر هؤلاء مَقطوع مصبحين ﴾ [الحجر: 66].

والمراد بالذين ظلموا المشركون، فإنّ الشرك أعظم الظلم، لأنَّه اعتداء على حقّ الله تعالى على عباده في أن يعترفوا له بالربوبية وحده، وأنّ الشرك يستتبع مظالم عدّة لأنّ أصحاب الشرك لا يؤمنون بشرع يزع الناس عن الظلم.

وجملة: ﴿ والحمد لله ربّ العالمين ﴾ يجوز أن تكون معطوفة على جملة: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ﴾ بما اتَّصل بها.

عطف غرض على غرض.

ويجوز أن تكون اعتراضاً تذييلياً فتكون الواو اعتراضية.

وأيَّاً ما كان موقعها ففي المراد منها اعتبارات ثلاثة: أحدها: أن تكون تلقيناً للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يحمدوا الله على نصره رسلَه وأولياءهم وإهلاك الظالمين، لأنّ ذلك النصر نعمة بإزالة فساد كان في الأرض، ولأنّ في تذكير الله الناس به إيماء إلى ترقّب الإسوة بما حصل لمن قبلهم أن يترقَّبوا نصر الله كما نصر المؤمنين من قبلهم؛ فيكون ﴿ الحمد لله ﴾ مصدراً بدلاً من فعله، عُدل عن نصبه وتنكيره إلى رفعه وتعريفه للدلالة على معنى الدوام والثبات، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ الحمد لله ﴾ في سورة [الفاتحة: 2].

﴿ ثانيها ﴾ : أن يكون ﴿ الحمد لله ﴾ كناية عن كون ما ذكر قبله نعمة من نعم الله تعالى لأنّ من لوازم الحمد أن يكون على نعمة، فكأنّه قيل: فقطع دابر القوم الذين ظلموا.

وتلك نعمة من نعم الله تقتضي حمده.

ثالثها: أن يكون إنشاءَ حمد لله تعالى من قِبَل جلاله مستعملاً في التعجيب من معاملة الله تعالى إيّاهم وتدريجهم في درجات الإمهال إلى أن حقّ عليهم العذاب.

ويجوز أن يكون إنشاءَ الله تعالى ثناء على نفسه، تعريضاً بالامتنان على الرسول والمسلمين.

واللام في ﴿ الحمد ﴾ للجنس، أي وجنس الحمد كلّه الذي منه الحمد على نعمة إهلاك الظالمين.

وفي ذلك كلّه تنبيه على أنَّه يحقّ الحمد لله عند هلاك الظلمة، لأنّ هلاكهم صلاح للناس، والصلاح أعظم النعم، وشكر النعمة واجب.

وهذا الحمد شكر لأنّه مقابل نعمة.

وإنّما كان هلاكهم صلاحاً لأنّ الظلم تغيير للحقوق وإبطال للعمل بالشريعة، فإذا تغير الحقّ والصلاح جاء الدمار والفوضى وافتتن الناس في حياتهم فإذا هلك الظالمون عاد العدل، وهو ميزان قوام العالم.

أخرج أحمد بن حنبل عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحبّ فإنّما هو استدراح ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فلمّا نسُوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ربّ العالمين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهم تَرَكُوا ما ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ.

﴿ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي مِن نِعَمِ الدُّنْيا وسَعَةِ الرِّزْقِ.

وَفي إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ إنْعامُهُ عَلَيْهِمْ داعِيًا إلى إيمانِهِمْ.

والثّانِي: لِيَكُونَ اسْتِدْراجًا وبَلْوى، وقَدْ رَوى ابْنُ لَهِيعَةَ بِإسْنادِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العِبادَ ما يَشاءُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ إيّاهُ فَإنَّما ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ » ﴿ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا ﴾ يَعْنِي مِنَ النِّعَمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا.

﴿ أخَذْناهم بَغْتَةً ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ تَعْجِيلُ العَذابِ المُهْلِكِ جَزاءً لِأمْرَيْنِ.

أحَدُهُما: لِكُفْرِهِمْ بِهِ.

والثّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِنِعَمِهِ.

والوَجْهُ الثّانِي: هو سُرْعَةُ المَوْتِ عِنْدَ الغَفْلَةِ عَنْهُ بِالنِّعَمِ قَطْعًا لِلَذَّةِ، وتَعْذِيبًا لِلْحَسْرَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا هم مُبْلِسُونَ ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الإبْلاسَ: الإياسُ قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: مَلِكٌ إذا حَلَّ العُفاةُ بِبابِهِ غَبِطُوا وأنْجَحَ مِنهُمُ المُسْتَبْلِسُ يَعْنِي الآيِسَ.

والثّانِي: أنَّهُ الحُزْنُ والنَّدَمُ.

والثّالِثُ: الخُشُوعُ.

والرّابِعُ: الخِذْلانُ.

والخامِسُ: السُّكُوتُ وانْقِطاعُ الحُجَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎ يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكَرَّسًا ∗∗∗ قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به ﴾ قال: يعني تركوا ما ذكروا به.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به ﴾ قال: ما دعاهم الله إليه ورسله أبوه وردوه عليهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ قال: رخاء الدنيا ويسرها على القرون الأولى.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ قال: يعني الرخاء وسعة الرزق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ قال: من الرزق ﴿ أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴾ قال: مهلكون متغير حالهم ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ﴾ يقول: قطع أصل الذين ظلموا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن النضر الحارثي في قوله: ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ قال: أمهلوا عشرين سنة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ قال: المبلس المجهود المكروب الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه، والمبلس أشد من المستكبر، وفي قوله: ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ﴾ قال: استؤصلوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ قال: الاكتئاب.

وفي لفظ قال: آيسون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: الإِبلاس تغيير الوجوه، وإنما سمي إبليس لأن الله نكس وجهه وغيره.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني في الكبير وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد في الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج» ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء....

﴾ الآية، والآية التي بعدها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد بقوم اقتطاعاً فتح لهم أو فتح عليهم باب خيانة ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ﴾ » وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: من وسع عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له، ثم قرأ ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ الآية.

وقال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجاتهم ثم أخذوا.

وأخرج ابن المنذر عن جعفر قال: أوحى الله إلى داود، خفني على كل حال، وأخوف ما تكون عند تظاهر النعم عليك، لا أصرعك عندها، ثم لا أنظر إليك.

وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي حازم قال: إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره.

قال: وكل نعمة لا تقرب من الله عز وجل فهي بلية.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ﴾ قال: بغت القوم أمر الله، ما أخذ الله قوماً قط إلا عند سلوتهم وغرتهم ونعيمهم، فلا تغتروا بالله فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: إن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا شبعت ماتت، وكذلك ابن آدم إذا امتلأ من الدنيا أخذه الله عند ذلك، ثم تلا ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ﴾ .

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ﴾ قال: قطع أصلهم واستؤصلوا من ورائهم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول زهير وهو يقول: القائد الخيل منكوباً دوابرها ** محكومة بحكام العدو الأنفا <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ الدابر: التابع (١) قال الليث: (الدبر التابع (٢) (٣) قال أمية بن أبي (٤) فَاستؤصلُوا بِعَذَابٍ حَصَّ دَابِرَهُمْ ...

فَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفًا وَلا انْتَصرُوا (٥) وقال أبو عبيدة: ( ﴿ دَابِرُ الْقَوْمِ ﴾ : آخرهم الذي يدبرهم (٦) آلُ المُهَلَّبِ جَذَّ اللهُ دابِرَهُمْ ...

أَضْحَوْا رَمَادًا فلا أصْلٌ ولا طَرَفُ) (٧) وقال الأصمعي وغيره: (الدابر: الأصل، يقال: قطع الله دابره، أي: أذهب الله أصله، وأنشده (٨) فِدًى لكُمَا رجْلَيَّ رحلي وناقتي ...

غَداةَ الكُلاَّبِ إذ تُحَزُّ الدَّوابِرُ أي: يقتل القوم فتذهب (٩) (١٠) وقال ابن بزرج (١١) (١٢) (١٣) فأما التفسير: فقال الكلبي: ( ﴿ دَابِرُ الْقَوْمِ ﴾ غابرهم الذي يتخلف في آخر القوم) (١٤) (١٥) (١٦) وقال السدي وابن زيد: ( ﴿ دَابِرُ الْقَوْمِ ﴾ : أصل القوم) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 249، وجاء بعده: [لأنه جل وعز أرسل إليهم الرسل، وأنظرهم بعد كفرهم، وأخذهم بالبأساء والضراء، فبالغ جل وعز في إنذارهم وإمهالهم فحمد نفسه؛ لأنه محمود في إمهاله من كفر به وانتظاره توبته).]]: (حمد الله عز وجل نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم) (٢١)  وأصحابه ربهم إذ أهلك المشركين المكذبين (٢٢) (١) انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 296، و"الصحاح" 2/ 653، و"مقاييس اللغة" 2/ 324، و"مجمل اللغة" 2/ 345، و"المفردات" ص 307، و"عمدة الحفاظ" ص 173 (دبر).

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٣) النص في "العين" 8/ 32، والرازي 12/ 226، و"الدر المصون" 4/ 635، بلا نسبة، ولعل الواحدي تأثر برأي الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1142 حيث زعم أن العين لليث وليس للخليل.

(٤) لفظ: (أبي) ساقط من (ش).

(٥) "ديوانه" ص 389، والطبري 7/ 196، والرازي 12/ 226، والقرطبي 6/ 427، و"البحر" 4/ 141، و"الدر المصون" 4/ 635، وحص أي: لم يبق شيئًا، والحص بالفتح: حلق الشعر، انظر: "اللسان" 2/ 899 (حص).

(٦) "مجاز القرآن" 1/ 192.

(٧) "الشاهد" لجرير في ديوانه ص 308، و"مجاز القرآن" 2/ 40، و"الكامل" للمبرد 3/ 135، والجذ، بالفتح: القطع المستأصل.

انظر: "اللسان" 1/ 591 (جذ).

(٨) الشاهد لوعلة بن الحارث الجرمي شاعر جاهلي.

في "اللسان" 3/ 1318، و"التاج" 6/ 388 (دبر)، وهو للحارث بن وعلة الجرمي في "المفضليات" ص 165، وبلا نسبة في "الزاهر" 1/ 465، و"تهذيب اللغة" 14/ 111 (دبر)، وفي هذه المراجع: أمي وخالتي، بدل: رحلي وناقتي، وفي "الزاهر": رجلاي، بدل: رجلي، والكلاب بالضم هو يوم كلاب الثاني بين تميم واليمن حيث أكثرت تميم من قتلهم وحز عراقيبهم، وتحز أي: تقطع، والدوابر الأصول، أي: يقتل القوم فتذهب أصولهم ولا يبقى لهم أثر.

انظر: حاشية المفضليات.

(٩) في (ش): (فيذهب).

(١٠) النص عن الأصمعي في المراجع السابقة سوى المفضليات.

(١١) عبد الرحمن بن بزرج اللغوي، تقدمت ترجمته.

(١٢) في (ش): (عليهم).

(١٣) "تهذيب اللغة" 2/ 1142.

(١٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 39، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 40 - 41.

(١٥) قطرب: محمد بن المستنير بن أحمد اللغوي النحوي أبو علي البصري، تقدمت ترجمته.

(١٦) ذكره الثعلبي 177 ب.

(١٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 196، وابن أبي حاتم 4/ 1293 بسند جيد عن السدي، ولفظه: (قطع أصل الذين ظلموا)، وعن عبد الرحمن بن زيد، ولفظه: قال: (استؤصلوا)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 23.

(١٨) في (ش): (فلم يبق).

(١٩) في (ش): (فإذا انقطع الأصل وذهب ففي قطع الدابر).

(٢٠) هذا قول أكثر أئمة اللغة والتفسير.

انظر: المراجع السابقة في دبر، وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 137، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 164، و"معاني القرآن" للنحاس 2/ 425، و"تفسير ابن عطية" 5/ 201.

(٢١) الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب.

أي: إذا قطعت مات صاحبها، واستأصل الله شأفته: أذهبه كما تذهب تلك القرحة، أو أزاله من أصله.

انظر: "القاموس" ص 822 (شأفه).

(٢٢) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 196، والبغوي 3/ 144، والرازي 12/ 226.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ دَابِرُ القوم ﴾ آخرهم، وذلك عبارة عن استئصالهم بالكلية ﴿ والحمد للَّهِ ﴾ شكر على هلاك الكفار فإنه نعمة على المؤمنين وقيل: إنه إخبار على ما تقدم من الملاطفة في أخذه لهم بالشر ليزدجروا، أو بالخير ليشكروا حتى وجب عليهم العذاب بعد الإنذار والإعذار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرأيتكم ﴾ وبابه بتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف ﴿ أريتكم ﴾ وبابه بغير همز: عليّ: الباقون: ﴿ أرأيتكم ﴾ بالتحقيق ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد وابن عامر ﴿ به انظر ﴾ بضم الهاء روى الأصفهاني عن ورش.

الوقوف: ﴿ أمثالكم ﴾ ط ﴿ يحشرون ﴾ ه ﴿ في الظلمات ﴾ ط ﴿ يضلله ﴾ ط لابتداء شرط آخر ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف تقديره إن كنتم صادقين فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يأتيكم به ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ إني ملك ﴾ ج للابتداء بالنفي مع اتحاد القائل والمقول ﴿ إلى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين أن إنزال سائر المعجزات لو كان مصلحة لهم لفعل ذلك، أكده بما يؤذن أن آثار فضله وإحسانه ولطفه وامتنانه واصلة إلى جميع الحيوانات، فلو كانت مصلحة المكلفين في إظهار تلك المعجزات القاهرة الملجئة لم يخل بذلك ألبتة، وفيه أيضاً مزيد تقرير لأمر البعث وأنه حاصل لجميع الحيوان فضلاً عن الإنسان.

فإن الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير.

وإنما خص من الدواب ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء أو في الماء، لأن رعاية مصالح الأدون تستلزم رعاية مصالح الأشرف، ويمكن أن يقال: إن الماء أيضاً من جملة الأرض لأنهما جميعاً ككرة واحدة.

قال علماء المعاني: إنما وصف الدابة بكونها في الأرض والطائر بجناحيه ليعلم أنهما باقيان على عمومهما إذ بينهما بخواص الجنسين، ولولا ذلك لاحتمل أن يقدّر فيهما صفة نحو ترتع أو تصيد فتخصصا، أو لأوهم أن المراد بهما غير الجنسين المتعارفين لقوله بعده ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ وقد يقول الرجل لعبده طِرْ في حاجتي والمراد الإسراع.

قال الحماسي: طاروا إليه زرافات ووحدانا *** وقيل: ذكر ﴿ يطير بجناحيه ﴾ ليخرج عنه الملائكة ذوو الأجنحة، فإن المراد ذكر من هو أدون حالاً.

وقيل: إن الوصف للتأكيد كقولهم: نعجة أنثى.

وكما يقال: مشيت إليه برجلي.

وإنما جمع الأمم مع أنه أفرد الدابة والطائر، لأن النكرة المستغرقة في معنى الجمع.

قال الفراء: كل صنف من البهائم أمة.

وفي الحديث "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" ثم ما وجه المماثلة بين البشر والدابة والطائر؟

نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال: يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني كقوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه  ﴾ وعن أبي الدرداء: أبهمت عقول البهائم إلا عن معرفة الإله وطلب الرزق.

ومعرفة الذكر والأنثى.

وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين.

وقيل: وجه المماثلة كونها جماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضاً ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض.

وضعف بأن هذا أمر معلوم مشاهد لا فائدة في الإخبار عنه.

وقيل: هو أنه دبرها وخلقها وتكفل برزقها وأحصى أحوالها وما يجري عليها من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.

دليله قوله عقيبه ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ .

وقيل: هو أنها تحشر يوم القيامة ويوصل إليها حقوقها وقد جاء في الحديث "يقتص للجماء من القرناء" ولكن قوله بعد ذلك ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ يصير كالمكرر.

وعن سفيان بن عيينة: ما في الأرض من آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم.

فمنهم من يقدم إقدام الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوّس كفعال الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام عن رجيعه لعب فيه، وكذلك نجد من الأدميين من يسمع خمسين كلمة من الحكمة لا يحفظ واحدة وإن أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلساً إلا زاد فيه.

واعلم يا أخي أنك تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الحذر والاحتراز.

وذهب أهل التناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله  موصوفة بالمعارف الحقة موسومة بالأخلاق الفاضلة فإنها بعد موتها تنتقل إلى أبدان الملوك، وربما قالوا إنها تصل إلى مخالطة عالم الملائكة.

وإن كانت شقية جاهلة فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت أكثر شقاء فإنها تنتقل إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعباً وعناء.

قالوا: وذلك لأن لفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية.

ثم زعموا أن الله  أرسل إلى كل جنس منها رسولاً من جنسها لقوله ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير  ﴾ واستشهدوا بقصة النمل وحديث الهدهد ونحو ذلك.

وفي تعداد مذاهب أرباب التناسخ طول والله  أعلم بحقيقة الحال.

﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ "من" مزيدة للاستغراق أي ما تركنا وما أغفلنا شيئاً قط.

وقيل: للتبعيض أي ما أهملنا فيه بعض شيء يحتاج المكلف إلى معرفته.

والكتاب اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال العالم على التفصيل.

وقيل: القرآن لأنه هو الذي تسبق إليه الأذهان فيما بين أهل الإيمان، وأورد عليه أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب والحساب ولا تفاصيل كثير من العلوم ولا حاصل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع.

وأجيب بأن لفظ التفريط لا يستعمل إلا فيما يجب أن يفعل، والمحتاج إليه إنما هو الأصول والقوانين لا الفروع التي لا تضبط ولا تتناهى.

وما من علم إلا وفي القرآن أصله ومنه شرفه وفضله كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين  ﴾ للطب.

وقوله ﴿ وهو أسرع الحاسبين  ﴾ للحساب.

وكقوله ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين  ﴾ للأخلاق.

وأما تفاصيل علم الفروع فذكر العلماء أن السنة والإجماع والقياس كلها مستندة إلى الكتاب كقوله ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  ﴾ وكقوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وكقوله: ﴿ فاعتبروا  ﴾ وقيل: إن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، لأن الأصل براءة الذمة عن التكاليف كلها وشغل الذمة لا بد فيه من دليل منفصل، وكل حكم لم يكن مذكوراً في القرآن بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام لم يكن ذلك تكليفاً أو يكون باقياً على أصل الإباحة والله  أعلم.

أما قوله ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ فللعقلاء فيه قولان: الأوّل قول الأشاعرة إنه  يحشر الدواب والطيور لا لأن إيصال العوض إليهن واجب بل مجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية.

الثاني قول المعتزلة لن يحشر الطيور والبهائم إلا لإيصال الأعواض إليها، لأن إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض.

وفرع القاضي على ذلك فقال: كل حيوان استحق العوض على الله  بما لحقه من الآلام وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا فإنه يجب على الله  حشره في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض، والذي لا يكون كذلك لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلاً إلا أن السمع ورد بحشر الكل فيقطع بذلك.

فرع آخر: كل حيوان أذن الله  في ذبحه فالعوض له على الله تعالى، وكذا الذي أذن في قتله في كونه مؤذياً أو ألمه بمرض أو سخره للإنسان لأجل حمل الاثقال، وأما إذا ظلمها الناس فالعوض على الظالم، وكذا إذا ظلم بعضها بعضاً، ولو ذبح المأكول لغير مأكله.

فالعوض على الذابح ولهذا ورد النهى عن ذبح الحيوان لغير مأكله والمراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل إلى تحصيل تلك المنافع إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح لرضيت به.

فرع آخر: مذهب القاضي وأكثر المعتزلة أن العوض منقطع وبعد ذلك تصير تراباً وحينئذ ﴿ يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً  ﴾ وقال أبو القاسم البلخي: يجب دوام العوض لأنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الألم، وذلك الألم يوجب عوضاً آخر وهلم جراً إلى ما لا نهاية له.

وأجيب بالمنع من أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا بالإيلام.

فرع آخر: البهيمة إذا استحقت عوضاً على بهيمة أخرى: فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضاً على الله  فإنه  يوصل ذلك العوض إلى المظلوم وإلا فإنه تعالى يتكفل بذلك العوض، وهذا القدر يكفي في أحكام الأعواض بحسب المقام وهو  أعلم.

ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما ينادي على عظمته ويشهد لربوبيته وينبهعلى رحمته الكاملة وعنايته الشاملة قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم ﴾ لا يسمعون كلام الله البتة ﴿ وبكم ﴾ لا ينطقون بالحق خابطون ﴿ في الظلمات ﴾ ظلمة الكفر وظلمة الشكوك وظلمة الحيرة والضلالة.

ثم بين أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان كلها بمشيئته وإرادته وتسخيره وتدبيره فقال ﴿ من يشأ الله يضلله ومن يِشأ يجعله على صراط مستقيم ﴾ والجبائي أوّل الآية بأن المراد أنهم كذلك في الآخرة كقوله ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً  ﴾ وأنهم شبهوا بمن حاله كذا، أو هو محمول على الشتم والإهانة، وأما قوله ﴿ من يشأ الله يضلله ﴾ أي عن طريق الجنة ولا يشاء الإضلال إلا لمن يستحق عقوبته كما أنه لا يشاء الهدي إلا للمؤمنين.

أو المراد بالإضلال منع الألطاف لأنهم ليسوا من أهلها وبالهداية منحها لأنهم من أهلها.

ثم بين غاية جهالة الكفار وأنهم مع جحودهم يفزعون إلى الله في البليات فقال ﴿ قل أرأيتكم ﴾ هو منقول من رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه قيل: أبصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني عنها فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة بشيء.

فهذا من باب إيقاع السبب على المسبب لأن الإخبار إنما يكون بعد المشاهدة أو العرفان.

أما إعرابه فالتاء ضمير الفاعل، والكاف للخطاب.

فالتاء يكون بلفظ واحد في التثنية والجمع والتأنيث.

وتختلف هذه المعاني على الكاف نحو: أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن.

والتاء في جميع ذلك مفتوحة والكاف حرف خطاب وليست اسماً وإلا لكانت إما مجرورة ولا جار، وإما مرفوعة وليست الكاف من ضمائر المرفوع ولا رافع أيضاً لأن التاء فاعل ولا يكون لفعل فاعلان، وإما منصوبة وهو باطل من وجوه: أحدها أن هذا الفعل قد يتعدى إلى مفعولين نحو أرأيتك زيداً ما شأنه.

فلو جعلت الكاف مفعولاً لكان ثالثاً.

وثانيها لو كان مفعولاً لكان هو الثاني في المعنى وليس المعنى على ذلك إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك ولذلك قلت: أرأيتك زيداً، وزيد غير المخاطب ولا هو بدل منه.

وثالثها لو كان منصوباً على أنه مفعول لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء نحو: أرأيتماكما وأرأيتموكم وأرأيتموكن.

وقد ذهب الفراء إلى أنه اسم مضمر منصوب في معنى المرفوع ويجوز تصريف التاء.

فأما مفعولا أرأيت في الآية فقيل: هما محذوفان تقديره أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم عند مجيء الساعة؟

ودل عليه قوله ﴿ أغير الله تدعون ﴾ وقيل: لا يحتاج ههنا إلى المفعول لأن الشرط وجوابه قد حصلا معنى المفعول وأما جواب الشرط فما دل عليه الاستفهام في قوله ﴿ أغير الله ﴾ تقديره أرأيتكم الساعة دعوتم الله وحاصل الآية قل يا محمد لهؤلاء الكفار أرأيتكم إن أتاكم العذاب في الدنيا أو عند قيام الساعة، أتخصون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها ﴿ بل إياه تدعون ﴾ بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة فيكشف ما تدعونه إلى كشفه إن شاء لأن قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين.

وعلى هذا يكون قوله ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ باقياً على إطلاقه لكن في الدنيا، ولو علقت المشيئة بكشف العذاب في الدنيا كان قوله ﴿ ادعوني أستجب  ﴾ أيضاً مقيداً بالمشيئة ﴿ وتنسون ما تشركون ﴾ قال ابن عباس: تتركون الأصنام ولا تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع، ويجوز أن يراد لا تذكرون الأصنام في ذلك الوقت لأن أذهانكم مغمورة بذكر الله وحده، والمقصود من الآية تبكيت الكفار كأنه قيل: إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله  لا إلى الأصنام فلم تقدمون عبادتها؟

وفيه أن مبنى الدين على الحجة والدليل لا على محض التقليد.

ثم سلى النبي  بأن أعلمه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا وأصروا على كفرهم خلاف الأقوام المذكورين الذين يفزعون إلى الله في الشدائد.

ويحتمل أن يقال: إن حكم الطائفتين واحد لأن التضرع واللجأ إلى الله إزالة البلية لا على سبيل الإخلاص غير معتبر.

وفي الآية محذوف تقديره: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً ﴾ فخالفوهم ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ وحسن الحذف لكونه مفهوماً.

والبأساء والضراء البؤس والضر.

أو البأساء القحط والجوع، والضراء الأمراض والأوجاع والرزايا ﴿ لعلهم يتضرعون ﴾ يتذللون ويتخشعون وأصله الانقياد وترك التمرد.

ضرع الرجل ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف.

احتج الجبائي بالآية على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم وسلط هذه البأساء والضراء عليهم إرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا، فهو يريد الإيمان والطاعة من الكل.

وأجيب بأن الترجي في حقه  محال فإنهم يحملونه على الإرادة، ونحن نحمله على أنه  يعاملهم معاملة المترجي.

فالترجيح على أن الفسق وتزيين الشيطان وكل ما يفرضونه لا بد أن ينتهي إلى خلق الله وتكوينه.

أما قوله ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ فمعناه نفي التضرع كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا.

ولكنه جاء بلولا التحضيضية ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا العناد والقسوة والإعجاب، ثم بين أنه لما لم ينجع فيهم المواعظ والزواجر نقلهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء ففتح أبواب الخيرات عليهم وسهل موجبات المسرات لديهم كما يفعله الأب المشفق لولده، يخاشنه تارة ويلاينه أخرى.

ومعنى ﴿ كل شيء ﴾ أي كل شيء كان مغلقاً عنهم من الخير ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ أي ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ولم يزيدوا إلا بطراً وترفهاً ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة.

وقال  "إذا رأيت الله يعطي العاصي فإن ذلك استدراج من الله  " .

قال العلماء: وإنما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون أشد لتحسرهم على ما فات من السلامة والعطاء ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ آيسون من كل خير.

وقال الفراء: المبلس الذي انقطع رجاؤه.

ويقال للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس.

وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين.

"وإذا" ههنا للمفاجأة وهي ظرف مكان "وهم" مبتدأ و ﴿ مبلسون ﴾ خبره وهو العامل في "إذا" ﴿ فقطع دابر القوم ﴾ الدابر للشيء من خلفه كالولد للوالد.

دبر فلان القوم يدبرهم دبوراً ودبراً إذا كان أخرهم.

أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم.

الاصمعي: منهم أحداً واستأصلهم لأن ذلك جارٍ مجرى النعمة على أولئك الرسل، أو على أولئك الهالكين كيلا يزيدوا كفراً وعناداً فيزدادوا عذاباً وعقاباً، أو حمد على ما أنعم عليهم قبل ذلك وهو أن كلفهم وأزال عنهم الأعذار والعلل وبعث الأنبياء والرسل وأخذهم بالبأساء.

والضراء ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء إلا أنهم لم يزدادوا إلا انهماكاً في الغي والضلال فطهر وجه الأرض من شركهم.

وفيه إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك كل ظالم فإن ذلك من جملة آلاء الله  ، ثم عاد إلى الدلالة على وجود الصانع الحكيم المختار وبيان وحدته  فقال ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله ﴾ وتقرير ذلك أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر والقلب كما عدّدنا منافعها في أوائل الكتاب، ولا ريب أن القادر على تحصيل قواها فيه وصرفها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله وحده، ومعنى أخذ السمع والبصر تعطيل منافعهما، ومعنى الختم على القلب إزالة العقل حتى يصير كالمجانين.

قال ابن عباس: إنه الطبع أو الإماتة حتى لا يعقل الهدى والصلاح ﴿ يأتيكم به ﴾ أي بذلك الذي أخذ من السمع والبصر والقلب، فوضع الضمير موضع اسم الإشارة بناء على أن الضمير المذكور بحكم الاستعمال يلزم أن يكون لذي عقل ولو فرضاً.

والأحسن أن يقال: إنه ذكر أشياء متعددة فوجب أن يعود الضمير إلى جميعها مؤنثاً إذ لا ترجيح، وحيث لم يكن الضمير مؤنثاً علم أنه أراد المذكور مطلقاً فتعين أم يشار إليه بذلك.

ثم إنه أقام الضمير المذكور مقامه أو يعود إلى ما أخذ وختم عليه وصح من غير التكلف المذكور بحكم التغليب ﴿ انظر ﴾ يا محمداً وكل من له أهلية النظر ﴿ كيف نصرف الآيات ﴾ نوردها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوّي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب.

ومعنى "ثم" التفاوت بين الحالين و ﴿ يصدفون ﴾ أي يعرضون.

ويقال: امرأة صدوف للتي تعرض وجهها عليك ثم تصدف أي تعرض.

والصدف ميل في الحافر إلى الشق الوحشي.

وصدف الدرة غشاؤها لميل فيه، قال الكعبي: لو خلق الله فيهم الإعراض والصد لم ينكر ذلك عليهم.

وقالت الأشاعرة: لولا منع الله  لنجع فيهم الدلائل القاطعة للأعذار.

ثم عمم الدليل بقوله ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم ﴾ والمعنى أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحان فوجب أن لا يكون معبوداً إلا هو.

ثم العذاب المفروض إما أن يجيء من غير سبق أمارة تدل على ذلك وهو البغتة وأكثر ما يكون ذلك بالليل، أو مع سبق أمارة وهو الجهرة وأكثره بالنهار ولهذا قال الحسن: معناه ليلاً أو نهاراً.

أما قوله ﴿ هل يهلك إلا القوم الظالمون ﴾ أي لا يهلك مع قوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ فمعناه أن الهلاك بالحقيقة وهو هلاك التعذيب والسخط مختص بالظالمين الأشرار لأن الأخيار وإن عمهم العذاب إلا أنهم يستفيدون بذلك ثواباً جزيلاً، فهو لهم بلاء في الظاهر وآلاء في الحقيقة خلاف الظلمة فإنهم يخسرون الدنيا والآخرة ومثله قوله  "إن أمر المؤمن خير كله إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له" واعلم أنه ذكر ههنا ﴿ أرأيتكم ﴾ مرتين فزاد خطاباً واحداً، لأن عذاب الاستئصال ما عليه من مزيد فناسب زيادة الخطاب لأجل التأكيد، وفيما بينهما قال ﴿ أرأيتم ﴾ حيث لم يكن كذلك، وكذلك في يونس، ثم ذكر أن الأنبياء والرسل بعثوا للتبشير والإنذار فقط ولا قدرة لهم على إظهار الآيات.

وإنزال المعجزات التي اقترحوها في قوله ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ وأن ذلك مفوّض إلى مشيئة الله وحكمته فقال ﴿ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ﴾ بالثواب على الطاعات ﴿ ومنذرين ﴾ بالعقاب على المعاصي.

فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو من أفعال القلب والعمل الصالح الذي هو من أفعال البدن ﴿ فلا خوف عليهم والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ﴾ ومعنى المس التقاء الشيئين من غير فصل.

قال في الكشاف: جعل العذاب ماساً كأنه حي يفعل بهم ما يرد من الآلام وفيه نظر، لأن المس ليس من خواص الأحياء، نعم إنه من خواص الأجسام، فلو ادعيت المبالغة من هذا الوجه لم يكن بعيداً.

قال القاضي: إنه علل عذاب الكافرين بكونهم فاسقين فيكون كل فاسق كافراً.

وأقول: هذا من باب إيهام العكس ولا يلزم العكس، فإن كل كافر فاسق ولا يلزم العكس.

ثم أمر نبيه  أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة فقال ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ وهي جمع خزانة للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ قال في الكشاف: محله النصل عطفاً على محل قوله ﴿ عندي خزائن الله ﴾ لأنه من جملة المقول أي لا أقول لكم ذاك ولا هذا.

قلت: ويحتمل أن يكون عطفاً على ﴿ لا أقول ﴾ أي قل لا أعلم الغيب فيكون فيه دلالة على أن الغيب بالاستقلال لا يعلمه إلا الله بخلاف كون خزائن الله عنده وكونه ملكاً فإن النبي  يحتمل أن يكون له هذه المقامات ولكن لا يظهرها.

واختلف المفسرون في فائدة نفي هذه الأمور فقيل: المراد إظهار التواضع والخضوع لله  والاعتراف بعبوديته حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح  .

وقيل: المقصود إبداء العجز والضعف وأنه لا يستقل بإيجاد المعجزات التي كانوا يقترحونها كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى قوله ﴿ هل كنت إلا بشراً رسولاً  ﴾ وقيل: أي لا أدّعي سوى النبوّة والرسالة ولا أدّعي الإلهية ولا الملكية وإنما زيد ههنا ﴿ لكم ﴾ بخلاف سورة هود حيث قال ﴿ ولا أقول إني ملك  ﴾ لأنه تقدم ذكر لكم في قوله ﴿ إني لكم نذير  ﴾ فاكتفى بذلك.

قال الجبائي: في الآية دلالة على أن الملك أفضل إذ المراد لا أدّعي فوق منزلتي.

قال القاضي: إن كان الغرض التواضع فالأقرب أن ذلك يدل على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة لم يدل على أفضلية الملائكة.

﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ قيل: هذا النص يدل على أنه  لم يحكم من تلقاء نفسه بالاجتهاد في شيء من الأحكام، ولا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي النازل عليه لقوله  ﴿ فاتبعوه  ﴾ فلا يجوز العمل بالقياس، وأكد هذا الحكم بقوله ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ وذلك أن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى الوحي يقوم عمل البصير.

ثم قال ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ تنبيهاً على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين.

وأجيب بأن أصل الاجتهاد والقياس إذا كان بالوحي لم يلزم الضلالة، والآية مثل للضال والمهتدي أو لمن ادعى المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية والملكية ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ فلا تكونوا ضالين كالعميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت سوى ما يليق بالبشر والله  أعلم وأحكم.

التأويل: ﴿ وما من دابة ﴾ تدب في أرض البشرية وتتحرك من الحواس والجوارح والنفس وصفاتها ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ في السؤال عن أقوالهم وأحوالهم كقوله ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا  ﴾ ﴿ ما فرطنا ﴾ ما تركنا في القرآن من شيء يحتاج إليه الإنسان ظاهره وباطنه، ذاته وصفاته في السير إلى الله من الأوامر والنواهي والندب والآداب.

﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ ههنا بالسير وجذبات العناية، أو هناك بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار في نار القطيعة على وجوههم لأن من شأنهم التكذيب كما قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بدلائلنا الموصلة إلينا ﴿ صم ﴾ آذان قلوبهم عن استماع الحق ﴿ بكم ﴾ ألسنة أحوالهم عن إجابة دعوة الحق في ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة ﴿ بل إياه تدعون ﴾ لأن رجوعه إلى ربه مركوز في روحانيته.

﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم ﴾ أي أرسلنا إليهم نعمة الصحة والكفاف والأمن فشغلوا بها عنا، فأرسلنا إليهم بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ندعوهم بها إلينا فلم يهتدوا ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ التي هي موجبة للإلجاء.

﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ وعلموا أن حقائق ألطافنا مدرجة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في أصداف شدائد بأسنا، فاستقبلوها بصدق الإلتجاء وحسن التضرع في الدعاء.

﴿ فلما نسوا ﴾ بسبب القساوة ﴿ ما ذكروا به ﴾ من معارضة البأساء والضراء فإنها تذكر أيام الرخاء وتعرّف قدر الصحة والنعماء وتؤدي إلى رؤية المنعم ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهر بالنعم الظاهرة من الماء والجاه والقبول وأمثالها، ولأرباب الباطن بالنعم الباطنة من فتوحات الغيب وأشباهها ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ وظنوا أنهم قد استغنوا عن صحبة الشيخ وتعليم تصرفاته فشرعوا في الطلب على وفق هواهم ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ بفقد الأحوال والاشتغال بالقال ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ متحيرون في تيه الغرور.

والحمد لله على إظهار اللطف لأربابه والقهر لأصحابه ليعلم أن الكل بقدر كما قال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية إلا القوم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بصرف استعداد عبودية المولى في عبادة الهوى.

فأما من ابتلي بعذاب الله من الآفات والمخافات والأمراض ونحوها ابتلاء فتاب ورجع فهو غيرها لك على الحقيقة ﴿ قل لا أقول لكم ﴾ لم يقل ليس ﴿ عندي خزائن الله ﴾ ليعلم أن خزائن الله وهي العلم بحقائق الأشياء وماهياتها عنده بإراءة ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ وباستجابة دعائه في قوله "أرنا الأشياء كما هي" ولكنه يكلم الناس على قدر عقولهم.

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ أي لا أقول لكم هذا مع أنه كان يخبرهم عما مضى وعما سيكون بإعلام الحق، وقد قال  في قصة ليلة المعراج "نظرت خلفي نظرة علمت ما كان وما سيكون" ﴿ ولا أقول لكم إني ملك ﴾ وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل: تقدم فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ ﴾ أن أخبرهم وقل معهم ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير فكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه وأنا به بصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ ﴾ .

الذي وعدكم في الدنيا أنه يأتيكم.

﴿ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ ﴾ .

لأنه كان وعدهم أن يأتيهم العذاب، أو كان يعدهم أن تقوم الساعة، فقال: ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ : في رفع ذلك، وكشفه عنكم.

﴿ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴾ أن معه شركاء وآلهة.

أو ﴿ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴾ : أن ما تعبدون شفعاؤكم عند الله، أو تقربكم عبادتكم إياها إلى الله.

وقوله -  - ﴿ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ .

يحتمل: حقيقة الدعاء عند نزول البلاء.

ويحتمل: العبادة، أي: أغير الله تعبدون على رجاء الشفاعة لكم، وقد رأيتم أنها لم تشفع لكم عند نزول البلايا، ثم أخبر أنهم لا يدعون غير الله في دفع ذلك وكشفه عنهم، وأخبر أنهم إلى الله يتضرعون في دفع ذلك عنهم، وهو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ  ﴾ .

وكقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ  ﴾ : ذكر هذا - والله أعلم - أنكم إذا مسكم الشدائد والبلايا لا تضرعون إلى الذين تشركون في عبادته وألوهيته، فكيف أشركتم أولئك في ربوبيته في غير الشدائد والبلايا، ﴿ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ ، أي: تتركون ما تشركون بالله من الآلهة؛ فلا تدعونهم أن يكشفوا عنكم؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: البأساء: الشدائد التي تصيبهم من العدو، والضراء: ما يحل بهم من البلاء والسقم السماوي.

وقال بعضهم: البأساء: هو ما يحل بهم من الفقر والقحط والشدة.

وعن ابن عباس -  - قال: [قوله] ﴿ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ ﴾ : الزمانة والخوف، ﴿ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ : البلاء والجوع.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ .

أي: ابتلاهم بهذا، أو امتحنهم لعلهم يتضرعون، ويرجعون عما هم عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ .

يذكر في ظاهر هذا أنه قد أصابهم البلاء والشدة، ولم يتضرعوا ولكن قست قلوبهم، ويذكر في غيره من الآيات أنه إذا أصابهم البلاء والشدائد تضرعوا ورجعوا عما كانوا عليه؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ  ﴾ وغيرهما من الآيات.

لكن يحتمل هذا وجوهاً: أن هذا كان في قوم، والأول كان في قوم آخرين، وذلك أن الكفرة كانوا على أحوال ومنازل: منهم من كان على حال، فإذا أصابه خير اطمأن به، وإذا زال عنه وتحول تغير؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...

﴾ الآية [الحج: 11].

ومنهم من يتضرع ويلين قلبه إذا أصابه الشدة والبلاء، وعند السعة والنعمة قاسي القلب معاند؛ وهو كقوله: ﴿ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ...

﴾ إلى آخر الآية [العنكبوت: 65]؛ وكقوله -  -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ .

ومنهم: من كان فرحاً عند الرحمة [والنعمة]، وعند الشدة والبلاء كفوراً حزيناً؛ كقوله -  -: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ  ﴾ .

ومنهم: من كان لا يخضع ولا يتضرع في الأحوال كلها، لا عند الشدة والبلاء، ولا عند الرخاء والنعمة، ويقولون: إن مثل هذا يصيب غيرنا، وقد كان أصاب آباءنا، [وهم] كانوا أهل الخير والصلاح؛ وهو كقوله: ﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ  ﴾ : كانوا على أحوال مختلفة، ومنازل متفرقة؛ فيشبه أن يكون قوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ : في القوم الذين لم يتضرعوا عند إصابتهم الشدائد والبلايا.

وجائز أن يكونوا تضرعوا عند حلول الشدائد، فإذا انقطع ذلك وارتفع، عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ  ﴾ ؛ ويشبه أن يكون قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ  ﴾ : فيما بينهم وبين ربهم، وهذا فيما بينهم، وبين الرسل؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم إلى أن يقروا، ويصدقوهم فيما يقولون لهم ويخبرون، فتكبروا عليهم، وأقروا لله وتضرعوا إليه، تكبروا عليهم ولم يتكبروا على الله.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ : في الأمم السالفة إخبار منه أنهم لم يتضرعوا.

ويحتمل قوله أيضاً: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ وجهين: أحدهما: أنهم لم يتضرعوا إذ جاءهم بأس الله، ولكن عاندوا وثبتوا على ما كانوا عليه.

والثاني: تضرعوا عند نزول بأسه؛ لكن إذا ذهب ذلك وزال عادوا إلى ما كانوا، فيصير كأنه قال: فلولا لزموا التضرع إذ جاءهم بأسنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: زين لهم صنيعهم الذي صنعوا، ويقولون: إن هذا كان يصيب أهل الخير، ويصيب آباءنا وهم كانوا أهل خير وصلاح.

أو زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الشرك والتكذيب، ويقول لهم: إن الذي أنتم عليه حق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ يحتمل: ابتداء ترك، أي: تركوا الإجابة إلى ما دعوا وتركوا ما أمروا به.

ويحتمل: نسوا ما ذكروا به من الشدائد والبلايا.

﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل أبواب كل شيء مما يحتاجون إليه، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾ .

ويحتمل: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ ، أي: تركوا ما وعظوا به، يعني: بالأمم الخالية لما دعاهم الرسل فكذبوهم ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: أنزلنا عليهم أبواب كل شيء من أنواع الخير بعد الضر والشدة الذي كان نزل بهم.

﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم [المبلس]: الآيس من كل خير.

قال القتبي: المبلس: الآيس الملقي بيديه.

وقال أبو عوسجة: المبلس: هو الحزين المغتم الآيس من الرحمة وغيرها من الخير.

وقال الفراء: المبلس هو المنقطع الحجة، وقيل: لذلك سُمي إبليس لعنه الله إبليس لما أيس من رحمة الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ .

قيل: استؤصل القوم الذين ظلموا بالهلاك جميعاً، والظلم هاهنا: هو الشرك.

وقيل: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، أي: أصلهم.

وقيل: دابر القوم، أي: آخرهم.

وكله واحد، وذلك أنه إذا هلك آخرهم وقطعوا، فقد استؤصلوا.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، أي: قطع افتخارهم وتكبرهم الذي كانوا يفتخرون به ويتكبرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

الحمد في هذا الموضع على أثر ذلك الهلاك يخرج على وجوه، وإلا الحمد إنما يذكر على أثر ذكر الكرامة والنعمة، لكن هاهنا وإن كان نقمة وإهلاكاً فيكون للأولياء كرامة ونعمة؛ لأن هلاك العدو يعد من أعظم الكرامة والنعمة من الله، فإذا كان في ذلك شر للأعداء والانتقام فيكون خيراً للأولياء وكرامة، وما من شيء يكون شرا لأحد إلا ويجوز أن يكون في ذلك خير لآخر، فيكون الحمد في الحاصل في الخير والنعمة.

والثاني: أنه يجوز أن يكون في الهلاك نفسه الحمد إذا كان الهلاك بالظلم؛ لأنه هلاك بحق إذ لله أن يهلكهم، ولم يكن الهلاك على الظلم خارجاً عن الحكمة، فيحمد عز وجل في كل فعل: حكمةٍ.

والثالث: يقول: ﴿ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ على إظهار حججه بهلاكهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فَقُطِع آخر أهل الكفر باستئصالهم جميعًا بالإهلاك، ونَصْر رسل الله، والشكرُ والثناءُ لله وحده رب العالمين على إهلاكه أعداءه ونصره أولياءه.

<div class="verse-tafsir" id="91.xJA8o"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله