الآية ٤٧ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٤٧ من سورة الأنعام

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 57 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة ) أي : وأنتم لا تشعرون به حتى بغتكم وفجأكم .

( أو جهرة ) أي : ظاهرا عيانا ( هل يهلك إلا القوم الظالمون ) أي : إنما : كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله [ عز وجل ] وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

كما قال تعالى ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ] ) [ الأنعام : 82 ] .

.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثانَ، المكذبين بأنك لي رسول إليهم: أخبروني (11) =" إن أتاكم عذاب الله "، وعقابه على ما تشركون به من الأوثان والأنداد, وتكذيبكم إيايَ بعد الذي قد عاينتم من البرهان على حقيقة قولي =" بغتة "، يقول: فجأة على غرة لا تشعرون (12) =" أو جهرة " ، يقول: أو أتاكم عذاب الله وأنتم تعاينونه وتنظرون إليه =" هل يهلك إلا القوم الظالمون " ، يقول: هل يهلك الله منا ومنكم إلا من كان يعبد غير من يستحق علينا العبادة، وترك عبادة من يستحق علينا العبادة ؟

وقد بينا معنى " الجهرة " في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته، وأنها من " الإجهار ", وهو إظهار الشيء للعين، (13) كما:- 13249 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " جهرة "، قال: وهم ينظرون .

13250- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة "، فجأة آمنين =" أو جهرة "، وهم ينظرون .

------------------------- الهوامش : (11) انظر تفسير"أرأيتكم" فيما سلف قريبًا ص: 351 353.

(12) انظر تفسير"بغتة" فيما سلف: 325 ، 360.

(13) انظر تفسير"الجهرة" فيما سلف 2: 80/9 : 358.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة قال الحسن : بغتة ليلا أو جهرة نهارا .

وقيل : بغتة فجأة .

وقال الكسائي : يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة إذا أتاهم فجأة .

وقد تقدم ( هل يهلك إلا القوم الظالمون ) نظيره فهل يهلك إلا القوم الفاسقون أي : هل يهلك إلا أنتم لشرككم ، والظلم هنا بمعنى الشرك ، كما قال لقمان لابنه : يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ } أي: أخبروني { إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً } أي: مفاجأة أو قد تقدم أمامه مقدمات، تعلمون بها وقوعه.

{ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ } الذين صاروا سببا لوقوع العذاب بهم، بظلمهم وعنادهم.

فاحذروا أن تقيموا على الظلم، فإنه الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة ) فجأة ، ( أو جهرة ) معاينة ترونه عند نزوله ، قال ابن عباس والحسن ليلا أو نهارا ، ( هل يهلك إلا القوم الظالمون ) المشركون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» لهم «أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة» ليلا أو نهارا «هل يُهلك إلا القوم الظالمون» الكافرون أي ما يهلك إلا هم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني إن نزل بكم عقاب الله فجأة وأنتم لا تشعرون به، أو ظاهرًا عِيانًا وأنتم تنظرون إليه: هل يُهلك إلا القوم الظالمون الذين تجاوزوا الحد، بصرفهم العبادة لغير الله تعالى وبتكذيبهم رسله؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه عقولهم إلى لون آخر من ألوان الإقناع فقال - تعالى - :{ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون } .

بغتة : أى مفاجأةن وجهرة : أى جهارا عيانا .والمعنى : قل لهم ايها الرسول الكريم أخبرونى عن مصيركم إن أتاكم عذاب الله مباغتاً ومفاجئاً لكم من غير ترقب ولا انتظار ، أو أتاكم ظاهراً واضحاً بحيث ترون مقدماته ومباديه ، هل يهلك به إلا القوم الظالمون؟والاستفهام فى قوله { هَلْ يُهْلَكُ } بمعنى النفى : أى : ما يهلك به إلا القوم الظالمون ، الذين أصروا على الشرك والجحود ، فهلاكهم سببه السخط عليهم والعقوبة لهم ، لأنهم عمواوصموا عن الهداية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الدليل المتقدم كان مختصاً بأخذ السمع والبصر والقلب وهذا عام في جميع أنواع العذاب، والمعنى: أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحانه، ولا محصل لخير من الخيرات إلا الله سبحانه، فوجب أن يكون هو المعبود بجميع أنواع العبادات لا غيره.

فإن قيل: ما المراد بقوله: ﴿ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ﴾ قلنا العذاب الذي يجيئهم إما أن يجيئهم من غير سبق علامة تدلهم على مجيء ذلك العذاب أو مع سبق هذه العلامة.

فالأول: هو البغتة.

والثاني: هو الجهرة.

والأول سماه الله تعالى بالبغتة، لأنه فاجأهم بها وسمى الثاني جهرة، لأن نفس العذاب وقع بهم وقد عرفوه حتى لو أمكنهم الاحتراز عنه لتحرزوا منه.

وعن الحسن أنه قال: ﴿ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ﴾ معناه ليلاً أو نهاراً.

وقال القاضي: يجب حمل هذا الكلام على ما تقدم ذكره لأنه لو جاءهم ذلك العذاب ليلاً وقد عاينوا مقدمته، لم يكن بغتة ولو جاءهم نهاراً وهم لا يشعرون بمقدمته لم يكن جهرة.

فأما إذا حملناه على الوجه الذي تقدم ذكره، استقام الكلام.

فإن قيل: فما المراد بقوله: ﴿ هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون ﴾ مع علمكم بأن العذاب إذا نزل لم يحصل فيه التمييز.

قلنا: إن الهلاك وإن عم الأبرار والأشرار في الظاهر، إلا أن الهلاك في الحقيقة مختص بالظالمين الشريرين، لأن الأخيار يستوجبون بسبب نزول تلك المضار بهم أنواعاً عظيمة من الثواب والدرجات الرفيعة عند الله تعالى، فذاك وإن كان بلاء في الظاهر، إلا أنه يوجب سعادات عظيمة؟

أما الظالمون فإذا نزل البلاء بهم فقد خسروا الدنيا والآخرة معاً، فلذلك وصفهم الله تعالى بكونهم هالكين وذلك تنبيه على أن المؤمن التقي النقي هو السعيد، سواء كان في البلاء أو في الآلاء والنعماء وأن الفاسق الكافر هو الشقي، كيف دارت قضيته واختلفت أحواله، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما كانت البغتة أن يقع الأمر من غير أن يشعر به وتظهر أماراته، قيل: ﴿ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ﴾ وعن الحسن: ليلاً أو نهاراً.

وقرئ: ﴿ بغتة أو جهرة ﴾ ﴿ هَلْ يُهْلَكُ ﴾ أي ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا الظالمون.

وقرئ: (هل يهلك) بفتح الياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ ﴾ أصَمَّكم وأعْماكم.

﴿ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾ بِأنْ يُغَطِّيَ عَلَيْها ما يَزُولُ بِهِ عَقْلُكم وفَهْمُكم.

﴿ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ ﴾ أيْ بِذَلِكَ، أوْ بِما أخَذَ وخَتَمَ عَلَيْهِ أوْ بِأحَدِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ.

﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ نُكَرِّرُها تارَةً مِن جِهَةِ المُقَدِّماتِ العَقْلِيَّةِ وتارَةً مِن جِهَةِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وتارَةً بِالتَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ بِأحْوالِ المُتَقَدِّمِينَ.

﴿ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ ﴾ يُعْرِضُونَ عَنْها، وثُمَّ لِاسْتِبْعادِ الإعْراضِ بَعْدَ تَصْرِيفِ الآياتِ وظُهُورِها.

﴿ قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً ﴾ مِن غَيْرِ مُقَدِّمَةٍ.

﴿ أوْ جَهْرَةً ﴾ بِتَقْدِمَةِ أمارَةٍ تُؤْذِنُ بِحُلُولِهِ.

وقِيلَ لَيْلًا أوْ نَهارًا.

وقُرِئَ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً.

﴿ هَلْ يُهْلَكُ ﴾ أيْ ما يُهْلَكُ بِهِ هَلاكَ سُخْطٍ وتَعْذِيبٍ.

﴿ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ ﴾ ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ مِنهُ، وقُرِئَ «يَهْلِكَ» بِفَتْحِ الياءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)

{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أتاكم عَذَابُ الله بَغْتَةً} بأن لم تظهر أماراته {أَوْ جَهْرَةً} بأن ظهرت أماراته وعن الحسن ليلاً أو نهاراً {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون} ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بربهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ أرَأيْتَكُمْ ﴾ تَبْكِيتٌ آخَرُ لَهم بِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاخْتِصاصِ العَذابِ بِهِمْ ﴿ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ ﴾ أيِ العاجِلُ الخاصُّ بِكم كَما أتى أضْرابُكم مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكم ﴿ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً مِن غَيْرِ ظُهُورِ أمارَةٍ وشُعُورٍ، ولِتَضَمُّنِها بِهَذا الِاعْتِبارِ ما في الخُفْيَةِ مِن عَدَمِ الشُّعُورِ صَحَّ مُقابَلَتُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ جَهْرَةً ﴾ وبَدَأ بِها لِأنَّها أرْدَعُ مِنَ الجَهْرَةِ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: خِفْيَةً لِأنَّ الإخْفاءَ لا يُناسِبُ شَأْنَهُ تَعالى وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ البَغْتَةَ اسْتِعارَةٌ لِلْخِفْيَةِ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِها بِالجَهْرَةِ، وأنَّها مَكْنِيَّةٌ مِن غَيْرِ تَخْيِيلِيَّةٍ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ تَعَسُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ فَإنَّ المُقابَلَةَ بَيْنَ الشَّيْءِ والقَرِيبِ مِن مُقابِلِهِ كَثِيرَةٌ في الفَصِيحِ ومِنهُ قَوْلُهُ  : ”بَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا“ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ البَغْتَةَ أنْ يَأْتِيَهم لَيْلًا، والجَهْرَةُ أنْ يَأْتِيَهم نَهارًا وقُرِئَ: بَغَتَةً أوْ جَهَرَةً بِفَتْحِ الغَيْنِ والهاءِ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ كالغَلَبَةِ أيْ إتْيانًا بَغْتَةً أوْ إتْيانًا جَهْرَةً، وفي المُحْتَسِبِ لِابْنِ جِنِّيٍّ أنَّ مَذْهَبَ أصْحابِنا في كُلِّ حَرْفِ حَلْقٍ ساكِنٍ بَعْدَ فَتْحٍ لا يُحَرَّكُ إلّا عَلى أنَّهُ لُغَةٌ فِيهِ كالنَّهْرِ والنَّهَرِ والشَّعْرِ والشَّعَرِ والحَلْبِ والحَلَبِ والطَّرْدِ والطَّرَدِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ يَجُوزُ تَحْرِيكُ الثّانِي لِكَوْنِهِ حَرْفًا حَلْقِيًّا قِياسًا مُطْرَدًا كالبَحْرِ والبَحَرِ، وما أرى الحَقَّ إلّا مَعَهُمْ، وكَذا سَمِعْتُ مِن عامَّةِ عَقِيلٍ، وسَمِعْتُ الشَّجَرِيَّ يَقُولُ: أنا مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ مَفْعُولَ بِفَتْحِ الفاءِ، وقالُوا: اللَّحَمُ يُرِيدُ اللَّحْمَ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَغَدُوا بِمِعْنى تَغْدُوا، ولَيْسَ في كَلامِهِمْ مَفَعَلَ بِفَتْحِ الفاءِ، وقالُوا: سارَ نَحَوَهُ بِفَتْحِ الحاءِ ولَوْ كانَتِ الحَرَكَةُ أصْلِيَّةً ما صَحَّتِ اللّامُ أصْلًا اهـ، وهي كَما قالَ الشِّهابُ فائِدَةٌ يَنْبَغِي حِفْظُها وقُرِئَ بَغْتَةً وجَهْرَةً بِالواوِ الواصِلَةِ ﴿ هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ ﴾ 74 - أيْ إلّا أنْتُمْ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وإيذانًا بِأنَّ مَناطَ إهْلاكِهِمْ ظُلْمُهم ووَضْعُهُمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ والإعْراضَ مَوْضِعَ الإقْبالِ، وهَذا كَما قالَ الجَماعَةُ مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِفْهامِ لِلتَّقْرِيرِ أيْ قُلْ تَقْرِيرًا لَهم بِاخْتِصاصِ الهَلاكِ بِهِمْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَسْبَما تَسْتَحِقُّونَهُ هَلْ يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ إلّا أنْتُمْ أيْ هَلْ يُهْلَكُ غَيْرُكم مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ الظّالِمِينَ الجِنْسُ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَخْصِيصُ الإتْيانِ بِهِمْ، وقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى النَّفْيِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفْرَغٌ، والأصْلُ فِيهِ النَّفْيُ ومُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ عَزَّ وجَلَّ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً ماذا يَكُونُ الحالُ، ثُمَّ قِيلَ: بَيانًا لِذَلِكَ ما ﴿ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ ﴾ أيْ ما يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ الخاصِّ بِكم إلّا أنْتُمْ وقَيَّدَ الطَّبَرْسِيُّ وغَيْرُهُ الهَلاكَ بِهَلاكِ التَّعْذِيبِ والسُّخْطِ تَوْجِيهًا لِلْحَصْرِ إذْ قَدْ يُهْلَكُ غَيْرُ الظّالِمِ لَكِنَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى بِهِ لِيَجْزِيَهُ الجَزاءَ الأوْفى عَلى ابْتِلائِهِ، ولَعَلَّهُ اشْتِغالٌ بِما لا يَعْنِي، وقُرِئَ يَهْلَكُ بِفَتْحِ الياءِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ أَرَأَيْتُمْ أَيُّ: قُلْ لاهْلِ مَكَّةَ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ فلم تسمعوا شيئاً وَأَبْصارَكُمْ فلم تبصروا شيئاً وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ فلم تعقدوا شيئاً مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يعني هل أحد يرده عليكم يَأْتِيكُمْ بِهِ يعني: يخلقها لكم.

ثم قال: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي: كيف تبين لهم العلامات فيما ذكر من تخويفهم ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يعني: يُعرضون ولا يعتبرون.

قرأ نافع: أَرَأَيْتُمْ: بعد الألف بغير همز.

وقرأ الكسائي بغير مد ولا همز.

وقرأ الباقون: بالهمز.

فهي كلها لغات العرب.

ثم قال: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً يعني: فجأة أو علانية هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ يعني: لا يهلك إلا القوم الكافرون.

ثم قال: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ يعني: ليس لهم أن يقترحوا من أنفسهم، وإنما أرسلهم بتبليغ الرسالة مبشرين بالجنة لمن أطاعه، ومنذرين بالنار لمن عصاه.

فَمَنْ آمَنَ يعني: صدق بالرسل وَأَصْلَحَ يعني: سلك 6 طريقهم، وأصلح العمل.

ويقال: أخلص العمل بعد الإيمان فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يعني: لا خوف عليهم من أهوال القيامة ولا هم يحزنون عند الصراط.

ثم قال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: يصيبهم العذاب بكفرهم، ولا يعذب أحداً بغير ذنب.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الدَّابر: آخر القوم الذي يَأتي من خَلْفِهِم، وهذه كناية عن استئصال شأفتهم، ومَحْوِ آثارهم، كأنهم وَرَدُوا العَذَابَ حتى ورد آخرهم الذي دَبَرَهُمْ، وحَسُنَ الحمد عَقِبَ هذه الآية لِجَمَالِ الأفعال المتقدمة في أن أرسل- سبحانه- الرسل، ولطف في الأَخْذِ بالبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ ليتضرع إليه، فيرحم، وينعم، وقطع في آخر الأمر دابر الظَّلَمَة، وذلك حَسَنٌ في نفسه، ونعمة على المؤمنين، فحسن الحَمْدُ عقب هذه الأفعال، وبحمده سبحانه ينبغي أن يُخْتَمَ كل فعل، وكل مَقَالٍ، إذ هو المحمود على كُلِّ حال لا رب غيره، ولا خير إلا خيره.

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)

وقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ ...

الآية أَخَذَ معناه أَذْهَبَ، والضمير في بِهِ عائد على المأخوذ، ويَصْدِفُونَ معناه: يعرضون، وينفرون، ومنه قول الشاعر: [البسيط]

إذَا ذَكَرْنَ حَدِيثاً قُلْنَ أَحْسَنَهُ ...

وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ «١»

وقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً ...

الآية وعيد وتهديد.

قال ع «٢» : أَرَأَيْتُمْ عند سيبويه: تَتَنَزَّلُ منزلةَ «أخبروني» ولذلك لا تَحْتَاجُ إلى مفعولين.

وقوله: بَغْتَةً: معناه: لم يتقدّم عندكم منه علم، وجَهْرَةً، معناه: تبدو لكم مَخَايلُهُ ومَبَاديه، ثم يتوالى حتّى ينزل.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: البَغْتَةُ: المُفاجَأةُ؛ والجَهْرَةُ: أنْ يَأْتِيَهم وهم يَرَوْنَهُ.

﴿ هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ ﴾ أيْ: هَلْ يَهْلَكُ إلّا أنْتُمْ ومَن أشْبَهَكم لِأنَّكم كَفَرْتُمْ مُعانِدِينَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّكم ظالِمُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهُ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أو جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ؛ و"أخَذَ اللهُ"؛ مَعْناهُ: أذْهَبَهُ؛ وانْتَزَعَهُ بِقُدْرَتِهِ تَعالى ؛ ووَحَّدَ السَمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُفْرَدٌ؛ يَدُلُّ عَلى جَمْعٍ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى المَأْخُوذِ؛ وقِيلَ: عَلى السَمْعِ؛ وقِيلَ: عَلى الهُدى الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى؛ وقَرَأ الأعْرَجُ وغَيْرُهُ: "بِهُ انْظُرْ"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ ورَواها المُسَيَّبِيُّ؛ وأبُو وجْزَةَ؛ عن نافِعٍ ؛ و"يَصْدِفُونَ"؛ مَعْناهُ: يُعْرِضُونَ؛ ويَنْفِرُونَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أحْسَنَهُ ∗∗∗ وهُنَّ عن كُلِّ سُوءٍ يُتَّقى صُدُفُ قالَ النَقّاشُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَفْضِيلِ السَمْعِ عَلى البَصَرِ؛ لَتَقْدِمَتِهِ هُنا؛ ثُمَّ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ  ﴾ ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: "مَن إلَهٌ"؛ مَعْناهُ التَوْقِيفُ؛ أيْ: "لَيْسَ ثَمَّةَ إلَهٌ سِواهُ؛ فَما بالُ تَعَلُّقِكم بِالأصْنامِ؛ وتَمَسُّكِكم بِها؛ وهي لا تَدْفَعُ ضَرَرًا؛ ولا تَأْتِي بِخَيْرٍ؟"؛ وتَصْرِيفُ الآياتِ هو نَصْبُ العِبَرِ؛ ومَجِيءُ آياتِ القُرْآنِ بِالإنْذارِ؛ والإعْذارِ؛ والبِشارَةِ؛ ونَحْوِها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ أرَأيْتَكُمْ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ؛ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: لا يَتَقَدَّمُ عِنْدَكم مِنها عِلْمٌ؛ و"جَهْرَةً"؛ مَعْناهُ: تَبْدُو لَكم مَخايِلُهُ؛ ومَبادِيهِ؛ ثُمَّ تَتَوالى؛ حَتّى تَنْزِلَ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بَغْتَةً": فَجْأةً؛ و"جَهْرَةً": نَهارًا؛ قالَ مُجاهِدٌ: "بَغْتَةً": فَجْأةً؛ آمِنِينَ؛ و"جَهْرَةً": وهم يَنْظُرُونَ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "هَلْ يَهْلِكُ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ والمَعْنى: "هَلْ تَهْلِكُونَ إلّا أنْتُمْ؟؛ لِأنَّ الظُلْمَ قَدْ تَبَيَّنَ في حَيِّزِكُمْ"؛ و"هَلْ"؛ ظاهِرُها الِاسْتِفْهامُ؛ ومَعْناها التَسْوِيَةُ المُضَمَّنَةُ لِلنَّفْيِ؛ ولا تَكُونُ التَسْوِيَةُ بِها إلّا في النَفْيِ؛ وتَكُونُ بِالألِفِ في نَفْيٍ؛ وفي إيجابٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى: "إنَّما نُرْسِلُ الأنْبِياءَ المَخْصُوصِينَ بِالرِسالَةِ؛ لِيُبَشِّرُوا بِإنْعامِنا؛ ورَحْمَتِنا لِمَن آمَنَ؛ ويُنْذِرُوا بِعَذابِنا وعِقابِنا مَن كَذَّبَ وكَفَرَ؛ ولَسْنا نُرْسِلُهم لِيُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ؛ ويُتابِعُوا شُذُوذَ كُلِّ مُتَعَسِّفٍ مُتَعَمِّقٍ"؛ ثُمَّ وعَدَ مَن سَلَكَ طَرِيقَ البِشارَةِ فَآمَنَ؛ وأصْلَحَ؛ في امْتِثالِ الطاعاتِ؛ وأوعَدَ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقَ النَذارَةِ؛ فَكَذَّبَ بِآياتِ اللهِ تَعالى ؛ وفَسَقَ؛ أيْ: خَرَجَ عَنِ الحَدِّ في كُفْرانِهِ؛ وعِصْيانِهِ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "كُلُّ فِسْقٍ في القُرْآنِ فَمَعْناهُ الكَذِبُ"؛ ذَكَرَهُ عنهُ الطَبَرِيُّ مُسْنَدًا؛ و"يَمَسُّهُمُ"؛ أيْ: يُباشِرُهُمْ؛ ويُلْصَقُ بِهِمْ؛ وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: "اَلْعَذابِّما"؛ بِإدْغامِ الباءِ في الباءِ؛ ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والأعْمَشُ: "يَفْسِقُونَ"؛ بِكَسْرِ السِينِ؛ وهي لُغَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف للتهديد والتوعّد وإعذار لهم بأنّ إعراضهم لا يرجع بالسوء إلاّ عليهم ولا يضرّ بغيرهم، كقوله: ﴿ وهم يَنْهَوْن عنه ويَنْأوْن عنه وإنْ يُهْلِكُون إلاّ أنفسهم وما يشعرون ﴾ [الأنعام: 26].

والقول في ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة ﴾ الآية كالقول في نظيريْه المتقدّمين.

وجيء في هذا وفي نظيره المتقدّم بكاف الخطاب مع ضمير الخطاب دون قوله: ﴿ قل أرأيتم إنْ أخذَ الله سمْعكم وأبْصارَكم ﴾ [الأنعام: 46] الآية لأنّ هذا ونظيره أبلغ في التوبيخ لأنّهما أظهر في الاستدلال على كون المشركين في مكنة قدرة الله، فإنّ إتيان العذاب أمكن وقوعاً من سلب الأبصار والأسماع والعقول لندرة حصول ذلك، فكان التوبيخ على إهمال الحذر من إتيان عذاب الله، أقوى من التوبيخ على الاطمئنان من أخذ أسماعهم وأبصارهم، فاجتلب كاف الخطاب المقصود منه التنبيه دون أعيان المخاطبين.

والبغتة تقدّمت آنفاً.

والجهرة: الجَهْر، ضدّ الخفية، وضدّ السرّ.

وقد تقدّم عنه قوله تعالى: ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ في سورة [البقرة: 55] وقد أوقع الجهرة هنا في مقابلة البغتة وكان الظاهر أن تقابل البغتة بالنّظرة أو أن تقابل الجهرة بالخفية، إلاّ أنّ البغتة لمّا كانت وقوع الشيء من غير شعور به كان حصولها خفيّاً فحسن مقابلته بالجهرة، فالعذاب الذي يجيء بغتة هو الذي لا تسبقه علامة ولا إعلام به.

والذي يجيء جهرة هو الذي تسبقه علامة مثل الكِسْف المحكي في قوله تعالى: ﴿ فلمّا رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض مُمطرنا ﴾ [الأحقاف: 24] أو يسبقه إعلام به كما في قوله تعالى: ﴿ فعَقروها فقال تمتّعوا في داركم ثلاثة أيام ﴾ [هود: 65].

فإطلاق الجهرة على سبق ما يشعر بحصول الشيء إطلاق مجازي.

وليس المراد من البغتة الحاصل ليلاً ومن الجهرة الحاصل نهاراً.

والاستفهام في قوله: ﴿ هل يُهلَك ﴾ مستعمل في الإنكار فلذلك جاء بعده الاستثناء.

والمعنى لا يهلك بذلك العذاب إلاّ الكافرون.

والمراد بالقوم الظالمين المخاطبون أنفُسهم فأظهر في مقام الإضمار ليتأتّى وصفهم أنّهم ظالمون، أي مشركون، لأنَّهم ظالمون أنفسهم وظالمون الرسول والمؤمنين.

وهذا يتضمَّن وعْداً من الله تعالى بأنه منجي المؤمنين، ولذلك أذنَ رسوله بالهجرة من مكة مع المؤمنين لئلاّ يحلّ عليهم العذاب تكرمة لهم كما أكرم لُوطاً وأهله، وكما أكرم نوحاً ومن آمن معه، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم ﴾ [الأنفال: 33] ثم قوله: ﴿ وما لهم أن لا يعذّبهم الله ﴾ [الأنفال: 34].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ، أيْ لا أقْدِرُ عَلى إغْناءِ فَقِيرٍ، ولا إفْقارِ غَنِيٍّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: مَفاتِيحُ خَزائِنِ العَذابِ لِأنَّهُ خَوَّفَهم مِنهُ، فَقالُوا مَتى يَكُونُ هَذا؟

قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُ الغَيْبِ في نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مَتى يَكُونُ؟

قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: عِلْمُ جَمِيعِ ما غابَ مِن ماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ، إلّا أنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ أوْ مَن أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عِلْمِهِ مِن أنْبِيائِهِ، وأمّا الماضِي فَقَدْ يَعْلَمُهُ المَخْلُوقُونَ مَن أحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا مِن مُعايَنَةٍ أوْ خَبَرٍ، فَإنْ كانَ الإخْبارُ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ، فَهو مِن آياتِ اللَّهِ المُعْجِزَةِ، وإنْ كانَ عَنْ ماضٍ فَإنْ عَلِمَ بِهِ غَيْرُ المُخْبِرِ والمُخْبَرُ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أحَدٌ وعَلِمَ بِهِ المُخْبِرُ وحْدَهُ كانَ مُعْجِزًا، فَنَفى رَسُولُ اللَّهِ  عَنْ نَفْسِهِ عِلْمَ الغَيْبِ، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِن غَيْبٍ فَهو عَنِ اللَّهِ ووَحْيِهِ.

﴿ وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ما يَعْجِزُ عَنْهُ العِبادُ، وإنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، لِيَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ غُلُوَّ النَّصارى في المَسِيحِ وقَوْلَهُمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.

ثُمَّ في نَفْيِهِ أنْ يَكُونَ مَلَكًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيَّنَ بِذَلِكَ فَضْلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، لِأنَّهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنزِلَةً لَيْسَتْ لَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ إنِّي لَسْتُ مَلَكًا في السَّماءِ، فَأعْلَمُ غَيْبَ السَّماءِ الَّذِي تُشاهِدُهُ المَلائِكَةُ ويَغِيبُ عَنِ البَشَرِ، وإنْ كانَ الأنْبِياءُ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ غَيْبِهِمْ عَمّا تُشاهِدُهُ المَلائِكَةُ.

﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ أُخْبِرَكم إلّا بِما أخْبَرَنِي اللَّهُ بِهِ.

والثّانِي: أنْ أفْعَلَ إلّا ما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ.

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الجاهِلُ والعالِمُ.

والثّانِي: الكافِرُ والمُؤْمِنُ.

﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِيما ضَرَبَهُ اللَّهُ مِن مَثَلِ الأعْمى والبَصِيرِ.

الثّانِي: فِيما بَيَّنَهُ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ رُوِيَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ المَلَأ مِن قُرَيْشٍ أتَوُا النَّبِيَّ  وعِنْدَهُ جَماعَةٌ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ مِثْلَ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ اطْرُدْ عَنّا مَوالِيَنا وحُلَفاءَنا فَإنَّما هم عَبِيدُنا وعُتَقاؤُنا، فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم نَتْبَعُكَ، فَقالَ عُمَرُ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَعْلَمَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ وإلامَ يَصِيرُونَ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِذَلِكَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وَنَزَلَ في المَلَإ مِن قُرَيْشٍ ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ الآيَةَ، فَأقْبَلَ عُمَرُ فاعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةَ.

» وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.

والثّالِثُ: تَعْظِيمُ القُرْآنِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عِبادَةُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُونَ بِدُعائِهِمْ، لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ وجْهَ الشَّيْءِ إرادَةً لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هَذا وجْهُ الصَّوابِ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا.

والثّانِي: مَعْناهُ يُرِيدُونَ طاعَتَهُ لِقَصْدِهِمُ الوَجْهَ الَّذِي وجَّهَهم إلَيْهِ.

﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَعْنِي ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.

﴿ وَما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي وما مِن حِسابِ عَمَلِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مُؤاخَذٌ بِحِسابِ عَمَلِهِ دُونَ غَيْرُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مَعْناهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ وفَقْرِهِمْ مِن شَيْءٍ.

والثّالِثُ: ما عَلَيْكَ كِفايَتُهم ولا عَلَيْهِمْ كِفايَتُكَ، والحِسابُ الكِفايَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَطاءً حِسابًا  ﴾ أيْ تامًّا كافِيًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ يَعْنِي لِاخْتِلافِهِمْ في الأرْزاقِ، والأخْلاقِ، والأحْوالِ.

وَفي إفْتانِ اللَّهِ تَعالى لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ابْتِلاؤُهم واخْتِبارُهم لِيَخْتَبِرَ بِهِ شُكْرَ الأغْنِياءِ وصَبْرَ الفُقَراءِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: تَكْلِيفُ ما يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ مَعَ قُدْرَتِها عَلَيْهِ.

﴿ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ﴾ وهَذا قَوْلُ المَلَإ مِن قُرَيْشٍ لِلضُّعَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللُّطْفِ في إيمانِهِمْ.

والثّانِي: ما ذَكَرَهُ مِن شُكْرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ يَعْنِي بِهِ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ وما كانَ مِن شَأْنِ عُمَرَ.

﴿ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ مِن نَفْسِهِ تَكْرِمَةً لَهم، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

وَفي السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمَعَ السَّلامَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ السَّلامُ هو اللَّهُ ومَعْناهُ ذُو السَّلامِ.

﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أوْجَبَ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ.

والثّانِي: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عَلى نَفْسِهِ.

وَ ﴿ الرَّحْمَةَ ﴾ يَحْتَمِلُ المُرادُ بِها هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: المَعُونَةُ.

والثّانِي: العَفْوُ.

﴿ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ﴾ في الجَهالَةِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الخَطِيئَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: ما جُهِلَ كَراهِيَةُ عاقِبَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: أنَّ الجَهالَةَ هُنا ارْتِكابُ الشُّبْهَةِ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ.

﴿ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ ﴾ يَعْنِي تابَ مِن عَمَلِهِ الماضِي وأصْلَحَ في المُسْتَقْبَلِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ يصدفون ﴾ قال: يعدلون.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يصدفون ﴾ قال: يعرضون عن الحق.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت سفيان بن الحارث وهو يقول: عجبت لحكم الله فينا وقد بدا ** له صدفنا عن كل حق منزل وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ يصدفون ﴾ قال: يعرضون.

وفي قوله: ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة ﴾ قال: فجأة آمنين ﴿ أو جهرة ﴾ قال: وهم ينظرون وفي قوله: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ قال: الضال والمهتدي.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كل فسق في القرآن فمعناه الكذب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ قال: الأعمى الكافر الذي عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه ﴿ والبصير ﴾ العبد المؤمن الذي أبصر بصراً نافعاً فوحد الله وحده، وعمل بطاعة ربه، وانتفع بما آتاه الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ﴾ قال ابن عباس والحسن: (ليلًا أو نهارًا) (١) (٢) قال أهل المعاني: (نقيض الجهرة الخفية، وهاهنا قوبل بالبغتة؛ لأن البغتة متضمنة معنى الخفية؛ لأنه يأتيهم من حيث لا يشعرون، فخفى (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الذين جعلوا لله شركاء) (٥) ﴿ هَلْ يُهْلَكُ ﴾ إلا أنتم ومن أشبهكم؛ لأنكم كفرتم وأنتم معاندون وقد علمتم أنكم ظالمون) (٦) (١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 41، والبغوي 3/ 145، عن ابن عباس والحسن، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 526، وابن عطية 5/ 203، والقرطبي 6/ 429، وأبو حيان في "البحر" 4/ 132، عن الحسن فقط، وذكره الخازن في "تفسيره" 2/ 134 عن ابن عباس فقط.

(٢) "تنوير المقباس" 2/ 20.

(٣) في (ش): (فيخفى).

(٤) انظر: "تفسير الرازي" 12/ 228.

(٥) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 145، و"تنوير المقباس" 2/ 20.

(٦) "معاني القرآن" 2/ 250.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ ﴾ الآية.

احتجاج على الكفار أيضاً ﴿ يَأْتِيكُمْ بِهِ ﴾ الضمير عائد على المأخوذ ﴿ يَصْدِفُونَ ﴾ أي يعرضون ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ﴾ الآية: وعيد وتهديد، والبغتة ما لم يتقدم لهم شعور به، والجهرة ما بدت لهم مخايلة، وقيل بغتة بالليل، وجهرة بالنهار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرأيتكم ﴾ وبابه بتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف ﴿ أريتكم ﴾ وبابه بغير همز: عليّ: الباقون: ﴿ أرأيتكم ﴾ بالتحقيق ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد وابن عامر ﴿ به انظر ﴾ بضم الهاء روى الأصفهاني عن ورش.

الوقوف: ﴿ أمثالكم ﴾ ط ﴿ يحشرون ﴾ ه ﴿ في الظلمات ﴾ ط ﴿ يضلله ﴾ ط لابتداء شرط آخر ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف تقديره إن كنتم صادقين فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يأتيكم به ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ إني ملك ﴾ ج للابتداء بالنفي مع اتحاد القائل والمقول ﴿ إلى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين أن إنزال سائر المعجزات لو كان مصلحة لهم لفعل ذلك، أكده بما يؤذن أن آثار فضله وإحسانه ولطفه وامتنانه واصلة إلى جميع الحيوانات، فلو كانت مصلحة المكلفين في إظهار تلك المعجزات القاهرة الملجئة لم يخل بذلك ألبتة، وفيه أيضاً مزيد تقرير لأمر البعث وأنه حاصل لجميع الحيوان فضلاً عن الإنسان.

فإن الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير.

وإنما خص من الدواب ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء أو في الماء، لأن رعاية مصالح الأدون تستلزم رعاية مصالح الأشرف، ويمكن أن يقال: إن الماء أيضاً من جملة الأرض لأنهما جميعاً ككرة واحدة.

قال علماء المعاني: إنما وصف الدابة بكونها في الأرض والطائر بجناحيه ليعلم أنهما باقيان على عمومهما إذ بينهما بخواص الجنسين، ولولا ذلك لاحتمل أن يقدّر فيهما صفة نحو ترتع أو تصيد فتخصصا، أو لأوهم أن المراد بهما غير الجنسين المتعارفين لقوله بعده ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ وقد يقول الرجل لعبده طِرْ في حاجتي والمراد الإسراع.

قال الحماسي: طاروا إليه زرافات ووحدانا *** وقيل: ذكر ﴿ يطير بجناحيه ﴾ ليخرج عنه الملائكة ذوو الأجنحة، فإن المراد ذكر من هو أدون حالاً.

وقيل: إن الوصف للتأكيد كقولهم: نعجة أنثى.

وكما يقال: مشيت إليه برجلي.

وإنما جمع الأمم مع أنه أفرد الدابة والطائر، لأن النكرة المستغرقة في معنى الجمع.

قال الفراء: كل صنف من البهائم أمة.

وفي الحديث "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" ثم ما وجه المماثلة بين البشر والدابة والطائر؟

نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال: يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني كقوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه  ﴾ وعن أبي الدرداء: أبهمت عقول البهائم إلا عن معرفة الإله وطلب الرزق.

ومعرفة الذكر والأنثى.

وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين.

وقيل: وجه المماثلة كونها جماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضاً ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض.

وضعف بأن هذا أمر معلوم مشاهد لا فائدة في الإخبار عنه.

وقيل: هو أنه دبرها وخلقها وتكفل برزقها وأحصى أحوالها وما يجري عليها من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.

دليله قوله عقيبه ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ .

وقيل: هو أنها تحشر يوم القيامة ويوصل إليها حقوقها وقد جاء في الحديث "يقتص للجماء من القرناء" ولكن قوله بعد ذلك ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ يصير كالمكرر.

وعن سفيان بن عيينة: ما في الأرض من آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم.

فمنهم من يقدم إقدام الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوّس كفعال الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام عن رجيعه لعب فيه، وكذلك نجد من الأدميين من يسمع خمسين كلمة من الحكمة لا يحفظ واحدة وإن أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلساً إلا زاد فيه.

واعلم يا أخي أنك تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الحذر والاحتراز.

وذهب أهل التناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله  موصوفة بالمعارف الحقة موسومة بالأخلاق الفاضلة فإنها بعد موتها تنتقل إلى أبدان الملوك، وربما قالوا إنها تصل إلى مخالطة عالم الملائكة.

وإن كانت شقية جاهلة فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت أكثر شقاء فإنها تنتقل إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعباً وعناء.

قالوا: وذلك لأن لفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية.

ثم زعموا أن الله  أرسل إلى كل جنس منها رسولاً من جنسها لقوله ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير  ﴾ واستشهدوا بقصة النمل وحديث الهدهد ونحو ذلك.

وفي تعداد مذاهب أرباب التناسخ طول والله  أعلم بحقيقة الحال.

﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ "من" مزيدة للاستغراق أي ما تركنا وما أغفلنا شيئاً قط.

وقيل: للتبعيض أي ما أهملنا فيه بعض شيء يحتاج المكلف إلى معرفته.

والكتاب اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال العالم على التفصيل.

وقيل: القرآن لأنه هو الذي تسبق إليه الأذهان فيما بين أهل الإيمان، وأورد عليه أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب والحساب ولا تفاصيل كثير من العلوم ولا حاصل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع.

وأجيب بأن لفظ التفريط لا يستعمل إلا فيما يجب أن يفعل، والمحتاج إليه إنما هو الأصول والقوانين لا الفروع التي لا تضبط ولا تتناهى.

وما من علم إلا وفي القرآن أصله ومنه شرفه وفضله كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين  ﴾ للطب.

وقوله ﴿ وهو أسرع الحاسبين  ﴾ للحساب.

وكقوله ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين  ﴾ للأخلاق.

وأما تفاصيل علم الفروع فذكر العلماء أن السنة والإجماع والقياس كلها مستندة إلى الكتاب كقوله ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  ﴾ وكقوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وكقوله: ﴿ فاعتبروا  ﴾ وقيل: إن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، لأن الأصل براءة الذمة عن التكاليف كلها وشغل الذمة لا بد فيه من دليل منفصل، وكل حكم لم يكن مذكوراً في القرآن بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام لم يكن ذلك تكليفاً أو يكون باقياً على أصل الإباحة والله  أعلم.

أما قوله ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ فللعقلاء فيه قولان: الأوّل قول الأشاعرة إنه  يحشر الدواب والطيور لا لأن إيصال العوض إليهن واجب بل مجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية.

الثاني قول المعتزلة لن يحشر الطيور والبهائم إلا لإيصال الأعواض إليها، لأن إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض.

وفرع القاضي على ذلك فقال: كل حيوان استحق العوض على الله  بما لحقه من الآلام وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا فإنه يجب على الله  حشره في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض، والذي لا يكون كذلك لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلاً إلا أن السمع ورد بحشر الكل فيقطع بذلك.

فرع آخر: كل حيوان أذن الله  في ذبحه فالعوض له على الله تعالى، وكذا الذي أذن في قتله في كونه مؤذياً أو ألمه بمرض أو سخره للإنسان لأجل حمل الاثقال، وأما إذا ظلمها الناس فالعوض على الظالم، وكذا إذا ظلم بعضها بعضاً، ولو ذبح المأكول لغير مأكله.

فالعوض على الذابح ولهذا ورد النهى عن ذبح الحيوان لغير مأكله والمراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل إلى تحصيل تلك المنافع إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح لرضيت به.

فرع آخر: مذهب القاضي وأكثر المعتزلة أن العوض منقطع وبعد ذلك تصير تراباً وحينئذ ﴿ يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً  ﴾ وقال أبو القاسم البلخي: يجب دوام العوض لأنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الألم، وذلك الألم يوجب عوضاً آخر وهلم جراً إلى ما لا نهاية له.

وأجيب بالمنع من أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا بالإيلام.

فرع آخر: البهيمة إذا استحقت عوضاً على بهيمة أخرى: فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضاً على الله  فإنه  يوصل ذلك العوض إلى المظلوم وإلا فإنه تعالى يتكفل بذلك العوض، وهذا القدر يكفي في أحكام الأعواض بحسب المقام وهو  أعلم.

ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما ينادي على عظمته ويشهد لربوبيته وينبهعلى رحمته الكاملة وعنايته الشاملة قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم ﴾ لا يسمعون كلام الله البتة ﴿ وبكم ﴾ لا ينطقون بالحق خابطون ﴿ في الظلمات ﴾ ظلمة الكفر وظلمة الشكوك وظلمة الحيرة والضلالة.

ثم بين أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان كلها بمشيئته وإرادته وتسخيره وتدبيره فقال ﴿ من يشأ الله يضلله ومن يِشأ يجعله على صراط مستقيم ﴾ والجبائي أوّل الآية بأن المراد أنهم كذلك في الآخرة كقوله ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً  ﴾ وأنهم شبهوا بمن حاله كذا، أو هو محمول على الشتم والإهانة، وأما قوله ﴿ من يشأ الله يضلله ﴾ أي عن طريق الجنة ولا يشاء الإضلال إلا لمن يستحق عقوبته كما أنه لا يشاء الهدي إلا للمؤمنين.

أو المراد بالإضلال منع الألطاف لأنهم ليسوا من أهلها وبالهداية منحها لأنهم من أهلها.

ثم بين غاية جهالة الكفار وأنهم مع جحودهم يفزعون إلى الله في البليات فقال ﴿ قل أرأيتكم ﴾ هو منقول من رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه قيل: أبصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني عنها فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة بشيء.

فهذا من باب إيقاع السبب على المسبب لأن الإخبار إنما يكون بعد المشاهدة أو العرفان.

أما إعرابه فالتاء ضمير الفاعل، والكاف للخطاب.

فالتاء يكون بلفظ واحد في التثنية والجمع والتأنيث.

وتختلف هذه المعاني على الكاف نحو: أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن.

والتاء في جميع ذلك مفتوحة والكاف حرف خطاب وليست اسماً وإلا لكانت إما مجرورة ولا جار، وإما مرفوعة وليست الكاف من ضمائر المرفوع ولا رافع أيضاً لأن التاء فاعل ولا يكون لفعل فاعلان، وإما منصوبة وهو باطل من وجوه: أحدها أن هذا الفعل قد يتعدى إلى مفعولين نحو أرأيتك زيداً ما شأنه.

فلو جعلت الكاف مفعولاً لكان ثالثاً.

وثانيها لو كان مفعولاً لكان هو الثاني في المعنى وليس المعنى على ذلك إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك ولذلك قلت: أرأيتك زيداً، وزيد غير المخاطب ولا هو بدل منه.

وثالثها لو كان منصوباً على أنه مفعول لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء نحو: أرأيتماكما وأرأيتموكم وأرأيتموكن.

وقد ذهب الفراء إلى أنه اسم مضمر منصوب في معنى المرفوع ويجوز تصريف التاء.

فأما مفعولا أرأيت في الآية فقيل: هما محذوفان تقديره أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم عند مجيء الساعة؟

ودل عليه قوله ﴿ أغير الله تدعون ﴾ وقيل: لا يحتاج ههنا إلى المفعول لأن الشرط وجوابه قد حصلا معنى المفعول وأما جواب الشرط فما دل عليه الاستفهام في قوله ﴿ أغير الله ﴾ تقديره أرأيتكم الساعة دعوتم الله وحاصل الآية قل يا محمد لهؤلاء الكفار أرأيتكم إن أتاكم العذاب في الدنيا أو عند قيام الساعة، أتخصون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها ﴿ بل إياه تدعون ﴾ بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة فيكشف ما تدعونه إلى كشفه إن شاء لأن قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين.

وعلى هذا يكون قوله ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ باقياً على إطلاقه لكن في الدنيا، ولو علقت المشيئة بكشف العذاب في الدنيا كان قوله ﴿ ادعوني أستجب  ﴾ أيضاً مقيداً بالمشيئة ﴿ وتنسون ما تشركون ﴾ قال ابن عباس: تتركون الأصنام ولا تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع، ويجوز أن يراد لا تذكرون الأصنام في ذلك الوقت لأن أذهانكم مغمورة بذكر الله وحده، والمقصود من الآية تبكيت الكفار كأنه قيل: إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله  لا إلى الأصنام فلم تقدمون عبادتها؟

وفيه أن مبنى الدين على الحجة والدليل لا على محض التقليد.

ثم سلى النبي  بأن أعلمه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا وأصروا على كفرهم خلاف الأقوام المذكورين الذين يفزعون إلى الله في الشدائد.

ويحتمل أن يقال: إن حكم الطائفتين واحد لأن التضرع واللجأ إلى الله إزالة البلية لا على سبيل الإخلاص غير معتبر.

وفي الآية محذوف تقديره: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً ﴾ فخالفوهم ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ وحسن الحذف لكونه مفهوماً.

والبأساء والضراء البؤس والضر.

أو البأساء القحط والجوع، والضراء الأمراض والأوجاع والرزايا ﴿ لعلهم يتضرعون ﴾ يتذللون ويتخشعون وأصله الانقياد وترك التمرد.

ضرع الرجل ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف.

احتج الجبائي بالآية على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم وسلط هذه البأساء والضراء عليهم إرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا، فهو يريد الإيمان والطاعة من الكل.

وأجيب بأن الترجي في حقه  محال فإنهم يحملونه على الإرادة، ونحن نحمله على أنه  يعاملهم معاملة المترجي.

فالترجيح على أن الفسق وتزيين الشيطان وكل ما يفرضونه لا بد أن ينتهي إلى خلق الله وتكوينه.

أما قوله ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ فمعناه نفي التضرع كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا.

ولكنه جاء بلولا التحضيضية ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا العناد والقسوة والإعجاب، ثم بين أنه لما لم ينجع فيهم المواعظ والزواجر نقلهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء ففتح أبواب الخيرات عليهم وسهل موجبات المسرات لديهم كما يفعله الأب المشفق لولده، يخاشنه تارة ويلاينه أخرى.

ومعنى ﴿ كل شيء ﴾ أي كل شيء كان مغلقاً عنهم من الخير ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ أي ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ولم يزيدوا إلا بطراً وترفهاً ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة.

وقال  "إذا رأيت الله يعطي العاصي فإن ذلك استدراج من الله  " .

قال العلماء: وإنما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون أشد لتحسرهم على ما فات من السلامة والعطاء ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ آيسون من كل خير.

وقال الفراء: المبلس الذي انقطع رجاؤه.

ويقال للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس.

وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين.

"وإذا" ههنا للمفاجأة وهي ظرف مكان "وهم" مبتدأ و ﴿ مبلسون ﴾ خبره وهو العامل في "إذا" ﴿ فقطع دابر القوم ﴾ الدابر للشيء من خلفه كالولد للوالد.

دبر فلان القوم يدبرهم دبوراً ودبراً إذا كان أخرهم.

أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم.

الاصمعي: منهم أحداً واستأصلهم لأن ذلك جارٍ مجرى النعمة على أولئك الرسل، أو على أولئك الهالكين كيلا يزيدوا كفراً وعناداً فيزدادوا عذاباً وعقاباً، أو حمد على ما أنعم عليهم قبل ذلك وهو أن كلفهم وأزال عنهم الأعذار والعلل وبعث الأنبياء والرسل وأخذهم بالبأساء.

والضراء ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء إلا أنهم لم يزدادوا إلا انهماكاً في الغي والضلال فطهر وجه الأرض من شركهم.

وفيه إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك كل ظالم فإن ذلك من جملة آلاء الله  ، ثم عاد إلى الدلالة على وجود الصانع الحكيم المختار وبيان وحدته  فقال ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله ﴾ وتقرير ذلك أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر والقلب كما عدّدنا منافعها في أوائل الكتاب، ولا ريب أن القادر على تحصيل قواها فيه وصرفها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله وحده، ومعنى أخذ السمع والبصر تعطيل منافعهما، ومعنى الختم على القلب إزالة العقل حتى يصير كالمجانين.

قال ابن عباس: إنه الطبع أو الإماتة حتى لا يعقل الهدى والصلاح ﴿ يأتيكم به ﴾ أي بذلك الذي أخذ من السمع والبصر والقلب، فوضع الضمير موضع اسم الإشارة بناء على أن الضمير المذكور بحكم الاستعمال يلزم أن يكون لذي عقل ولو فرضاً.

والأحسن أن يقال: إنه ذكر أشياء متعددة فوجب أن يعود الضمير إلى جميعها مؤنثاً إذ لا ترجيح، وحيث لم يكن الضمير مؤنثاً علم أنه أراد المذكور مطلقاً فتعين أم يشار إليه بذلك.

ثم إنه أقام الضمير المذكور مقامه أو يعود إلى ما أخذ وختم عليه وصح من غير التكلف المذكور بحكم التغليب ﴿ انظر ﴾ يا محمداً وكل من له أهلية النظر ﴿ كيف نصرف الآيات ﴾ نوردها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوّي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب.

ومعنى "ثم" التفاوت بين الحالين و ﴿ يصدفون ﴾ أي يعرضون.

ويقال: امرأة صدوف للتي تعرض وجهها عليك ثم تصدف أي تعرض.

والصدف ميل في الحافر إلى الشق الوحشي.

وصدف الدرة غشاؤها لميل فيه، قال الكعبي: لو خلق الله فيهم الإعراض والصد لم ينكر ذلك عليهم.

وقالت الأشاعرة: لولا منع الله  لنجع فيهم الدلائل القاطعة للأعذار.

ثم عمم الدليل بقوله ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم ﴾ والمعنى أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحان فوجب أن لا يكون معبوداً إلا هو.

ثم العذاب المفروض إما أن يجيء من غير سبق أمارة تدل على ذلك وهو البغتة وأكثر ما يكون ذلك بالليل، أو مع سبق أمارة وهو الجهرة وأكثره بالنهار ولهذا قال الحسن: معناه ليلاً أو نهاراً.

أما قوله ﴿ هل يهلك إلا القوم الظالمون ﴾ أي لا يهلك مع قوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ فمعناه أن الهلاك بالحقيقة وهو هلاك التعذيب والسخط مختص بالظالمين الأشرار لأن الأخيار وإن عمهم العذاب إلا أنهم يستفيدون بذلك ثواباً جزيلاً، فهو لهم بلاء في الظاهر وآلاء في الحقيقة خلاف الظلمة فإنهم يخسرون الدنيا والآخرة ومثله قوله  "إن أمر المؤمن خير كله إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له" واعلم أنه ذكر ههنا ﴿ أرأيتكم ﴾ مرتين فزاد خطاباً واحداً، لأن عذاب الاستئصال ما عليه من مزيد فناسب زيادة الخطاب لأجل التأكيد، وفيما بينهما قال ﴿ أرأيتم ﴾ حيث لم يكن كذلك، وكذلك في يونس، ثم ذكر أن الأنبياء والرسل بعثوا للتبشير والإنذار فقط ولا قدرة لهم على إظهار الآيات.

وإنزال المعجزات التي اقترحوها في قوله ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ وأن ذلك مفوّض إلى مشيئة الله وحكمته فقال ﴿ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ﴾ بالثواب على الطاعات ﴿ ومنذرين ﴾ بالعقاب على المعاصي.

فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو من أفعال القلب والعمل الصالح الذي هو من أفعال البدن ﴿ فلا خوف عليهم والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ﴾ ومعنى المس التقاء الشيئين من غير فصل.

قال في الكشاف: جعل العذاب ماساً كأنه حي يفعل بهم ما يرد من الآلام وفيه نظر، لأن المس ليس من خواص الأحياء، نعم إنه من خواص الأجسام، فلو ادعيت المبالغة من هذا الوجه لم يكن بعيداً.

قال القاضي: إنه علل عذاب الكافرين بكونهم فاسقين فيكون كل فاسق كافراً.

وأقول: هذا من باب إيهام العكس ولا يلزم العكس، فإن كل كافر فاسق ولا يلزم العكس.

ثم أمر نبيه  أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة فقال ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ وهي جمع خزانة للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ قال في الكشاف: محله النصل عطفاً على محل قوله ﴿ عندي خزائن الله ﴾ لأنه من جملة المقول أي لا أقول لكم ذاك ولا هذا.

قلت: ويحتمل أن يكون عطفاً على ﴿ لا أقول ﴾ أي قل لا أعلم الغيب فيكون فيه دلالة على أن الغيب بالاستقلال لا يعلمه إلا الله بخلاف كون خزائن الله عنده وكونه ملكاً فإن النبي  يحتمل أن يكون له هذه المقامات ولكن لا يظهرها.

واختلف المفسرون في فائدة نفي هذه الأمور فقيل: المراد إظهار التواضع والخضوع لله  والاعتراف بعبوديته حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح  .

وقيل: المقصود إبداء العجز والضعف وأنه لا يستقل بإيجاد المعجزات التي كانوا يقترحونها كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى قوله ﴿ هل كنت إلا بشراً رسولاً  ﴾ وقيل: أي لا أدّعي سوى النبوّة والرسالة ولا أدّعي الإلهية ولا الملكية وإنما زيد ههنا ﴿ لكم ﴾ بخلاف سورة هود حيث قال ﴿ ولا أقول إني ملك  ﴾ لأنه تقدم ذكر لكم في قوله ﴿ إني لكم نذير  ﴾ فاكتفى بذلك.

قال الجبائي: في الآية دلالة على أن الملك أفضل إذ المراد لا أدّعي فوق منزلتي.

قال القاضي: إن كان الغرض التواضع فالأقرب أن ذلك يدل على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة لم يدل على أفضلية الملائكة.

﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ قيل: هذا النص يدل على أنه  لم يحكم من تلقاء نفسه بالاجتهاد في شيء من الأحكام، ولا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي النازل عليه لقوله  ﴿ فاتبعوه  ﴾ فلا يجوز العمل بالقياس، وأكد هذا الحكم بقوله ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ وذلك أن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى الوحي يقوم عمل البصير.

ثم قال ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ تنبيهاً على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين.

وأجيب بأن أصل الاجتهاد والقياس إذا كان بالوحي لم يلزم الضلالة، والآية مثل للضال والمهتدي أو لمن ادعى المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية والملكية ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ فلا تكونوا ضالين كالعميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت سوى ما يليق بالبشر والله  أعلم وأحكم.

التأويل: ﴿ وما من دابة ﴾ تدب في أرض البشرية وتتحرك من الحواس والجوارح والنفس وصفاتها ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ في السؤال عن أقوالهم وأحوالهم كقوله ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا  ﴾ ﴿ ما فرطنا ﴾ ما تركنا في القرآن من شيء يحتاج إليه الإنسان ظاهره وباطنه، ذاته وصفاته في السير إلى الله من الأوامر والنواهي والندب والآداب.

﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ ههنا بالسير وجذبات العناية، أو هناك بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار في نار القطيعة على وجوههم لأن من شأنهم التكذيب كما قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بدلائلنا الموصلة إلينا ﴿ صم ﴾ آذان قلوبهم عن استماع الحق ﴿ بكم ﴾ ألسنة أحوالهم عن إجابة دعوة الحق في ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة ﴿ بل إياه تدعون ﴾ لأن رجوعه إلى ربه مركوز في روحانيته.

﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم ﴾ أي أرسلنا إليهم نعمة الصحة والكفاف والأمن فشغلوا بها عنا، فأرسلنا إليهم بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ندعوهم بها إلينا فلم يهتدوا ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ التي هي موجبة للإلجاء.

﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ وعلموا أن حقائق ألطافنا مدرجة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في أصداف شدائد بأسنا، فاستقبلوها بصدق الإلتجاء وحسن التضرع في الدعاء.

﴿ فلما نسوا ﴾ بسبب القساوة ﴿ ما ذكروا به ﴾ من معارضة البأساء والضراء فإنها تذكر أيام الرخاء وتعرّف قدر الصحة والنعماء وتؤدي إلى رؤية المنعم ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهر بالنعم الظاهرة من الماء والجاه والقبول وأمثالها، ولأرباب الباطن بالنعم الباطنة من فتوحات الغيب وأشباهها ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ وظنوا أنهم قد استغنوا عن صحبة الشيخ وتعليم تصرفاته فشرعوا في الطلب على وفق هواهم ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ بفقد الأحوال والاشتغال بالقال ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ متحيرون في تيه الغرور.

والحمد لله على إظهار اللطف لأربابه والقهر لأصحابه ليعلم أن الكل بقدر كما قال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية إلا القوم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بصرف استعداد عبودية المولى في عبادة الهوى.

فأما من ابتلي بعذاب الله من الآفات والمخافات والأمراض ونحوها ابتلاء فتاب ورجع فهو غيرها لك على الحقيقة ﴿ قل لا أقول لكم ﴾ لم يقل ليس ﴿ عندي خزائن الله ﴾ ليعلم أن خزائن الله وهي العلم بحقائق الأشياء وماهياتها عنده بإراءة ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ وباستجابة دعائه في قوله "أرنا الأشياء كما هي" ولكنه يكلم الناس على قدر عقولهم.

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ أي لا أقول لكم هذا مع أنه كان يخبرهم عما مضى وعما سيكون بإعلام الحق، وقد قال  في قصة ليلة المعراج "نظرت خلفي نظرة علمت ما كان وما سيكون" ﴿ ولا أقول لكم إني ملك ﴾ وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل: تقدم فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ ﴾ أن أخبرهم وقل معهم ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير فكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه وأنا به بصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ﴾ .

اختلف فيه؛ قال بعضهم: يراد بأخذ السمع والبصر والختم على القلوب: أخذ منافع هذه الأشياء، أي: إن أخذ منافع سمعكم، ومنافع بصركم، ومنافع عقولكم، من إله غير الله يأتيكم به: [أي يأتيكم] بمنافع سمعكم، [ومنافع] بصركم، [ومنافع] عقولكم، فإذا كانت الأصنام والأوثان التي تعبدون من دون الله وتشركون في ألوهيته وربوبيته لا يملكون ردّ تلك المنافع التي أخذ الله عنكم، فكيف تعبدونها وتشركونها في ألوهيته؟!

وقيل: يراد بأخذ السمع والبصر وما ذكر: أخذ أعينها وأنفسها، أي: لو أخذ الله سمعكم وبصركم وعقولكم، لا يملك ما تعبدون رد هذه الأشياء إلى ما [كانوا عليه]: لا يملكون رد السمع إلى ما كان، ولا رد البصر والعقل الذي كان إلى ما كان، فكيف تعبدون دونه وتشركون في ألوهيته؟!

يُسفِّهُ أحلامهم لما يعلمون أن ما يعبدون ويجعلون لهم الألوهية لا يملكون نفعاً ولا ضرّاً ، فمع ما يعرفون ذلك منهم يجعلونهم آلهة معه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ .

أي: نبين لهم الآيات في خطئهم في عبادة هؤلاء، وإشراكهم في ألوهيته.

﴿ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾ .

أي: يعرضون عن تلك الآيات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ .

معناه - والله أعلم -: أنهم يعلمون أن العذاب لا يأتي ولا يأخذ إلا الظالم، ثم [مع علمهم] أنهم ظلمة؛ لعبادتهم غير الله، مع علمهم أنهم لا يملكون نفعاً ولا ضرّاً يسألون العذاب كقوله: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ : أخبر أنه لم يرسل الرسل إلا مع بشارة لأهل الطاعة، ونذارة لأهل معصيته، وفيه أن الرسل ليس إليهم الأمر والنهي، إنما إليهم إبلاغ الأمر والنهي.

ثم بين البشارة فقال: ﴿ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : لما ليس لذلك فوت ولا زوال، ليس نعيمها كثواب الدنيا [و] أنه على شرف الفوت والزوال.

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : لأنه سرور لا يشوبه حزن، ليس كسرور الدنيا يكون مشوباً بالحزن والخوف.

﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ : هذه هي النذارة.

وقوله - عز جل -: ﴿ يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ .

ذكر المس - والله أعلم - لما لا يفارقهم العذاب، ولا يزول عنهم.

والفسق في هذا الموضع: الكفر، والشرك، وما ذكر من الظلم هو ظلم شرك وكفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ .

لم يحتمل ما قال ابن عباس -  - حيث قال: إنهم قالوا لرسول الله  لم ينزل الله عليك كنزاً تستغني به؛ فإنك محتاج، ولا جعل لك جنة تأكل منها فتشبع من الطعام؛ فإنك تجوع، فنزل عند ذلك هذا، لا يحتمل أن يقولوا له ذلك، فيقول لهم: إني لا أقول لكم إني ملك، وليس عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب، فإن كان من السؤال شيء من ذلك، فإنما يكون على سؤال سألوا لأنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً  ﴾ ، ونحو ذلك من الأسئلة التي سألوا لأنفسهم، فنزل عند ذلك ما ذكر، فهذا لعمري يحتمل، فيقول لهم: [إنه] ليس عندي خزائن الله فأجعل لكم هذا، ولا أعلم الغيب، ولا أقول لكم: إني ملك، إن أتبع إلا ما يوحى إلي.

والثاني: جائز أن يكون النبي -  - أوعدهم بالعذاب وخوفهم، فسألوا العذاب استهزاء وتكذيباً، فقالوا: متى يكون؟!

كقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ ومفاتيحه، أُنْزِلُ عليكم العذاب متى شئت، ﴿ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ متى وقت نزول العذاب عليكم، ﴿ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ نزلت من السماء بالعذاب، إنما أنا [رسول] بشر مثلكم، ما أتبع إلا ما يوحى إليّ، هذا محتمل جائز أن يكون على أثر ذلك نزل.

ويحتمل وجهاً آخر وهو: أنه يخبر ابتداء، أي: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ ؛ لأني لو قلت: عندي خزائن الله، وأنا أعلم الغيب، وإني ملك - كان ذلك أشد اتباعاً [لي] وأرغب وأكثر لطاعتي، لكن أقول: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ما أتبع إلا ما يوحى إليّ؛ لتعلموا أني صادق [في قولي] ومحق فيما أدعوكم إليه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل لهم -أيها الرسول-: أخبروني إن جاءكم عذاب الله فجأة من غير شعور منكم به، أو جاءكم ظاهرًا عيانًا، فإنه لا يُؤخَذ بذلك العذاب إلا الظالمون بكفرهم بالله وتكذيب رسله.

<div class="verse-tafsir" id="91.DB2O0"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل