الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٦ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 87 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى واعظا ومحذرا لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة ، وأكثر جمعا ، وأكثر أموالا وأولادا واستغلالا للأرض وعمارة لها ، فقال ( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ) أي : من الأموال والأولاد والأعمار ، والجاه العريض ، والسعة والجنود ( وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ) أي : شيئا بعد شيء ( وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ) أي : أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض ، أي : استدراجا وإملاء لهم ( فأهلكناهم بذنوبهم ) أي : بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها ( وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) أي : فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث ( وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) أي : جيلا آخر لنختبرهم ، فعملوا مثل أعمالهم فهلكوا كهلاكهم .
فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم [ مثل ] ما أصابهم ، فما أنتم بأعز على الله منهم ، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم ، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم ، لولا لطفه وإحسانه .
القول في تأويل قوله : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ألم يرَ هؤلاء المكذبون بآياتي، الجاحدون نبوّتك, كثرةَ من أهلكت من قبلهم من القُرون = وهم الأمم = الذين وطَّأت لهم البلادَ والأرض توطئة لم أوطِّئها لهم, (20) وأعطيتهم فيها ما لم أعطهم؟
كما:- 13072 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " ، يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم .
* * * قال أبو جعفر: أمطرت فأخرجت لهم الأشجارُ ثمارها, وأعطتهم الأرض رَيْع نَباتها, وجابوا صخورَ جبالها, ودرَّت عليهم السماء بأمطارها, وتفجرت من تحتهم عيون المياه بينابيعها بإذني, فغمَطُوا نعمة ربهم، وعصوا رسولَ خالقهم، وخالفوا أمرَ بارئهم, وبغَوْا حتى حقَّ عليهم قَوْلي, فأخذتهم بما اجترحوا من ذنوبهم، وعاقبتهم بما اكتسبت أيديهم, وأهلكت بعضهم بالرَّجفة، وبعضهم بالصيحة، وغير ذلك من أنواع العذاب .
* * * ومعنى قوله: " وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا " ، المطرَ.
ويعني بقوله: " مدرارًا "، غزيرة دائمةً =" وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " ، يقول: وأحدثنا من بعد الذين أهلكناهم قرنًا آخرين، فابتدأنَا سِواهم .
* * * فإن قال قائل: فما وجهُ قوله: " مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " ؟
ومن المخاطب بذلك؟
فقد ابتدأ الخبر في أول الآية عن قوم غَيَبٍ بقوله: " ألم يروا كم أهلكنا من قَبَلهم من قرن " ؟
قيل: إن المخاطب بقوله: " ما لم نمكن لكم " ، هو المخبر عنهم بقوله: " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن " ، ولكن في الخبر معنى القول = ومعناه: قُلْ، يا محمد، لهؤلاء القوم الذين كذبوا بالحقِّ لما جاءهم: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قَرْن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم.
والعرب إذا أخبرت خبرًا عن غائبٍ ، وأدخلت فيه " قولا "، فعلت ذلك، فوجهت الخبرَ أحيانًا إلى الخبر عن الغائب, وأحيانًا إلى الخطاب, فتقول: " قلت لعبد الله: ما أكرمه ", و " قلت لعبد الله: ما أكرمك ", وتخبر عنه أحيانًا على وجه الخبر عن الغائب، ثم تعود إلى الخطاب.
وتخبر على وجه الخطاب له، ثم تعود إلى الخبر عن الغائب.
وذلك في كلامها وأشعارها كثيرٌ فاشٍ.
وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .
(21) * * * وقد كان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك: كأنه أخبرَ النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خاطبه معهم.
وقال: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [سورة يونس: 22] ، فجاء بلفظ الغائب، وهو يخاطب, لأنه المخاطَب .
--------------------- الهوامش : (20) في المطبوعة: "وطأة لم أوطئها" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(21) انظر ما سلف 1: 153 - 154/ 2 : 293 ، 294 ، 357 ، 388/ 3 : 170/ 6 : 564.
قوله تعالى : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرينقوله تعالى : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن كم في موضع نصب بأهلكنا لا بقوله ألم يروا لأن لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، وإنما يعمل فيه ما بعده ، من [ ص: 303 ] أجل أن له صدر الكلام .
والمعنى : ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم ، أي ألم يعرفوا ذلك ، والقرن الأمة من الناس .
والجمع القرون ; قال الشاعر :إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم وخلفت في قرن فأنت غريبفالقرن كله عالم في عصره مأخوذ من الاقتران ، أي : عالم مقترن به بعضهم إلى بعض ; وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير الناس قرني - يعني أصحابي - ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم هذا أصح ما قيل فيه .
وقيل : المعنى من أهل قرن فحذف كقوله : واسأل القرية .
فالقرن على هذا مدة من الزمان ; قيل : ستون عاما وقيل سبعون ، وقيل : ثمانون ; وقيل : مائة ; وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة سنة ; واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بسر : تعيش قرنا فعاش مائة سنة ; ذكره النحاس .
وأصل القرن الشيء الطالع كقرن ما له قرن من الحيوان .
مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم خروج من الغيبة إلى الخطاب ; عكسه حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة .
وقال أهل البصرة أخبر عنهم بقوله ألم يروا وفيهم محمد عليه السلام وأصحابه ; ثم خاطبهم معهم ; والعرب تقول : قلت لعبد الله ما أكرمه : وقلت لعبد الله ما أكرمك ; ولو جاء على ما تقدم من الغيبة لقال : ما لم نمكن لهم .
ويجوز مكنه ومكن له ; فجاء باللغتين جميعا ; أي : أعطيناهم ما لم نعطكم من الدنيا .
وأرسلنا السماء عليهم مدرارا يريد المطر الكثير ; عبر عنه بالسماء لأنه من السماء ينزل ; ومنه قول الشاعر : ( وهو معاوية بن مالك )إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابامدرارا بناء دال على التكثير ; كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور ; ومئناث للمرأة التي تلد الإناث ; يقال : در اللبن يدر إذا أقبل على الحالب بكثرة .
وانتصب مدرارا على الحال .
وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم أي : من تحت أشجارهم ومنازلهم ; ومنه قول فرعون : وهذه الأنهار تجري من تحتي والمعنى : وسعنا عليهم النعم فكفروها .
[ ص: 304 ] فأهلكناهم بذنوبهم أي : بكفرهم فالذنوب سبب الانتقام وزوال النعم .
وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين أي : أوجدنا ; فليحذر هؤلاء من الإهلاك أيضا .
ثم أمرهم أن يعتبروا بالأمم السالفة فقال: { أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ } أي: كم تتابع إهلاكنا للأمم المكذبين، وأمهلناهم قبل ذلك الإهلاك، بأن { مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ } لهؤلاء من الأموال والبنين والرفاهية.
{ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ } فينبت لهم بذلك ما شاء الله، من زروع وثمار، يتمتعون بها، ويتناولون منها ما يشتهون، فلم يشكروا الله على نعمه، بل أقبلوا على الشهوات، وألهتهم أنواع اللذات، فجاءتهم رسلهم بالبينات، فلم يصدقوها، بل ردوها وكذبوها فأهلكهم الله بذنوبهم وأنشأ { مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ } فهذه سنة الله ودأبه، في الأمم السابقين واللاحقين، فاعتبروا بمن قص الله عليكم نبأهم.
قوله عز وجل : ( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ) يعني : الأمم الماضية ، والقرن : الجماعة من الناس ، وجمعه قرون ، وقيل : القرن مدة من الزمان ، يقال ثمانون سنة ، وقيل : ستون سنة ، وقيل : أربعون سنة ، وقيل : ثلاثون سنة ، ويقال : مائة سنة ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بسر المازني : " إنك تعيش قرنا " ، فعاش مائة سنة فيكون معناه على هذه الأقاويل من أهل قرن ، ( مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ) أي : أعطيناهم ما لم نعطكم ، وقال ابن عباس : أمهلناهم في العمر مثل قوم نوح وعاد وثمود ، يقال : مكنته ومكنت له ، ( وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ) يعني : المطر ، مفعال ، من الدر ، قال ابن عباس : مدرارا أي : متتابعا في أوقات الحاجات ، وقوله : " ما لم نمكن لكم " من خطاب التلوين ، رجع من الخبر من قوله : " ألم يروا " إلى خطاب ، كقوله : ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) [ يونس ، 22 ] .
وقال أهل البصرة : أخبر عنهم بقوله " ألم يروا " وفيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ثم خاطبهم معهم ، والعرب تقول : قلت لعبد الله : ما أكرمه ، وقلت لعبد الله : ما أكرمك ، ( وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا ) خلقنا وابتدأنا ، ( من بعدهم قرنا آخرين )
«ألم يروا» في أسفارهم إلى الشام وغيرها «كم» خبرية بمعنى كثيرا «أهلكنا من قبلهم من قرن» أمة من الأمم الماضية «مكَّناهم» أعطيناهم مكانا «في الأرض» بالقوة والسعة «ما لم نمكن» نعط «لكم» فيه التفات عن الغيبة «وأرسلنا السماء» المطر «عليهم مدرارا» متتابعا «وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم» تحت مساكنهم «فأهلكناهم بذنوبهم» بتكذيبهم الأنبياء «وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين».
ألم يعلم هؤلاء الذين يجحدون وحدانية الله تعالى واستحقاقه وحده العبادة، ويكذبون رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم ما حلَّ بالأمم المكذبة قبلهم من هلاك وتدمير، وقد مكنَّاهم في الأرض ما لم نمكن لكم أيها الكافرون، وأنعمنا عليهم بإنزال الأمطار وجريان الأنهار من تحت مساكنهم؛ استدراجًا وإملاءً لهم، فكفروا بنعم الله وكذبوا الرسل، فأهلكناهم بسبب ذنونهم، وأنشأنا من بعدهم أممًا أخرى خلفوهم في عمارة الأرض؟
{ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ } .قال القرطبى : " القرن الأمة من الناس والجمع القرون .
قال الشاعر :إذا ذهب القرن الذى كنت فيهم ...
وخلفت فى قرن فأنت غريبفالقرن كل عالم فى عصره ، مأخوذ من الاقتران ، أى عالم مقترن بعضهم إلى بعض ، وفى الحديث الشريف : " خير الناس قرنى - يعنى أصحابى - ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " فالقرن على هذا مدة من الزمان ، قيل : ستون عاما ، وقيل : سبعون ، وقيل ، ثمانون ، وقيل مائة - وعليه أكثر أصحاب الحديث - أن القرن مائة سنة ، واحتجوا بأن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله ابن بشر : " تعيش قرنا " فعاش مائة .والاستفهام الذى صدرت به الآية الكريمة لتوبيخ الكفار وتبكيتهم ، وإنكار ما وقع منهم من إعراض واستهزاءن وهو داخل على فعل محذوف دل عليه سابق الكلام ولاحقه .والتقدير : أعموا عن الحق وأعرضوا عن دلالئله ، ولم يروا بتدبر وتفكر كم أهلكنا من قبلهم من أقوام كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا .وجملة { أَهْلَكْنَا } سدت فسد مفعول رأى إن كانت بصرية ، وسدت مسد مفعوليها إن كانت علمية ، و { كَمْ } مفعول مقدم لأهلكنا ، و { مِن قَبْلِهِم } على حذف المضاف ، أى : من قبل زمنهم ووجودهم .قال صاحب المنار : وكان الظاهر أن يقال : مكناهم فى الأرض - أى القرون - ما لم نمكنهم ، أى الكفار المحكى عنهم المستفهم عن حالهم ، فعدل عن ذلك بالالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، لما فى إيراد الفعلين بضميرى الغيبة من إيهام اتحاد مرجعهما ، وكون المثبت عين المفنى ، فقيل ما لم نمكن لكم .و { مَا } في قوله { مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ } يحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذى ، وهى حينئذ صفة لمصدر محذوف .
والتقدير : مكناهم فى الأرض التمكين الذى لم نمكن لكم ، والعائد محذوف : أى الذى لم نمكنه لكم .
ويحتمل أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها والعائد محذوف .أى : مكناهم فى الأرض شيئاً لم نمكنه لكم .وفى تعدية الأول وهو { مَّكَّنَّاهُمْ } بنفسه والثانى هو { نُمَكِّن لَّكُمْ } باللام إشارة إلى أن السابقين قد مكنوا بالفعل من وسائل العيش الرغيد ما لم يتيسر مثله لهؤلاء المنكرين لدعوة الإسلام ، وهذا أعظم فى باب القدرة على إهلاك هؤلاء الذين هم أعجز من سابقيهم .هذا ، وقد وصف الله أولئك المهلكين بسبب اجتراحهم للسيئات بصفات ثلاث لم تتوفر للمشركين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم .وصفهم - أولا - بأنهم كانوا أوسع سلطانا ، وأكثر عمرانا ، وأعظم استقراراً ، كما يفيده قوله تعالى { مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ } .قال صاحب الكشاف : " والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا قوم عاد وثمود وغيرهم من البسطة فى الأجسام ، والسعة فى الأموال ، والاستظهار بأسباب الدنيا " .ووصفهم - ثانيا - بأنهم كانوا أرغد عيشا ، وأسعد حالا ، وأهنأ بالا ، يدل على ذلك قوله تعالى :{ وَأَرْسَلْنَا السمآء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً } أى : أنزلنا عليهم المطر النافع بغزارة وكثرة ، وعبر عنه بالسماء لأنه ينزل منها .ووصفهم - ثالثا - بأنهم كانوا منعمين بالمياه الكثيرة التى يسيرون مجاريها كما يشاءون ، فيبنون مساكنهم على ضفافها .
ويتمتعون بالنظر إلى مناظرها الجميلة ، كما يرشد إليه قوله - تعالى - : { وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ } أى : صيرنا الأنهار تجرى من تحت مساكنهم .ولكن ماذا كانت عاقبة هؤلاء المنعمين بتلك النعم الوفيرة التى لم تتيسر لأهل مكة؛ كانت عاقبتهم - كما أخبر القرآن عنهم - { فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ } أى : فكفروا بنعمة الله وجحدوا فأهلكناهم بسبب ذلك ، إذ الذنوب سبب الانتقام وزوال النعم .والإهلاك بسبب الذنوب له مظهران :أحدهما : أن الذنوب ذاتها تهلك الأمم ، إذ تشيع فيها الترف والغرور والفساد فى الأرض ، وبذلك تنحل وتضمحل وتذبه قوتها .والمظهر الثانى : إهلاك الله - تعالى - لها عقابا على أوزارها .وقوله - تعالى - فى ختام الآية { وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ } يدل على كمال قدرة الله ، ونفاذ إرادته ، وأن إهلالكه لتلك الأمم بسبب ذنوبها لم ينقص من ملكه شيئا ، لأنه - سبحانه - كلما أهلك أمة أنشأ من بعدها أخرى .قال - تعالى - { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم } ثم بين القرآن توغلهم فى الجحود والعناد ، وانصرافهم عن الحق مهما قويت أدلته ، وساق جانبا من أقوالهم الباطلة ثم رد عليهم بما يدحضها فقال - تعالى - : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً .
.
.
} .
اعلم أن الله تعالى لما منعهم عن ذلك الإعراض والتكذيب والاستهزاء بالتهديد والوعيد أتبعه بما يجري مجرى الموعظة والنصيحة في هذا الباب فوعظهم بسائر القرون الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم.
فإن قيل: ما القرن؟
قلنا قال الواحدي: القرن القوم المقترنون في زمان من الدهر فالمدة التي يجتمع فيها قوم ثم يفترقون بالموت فهي قرن، لأن الذين يأتون بعدهم أقوام آخرون اقترنوا فهم قرن آخر، والدليل عليه قوله عليه السلام: «خير القرون قرني» واشتقاقه من الأقران، ولما كان أعمار الناس في الأكثر الستين والسبعين والثمانين لا جرم قال بعضهم: القرن هو الستون، وقال آخرون: هو السبعون، وقال قوم هو الثمانون والأقرب أنه غير مقدر بزمان معين لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، بل المراد أهل كل عصر فإذا انقضى منهم الأكثر قيل قد انقضى القرن.
واعلم أن الله تعالى وصف القرون الماضية بثلاثة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله: ﴿ مكناهم فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ ﴾ قال صاحب الكشاف مكن له في الأرض جعل له مكاناً ونحوه في أرض له ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض ﴾ ﴿ أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ ﴾ وأما مكنته في الأرض، فمعناه أثبته فيها ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ ﴾ ولتقارب المعنيين جمع الله بينهما في قوله: ﴿ مكناهم فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ ﴾ والمعنى لم نعط أهل مكة مثل ما أعطينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا.
والصفة الثانية: قوله: ﴿ وَأَرْسَلْنَا السماء عَلَيْهِم مِدْرَاراً ﴾ يريد الغيث والمطر، فالسماء معناه المطر هاهنا، والمدرار الكثير الدر وأصله من قولهم در اللبن إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير فالمدرار يصلح أن يكون من نعت السحاب، ويجوز أن يكون من نعت المطر يقال سحاب مدرار إذا تتابع أمطاره.
ومفعال يجيء في نعت يراد المبالغة فيه.
قال مقاتل ﴿ مِدْرَاراً ﴾ متتابعاً مرة بعد أخرى ويستوي في المدرار المذكر والمؤنث.
والصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ ﴾ والمراد منه كثرة البساتين.
واعلم أن المقصود من هذه الأوصاف أنهم وجدوا من منافع الدنيا أكثر مما وجده أهل مكة، ثم بيّن تعالى أنهم مع مزيد العز في الدنيا بهذه الوجوه ومع كثرة العدد والبسطة في المال والجسم جرى عليهم عند الكفر ما سمعتم وهذا المعنى يوجب الاعتبار والانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة بقي هاهنا سؤالات: السؤال الأول: ليس في هذا الكلام إلا أنهم هلكوا إلا أن هذا الهلاك غير مختص بهم بل الأنبياء والمؤمنون كلهم أيضاً قد هلكوا فكيف يحسن إيراد هذا الكلام في معرض الزجر عن الكفر مع أنه مشترك فيه بين الكافر وبين غيره.
والجواب: ليس المقصود منه الزجر بمجرد الموت والهلاك، بل المقصود أنهم باعوا الدين بالدنيا ففاتهم وبقوا في العذاب الشديد بسبب الحرمان عن الدين.
وهذا المعنى غير مشترك فيه بين الكافر والمؤمن.
السؤال الثاني: كيف قال: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ مع أن القوم ما كانوا مقرين بصدق محمد عليه السلام فيما يخبر عنه وهم أيضاً ما شاهدوا وقائع الأمم السالفة.
والجواب: أن أقاصيص المتقدمين مشهورة بين الخلق فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا هذه الحكايات ولمجرد سماعها يكفي في الاعتبار.
والسؤال الثالث: ما الفائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم.
والجواب: أن الفائدة هي التنبيه على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلكهم ويخلي بلادهم منهم، فإنه قادر على أن ينشئ مكانهم قوماً آخرين يعمر بهم بلادهم كقوله: ﴿ وَلاَ يَخَافُ عقباها ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
مكن له في الأرض: جعل له مكاناً له فيها.
ونحوه: أرّض له.
ومنه قوله: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض ﴾ [الكهف: 84] ﴿ أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ ﴾ [القصص: 57] وأمّا مكنته في الأرض فأثبته فيها.
ومنه قوله: ﴿ وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ ﴾ [الأحقاف: 26] ولتقارب المعنيين جمع بينهما في قوله: ﴿ مكناهم فِي الارض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ ﴾ والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عاداً وثمود وغيرهم، من البسطة في الأجسام، والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا.
والسماء المظلة؛ لأن الماء ينزل منها إلى السحاب، أو السحاب أو المطر.
والمدرار: المغزار.
فإن قلت: أي فائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم؟
قلت: الدلالة على أنه لا يتعاظمه أن يهلك قرناً ويخرب بلاده منهم؟
فإنه قادر على أن ينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَخَافُ عقباها ﴾ [الشمس: 15] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ أيْ مِن أهْلِ زَمانٍ، والقَرْنُ مُدَّةُ أغْلَبِ أعْمارِ النّاسِ وهي سَبْعُونَ سَنَةً.
وقِيلَ ثَمانُونَ.
وقِيلَ القَرْنُ أهْلُ عَصْرٍ فِيهِ نَبِيٌّ أوْ فائِقٌ في العِلْمِ.
قَلَّتِ المُدَّةُ أوْ كَثُرَتْ واشْتِقاقُهُ مِن قَرَنْتُ.
﴿ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ﴾ جَعَلْنا لَهم فِيها مَكانًا وقَرَّرْناهم فِيها وأعْطَيْناهم مِنَ القُوى والآلاتِ ما تَمَكَّنُوا بِها مِن أنْواعِ التَّصَرُّفِ فِيها.
﴿ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ ما لَمْ نَجْعَلْ لَكم مِنَ السَّعَةِ وطُولِ المَقامِ يا أهْلَ مَكَّةَ ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ القُوَّةِ والسِّعَةِ في المالِ والِاسْتِظْهارِ في العَدَدِ والأسْبابِ.
﴿ وَأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ ﴾ أيِ المَطَرَ أوِ السَّحابَ، أوِ المِظَلَّةَ فُطِنَ مَبْدَأُ المَطَرِ مِنها.
﴿ مِدْرارًا ﴾ أيْ مِغْزارًا.
﴿ وَجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ ﴾ فَعاشُوا في الخِصْبِ والرِّيفِ بَيْنَ الأنْهارِ والثِّمارِ.
﴿ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ ﴾ أيْ لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا.
﴿ وَأنْشَأْنا ﴾ وأحْدَثْنا.
﴿ مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ بَدَلًا مِنهُمْ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما قَدَرَ عَلى أنْ يُهْلِكَ مَن قَبْلَكم كَعادٍ وثَمُودَ ويُنْشِئُ مَكانَهم يَعْمُرُ بِهِمْ بِلادَهُ يَقْدِرُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِكم.
<div class="verse-tafsir"
{أَلَمْ يَرَوْاْ} يعني المكذبين {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ} هو مدة انقضاء أهل كل عصر وهو ثمانون سنة أو سبعون {مكناهم} فى موضع جر صفة لقرن وجمع على المعنى {فِي الأرض ما لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ} التمكين في البلاد إعطاء المكنة والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادا وثمود وغيرهم من البسطة
الأنعام (٦ _ ١٠)
في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا {وَأَرْسَلْنَا السماء} المطر {عَلَيْهِم مِّدْرَاراً} كثيراً وهو حال من السماء {وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} من تحت أشجارهم والمعنى عاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار وسقيا الغيث المدرار {فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ} ولم يغن ذلك عنهم شيئا {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} بدلا منهم
﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْيِينِ ما هو المُرادُ بِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: شُرُوعٌ في تَوْبِيخِهِمْ بِبَذْلِ النُّصْحِ لَهم والأوَّلُ أظْهَرُ.
والرُّؤْيَةُ عِرْفانِيَّةٌ، وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ في أسْفارِهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وهي عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَسْتَدْعِي مَفْعُولًا واحِدًا، و(كَمْ) اسْتِفْهامِيَّةً كانَتْ أوْ خَبَرِيَّةً مُعَلَّقَةٌ لَها عَنِ العَمَلِ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ سادَّةٌ مَعَ ما في حَيِّزِها مَسَدَّ مَفْعُولِها.
وهي مَنصُوبَةٌ بِـ (أهْلَكْنا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وهي عِبارَةٌ عَنِ الأشْخاصِ، وقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةٌ تَسْتَدْعِي مَفْعُولَيْنِ والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّها و(مِن قَرْنٍ) مُمَيِّزٌ لِـ (كَمْ) عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ فَهو مِن قَرَنْتَ.
واخْتُلِفَ في مِقْدارِ تِلْكَ المُدَّةِ فَقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقِيلَ: مِائَةٌ، وقِيلَ: ثَمانُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: سُنُونَ، وقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: عِشْرُونَ، وقِيلَ: مِقْدارُ الأوْسَطِ في أعْمارِ أهْلِ كُلِّ زَمانٍ.
ولَمّا كانَ هَذا لا ضابِطَ لَهُ يَضْبِطُ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ عَصْرٍ فِيهِمْ نَبِيٌّ أوْ فائِقٌ في العِلْمِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْتَبَرَ مِائَةَ سَنَةٍ لِما ورَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَيَّضَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لَها أمْرَ دِينِها وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنْ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ اخْتُلِفَ فِيها عَلى طُرُزِ ما تَقَدَّمَ.
واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الزَّمانِ المُعَيَّنِ وفي أهْلِهِ.
والمُرادُ بِهِ هُنا الأهْلُ مِن غَيْرِ تَجَشُّمِ تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ ارْتِكابِ تَجُوُّزٍ وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ انْتِصابَ (كَمْ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِـ (أهْلَكْنا) بِمَعْنى (إهْلاكٍ) أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنى (أزْمِنَةٍ)، وهو تَكَلُّفٌ، و(مِنِ) الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أهْلَكْنا) وهَمْزَةُ الإنْكارِ لِتَقْرِيرِ الرُّؤْيَةِ، والمَعْنى ألَمْ يَعْرِفْ هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ المُسْتَهْزِءُونَ بِمُعايَنَةِ الآثارِ وتَواتُرِ الأخْبارِ كَمْ أُمَّةً أهْلَكْنا مِن قَبْلِ خَلْقِهِمْ أوْ مِن قَبْلِ زَمانِهِمْ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأضْرابِهِمْ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ حالُهُمْ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةُ (قَرْنٍ) لِأنَّ الجُمَلَ بَعْدَ النَّكِراتِ صِفاتٌ لِاحْتِياجِها إلى التَّخْصِيصِ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّ تَنْوِينَهُ التَّفْخِيمِيَّ مُغْنٍ لَهُ عَنِ اسْتِدْعاءِ الصِّفَةِ عَلى أنَّ مَعَ اقْتِضائِهِ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُهُ ومَضْمُونُ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الجُمَلِ الأرْبَعِ مَفْرُوغًا عَنْهُ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِسِياقِ النَّظْمِ مُؤَدٍّ إلى اخْتِلالِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَيْفَ لا والمَعْنى حِينَئِذٍ: ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَوْصُوفِينَ بِكَذا وكَذا وبِإهْلاكِنا لَهم بِذُنُوبِهِمْ وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ التَّنْوِينَ التَّفْخِيمِيَّ لا يَأْبى الوَصْفَ، وما ورَدَ فِيهِ ذَلِكَ مِنَ النَّكِراتِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وأمّا ما ذَكَرَهُ بَعْدُ فَقَدْ قالَ الشِّهابُ: إنَّهُ غَفْلَةٌ مِنهُ أوْ تَغافُلٌ عَنْ تَفْسِيرِهِمْ فَأهْلَكْناهم إلْخِ الآتِي بِقَوْلِهِمْ: لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا، وتَمْكِينُ الشَّيْءِ في الأرْضِ عَلى ما قِيلَ جَعْلُهُ قارًا فِيها ولِما لَزِمَ ذَلِكَ جَعْلُها مُقَرًّا لَهُ ورُدَّ الِاسْتِعْمالُ بِكُلٍّ مِنهُما فَقِيلَ تارَةً: مَكَّنَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ ﴾ وأُخْرى مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ ﴾ حَتّى أُجْرِيَ كُلٌّ مِنهُما مَجْرى الآخَرِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ بَعْدَما تَقَدَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ في الأوَّلِ: (مَكَّنا لَهُمْ) وفي الثّانِي: (ما لَمْ نُمَكِّنْكُمْ) وفِي التّاجِ إنْ مَكَّنْتَهُ ومَكَّنْتَ لَهُ مِثْلُ نَصَحْتَهُ ونَصَحْتَ لَهُ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: اللّامُ زائِدَةٌ مِثْلُ (رَدِفَ لَكُمْ) وكَلامُ الرّاغِبِ في مُفْرَداتِهِ يُؤَيِّدُهُ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ مَكَّنَهُ أبْلَغُ مِن مَكَّنَ لَهُ.
ولِذَلِكَ خَصَّ المُتَقَدِّمَ بِالمُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرَ بِالمُتَأخِّرِينَ و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ التَّمْكِينُ الَّذِي نُمْكِنُهُ لَكم أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أيْ تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ.
وعَلَيْهِما فَهي مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ والعائِدُ إلَيْها مِنَ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِأنَّ المُرادَ مِنَ التَّمْكِينِ الإعْطاءُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْ أعْطَيْناهم ما تَمَكَّنُوا بِهِ مِن أنْواعِ التَّصَرُّفِ ما لَمْ نُعْطِكم.
وقِيلَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أيْ مُدَّةُ عَدَمِ تَمْكِينِكم ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
والخِطابُ لِلْكَفَرَةِ.
وقِيلَ: لِجَمِيعِ النّاسِ.
وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ.
والِالتِفاتُ لِما في مُواجَهَتِهِمْ بِضَعْفِ حالِهِمْ مِنَ التَّبْكِيتِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: لِيَتَّضِحَ مَرْجِعُ الضَّمِيرَيْنِ ولا يَشْتَبِهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وهي نُكْتَةٌ مِنَ الِالتِفاتِ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْها أهْلُ المَعانِي ﴿ وأرْسَلْنا السَّماءَ ﴾ أيِ المَطَرَ كَما رُوِيَ عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا.
وقِيلَ: السَّحابُ واسْتِعْمالُها في ذَلِكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ.
وقِيلَ: هي عَلى حَقِيقَتِها بِمَعْنى المِظَلَّةُ والمَجازُ في إسْنادِ الإرْسالِ إلَيْها لِأنَّ المُرْسَلَ ماءُ المَطَرِ وهي مَبْدَأٌ لَهُ.
وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى.
والإرْسالُ والإنْزالُ -كَما في البَحْرِ- مُتَقارِبانِ في المَعْنى لِأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن ”رِسْلٍ“ اللَّبَنِ وهو ما يَنْزِلُ مِنَ الضَّرْعِ مُتَتابِعًا ﴿ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا ﴾ أيْ غَزِيرًا كَثِيرَ الصَّبِّ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ يَسْتَوِي في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ وهو حالٌ مِنَ السَّماءِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـأرْسَلْنا ﴿ وجَعَلْنا الأنْهارَ ﴾ أيْ صَيَّرْناها تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ أيْ مِن تَحْتِ مَساكِنِهِمْ.
والمُرادُ أنَّهم عاشُوا في الخِصْبِ والرِّيفِ بَيْنَ الأنْهارِ والثِّمارِ.
والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِجَعَلْنا ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: أجْرَيْنا الأنْهارَ كَما قالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وأرْسَلْنا السَّماءَ ﴾ لِلْإيذانِ بِكَوْنِها مُسَخَّرَةً مُسْتَمِرَّةَ الجَرَيانِ لا لِأنَّ النَّهْرَ لا يَكُونُ إلّا جارِيًا فَلا يُفِيدُ الكَلامُ لِأنَّ النَّظْمَ حِينَئِذٍ ناظِرٌ إلى كَوْنِهِ مِن تَحْتِهِمْ فالفائِدَةُ ظاهِرَةٌ، ولَوْ كانَ ما ذُكِرَ صَحِيحًا لَما ورَدَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ) واسْتَظْهَرَ كَوْنُ الجَعْلِ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإيجادِ وهو مَخْصُوصٌ بِهِ تَعالى فَلِذا غَيَّرَ الأُسْلُوبَ.
وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ ولَيْسَ المُرادُ -عَلى ما قِيلَ- بِتَعْدادِ هاتِيكَ النِّعَمِ العِظامِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ تَمْكِينِهِمْ بَيانُ عِظَمِ جِنايَتِهِمْ في كُفْرانِها واسْتِحْقاقِهِمْ بِذَلِكَ لِأعْظَمِ العُقُوباتِ، بَلْ بَيانُ حِيازَتِهِمْ لِجَمِيعِ أسْبابِ نَيْلِ المَآرِبِ ومَبادِئِ الأمْنِ مِنَ المَكارِهِ والمَعاطِبِ وعَدَمِ إغْناءِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا ويُنْبِئُ عَنْ عَدَمِ الإغْناءِ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وقِيلَ: فَصِيحَةٌ، والمُرادُ: فَكَفَرُوا فَأهْلَكْناهُمْ، ورُجِّحَ الأوَّلُ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ أهْلَكْنا كُلَّ قَرْنٍ مِن تِلْكَ القُرُونِ بِسَبَبِ ما يَخُصُّهم مِنَ الذُّنُوبِ كَتَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْشَأنا) أيْ أوْجَدْنا ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ 6 - بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وهَذا بَيانٌ لِأنَّهُ تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ أنْ يُهْلِكَ قَرْنًا ويُخْلِيَ بِلادَهُ مِنهم فَإنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْشِئَ مَكانَهم آخَرِينَ يُعَمِّرَ بِهِمُ البِلادَ فَهو كالتَّتْمِيمِ لِما قَبْلَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَخافُ عُقْباها ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم قُلِعُوا مَن أصْلِهِمْ ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِن نَسْلِهِمْ لِجَعْلِهِمْ آخَرِينَ وكَوْنِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ، <div class="verse-tafsir"
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ولم يتفكروا فيها ليعتبروا في توحيد الله تعالى.
وذلك أن مشركي مكة سألوا رسول الله أن يريهم علامة.
وقالوا: إنا نريد أن تدعو لينشق القمر نصفين لنؤمن بك، وبربك، ونصدقك.
فدعا رسول الله ، فانشق القمر شقين، وذهب أحد النصفين إلى جانب حراء، والآخر إلى جانب آخر وهم ينظرون إليه.
وقال ابن مسعود: أنا رأيت حراء بين فلقتي القمر.
فأعرضوا عنه فلم يؤمنوا.
وقالوا: هذا سحر مبين.
فنزلت اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا [القمر: 1، 2] ونزلت هذه الآية: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ يعني: انشقاق القمر إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.
يقول الله تعالى: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ يعني: بالقرآن حين جاءهم به محمد ، واستهزءوا بالقرآن بأنه ليس من الله تعالى.
فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ يعني: سيعلمون جزاء تكذيبهم واستهزائهم بالقرآن بأنه ليس من الله تعالى ويقال: يأتيهم أخبار مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من العذاب حين رأوها معاينة.
فهذا وعيد لهم أنه يصل إليهم العذاب إما في الدنيا، وإما في الآخرة.
ثم وعظهم ليخافوا ويرجعوا فقال: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني: من قبل كفار مكة مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: مكنّاهم وأعطيناهم من المال والولد مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يا أهل مكة وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً يعني: المطر متتابعاً كلما احتاجوا إليه.
وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ يعني: عذبناهم بِذُنُوبِهِمْ وبتكذيبهم رسلهم وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: وجعلنا من بعد هلاكهم قَرْناً آخَرِينَ قال الزجاج: القرن أهل كل مدة فيها نبي أو فيها طبقة من أهل العلم.
كما قال النبيّ : «خير القرون أصحابي ثم الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يلونهم» .
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
والأجل المسمى عنده من وَقْت موته إلى حَشْره، ووصفه ب مُسَمًّى عِنْدَهُ لأنه استأثر- سبحانه- بعِلْمِ وَقْتِ القيامة.
وقال ابن عباس: أَجَلًا الدنيا، وَأَجَلٌ مُسَمًّى الآخرة «١» .
وقيل غير هذا.
وتَمْتَرُونَ معناه: تشكون.
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦)
وقوله سبحانه: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ قاعدة الكلام في هذه الآية: أن حُلُولَ اللَّه في الأمَاكِنِ مُسْتَحِيلٌ- تعالى- أن يَحْوِيَهُ مكان، كما تَقَدَّسَ أن يَحُدَّهُ زمان، بل كان قبل أن خَلَقَ المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان.
وإذا تَقَرَّرَ هذا، فقالت فرقة من العلماء: تَأْوِيلُ ذلك على تقدير صِفَةٍ محذوفة من اللفظ ثَابِتَةٍ في المعنى، كأنه قال: وهو اللَّه المَعْبُودُ في السموات، وفي الأرض.
وعبر بعضهم بأن قدر: وهو اللَّه المدبر للأمر في السموات والأرض.
وقال الزَّجَّاجُ: فِي متعلقة بما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللَّه من المعاني، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المَشْرِقِ والمغرب.
قال ع «٢» : وهذا عِنْدِي أَفْضَلُ الأقوال، وأكثرها إحرازاً لِفَصَاحَةِ اللفظ، وجزالة المعنى.
وإيضاحه: أنه أراد أن يَدُلَّ على خلقه، وآثار قدرته، وإحاطته، واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذه كلها في قَوْلِهِ: وَهُوَ اللَّهُ أي: الذي له هذه كلها في السموات، وفي الأرض، كأنه قال: وهو اللَّه الخَالِقُ، الرازق، المحيي، المحيط في السموات وفي
الأرض، كما تقول: زيد السلطان في المَشْرِقِ والمغرب و «الشام» و «العراق» ، فلو قصدت ذَاتَ زَيْد لَقُلْتَ مُحَالاً، وإذا كان مَقْصِدُ قولك الآمِرَ، النَّاهِيَ، الناقض، المُبْرِمَ، الذي يعزل ويُوَلِّي في المشرق والمغرب، فأقمت السلطان مقام هذه، كان فصيحاً صحيحاً، فكذلك في الآية أقام لَفْظَةَ اللَّهُ مقام تلك الصِّفَاتِ المذكورة.
وقالت فرقة: وَهُوَ اللَّهُ ابتداء وخَبَرٌ، تم الكَلاَمُ عنده، ثم استأنف، وتعلق قوله:
فِي السَّماواتِ بمفعول يَعْلَمُ، كأنه قال: وهو اللَّه يَعْلَم سِرَّكُمْ وجهركم في السموات، وفي الأرض.
وقوله تعالى: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ خبر في ضمنه تحذير وزجر، وتَكْسِبُونَ لفظ/ عام لجميع الاعْتِقَادَاتِ، والأقوال، والأفعال.
وقوله سبحانه: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تضمنت هذه الآية مَذَمَّةَ هؤلاء الذين يَعْدِلُونَ باللَّه سواه، بأنهم يُعْرِضُونَ عن كل آية، وكذبوا بالحق، وهو محمد- عليه السلام- وما جاء به.
قال ص: مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ «من» الأولى زَائِدَةٌ للاستغراق، وما بعدها فاعل بقوله: تَأْتِيهِمْ.
و «من» الثانية للتبعيض انتهى.
وقوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ هذا وَعِيدٌ لهم شديد، وهذه العُقُوبَاتُ التي تُوُعِّدُوا بها تعمُّ عُقُوبَاتِ الدنيا كَبَدْرٍ وغيرها، وعقوبات الآخرة.
وقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ هذا حَضٌّ على العِبْرَةِ، والرؤية هنا رُؤْيَةُ القلب، والقَرْنُ: الأمة المقترنة في مُدَّةٍ من الزمن.
واختلف في مدة القَرْنِ «١» كم هي؟
فالأكثر على أنها مائة سنة.
وقيل غير هذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ القَرْنُ: اسْمُ أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ.
وَسُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِاقْتِرانِهِمْ في الوُجُودِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالقَرْنِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ سِيرِينَ عَنَ النَّبِيِّ .
والثّانِي: ثَمانُونَ سَنَةً، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مِائَةُ سَنَةٍ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ بِشْرٍ المازِنِيُّ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
والرّابِعُ: مِائَةٌ وعُشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ زُرارَةُ بْنُ أوْفى، وإياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ.
والخامِسُ: عُشْرُونَ سَنَةً، حَكاهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.
والسّادِسُ: سَبْعُونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.
والسّابِعُ: أنَّ القَرْنَ: أهْلُ كُلِّ مُدَّةٍ كانَ فِيها نَبِيٌّ، أوْ طَبَقَةٌ مِنَ العُلَماءِ، قُلْتُ السُّنُونَ، أوْ كَثُرَتْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: « "خَيْرُكم قَرْنِي" يَعْنِي: أصْحابِي "ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" يَعْنِي: التّابِعِينَ.
" ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"» يَعْنِي: الَّذِينَ أخَذُوا عَنِ التّابِعِينِ.
فالقَرْنُ: مِقْدارُ التَّوَسُّطِ في أعْمارِ أهْلِ الزَّمانِ، فَهو في كُلِّ قَوْمٍ عَلى مِقْدارِ أعْمارِهِمْ، واشْتِقاقِ القَرْنِ مِنَ الِاقْتِرانِ وفي مَعْنى ذَلِكَ الِاقْتِرانِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ سُمِّيَ قَرْنًا؛ لِأنَّهُ المِقْدارُ الَّذِي هو أكْثَرُ ما يَقْتَرِنُ فِيهِ أهْلُ ذَلِكَ الزَّمانِ في بَقائِهِمْ.
هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ قَرْنًا؛ لِأنَّهُ يَقْرَنُ زَمانًا بِزَمانٍ، وأُمَّةً بِأُمَّةٍ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: يَرَوْنَ أنَّ أقَلَّ ما بَيْنَ القَرْنَيْنِ: ثَلاثُونَ سَنَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم.
يُقالُ مَكَّنْتُهُ ومَكَّنْتُ لَهُ: إذا أقْدَرْتَهُ عَلى الشَّيْءِ بِإعْطاءِ ما يَصِحُّ بِهِ الفِعْلُ مِنَ العُدَّةِ.
وفي هَذِهِ الآَيَةِ رُجُوعٌ مِنَ الخَبَرِ إلى الخِطابِ.
فَأمّا السَّماءُ: فالمُرادُ بِها المَطَرُ.
ومَعْنى "أرْسَلْنا" أنْزَلْنا، و"المِدْرارُ" مِفْعالٌ مِن دَرَّ، يَدِرُّ، والمَعْنى: نُرْسِلُها كَثِيرَةَ الدَّرِّ.
وَمِفْعالٌ، مِن أسْماءِ المُبالِغَةِ، كَقَوْلِهِمُ: امْرَأةٌ مِذْكارٌ: إذا كانَتْ كَثِيرَةَ الوِلادَةِ لِلذُّكُورِ، وكَذَلِكَ مِئْناثٌ.
فَإنْ قِيلَ: السَّماءُ مُؤَنَّثَةٌ، فَلِمَ ذَكَرَ مِدْرارًا.
فالجَوابُ: أنَّ حُكْمَ ما انْعَدَلَ مِنَ النُّعُوتِ عَنْ مِنهاجِ الفِعْلِ وبِنائِهِ أنْ يَلْزَمَ التَّذْكِيرَ في كُلِّ حالٍ سَواءٌ كانَ وصْفًا لِمُذَكَّرٍ أوْ مُؤَنَّتٍ، كَقَوْلِهِمُ امْرَأةٌ مِذْكارٌ، ومِعْطارٌ، وامْرَأةٌ مُذَكَّرٌ، ومُؤَنَّثٌ، وهي كَفُورٌ، وشَكُورٌ، ولَوْ بُنِيَتْ هَذِهِ الأوْصافٌ عَلى الفِعْلِ، لَقِيلَ كافِرَةٌ، وشاكِرَةٌ ومُذَكَّرَةٌ، فَلَمّا عَدَلَ عَنْ بِناءِ الفِعْلِ، جَرى مَجْرى ما يَسْتَغْنِي بِقِيامِ مَعْنى التَّأْنِيثِ فِيهِ عَنَ العَلامَةِ، كَقَوْلِهِمُ: النَّعْلُ لَبِسْتُها، والفَأْسُ كَسَرْتُها، وكانَ إيثارُهُمُ التَّذْكِيرُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَبْنِيِّ عَلى الفِعْلِ، والمَعْدُولِ عَنْ مَثَلِ الأفاعِيلِ.
والمُرادُ بِالمِدْرارِ: المُبالَغَةُ في اتِّصالِ المَطَرِ ودَوامِهِ.
يَعْنِي: أنَّها تُدُرُّ وقْتَ الحاجَةِ إلَيْها، لا أنَّها تَدُومُ لَيْلًا ونَهارًا فَتُفْسِدُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ هَذا حَضٌّ عَلى العِبْرَةِ؛ والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ؛ و"كَمْ"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أهْلَكْنا".
و"اَلْقَرْنُ": اَلْأُمَّةُ المُقْتَرِنَةُ في مُدَّةٍ مِنَ الزَمانِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "خَيْرُ الناسِ قَرْنِي"؛» اَلْحَدِيثَ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في مُدَّةِ القَرْنِ: كَمْ هِيَ؟
فالأكْثَرُ عَلى أنَّها مِائَةُ سَنَةٍ؛ ويُرَجِّحُ ذَلِكَ الحَدِيثُ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "أرَأيْتُمْ لَيْلَتَكم هَذِهِ؟
فَإنَّ عَلى رَأْسِ مِائَةٍ مِنها لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ"؛» قالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: يُرِيدُ أنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ؛ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ بَشِيرٍ: "تَعِيشُ قَرْنًا"؛ فَعاشَ مِائَةَ سَنَةٍ.» وقِيلَ: اَلْقَرْنُ: ثَمانُونَ سَنَةً؛ وقِيلَ: سَبْعُونَ؛ وقِيلَ: سِتُّونَ؛ وتَمَسَّكَ هَؤُلاءِ بِالمُعْتَرَكِ؛ وحَكى النَقّاشُ أرْبَعِينَ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وحَكى النَقّاشُ أيْضًا ثَلاثِينَ؛ وحَكى عِشْرِينَ؛ وحَكى ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ وهَذِهِ طَبَقاتٌ؛ ولَيْسَتْ بِقُرُونٍ؛ إنَّما القَرْنُ أنْ يَكُونَ وفاةَ الأشْياخِ؛ ثُمَّ وِلادَةَ الأطْفالِ؛ ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ ؛ وإلى مُراعاةِ الطَبَقاتِ وانْقِراضِ الناسِ بِها أشارَ ابْنُ الماجِشُونِ في "اَلْواضِحَةُ"؛ في تَجْوِيزِ شَهادَةِ السَماعِ؛ في تَقادُمِ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا؛ فَصاعِدًا؛ وقِيلَ: اَلْقَرْنُ: اَلزَّمَنُ نَفْسُهُ؛ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "مِن أهْلِ قَرْنٍ"؛ والضَمِيرُ في "مَكَّنّاهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى القَرْنِ؛ والمُخاطَبَةُ في "لَكُمْ"؛ هي لِلْمُؤْمِنِينَ ولِجَمِيعِ المُعاصِرِينَ لَهُمْ؛ مِن سائِرِ الناسِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "ما لَمْ نُمَكِّنْ يا أهْلَ العَصْرِ لَكُمْ"؛ فَهَذا أبْيَنُ ما فِيهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ في الآيَةِ مَعْنى القَوْلِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لَهُمْ: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ ؛ وإذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ لِغائِبٍ؛ أو قِيلَ لَهُ؛ أو أمَرْتَ أنْ يُقالَ؛ فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِيَ الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها؛ فَتَجِيءَ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ؛ ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ بِذِكْرِ غائِبٍ؛ دُونَ مُخاطَبَةٍ.
و"اَلسَّماءَ": اَلْمَطَرَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا و"مِدْرارًا"؛ بِناءُ تَكْثِيرٍ؛ كَـ "مِذْكارٌ"؛ و"مِئْناثٌ"؛ ومَعْناهُ: يَدِرُّ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ المَنفَعَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما سِياقُها تَعْدِيدُ النِعَمِ؛ وإلّا فَظاهِرُها يَحْتَمِلُ النِعْمَةَ؛ ويَحْتَمِلُ الإهْلاكَ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تُرادَ السَماءُ المَعْرُوفَةُ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "وَأرْسَلْنا مَطَرَ السَماءِ"؛ لِأنَّ "مِدْرارًا"؛ لا يُوصَفُ بِهِ إلّا المَطَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأهْلَكْناهُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "فَعَصَوْا؛ وكَفَرُوا؛ فَأهْلَكْناهُمْ".
﴿ "وَأنْشَأْنا"؛ ﴾ اِخْتَرَعْنا؛ وخَلَقْنا؛ وجُمِعَ "آخَرِينَ"؛ حَمْلًا عَلى مَعْنى القَرْنِ.
<div class="verse-tafsir"
الجملة بيان لجملة: {فسوف يأتيهم أنبار ما كانوا به يستهزئون.
جاء بيانها بطريقة الاستفهام الإنكاري عن عدم رؤية القرون الكثيرة الذين أهلكتهم حوادث خارقة للعادة يدلّ حالها على أنّها مسلّطة عليهم من الله عقاباً لهم على التكذيب.
والرؤية يجوز أن تكون قلبية، أي ألم يعلموا كثرة القرون الذين أهلكناهم، ويجوز أن تكون بصربة بتقدير: ألم يروا آثار القرون التي أهلكناها كديار عاد وحِجْر ثمود، وقد رآها كثير من المشركين في رحلاتهم، وحدّثوا عنها الناس حتى تواترت بينهم فكانت بمنزلة المرئي وتحقّقتها نفوسهم.
وعلى كلا الوجهين ففعل يَرَوا } معلّق عن العمل في المفعولين أو المفعول، باسم الاستفهام وهو ﴿ كم ﴾ .
و (كم) اسم للسؤال عن عدد مبهم فلا بدّ بعده من تفسير، وهو تمييزه.
كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ سَل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية ﴾ في سورة البقرة (211) وتكون خبرية فتدلّ على عدد كبير مبهم ولا بدّ من مفسّر هو تمييز للإبهام.
فأمّا الاستهامية فمفسّرها منصوب أو مجرور، وإن كانت خبرية فمفسّرها مجرور لا غير، ولمّا كان (كم) اسماً في الموضعين كان له موقع الأسماء بحسب العوامل رفعٌ ونصب وجرّ، فهي هنا في موضع مفعول أو مفعولين ليرَوا } .
و(مَنْ) فزائدة جارّة لمميّز ﴿ كم ﴾ الخبرية لوقوع الفصل بينها وبين مميّزها فإنّ ذلك يوجب جرّه ب (من)، كما بيّناه عند قوله تعالى: والقرن أصله الزمن الطويل، وكثر إطلاقه على الأمّة التي دامت طويلاً.
قال تعالى: من بعد ماأهلكنا القرون الأولى } .
وفسّر القرن بالأمّة البائدة.
ويطلق القرن على الجيل من الأمّة، ومنه حديث ﴿ خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ﴾ .
ويطلق على مقدار من الزمن قدره مائة سنة على الأشهر، وقيل: غير ذلك.
وجملة: ﴿ مكّمّاهم ﴾ صفة ل ﴿ قرن ﴾ وروعي في الضمير معنى القرن لأنّه دالّ على جمع.
ومعنى: ﴿ مكّنّاهم في الأرض ﴾ ثبّتناهم وملّكناهم، وأصله مشتقّ من المكان.
فمعنى مكّنه ومكّن له، وضع له مكاناً.
قال تعالى: ﴿ أو لم نمكّن لهم حرماً آمناً ﴾ .
ومثله قولهم: أرَضَ له.
ويكنّى بالتمكين عن الإقدار وإطلاق التصرّف، لأنّ صاحب المكان يتصرّف في مكانه وبيته ثم يطلق على التثبيت والتقوية والاستقلال بالأمر.
ويقال: هو مكين بمعنى مُمَكّن، فعيل بمعنى مفعول.
قال تعالى: ﴿ إنّك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ فهو كناية أيضاً بمرتبة ثانية، أو هو مجاز مرسل مرتّب على المعنى الكنائي.
والتمكين في الأرض تقوية التصرّف في منافع الأرض والاستظهار بأساباب الدنيا، بأن يكون في منعة من العدوّ وفي سعة في الرزق وفي حسن حال، قال تعالى: ﴿ إمّا مكنّا له في الأرضأ، وقال: الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة ﴾ الآية.
فمعنى مكَّنه: جعله متمكّناً ومعنى مكّن له: جعله متمكّناً لأجله، أي رعيا له، مثل حمده وحمد له، فلم تزده اللام ومجروورها إلاّ إشارة إلى أنّ الفاعل فعل ذلك رغبة في نفع المفعول، ولكن الاستعمال أزال الفرق بينهما وصيّر مكّنه ومكّن له بمعنى واحد، فكانت اللام زائدة كما قال أبو علي الفارسي.
ودليل ذلك قوله تعالى: هنا ﴿ مكّنّاهم في الأرض ما لم نمكّن لكم ﴾ فإنّ المراد بالفعلين هنا شيء واحد لتعيّن أن يكون معنى الفعلين مستوياً، ليظهر وجه فوت القرون الماضية في التمكين على تمكين المخاطبين، إذ التفاوت لا يظهر إلاّ في شيء واحد، ولأنّ كون القرون الماضية أقوى تمكّنا من المخاطبين كان يقتضي أن يكون الفعل المقترن بلام الأجل في جانبهم لا في جانب المخاطبين، وقد عكس هنا.
وبهذا البيان نجمع بين قول الراغب باستواء فعل مكّنه ومكّن له، وقول الزمخشري بأن: مكّن له بمعنى جعل له مكاناً، ومكّنه بمعنى أثبته.
وكلام الراغب أمكن عربية.
وقد أهملت التنبيه على هذين الرأيين كتب اللغة.
واستعمال التمكين في معنى التثبيت والتقوية كناية أو مجاز مرسل لأنّه يستلزم التقوية.
وقد شاع هذا الاستعمال حتى صار كالصريح أو كالحقيقة.
و ﴿ ما ﴾ موصولة معناها التمكين، فهي نائبة عن مصدر محذوف، أي تمكيناً لم نمكنّه لكم، فتنتصب (ما) على المفعولية المطلقة المبيّنة للنوع.
والمقصود مكّناهم تمكيناً لم نمكَّنه لكم، أي هو أشدّ من تمكينكم في الأرض.
والخطاب في قوله: ﴿ لكم ﴾ التفات موجّه إلى الذين كفروا لأنّهم الممكّنون في الأرض وقت نزول الآية، وليس للمسلمين يومئذٍ تمكين.
والالتفات هنا عكس الالتفات في قوله تعالى: ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجريْن بهم ﴾ .
والمعنى أنّ الأمم الخالية من العرب البائدة كانوا أشدّ قوة وأكثر جمعاً من العرب المخاطبين بالقرآن وأعظم منهم آثار حضارة وسطوة.
وحسبك أنّ العرب كانوا يضربون الأمثال للأمور العظيمة بأنّها عادية أو ثمودية أو سبئية قال تعالى: ﴿ وعمروها أكثر ممّا عمروها ﴾ أي عمَرَ الذين من قبل أهل العصر الأرض أكثر ممّا عمرها أهل العصر.
والسماء من أسماء المطر، كما في حديث «الموطأ» من قول زيد بن خالد: صلىّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إثر سماء، أي عقب مطر.
وهو المراد هنا لأنّه المناسب لقوله: ﴿ أرسلنا ﴾ بخلافه في نحو قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ .
والمدرار صيغة مبالغة، مثل منحار لكثير النحر للأضياف، ومذكار لمن يولد له الذكور، من درّت الناقة ودرّ الضرع إذا سمح ضرعها باللبن، ولذلك سمّي اللبن الدّر.
ووصفُ المطر بالمدرار مجاز عقلي، وإنّما المدرار سحابه.
وهذه الصيغة يستوي فيها المذكّر والمؤنّث.
والمراد إرسال المطر في أوقات الحاجة إليه بحيث كان لا يخلفهم في مواسم نزوله.
ومن لوازم ذلك كثرة الأنهار والأدية بكثرة انفجار العيون من سعة ري طبقات الأرض، وقد كانت حالةَ معظم بلاد العرب في هذا الخصب والسعة، كما علمه الله ودلّت عليه آثار مصانعهم وسدودهم ونسلان الأمم إليها، ثم تغيّرت الأحوال بحوادث سماوية كالجدب الذي حلّ سنين ببلاد عاد، أو أرضية، فصار معظمها قاحلاً فهلكت أممها وتفرّقوا أيادي سَبا.
وقد تقدّم القول في معنى الأنهار تجري من تحتهم في نظيره وهو ﴿ أنّ لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار ﴾ في سورة البقرة (25).
والفاء في قوله: فأهلكناهم } للتعقيب عُطف على ﴿ مكّنّاهم ﴾ وما بعده.
ولمّا تعلّق بقوله: ﴿ فأهلكناهم ﴾ قوله: ﴿ بذنوبهم ﴾ دلّ على أنّ تعقيب التمكين وما معه بالإهلاك وقع بعد أن أذنبوا.
فالتقدير: فأذنبوا فأهلكناهم بذنوبهم، أو فبطروا النعمة فأهلكناهم، ففيه إيجاز حذف على حدّ قوله تعالى: ﴿ أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت ﴾ الآية، أي فضرب فانفجرت الخ.
ولك أن تجعل الفاء للتفصيل تفصيلاً ل ﴿ أهلكنا ﴾ الأول على نحو قوله تعالى: ﴿ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ﴾ في سورة الأعراف (4).
والإهلاك: الإفناء، وهو عقاب للأمّة دالّ على غضب الله عليها، لأنّ فناء الأمم لا يكون إلاّ بما تجرّه إلى نفسها من سوء فعلها، بخلاف فناء الأفراد فإنْه نهاية محتّمة ولو استقام المرء طول حياته، لأنّ تركيب الحيوان مقتض للانتهاء بالفناء عند عجز الأعضاء الرئيسية عن إمداد البدن بمواد الحياة فلا يكون عقاباً إلاّ فيما يحفّ به من أحوال الخزي للهالك.
والذنوب هنا هي الكفر وتكذيب الرسل ونحو ذلك ممّا دلّ عليه التنظير بحال الذين قال الله فيهم هنا: بربهم يعدلون ثم أنتم تمترون وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحقّ لمّا جاءهم، وما قاله بعد ذلك ولو نزّلنا عليك كتاباً في قرطاس} الآية.
وقوله: ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ﴾ : الإنشاء الإيجاد المبتكَر، قال تعالى: ﴿ إنّا أنشأناهن إنشاء ﴾ .
والمراد به إنشاؤهم بتلك الصفات التي كان القرن الذين من قبلهم من التمكين في الأرض والإسعاف بالخصب، فخلفوا القرن المنقرضين سواء كان إنشاؤهم في ديار القوم الذين هلكوا، كما أنشأ قريشاً في ديار جرهم، أم في ديار أخرى كما أنشأ الله ثموداً بعد عاد في منازل أخرى.
والمقصود من هذا تعريض بالمشركين بأنّ الله مهلكهم ومنشئ من بعدهم قرن المسلمين في ديارهم.
ففيه نذارة بفتح مكّة وسائر بلاد العرب على أيدي المسلمين.
وليس المراد بالإنشاء الولادة والخلق، لأنّ ذلك أمر مستمرّ في البشر لا ينتهي، وليس فيه عظة ولا تهديد للجبايرة المشركين.
وأفرد ﴿ قرناً ﴾ مع أنّ الفعل الناصب له مقيّد بأنّه من بعد جمع القرون، على تقدير مضاف، أي أنشأنا من بعد كلّ قرن من المهلكين قرناً آخرين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ ﴾ لِأنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لَمّا أنْكَرُوا نُزُولَ القُرْآنِ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ لَوْ أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ لَأنْكَرُوهُ وكَفَرُوا بِهِ لِغَلَبَةِ الفَسادِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ ﴾ واسْمُ القِرْطاسِ لا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى ما فِيهِ كِتابَةٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كِتابَةٌ قِيلَ طَرْسٌ ولَمْ يُقَلْ قِرْطاسٌ.
قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى بِها أخادِيدُ مِن آثارِ ساكِنِها كَما تَرَدَّدَ في قِرْطاسِهِ القَلَمُ ﴿ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ ﴾ قالَ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ.
وَيُحْتَمَلُ بِلَمْسِ اليَدِ دُونَ رُؤْيَةِ العَيْنِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ نُزُولَهُ مَعَ المَلائِكَةِ وهم لا يُرَوْنَ بِالأبْصارِ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بِاللَّمْسِ دُونَ الرُّؤْيَةِ.
والثّانِي: لِأنَّ المَلْمُوسَ أقْرَبُ مِنَ المَرْئِيِّ.
والثّالِثُ: لِأنَّ السِّحْرَ يُتَخَيَّلُ في المَرْئِيّاتِ، ولا يُتَخَيَّلُ في المَلْمُوساتِ.
﴿ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ تَكْذِيبًا لِلْيَقِينِ بِالعِنادِ، والمُبِينُ: ما دَلَّ عَلى بَيانٍ بِنَفْسِهِ، والبَيِّنُ: ما دَلَّ عَلى بَيانِهِ، فَكانَ المُبِينُ أقْوى مِنَ البَيِّنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ أيُ مَلَكٌ يَشْهَدُ بِتَصْدِيقِهِ ﴿ وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا فَلَمْ يُؤْمِنُوا لَقُضِيَ الأمْرُ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لَقُضِيَ عَلَيْهِمْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، لِأنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانُوا إذا اقْتَرَحُوا عَلى أنْبِيائِهِمُ الآياتِ فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الإظْهارِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى لَقُضِيَ الأمْرُ لَقامَتِ السّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ ولا يُؤَخَّرُونَ، يَعْنِي عَنْ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ.
عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ، وعَنْ قِيامِ السّاعَةِ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي.
﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ يَعْنِي ولَوْ جَعَلْنا مَعَهُ مَلَكًا يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ لَجَعَلْناهُ في صُورَةِ رَجُلٍ.
وَفي وُجُوبِ جَعْلِهِ رَجُلًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ المَلائِكَةَ أجْسامُهم رَقِيقَةٌ لا تُرى، فاقْتَضى أنْ يُجْعَلَ رَجُلًا لِكَثافَةِ جِسْمِهِ حَتّى يُرى.
والثّانِي: أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلائِكَةَ عَلى صُوَرِهِمْ، وإذا كانَ في صُورَةِ الرَّجُلِ لَمْ يَعْلَمُوا مَلَكٌ هو أوْ غَيْرُ مَلَكٍ.
﴿ وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: لَشَبَهْنا عَلَيْهِمْ ما يَشْبِهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَ الزَّجّاجُ: كَما يُشْبِهُونَ عَلى ضُعَفائِهِمْ واللَّبْسُ في كَلامِهِمْ هو الشَّكُّ ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: أصْدِقْ مَقالَتَهُ واحْذَرْ عَداوَتَهُ ∗∗∗ والبَسْ عَلَيْهِ بِشَكٍّ مِثْلَ ما لَبِسا والثّالِثُ: ولَلَبِسْنا عَلى المَلائِكَةِ مِنَ الثِّيابِ ما يَلْبَسُهُ النّاسُ مِن ثِيابِهِمْ، لِيَكُونُوا عَلى صُوَرِهِمْ وعَلى زِيِّهِمْ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أيْ أوْجَبَها رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ، وفِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها تَعْرِيضُ خَلْقِهِ لِما أمَرَهم بِهِ مِن عِبادَتِهِ الَّتِي تُفْضِي بِهِمْ إلى جَنَّتِهِ.
والثّانِي: ما أراهم مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ طاعَتِهِ.
والثّالِثُ: إمْهالُهم عَنْ مُعالَجَةِ العَذابِ واسْتِئْصالِهِمْ بِالِانْتِقامِ.
والرّابِعُ: قَبُولُهُ تَوْبَةَ العاصِي والعَفُوُ عَنْ عُقُوبَتِهِ.
﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ وهَذا تَوَعُّدٌ مِنهُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ أخَرَجَهُ مَخْرَجَ القَسَمِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ من قرن ﴾ قال: أمة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ﴾ يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم.
وأخرج أبن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأرسلنا السماء عليهم مدراراً ﴾ يقول: يتبع بعضها بعضاً.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن هارون التميمي في قوله: ﴿ وأرسلنا السماء عليهم مدراراً ﴾ قال: المطر في إبانه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ﴾ الآية.
قال أبو إسحاق: (موضع ﴿ كَمْ ﴾ نصب بأهلكنا لا بقوله: ﴿ يَرَوْا ﴾ ؛ لأن لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله) (١) : "خيركم قرني" (٢) (٣) (٤) ﴿ مِنْ قَرْنٍ ﴾ : (يريد: (من جيل ومن أمة) (٥) ﴿ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: أعطيناهم ما لم نعطكم) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ مَكَّنَّاهُمْ ﴾ ثم قال: ﴿ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ ولم يقل: نمكنكم، وهما لغتان، تقول العرب: مكنته ومكنت له، كما تقول: نصحته ونصحت له.
قال صاحب "النظم": (العرب تتسع في الأفعال التي تتعدى بحروف (١١) (١٢) ﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ المعنى: فإلى أين؛ وربما زادوها فيما يتعدى بغيرها كقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ (١٣) ﴿ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال: (يجوز أن تكون اللام هاهنا على حد التي هي في قوله تعالى: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ ، ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ ) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد بالغيث والبركة) (١٥) والسماء [معناه] (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: (يريد بكفرهم وجرأتهم عليَّ) (٢٣) ﴿ وَأَنْشَأْنَا ﴾ معنى الإنشاء ابتداء الإيجاد من غير سبب (٢٤) (١) "معاني القرآن" 2/ 229، وانظر: "إعراب النحاس" 2/ 56، و"المشكل" لمكي 1/ 246، و"البيان" لابن الأنباري 1/ 314، و"التبيان" للعكبري 1/ 322، و"الفريد" للهمداني 2/ 120، و"الدر" للسمين 4/ 535.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (2651)، كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا شهد، ومسلم رقم 2535، كتاب فضائل الصحابة باب فضائل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، عن عمران بن حصين أن النبي قال: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".
قال عمران: لا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة.
الحديث.
وانظر شرحه في "فتح الباري" 7/ 5.
(٣) انظر: "الجمهرة" 2/ 793، و"تهذيب اللغة" 3/ 2947، و"الصحاح" 6/ 2180، و"مقاييس اللغة" 5/ 76، و"المجمل" 3/ 749، و"المفردات" ص 667، و"النهاية" لابن الأثير 4/ 51، و"اللسان" 6/ 3608 (قرن).
(٤) الجمهور على أن القرن مائة سنة، وأكثر المحققين على أنه غير مقدر بزمن معين لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، بل المراد أهل كل عصر، فإذا انقضى أكثرهم قيل: قد انقضى القرن، وهو اختيار الزجاج في "معانيه" 2/ 229، والنحاس 2/ 400، والرازي في "تفسيره" 12/ 131، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 391، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 328، و"مجاز القرآن" 1/ 185، و"تفسير غريب القرآن" ص 151، و"تفسير البغوي" 3/ 128، وابن عطية 5/ 129، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 5، و"البحر" 4/ 65، و "الدر المصون" 4/ 539.
(٥) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 4.
(٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 10، وابن الجوزي 3/ 6.
(٧) انظر: "الجمهرة" 2/ 983، و"تهذيب اللغة" 4/ 3436، و"الصحاح" 6/ 2205، و"المجمل" 3/ 837، و"المفردات" ص 773، و"اللسان" 7/ 4250 (مكن).
(٨) هذا قول أبي هلال العسكري في "الفروق اللغوية" ص 90، وانظر: "البحر" 4/ 66.
(٩) قال بعض أهل التفسير: في الآية رجوع من الغيبة في قوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا ﴾ إلى الخطاب في قوله ﴿ لَكُمْ ﴾ للاتساع وتلوين الخطاب، قال السمين في "الدر المصون" 4/ 538: (فيكون على هذا التفاتًا فائدته التعريض بقلة تمكن هؤلاء ونقص أحوالهم عن حال أولئك، ومع تمكينهم وكثرتهم فقد حل بهم الهلاك، فكيف وأنتم أقل منهم تمكينا وعددًا) ا.
هـ وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 269، و"إعراب النحاس" 1/ 536، و"غرائب التفسير" للكرماني 1/ 352، و"تفسير البغوي" 3/ 128، وابن الجوزي 3/ 6، و"تفسير القرطبي" 6/ 391.
(١٠) أي يجوز.
قلت لزيد: ما أكرمك أو ما أكرمه.
انظر: "تفسير الطبري" 7/ 149، وابن عطية 5/ 130، و"البحر" 4/ 75.
(١١) في: (ش): (بحرف)، والصواب ما أثبته.
(١٢) في: (أ): (أعدوها)، والصواب ما أثبته.
(١٣) قال السمين في "الدر" 4/ 537: قال أبو علي الجرجاني: (مكناهم ومكنا لهم لغتان) ا.
هـ.
(١٤) "الحجة" لأبي علي 4/ 429، وقال العسكري في "الفروق" ص 90: (الصحيح أن مكنت له: جعلت له ما يتمكن به، ومكنته: أقدرته على ملك الشيء في المكان) ا.
هـ وقال السمين في "الدر" 4/ 536 - 537: (الفرق بينهما أن مكنه في كذا أثبته فيها، وأما مكن له فمعناه جعل له مكانًا) ا.
هـ.
ملخصًا.
وانظر "المسائل العضديات" ص 67، و"الكشاف" 2/ 5، والأكثر على التسوية بينهما، ويتعدى مكن بنفسه وبحرف الجر، والأكثر تعديته باللام.
انظر: "مجاز القرآن" 1/ 186، و"نزهة القلوب" ص 399، و"غرائب الكرماني" 1/ 353، و"تفسير البغوي" 3/ 128، وابن الجوزي 3/ 6، و"تفسير القرطبي" 6/ 329، و"البحر" 4/ 76.
(١٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1264 بسند جيد عنه قال: (يتبع بعضها بعضا) ا.
هـ.
وأخرج أبو عبيد في كتاب "اللغات" ص 94، وابن حسنون ص 24، والوزان ص 3/ ب بسند جيد عنه قال: (متتابعًا بلغة هذيل == وذكر البغوي في "تفسيره" 3/ 128 عنه أنه قال: (متتابعًا في أوقات الحاجات) ا.
هـ.
(١٦) لفظ: (معناه) ساقط من (أ).
وانظر: "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 238.
(١٧) انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 11، و"تهذيب اللغة" 2/ 1171، و"الصحاح" 2/ 655، و"مقاييس اللغة" 2/ 255، و"المفردات" ص 310، و"اللسان" 3/ 1357 (در).
(١٨) مثله قال الرازي 12/ 159، والأكثر على أن ﴿ مِدْرَارًا ﴾ حال من السماء، وهو الظاهر؛ لأنه بعد معرفة.
انظر: "إعراب النحاس" 1/ 537، و"المشكل" 1/ 246، و"البيان" 1/ 381، و"الفريد" 2/ 121، و"البحر" 4/ 76، و"الدر المصون" 4/ 541، ولعل مراد الواحدي بالنعت الحال؛ لأن أصله صفة.
انظر "الأصول" لابن السراج 1/ 213، و"شرح شذور الذهب" ص 244.
(١٩) "تفسير مقاتل" 1/ 550.
(٢٠) تقدمت ترجمته.
(٢١) ذكره الرازي 12/ 76، عن مقاتل، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 186، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 134، و"تفسير غريب القرآن" ص 150، و"نزهة القلوب" ص 440.
(٢٢) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 229، والنحاس 2/ 401.
(٢٣) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 4.
(٢٤) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3567، و"الصحاح" 1/ 77، و"المفردات" ص 807 (نشأ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ حض للكفار على الاعتبار بغيرهم، والقرن مائة سنة، وقيل سبعون، وقيل أربعون ﴿ مكناهم فِي الأرض ﴾ الضمير عائد على القرن، لأنه في معنى الجماعة ﴿ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ﴾ الخطاب لجميع أهل ذلك العصر من المؤمنين والكافرين ﴿ وَأَرْسَلْنَا السمآء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً ﴾ السماء هنا المطر والسحاب أو السماء حقيقة، ومدراراً: بناء مبالغة وتكثير من قولك درّ المطر إذا غزر ﴿ فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ ﴾ التقدير: فكفروا وعصوا فأهلكناهم، وهذا تهديد للكفار أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء على حال قوتهم وتمكينهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وأنشأنا ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.
﴿ ولقد استهزىء ﴾ وبابه بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز مطلقاً ﴿ فحاق ﴾ بالإمالة حيث كان حمزة.
الوقوف: ﴿ والنور ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ أجلاً ﴾ ط ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض ﴾ ج وقيل: لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض.
﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مدراراً ﴾ ص لعطف المتفقين ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ عليه ملك ﴾ ط ﴿ لا ينظرون ﴾ ه ﴿ يلبسون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس أن رسول الله قال "نزلت الأنعام جملة واحدة وتنزلت، معها من الملائكة سبعون ألف ملك فملؤا ما بين الأخشبين" فدعا رسول الله الكتاب فكتبوها من ليلتهم سوى آيات معدودات.
وعن أنس أن رسول الله قال "لقد بعث إليّ بها جبريل مع خمسين ملكاً أو خمسين ألف ملك تحفها حتى أقروها في صدري كما يقرّ الماء في الحوض ولقد أعزني الله وإياكم بها عزاً لا يذلنا بعدها أبداً فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه" ولاشتمال هذه السورة على دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد ولنزولها جملة ذهب علماء الكلام إلى أن علم الأصول مع جلالة قدره يجب تعلمه على الفور لا على التراخي بخلاف الأحكام فإنها نزلت كفاء المصالح وبحسب الحوادث والنوازل.
وأعلم أن قوله ﴿ الحمد لله ﴾ مذكور في أوائل سور خمس واختص كل منها بصفة، لكن أعمها صدر فاتحة الكتاب ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ فإن العالم كل موجود سوى الله فكان سائر السور تفاصيل لهذه الجملة.
أثنى الله على نفسه بقوله ﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ﴾ والثناء على النفس قبيح في الشاهد ففيه دليل على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق، فكما أنه واحد في ذاته فهو واحد في صفاته وأفعاله لا اعتراض لأحد عليه.
والتحقيق فيه أن استحقاق المدح بحسب الفضيلة والكمال ولا يوجد في الممكن صفة كمال إلا وهي مشوبة بالنقص والاختلال أدناه الأفول في أفق الإمكان بخلاف واجب الوجود فإنه لا غاية لكماله ولا نهاية لعظمته وجلاله.
فلا ينبغي أن يمدح إلا هو، ولا أن يثنى إلا عليه، ولا أن يشكر ويحمد إلا له.
ثم الأوصاف الجارية عليه إنما تذكر زيادة في المدح لا لأجل التوضيح والكشف.
أساميا لم تزده معرفة *** وإنما لذة ذكرناها وقد تقدم في الأسماء أن معنى الخلق راجع إلى التقدير والتقدير عائد إلى العلم، فالمراد أنه أوجد السموات والأرض على حسب علمه الأزلي.
قال بعض العلماء: السماء كالدائرة والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها فلهذا ذكر السماء قبل الأرض مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء.
وجمع السموات حقيقة وكذا إفراد الأرض، وقد تجمع الأرض باعتبار الطبقات وسوف يجيء تقرير ذلك في قوله ﴿ ومن الأرض مثلهن ﴾ والمقصود من هذا الوصف إلزام المشركين، وأن تخصيص حجم الفلك بمقدار معين وتخصيص كل من أجزائه بحيز معين وتخصيص الفلك بالحركة والأرض بالسكون مع اشتراكهما في الطبيعة الجسمية، وتخصيص كل حركة بحد معين من السرعة والبطء وبجهة معينة دلائل ظاهرة على وجود فاعل مختار واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله.
وأيضاً إن لحركة كل فلك أوّلاً لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة فتقتضي المسبوقية بالغير، وعدم الأولية ينافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال.
وإذا ثبت أن لكل حركة أوّلاً فاختصاص ابتداء حدوثه بوقت معين يدل على الفاعل المختار وكذا اتصاف بعض الأجسام بالفلكية وبعضها بالعنصرية مع تساوي الكل في تمام الماهية.
وأيضاً إن خارج العالم الجسماني خلاء لا نهاية له كما ثبت في الكلام، فحصول هذا العالم في حيزه الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر ممكن يحتاج إلى مرجح قادر مختار حكيم يفعل ما يشاء كما يشاء.
هذا إذا نظرنا في ذوات هذه الأجرام، أما إن اعتبرنا منافعها وكيفية تأثير الأثيريات وهي - الآباء - في العنصريات - وهي الأمهات - لتحصيل المواليد الثلاثة: المعادن والنباتات والحيوانات، ارتقينا من ذلك أيضاً إلى وجود صانع قدير وحكيم خبير رتبته أعلى وأجل من رتب الممكنات.
أما قوله ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ فمعناه أحدث وأنشأ، ولهذا اقتصر على مفعول واحد، ولو كان بمعنى "صير" اقتضى مفعولين.
وإنما لم يقل "وخلق" لأنه أراد التضمين أعني إنشاء شيء من شيء كقوله ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ فالنور والظلمة لما تعاقبا صار كأن كل واحد منهما تولد من الآخر.
وقيل: لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار، ولهذا جمع الظلمات إذ لكل حرم ظل والظل ظلمة.
ووحد النور لأن النار واحد وهو منها، والظلمة والنور ههنا هما الأمران المحسوسان بالبصر، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة والقرينة ذكر السموات والأرض.
وعن ابن عباس أن الظلمة ظلمة الشرك والنفاق، والنور نور الإسلام واليقين، وعلى الأوّل فإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً وتلك المراتب كثيرة، أو لأنه قصد بالنور الجنس.
وعلى الثاني فذلك لأن الحق واحد والباطل أكثر من أن يحصى.
وإنما قدمت الظلمة على النور لأن عدم المحدثات سابق على وجودها، والظلمة عدمية عند من يجعلها عدم النور أو شبيهة بالعدم عند من يجعلها هيئة مضادة للنور.
وقد ورد في الأخبار أن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.وقوله: ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ معطوف على قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ والمعنى أنه حقيق بالحمد على ما خلق ثم الذين كفروا يعدلون عن طريق الإنصاف فيكفرون بربهم، أو على ﴿ خلق السموات ﴾ معناه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون أي يسوّون به ما لا يقدر على شيء من ذلك.
فعلى المعنى الأول يعدلون من العدول، وعلى الثاني هو من العدل.
ومعنى "ثم" ههنا وفي قوله ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ تراخي الرتبة واستبعاد مضموني الجملتين أحدهما عن الآخر.
ثم ذكر دليلاً آخر على إثبات الصانع وعلى صحة المعاد الجسماني فقال ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ أي من آدم لأنه مخلوق من الطين، أو خلقكم من النطفة المتولدة من الأغذية المنتهية إلى العناصر، ولا ريب أن خلق الأغذية المتنوعة من العناصر المتشابهة الأجزاء، ثم توليد النطفة المتشابهة الأجزاء من تلك الأغذية المختلفة، ثم تخليق الأعضاء المختلفة في الصفة والصور واللون والشكل كالقلب والدماغ والكبد والعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها من المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم.
ثم إن تلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها وذلك يدل على صحة القول بالمعاد.
أما قوله ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ فاعلم أن لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ وبمعنى الخبر والإعلام ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ وبمعنى صفة الفعل إذا تم ﴿ فقضاهن سبع سموات ﴾ ومنه قولك: قضى فلان حاجة فلان.
والأنسب ههنا هو الأول.
والأجل في اللغة بمعنى الوقت المضروب لانقضاء الأمد.
وأصله من التأخير ومنه الآجل نقيض العاجل.
ثم إن صريح الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان.
فقال أبو مسلم: الأول آجال الماضين لأنهم لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، والثاني آجال الباقين لأنها غير معلومة بعد وإنما هي مسماة عند الله .
وقيل: الأول أجل الموت، والثاني أجل القيامة لأنه لا آخر له ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله .
وقيل: الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ.
وقيل: الأول النوم، والثاني الموت.
وقيل: الأول مقدار ما انقضى من عمل كل أحد، والثاني ما بقي من عمره.
وقال حكماء الإسلام: الأول الأجل الطبيعي الذي يمكن بالنسبة إلى المزاج الأول لكل شخص لو بقي مصوناً عن الآفات الخارجية، والثاني الأجل الاخترامي الذي يحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق والقتل واللدغ وغيرها من الأمور المنفصلة.
ومعنى ﴿ مسمى ﴾ أي مذكور اسمه في اللوح المحفوظ.
ومعنى ﴿ عنده ﴾ أي في حكمه وعلمه كما تقول: هذه المسألة عند الشافعي كذا وعند أبي حنيفة كذا.
وارتفع ﴿ أجل ﴾ بالابتداء وجاز ذلك مع تنكيره لمكان وصفه فقارب المعرفة.
وإنما لم يقل "وعنده أجل مسمى" تعظيماً لشأن هذا الأجل فكأنه قيل: وأي أجل مسمى عنده؟
والمرية والامتراء الشك.
ومعنى "ثم" تبعيد الامتراء عن مثل هذه الحجة الباهرة الموجبة للتيقن في أمر المبدأ والمعاد، ثم قرر أنه عالم بجميع المعلومات ردّاً على من زعم أنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو فقال ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض ﴾ وزعمت المجسمة بهذا وبنحو قوله ﴿ أم أمنتم من في السماء ﴾ أنه مستقر في السماء قالوا: ويؤكده وقف بعض القراء على السموات والابتداء بقوله ﴿ وفي الأرض يعلم سركم ﴾ أي يعلم سرائركم الموجودة في الأرض.
ولو سلم أن لا وقف فالإجماع حاصل على أنه ليس موجوداً في الأرض، ولا يلزم من ترك العلم بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من دليل.
ونوقض بأنه قال في مواضع ﴿ لله ما في السموات ﴾ فلو كان هو في السماء لزم أن يكون مالكاً لنفسه، ولا يخفى ضعف هذا النقض لأنه مخصوص بالقرينة كقوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ وبأنه إما أن يراد كونه في سماء واحدة وهو ترك الظاهر، أو في جميع السموات وهو يقتضي كونه ذا أجزاء أو حصول المتحيز الواحد في مكانين وكلاهما محال.
والحق أنه لا يلزم من استصحاب المكان الافتقار إليه ولا التجسيم والتجزئة وهو دقيق يفهمه من وفق له، وبأنه لو كان موجوداً في السموات لكان محدوداً متناهياً فيكون قابلاً للزيادة والنقصان، فيكون اختصاصه بمقدار معين لمخصص فيكون محدثاً.
ويرد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون في السموات وفوقها إلى ما لا يتناهى لا سيما عند من يقول إن وراء هذا العالم خلاء غير متناه، وبأنه لو كان في السموات فإن لم يقدر عل عالم آخر فوقها لزم تعجيزه، وإن قدر فلو فعل لحصل تحت ذلك العالم والقوم ينكرون كونه تحت العالم، والاعتراض أنه لا يلزم من القدرة الإيجاد، وقال غير المجسمة: المراد وهو الله في تدبير السموات والأرض كما يقال: فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاحه.
وعلى هذا يكون ﴿ في السموات ﴾ خبراً بعد خبر، ويوقف على اسم الله ثم يبتدأ بما بعد ذلك ويكون المعنى أنه يعلم في السموات والأرض سرائر الملائكة والإنس والجن، أو المراد وهو المعبود فيهما، أو المعروف بالإلهية أو المتوحد بها، أو هو الذي يقال له الله فيهما لا شريك له في هذا الإسم.
والسر من صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف، والجهر من أعمال الجوارح، ولأن الأول مقدم على الثاني طبعاً فلا جرم قدم عليه وضعاً.
والجملة أعني قوله ﴿ يعلم سركم وجهركم ﴾ مقررة لما قبلها أو خبر ثالث أو كلام مبتدأ.
﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ الكسب أخص من الأعمال السرية والجهرية لأنه الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو اندفاع ضر ولهذا لا يوصف فعل الله بأنه كسب.
وإفراد الأخص بالذكر بعد الأعم للتقرير والتأكيد، أو لكونه أهم حسن لا يلزم منه عطف الشيء على نفسه.
والمراد أنه عالم بما يستحقه الإنسان على أفعاله من ثواب أو عقاب.
ثم لما فرغ من دلائل التوحيد والمعاد شرع في النبوات فرتب أحوال الكفار مع الأنبياء في ثلاث مراتب: الأولى كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل وذلك قوله ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ﴾ "من" الأولى للاستغراق والثانية للتبعيض.
والمراد وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا وهم على حالة الإعراض لقلة تدبرهم وفرط غفلتهم.
الثانية: كونهم مكذبين وهذه شر مما قبلها لأن الإعراض قد يكون للغفلة لا للتكذيب وإذا كذب فقد أعرض وزاد.
قال علماء المعاني: ههنا حذف كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وهو الحق.
قال أنس: هو انشقاق القمر بمكة انفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة.
وقيل: هو القرآن الذي تحدّوا به فعجزوا عنه.
وقيل: محمد .
وقيل شرعه.
وقيل: وعده ووعيده وتبشيره وإنذاره.
والأولى الحمل على الكل.
المرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين لأن التكذيب إذا انضم معه الاستهزاء كان غاية في الغواية وذلك قوله ﴿ فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا ﴾ أي أخبار الشيء الذي كانوا ﴿ به يستهزؤن ﴾ وهو القرآن وغيره من المعجزات.
وليس المراد نفس الأنباء بل العذاب الذي أنبأ الله به كقوله ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ والحكيم إذا توعد فربما قال: ستعرف نبأ هذا إذا نزل بك ما تحذره.
وذلك أن الغرض من الخبر حصول العلم بالمخبر عنه وذلك إنما يتحقق بعد المعاينة.
ومعنى الآية سيعلمون بأي شيء استهزؤا وأنه لم يكن موضع استهزاء وذلك عند نزول العقاب بهم في الدنيا كيوم بدر وغيره أو في الآخرة.
ثم لما زجرهم عن الإعراض والتكذيب والاستهزاء وأوعدهم على ذلك عاد إلى الموعظة والنصيحة بتذكير أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية.
والقرن القوم المقترنون في زمان من الدهر المفترقون بعد ذلك بالموت وذلك الزمان في الأغلب ستون سنة.
وقيل: سبعون.
وقيل: ثمانون.
والأقرب أنه غير مقدر بزمان لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ولكنه إذا انقضى الأكثر من أهل كل عصر فقد انقضى القرن.
وليس المراد أن يصدّق الكفار محمداً في هذه الأخبار لانهم بصدد التكذيب فسيكذبونه فيها أيضاً، وإنما المراد أن ما يختص بالمتقدمين منهم مشهور بين الناس فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا تلك الحكايات ومجرّد سماعها يكفي في الاعتبار.
ثم وصف تلك القرون بثلاثة أوصاف: الأول: تمكينهم في الأرض.
مكن له في الأرض جعل له مكاناً، ومكنه فيها أثبته، وهما متقاربان ولهذا جمع بينهما في الآية.
والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما آتينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال وأسباب الدنيا.
الثاني: إرسال السماء عليهم مدراراً يعني الغيث أو السحاب أو الخضراء، لأن المطر ينزل من ذلك الصوب والمدرار كثير الدرّدرّ اللين إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير.
ومدراراً نعت المطر ويقال أيضاً سحاب مدراراً إذا تتابع أمطاره.
ومفعال من أبنية المبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث.
الثالث ﴿ وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ﴾ أي من تحت أمكنتهم والمراد أنهم أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات.
فإن قيل: الهلاك غير مختص بهم وإنما يجري ذلك على الأنبياء والمؤمنين أيضاً، قلنا: لدفع هذا الإشكال كرر فقال ﴿ فأهلكناهم بذنوبهم ﴾ فإن الإهلاك بسبب المعاصي والآثام لا يكون إلا بالعذاب والإيلام.
ثم نبه بقوله ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ﴾ على كمال عزته واستغنائه ونهاية قدرته واستعلائه كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ فالبلاد بلاده والعباد عباده بيده التخريب والتعمير وإليه الإعدام والإيجاد.
ثم ان الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف متعددة.
منهم من بالغ في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها على وفق هواه ومناه لا على قانون الخير والعدل فمنعه ذلك عن التزام التكاليف وهو المذكور في الآية، وفيه أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باقٍ، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات الفانية.
ومنهم من حملته العصبية والعناد على تكذيب معجزات الأنبياء وجعلها من قبيل السخر الذي لا أصل له وهم الذين عنوا بقوله ﴿ ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس ﴾ والمعنى أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عياناً لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر.
وههنا سؤال وهو أن نزول الكتاب من السماء جملة إن لم يكن باب المعجزات لم يكن إنكاره منكراً، وإن كان من قبيل الإعجاز فالملك يقدر على إنزاله من السماء وقبل الإيمان بصدق الرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة، وحينئذ يجوز أن يكون نزول ذلك من قبل بعض الجن والشياطين، أو من بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم فلا يكون دليلاً على الصدق.
وأجيب بأن المقصود من الآية ليس بيان الإعجاز، ولكن المراد أنهم إذا لمسوه بأيديهم يقوى الإدراك البصري بالإدراك اللمسي وبلغ الغاية في القوة والظهور.
ثم إن هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة.
قال القاضي: في الآية دليل على وجوب اللطف لأنه بيَّن أنه إنما لم ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول فيفهم منه أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة، وزيف بأن المفهوم ليس بحجة، ولو سلم فوقوع اللطف لا يدل على وجوبه.
ومن الكفرة من قابل النبوات بإيراد الشبهات والاقتراحات.
قال الكلبي: إن مشركي مكة قالوا: يا محمد والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله وذلك قوله ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ فأجاب الله عن مقترحهم بقوله ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ ومعنى القضاء الإتمام والإلزام كما مر.
وتقرير الجواب أن إنزال الملك على البشر آية باهرة وحينئذ ربما لم يؤمنوا فيجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال، أو لعلهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم.
ألا ترى أن رسول الله لما رأى جبرائيل على صورته الأصلية غشي عليه؟
وأن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشرة كأضياف إبراهيم ولوط، وكالذين تسوّروا المحراب، وأن جبرائيل تمثل لمريم بشراً سوياً؟
وفائدة ثمَّ أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجاة الشدة أفظع من نفس الشدة.
ثم إنهم كانوا يطعنون في نبوة محمد من جهة أخرى وهي أنه بشر مثلهم ويقولون: ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً ﴾ وتقرير الشبهة أن الرسل إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر وقدرتهم أشد ومهابتهم أعظم وامتيازهم عن الخلق أكمل والاشتباه في نبوتهم ورسالتهم أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم اختار ما هو أسرع إفضاء إلى المطلوب، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ ولو جعلناه ﴾ أي الرسول ﴿ ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ لأن إنزال الملك آية ظاهرة جارية مجرى الإلجاء وإزالة الاختيار وذلك منافٍ لغرض التكليف، ولأن الجنس إلى الجنس أميل، ولأن البشر لا يطيق رؤية الملك، ولأن طاعات الملك كثيرة فيحقرون طاعات البشر ويستعظمون إقدامهم على المعاصي فلا يصبرون معهم، ولأن إنزال الملك يقوي الشبهة من وجه آخر وذلك أن أيّ معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة لفعلنا مثل ما فعلت.
ثم قال ﴿ وللبسنا عليهم ما يلبسون ﴾ لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً ومنه لبس الثوب لأنه يفيد الستر.
والمعنى إذا جعلنا الملك في صورة البشر كان فعلنا نظيراً لفعلهم في التلبيس، وإنما كان ذلك لبساً لأن الناس يظنونه ملكاً مع أنه ليس بملك، أو يظنونه بشراً مع أنه ليس ببشر وإنما كان فعلهم لبساً لأنهم يخلطون على أنفسهم ويقولون إن البشر لا يصلح للرسالة فلا ينقطع السؤال أبداً ويبقى الأمر في حيز الاشتباه.
وعلى هذا التفسير يكون قوله ﴿ ما يلبسون ﴾ مفعولاً مطلقاً.
ويجوز أن يراد ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فيكون مفعولاً به يعني أن القوم إذا رأوا الملك في صورة الإنسان اشتبه الأمر عليهم، وإذا كنا قد فعلنا ذلك كان اللبس منسوباً إلينا.
ثم إنه وتعالى سلى رسول الله عما يلقى من قومه بقوله ﴿ ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق ﴾ أي نزل.
وقال الفراء: عاد عليهم والتركيب يدور على الإحاطة ومنه الحوق بالضم ما استدار بالكمرة ﴿ ما كانوا ﴾ أي الشيء الذي كانوا يستهزؤن به وهو الحق الذي جاء به محمد ، أسند الحق إليه حيث أهلكوا لأجل الاستهزاء به.
ويحتمل أن يراد بلفظة "ما" العذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وهم يستهزؤن بذلك، ثم أمر رسوله بأن يقول لهم: لا تغتروا بما وجدتم من زخارف الدنيا وسيروا في الأرض لتشاهدوا آثار الأمم السالفة الذين كذبوا رسلهم ونزل بهم ما نزل فإن الأسفار تورث الاعتبار وتفيد الاستبصار.
واعلم أنه قال ههنا ﴿ ثم انظروا ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فانظروا ﴾ فالفاء لمجرد اعتبار ترتيب النظر على السير.
وثم لتباعد ما بين المباح والواجب فإن السير مباح والنظر واجب.
وأيضاً شتان بين السير الصوري بقدم الأشباح وبين السير المعنوي بقدم الأرواح والله أعلم.
التأويل: حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب وأرض النفوس وجعل الظلمات.
أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم قال ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ وحيث أراد معناه قال ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلاً لربهم ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ للروح المفارق عن حضرته لأيام فراقه ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق وهذا محال ﴿ وهو الله ﴾ في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي أودع فيكم ﴿ وجهركم ﴾ الذي يظهر عنكم ﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر ﴿ من آية من آيات ربهم ﴾ في الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات والطاعات.
وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدراراً متوالياً، وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين ﴾ من الطلاب الصادقين التائبين المستقيمين ﴿ لجعلناه رجلاً ﴾ ليفهموا خطابه ويكون واقفاً على الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ﴾ قل سيروا في أرض النفوس بقدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ يحتمل: ما تأتيهم من آية من آيات توحيده، أو من آيات إثبات رسالة محمد ونبوته ، ويحتمل في إثبات البعث والنشور بعد الموت؛ لما أخبر أنه خلقهم من طين، فإذا ماتوا صاروا تراباً، فإذا كان بدء إنشائهم من طين، فإذا عادوا إليه يقدر على إنشائهم ثانياً؛ إذ ليس إنشاء الثاني بأعسر من الأول.
ثم يحتمل الآيات آيات القرآن.
ويحتمل: الآيات ما كان أتى به رسول الله من الآيات سوى آيات القرآن.
ثم أخبر عن تعنتهم ومكابرتهم بقوله: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ ، فإذا أعرضوا عنها لم ينتفعوا بها؛ ليعلم أنه إنما ينتفع بالآيات من تأملها ونظر فيها لا من أعرض عنها.
ثم سورة الأنعام إنما نزلت في محاجة أهل الشرك، ولو لم يكن القرآن معجزاً كانت سورة الأنعام معجزة؛ لأنها نزلت في محاجة أهل الشرك في إثبات التوحيد والألوهية لله والبعث، فكيف يكون وقد جعل الله القرآن آية معجزة عَجَزَ البشرُ عن إتيان مثله، ولم يكونوا يومئذ يعرفون التوحيد والبعث، كانوا كلهم كفاراً عبدة الأوثان والأصنام لا يحتمل أن يكون رسول الله ألّف ذلك وأنشأه من ذات نفسه؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله.
وفيه دلالة إثبات المحاجة في التوحيد والمناظرة فيه؛ لأن أكثرها نزلت في محاجة أهل الشرك، وهم كانوا أهل شرك، وينكرون البعث والرسالة، فتنزل أكثرها في محاجتهم في التوحيد وإثبات البعث والرسالة.
وفيه أنه إذا ثبت فساد قول أحد الخصمين، ثبت صحة قول الآخر؛ لأن إبراهيم لما قال: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ ﴾ أثبت فساد عبادة من يعبد الآفل بالأفول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ يحتمل الحق: الآيات التي كان يأتي بها رسول الله من آيات التوحيد وآيات البعث.
ويحتمل القرآن، ولو لم يكن يأتي رسول الله بآية كانت نفسه آية عظيمة من أول نشأته إلى آخر عمره؛ لأنه عصم حتى لم يأت منه ما يستسمج ويستقبح قط؛ فدل أن ذلك إنما كان لما جعل آية في نفسه، وموضعاً لرسالته، وعلى ذلك تخرج إجابة أبي بكر - - في أول دعوة دعاه إلى ذلك لما كان رأى منه من آيات، فلما دعاه أجابه في ذلك مع ما كان معه [من] آيات عظيمة، وأعلام عجيبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ معناه - والله أعلم - [أن] يأتيهم وينزل بهم ما نزل بالمستهزئين، [وإلا كان أتاهم أنباء ما نزل بالمستهزئين]، ولكن معناه ما ذكرنا، أي: ينزل بهم ويحل ما نزل وحل بالمستهزئين.
ويحتمل قوله وجهاً آخر: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ وهو العذاب؛ لأن الرسل كانوا يوعدونهم أن ينزل بهم العذاب بتكذيبهم الرسل، فعند ذلك يستهزئون بهم؛ كقوله: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ وكقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ﴾ وغير ذلك؛ إذ قالوا: ﴿ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ فأخبر أنه ينزل بهم ذلك كما نزل بأولئك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ قال الحسن: ألم يروا: ألم يعتبروا ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ .
وقال أبو بكر الكيساني: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ قد رأوا ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ \[قال\]: وهو واحد، قد رأوا آثار الذين أهلكوا بتكذيبهم الرسل، وتعنتهم ومكابرتهم، لكنهم لم يعتبروا بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ﴾ قال بعضهم: أعطيناهم من الخير والسعة والأموال ما لم نمكن لكم يا أهل مكة أي: لم نعطكم، ثم إذا كذبوا الرسل أهلكهم الله - - وعاقبهم بأنواع العقوبة.
ويحتمل: مكناهم في الأرض من القوة والشدة؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ ثم مع شدة قوتهم أهلكوا إذ كذبوا الرسل.
ويحتمل وجها آخر: ﴿ مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: في قلوب الخلق، من نفاذ القول، وخضوع الناس لهم؛ لأنهم كانوا ملوكاً وسلاطين الأرض، من نحو نمرود، وفرعون، وعاد، مع ما كانوا كذلك أهلكوا إذ كذبوا الرسل، وأنتم يا هؤلاء ليس لكم شيء من ذلك، أفلا تهلكون إذا كذبتم الرسل؟!
وإنما حملهم على تكذيب الرسل - والله أعلم - لما كانوا ذوي سعة وقوة، فلم يروا الخضوع لمن دونهم في ذلك [لما رأوا الأمر بالخضوع لمن دونهم في ذلك] جوراً غير حكمة، وإنما أخذوا ذلك من إبليس اللعين؛ حيث قال عند أمره بالسجود لآدم، فقال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ فعلى ذلك هؤلاء الكفرة رأوا الأمر بالخضوع لمحمد جَوْراً منه، حتى قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً ﴾ قال القتبي: مدرارا بالمطر: أي غزيرا، ومن درّ ويدرّ.
وقال أبو عوسجة: أي: درت عليهم السماء بالمطر، أي: كثر ودام وتتابع واحدا بعد واحد في وقت الحاجة ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ ﴾ \[أخبر عن سعة\] أولئك، وما أنعم عليهم من كثرة الأمطار والأنهار ما لم يكن ذلك لهؤلاء، ثم مع ما كان أعطاهم ذلك أهلكهم إذ كذبوا الرسل.
فإن قيل: [كيف] ذكر إهلاك هؤلاء، وخوف أولئك ذلك بتكذيبهم الرسل، وقد أهلك الرسل والأولياء من قبل؟
قيل: لأن إهلاك أولئك إهلاك عقوبة وتعذيب؛ لأنه كان أهلكهم هلاك استئصال واستيعاب؛ خارجاً عن الطبع، وأهلك أولئك الرسل والأولياء لا إهلاك عقوبة خارجاً عن الطبع؛ لذلك كان ما ذكر.
<div class="verse-tafsir"
ألم يعلم هؤلاء الكافرون سُنَّة الله في إهلاك الأمم الظالمة؟!
فقد أهلك الله من قبلهم أممًا كثيرة أعطاهم من أسباب القوة والبقاء في الأرض ما لم يعط هؤلاء الكافرين، وأنزل عليهم الأمطار المتتابعة، وأجرى لهم الأنهار تجري من تحت مساكنهم، فعصوا الله، فأهلكهم بما ارتكبوه من المعاصي، وخلق من بعدهم أممًا أخرى.
<div class="verse-tafsir" id="91.PAVQl"