الآية ٦٥ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٦٥ من سورة الأنعام

قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 144 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٥ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) لما قال : ( ثم أنتم تشركون ) عقبه بقوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا [ من فوقكم أو من تحت أرجلكم ] ) أي : بعد إنجائه إياكم ، كما قال في سورة سبحان : ( ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ) [ الإسراء : 66 - 69 ] .

قال ابن أبي حاتم : ذكر عن مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هارون الأعور ، عن جعفر بن سليمان عن الحسن في قوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) قال : هذه للمشركين .

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد [ في قوله ] ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فعفا عنهم .

ونذكر هنا الأحاديث الواردة في ذلك والآثار ، وبالله المستعان ، وعليه التكلان ، وبه الثقة .

قال البخاري رحمه الله ، في قوله تعالى : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) يلبسكم : يخلطكم ، من الالتباس ، يلبسوا : يخلطوا .

شيعا : فرقا .

حدثنا أبو النعمان ، حدثنا حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أعوذ بوجهك " .

( أو من تحت أرجلكم ) قال : " أعوذ بوجهك " .

( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هذه أهون - أو قال : هذا أيسر " .

وهكذا رواه أيضا في " كتاب التوحيد " عن قتيبة ، عن حماد به ورواه النسائي [ أيضا ] في " التفسير " ، عن قتيبة ومحمد بن النضر بن مساور ويحيى بن حبيب بن عربي أربعتهم ، عن حماد بن زيد ، به .

وقد رواه الحميدي في مسنده ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، سمع جابرا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، به .

ورواه ابن حبان في صحيحه ، عن أبي يعلى الموصلي ، عن أبي خيثمة ، عن سفيان بن عيينة ، به .

ورواه ابن جرير في تفسيره عن أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع وسفيان بن وكيع ، كلهم عن سفيان بن عيينة ، به .

ورواه أبو بكر بن مردويه ، من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد وعاصم بن علي ، عن سفيان بن عيينة ، به .

ورواه سعيد بن منصور ، عن حماد بن زيد وسفيان بن عيينة ، كلاهما عن عمرو بن دينار ، به طريق أخرى : قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا مقدام بن داود ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا ابن لهيعة ، عن خالد بن يزيد ، عن أبي الزبير عن جابر قال : لما نزلت : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أعوذ بالله من ذلك " ( أو من تحت أرجلكم ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أعوذ بالله من ذلك " ( أو يلبسكم شيعا ) قال : " هذا أيسر " ، ولو استعاذه لأعاذه ويتعلق بهذه الآية [ الكريمة ] أحاديث كثيرة : أحدها : قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا أبو بكر - هو ابن أبي مريم - عن راشد - هو ابن سعد المقرئي - عن سعد بن أبي وقاص [ رضي الله عنه ] قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) فقال : " أما إنها كائنة ، ولم يأت تأويلها بعد " .

وأخرجه الترمذي ، عن الحسن بن عرفة ، عن إسماعيل بن عياش ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، به ثم قال : هذا حديث غريب .

[ جدا ] حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يعلى - هو ابن عبيد - حدثنا عثمان بن حكيم ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه قال : أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى مررنا على مسجد بني معاوية ، فدخل فصلى ركعتين ، فصلينا معه ، فناجى ربه ، عز وجل ، طويلا قال سألت ربي ثلاثا " سألته ألا يهلك أمتي بالغرق ، فأعطانيها وسألته ألا يهلك أمتي بالسنة ، فأعطانيها .

وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعنيها " .

انفرد بإخراجه مسلم فرواه في " كتاب الفتن " عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير ، كلاهما عن عبد الله بن نمير - وعن محمد بن يحيى بن أبي عمر ، عن مروان بن معاوية كلاهما عن عثمان بن حكيم ، به حديث آخر : قال الإمام أحمد : قرأت على عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك ، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك ; أنه قال : جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية - قرية من قرى الأنصار - فقال لي : هل تدري أين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجدكم هذا؟

فقلت : نعم .

فأشرت إلى ناحية منه ، فقال : هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟

فقلت : نعم .

فقال : وأخبرني بهن ، فقلت دعا ألا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ، ولا يهلكهم بالسنين ، فأعطيهما ، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعها .

قال : صدقت ، فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة " ليس هو في شيء من الكتب الستة ، وإسناده جيد قوي ، ولله الحمد والمنة .

حديث آخر : قال محمد بن إسحاق ، عن حكيم بن حكيم بن عباد ، عن حنيف ، عن علي بن عبد الرحمن أخبرني حذيفة بن اليمان قال : خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حرة بني معاوية ، قال : فصلى ثماني ركعات ، فأطال فيهن ، ثم التفت إلي فقال : حبستك؟

قلت الله ورسوله أعلم .

قال : إني سألت الله ثلاثا ، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة .

سألته ألا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم ، فأعطاني وسألته ألا يهلكهم بغرق ، فأعطاني .

وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعني " .

رواه ابن مردويه من حديث ابن إسحاق حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبيدة بن حميد ، حدثني سليمان الأعمش ، عن رجاء الأنصاري ، عن عبد الله بن شداد عن معاذ بن جبل ، - رضي الله عنه - ، قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطلبه فقيل لي : خرج قبل .

قال : فجعلت لا أمر بأحد إلا قال : مر قبل .

حتى مررت فوجدته قائما يصلي .

قال : فجئت حتى قمت خلفه ، قال : فأطال الصلاة ، فلما قضى صلاته قلت : يا رسول الله ، لقد صليت صلاة طويلة؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إني صليت صلاة رغبة ورهبة ، سألت الله ، عز وجل ، ثلاثا فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة .

سألته ألا يهلك أمتي غرقا ، فأعطاني وسألته ألا يظهر عليهم عدوا ليس منهم ، فأعطانيها .

وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم ، فردها علي " .

ورواه ابن ماجه في " الفتن " عن محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد ، كلاهما عن أبي معاوية ، عن الأعمش به ورواه ابن مردويه من حديث أبي عوانة ، عن عبد الله بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بمثله أو نحوه .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن بكير بن الأشج ، أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدثه عن أنس بن مالك أنه قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات .

فلما انصرف قال : " إني صليت صلاة رغبة ورهبة ، سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة : سألته ألا يبتلي أمتي بالسنين ، ففعل .

وسألته ألا يظهر عليهم عدوهم ، ففعل .

وسألته ألا يلبسهم شيعا ، فأبى علي " .

رواه النسائي في الصلاة ، عن محمد بن سلمة ، عن ابن وهب ، به .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة ، قال : قال الزهري : حدثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن خباب ، عن أبيه خباب بن الأرت - مولى بني زهرة وكان قد شهد بدرا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - أنه قال : راقبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة صلاها كلها ، حتى كان مع الفجر فسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته ، قلت يا رسول الله ، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أجل ، إنها صلاة رغب ورهب .

سألت ربي ، عز وجل ، فيها ثلاث خصال ، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة : سألت ربي ، عز وجل ، ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا ، فأعطانيها .

وسألت ربي ، عز وجل ، ألا يظهر علينا عدوا من غيرنا ، فأعطانيها .

وسألت ربي ، عز وجل ، ألا يلبسنا شيعا ، فمنعنيها " .

ورواه النسائي من حديث شعيب بن أبي حمزة به ومن وجه آخر .

وابن حبان في صحيحه ، بإسناديهما عن صالح بن كيسان - والترمذي في " الفتن " من حديث النعمان بن راشد - كلاهما عن الزهري به وقال : حسن صحيح .

حديث آخر : قال أبو جعفر بن جرير في تفسيره : حدثني زياد بن عبيد الله المزني ، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، حدثنا أبو مالك حدثني نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه ; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود ، فقال : " قد كانت صلاة رغبة ورهبة ، سألت الله ، عز وجل ، فيها ثلاثا ، أعطاني اثنتين ومنعني واحدة .

سألت الله ألا يصيبكم بعذاب أصاب به من قبلكم ، فأعطانيها .

وسألت الله ألا يسلط عليكم عدوا يستبيح بيضتكم ، فأعطانيها .

وسألته ألا يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها " .

قال أبو مالك : فقلت له : أبوك سمع هذا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال : نعم ، سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق قال : قال معمر ، أخبرني أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن أبي أسماء الرحبي ، عن شداد بن أوس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها ، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها ، وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر ، وإني سألت ربي ، عز وجل ، ألا يهلك أمتي بسنة بعامة وألا يسلط عليهم عدوا فيهلكهم بعامة ، وألا يلبسهم شيعا ، وألا يذيق بعضهم بأس بعض .

فقال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد .

وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة ، وألا أسلط عليهم عدوا ممن سواهم فيهلكهم بعامة ، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ، وبعضهم يقتل بعضا ، وبعضهم يسبي بعضا " .

قال : وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين ، فإذا وضع السيف في أمتي ، لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة " ليس في شيء من الكتب الستة ، وإسناده جيد قوي ، وقد رواه ابن مردويه من حديث حماد بن زيد وعباد بن منصور وقتادة ثلاثتهم عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحوه فالله أعلم حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي قالا حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن أبي مالك الأشجعي عن نافع بن خالد الخزاعي ، عن أبيه قال - وكان أبوه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان من أصحاب الشجرة - : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى والناس حوله ، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود .

قال : فجلس يوما فأطال الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض : أن اسكتوا ، إنه ينزل عليه .

فلما فرغ قال له بعض القوم : يا رسول الله ، لقد أطلت الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض : إنه ينزل عليك .

قال : " لا ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة ، سألت الله فيها ثلاثا فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة .

سألت الله ألا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم ، فأعطانيها .

ألا يسلط على أمتي عدوا يستبيحها ، فأعطانيها .

وسألته ألا يلبسكم شيعا وألا يذيق بعضكم بأس بعض ، فمنعنيها " ، قال : قلت له : أبوك سمعها من رسول الله صلى الله عليه؟

قال : نعم ، سمعته يقول : إنه سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عدد أصابعي هذه ، عشر أصابع حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يونس - هو ابن محمد المؤدب - حدثنا ليث - هو ابن سعد ، عن أبي وهب الخولاني عن رجل قد سماه ، عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " سألت ربي ، عز وجل ، أربعا فأعطاني ثلاثا ، ومنعني واحدة .

سألت الله ألا يجمع أمتي على ضلالة ، فأعطانيها .

وسألت الله ألا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ، فأعطانيها .

وسألت الله ألا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم ، فأعطانيها .

وسألت الله ، عز وجل ، ألا يلبسهم شيعا وألا يذيق بعضهم بأس بعض ، فمنعنيها " لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة .

حديث آخر : قال الطبراني : ، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا منجاب بن الحارث ، حدثنا أبو حذيفة الثعلبي ، عن زياد بن علاقة ، عن جابر بن سمرة السوائي ، عن علي [ رضي الله عنه ] ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة ، فقلت : يا رب ، لا تهلك أمتي جوعا فقال : هذه لك .

قلت : يا رب ، لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم - يعني أهل الشرك - فيجتاحهم .

قال ذلك لك .

قلت : يا رب ، لا تجعل بأسهم بينهم " .

قال : " فمنعني هذه " حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : ، حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، عن أحمد بن محمد بن عاصم ، حدثنا أبو الدرداء المروزي ، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان حدثني أبي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " دعوت ربي ، عز وجل ، أن يرفع عن أمتي أربعا ، فرفع الله عنهم اثنتين ، وأبى علي أن يرفع عنهم اثنتين .

دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء ، والغرق من الأرض ، وألا يلبسهم شيعا ، وألا يذيق بعضهم بأس بعض ، فرفع الله عنهم الرجم من السماء ، والغرق من الأرض ، وأبى الله أن يرفع اثنتين : القتل ، والهرج " .

طريق أخرى عن ابن عباس أيضا : قال ابن مردويه : حدثني عبد الله بن محمد بن زيد حدثني الوليد بن أبان ، حدثنا جعفر بن منير ، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد ، حدثنا عمرو بن قيس عن رجل ، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال : فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ ، ثم قال : " اللهم لا ترسل على أمتي عذابا من فوقهم ، ولا من تحت أرجلهم ، ولا تلبسهم شيعا ، ولا تذق بعضهم بأس بعض " قال : فأتاه جبريل فقال : يا محمد إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم حديث آخر : قال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزار ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى ، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد ، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي المنهال ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " سألت ربي لأمتي أربع خصال ، فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة .

سألته ألا تكفر أمتي واحدة ، فأعطانيها .

وسألته ألا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم ، فأعطانيها .

وسألته ألا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ، فأعطانيها .

وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعنيها " .

ورواه ابن أبي حاتم ، عن أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ، عن عمرو بن محمد العنقزي ، به نحوه طريق أخرى : وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا كثير بن زيد الليثي المدني ، حدثني الوليد بن رباح مولى آل أبي ذباب ، سمع أبا هريرة يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " سألت ربي ثلاثا ، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة .

سألته ألا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فأعطاني .

وسألته ألا يهلكهم بالسنين ، فأعطاني .

وسألته ألا يلبسهم شيعا وألا يذيق بعضهم بأس بعض ، فمنعني " .

ثم رواه ابن مردويه بإسناده عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بنحوه .

ورواه البزار من طريق عمر بن سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه أثر آخر : قال سفيان الثوري ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : أربعة من هذه الأمة : قد مضت ثنتان ، وبقيت ثنتان : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال : الرجم .

( أو من تحت أرجلكم ) قال : الخسف .

( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال سفيان : يعني : الرجم والخسف .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية عن أبي بن كعب : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال : فهي أربع خلال ، منها ثنتان بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمس وعشرين سنة ، ألبسوا شيعا ، وذاق بعضهم بأس بعض ، وبقيت اثنتان لا بد منهما واقعتان الرجم والخسف .

ورواه أحمد ، عن وكيع ، عن أبي جعفر .

ورواه ابن أبي حاتم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا المنذر بن شاذان ، حدثنا أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو الأشهب عن الحسن في قوله : ( قل هو القادر على أن يبعث [ عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ] ) الآية ، قال : حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها ، فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها .

وهكذا قال سعيد بن جبير وأبو مالك ومجاهد والسدي وابن زيد في قوله : ( عذابا من فوقكم ) يعني : الرجم .

( أو من تحت أرجلكم ) يعني : الخسف .

وهذا هو اختيار ابن جرير .

ورواه ابن جرير ، عن يونس ، عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) قال : كان عبد الله بن مسعود [ رضي الله عنه ] يصيح وهو في المجلس - أو على المنبر - يقول : ألا أيها الناس ، إنه قد نزل بكم .

إن الله يقول : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم [ أو من تحت أرجلكم ] ) لو جاءكم عذاب من السماء ، لم يبق منكم أحدا ( أو من تحت أرجلكم ) لو خسف بكم الأرض أهلككم ، لم يبق منكم أحدا ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث .

قول ثان : قال ابن جرير وابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، سمعت خلاد بن سليمان يقول : سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول : إن ابن عباس كان يقول في هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) فأما العذاب من فوقكم ، فأئمة السوء ( أو من تحت أرجلكم ) فخدم السوء .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( عذابا من فوقكم ) يعني : أمراءكم .

( أو من تحت أرجلكم ) يعني : عبيدكم وسفلتكم .

وحكى ابن أبي حاتم ، عن أبي سنان وعمير بن هانئ ، نحو ذلك .

وقال ابن جرير : وهذا القول وإن كان له وجه صحيح ، لكن الأول أظهر وأقوى .

وهو كما قال ابن جرير - رحمه الله - ويشهد له بالصحة قوله تعالى : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير [ ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير ] ) [ الملك : 16 - 18 ] ، وفي الحديث : " ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ " وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها وظهور الآيات قبل يوم القيامة ، وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى .

وقوله : ( أو يلبسكم شيعا ) أي : يجعلكم ملتبسين شيعا فرقا متخالفين .

قال الوالبي ، عن ابن عباس : يعني : الأهواء وكذا قال مجاهد وغير واحد .

وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة " .

وقوله : ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال ابن عباس وغير واحد : يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل .

وقوله : ( انظر كيف نصرف الآيات ) أي : نبينها ونوضحها ونقرها ( لعلهم يفقهون ) أي : يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه .

قال زيد بن أسلم : لما نزلت ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم [ أو من تحت أرجلكم ] ) الآية ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف .

قالوا : ونحن نشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله؟

قال : " نعم " .

فقال بعض الناس : لا يكون هذا أبدا ، أن يقتل بعضنا بعضا ونحن مسلمون ، فنزلت : ( انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء العادلين بربهم غيره من الأصنام والأوثان، يا محمد: إن الذي ينجيكم من ظلمات البرّ والبحر ومن كل كرب، ثم تعودون للإشراك به, هو القادر على أن يرسل عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم, لشرككم به، وادّعائكم معه إلهًا آخر غيره، وكفرانكم نعمه، مع إسباغه عليكم آلاءه ومِنَنه.

* * * وقد اختلف أهل التأويل في معنى " العذاب " الذي توعد الله به هؤلاء القوم أن يبعثه عليهم من فوقهم أو من تحت أرجلهم.

فقال بعضهم: أما العذاب الذي توعدهم به أن يبعثه عليه من فوقهم، فالرجم.

وأما الذي توعدهم أن يبعثه عليهم من تحتهم، فالخسف.

* ذكر من قال ذلك: 13344 - حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن السدي, عن أبي مالك: عذابًا من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، قال: الخسف.

(28) 13345 - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن الأشجعي, عن سفيان, عن السدي, عن أبي مالك وسعيد بن جبير, مثله .

13346 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو سلمة, عن شبل, عن ابن نجيح, عن مجاهد: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " ، قال الخسف .

13347 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم "، فعذاب السماء =" أو من تحت أرجلكم "، فيخسف بكم الأرض .

13348 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " قال: كان ابن مسعود يصيح وهو في المجلس أو على المنبر: ألا أيها الناس، إنه نـزل بكم.

إن الله يقول: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم "، لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحد =" أو من تحت أرجلكم "، لو خسف بكم الأرض أهلككم، لم يبق منكم أحد = أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، ألا إنه نـزل بكم أسوأ الثلاث.

(29) * * * وقال آخرون: عنى بالعذاب من فوقكم، أئمةَ السوء =" أو من تحت أرجلكم "، الخدم وسِفلة الناس.

* ذكر من قال ذلك: 13349 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت خلادًا يقول: سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول: إن ابن عباس كان يقول في هذه: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " ، فأما العذاب من فوقكم، فأئمة السوء = وأما العذاب من تحت أرجلكم، فخدم السوء.

(30) 13350- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم " ، يعني من أمرائكم =" أو من تحت أرجلكم "، يعني: سفلتكم .

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: عنى بالعذاب من فوقهم، الرجمَ أو الطوفان وما أشبه ذلك مما ينـزل عليهم من فوق رؤوسهم = ومن تحت أرجلهم، الخسفَ وما أشبهه.

وذلك أن المعروف في كلام العرب من معنى " فوق " و " تحت " الأرجل, هو ذلك، دون غيره.

وإن كان لما روي عن ابن عباس في ذلك وجه صحيح, غير أن الكلام إذا تُنُوزع في تأويله، فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحق وأولى من غيره، ما لم تأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها.

* * * القول في تأويل قوله : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أو يخلطكم =" شيعًا "، فرقًا, واحدتها " شِيعة ".

* * * وأما قوله: " يلبسكم " فهو من قولك: " لبَسْت عليه الأمر ", إذا خلطت," فأنا ألبِسه ".

وإنما قلت إن ذلك كذلك, لأنه لا خلاف بين القرأة في ذلك بكسر " الباء ", ففي ذلك دليل بَيِّنٌ على أنه من: " لبَس يلبِس ", وذلك هو معنى الخلط.

وإنما عنى بذلك: أو يخلطكم أهواء مختلفة وأحزابًا مفترقة.

(31) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13351 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أو يلبسكم شيعًا "، الأهواء المفترقة.

13352- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أو يلبسكم شيعًا " ، قال: يفرق بينكم.

13353- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أو يلبسكم شيعًا "، قال: ما كان منكم من الفتن والاختلاف.

(32) 13354 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله : " أو يلبسكم شيعًا " ، قال: الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف، والأهواء، وسفك دماء بعضهم بعضًا .

13355 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي, قال : حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " أو يلبسكم شيعًا " ، قال: الأهواء والاختلاف.

13356- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " أو يلبسكم شيعًا "، يعني بالشيع، الأهواء المختلفة .

* * * وأما قوله: " ويذيق بعضكم بأس بعض "، فإنه يعني: بقتل بعضكم بيد بعض.

* * * والعرب تقول للرجل ينال الرجل بسلام فيقتله به: " قد أذاق فلان فلانًا الموت "، و " أذاقه بأسه "، وأصل ذلك من: " ذوق الطعام " وهو يطعمه, ثم استعمل ذلك في كل ما وصل إلى الرجل من لذة وحلاوة، أو مرارة ومكروه وألم.

(33) * * * وقد بينت معنى " البأس " في كلام العرب فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(34) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13357- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، بالسيوف .

13358 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد, عن أبي هارون العبدي, عن عوف البكالي أنه قال في قوله: " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال: هي والله الرجال في أيديهم الحراب، يطعُنون في خواصركم .

13359 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال: يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب.

13360 - حدثنا سعيد بن الربيع الرازي قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: عذاب هذه الأمة أهل الإقرار، بالسيف " أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض " = وعذاب أهل التكذيب، الصيحة والزلزلة.

* * * ثم اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية.

فقال بعضهم: عني بها المسلمون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم, وفيهم نـزلت.

* ذكر من قال ذلك: 13361 - حدثني محمد بن عيسى الدامغاني قال، أخبرنا ابن المبارك, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية في قوله : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ الآية ، قال: فهن أربع، وكلهن عذاب, فجاء مستقرّ اثنتين، (35) بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة, فألبسوا شيعًا، وأذيق بعضهم بأس بعض, وبقيت اثنتان, فهما لا بدّ واقعتان = يعني: الخسف والمسخ.

(36) 13362 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، لأمة محمد صلى الله عليه وسلم, وأعفاكم منه =" أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا "، قال: ما كان فيكم من الفتن والاختلاف.

13363- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

13364 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا ، الآية.

ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صَلى ذات يوم الصبح فأطالها, فقال له بعض أهله: يا نبي الله، لقد صلّيت صلاة ما كنت تصَليها ؟

قال: إنها صلاةُ رَغبة ورَهبة, وإني سألت ربّي فيها ثلاثًا، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًّا من غيرهم، فيهلكهم، فأعطانيها.

وسألته أن لا يسلط على أمتي السنة، فأعطانيها.

(37) وسألته أن لا يلبسهم شيعًا ولا يذيق بعضهم بأس بعض, فمنعنيها.

ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله.

13365 - حدثنا أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع الرازي قالا حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو, سمع جابرًا يقول: لما أنـزل الله تعالى ذكره على النبي صلى الله عليه وسلم: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) ، قال: أعوذ بوجهك =" أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال: هاتان أيسر = أو: أهون.

(38) 13366- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن جابر, قال: لما نـزلت: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) ، قال: نعوذ بك, نعوذ بك =" أو يلبسكم شيعًا " ، قال: هو أهون.

(39) 13367 - حدثني زياد بن عبيد الله المزني قال، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري قال، حدثنا أبو مالك قال، حدثني نافع بن خالد الخزاعي, عن أبيه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، فقال: قد كانت صلاة رغبة ورهبة, فسألت الله فيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتين, وبقي واحداة.

سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به مَن قبلكم، فأعطانيها.

وسألت الله أن لا يسلِّط عليكم عدوًّا يستبيح بيضتكم، فأعطانيها.

وسألته أن لا يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض, فمنعنيها = قال أبو مالك: فقلت له: أبوك سمع هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال: نعم، سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها مِن في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(40) 13368 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن أيوب, عن أبي قلابة, عن أبي الأشعث, عن أبي أسماء الرحبي, عن شداد بن أوس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: إن الله زَوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربَها, وإنّ ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها, وإني أعطيت الكنـزين الأحمرَ والأبيض, وإني سألت ربّي أن لا يهلك قومي بسَنَةٍ عامة، وأن لا يلبسهم شيعًا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض, فقال: يا محمد, إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يردّ, وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلِّط عليهم عدوًّا ممن سواهم فيهلكهم بعامة، (41) حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، وبعضهم يقتل بعضًا، وبعضهم يسبي بعضًا.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني أخاف على أمتي الأئمة المضلين, فإذا وضع السيف في أمتي، لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة.

(42) 13369- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرني أيوب, عن أبي قلابة, عن أبي الأشعث, عن أبي أسماء الرحبي, عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكر نحوه = إلا أنه قال : وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين.

(43) 13370 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن الزهري قال: راقب خباب بن الأرتّ, وكان بدريًّا, النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يصلي, حتى إذا فرغ، وكان في الصبح، قال له: يا رسول الله, لقد رأيتك تصلي صلاة ما رأيتك صليت مثلها ؟

قال: أجل, إنها صلاة رَغَبٍ ورَهَبٍ, سألت ربي ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم، فأعطاني.

وسألته أن لا يسلط علينا عدوًّا، فأعطاني.

وسألته أن لا يلبسنا شيعًا، فمنعني.

(44) 13371- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري في قوله: " أو يلبسكم شيعًا "، قال: راقب خبابُ بن الأرت, وكان بدريًّا, رسولَ الله صلى الله عليه وسلم, فذكر نحوه = إلا أنه قال: ثلاث خصلات.

(45) 13372- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: لما نـزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك = أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك =" أو يلبسكم شيعًا " ، قال: هذه أهون.

(46) 13373 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس, عن الحسن : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: سألت ربّي أربعًا، فأعطيت ثلاثًا ومنعت واحداة: سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًّا من غيرهم يستبيح بيضتهم, ولا يسلط عليهم جوعًا, ولا يجمعهم على ضلالة، فأعطيتهن = وسألته أن لا يلبسهم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض, فمنعتُ.

13374 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني سألت ربي خصالا فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة: سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة، فأعطانيها.

وسألته لا يُظهر عليهم عدوًّا من غيرهم، فأعطانيها.

وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم من قبلهم، فأعطانيها.

وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم, فمنعنيها.

13375 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي بكر, عن الحسن قال: لما نـزلت هذه الآية, قوله: " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال الحسن: ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو يُشهده عليهم: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ, فسأل ربه أن لا يرسل عليهم عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم، ولا يلبس أمته شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل, فهبط إليه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، إنك سألت ربك أربعًا, فأعطاك اثنتين ومنعك اثنتين: لن يأتيهم عذاب من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم، فإنهما عذابان لكل أمة اجتمعت على تكذيب نبيها وردِّ كتاب ربها، ولكنهم يلبسهم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض, (47) وهذان عذابان لأهل الإقرار بالكتاب والتصديق بالأنبياء, ولكن يعذبون بذنوبهم، وأوحي إليه: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ، يقول: من أمتك = أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ = من العذاب وأنت حي = فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ [سورة الزخرف: 41،42].

فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم فراجع ربه, فقال : أيّ مصيبة أشدّ من أن أرى أمتي يعذب بعضها بعضًا!

وأوحي إليه: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ، [سورة العنكبوت: 1،3]، فأعلمه أن أمته لم تخصّ دون الأمم بالفتن, وأنها ستبلى كما ابتليت الأمم.

ثم أنـزل عليه: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [سورة المؤمنون: 93،94] ، فتعوّذ نبي الله, فأعاذه الله, لم يرَ من أمته إلا الجماعة والألفة والطاعة.

ثم أنـزل عليه آية حذّر فيها أصحابه الفتنة, فأخبره أنه إنما يُخَصّ بها ناسٌ منهم دون ناس, فقال: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ، [سورة الأنفال: 25] ، فخصّ بها أقوامًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بعده، وعصم بها أقوامًا.

13376 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية قال: لما جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما يكون في أمته من الفرقة والاختلاف, فشق ذلك عليه, ثم دعا فقال: اللهم أظهر عليهم أفضلهم بقية.

(48) 13377 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو الأسود قال، أخبرنا ابن لهيعة, عن خالد بن يزيد, عن أبي الزبير قال: لما نـزلت هذه الآية: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله من ذلك !

= قال: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، قال: أعوذ بالله من ذلك = قال: " أو يلبسكم شيعًا "، قال: هذه أيسر !

ولو استعاذه لأعاذه.

(49) 13378- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا المؤمل البصري قال، أخبرنا يعقوب بن إسماعيل بن يسار المديني قال، حدثنا زيد بن أسلم قال: لما نـزلت: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقابَ بعض بالسيوف!

فقالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله!

قال: نعم!

فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبدًا!

فأنـزل الله: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ .

(50) * * * وقال آخرون: عنى ببعضها أهل الشرك، وببعضها أهل الإسلام .

* ذكر من قال ذلك: 13379- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن هارون بن موسى, عن حفص بن سليمان, عن الحسن في قوله: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، قال: هذا للمشركين =" أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض "، قال: هذا للمسلمين.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره توعَّد بهذه الآية أهلَ الشرك به من عبدة الأوثان، وإياهم خاطبَ بها, لأنها بين إخبار عنهم وخطاب لهم, وذلك أنها تتلو قوله: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ، ويتلوها قوله: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ .

وغير جائز أن يكون المؤمنون كانوا به مكذبين ، فإذا كان غير جائز أن يكون ذلك كذلك, وكانت هذه الآية بين هاتين الآيتين, كان بيّنًا أن ذلك وعيدٌ لمن تقدّم وصف الله إياه بالشرك، وتأخر الخبر عنه بالتكذيب = لا لمن لم يجر له ذكر.

غير أن ذلك وإن كان كذلك، فإنه قد عم وعيدُه بذلك كلَّ من سلك سبيلهم من أهل الخلاف على الله وعلى رسوله، والتكذيب بآيات الله من هذه وغيرها.

وأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سألت ربي ثلاثًا, فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة " ، فجائز أن هذه الآية نـزلت في ذلك الوقت وعيدًا لمن ذكرتُ من المشركين، ومن كان على منهاجهم من المخالفين ربهم, فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعيذ أمته مما ابتلى به الأمم الذين استوجبوا من الله تعالى ذكره بمعصيتهم إياه هذه العقوبات، فأعاذهم بدعائه إياه ورغبته إياه، من المعاصي التي يستحقون بها من هذه الخلال الأربع من العقوبات أغلظها، ولم يُعذهم من ذلك ما يستحقون به اثنتين منها.

وأما الذين تأوّلوا أنه عني بجميع ما في هذه الآية هذه الأمة, فإني أراهم تأوّلوا أن في هذه الأمة من سيأتي من معاصي الله وركوب ما يُسخط الله، نحو الذي ركب مَن قبلهم من الأمم السالفة، من خلافه والكفر به, فيحلّ بهم مثل الذي حلّ بمن قبلهم من المثلات والنقمات، وكذلك قال أبو العالية ومن قال بقوله: " جاء منهن اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة.

وبقيت اثنتان، الخسف والمسخ "، وذلك أنه رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سيكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف "، (51) = وأن قومًا من أمته سيبيتون على لهو ولعب، ثم يصبحون قردة وخنازير.

(52) وذلك إذا كان, فلا شك أنه نظير الذي في الأمم الذين عتوا على ربهم في التكذيب وجحدوا آياته.

وقد روي نحو الذي روي عن أبي العالية, عن أبيّ.

13380 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = وحدثنا سفيان قال، أخبرنا أبي =، عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع, عن أبي العالية, عن أبي بن كعب: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا) ، قال: أربع خِلال, وكلهن عذاب, وكلهن واقعٌ قبل يوم القيامة, فمضت اثنتان بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعًا, وأذيق بعضهم بأس بعض.

وثنتان واقعتان لا محالة: الخسف والرجم.

(53) * * * القول في تأويل قوله : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر، يا محمد، بعين قلبك إلى ترديدنا حججنا على هؤلاء المكذبين بربّهم = الجاحدين نعمه، وتصريفناها فيهم (54) =" لعلهم يفقهون " ، يقول: ليفقهوا ذلك ويعتبروه, (55) فيذّكروا ويزدجروا عما هم عليه مقيمون مما يسخطه الله منهم، من عبادة الأوثان والأصنام، والتكذيب بكتاب الله تعالى ذكره ورسوله صلى الله عليه وسلم .

------------------------ الهوامش : (28) في المطبوعة ، كنص الآية ، ولكني رددت ما في المخطوطة إلى حاله.

(29) في المطبوعة خلاف ما في المخطوطة ، وفي المخطوطة أخطاء.

في المخطوطة: " .

.

.

عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو جاءكم عذاب من السماء" ، وفيها أيضًا: "أو من تحت أرجلكم يخسف بكم الأرض" ، وصواب هاتين فيما في المطبوعة ، وكان في المطبوعة نصب"أحد" في الموضعين ، وكان فيها أيضًا: "أهلككم ولم يبق" بالواو ، وأثبت ما في المخطوطة.

(30) الأثر: 13349 -"خلاد" ، هو"خلاد بن سليمان الحضرمي المصري" ، كان خياطًا أميًّا لا يكتب ، وكان من الخائفين.

روى عنه ابن وهب.

ثقة.

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/172 ، وابن أبي حاتم 1/2/365.

وأما "عامر بن عبد الرحمن" ، فإن البخاري وابن أبي حاتم ، ذكراه في ترجمة خلاد ، وذكر أنه سمع منه ، ولكني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع.

وهذا عجيب.

(31) انظر تفسير"لبس" فيما سلف 1: 567 ، 568/6: 503 - 505/11 : 270 (32) في المطبوعة: "من التفرق" ، وفي المخطوطة: "من العير" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(33) انظر تفسير"الذوق" فيما سلف 7: 96 ، 446 ، 452/8: 487/11 : 47 ، 324 ولكنه لن يبينه بيانًا شافيًا في المواضع السالفة ، وأبان عنه هنا إبانة تامة ، وهذا ضرب من ضروب اختصاره في تفسيره.

(34) انظر تفسير"البأس" فيما سلف 8 : 580/11 : 357.

(35) في المطبوعة: "فجاء منهن اثنتان" ، غير ما في المخطوطة ، وهو واضح فيها جدًا ، وهو صواب أيضًا.

(36) الأثر: 13361 -"محمد بن عيسى الدامغاني" ، شيخ أبي جعفر ، مضى برقم: 3225.

وانظر خبر أبي العالية ، عن أبي بن كعب ، رقم: 13380.

وتخريجه هناك.

(37) "السنة" ، الجدب والقحط.

(38) الأثر: 13665 -"أحمد بن الوليد القرشي" ، مضى برقم: 1692: "وأحمد بن الوليد" بدون نسبة ، وقال أخي السيد أحمد هناك: "ولم أعرف من هو".

وأزيد أني وجدت أبا جعفر يروي في تاريخه 1: 167 عن شيخه"أحمد بن الوليد الرملي" ثم سماه"أحمد بن الوليد" بلا نسبة ، وهو يروي في هذه الأسانيد ، عن: "إبراهيم بن زياد" ، و"إسحق بن المنذر" و"عبد الملك بن يزيد" ، و"عمرو بن عون" و"محمد بن الصباح" و"سعدويه".

ثم روي عنه في المنتخب من ذيل المذيل (تاريخه 13: 104) ، وروى"أحمد بن الوليد" في هذا الإسناد ، عن"الربيع بن يحيى".

جمعت هذا حتى أتحقق معرفته ونسبته ، أما تخريج الخبر ، ففي التعليق التالي.

(39) الأثران: 13365 ، 13366 -"عمرو" ، هو"عمرو بن دينار".

رواه البخاري (الفتح 8: 219) من طريق حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار.

وقال الحافظ ابن حجر: "وقع في الاعتصام من وجه آخر ، عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، سمعت جابرًا ، وكذا للنسائي من طريق معمر ، عن عمرو بن دينار ويعني ما رواه البخاري الفتح 13 ، 329 وسيأتي من طريق معمر ، عن عمرو بن دينار فيما يلي رقم: 13372.

ورواه الترمذي في كتاب التفسير من سننه ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".

(40) الأثر: 13367 -"زياد بن عبيد الله المزني" ، هكذا جاء هنا"المزني" ، ومضى برقم: 8284: "زياد بن عبيد الله المري" ، وقد كتب عنه أخي السيد أحمد فيما سلف ، وقال إنه لم يعرفه ، وقال إنه من المحتمل أن يكون: "زياد بن عبد الله بن خزاعي" ، لأنه يروى أيضًا عن"مروان بن معاوية" ، ولكن مجيئه هنا أيضًا"زياد بن عبيد الله" يضعف هذا الاحتمال.

و"مروان بن معاوية الفزاري" ثقة ، من شيوخ أحمد.

مضى برقم: 1222 ، 3322 ، 3842 ، 7685.

و"أبو مالك" هو"الأشجعي" ، واسمه"سعد بن طارق بن أشيم"؛ روى عن أبيه ، وأنس ، وعبد الله بن أبي أوفى ، وربعي بن حراش ، وغيرهم ، وثقه أحمد.

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/59 ، وابن أبي حاتم 2/1/86.

و"نافع بن خالد الخزاعي" ، روى عن أبيه ، روى عنه أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق ، مترجم في لسان الميزان 6: 145 ، والكبير للبخاري 4/2/85 ، وابن أبي حاتم 4/1/457.

ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم فيه جرحًا ، ولكن الحافظ ابن حجر أخطأ في لسان الميزان خطأ شنيعًا ، فقال: "قال ابن أبي حاتم عن أبيه في ترجمته : هو ونافع مجهولان" ، وهو سهو شديد ، فإن الذي قال ذلك عنه ابن أبي حاتم ، خالد آخر ، وهو موجود في كتابه 1/2/362 برقم: 1643 هكذا: "خالد ، روى عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، روى عنه ابنه محمد.

سمعت أبي يقول ذلك ، ويقول: هما مجهولان".

أما "خالد الخزاعي" ، فقد قال عنه: "روى عنه ابنه نافع ، يعد في الكوفيين ، سمعت أبي يقول ذلك" ، وهو موجود قبل تلك الترجمة برقم: 1642.

وهذا سهو شديد ينبغي أن يصحح.

وأبوه: "خالد الخزاعي الأزدي" غير مبين النسب ، ترجم له البخاري في الكبير 2/1/127 ، وقال: "يعد في الكوفيين" ، وقال ابن أبي حاتم 1/2/362: "له صحبة ، روى عنه ابنه نافع" ، كما ذكرت قبل.

وترجم له الحافظ في الإصابة.

وهذا خبر رجاله ثقات ، كما قال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمته.

وقد أشار إلى هذا الخبر ، البخاري في تاريخه 2/1/127 ، من طريق ابن أبي زائدة ، عن سعد بن طارق ، عن نافع بن خالد الخزاعي ، قال حدثني أبي ، وكان من أصحاب الشجرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى والناس ينظرون ، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود.

وأشار إليه الحافظ أيضًا في الفتح (8: 221) ، وأما في الإصابة فقد قال: "روى الحسن بن سفيان ، وأبو يعلى ، والطبراني في تفسيره ، وغيرهم ، من طريق أبي مالك.

.

.

." ثم ذكر الخبر وقال: "رجاله ثقات".

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 222 ، بنحوه ، ثم قال: "رواه الطبراني بأسانيد ، ورجال بعضها رجال الصحيح ، غير نافع بن خالد.

وقد ذكره ابن أبي حاتم ، ولم يجرحه أحد.

ورواه البزار".

وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 329 ، من رواية الحافظ أبي بكر بن مردويه ، عن عبد الله بن إسمعيل بن إبراهيم الهاشمي ، وميمون بن إسحق بن الحسن الحنفي ، كلاهما عن أحمد بن عبد الجبار ، عن محمد بن فضيل ، عن أبي مالك الأشجعي ، مطولا.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 19 ، ونسبه لابن جرير وابن مردويه ، ولم يزد شيئًا.

وأخرج الترمذي في الفتن ، من حديث خباب بن الأرت ، مثله ، كما سيأتي في رقم: 13370.

وقوله: "يستبيح بيضتهم" ، يريد: جماعتهم وأصلهم ومجتمعهم ، وموضع سلطانهم ، ومستقر دعوتهم.

يقول: لا تسلط عليهم عدوًا يستأصلهم ويهلكهم جميعًا.

قالوا: وذلك أن أصل البيضة إذا أهلك ، كان ذلك هلاك كل ما فيها من طعم أو فرخ.

وإذا لم يهلك أصل البيضة ، ربما سلم بعض فراخها.

وقال غيرهم: "البيضة": ساحة القوم ومعظم دارهم.

وهذا أقرب عندي.

(41) في المطبوعة: "فيهلكهم" ، وفي المخطوطة: "فيهلكوهم هم" ، وخلط في كتابتها ، والصواب من المسند.

(42) الأثر: 13268 -"أبو الأشعث الصنعاني" ، هو"شراحبيل بن آدة" ، من صنعاء الشام ، تابعي ثقة.

مترجم في التهذيب.

و"أبو أسماء الرحبي" ، هو"عمرو بن مرثد" تابعي ثقة ، مضى برقم: 4844.

و"شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري" ، صحابي ، قال عباد بن الصامت: "شداد بن أوس.

من الذين أوتوا العلم والحلم ، ومن الناس من أوتى أحدهما".

وهذا الخبر ، رواه أحمد في مسنده 4: 123 ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، بمثل رواية أبي جعفر.

وأشار إلى روايته من حديث شداد ، الحافظ ابن حجر في الفتح (8: 221) وقال: "وأخرج الطبري من حديث شداد ، نحوه ، بإسناد صحيح" ، يعني: نحو حديث ثوبان كما سأشير إليه بعد.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 328 ، 329 ، من مسند أحمد ، وقال: "ليس في شيء من الكتب الستة ، وإسناده جيد قوي.

وقد رواه ابن مردويه من حديث حماد بن زيد ، وعباد بن منصور ، وقتادة ، ثلاثتهم عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بنحوه والله أعلم".

وروي هذا الخبر بنحو هذا اللفظ من طريق أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان.

بنحو هذا اللفظ.

رواه مسلم في صحيحه 18: 12 ، 14 ، وأبو داود في سننه 4: 138 ، مطولا ، وخرجه السيوطي عن ثوبان.

في الدر المنثور 3: 17 ، وقال: "أخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، والبزار ، وابن حبان ، والحاكم وصححه ، واللفظ له ، وابن مردويه" ثم ساق لفظ الحاكم في المستدرك.مطولا.

قوله: "زوى لي الأرض": جمعها وقبضها حتى يراها جميعًا.

و"السنة": القحط.

وقال النووي في شرح مسلم: "وهذا الحديث فيه معجزات ظاهرة وقعت كلها بحمد الله ، كما أخبر به صلى الله عليه وسلم.

قال العلماء: المراد بالكنزين الذهب والفضة.

والمراد كنزي كسرى وقيصر ، ملكي العراق والشام.

فيه إشارة إلى أن ملك هذه الأمة يكون معظم امتداد في جهتي المشرق والمغرب.

وهكذا وقع.

وأما في جهتي الجنوب والشمال فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب.

وصلوات الله وسلامه على رسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى".

(43) الأثر: 13369 - انظر التعليق على الأثر السالف.

ومن هذه الطريق ، رواه أحمد في مسنده 4: 123 ، بمثل ما ذكر أبو جعفر.

(44) الأثر: 13370 - هذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5: 108 ، والترمذي في كتاب الفتن ، موصولا ، من طريق الزهري ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن خباب بن الأرت ، عن خباب بن الأرت ، مولى بني زهرة.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 328 ، من مسند أحمد ، ثم قال: "ورواه النسائي من حديث شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، به ، ومن وجه آخر.

وابن حبان في صحيحه بإسناديهما عن صالح ابن كيسان.

والترمذي في الفتن من حديث النعمان بن راشد ، كلاهما عن الزهري ، به.

وقال: حسن صحيح".

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 18 ، وقال: "أخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، والترمذي وصححه ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن مردويه ، عن خباب بن الأرت" ، وساق الخبر.

وقوله: "رغب ورهب" كلاهما بفتحتين ، أي: الرغبة والرهبة.

(45) الأثر: 13371 - انظر التعليق على الأثر السالف.

(46) الأثر: 13372 - انظر التعليق على الأثرين السالفين رقم: 13365 ، 13366 ، فهذه طريق أخرى.

(47) هكذا في المطبوعة والمخطوطة: "ولكنهم يلبسهم .

.

." ، وهو جائز ، والأجود"ولكنه يلبسهم" ، وأخشى أن يكون ما في النسخ من الناسخ.

(48) في المطبوعة: "أفضلهم تقية" ، وكأن صواب قراءتها ما أثبت ، فإنها في المخطوطة غير منقوطة"وقوله: "بقية" ، أي: إبقاء على من يظهر عليه ويظفر به.

(49) الأثر: 13377 -"خالد بن يزيد" هو الجمحي ، المصري.

مضى برقم: 3965 ، 5465 ، 9185 ، 9507 ، 12283.

و"أبو الزبير" ، هو"محمد بن مسلم المكي" ، مضى مرارًا.

(50) الأثر: 13378 -"المؤمل البصري" ، هو: "مؤمل بن إسمعيل البصري" ، وقد سلف مرارًا برقم: 2057 ، 3337 ، 5728 ، 8356 ، 8367.

وأما "يعقوب بن إسمعيل بن يسار المديني" ، فلم أجد له ذكرًا في كتب التراجم ، وهذا غريب.

(51) هذا حديث عائشة ، رواه الترمذي في الفتن بإسناده ، ونصه: "عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر هذه الأمة خسفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ.

قالت: قلت: يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون؟

قال: نعم ، إذا ظهر الخَبَثُ" ، قال الترمذي: "هذا حديثٌ غريبٌ من حديث عائشة ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

وعبد الله بن عمر ، تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه" يعني راوي الخبر: "عبد الله بن عمر ، عن عبيد الله ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة".

(52) روى البخاري (الفتح 10: 47 - 49) من حديث أبي مالك وأبي عامر الأشعري قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليكونن من أُمتي قومٌ يستحِلُّون الحِرِ (أي: الزنا) والحرير والخمر والمعازف ، وليزلنَّ أقوامٌ إلى جنب عَلَم ، تروح عليهم سارحةٌ لهم ، فيأتيهم رجلٌ لحاجته ، فيقولون: ارجع إلينا غدًا!

فيبيِّتهم الله تعالى ويضع العَلَم ، ويمسخ آخرين قِردةً وخنازير إلى يوم القيامة".

(53) الأثر: 13380 - إسناده صحيح ، رواه أحمد في مسنده 5: 134 ، 135 من طريق وكيع ، عن أبي جعفر الراوي ، عن الربيع.

عن أبي العالية ، مثله.

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 21 ، ثم قال: "رواه أحمد ، ورجاله ثقات.

قلت: والظاهر أن من قوله: فمضت اثنتان ، إلى آخره ، من قول رفيع (يعني أبا العالية) ، فإن أبي بن كعب لم يتأخر إلى زمن الفتنة".

وذكر مثل ذلك من علة هذا الخبر ، الحافظ ابن حجر في الفتح (8: 220) ثم قال: "وأعل أيضًا بأنه مخالف لحديث جابر وغيره.

وأجيب بأن طريق الجمع: أن الإعاذة المذكورة في حديث جابر وغيره ، مقيدة بزمان مخصوص ، وهو وجود الصحابة والقرون الفاضلة ، وأما بعد ذلك فيجوز وقوع ذلك فيهم.

وقد روى أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: "قل هو القادر" ، إلى آخرها فقال: أما إنها كائنة ، ولم يأت تأويلها بعد.

وهذا يحتمل أن لا يخالف حديث جابر بأن المراد بتأويلها ما يتعلق بالفتن ونحوها".

وذكر الخبر ابن كثير في تفسيره 3: 331 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 17 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، وأبي نعيم في الحلية.

(54) انظر تفسير"تصريف الآيات" فيما سلف: 365 (55) انظر تفسير"فقه" فيما سلف 8: 557/11 : 307

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهونقل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا أي القادر على إنجائكم من الكرب ، قادر على تعذيبكم .من فوقكم الرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح ; كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح ; عن مجاهد وابن جبير وغيرهما .أو من تحت أرجلكم الخسف والرجفة ; كما فعل بقارون وأصحاب مدين .

وقيل : من فوقكم يعني الأمراء الظلمة ، ومن تحت أرجلكم يعني السفلة وعبيد السوء ; عن ابن عباس ومجاهد أيضا .أو يلبسكم شيعا وروي عن أبي عبد الله المدني " أو يلبسكم " بضم الياء ، أي يجللكم العذاب ويعمكم به ، وهذا من اللبس بضم الأول ، وقراءة الفتح من اللبس .

وهو موضع مشكل والإعراب يبينه .

أي يلبس عليكم أمركم ، فحذف أحد المفعولين وحرف الجر ; كما قال : وإذا كالوهم أو وزنوهم وهذا اللبس بأن يخلط أمرهم فيجعلهم مختلفي الأهواء ; عن ابن عباس .

وقيل : معنى يلبسكم شيعا يقوي عدوكم حتى يخالطكم وإذا خالطكم فقد لبسكم .

شيعا معناه فرقا .

وقيل [ ص: 11 ] يجعلكم فرقا يقاتل بعضكم بعضا ; وذلك بتخليط أمرهم وافتراق أمرائهم على طلب الدنيا .ويذيق بعضكم بأس بعض أي بالحرب والقتل في الفتنة ; عن مجاهد .

والآية عامة في المسلمين والكفار .

وقيل هي في الكفار خاصة .

وقال الحسن : هي في أهل الصلاة .

قلت : وهو الصحيح ; فإنه المشاهد في الوجود ، فقد لبسنا العدو في ديارنا واستولى على أنفسنا وأموالنا ، مع الفتنة المستولية علينا بقتل بعضنا بعضا واستباحة بعضنا أموال بعض .

نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن .

وعن الحسن أيضا أنه تأول ذلك فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم .

روى مسلم عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال : من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا .

وروى النسائي عن خباب بن الأرت ، وكان قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه راقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة كلها حتى كان مع الفجر ، فلما سلم رسول الله من صلاته جاءه خباب فقال : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي !

لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت نحوها ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجل إنها صلاة رغب ورهب سألت الله عز وجل فيها ثلاث خصال فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة سألت ربي عز وجل ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطانيها وسألت ربي عز وجل ألا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها وسألت ربي عز وجل ألا يلبسنا شيعا فمنعنيها .

وقد أتينا على هذه الأخبار في كتاب " التذكرة " والحمد لله .

وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : يا جبريل ما بقاء أمتي على ذلك ؟

فقال له جبريل : إنما أنا عبد مثلك فادع ربك وسله لأمتك .

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ وأسبغ الوضوء وصلى وأحسن الصلاة ، ثم دعا فنزل جبريل وقال : يا محمد إن الله تعالى سمع مقالتك وأجارهم من خصلتين وهو العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم .

فقال : يا جبريل ما بقاء [ ص: 12 ] أمتي إذا كان فيهم أهواء مختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض ؟

فنزل جبريل بهذه الآية : الم .

أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا الآية .

وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعوذ بوجه الله فلما نزلت أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال : هاتان أهون .

وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح : اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة .

اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي .

اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك أن أغتال من تحتي .

قال وكيع : يعني الخسف .انظر كيف نصرف الآيات أي نبين لهم الحجج والدلالات .لعلهم يفقهون يريد بطلان ما هم عليه من الشرك والمعاصي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: هو تعالى قادر على إرسال العذاب إليكم من كل جهة.

{ مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ } أي: يخلطكم { شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } أي: في الفتنة، وقتل بعضكم بعضا.

فهو قادر على ذلك كله، فاحذروا من الإقامة على معاصيه، فيصيبكم من العذاب ما يتلفكم ويمحقكم، ومع هذا فقد أخبر أنه قادر على ذلك.

ولكن من رحمته، أن رفع عن هذه الأمة العذاب من فوقهم بالرجم والحصب، ونحوه، ومن تحت أرجلهم بالخسف.

ولكن عاقب من عاقب منهم، بأن أذاق بعضهم بأس بعض، وسلط بعضهم على بعض، عقوبة عاجلة يراها المعتبرون، ويشعر بها العالمون { انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ } أي: ننوعها، ونأتي بها على أوجه كثيرة وكلها دالة على الحق.

{ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } أي: يفهمون ما خلقوا من أجله، ويفقهون الحقائق الشرعية، والمطالب الإلهية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال الحسن وقتادة : نزلت الآية في أهل الإيمان ، وقال قوم نزلت في المشركين .

قوله ( عذابا من فوقكم ) يعني : الصيحة والحجارة والريح والطوفان ، كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح ، ( أو من تحت أرجلكم ) يعني : الرجفة والخسف كما فعل بقوم شعيب وقارون .

وعن ابن عباس ومجاهد : ( عذابا من فوقكم ) : السلاطين الظلمة ، ومن تحت أرجلكم : العبيد السوء ، وقال الضحاك : ( من فوقكم ) من قبل كباركم ( أو من تحت أرجلكم ) أي من أسفل منكم ، ( أو يلبسكم شيعا ) أي : يخلطكم فرقا ويبث فيكم الأهواء المختلفة ، ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) يعني : السيوف المختلفة ، يقتل بعضكم بعضا .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو النعمان أنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر قال : لما نزلت هذه الآية ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعوذ بوجهك " ، قال : ( أو من تحت أرجلكم ) قال : " أعوذ بوجهك " ، قال : ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا أهون أو هذا أيسر " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا أبو جعفر محمد بن علي دحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أنا يعلى بن عبيد الطنافسي أنا عثمان بن حكيم عن عامر بن سعد بن وقاص عن أبيه ، قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية فدخل فصلى ركعتين وصلينا معه فناجى ربه طويلا ثم قال : سألت ربي ثلاثا : سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها ، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها ، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعنيها " أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دلويه الدقاق ثنا محمد بن إسماعيل البخاري ثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أن عبد الله بن عمر جاءهم ثم قال : " إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد فسأل الله ثلاثا فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة ، سأله أن لا يسلط على أمته عدوا من غيرهم يظهر عليهم فأعطاه ذلك ، وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك وسأله أن لا يجعل بأس بعضهم على بعض ، فمنعه ذلك " .

قوله عز وجل : ( انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(قل هو القادر) على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) من السماء كالحجارة والصيحة (أو من تحت أرجلكم) كالخسف (أو يلبسكم) يخلطكم (شيعا) فرقا مختلفة الأهواء (ويذيق بعضكم بأس بعض) بالقتال، قال صلى الله عليه وسلم: لما نزلت (هذا أهون وأيسر) ولما نزل ما قبله:، (أعوذ بوجهك رواه البخاري وروى مسلم حديث "" سألت ربي ألا يجعل بأس أمتي بينهم فمنعنيها "" وفي حديث "" لما نزلت قال أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد "" (أنظر كيف نصرف) نبين لهم (الآيات) الدلالات على قدرتنا (لعلهم يفقهون) يعلمون أن ما هم عليه باطل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول-: الله عز وجل هو القادر وحده على أن يرسل عليكم عذابًا مِن فوقكم كالرَّجْم أو الطوفان، وما أشبه ذلك، أو من تحت أرجلكم كالزلازل والخسف، أو يخلط أمركم عليكم فتكونوا فرقًا متناحرة يقتل بعضكم بعضًا.

انظر -أيها الرسول- كيف نُنوِّع حججنا الواضحات لهؤلاء المشركين لعلهم يفهمون فيعتبروا؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - قدرته على تعذيبهم تهديدا لهم حتى يخشوا بأسه أثر بيان قدرته على تنجيتهم فقال - تعالى - : { قُلْ هُوَ .

.

.

} .المعنى : قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين ، إن الله - تعالى - وحده هو القادر على أن يرسل عليكم عذابا عظيما من فوقكم أى : من جهة العلو كما أرسل على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة ، أو من تحت أرجلكم أى من السفل كما حدث بالنسبة لفرعون وجنده من الغرق ، وبالنسبة لقارون حيث خسف به الأرض .وقيل : من فوقكم أى من قبل سلاطينكم وأكابركم ، ومن تحت أرجلكم أى : من قبل سفلتكم وعبيدكم .

وقيل : هو حبس المطر والنبات .وتصوير العذاب بأنه آت من أعلى أو من أسفل أشد وقعا فى النفس من تصويره بأنه آت من جهة اليمين أو من جهة الشمال ، لأن الآتى من هاتين الجهتين قد يتوهم دفعه ، أما الآتى من أعلى أو من أسفل فهو عذاب قاهر مزلزل لا مقاومة له ولا ثبات معه .وقوله { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } أى : يخلطكم فرقا مختلفة الأهواء ، متباينة المشارب ، مضطربة الشئون ، كل فرقة تتبع إماما لها تقاتل معه غيرها ، فيزول الأمن ويعم الفساد .و { شِيَعاً } جمع شيعة وهم الأتباع والأنصار ، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ، وقوله { وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } معطوف على ما قبله ، أى : يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل ، لأن من عواقب ذلك اللبس التقاتل والتصارع .

وفى هاتين الجملتين تصوير مؤثر للعذاب الذى يذوقه الناس بحواسهم إذ يجعلهم - سبحانه - شيعا وأحزابا غير منعزل بعضها عن بعض ، فهى أبدا فى جدال وصراع وفى خصومة ونزاع ، وفى بلاء يصبه هذا الفريق على ذاك ، وذلك أشنع ما تصاب به الجماعة فيأكل بعضها بعضا .ثم تختم الآية بهذا التعبير الحكيم { انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } .أى : انظر وتدبر - أيها الرسول الكريم - أو أيها العاقل كيف ننوع الآيات والعبر والعظات بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى لعلهم يفقهون الحق ويدركون حقيقة الأمر ، فينصرفوا عن الجحود والمكابرة ، ويكفوا عن كفرهم وعنادهم .هذا ، وقد ساق ابن كثير عقب تفسير هذه الآية جملة من الأحاديث منها ما رواه الإمام مسلم عن سعد بن أبى وقاص أنه أقبل مع النبى صلى الله عليه وسلم ذات يوم من العالية ، حتى إذا مر بمسجد بنى معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه .

ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال : سألت ربى ثلاثا فأعطانى ثنتين ومنعنى واحدة .

سألت ربى أن لا يهلك أمتى بالسَّنة فأعطانيها ، وسألته أن لا يهلك أمتى بالغرق فأعطانيها ، وسألت ربى أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد وهو ممزوج بنوع من التخويف فبين كونه تعالى قادراً على إيصال العذاب إليهم من هذه الطرق المختلفة، وأما إرسال العذاب عليهم تارة من فوقهم، وتارة من تحت أرجلهم ففيه قولان: الأول: حمل اللفظ على حقيقته فنقول: العذاب النازل عليهم من فوق مثل المطر النازل عليهم من فوق، كما في قصة نوح والصاعقة النازلة عليهم من فوق.

وكذا الصيحة النازلة عليهم من فوق.

كما حصب قوم لوط، وكما رمى أصحاب الفيل، وأما العذاب الذي ظهر من تحت أرجلهم.

فمثل الرجفة، ومثل خسف قارون.

وقيل: هو حبس المطر والنبات وبالجملة فهذه الآية تتناول جميع أنواع العذاب التي يمكن نزولها من فوق، وظهورها من أسفل.

القول الثاني: أن يحمل هذا اللفظ على مجازه.

قال ابن عباس: في رواية عن عكرمة عذاباً من فوقكم أي من الأمراء، ومن تحت أرجلكم من العبيد والسفلة.

أما قوله: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ فاعلم أن الشيع جمع الشيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة والجمع شيع وأشياع.

قال تعالى: ﴿ كَمَا فُعِلَ بأشياعهم مّن قَبْلُ  ﴾ وأصله من الشيع وهو التبع، ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضاً.

قال الزجاج قوله: ﴿ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق، فيجعلكم فرقاً ولا تكونون فرقة واحدة، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضاً وهو معنى قوله: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية شق ذلك على الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: ما بقاء أمتي إن عوملوا بذلك فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك فادع ربك لأمتك، فسأل ربه أن لا يفعل بهم ذلك.

فقال جبريل: إن الله قد أمنهم من خصلتين أن لا يبعث عليهم عذاباً من فوقهم كما بعثه على قوم نوح ولوط، ولا من تحت أرجلهم كما خسف بقارون ولم يجرهم من أن يلبسهم شيعاً بالأهواء المختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض بالسيف.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة الناجية فرقة» وفي رواية أخرى: «كلهم في الجنة إلا الزنادقة».

المسألة الثانية: ظاهر قوله: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ هو أنه تعالى يحملهم على الأهواء المختلفة والمذاهب المتنافية.

وظاهر أن الحق منها ليس إلا الواحد، وما سواه فهو باطل فهذا يقتضي أنه تعالى قد يحمل المكلف على الاعتقاد الباطل وقوله: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ لا شك أن أكثرها ظلم ومعصية، فهذا يدل على كونه تعالى خالقاً للخير والشر، أجاب الخصم عنه بأن الآية تدل على أن الله تعالى قادر عليه وعندنا الله قادر على القبيح.

إنما النزاع في أنه تعالى هل يفعل ذلك أم لا؟

والجواب: أن وجه التمسك بالآية شيء آخر فإنه قال: ﴿ هُوَ القادر ﴾ على ذلك وهذا يفيد الحصر فوجب أن يكون غير الله غير قادر على ذلك وهذا الاختلاف بين الناس حاصل وثبت بمقتضى الحصر المذكور أن لا يكون ذلك صادراً عن غير الله فوجب أن يكون صادراً عن الله وذلك يفيد المطلوب.

المسألة الثالثة: قالت المقلدة والحشوية: هذه الآية من أدل الدلائل على المنع من النظر والاستدلال، وذلك لأن فتح تلك الأبواب يفيد وقوع الاختلاف والمنازعة في الأديان وتفرق الخلق إلى المذاهب والأديان وذلك مذموم بحكم هذه الآية، والمفضي إلى المذموم مذموم، فوجب أن يكون فتح باب النظر والاستدلال في الدين مذموماً وجوابه سهل والله أعلم.

ثم قال تعالى في آخر الآية: ﴿ انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الأيات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ قال القاضي: هذا يدل على أنه تعالى أراد بتصريف هذه الآيات وتقرير هذه البينات، أن يفهم الكل تلك الدلائل ويفقه الكل تلك البينات.

وجوابنا: بل ظاهر الآية يدل على أنه تعالى ما صرف هذه الآيات إلا لمن فقه وفهم، فأما من أعرض وتمرد فهو تعالى ما صرف هذه الآيات لهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هُوَ القادر ﴾ هو الذي عرفتموه قادراً وهو الكامل القدرة ﴿ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ ﴾ كما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة، وأرسل على قوم نوح الطوفان ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وقيل من فوقكم: من قبل أكابركم وسلاطينكم.

ومن تحت أرجلكم: من قبل سفلتكم وعبيدكم.

وقيل: هو حبس المطر والنبات ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ أو يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام.

ومعنى خلطهم: أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال، من قوله: وَكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُهَا بِكَتِيبَة ** حَتَّى إذَا الْتَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يَدِي وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، وأخبرني جبريل أنّ فناء أمتي بالسيف» ، وعن جابر بن عبد الله: لما نزل ﴿ مّن فَوْقِكُمْ ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك» فلما نزل: ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ قال: «هاتان أهون» ومعنى الآية: الوعيد بأحد أصناف العذاب المعدودة.

والضمير في قوله: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ ﴾ راجع إلى العذاب ﴿ وَهُوَ الحق ﴾ أي لابد أن ينزل بهم ﴿ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ بحفيظ وكُل إليَّ أمركم أمنعكم من التكذيب إجباراً، إنما أنا منذر ﴿ لِّكُلِّ نَبَإٍ ﴾ لكل شيء ينبأ به، يعني إنباءهم بأنهم يعذبون وإيعادهم به ﴿ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ وقت استقرار وحصول لابد منه.

وقيل: الضمير في ﴿ نَبَإٍ ﴾ للقرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم كَما فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ ولُوطٍ وأصْحابِ الفِيلِ.

أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم كَما أغْرَقَ فِرْعَوْنَ، وخَسَفَ بِقارُونَ.

وقِيلَ مِن فَوْقِكم أكابِرُكم وحُكّامُكم ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم سَفَلَتُكم وعَبِيدُكم.

أوْ يَلْبِسَكم يَخْلِطَكم.

شِيَعًا فِرَقًا مُتَحَزِّبِينَ عَلى أهْواءٍ شَتّى، فَيَنْشَبُ القِتالُ بَيْنَكم قالَ: وكَتِيبَهٌ لَبِسْتُها بِكَتِيبَةٍ ∗∗∗ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدَيْ وَيُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ يُقاتِلُ بَعْضُكم بَعْضًا.

انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.

لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ.

وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ أيْ بِالعَذابِ أوْ بِالقُرْآنِ.

وهو الحَقُّ الواقِعُ لا مَحالَةَ أوِ الصِّدْقُ.

قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ بِحَفِيظٍ وُكِّلَ إلَيَّ أمْرُكم فَأمْنَعُكم مِنَ التَّكْذِيبِ، أوْ أُجازِيكم إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ الحَفِيظُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل هو القادر} هو الذى عرفتموه قادر أو هو الكامل القدرة فاللام يحتمل العهد والجنس {على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ} كما أمطر على قوم

لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} كما غرّق فرعون وخسف بقارون أو من قبل سلاطينكم وسفلتكم أو هو حبس المطر والنبات {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} أو يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى كل فرقة منكم مشايعة لإمام ومعنى خلطهم أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} يقتل بعضكم بعضاً والبأس السيف وعنه عليه الصلاة والسلام سألت الله تعالى أن لا يبعث على أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطانى ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمعنى وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف {انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الآيات} بالوعد والوعيد {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ ﴿ هُوَ القادِرُ ﴾ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ﴿ عَلى أنْ يَبْعَثَ ﴾ أيْ يُرْسِلُ ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَبْعَثَ) وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عَذابًا ﴾ لِلِاعْتِناءِ بِهِ والمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَبْعُوثِ مِمّا يَضُرُّهم ولِتَهْوِيلِ أمْرِ المُؤَخَّرِ، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى إلْقائِهِمْ في المَهالِكِ إثْرَ بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنَجِّي لَهم مِنها، وفِيهِ وعِيدٌ ضِمْنِيٌّ بِالعَذابِ لِإشْراكِهِمُ المَذْكُورُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ عَذابًا عَظِيمًا ﴿ مِن فَوْقِكُمْ ﴾ أيْ مِن جِهَةِ العُلُوِّ كالصَّيْحَةِ والحِجارَةِ والرِّيحِ وإرْسالِ السَّماءِ ﴿ أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ أيْ مِن جِهَةِ السِّفْلِ كالرَّجْفَةِ والخَسْفِ والإغْراقِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: (مِن فَوْقِكُمْ) أيْ مِن قِبَلِ أُمَرائِكم وأشْرافِكم و(ومِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ) أيْ مِن قِبَلِ سَفَلَتِكم وعَبِيدِكُمْ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ تَفْسِيرُ الأوَّلِ بِأئِمَّةِ السُّوءِ والثّانِي بِخَدَمِ السُّوءِ، والمُتَبادَرُ ما قَدَّمْنا وهو المَرْوِيُّ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَبْعَثَ) أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِعَذابٍ.

و(أوْ) لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ فَلا مَنعَ لِما كانَ مِنَ الجِهَتَيْنِ مَعًا كَما فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ أوْ يَلْبِسَكُمْ ﴾ أيْ يَخْلِطَ أمْرَكم عَلَيْكم فَفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ، وخَلْطُ أمْرِهِمْ عَلَيْهِمْ يَجْعَلُهم مُخْتَلِفِي الأهْواءِ، وقِيلَ: المُرادُ اخْتِلاطُ النّاسِ في القِتالِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَلا تَقْدِيرَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ السِّلْمِيِّ: وكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَةٍ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي وقُرِئَ (يُلْبِسَكُمْ) بِضَمِّ الياءِ وهو عَطْفٌ عَلى (يَبْعَثَ)، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شِيَعًا ﴾ جَمْعُ شِيعَةٍ كَسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهم قَوْمٌ اجْتَمَعُوا عَلى أمْرٍ، نُصِبَ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِـ ﴿ يَلْبِسَكُمْ ﴾ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ حالًا أيْضًا أيْ مُخْتَلِفِينَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ عُطِفَ عَلى (يَبْعَثَ) كَما نُقِلَ عَنِ السَّمِينِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى (يَلْبِسَ) وهو مِن قَبِيلِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ أوْ مِن عَطْفِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ.

وقُرِئَ (نُذِيقَ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ والمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ.

والبَعْضُ الأوَّلُ -عَلى ما قِيلَ- الكافِرُ والثّانِي المُؤْمِنُونَ فَفِيهِ حِينَئِذٍ وعْدٌ ووَعِيدٌ وقِيلَ: كِلا البَعْضَيْنِ مِنَ الكُفّارِ أيْ نُذِيقُ كُلًّا بَأْسَ الآخَرِ، وقِيلَ: البَعْضانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ هَذا لِلْمُشْرِكِينَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ ﴾ إلَخْ هَذا لِلْمُسْلِمِينَ ولا يَخْفى أنَّهُ تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ، ولَعَلَّ مُرادَ الحَسَنِ أنَّ هَذا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ويَقَعُ فِيهِمْ دُونَ الأوَّلِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قامَ النَّبِيُّ  فَتَوَضَّأ فَسَألَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ لا يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ولا يَلْبِسَ أُمَّتَهُ شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ كَما أذاقَ بَنِي إسْرائِيلَ فَهَبَطَ إلَيْهِ  جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ سَألْتَ رَبَّكَ أرْبَعًا فَأعْطاكَ اثْنَتَيْنِ ومَنَعَكَ اثْنَتَيْنِ؛ لَنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ مِن فَوْقِهِمْ ولا مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ يَسْتَأْصِلُهم فَإنَّهُما عَذابانِ لِكُلِّ أُمَّةٍ اسْتَجْمَعَتْ عَلى تَكْذِيبِ نَبِيِّها ورَدِّ كِتابِ رَبِّها ولَكِنَّهم يُلْبَسُونَ شِيَعًا ويُذِيقُ بَعْضُهم بَأْسَ بَعْضٍ، وهَذانَ عَذابانِ لِأهْلِ الإقْرارِ بِالكُتُبِ والتَّصْدِيقِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ ثَوْبانَ «أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ”إنَّ رَبِّي زَوى لِيَ الأرْضَ حَتّى رَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وأعْطانِي الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ وإنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لِي مِنها وإنِّي سَألْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أنَّهُ لا يُهْلِكُها بِسَنَةٍ عامَّةٍ فَأعْطانِيها، وسَألْتُهُ أنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَأعْطانِيها وسَألْتُهُ أنْ لا يُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيها وقالَ: يا مُحَمَّدُ إنِّي إذا قَضَيْتُ قَضاءً لَمْ يُرَدُّ إنِّي أعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أنْ لا أُهْلِكَها بِسَنَةٍ عامَّةٍ ولا أُظْهِرُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَيَسْتَبِيحَهم عامَّةً ولَوِ اجْتَمَعَ مَن بَيْنَ أقْطارِها حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم هو يُهْلِكُ بَعْضًا وبَعْضُهم هو يَسْبِي بَعْضًا»“ الحَدِيثَ وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي بَصْرَةَ الغِفارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: «سَألْتُ رَبِّي أرْبَعًا فَأعْطانِي ثَلاثًا ومَنَعَنِي واحِدَةً سَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلى ضَلالَةٍ فَأعْطانِيها وسَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَأعْطانِيها وسَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُهْلِكَهم بِالسِّنِينَ كَما أُهْلِكَتِ الأُمَمُ فَأعْطانِيها وسَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يَلْبِسَهم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَّ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيها» " والأخْبارُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.

وفي بَعْضِها دَلالَةٌ عَلى عَدِّ اللَّبْسِ والإذاقَةِ أمْرًا واحِدًا وفي بَعْضِها دَلالَةٌ عَلى عَدِّ ذَلِكَ أمْرَيْنِ، ومِن هُنا نَشَأ الِاخْتِلافُ السّابِقُ في العَطْفِ، وأيَّدَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلى (يَلْبِسَ) لا عَلى (يَبْعَثَ) بِكَوْنِهِ بِالواوِ دُونَ أوْ.ولا يُعارِضُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن عَدَمِ وُقُوعِ الأوَّلَيْنِ في هَذِهِ الأُمَّةِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ في هَذِهِ الآيَةِ.

أمّا أنَّها كائِنَةٌ ولَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُها بَعْدُ وكَذا ما أخْرَجَ الأوَّلُ في مُسْنَدِهِ مِن طَرِيقِ أبِي العالِيَةِ عَنِ ابْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هُنَّ أرْبَعٌ وكُلُّهُنَّ واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالوُقُوعِ وُقُوعٌ لا عَلى وجْهِ الِاسْتِئْصالِ وبِعَدَمِ الوُقُوعِ عَدَمُهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْصالِ وكَلامُ الحَسَنِ كالصَّرِيحِ في هَذا فافْهَمْ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ أيْ نُحَوِّلُها مِن نَوْعٍ إلى آخَرٍ مِن أنْواعِ الكَلامِ تَقْرِيرًا لِلْمَعْنى وتَقْرِيبًا إلى الفَهْمِ أوْ نُصَرِّفُها بِالوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ ﴾ 56 - أيْ كَيْ يَعْلَمُوا جَلِيَّةَ الأمْرِ فَيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، وقالَ بَعْضُ الحَشْوِيَّةِ والمُقَلِّدَةِ: إنَّها مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى المَنعِ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لِما أنَّ في ذَلِكَ فَتْحَ بابِ التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ المَذْمُومِ بِحُكْمِ الآيَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: من أهواله وشدائدهِ، والظلمات كناية عن الأهوال والشدائد تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وقال الكلبي: سراً وعلانية.

وقال مقاتل: يعني.

في خفض وسكون.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر خُفْيَةً بكسر الخاء، والباقون بالضم.

وهما لغتان وكلاهما واحد لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ يعني: من غمّ هذه الأهوال والشدائد لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ يعني: من الموحدين.

قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها يعني: من أهوال البر والبحر وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ يعني: ينجيكم من كل كرب.

يعني: من كل غم وشدة ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ يعني: ترجعون إلى الشرك.

وقرأ بعضهم يُنَجِّيكُمْ بالتخفيف والقراءة المعروفة بالتشديد وقرأ عاصم وحمزة والكسائي لَئِنْ أَنْجانا بالألف يعني: أنجانا الله تعالى.

وقرأ الباقون لاِن أَنْجَيْتَنَا على معنى المخاطبة.

وقرأ عاصم وحمزة والكسائي قُلِ الله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا بالتشديد.

وقرأ الباقون بالتخفيف ومعناهما واحد.

ويقال: أنْجَى يُنْجِي ونَجَّى يُنَجِّي.

وقوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ يعني: الحصب بالحجارة كما فعل بقوم لوط، والغرق كما أرسل على قوم نوح.

يعني: إن استكبرتم، وأصررتم، وكذبتم رسلي مثل ما فعل قوم نوح، أو فعلتم الفعلة التي فعل قوم لوط ثم قال: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ يعني يخسف بكم كما خسف بقارون ومن معه، إن استكبرتم واغتررتم بالدنيا كما فعل قارون.

ثم قال: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً يعني: الأهوال المختلفة، كما ألبس بني إسرائيل إن تركتم أمر رسولي، واتبّعتم هواكم كما فعل بنو إسرائيل وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ يعني يقتل بعضكم بعضاً بالسيف كما فعل بالأمم الخالية، إن فعلتم مثل ما فعلوا.

فلما نزلت هذه الآية قال النبيّ:  «يَا جِبْرِيلُ ما بَقَاءُ أُمَّتِي عَلَى ذلك؟» قال له جبريل: إنما أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ فادْعُ رَبَّكَ وَسَلْهُ لأمَّتِكَ فقام النبِي  فتوضأ، وأسبغ الوضوء، فأحسن الصلاة، ثم دعا فنزل جبريل فقال: إنَّ الله تعالَى سَمِعَ مَقَالَتَكَ، وَأَجَارَهُمْ مِنْ خَصْلَتَيْنِ، وَهُوَ العَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ، وَمِن تحت أَرْجُلِهِمْ.

فَقَالَ: «يَا جِبْرِيلُ ما بَقَاءُ أُمَّتِي إذا كان فِيهِمْ أَهْوَاءَ مُخْتَلِفَةٌ وَيُذِيقُ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ؟» فنزل جبريل بهذه الآية الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا [العنكبوت: 1- 2] الآية وقال النبي  : «افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفَتَرِقُ أُمَّتِي اثْنَانَ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إلاَّ وَاحِدَةَ» .

قالوا: يا رسول الله ما هذه الواحدة؟

قال: «أهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ الَّذِي أنا عَلَيْهِ، وأصْحَابِي» .

وفي خبر آخر.

«السَّوَادُ الأعْظَمُ» .

وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أنه قال: لما نزلت هذه الآية قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال رسول الله  : «أعُوذُ بِوَجْهِ الله» فلما نزلت أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال: «هاتان أهون» ويقال: عذابا من فوقكم يعني: سلطاناً جائراً، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ من سفهائكم يقلبون عليكم أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً، وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ يعني: الفتنة بين المحلتين أو القريتين.

ثم قال: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ يعني: نبين الآيات من البلاء والعذاب في القرآن لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ يعني: يعقلون ما هم عليه.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

- بكسر الخاء-، وقرأ الأعمشُ: «وخِيفَةً» من الخَوْف «١» .

وقوله سبحانه: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها ...

الآية: سبق في المُجَادَلة إلى الجَوَابِ إذْ لا محيدَ عنْه، وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ: لفظٌ عامٌّ أيضاً، ليتَّضِحَ العُمُومُ الذي في «الظلماتِ» ، ثُمَّ أَنْتُمْ، أي: ثم بَعْدَ معرفتكم بهذا كلِّه، وتحقّقكم له، أنتم تشركون.

وقوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ...

الآية: هذا إخبارٌ يتضمَّن الوعيدَ، والأظهرُ مِنْ نَسَقِ الآياتِ: أنَّ هذا الخطابَ للكفَّار الذين تَقَدَّم ذكرهم، وهو مَذْهَبُ الطبريِّ «٢» .

وقال أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وجماعة: هو للمؤمِنِينَ، وهم «٣» المرادُ.

وهذا الاختلافُ إنما هو بحَسَبِ ما يَظْهَرُ منْ أنَّ الآية تتناوَلُ معانِيهَا المشركِينَ والمؤمنينَ وفي «البخاريِّ» وغيره مِنْ حَدِيثِ جابر وغيره: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لما نزلَتِ الآيةُ:

قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ، قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فلما نزلَتْ:

أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ، قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فلما نزلَتْ: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال: هذه أهونُ أو أيَسر» «٤» فاحتج بهذا الحديثِ من قال: إنّها

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الَّذِي فَوْقَهُمُ: العَذابُ النّازِلُ مِنَ السَّماءِ، كَما حُصِبَ قَوْمُ لُوطٍ، وأصْحابُ الفِيلِ.

والَّذِي مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ: كَما خَسَفَ بِقارُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

وقالَ غَيْرُهُمْ: ومِنهُ الطُّوفانُ، والرِّيحُ، والصَّيْحَةُ، والرَّجْفَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الَّذِي مِن فَوْقِهِمْ: مِن قِبَلِ أُمَرائِهِمْ.

والَّذِي مِن تَحْتِهِمْ: مِن سَفَلَتِهِمْ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: الَّذِي مِن فَوْقِهِمْ: أئِمَّةُ السُّوءِ؛ والَّذِي مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ: عَبِيدُ السُّوءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَبُثُّ فِيكُمُ الأهْواءَ المُخْتَلِفَةَ، فَتَصِيرُونَ فِرَقًا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُلْبِسُكُمْ: مِنَ الِالتِباسِ عَلَيْهِمْ والمَعْنى: حَتّى تَكُونُوا شِيَعًا، أيْ: فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ.

ثُمَّ يُذِيقُ بَعْضُكم بَأْسَ بَعْضٍ بِالقِتالِ والحَرْبِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يَلْبِسَكم، أيْ: يَخْلِطَ أمْرَكم خَلْطَ اضْطِرابٍ، لا خَلْطَ اتِّفاقٍ.

يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِمُ الأمْرَ، أُلْبِسُهُ: إذا لَمْ أُبَيِّنْهُ.

ومَعْنى شِيَعًا: أيْ يَجْعَلُكم فِرَقًا، فَإذا كُنْتُمْ مُخْتَلِفِينَ، قاتَلَ بَعْضُكم بَعْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ أيْ يَقْتُلُ بَعْضُكم بِيَدِ بَعْضٍ.

وفِيمَن عَنِيَ بِهَذِهِ الآَيَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها في المُسْلِمِينَ أهْلِ الصَّلاةِ، هَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي العالِيَةَ، وقَتادَةَ.

وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في هَذِهِ الآَيَةِ: هُنَّ أرْبَعُ خِلالٍ، وكُلُّهُنَّ عَذابٌ، وكُلُّهُنَّ واقِعٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَمَضَتِ اثْنَتانِ قَبْلَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ  بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، أُلْبِسُوا شِيَعًا، وأُذِيقَ بَعْضُهم بَأْسَ بَعْضٍ.

وثِنْتانِ واقِعَتانِ لا مَحالَةَ: الخَسْفُ، والرَّجْمُ.

والثّانِي: أنَّ العَذابَ لَلْمُشْرِكِينَ، وباقِي الآَيَةِ لَلْمُسْلِمِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقَدْ رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: سَألْتُ رَبِّي ثَلاثًا، فَأعْطانِي اثْنَتَيْنِ، ومَنَعَنِي واحِدَةً، سَألْتُهُ أنْ لا يُصِيبَكم بِعَذابٍ أصابَ بِهِ مَن كانَ قَبْلَكم فَأعْطانِيها، وسَألْتُهُ أنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْكم عَدُوًّا يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَكم فَأعْطانِيها، وسَألْتُهُ أنْ لا يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ، فَمَنَعَنِيها.» والثّالِثُ: أنَّها تَهَدُّدٌ لَلْمُشْرِكِينَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أو مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أو يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ ﴾ ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ هَذا إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والأظْهَرُ مِن نَسَقِ الآياتِ أنَّ هَذا الخِطابَ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ؛ وهو مَذْهَبُ الطَبَرِيِّ ؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وأبُو العالِيَةِ ؛ وجَماعَةٌ مَعَهُما: هي لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وهُمُ المُرادُ؛ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هي أرْبَعُ خِلالٍ؛ وكُلُّهُنَّ عَذابٌ؛ وكُلُّهُنَّ واقِعٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَمَضَتِ اثْنَتانِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ ثُمَّ لُبِسُوا شِيَعًا؛ وأُذِيقَ بَعْضُهم بِأْسَ بَعْضٍ؛ واثْنَتانِ واقِعَتانِ لا مَحالَةَ: اَلْخَسْفُ والرَجْمُ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: بَعْضُها لِلْكُفّارِ؛ وبَعْضُها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ بَعْثُ العَذابِ مِن فَوْقُ؛ وتَحْتُ؛ لِلْكُفّارِ؛ وسائِرُها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وهَذا الِاخْتِلافُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَظْهَرُ مِن أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُ مَعانِيها المُشْرِكِينَ؛ والمُؤْمِنِينَ.

ورُوِيَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ ؛ وخالِدٍ الخُزاعِيِّ؛ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ ﴾ ؛ قالَ: "أعُوذُ بِوَجْهِكَ"؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ أو مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ ؛ قالَ: "أعُوذُ بِوَجْهِكَ"؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ أو يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ ؛ قالَ: "هَذِهِ أهْوَنُ"؛ أو: "هَذِهِ أيْسَرُ"؛» فاحْتَجَّ بِهَذا مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: وغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يَكُونُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَعَوَّذَ لِأُمَّتِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي تُوُعِّدَ بِها الكُفّارُ؛ وهَوَّنَ الثالِثَةَ لِأنَّها بِالمَعْنى هي الَّتِي دَعا بِها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمُنِعَ؛ حَسَبَ حَدِيثِ المُوَطَّإ وغَيْرِهِ؛ وقَدْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّها أسْوَأُ الثَلاثِ؛ وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ الإغْلاظِ في المَوْعِظَةِ؛ والحَقُّ أنَّها أيْسَرُها؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ومِن فَوْقِكم ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم ؛ لَفْظٌ عامٌّ لِلْمُنْطَبِقَيْنِ عَلى الإنْسانِ؛ وقالَ السُدِّيُّ عن أبِي مالِكٍ: ﴿ مِن فَوْقِكُمْ ﴾ : اَلرَّجْمُ؛ و ﴿ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ : اَلْخَسْفُ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ مِن فَوْقِكُمْ ﴾ : وُلاةُ الجَوْرِ؛ و ﴿ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ ؛ سِفْلَةُ السُوءِ؛ وخَدَمَةُ السُوءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ كُلُّها أمْثِلَةٌ؛ لا أنَّها هي المَقْصُودُ؛ إذْ هي وغَيْرُها مِنَ القُحُوطِ والغَرَقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ داخِلٌ في عُمُومِ اللَفْظِ.

و"يَلْبِسَكُمْ"؛ عَلى قِراءَةِ السِتَّةِ؛ مَعْناهُ: "يَخْلِطَكُمْ"؛ "شِيَعًا"؛ فِرَقًا؛ يَتَشَيَّعُ بَعْضُها لِبَعْضٍ؛ واللَبْسُ: اَلْخَلْطُ؛ وقالَ المُفَسِّرُونَ: هو افْتِراقُ الأهْواءِ؛ والقِتالُ بَيْنَ الأُمَّةِ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللهِ المَدَنِيُّ: "يُلْبِسَكُمْ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ مِن "ألْبَسَ"؛ فَهو عَلى هَذِهِ اسْتِعارَةٌ مِن "اَللِّباسُ"؛ فالمَعْنى: "أو يُلْبِسَكُمُ الفِتْنَةَ شِيَعًا"؛ و"شِيَعًا"؛ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ وقَدْ قالَ الشاعِرُ: لَبِسْتُ أُناسًا فَأفْنَيْتُهم ∗∗∗...............

فَهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ الخُلْطَةِ؛ والمُقاساةِ؛ وإلْباسِ القَتْلِ؛ وما أشْبَهَهُ مِنَ المَكارِهِ.

"وَيُذِيقَ"؛ اِسْتِعارَةٌ؛ إذْ هي مِن أجَلِّ حَواسِّ الِاخْتِبارِ؛ وهي اسْتِعارَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في كَثِيرٍ مِن كَلامِ العَرَبِ؛ وفي القُرْآنِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَنُذِيقَ"؛ بِنُونِ الجَماعَةِ؛ وهي نُونُ العَظَمَةِ في جِهَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقُولُ: "أذَقْتُ فُلانًا العَلْقَمَ"؛ تُرِيدُ كَراهِيَةَ شَيْءٍ صَنَعْتَهُ بِهِ؛ ونَحْوَ هَذا.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اِسْتِرْجاعٌ لَهُمْ؛ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ تَعْجِيبٍ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَمُضَمَّنُها أنَّ هَذِهِ الآياتِ والدَلائِلَ إنَّما هي لِاسْتِصْرافِهِمْ عن طَرِيقِ غَيِّهِمْ؛ و"اَلْفَقْهُ": اَلْفَهْمُ.

والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدُ عَلى القُرْآنِ الَّذِي فِيهِ جاءَ تَصْرِيفُ الآياتِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ ؛ وهَذا هو الظاهِرُ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا بَعِيدٌ؛ لِقُرْبِ مُخاطَبَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالكافِ في قَوْلِهِ: "قَوْمُكَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الوَعِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ؛ ونَحا إلَيْهِ الطَبَرِيُّ ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكَذَّبَتْ بِهِ قَوْمُكَ"؛ بِزِيادَةِ تاءٍ؛ و"بِوَكِيلٍ"؛ مَعْناهُ: بِمَدْفُوعٍ إلى أخْذِكم بِالإيمانِ؛ والهُدى؛ و"اَلْوَكِيلُ"؛ بِمَعْنى: "اَلْحَفِيظُ"؛ وهَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الجِهادِ والأمْرِ بِالقِتالِ؛ ثُمَّ نُسِخَ؛ وقِيلَ: لا نَسْخَ في هَذا؛ إذْ هو خَبَرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنَسْخُ فِيهِ مُتَوَجَّهٌ؛ لِأنَّ اللازِمَ مِنَ اللَفْظِ: "لَسْتَ الآنَ"؛ ولَيْسَ فِيهِ أنَّهُ لا يَكُونُ في المُسْتَأْنَفِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾ ؛ أيْ غايَةٌ؛ يُعْرَفُ عِنْدَها صِدْقُهُ مِن كَذِبِهِ؛ ﴿ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ مَحْضٌ؛ ووَعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}.

استئناف ابتدائي عُقّب به ذكرُ النعمة التي في قوله: ﴿ قل من يُنجّيكم ﴾ بذكر القدرة على الانتقام، تخويفاً للمشركين.

وإعادة فعل الأمر بالقول مثل إعادته في نظائره للاهتمام المبيَّن عند قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ﴾ [الأنعام: 40].

والمعنى قل للمشركين، فالمخاطب بضمائر الخطاب هم المشركون.

والمقصود من الكلام ليس الإعلام بقدرة الله تعالى فإنَّها معلومة، ولكن المقصود التهديد بتذكيرهم بأنّ القادر من شأنه أن يُخاف بأسُه فالخبر مستعمل في التعريض مجازاً مرسلاً مركّباً، أو كناية تركيبية.

وهذا تهديد لهم، لقولهم ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربِّه ﴾ [يونس: 20].

وتعريف المسند والمسند إليه أفاد القصر، فأفاد اختصاصه تعالى بالقدرة على بعث العذاب عليهم وأنّ غيره لا يقدر على ذلك فلا ينبغي لهم أن يخشوا الأصنام، ولو أرادوا الخير لأنفسهم لخافوا الله تعالى وأفردوه بالعبادة لمرضاته، فالقصر المستفاد إضافي.

والتعريف في ﴿ القادر ﴾ تعريف الجنس، إذ لا يقدر غيره تعالى على مثل هذا العذاب.

والعذاب الذي من فوق مثل الصواعق والريح، والذي من تحت الأرجل مثل الزلازل والخسف والطوفان.

و ﴿ يلبسكم ﴾ مُضارع لَبَسَه بالتحريك أي خلطه، وتعدية فعل ﴿ يلبسكم ﴾ إلى ضمير الأشخاص بتقدير اختلاط أمرهم واضطرابه ومَرجه، أي اضطراب شؤونهم، فإنّ استقامة الأمور تشبه انتظام السلك ولذلك سمَّيت استقامة أمور الناس نظاماً.

وبعكس ذلك اختلال الأمور والفوضى تشبه اختلاط الأشياء، ولذلك سمّي مَرَجاً ولَبْساً.

وذلك بزوال الأمن ودخول الفساد في أمور الأمّة، ولذلك يقرن الهَرْج وهو القتل بالمَرْج، وهو الخلط فيقال: هم في هَرْج ومَرْج، فسكون الراء في الثاني للمزاوجة.

وانتصب ﴿ شِيَعاً ﴾ على الحال من الضمير المنصوب في ﴿ يَلْبِسَكم ﴾ .

والشيَع جمع شيعة بكسر الشين وهي الجماعة المتَّحدة في غرض أو عقيدة أو هوى فهم متّفقون عليه، قال تعالى: ﴿ إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيَاً لست منهم في شيء ﴾ [الأنعام: 159].

وشيعة الرجل أتباعه والمقتدون به قال تعالى: ﴿ وإنّ من شيعته لإبراهيم ﴾ [الصافات: 83] أي من شيعة نوح.

وتشتّت الشيع وتعدّد الآراء أشدّ في اللبس والخلط، لأنّ اللبس الواقع كذلك لبس لا يرجى بعده انتظام.

وعطف عليه ﴿ ويذيق بعضَكم بأس بعض ﴾ لأنّ من عواقب ذلك اللبس التقاتل.

فالبأس هو القتل والشرّ، قال تعالى: ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ [النحل: 81].

والإذاقة استعارة للألم.

وهذا تهديد للمشركين كما قلنا بطريق المجاز أو الكناية.

وقد وقع منه الأخير فإنّ المشركين ذاقوا بأس المسلمين يومَ بدر وفي غزوات كثيرة.

في «صحيح البخاري» عن جابر بن عبد الله قال: " لما نزلتْ ﴿ قُلْ هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ قال رسول صلى الله عليه وسلم أعوذُ بوجهك.

قال: ﴿ أوْ من تحت أرجلكم ﴾ قال: أعوذ بوجهك قال: ﴿ أو يلبِسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ قال رسول الله: هذا أهون، أو هذا أيسر " اه.

واستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك خشية أن يعمّ العذاب إذا نزل على الكافرين مَن هو بجوارهم من المسلمين لقوله تعالى: ﴿ واتَّقُوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة ﴾ [الأنفال: 25] وفي الحديث قالوا: «يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث» وفي الحديث الآخر «ثم يُحْشَرُون على نيّاتهم» ومعنى قوله: هذه أهون، أنّ القتل إذا حلّ بالمشركين فهو بيد المسلمين فيلحق المسلمين منه أذى عظيم لكنَّه أهون لأنَّه ليس فيه استئصال وانقطاع كلمة الدين، فهو عذاب للمشركين وشهادة وتأييد للمسلمين.

وفي الحديث: «لا تتمنَّوا لقاء العدوّ واسألوا الله العافية» وبعض العلماء فسّر الحديث بأنَّه استعاذ أن يقع مثل ذلك بين المسلمين.

ويتَّجه عليه أن يقال: لماذا لم يستعذ الرسول صلى الله عليه وسلم من وقوع ذلك بين المسلمين، فلعلّه لأنه أوحي إليه أنّ ذلك يقع في المسلمين، ولكن الله وعده أن لا يسلِّط عليهم عدوّاً من غير أنفسهم.

وليست استعاذته بدالة على أنّ الآية مراد بها خطاب المسلمين كما ذهب إليه بعض المفسّرين، ولا أنَّها تهديد للمشركين والمؤمنين، كما ذهب إليه بعض السلف؛ إلاّ على معنى أنّ مفادها غيرَ الصريح صالح للفريقين لأنّ قدرة الله على ذلك صالحة للفريقين، ولكن المعنى التهديدي غير مناسب للمسلمين هنا.

وهذا الوجه يناسب أن يكون الخبر مستعملاً في أصل الإخبار وفي لازمه فيكون صريحاً وكناية ولا يناسب المجاز المركّب المتقدّم بيانه.

﴿ انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ الايات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ .

استئناف وردَ بعد الاستفهامين السابقين.

وفي الأمر بالنظر تنزيل للمعقول منزلة المحسوس لقصد التعجيب منه، وقد مضى في تفسير قوله تعالى: ﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة [النساء: 50] وتصريف الآيات تنويعها بالترغيب تارة والترهيب أخرى.

فالمراد بالآيات آيات القرآن.

وتقدّم معنى التصريف عند قوله تعالى: ﴿ انظر كيف نصرّف الآيات ثم هم يصدفون ﴾ في هذه السورة [46].

﴿ ولعلّهم يفقهون ﴾ استئناف بياني جواب لسؤال سائل عن فائدة تصريف الآيات، وذلك رجاء حصول فهمهم لأنَّهم لعنادهم كانوا في حاجة إلى إحاطة البيان بأفهامهم لعلَّها تتذكَّر وترعوي.

وتقدّم القول في معنى (لعلّ) عند قوله تعالى: ﴿ لعلّكم تتّقون ﴾ في سورة [البقرة: 21].

وتقدّم معنى الفقه عند قوله تعالى: ﴿ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ﴾ في سورة [النساء: 78].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ العَذابَ الَّذِي مِن فَوْقِهِمُ الرَّجْمُ، واَلَّذِي مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمُ الخَسْفُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ.

والثّانِي: أنَّ العَذابَ الَّذِي مِن فَوْقِهِمْ أئِمَّةُ السُّوءِ، والعَذابُ الَّذِي مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ عَبِيدُ السُّوءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي مِن فَوْقِهِمُ الطُّوفانُ، واَلَّذِي مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمُ الرِّيحُ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَيُحْتَمَلُ أنَّ العَذابَ الَّذِي مِن فَوْقِهِمْ طَوارِقُ السَّماءِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن أفْعالِ العِبادِ لِأنَّها فَوْقَهم، والَّتِي مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ما كانَ مِن أفْعالِ العِبادِ لِأنَّ الأرْضَ تَحْتَ أرْجُلِ جَمِيعِهِمْ.

﴿ أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأهْواءُ المُخْتَلَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها الفِتَنُ والِاخْتِلافُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: أيْ يُسَلِّطُ عَلَيْكم أتْباعَكُمُ الَّذِينَ كانُوا أشْياعَكم، فَيَصِيرُوا لَكم أعْداءً بَعْدَما كانُوا أوْلِياءَ، وهَذا مِن أشَدِّ الِانْتِقامِ أنْ يَسْتَعْلِيَ الأصاغِرُ عَلى الأكابِرِ.

رُوِيَ أنَّ مُوسى بْنَ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمٍ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أوْ لَيْسَ هَذا هو العَذابَ العاجِلَ الألِيمَ.

هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ مِن أهْلِ الظّاهِرِ، وتَأوَّلَ بَعْضُ المُتَعَمِّقِينَ في غَوامِضِ المَعانِي ﴿ عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ ﴾ مَعاصِي السَّمْعِ والبَصَرِ واللِّسانِ ﴿ أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ المَشْيُ إلى المَعاصِي حَتّى يُواقِعُوها، وما بَيْنَهُما يَأْخُذُ بِالأقْرَبِ مِنهُما ﴿ أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ﴾ يَرْفَعُ مِن بَيْنِكُمُ الأُلْفَةَ.

﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ تَكْفِيرُ أهْلِ الأهْوالِ بَعْضَهم بَعْضًا، وقَوْلُ الجُمْهُورِ: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي بِالحُرُوبِ والقَتْلِ حَتّى يُفْنِيَ بَعْضُهم بَعْضًا، لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الظَّفْرَ لِبَعْضِهِمْ فَيَبْقى.

﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: نُفَصِّلُ آياتِ العَذابِ وأنْواعَ الِانْتِقامِ.

والثّانِي: نُصَرِّفُ كُلَّ نَوْعٍ مِنَ الآياتِ إلى قَوْمٍ ولا يُعْجِزُنا أنْ نَجْمَعَها عَلى قَوْمٍ.

﴿ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ ﴾ أيْ يَتَّعِظُونَ فَيَنْزَجِرُونَ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، «وَأنَّ نُزُولَها شَقَّ عَلى النَّبِيِّ  ، [فَقامَ] فَصَلّى صَلاةَ الضُّحى وأطالَها فَقِيلَ لَهُ: ما أطَلْتَ صَلاةً كاليَوْمِ، فَقالَ: (إنَّها صَلاةُ رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ، إنِّي سَألْتُ رَبِّي أنْ يُجِيرَنِي مِن أرْبَعٍ فَأجارَنِي مِن خَصْلَتَيْنِ ولَمْ يُجِرْنِي مِن خَصْلَتَيْنِ: سَألْتُهُ ألّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِعَذابٍ مِن فَوْقِهِمْ كَما فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ، وبِقَوْمِ لُوطٍ فَأجارَنِي، وسَألْتُهُ ألّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِعَذابٍ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ كَما فَعَلَ بِقارُونَ فَأجارَنِي، وسَألْتُهُ ألّا يُفَرِّقَهم شِيَعًا فَلَمْ يُجِرْنِي، وسَألْتُهُ ألّا يُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ فَلَمْ يُجِرْنِي ونَزَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ » [العَنْكَبُوتَ: ١-٢] والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ قال: يعني من أمرائكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ يعني سفلتكم ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ يعني بالشيع الأهواء المختلفة ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ قال: يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه آخر عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ قال: أئمة السوء ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: خدم السوء.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ قال: من قبل أمرائكم وأشرافكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: من قبل سفلتكم وعبيدكم.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مالك ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ قال: القذف ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: الخسف.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ قال: الصيحة والحجارة والريح ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: الرجفة والخسف وهما عذاب أهل التكذيب ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ قال: عذاب أهل الإقرار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ قال: الحجارة ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: الخسف ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ قال: الاختلاف والأهواء المفترقة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: عذاب هذه الأمة أهل الإقرار بالسيف ﴿ أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ وعذاب أهل التكذيب الصيحة والزلزلة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر بن عبد الله قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: أعوذ بوجهك ﴿ أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ قال: هذا أهون أو أيسر» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: «لما نزلت ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله من ذلك ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ قال: هذا أيسر ولو استعاذه لأعاذه» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه ونعيم بن حماد في الفتن وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في هذه الآية ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما انها كائنة ولم يأت تأويلها بعد» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ قل هو القادر...

﴾ الآية.

قال: هن أربع وكلهن عذاب، وكلهن واقع لا محالة، فمضت اثنتان بعد وفاة رسول صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعاً وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة، الخسف والرجم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ قل هو القادر ﴾ قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ، ثم قال «اللهم لا ترسل على أمتي عذاباً من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم، ولا تلبسهم شيعاً، ولا تذق بعضهم بأس بعض» ، فأتاه جبريل فقال: إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دعوت ربي أن يدفع عن أمتي أربعاً، فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين: دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع عنهم الرجم والغرق، وأبى أن يرفع القتل والهرج» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن خزيمة وابن حبان عن سعد بن أبي وقاص «أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربه طويلاً ثم انصرف إلينا فقال: سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» .

وأخرج ابن مردويه عن معاوية بن أبي سفيان قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تحدثون من آخركم وفاة؟

قلنا: أجل.

قال: فإني من أوّلكم وفاة وتتبعوني أفناداً يهلك بعضكم بعضاً، ثم نزع هذه الآية ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ حتى بلغ ﴿ لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ﴾ » .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة والبزار وابن حبان والحاكم وصححه واللفظ له وابن مردويه عن ثوبان «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن ربي روي لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليها عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها، وقال: يا محمد إني إذاً قضيت قضاء لم يرد، إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة، ولا أظهر عليهم عدواً من غيرهم فيستبيحهم بعامة، ولو اجتمع من بين أقطارها حتى يكون بعضهم هو يهلك بعضاً وبعضهم هو يسبي بعضاً، وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، ولن تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، وأنه قال: كلها يوجد في مائة سنة، وسيخرج في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي الله، وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي، ولن يزال في أمتي طائفة يقاتلون على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله.

قال وزعم أنه لا ينزع رجل من أهل الجنة شيئاً من ثمرها إلا أخلف الله مكانها مثلها، وأنه قال: ليس دينار ينفقه رجل بأعظم أجراً من دينار ينفقه على عياله، ثم دينار ينفقه على فرسه في سبيل الله، ثم دينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله.

قال: وزعم أن نبي الله عظم شأن المسألة وأنه إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم ما كنتم تعبدون؟

فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولاً ولم يأتنا امر.

فيقول: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟

فيقولون: نعم.

فيأخذ مواثيقهم على ذلك فيأمرهم أن يعمدوا لجهنم فيدخلونها، فينطلقون حتى إذا جاءوها رأوا لها تغيظاً وزفيراً فهابوا، فرجعوا إلى ربهم فقالوا: ربنا فرقنا منها.

فيقول: ألم تعطوني مواثيقكم لتطيعن، اعمدوا إليها فادخلوا.

فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا فرجعوا، فيقول: ادخلوها داخرين.

قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لو دخلوها أوّل مرة كان عليهم برداً وسلاماً» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك قال: جاءنا عبد الله بن عمرو في بني معاوية وهي قرية من قرى الأنصار، فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجدكم هذا؟

قلت: نعم.

وأشرت له إلى ناحية منه فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه؟

قلت: نعم.

فقال أخبرني بهن.

قلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين فاعطيها، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها.

قال: صدقت لا يزال الهرج إلى يوم القيامة.

وأخرج أحمد والطبراني وابن مردويه عن أبي نضرة الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال.

«سألت ربي أربعاً فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها» .

وأخرج أحمد والنسائي وابن مردويه عن أنس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر صلى سبحة الضحى ثمان ركعات، فلما انصرف قال «إني صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليها عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعاً فأبى عليّ» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن حذيفة بن اليمان قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حرة بني معاوية، واتبعث أثره حتى ظهر عليها فصلى الضحى ثماني ركعات، فأطال فيهن ثم التفت إلي فقال: إني سألت الله ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوّاً من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنين ففعل، وسألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدواً لها ففعل، وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بعضها ببعض فمنعنيها» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صليت صلاة رغباً ورهباً ودعوت دعاء رغباً ورهباً حتى فرج لي عن الجنة، فرأيت عناقيدها فهويت أن أتناول منها شيئاً فخوفت بالنار، فسألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين وكف عني الثالثة، سألته أن لا يظهر على أمتي عدوها ففعل، وسألته أن لا يهلكها بالسنين ففعل، وسألته أن لا يلبسها شيعاً ولا يذيق بعضها بأس بعض فكفها عني» .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن شداد قال: فقد معاذ بن جبل أو سعد بن معاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده قائماً يصلي في الحرة، فأتاه فتنحنح، فلما انصرف قال: يا رسول الله رأيتك صليت صلاة لم تصل مثلها؟

قال «صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي فيها ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي جوعاً ففعل، ثم قرأ ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين...

﴾ [ الأعراف: 130] الآية.

وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم ففعل، ثم قرأ ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ﴾ [ الفتح: 28] إلى آخر الآية، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، ثم قرأ ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: لا يزال هذا الذين ظاهراً على من ناوأهم» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن خباب بن الأرت في قوله: ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ قال: راقب خباب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، حتى إذا كان في الصبح قال له: يا نبي الله لقد رأيتك تصلي هذه الليلة صلاة ما رأيتك تصلي مثلها؟

قال «أجل إنها صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي فيها ثلاث خصال فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلكنا بما أهلكت به الأمم قبلكم فأعطاني، وسألته أن لا يسلط علينا عدواً من غيرنا فأعطاني، وسألته أن لا يلبسنا شيعاً فمنعني» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، فقال: قد كانت صلاة رغبة ورهبة، فسألت الله فيها ثلاثاً فأعطاني إثنتين وبقي واحدة، سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدواً يستبيح بيضتكم فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها» .

وأخرج الطبراني عن خالد الخزاعي وكان من أصحاب الشجرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم صلاة فأخف وجلس فأطال الجلوس، فلما انصرف قلنا: يا رسول الله أطلت الجلوس في صلاتك؟

قال: «إنها صلاة رغبة ورهبة، سألت الله فيها ثلاث خصال فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يسحتكم بعذاب أصاب من كان قبلكم فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط على بيضتكم عدواً فيجتاحها فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها» وأخرج نعيم بن حماد في كتاب الفتن عن ضرار بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «في قوله: ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ قال: أربع فتن: تأتي فتنة الأولى يستحل فيها الدماء، والثانية يستحل فيها الدماء والأموال، والثالثة يستحل فيها الدماء والأموال والفروج، والرابعة عمياء مظلمة تمور مور البحر، تنتشر حتى لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن شداد بن أوس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأني أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي أن لا يهلك قومي بسنة عامة، وأن لا يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بأس بعض.

فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدواً من سواهم فيهلكوهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وبعضهم يقتل بعضاً، وبعضهم يسبي بعضاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني أخاف على أمتي الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وابن المنذر واللفظ له وابن مردويه عن معاذ بن جبل قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فأطال قيامها وركوعها وسجودها، فلما انصرف قلت: يا رسول الله لقد أطلت اليوم الصلاة؟

فقال» إنها صلاة رغبة ورهبة، إني سألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدواً من سواهم فيهلكهم عامة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم سنة فتهلكهم عامة فأعطانيها، ولفظ أحمد، وابن ماجة، وسألته أن لا يهلكهم غرقاً فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها «» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سألت ربي لأمتي أربع خصال فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة، سألته أن لا تكفر أمتي واحدة فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم من قبلهم فأعطانيها، وسألته لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» .

وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً ﴾ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ، فسأل ربه أن لا يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، أو من تحت أرجلهم، ولا يلبس أمته شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل، فهبط إليه جبريل فقال: يا محمد إنك سألت ربك أربعاً فأعطاك إثنتين ومنعك إثنتين، لن يأتيهم عذاب من فوقهم ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم، فإنهما عذابان لكل أمة اجتمعت على تكذيب نبيها ورد كتاب ربها، ولكنهم يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض وهذان عذابان لأهل الإِقرار بالكتب والتصديق بالأنبياء ولكن يعذبون بذنوبهم، وأوحى الله إليه ﴿ فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ﴾ [ الزخرف: 41] يقول: من أمتك، أو نرينك الذي وعدناهم من العذاب وأنت حي فإنا عليهم مقتدرون.

فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم فراجع ربه فقال: أي مصيبة أشد من أن أرى أمتي يعذب بعضها بعضاً، وأوحى إليه ﴿ آلمَ، أحسب الناس أن يتركوا ﴾ [ العنكبوت: 1-2] الآيتين.

فأعلمه أن أمته لم تخص دون الأمم بالفتن، وأنها ستبتلى كما ابتليت الأمم، ثم أنزل عليه ﴿ قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين ﴾ [ المؤمنون: 93] فتعوذ نبي الله فأعاذه الله لم ير من أمته إلا الجماعة والألفة والطاعة، ثم أنزل عليه آية حذر فيها أصحاب الفتنة، فأخبره أنه إنما يخص بنها ناس منهم من دون ناس فقال: ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ [ الأنفال: 25] فخص بها أقواماً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بعده، وعصم بها أقواماً» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: «لما نزلت ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً ﴾ الآية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف، فقالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله؟

قال: نعم.

فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبداً، فأنزل الله: ﴿ انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون، وكذب به قومك وهو الحق ﴾ إلى قوله: ﴿ وسوف تعلمون ﴾ «» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قولة ﴿ عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: هذا للمشركين ﴿ أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ قال: هذا للمسلمين.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن قانع في معجمه عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر قال: قرأ عبد الله بن سهيل على أبيه ﴿ وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ﴾ فقال: أما والله يا بني لو كنت إذ ذاك ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فهمت منها إذ ذاك ما فهمت اليوم لقد كنت إذ ذاك أسلمت.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وكذب به قومك ﴾ يقول: كذبت قريش بالقرآن ﴿ وهو الحق ﴾ وأما الوكيل: فالحفيظ.

وأما ﴿ لكل نبإٍ مستقر ﴾ فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب.

وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ قال: نسخ هذه الآية، آية السيف ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ الزخرف: 41] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ لكل نبأ مستقر ﴾ يقول: حقيقة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قرأ ﴿ لكل نبإٍ مستقر ﴾ قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها أرسلت عقوبتها.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ لكل نبإٍ مستقر وسوف تعلمون ﴾ يقول: فعل وحقيقة، ما كان منه في الدنيا وما كان في الآخرة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ لكل نبإٍ مستقر وسوف تعلمون ﴾ قال: لكل نبأ حقيقة، أما في الدنيا فسوف ترونه، وأما في الآخرة فسوف يبدو لكم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ حَفَظَةً ﴾ جمع حافظ وهم الملائكة الكاتبون ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ أي الملائكة الذين مع ملك الموت ﴿ ثُمَّ ردوا ﴾ خروج من الخطاب إلى الغيبة، والضمير لجميع الخلق ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ ﴾ الآية: إقامة حجة، وظلمات البر والبحر: عبارة عن شدائدهما وأهوالهما كما يقال لليوم الشديد: مظلم ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ قيل: الذي من فوق إمطار الحجارة، ومن تحت الخسف، وقيل: من فوقكم: تسليط أكابركم، ومن تحت أرجلكم: تسليط أسافلكم، وهذا بعيد ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ أي يخلطكم فرقاً مختلفين ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ بالقتال، واختلف هل الخطاب بهذه الآية للكفار أو المؤمنين؟

وروي أنه لما نزلت أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهه، فلما نزلت من تحت أرجلكم قال: أعوذ بوجهك، فلما نزلت أو يلبسكم شيعا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أهون» ، فقضى الله على هذه الأمة بالفتن والقتال إلى يوم القيامة ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ ﴾ الضمير عائد على القرآن، أو على الوعيد المتقدم، وقومك هم قريش ﴿ لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ أي بحفيظ ومتسلط، وفي ذلك كتاركه نسختها آية القتال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ توفته ﴾ و ﴿ استهوته ﴾ ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث ﴿ قل من ينجيكم ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس.

الباقون: بالتشديد ﴿ وخفية ﴾ بالكسر حيث كان: أبو بكر وحماد.

الباقون: بالضم ﴿ أنجانا ﴾ ممالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ أنجانا ﴾ بدون الإمالة: عاصم.

الباقون ﴿ أنجيتنا ﴾ ﴿ قل الله ينجيكم ﴾ بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف وعاصم وهشام.

الباقون: بالتخفيف ﴿ بعضٍ انظر ﴾ وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان ﴿ ينسينك ﴾ بالتشديد: ابن عامر.

الوقوف: ﴿ حفظة ﴾ ط ﴿ لا يفرطون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الحاسبين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط لاحتمال الإضمار أي يقولون لئن أنجيتنا، وتعلق "لئن" بمعنى القول في ﴿ تدعونه ﴾ أصح ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ بأس بعض ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ وهو الحق ﴾ ط ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ط للإبتداء بــ"سوف" على التهديد مع شدة اتصال المعنى ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ ولا شفيع ﴾ ط للشرط مع العطف ﴿ بما كسبوا ﴾ لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ وقوله ﴿ لهم شراب ﴾ خبر ﴿ الهدى ائتنا ﴾ ج ﴿ هو الهدى ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ في الصور ﴾ ط ﴿ والشهادة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه.

التفسير: من الدلائل الدالة على كمال قدرته وحكمته قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ والمراد منه الفوقية بالقدرة والتسخير كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان أي أنه أعلى وأنفذ منه، ولا ريب أن الممكنات بأسرها تحت تصرف الواجب ينقلها من حيز العدم إلى حالة الوجود وبالعكس، ويتصرف فيها كيف يشاء، علويات كن أو سفليات، ذوات أو صفات، نفوساً أو أبداناً، أخلاطاً وأركاناً.

ومن جملة قهره إرسال الحفظة - وهي جمع حافظ - على عبيده بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي والمباحات لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  ﴾ وعلى أفعالهم بقوله ﴿ يعلمون ما تفعلون  ﴾ وأما صفات القلوب كالجهل والعلم فليس في الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها.

وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: انتظر لعله يتوب عنها فإن لم يتوب عنها فإن لم يتب كتب عليه.

قالت العلماء: من فوائد هذه الكتبة أن المكلف إذا علم أن الملائكة الموكلين عليه يكتبون أعماله في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك زجراً له عن القبائح.

ومنها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة فإن وزن الأعمال غير ممكن.

ومنها التعبد فعلى الملكلف أن يؤمن بكل ما ورد به الشرع وإن لم يعرف وجه الحكمة في بعض ذلك.

وقال بعض الحكماء: الحفظة النفوس والقوى الجسمانية التي تحفظ الأركان مع طبائعها المتضادة على امتزاجها.

وقال بعض القدماء: منهم النفوس البشرية والأرواح السفلية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والخساسة، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومنامها على سبيل الرؤيا تارة، وعلى سبيل الإلهامات أخرى.

فالأرواح الخيرة لها مبادٍ من عالم الأفلاك وكذا الأرواح الشريرة وتلك المبادىء في مصطلحهم تسمى بالطباع التام لأن تلك الأرواح في تلك الطبائع والأخلاق تامة كلها وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته، لأصحاب الطلسمات والعزائم في هذا الباب كلام كثير.

وقيل: إن النفوس المفارقة تميل إلى ما يناسبها ويساويها في الطبيعة والماهية من النفوس المتعلقة بالأبدان فتحفظها وتعينها ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ أي وقته أو أماراته ﴿ توفته رسلنا ﴾ أي بإذننا وتفويضنا فالمتوفى بالحقيقة هو الله  كما قال الله ﴿ يتوفى الأنفس حين موتها  ﴾ .

وهؤلاء الرسل أتباع ملك الموت في قوله ﴿ يتوفاكم ملك الموت  ﴾ وهل هم الحفظة بأعيانهم أم غيرهم فيه قولان: أشهرهما الثاني لكون ملائكة الروح والريحان وهم الريحانيون غير ملائكة الكرب والأحزان وهم الكروبيون.

وعن مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين.

﴿ وهم لا يفرطون ﴾ لا يقصرون فيما أمرهم الله  به وفيه مدح لهم بالعصمة ﴿ ثم ردوا إلى الله ﴾ أي إلى حكمه وجزائه ﴿ مولاهم الحق ﴾ صفتان والضمير في ﴿ ردوا ﴾ إما للملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أولئك الملائكة، أو إلى البشر أي أنهم بعد موتهم يردون إلى الله  والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب، فإذا ماتوا انتقلوا إلى تصرف المولى الحق.

وفيه إشعار بأن الإنسان شيء آخر وراء هذا الهيكل المحسوس فإن هذا الهيكل يبقى ميتاً والإنسان مردود إليه  .

وفي لفظ الرد إشارة إلى أن الروح كان موجوداً قبل البدن وقد تعلق به زماناً ثم ردّ إلى موضعه الأصلي وهو عالم الأرواح بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ألا له الحكم ﴾ كقوله: ﴿ إن الحكم إلا لله  ﴾ ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ حساباً قيل: إنه  يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة فلا يشغله كلام عن كلام.

وقيل: يحاسب كل إنسان واحد من الملائكة بإذن الله تعالى لأنه لو حاسب الكفار بذاته لتكلم معهم وهو محال لقوله ﴿ ولا يكلمهم الله  ﴾ وقال الحكيم: معنى سرعة المحاسبة ظهور الملكات في الهيآت على النفس في آن قطع التعلق، قليلة كانت أو كثيرة، حميدة أو ذميمة، وبعد تعارض البعض بالبعض يبقى ما هو أغلب وبحسب ذلك يكون الثواب أو ضده.

وذلك أنه لا يحصل للإنسان لحظة ولا لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويظهر منها في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو ضدها قل أو كثر وهو المراد بكتبة الأعمال.

قال الجبائي - ههنا: لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة الآن وقبل خلقه وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم.

وعورض بالعلم فإنه كان قبل العالم عالماً بأنه سيوجد وبعد وجوده صار عالماً بأنه وجد ولا يلزم منه تغير العلم.

ثم عدّد لطفه وإحسانه بقوله ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ مجازاً عن مخاوفهما وأهوالهما يقال ليوم الكربة: يوم مظلم وذو كواكب كأنه أظلم عليه وجه الخلاص، ويحتمل أن تكون الظلمات بالحقيقة.

وظلمات البر ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمات البحر هما مع ظلمة الماء.

﴿ تدعونه ﴾ في موضع الحال ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ مفعول لأجلهما أو تمييز أو مصدر خاص.

والمراد أن الإنسان عند حصول هذه الشدائد يأتي بأمور: أحدها الدعاء.

الثاني التضرع.

والثالث: الإخلاص بالقلب وهو المعني بقوله ﴿ وخفية ﴾ ورابعها: التزام الشكر هو المراد من قوله ﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الظلم والشدة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ فبين الله  أنه إذا شهدت الفطرة السليمة في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ولا معول إلا عليه وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات.

ثم بين أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الحزن والكرب، ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك الجلي وهو عبادة الأوثان أو الخفي وهو اتباع الهوى.

وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الخوف أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا.

ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل التوحيد مقروناً بنوع من التخويف فقال ﴿ قل هو القادر ﴾ واللام للعهد أو للجنس فيفيد أنه هو الذي عرفتموه قادر، وهو الكامل القدرة ﴿ على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ كالمطر أو الحجارة مثل ما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ كما أغرق فرعون وخسف بقارون.

وقيل: من قبل أكابركم وسلاطينكم أو من جهة سفلتكم وعبيدكم.

وقيل: هو حبس المطر والنبات ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ هي جمع شيعة أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام.

ومعنى خلطهم أن يوقع القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال.

عن رسول الله  "سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ دلالة على أن الأهواء المختلفة والآراء الفاسدة والبدع كلها من الله  وفي قوله ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ إشارة إلى أن أن المعاصي وأنواع الظلم مستندة إلى الله  وقالت المعتزلة: الآية لا تدل إلا على أنه تعالى قادر على القبيح والنزاع في أنه هل يفعل ذلك أم لا؟

وأجيب بأن الآية دلت على أن القدرة على هذه الأمور تختص به، وهذه الأمور واقعة فيكون هو فاعلها بالضرورة ﴿ انظر كيف نصرف الآيات ﴾ نقرر الدلائل الواضحات.

وقد قال مثل ذلك فيما قبل فالتقدير: انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون فلا نعرض عنهم بل نكررها ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ ﴿ وكذب به ﴾ أي بالعذاب المذكور في الآية السابقة ﴿ قومك ﴾ يعني قريشاً ومن دان بدينهم ﴿ وهو الحق ﴾ أي لا بد أن ينزل بهم.

وقيل: أي بالقرآن وهو الحق لأنه كتاب منزل من عند الله.

وقيل: أي بتصريف الآيات لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات.

﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ أي بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر.

﴿ لكل نبأ لكل ﴾ خبره يخبره الله  ﴿ مستقر ﴾ أي استقرار أو موضع استقرار.

والمراد بالنبأ المنبأ به لأن النبأ قد حصل، والمقصود أن لعذاب الله  أو لاستيلاء المسلمين على الكفار بالقتل والأسر والقهر وقتاً ومكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير ﴿ وسوف تعلمون ﴾ فيه من التهديد ما فيه.

ثم بين أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مجالستهم فقال ﴿ وإذا رأيت ﴾ أيها السامع ﴿ الذين يخوضون في آياتنا ﴾ والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللغو والعبث، ويقرب منه قول المفسرين إنه في الآية الشروع في آيات الله على سبيل الطعن والاستهزاء وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك ﴿ فأعرض عنهم ﴾ بالقيام عنهم لقوله بعد ذلك ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ وقيل: المطلوب إظهار الإنكار وكل طريق أفاد هذا الغرض وإن كان غير القيام عن مجلسهم فإنه يجوز المصير إليه، هذا عند عدم الخوف، أما مع الخوف فهذا الفرض ساقط والتقية واجبة.

نعم كل ما أوجب على الرسول  فعله وجب عليه، سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر وإلا لم يبق الاعتماد على التكاليف التي يبلغها ﴿ وإما ينسينك الشيطان ﴾ أي يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ بعد أن تذكر النهي ﴿ مع القوم الظالمين ﴾ أي معهم فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم.

قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.

وقال الفراء: هي الذكر.

قال في الكشاف بناء على مذهبه: يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى، بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم.

قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لم يكن الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان.

قال ابن عباس: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزلت الرخصة أن يقعدوا معهم ويذكروهم ويفهموهم بقوله ﴿ وما على الذين يتقون ﴾ أي الشرك والكبائر والفواحش ﴿ من حسابهم ﴾ من ذنوبهم التي يحاسبون عليها ﴿ من شيء ولكن ذكرى ﴾ أي ولكن يذكرونهم تذكيراً، أو ولكن عليهم أن يذكروهم، أو ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى.

ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿ من شيء ﴾ كقول القائل: ما في الدار من أحد ولكن زيد لأن قوله ﴿ من حسابهم ﴾ يأبى ذلك فإن الذكرى ليس من حساب المشركين.

ثم أكد الإعراض عنهم بقوله ﴿ وذر الذين ﴾ والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم والمبالاة بهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم كقوله ﴿ فأعرض عنهم وعظهم  ﴾ وصفهم بوصفين الأوّل أنهم ﴿ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ وفيه وجوه: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤا، أو أتخذوا ما هو لعب ولهو يعني عبادة الأوثان وغيرها ديناً لهم، أو المراد ما كانوا يحكمون به بمجرد التقليد والهوى كتحريم البحائر والسوائب، أو المراد أن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا أعيادهم لعباً ولهواً لا كالمسلمين حيث اتخذوا عيدهم كما شرعه الله  .

قال ابن عباس: أو هو إشارة إلى من جعل دين الإسلام وسيلة إلى المناصب والرياسات والغلبة والجلال لا لأنه حق وصدق في نفسه.

ويؤكد هذا الوجه الوصف الثاني وهو قوله ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ كأنهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا ﴿ وذكر به ﴾ أي بالقرآن أو بالدين القويم مخافة ﴿ أن تبسل نفس ﴾ قال الحسن ومجاهد: أن تسلم إلى الهلاك والعذاب وترتهن بسوء فعلها وأصله المنع فالمسلم إليه وهو العذاب يمنع المسلم ومنه الباسل الشجاع لامتناعه من قرنه.

وقال قتادة: تحبس في جهنم.

وعن ابن عباس: تفتضح ﴿ ليس لها ﴾ أي النفس ﴿ من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ﴾ إن تفد كل فداء لأن الفادي يعدل المفدى بمثله ﴿ لا يؤخذ منها ﴾ قال في الكشاف: فاعل ﴿ يؤخذ ﴾ قوله ﴿ منها ﴾ لا ضمير العدل لأن العدل ههنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ.

وأما في قوله ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ فبمعنى المفدى به فصح إسناده.

قلت: إن فسر الأخذ بالقبول كما في قوله ﴿ ويأخذ الصدقات  ﴾ ارتفع الفرق.

﴿ أولئك ﴾ المتخذون ﴿ هم الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ ثم بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين بقوله ﴿ لهم شراب من حميم ﴾ ثم رد على عبدة الأصنام بقوله ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ النافع الضار ﴿ ما لا ينفعنا ولا يضرنا ﴾ أي لا يقدر على النفع والضر ﴿ ونرد ﴾ داخل في الاستفهام أي أنرجع إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله  منه وهدانا للإسلام، فإن الردة عود إلى الحالة الأولى التي كان الإنسان عليها من الجهل كقوله ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً  ﴾ ﴿ كالذي استهوته ﴾ محله النصب على الحال من الضمير في ﴿ نرد ﴾ أي أننكص على العقبين مشبهين من استهوته وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه أي سقوطه من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة كقوله: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء  ﴾ وقيل: اشتقاقه من اتباع الهوى و ﴿ حيران ﴾ حال أخرى لكن من الضمير في ﴿ استهوته ﴾ وكذا الجملة بعده.

ومعنى الحيرة التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه منه.

ومنه تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.

﴿ له ﴾ أي لهذا المستهوي ﴿ أصحاب ﴾ رفقة ﴿ يدعونه إلى الهدى ﴾ أي إن يهدوه الطريق المستوي فيكون مصدراً.

وسمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له ﴿ ائتنا ﴾ أو الدعاء في معنى القول وهذا بناء على ما تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن والغيلان تستهوي الإنسان وتستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الحق وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن غير ملتفت اليهم.

وقيل: إن لذلك الكافر أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى.

وروي أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فإنه كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان ﴿ قل إن هدى الله ﴾ وهو الإسلام ﴿ هو ﴾ الذي يحق أن يسمى هدى وما وراءه غي وضلال ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا ﴾ قال الزجاج: لا بد من تأويل ليستقيم العطف فالتقدير: وأمرنا لنسلم ولنقيم، أو أمرنا أن أسلموا وأن أقيموا: قيل: والسر في العدول عن الظاهر أن المكلف كالغائب ما لم يسلم فإذا أسلم صار كالحاضر.

وتقرير الآية أن متعلق الأمر إما أن يكون من باب الأفعال أو من باب التروك.

والأول إما أن يكون من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح، ورئيس أفعال القلوب الإيمان بالله والإسلام وهو قوله ﴿ لنسلم ﴾ ورئيس أعمال الجوارح الصلاة وهو قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ ثم أشار إلى جوامع التروك بقوله ﴿ واتقوه ﴾ ثم قال ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ ليعلم أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر.

ثم دل على وجود الحاشر بقوله ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض ﴾ قائما أو ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ بالحكم اللطيفة والغايات الصحيحة والأغراض المطابقة، وذلك أنه أودع في هذه الأجرام قوى وخواص وآثاراً تتضمن مصالح الأبدان ومباهج نوع الإنسان وهكذا خلق ﴿ يوم يقول كن فيكون قوله الحق ﴾ فقوله فاعل ﴿ يكون ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ والمعنى أنه  خلق العالم من الأفلاك والطبائع والعناصر والمواليد، وخلق يوم القيامة لرد الأرواح إلى الأجساد بطريق "كن فيكون" وعلى هذا يجوز أن يكون قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ وخبراً مستأنفاً، أو قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ يوم يقول ﴾ ظرف دال على الخبر مثل "يوم الجمعة القتال" أي القتال واقع يوم الجمعة.

والمراد أن قضاءه في ذلك اليوم حق وصدق خالٍ عن الجور والعبث ﴿ ويوم ينفخ ﴾ ظرف لقوله ﴿ وله الملك ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم  ﴾ والمقصود أنه لا ملك في ذلك اليوم إلا له من غير دافع ولا منازع.

والصور باتفاق أكثر أهل الإسلام قرن ينفخ فيه ملك من الملائكة كما جاء في مواضع من القرآن ﴿ ونفخ في الصور فصعق  ﴾ ففزع ﴿ فإذا نقر في الناقور  ﴾ وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة.

وخطأه الأئمة فقالوا: كل جمع على لفظ الواحد سبق جمعه واحده فواحده بزيادة هاء فيه كالصوف، أما إذا سبق الواحد الجمع فليس كذلك كغرفة وغرف ولهذا يجمع صورة الإنسان على صور بالفتح كقوله ﴿ فأحسن صوركم  ﴾ ومن أسكن فقد أخطأ، ومما يدل على أن الصور هو القرن لا جمع صورة الإنسان أنه  لم يضف النفخ إلى نفسه كما قال ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ﴿ فنفخنا فيها من روحنا  ﴾ ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] ثم لما بين كمال قدرته بقوله وله الملك ذكر كمال علمه بقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ﴿ وهو الحكيم ﴾ المصيب في أقواله وأفعاله ﴿ الخبير ﴾ النافذ علمه في بواطن الحقائق من غير اشتباه والتباس، فإن أمر البعث لا يتم إلا بقدرة كاملة وعلم تام كيلا يشتبه المطيع والعاصي والصديق والزنديق.

التأويل: ﴿ وهو القاهر ﴾ بوصف الجلال للأولياء، قهار بوصف الجبروت للأعداء.

﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ من صفات قهره حتى لو أرادت نفسه الخروج عن قيد مجاهدتها قهرتها سطوات العتاب فردتها إلى بذل الجهد، وإن أراد قلبه فرجة عن مطالبات العزة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرقات قهرته بوارق التجلي فردته إلى بذل المهجة ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ يعني الفناء عن أوصاف الوجود ﴿ توفته ﴾ رسل صفات قهرنا وهم لا يقصرون في إفناء الأوصاف ﴿ ثم ردوا ﴾ إلى البقاء بالله ﴿ قل الله ينجيكم من ظلمات ﴾ بر الأجسام وبحر الأرواح فإن عالم الأرواح بالنسبة إلى عالم الألوهية ظلمانية.

﴿ تدعونه تضرعا ﴾ بالجسم ﴿ وخفية ﴾ بالروح ﴿ ومن كل كرب ﴾ آفة وفتنة ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ حين يتجلى لكم نور من أنوار صفاته، فبعضكم يقول: أنا الحق وبعضكم يقول: سبحاني ما أعظم شأني ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ بسدل حجاب العزة والغيرة بينه وبينكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ حجاباً من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ بجعل الخلق فيكم فرقاً.

فمن قائل هم الصديقون، ومن قائل هم الزنديقون ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ بالقتل والصلب وقطع الأطراف ﴿ انظر كيف نصرف ﴾ آيات المصارف للسائرين إلى الله ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ لشرائط السير ولا يفقهون في مقام دون الفناء عن كلية الوجود بالبقاء بشهود المعبود ﴿ وكذب ﴾ بهذا المقام ﴿ قومك ﴾ المنكرون ﴿ وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ﴾ لا أسلك طريق هذا المقام بوكالتكم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى كما قال ﴿ لكل نبأ مستقر ﴾ أي لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب أو دركات البعد ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون ﴾ في أحوال الرجال ولا حظ لهم منها ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ولا تجالسهم ﴿ حتى يخوضوا في حديث ﴾ غير تلك الطامات التي هي ريح في شبح.

﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ لأن همهم من لبس الخرقة والتزيي بزي الطالبين إنما هو الدنيا وقبول الحق ﴿ أن تبسل نفس ﴾ أي كراهة أن يبطل استعدادها بالكلية ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ بمقامات الرجال من الوصول والوصال ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ أنطلب غير الله الذي هو النافع الضار.

والنفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه، والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه.

﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ إلى مقام الإثنينية التي كنا فيها بعد أن هدانا الله إلى الوحدة كالذي أضلته شياطين الجن والإنس في أرض البشرية باتباع الهوى ﴿ حيران ﴾ من إغوائهم.

﴿ وأمرنا لنسلم ﴾ بترك الوجود كالكرة في ميدان القدرة مستسلماً لصولجان القضاء ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ بمحافظة الأسرار عن الأغيار والاتقاء به عن غيره ليحشر إليه لا إلى الجنة أو النار كما قال: ألا من طلبني وجدني.

﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي لإظهار صفاته، فجعل المخلوقات مرآة لجماله وجلاله وإذا أراد أن يرى عبداً من عباده تلك الصفات يقول له: كن رائياً فيكون، ولن يصير رائياً بمجرد سعيه لأن قوله في حق الإنسان كن رائياً هو الحق وله ملك الإراءة وملك الرؤية، ينفخ الإراءة في صور القلب ﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما اختص الإنسان بإراءة الآيات ﴿ الخبير ﴾ بمن يخصه من بين الناس بالإراءة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ليس هذا على الأمر له، ولكن على المحاجة؛ كقوله -  -: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ  ﴾ ، ليس على الأمر بالسير في الأرض، ولكن على الاعتبار بأولئك الذين كانوا من قبل، والنظر في آثارهم وأعلامهم [أن] كيف صاروا بتكذيبهم الرسل، وماذا أصابهم بذلك؛ فعلى ذلك هذا، فيه الأمر بالمحاجة معهم في آلهتهم: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ آلهتكم التي تعبدون من دون الله، وتشركونها في ألوهيته وربوبيته، أو الله الذي خلقكم؟

فسخرهم حتى قالوا: [الله] هو الذي ينجينا من ذلك، فقال: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ ، فإذا كان هو الذي ينجيكم من هذا لا آلهتكم التي تبعدونها؛ فكذلك هو الذي ينجيكم من كل كرب ومن كل شدة.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .

أي: لا أحد ينجيكم من ظلمات البر والبحر؛ كقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ ، أي: لا أحد أظلم من تخافون على آلهتكم الهلاك كما تخافون على أنفسكم؟

فلا أحد سواه ينجيكم من ذلك ومن كل كرب.

قال أبو بكر الكيساني: هم عرفوا في الدنيا أنه هو الذي ينجيهم من ذلك كله، وهو الذي يعطي لهم ما أعطوا بما قامت عليهم الحجج، ولم يعرفوا أنه هو الذي ينجيهم في الآخرة ويهلكهم، وهو هكذا: عرفوا الله في الدنيا، ولم يعرفوه في الآخرة.

ثم اختلف في ظلمات البر والبحر: قال بعضهم: الظلمات: هي الشدائد والكروب التي تصيبهم بالسلوك في البر والبحر.

وقال آخرون: الظلمات هي الظلمات لأن أسفار البحار والمفاوز إنما تقطع بأعلام السماء، فإذا أظلمت السماء بقوا متحيرين لا يعرفون إلى أي ناحية يسلكون، ومن أي طريق يأخذون، فعند ذلك يدعون الله تضرعاً وخفية.

قال الحسن: التضرع: هو ما يرفع به الصوت، والخفية: هي ما يدعي سرّاً وهو من الإخفاء.

وفي حرف ابن مسعود: (تدعونه تضرعاً وخيفة) وهي من الخوف.

قال الكلبي: في خفض وسكون، وتضرع إلى الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ .

قال أبو بكر لنكونن من الشاكرين، أي: لا نوجه الشكر إلى غيرك، والشكر - هاهنا -: هو التوحيد، أي: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الموحدين لك من بعد؛ لأنهم كانوا يوحدون الله في ذلك الوقت، لكنهم إذا نجوا من ذلك أشركوا غيره في ألوهيته.

ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ بعد علمكم أن الأصنام التي تعبدونها لم تملك الشفاعة لكم، ولا الزلفى إلى الله؛ يذكر سفههم في عبادتهم الأوثان على علم منهم أنها لا تشفع [لهم]، ولا تملك دفع شيء عنهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .

اختلف في نزول الآية فيمن نزلت؟

قال بعضهم: نزلت في مشركي العرب - وهو قول أبي بكر الأصم - لأنها نزلت على أثر آيات نزلت في أهل الشرك، من ذلك قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ...

﴾ الآية [الأنعام: 46].

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً...

 ﴾ إلى قوله -  -: ﴿ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ  ﴾ : هذه الآيات كلها نزلت في أهل الشرك، فهذه كذلك نزلت فيهم؛ لأنها ذكرت على أثرها؛ ولأن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك، إلا آيات منها نزلت في أهل الكتاب، وسورة المائدة نزل أكثرها في محاجة أهل الكتاب؛ لأنه يذكر فيها: ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ  ﴾ .

ومنهم من يقول: نزلت في أهل الإسلام، وهو قول أبي بن كعب، وقال: هن أربع، فجاء منهن ثنتان بعد وفاة رسول الله  : ألبسهم شيعاً، وأذاق بعضهم بأس بعض.

أما لبس الشيع: هي الأهواء المختلفة، ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ هو السيف والقتل، هذان قد كانا في المسلمين، وبقى ثنتان لا بد واقعتان.

ومنهم من يقول: كان ثنتان في المشركين من أهل الكتاب، وثنتان في أهل الإسلام، وهو قول الحسن قال: قد ظهر في أهل الإسلام الأهواء المختلفة والقتل والفتن، وأما اللذان في أهل الشرك من أهل الكتاب: فهما الخسف في الأرض، والحجارة من السماء.

ثم اختلف في قوله: ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ ﴾ ، أي: من أمرائكم، ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ .

أي: من سفلتكم؛ لأن الفتن ونحوها إنما تهيج من الأمراء الجائرين ومن أتباعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ .

قال: الأهواء المختلفة.

وقوله -  -: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .

أي: يسلط بعضهم على بعض بالقتل والعذاب.

ومن قال بأن الآية نزلت في أهل الشرك يقول: كان في أشياعهم ذلك كله، أما العذاب من الفوق فهو الحصب بالحجارة؛ كما فعل بقوم لوط، ومن تحت أرجلهم وهو الخسف؛ كما فعل بقارون ومن معه.

وقوله: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ .

يقول: فرقاً وأحزاباً، وكانت اليهود والنصارى فرقاً مختلفة، اليهود فرقاً والنصارى كذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .

هو الحرب والقتال.

وقول الحسن ما ذكرنا أنه ظهر في أهل الإسلام الأهواء المختلفة وظهر الحرب والقتل.

وأما الخسف والحصب: فلم يظهرا؛ فهما في أهل الشرك.

ويحتمل قوله: ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ ﴾ أرسلها عليهم؛ لأنهم قد أقروا أنه [هو] رفع السماء، فمن قدر على رفع شيء يقدر على إرساله.

وقوله: ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ .

لأنهم عرفوا أنه بسط الأرض، ومن ملك بسط شيء يملك طيه ويخسف بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ .

قيل: أي: نردد الآيات [ليعلم] كل مزدجره.

أو يقول: كيف نصرف الآيات ليعلم كل صدقها وحقيقتها أنها من الله جاءت.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ : يحتمل وجوهاً: صرفها ليفقهوا، وذلك يرجع إلى المؤمنين خاصة.

والثاني: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ ، أي: ليلزمهم أن يفقهوا، وقد ألزم الكل أن يفقهوا، لكن من لم يفقه إنما لم يفقه؛ لأنه نظر إليه بعين الاستخفاف.

والثالث: ﴿ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ أي: نصرف الرسل ونبلغها إليهم على رجاء أن يفقهوا، لكي يفقهوا؛ إن نظروا فيها وتأملوها.

وذكر ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ ؛ لأن منهم من فقه، ومنهم من لم يفقه.

﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ ﴾ .

يحتمل به: القرآن، ويحتمل: بما ذكر من الآيات، ويحتمل: الإيمان به والتوحيد.

﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ وكذب به قومك.

وهم أحق أن يصدقوك بما جئت به وأنبأتهم؛ لأنك نشأت بين أظهرهم، فلم تأت كذباً قط، ولا رأوك تختلف إلى أحد يعلمك، فهم أحق أن يصدقوك بما جئت به وأنبأتهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: الوكيل: الحفيظ، والوكيل: هو القائم في الأمر، أي: لست بقائم عليكم؛ لأكرهكم على التوحيد والإيمان شئتم أو أبيتم، ولست بحافظ على أعمالكم إنما عليَّ التبليغ؛ كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ﴾ قال بعضهم: لكل أمر حقيقة.

وقيل: لكل خبر غاية ينتهي إليها.

ويحتمل: أن يكون صلة قوله: ﴿ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ ؛ ﴿ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ﴾ ، أي: لست عليكم بوكيل، لكن لكل نبإ مستقر في أن أغنم أموالكم وأسبي ذراريكم؛ كقوله: ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ  إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ ﴾ أي: بما كان وعد وأوعد، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنا نعلم أن للخلق حقيقة الفعل في القتل والحرب والأهواء المختلفة، ثم أضاف ذلك إلى نفسه؛ دل أن له صنعاً في أفعالهم، وليس كما تقول المعتزلة: إنه لا يملك ذلك.

وكذلك ما ذكر من إضافة تلبيس الشيع إليه رد لقولهم؛ لأنهم يقولون: هم يختلفون، وقد أخبر أنه هو يجعلهم شيعاً، وذلك ظاهر النقض عليهم؛ لأنه أخبر أنه يذيق بعضهم بأس بعض، وهم يقولون: هو لا يذيق ولكن ذلك القاتل أو الضارب أو المعذب هو يذيقهم دون رب العالمين؛ وكذلك قوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ  ﴾ ، وهم يقولون: هو لا يعذبهم ولكن الخلق يعذبونهم؛ وكذلك قوله: ﴿ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا  ﴾ ، وهم يقولون: هو لا يملك تعذيبهم بأيديهم، وذلك رد لظاهر الآية وتركها جانباً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل لهم -أيها الرسول-: الله هو القادر على أن يرسل عليكم عذابًا يأتيكم من فوقكم مثل الحجارة والصواعق والطوفان، أو يأتيكم من تحتكم مثل الزلازل والخسف، أو يخالف بين قلوبكم، فيتبع كل منكم هواه، فيقاتل بعضكم بعضًا، تأمل -أيها الرسول- كيف ننوع لهم الأدلة والبراهين ونبينها لعلهم يفهمون أن ما جئْتَ به حق، وأن ما عندهم باطل.

<div class="verse-tafsir" id="91.znQ5K"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله