الآية ٦٧ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٦٧ من سورة الأنعام

لِّكُلِّ نَبَإٍۢ مُّسْتَقَرٌّۭ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٧ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٧ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال : ( لكل نبإ مستقر ) قال ابن عباس وغير واحد : أي لكل نبأ حقيقة ، أي : لكل خبر وقوع ، ولو بعد حين ، كما قال : ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) ، وقال ( لكل أجل كتاب ) [ الرعد : 37 ] .

وهذا تهديد ووعيد أكيد ; ولهذا قال بعده : ( وسوف تعلمون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

13382 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " لكل نبإ مستقر "، لكل نبأ حقيقة, إما في الدنيا وإما في الآخرة =" وسوف تعلمون " ، ما كان في الدنيا فسوف ترونه, وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم.

13383- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح, عن معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " لكل نبإ مستقر " ، يقول: حقيقة.

13384 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثنا أبي قال، حدثنا عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون "، يقول: فعل وحقيقة, ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة.

* * * وكان الحسن يتأوّل في ذلك أنه الفتنة التي كانت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

13385- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن جعفر بن حيان, عن الحسن أنه قرأ: " لكل نبإ مستقر "، قال: حبست عقوبتها، حتى [إذا] عمل ذنبها أرسلت عقوبتها.

(59) -------------------- الهوامش : (59) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لكل نبإ مستقر لكل خبر حقيقة ، أي لكل شيء وقت يقع فيه من غير تقدم وتأخر .

وقيل : أي لكل عمل جزاء .

قال الحسن : هذا وعيد من الله تعالى للكفار ; لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث .

الزجاج : يجوز أن يكون وعيدا بما ينزل بهم في الدنيا .

قال السدي : استقر يوم بدر ما كان يعدهم به من العذاب .

وذكر الثعلبي أنه رأى في بعض التفاسير أن هذه الآية نافعة من وجع الضرس إذا كتبت على كاغد ووضع على السن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ } أي: وقت يستقر فيه، وزمان لا يتقدم عنه ولا يتأخر.

{ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ما توعدون به من العذاب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لكل نبأ ) خبر من أخبار القرون ( مستقر ) حقيقة ومنتهى ينتهي إليه فيتبين صدقه من كذبه وحقه من باطله ، إما في الدنيا وإما في الآخرة ، ( وسوف تعلمون ) وقال مقاتل : لكل خبر يخبره الله وقت [ وقته ] ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير ، وقال الكلبي : [ لكل ] قول وفعل حقيقة ، إما في الدنيا وإما في الآخرة وسوف تعلمون ما كان في الدنيا فستعرفونه وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لكل نبأ» خبر «مستقر» وقت يقع فيه ويستقر ومنه عذابكم «وسوف تعلمون» تهديد لهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لكل خبر قرار يستقر عنده، ونهاية ينتهي إليها، فيتبيَّن الحق من الباطل، وسوف تعلمون -أيها الكفار- عاقبة أمركم عند حلول عذاب الله بكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم هذا التهديد بقوله - تعالى - { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } .قال الراغب : " النبأ : خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن ولا يقال للخبر نبأ حق يتضمن هذه الأشياء الثلاثة " .والمستقر : وقت الاستقرار .أى : لكل خبر عظيم وقت استقرار وحصول لا بد منه ، وسوف تعلمونه فى المستقبل عند حلوله بكم متى شائ الله ذلك ، قال - تعالى - { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من قدرة الله ، وهددت المعاندين فى كل زمان ومكان بسوء المصير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الضمير في قوله: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ ﴾ إلى ماذا يرجع فيه أقوال: الأول: أنه راجع إلى العذاب المذكور في الآية السابقة ﴿ وَهُوَ الحق ﴾ أي لابد وأن ينزل بهم.

الثاني: الضمير في به للقرآن وهو الحق أي في كونه كتاباً منزلاً من عند الله.

الثالث: يعود إلى تصريف الآيات وهو الحق لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات، ثم قال: ﴿ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ أي لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل.

إنما أنا منذر والله هو المجازي لكم بأعمالكم قال ابن عباس والمفسرون: نسختها آية القتال وهو بعيد، ثم قال تعالى: ﴿ لّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ﴾ والمستقر يجوز أن يكون موضع الاستقرار، ويجوز أن يكون نفس الاستقرار لأن ما زاد على الثلاثي كان المصدر منه على زنة اسم المفعول نحو المدخل والمخرج، بمعنى الإدخال والإخراج، والمعنى: أن لكل خبر يخبره الله تعالى وقتاً أو مكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير وإن جعلت المستقر بمعنى الاستقرار، كان المعنى لكل وعد ووعيد من الله تعالى استقرار ولا بد أن يعلموا أن الأمر كما أخبر الله تعالى عنه عند ظهوره ونزوله.

وهذا الذي خوف الكفار به، يجوز أن يكون المراد منه عذاب الآخرة، ويجوز أن يكون المراد منه استيلاء المسلمين على الكفار بالحرب والقتل والقهر في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هُوَ القادر ﴾ هو الذي عرفتموه قادراً وهو الكامل القدرة ﴿ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ ﴾ كما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة، وأرسل على قوم نوح الطوفان ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وقيل من فوقكم: من قبل أكابركم وسلاطينكم.

ومن تحت أرجلكم: من قبل سفلتكم وعبيدكم.

وقيل: هو حبس المطر والنبات ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ أو يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام.

ومعنى خلطهم: أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال، من قوله: وَكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُهَا بِكَتِيبَة ** حَتَّى إذَا الْتَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يَدِي وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، وأخبرني جبريل أنّ فناء أمتي بالسيف» ، وعن جابر بن عبد الله: لما نزل ﴿ مّن فَوْقِكُمْ ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك» فلما نزل: ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ قال: «هاتان أهون» ومعنى الآية: الوعيد بأحد أصناف العذاب المعدودة.

والضمير في قوله: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ ﴾ راجع إلى العذاب ﴿ وَهُوَ الحق ﴾ أي لابد أن ينزل بهم ﴿ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ بحفيظ وكُل إليَّ أمركم أمنعكم من التكذيب إجباراً، إنما أنا منذر ﴿ لِّكُلِّ نَبَإٍ ﴾ لكل شيء ينبأ به، يعني إنباءهم بأنهم يعذبون وإيعادهم به ﴿ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ وقت استقرار وحصول لابد منه.

وقيل: الضمير في ﴿ نَبَإٍ ﴾ للقرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ ﴾ خَبَرٍ يُرِيدُ بِهِ إمّا بِالعَذابِ أوِ الإيعادِ بِهِ.

﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ وقْتُ اسْتِقْرارٍ ووُقُوعٍ.

﴿ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عِنْدَ وُقُوعِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

﴿ وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا ﴾ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِها والطَّعْنِ فِيها.

﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ فَلا تُجالِسْهم وقُمْ عَنْهم.

﴿ حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى مَعْنى الآياتِ لِأنَّها القُرْآنُ.

﴿ وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ ﴾ بِأنْ يَشْغَلَكَ بِوَسْوَسَتِهِ حَتّى تَنْسى النَّهْيَ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ يُنَسِّيَنَّكَ بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى ﴾ بَعْدَ أنْ تَذْكُرَهُ.

﴿ مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ مَعَهُمْ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ دَلالَةً عَلى أنَّهم ظَلَمُوا بِوَضْعِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ والِاسْتِعْظامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لكل نبإ} لكل شيء ينبأ به يعني إنباءهم بأنهم يعذبون وإيعادهم به {مُّسْتَقَرٌّ} وقت استقرار وحصول لا بد منه {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تهديد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ ﴾ أيْ لِكُلٍّ يُنَبَّأُ بِهِ مِنَ الأنْباءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عَذابُكم أوْ لِكُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خَبَرُ مَجِيئِهِ ﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ أيْ وقْتُ اسْتِقْرارٍ ووُقُوعٍ البَتَّةَ أوْ وقْتُ اسْتِقْرارِهِ بِوُقُوعِ مَدْلُولِهِ ولَيْسَ مَصْدَرًا مِيمِيًا وسَوْفَ تَعْلَمُونَ 76 - أيْ حال نَبَئِكم في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيها مَعًا وسَوْفَ لِلتَّأْكِيدِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ يعني: بالقرآن وَهُوَ الْحَقُّ يعني: القرآن قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ يعني: بحفيظ ومسلط.

وهذا قبل الأمر بالقتال.

لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ المستقر: هو غاية ينتهي إليها.

يقال: لكل قول وفعل حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه، وما كان منه في الآخرة فسوف تبدو لكم، وستعلمون ذلك في الدنيا وفي الآخرة ويقال: معناه: سوف أؤمر بقتالكم إذا جاء وقته وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ في ذلك الوقت.

قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا يعني: يستهزئون بالقرآن فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يعني: قم من عندهم، واترك مجالستهم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي: حتى يكون خوضهم واستهزاؤهم في غير القرآن وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ يقول: إن أنساك الشيطان وصية الله تعالى، فتجلس معهم فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يقول: قم إذا ذكرت، ودع القوم الظالمين.

يعني: المشركين.

قرأ ابن عامر: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ بنصب النون، وتشديد السين.

وقرأ الباقون: بالتخفيف والجزم.

وهما لغتان: نسيته وأنسيته.

ثم قال: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ يعني: الشرك والاستهزاء مِنْ حِسابِهِمْ يعني: من آثامهم مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى يعني: ذكروهم بالقرآن إذا فعلوا ذلك لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لكي يتقوا الاستهزاء.

قال الكلبي: وذلك أن أصحاب رسول الله  قالوا: يا رسول الله: لئن قلنا كلما استهزءوا بالقرآن، قمنا من عندهم لا نستطيع أن نجلس في المسجد الحرام.

فنزل وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ الآية.

قوله تعالى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً قال الضحاك: يعني: كفار قريش نصبوا أصنامهم في المسجد الحرام إلى أنصاب الحرم، وقرطوها بالمقراط، وعلقوا بيض النعامة في أعناقها.

فنزل وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وقال الكلبي: إِنَّ الله تعالى جعل لكل قوم عيداً يعظمونه، ويصلون فيه لله تعالى، وكل قوم اتخذوا دينهم يعني: عيدهم لعباً ولهواً إلا هذه الأمة، فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة لله، وحصناً للصدقة، وهي الجمعة والفطر والأضحى.

قال مقاتل: اتخذوا دينهم الإسلام لعباً يعني: باطلاً ولهواً عنه.

ثم قال: وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ يعني: عِظْ وَخَوِّفْ بالقرآن أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ يعني: لكي لا تهلك نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يعني: بما عملت ويقال: تحبس نفس يعني تسلم نفس بذنوبها إلى النار وهذا قول الضحاك.

وقال الأخفش: أن ترهن نفس بما عملت.

ويقال: تحبس.

وقال القتبي: أي تسلم للهلكة.

ويقال: تخذل ولا تنصر.

ثم قال: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ يعني: إذا وقع في العذاب، لم يكن لها مانع يمنعها من العذاب وَلا شَفِيعٌ يشفع لها وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْها يقول: لو جاءت بعدل نفسها رجلاً مكانها أو يفتدي بما في الأرض جميعاً لا يؤخذ يعني: لا يقبل منها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا يعني: أهلكوا.

ويقال: أسلموا بذنوبهم إلى النار لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ يعني: ماء حار قد انتهى حره وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ في الدنيا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

- بكسر الخاء-، وقرأ الأعمشُ: «وخِيفَةً» من الخَوْف «١» .

وقوله سبحانه: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها ...

الآية: سبق في المُجَادَلة إلى الجَوَابِ إذْ لا محيدَ عنْه، وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ: لفظٌ عامٌّ أيضاً، ليتَّضِحَ العُمُومُ الذي في «الظلماتِ» ، ثُمَّ أَنْتُمْ، أي: ثم بَعْدَ معرفتكم بهذا كلِّه، وتحقّقكم له، أنتم تشركون.

وقوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ...

الآية: هذا إخبارٌ يتضمَّن الوعيدَ، والأظهرُ مِنْ نَسَقِ الآياتِ: أنَّ هذا الخطابَ للكفَّار الذين تَقَدَّم ذكرهم، وهو مَذْهَبُ الطبريِّ «٢» .

وقال أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وجماعة: هو للمؤمِنِينَ، وهم «٣» المرادُ.

وهذا الاختلافُ إنما هو بحَسَبِ ما يَظْهَرُ منْ أنَّ الآية تتناوَلُ معانِيهَا المشركِينَ والمؤمنينَ وفي «البخاريِّ» وغيره مِنْ حَدِيثِ جابر وغيره: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لما نزلَتِ الآيةُ:

قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ، قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فلما نزلَتْ:

أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ، قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فلما نزلَتْ: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال: هذه أهونُ أو أيَسر» «٤» فاحتج بهذا الحديثِ من قال: إنّها

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾ أيْ: لَكُلِّ خَبَرٍ يُخْبِرُ اللَّهُ بِهِ وقْتٌ يَقَعُ فِيهِ مِن غَيْرِ خُلْفٍ ولا تَأْخِيرٍ.

قالَ السُّدِّيُّ: فاسْتَقَرَّ نَبَأُ القُرْآَنِ بِما كانَ يَعِدُهم مِنَ العَذابِ يَوْمَ بَدْرٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: مِنهُ في الدُّنْيا يَوْمَ بَدْرٍ، وفي الآَخِرَةِ جَهَنَّمُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أو مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أو يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ ﴾ ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ هَذا إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والأظْهَرُ مِن نَسَقِ الآياتِ أنَّ هَذا الخِطابَ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ؛ وهو مَذْهَبُ الطَبَرِيِّ ؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وأبُو العالِيَةِ ؛ وجَماعَةٌ مَعَهُما: هي لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وهُمُ المُرادُ؛ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هي أرْبَعُ خِلالٍ؛ وكُلُّهُنَّ عَذابٌ؛ وكُلُّهُنَّ واقِعٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَمَضَتِ اثْنَتانِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ ثُمَّ لُبِسُوا شِيَعًا؛ وأُذِيقَ بَعْضُهم بِأْسَ بَعْضٍ؛ واثْنَتانِ واقِعَتانِ لا مَحالَةَ: اَلْخَسْفُ والرَجْمُ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: بَعْضُها لِلْكُفّارِ؛ وبَعْضُها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ بَعْثُ العَذابِ مِن فَوْقُ؛ وتَحْتُ؛ لِلْكُفّارِ؛ وسائِرُها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وهَذا الِاخْتِلافُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَظْهَرُ مِن أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُ مَعانِيها المُشْرِكِينَ؛ والمُؤْمِنِينَ.

ورُوِيَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ ؛ وخالِدٍ الخُزاعِيِّ؛ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ ﴾ ؛ قالَ: "أعُوذُ بِوَجْهِكَ"؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ أو مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ ؛ قالَ: "أعُوذُ بِوَجْهِكَ"؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ أو يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ ؛ قالَ: "هَذِهِ أهْوَنُ"؛ أو: "هَذِهِ أيْسَرُ"؛» فاحْتَجَّ بِهَذا مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: وغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يَكُونُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَعَوَّذَ لِأُمَّتِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي تُوُعِّدَ بِها الكُفّارُ؛ وهَوَّنَ الثالِثَةَ لِأنَّها بِالمَعْنى هي الَّتِي دَعا بِها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمُنِعَ؛ حَسَبَ حَدِيثِ المُوَطَّإ وغَيْرِهِ؛ وقَدْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّها أسْوَأُ الثَلاثِ؛ وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ الإغْلاظِ في المَوْعِظَةِ؛ والحَقُّ أنَّها أيْسَرُها؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ومِن فَوْقِكم ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم ؛ لَفْظٌ عامٌّ لِلْمُنْطَبِقَيْنِ عَلى الإنْسانِ؛ وقالَ السُدِّيُّ عن أبِي مالِكٍ: ﴿ مِن فَوْقِكُمْ ﴾ : اَلرَّجْمُ؛ و ﴿ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ : اَلْخَسْفُ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ مِن فَوْقِكُمْ ﴾ : وُلاةُ الجَوْرِ؛ و ﴿ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ ؛ سِفْلَةُ السُوءِ؛ وخَدَمَةُ السُوءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ كُلُّها أمْثِلَةٌ؛ لا أنَّها هي المَقْصُودُ؛ إذْ هي وغَيْرُها مِنَ القُحُوطِ والغَرَقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ داخِلٌ في عُمُومِ اللَفْظِ.

و"يَلْبِسَكُمْ"؛ عَلى قِراءَةِ السِتَّةِ؛ مَعْناهُ: "يَخْلِطَكُمْ"؛ "شِيَعًا"؛ فِرَقًا؛ يَتَشَيَّعُ بَعْضُها لِبَعْضٍ؛ واللَبْسُ: اَلْخَلْطُ؛ وقالَ المُفَسِّرُونَ: هو افْتِراقُ الأهْواءِ؛ والقِتالُ بَيْنَ الأُمَّةِ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللهِ المَدَنِيُّ: "يُلْبِسَكُمْ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ مِن "ألْبَسَ"؛ فَهو عَلى هَذِهِ اسْتِعارَةٌ مِن "اَللِّباسُ"؛ فالمَعْنى: "أو يُلْبِسَكُمُ الفِتْنَةَ شِيَعًا"؛ و"شِيَعًا"؛ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ وقَدْ قالَ الشاعِرُ: لَبِسْتُ أُناسًا فَأفْنَيْتُهم ∗∗∗...............

فَهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ الخُلْطَةِ؛ والمُقاساةِ؛ وإلْباسِ القَتْلِ؛ وما أشْبَهَهُ مِنَ المَكارِهِ.

"وَيُذِيقَ"؛ اِسْتِعارَةٌ؛ إذْ هي مِن أجَلِّ حَواسِّ الِاخْتِبارِ؛ وهي اسْتِعارَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في كَثِيرٍ مِن كَلامِ العَرَبِ؛ وفي القُرْآنِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَنُذِيقَ"؛ بِنُونِ الجَماعَةِ؛ وهي نُونُ العَظَمَةِ في جِهَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقُولُ: "أذَقْتُ فُلانًا العَلْقَمَ"؛ تُرِيدُ كَراهِيَةَ شَيْءٍ صَنَعْتَهُ بِهِ؛ ونَحْوَ هَذا.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اِسْتِرْجاعٌ لَهُمْ؛ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ تَعْجِيبٍ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَمُضَمَّنُها أنَّ هَذِهِ الآياتِ والدَلائِلَ إنَّما هي لِاسْتِصْرافِهِمْ عن طَرِيقِ غَيِّهِمْ؛ و"اَلْفَقْهُ": اَلْفَهْمُ.

والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدُ عَلى القُرْآنِ الَّذِي فِيهِ جاءَ تَصْرِيفُ الآياتِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ ؛ وهَذا هو الظاهِرُ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا بَعِيدٌ؛ لِقُرْبِ مُخاطَبَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالكافِ في قَوْلِهِ: "قَوْمُكَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الوَعِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ؛ ونَحا إلَيْهِ الطَبَرِيُّ ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكَذَّبَتْ بِهِ قَوْمُكَ"؛ بِزِيادَةِ تاءٍ؛ و"بِوَكِيلٍ"؛ مَعْناهُ: بِمَدْفُوعٍ إلى أخْذِكم بِالإيمانِ؛ والهُدى؛ و"اَلْوَكِيلُ"؛ بِمَعْنى: "اَلْحَفِيظُ"؛ وهَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الجِهادِ والأمْرِ بِالقِتالِ؛ ثُمَّ نُسِخَ؛ وقِيلَ: لا نَسْخَ في هَذا؛ إذْ هو خَبَرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنَسْخُ فِيهِ مُتَوَجَّهٌ؛ لِأنَّ اللازِمَ مِنَ اللَفْظِ: "لَسْتَ الآنَ"؛ ولَيْسَ فِيهِ أنَّهُ لا يَكُونُ في المُسْتَأْنَفِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾ ؛ أيْ غايَةٌ؛ يُعْرَفُ عِنْدَها صِدْقُهُ مِن كَذِبِهِ؛ ﴿ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ مَحْضٌ؛ ووَعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ انظر كيف نُصَرّفُ الآيات ﴾ [الأنعام: 65]، أي لعلَّهم يفقهون فلم يفقهوا وكذّبوا.

وضمير ﴿ به ﴾ عائد إلى العذاب في قوله ﴿ على أن يبعث عليكم عَذَاباً ﴾ [الأنعام: 65]، وتكذيبهم به معناه تكذيبهم بأنّ الله يعذّبهم لأجل إعراضهم.

والتعبير عنهم ب ﴿ قومك ﴾ تسجيل عليهم بسوء معاملتهم لمن هو من أنفسهم، كقوله تعالى: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُرْبى ﴾ [الشورى: 23]، وقال طرفة: وظُلْمُ ذوي القُربى أشدُّ مضاضةً *** على المرْء من وقْع الحُسام المهنّدِ وتقدّم وجه تعدية فعل (كذّب) بالباء عند قوله تعالى: ﴿ وكذّبتم به ﴾ في هذه السورة [57].

وجملة ﴿ وهو الحقّ ﴾ معترضة لقصد تحقيق القدرة على أن يبعث عليهم عذاباً الخ.

وقد تحقّق بعض ذلك بعذاببٍ من فوقهم وهو عذاب القحط، وبإذاقتهم بأس المسلمين يوم بدر.

ويجوز أن يكون ضمير به عائداً إلى القرآن، فيكون قوله: ﴿ وكذّب به ﴾ رجوعاً بالكلام إلى قوله ﴿ قل إنِّي على بيِّنة من ربِّي وكذّبتم به ﴾ [الأنعام: 57]، أي كذّبتم بالقرآن، على وجه جعل (مِنْ) في قوله: ﴿ من ربِّي ﴾ [الأنعام: 57] ابتدائية كما تقدّم، أي كذّبتم بآية القرآن وسألتم نزولَ العذاب تصديقاً لرسالتي وذلك ليس بيدي.

ثم اعتُرض بجمل كثيرة.

أولاها: ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ [الأنعام: 59]، ثم ما بعده من التعريض بالوعيد، ثم بنى عليه قوله: ﴿ وكذّب به قومك وهو الحقّ ﴾ فكأنّه قيل: قل إنّي على بيّنة من ربّي وكذّبتم به وهو الحقّ قُل لست عليكم بوكيل.

وقوله: ﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ إرغام لهم لأنَّهم يُرُونَه أنَّهم لمَّا كذّبوه وأعرضوا عن دعوته قد أغاظوه، فأعلمهم الله أنَّه لا يغيظه ذلك وأنّ عليه الدعوة فإذا كانوا يُغيظون فلا يغيظون إلاّ أنفسهم.

والوكيل هنا بمعنى المدافع الناصر، وهو الحفيظ.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا حسبُنا الله ونعم الوكيل ﴾ في سورة [آل عمران: 173].

وتعديته ب (على) لتضمنّه معنى الغلبة والسلطة، أي لست بقيِّم عليكم يمنعكم من التكذيب، كقوله تعالى: ﴿ فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلاّ البلاغ ﴾ [الشورى: 48].

وجملة ﴿ لكلّ نبأ مستقرّ ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأنّ قوله ﴿ وهو الحق ﴾ يثير سؤالهم أن يقولوا: فمتى ينزل العذاب.

فأجيبوا بقوله: ﴿ لكلّ نبأ مستقرّ ﴾ .

والنبأ: الخبر المهم، وتقدّم في هذه السورة.

فيجوز أن يكون على حقيقته، أي لكلّ خبر من أخبار القرآن، ويجوز أن يكون أطلق المصدر على اسم المفعول، أي لكلّ مخبَر به، أي ما أخبِروا به من قوله: ﴿ أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ [الأنعام: 65] الآية.

والمستقرّ وقت الاستقرار، فهو اسم زمانِه، ولذلك صيغ بوزن اسم المفعول، كما هو قياس صوغ اسم الزمان المشتقّ من غير الثلاثي.

والاستقرار بمعنى الحصول، أي لكلّ موعود به وقت يحصل فيه.

وهذا تحقيق للوعيد وتفويض زمانه إلى علم الله تعالى.

وقد يكون المستقرّ هنا مستعملاً في الانتهاء والغاية مجازاً، كقوله تعالى: ﴿ والشمس تجري لمستقرّ لها ﴾ [يس: 38]، وهو شامل لوعيد الآخرة ووعيد الدنيا ولكلَ مستقرّ.

وعن السّدّي: استقرّ يوم بدر ما كان يَعِدهم به من العذاب.

وعطف ﴿ سوف تعلمون ﴾ على جملة ﴿ لكلّ نبأ مستقرّ ﴾ أي تعلمونه، أي هو الآن غير معلوم وتعلمونه في المستقبل عند حلوله بكم.

وهذا أظهر في وعيد العذاب في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ ﴾ وفِيما كَذَّبُوا بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: تَصْرِيفُ الآياتِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ وَهُوَ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي ما كَذَّبُوا بِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والصَّوابِ أنَّ الحَقَّ قَدْ يُدْرَكُ بِغَيْرِ طَلَبٍ، والصَّوابُ لا يُدْرَكُ إلّا بِطَلَبٍ.

﴿ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ لَسْتُ عَلَيْكم بِحَفِيظٍ لِأعْمالِكم لِأُجازِيَكم عَلَيْها، وإنَّما أنا مُنْذِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: لَسْتُ عَلَيْكم بِحَفِيظٍ أمْنَعُكم مِن أنْ تَكْفُرُوا، كَما يَمْنَعُ الوَكِيلُ عَلى الشَّيْءِ مِن إلْحاقِ الضَّرَرِ بِهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ لَسْتُ آخُذُكم بِالإيمانِ اضْطِرارًا وإجْبارًا، كَما يَأْخُذُ الوَكِيلُ بِالشَّيْءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنْ لِكُلِّ خَبَرٍ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن وعْدٍ أوْ وعِيدٍ مُسْتَقَرًّا في مُسْتَقْبَلِ الوَقْتِ أوْ ماضِيهِ أوْ حاضِرِهِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ في الآخِرَةِ لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِما يَنْزِلُ بِهِمْ في الدُّنْيا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ مِن حِسابِ الكُفّارِ فِيما فَعَلُوهُ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ مَآثِمُ يُؤاخَذُونَ بِها، ولَكِنْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم بِاللَّهِ وآياتِهِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ مِنَ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ ما عَلى الكُفّارِ في الحِسابِ مِنَ التَّشْدِيدِ والتَّغْلِيظِ لِأنَّ مُحاسَبَةَ المُتَّقِينَ ذِكْرى وتَخْفِيفٌ، ومُحاسَبَةُ الكُفّارِ تَشْدِيدٌ وتَغْلِيظٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ إذا عَلِمُوا ذَلِكَ.

والثّالِثُ: وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيما فَعَلُوهُ مِن رَدٍّ وصَدِّ حِسابٍ، ولَكِنِ اعْدِلُوا إلى الذِّكْرى لَهم بِالقَوْلِ قَبْلَ الفِعْلِ، لَعَلَّهم يَتَّقُونَ إذا عَلِمُوا.

وَيَحْتَمِلُ هَذا التَّأْوِيلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَتَّقُونَ الِاسْتِهْزاءَ والتَّكْذِيبَ.

والثّانِي: يَتَّقُونَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ قال: يعني من أمرائكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ يعني سفلتكم ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ يعني بالشيع الأهواء المختلفة ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ قال: يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه آخر عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ قال: أئمة السوء ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: خدم السوء.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ قال: من قبل أمرائكم وأشرافكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: من قبل سفلتكم وعبيدكم.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مالك ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ قال: القذف ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: الخسف.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ قال: الصيحة والحجارة والريح ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: الرجفة والخسف وهما عذاب أهل التكذيب ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ قال: عذاب أهل الإقرار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ قال: الحجارة ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: الخسف ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ قال: الاختلاف والأهواء المفترقة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: عذاب هذه الأمة أهل الإقرار بالسيف ﴿ أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ وعذاب أهل التكذيب الصيحة والزلزلة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر بن عبد الله قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: أعوذ بوجهك ﴿ أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ قال: هذا أهون أو أيسر» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: «لما نزلت ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله من ذلك ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ قال: هذا أيسر ولو استعاذه لأعاذه» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه ونعيم بن حماد في الفتن وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في هذه الآية ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما انها كائنة ولم يأت تأويلها بعد» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ قل هو القادر...

﴾ الآية.

قال: هن أربع وكلهن عذاب، وكلهن واقع لا محالة، فمضت اثنتان بعد وفاة رسول صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعاً وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة، الخسف والرجم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ قل هو القادر ﴾ قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ، ثم قال «اللهم لا ترسل على أمتي عذاباً من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم، ولا تلبسهم شيعاً، ولا تذق بعضهم بأس بعض» ، فأتاه جبريل فقال: إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دعوت ربي أن يدفع عن أمتي أربعاً، فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين: دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع عنهم الرجم والغرق، وأبى أن يرفع القتل والهرج» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن خزيمة وابن حبان عن سعد بن أبي وقاص «أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربه طويلاً ثم انصرف إلينا فقال: سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» .

وأخرج ابن مردويه عن معاوية بن أبي سفيان قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تحدثون من آخركم وفاة؟

قلنا: أجل.

قال: فإني من أوّلكم وفاة وتتبعوني أفناداً يهلك بعضكم بعضاً، ثم نزع هذه الآية ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ حتى بلغ ﴿ لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ﴾ » .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة والبزار وابن حبان والحاكم وصححه واللفظ له وابن مردويه عن ثوبان «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن ربي روي لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليها عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها، وقال: يا محمد إني إذاً قضيت قضاء لم يرد، إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة، ولا أظهر عليهم عدواً من غيرهم فيستبيحهم بعامة، ولو اجتمع من بين أقطارها حتى يكون بعضهم هو يهلك بعضاً وبعضهم هو يسبي بعضاً، وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، ولن تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، وأنه قال: كلها يوجد في مائة سنة، وسيخرج في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي الله، وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي، ولن يزال في أمتي طائفة يقاتلون على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله.

قال وزعم أنه لا ينزع رجل من أهل الجنة شيئاً من ثمرها إلا أخلف الله مكانها مثلها، وأنه قال: ليس دينار ينفقه رجل بأعظم أجراً من دينار ينفقه على عياله، ثم دينار ينفقه على فرسه في سبيل الله، ثم دينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله.

قال: وزعم أن نبي الله عظم شأن المسألة وأنه إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم ما كنتم تعبدون؟

فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولاً ولم يأتنا امر.

فيقول: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟

فيقولون: نعم.

فيأخذ مواثيقهم على ذلك فيأمرهم أن يعمدوا لجهنم فيدخلونها، فينطلقون حتى إذا جاءوها رأوا لها تغيظاً وزفيراً فهابوا، فرجعوا إلى ربهم فقالوا: ربنا فرقنا منها.

فيقول: ألم تعطوني مواثيقكم لتطيعن، اعمدوا إليها فادخلوا.

فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا فرجعوا، فيقول: ادخلوها داخرين.

قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لو دخلوها أوّل مرة كان عليهم برداً وسلاماً» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك قال: جاءنا عبد الله بن عمرو في بني معاوية وهي قرية من قرى الأنصار، فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجدكم هذا؟

قلت: نعم.

وأشرت له إلى ناحية منه فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه؟

قلت: نعم.

فقال أخبرني بهن.

قلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين فاعطيها، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها.

قال: صدقت لا يزال الهرج إلى يوم القيامة.

وأخرج أحمد والطبراني وابن مردويه عن أبي نضرة الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال.

«سألت ربي أربعاً فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها» .

وأخرج أحمد والنسائي وابن مردويه عن أنس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر صلى سبحة الضحى ثمان ركعات، فلما انصرف قال «إني صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليها عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعاً فأبى عليّ» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن حذيفة بن اليمان قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حرة بني معاوية، واتبعث أثره حتى ظهر عليها فصلى الضحى ثماني ركعات، فأطال فيهن ثم التفت إلي فقال: إني سألت الله ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوّاً من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنين ففعل، وسألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدواً لها ففعل، وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بعضها ببعض فمنعنيها» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صليت صلاة رغباً ورهباً ودعوت دعاء رغباً ورهباً حتى فرج لي عن الجنة، فرأيت عناقيدها فهويت أن أتناول منها شيئاً فخوفت بالنار، فسألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين وكف عني الثالثة، سألته أن لا يظهر على أمتي عدوها ففعل، وسألته أن لا يهلكها بالسنين ففعل، وسألته أن لا يلبسها شيعاً ولا يذيق بعضها بأس بعض فكفها عني» .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن شداد قال: فقد معاذ بن جبل أو سعد بن معاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده قائماً يصلي في الحرة، فأتاه فتنحنح، فلما انصرف قال: يا رسول الله رأيتك صليت صلاة لم تصل مثلها؟

قال «صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي فيها ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي جوعاً ففعل، ثم قرأ ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين...

﴾ [ الأعراف: 130] الآية.

وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم ففعل، ثم قرأ ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ﴾ [ الفتح: 28] إلى آخر الآية، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، ثم قرأ ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: لا يزال هذا الذين ظاهراً على من ناوأهم» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن خباب بن الأرت في قوله: ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ قال: راقب خباب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، حتى إذا كان في الصبح قال له: يا نبي الله لقد رأيتك تصلي هذه الليلة صلاة ما رأيتك تصلي مثلها؟

قال «أجل إنها صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي فيها ثلاث خصال فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلكنا بما أهلكت به الأمم قبلكم فأعطاني، وسألته أن لا يسلط علينا عدواً من غيرنا فأعطاني، وسألته أن لا يلبسنا شيعاً فمنعني» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، فقال: قد كانت صلاة رغبة ورهبة، فسألت الله فيها ثلاثاً فأعطاني إثنتين وبقي واحدة، سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدواً يستبيح بيضتكم فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها» .

وأخرج الطبراني عن خالد الخزاعي وكان من أصحاب الشجرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم صلاة فأخف وجلس فأطال الجلوس، فلما انصرف قلنا: يا رسول الله أطلت الجلوس في صلاتك؟

قال: «إنها صلاة رغبة ورهبة، سألت الله فيها ثلاث خصال فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يسحتكم بعذاب أصاب من كان قبلكم فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط على بيضتكم عدواً فيجتاحها فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها» وأخرج نعيم بن حماد في كتاب الفتن عن ضرار بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «في قوله: ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ قال: أربع فتن: تأتي فتنة الأولى يستحل فيها الدماء، والثانية يستحل فيها الدماء والأموال، والثالثة يستحل فيها الدماء والأموال والفروج، والرابعة عمياء مظلمة تمور مور البحر، تنتشر حتى لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن شداد بن أوس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأني أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي أن لا يهلك قومي بسنة عامة، وأن لا يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بأس بعض.

فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدواً من سواهم فيهلكوهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وبعضهم يقتل بعضاً، وبعضهم يسبي بعضاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني أخاف على أمتي الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وابن المنذر واللفظ له وابن مردويه عن معاذ بن جبل قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فأطال قيامها وركوعها وسجودها، فلما انصرف قلت: يا رسول الله لقد أطلت اليوم الصلاة؟

فقال» إنها صلاة رغبة ورهبة، إني سألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدواً من سواهم فيهلكهم عامة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم سنة فتهلكهم عامة فأعطانيها، ولفظ أحمد، وابن ماجة، وسألته أن لا يهلكهم غرقاً فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها «» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سألت ربي لأمتي أربع خصال فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة، سألته أن لا تكفر أمتي واحدة فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم من قبلهم فأعطانيها، وسألته لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» .

وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً ﴾ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ، فسأل ربه أن لا يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، أو من تحت أرجلهم، ولا يلبس أمته شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل، فهبط إليه جبريل فقال: يا محمد إنك سألت ربك أربعاً فأعطاك إثنتين ومنعك إثنتين، لن يأتيهم عذاب من فوقهم ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم، فإنهما عذابان لكل أمة اجتمعت على تكذيب نبيها ورد كتاب ربها، ولكنهم يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض وهذان عذابان لأهل الإِقرار بالكتب والتصديق بالأنبياء ولكن يعذبون بذنوبهم، وأوحى الله إليه ﴿ فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ﴾ [ الزخرف: 41] يقول: من أمتك، أو نرينك الذي وعدناهم من العذاب وأنت حي فإنا عليهم مقتدرون.

فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم فراجع ربه فقال: أي مصيبة أشد من أن أرى أمتي يعذب بعضها بعضاً، وأوحى إليه ﴿ آلمَ، أحسب الناس أن يتركوا ﴾ [ العنكبوت: 1-2] الآيتين.

فأعلمه أن أمته لم تخص دون الأمم بالفتن، وأنها ستبتلى كما ابتليت الأمم، ثم أنزل عليه ﴿ قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين ﴾ [ المؤمنون: 93] فتعوذ نبي الله فأعاذه الله لم ير من أمته إلا الجماعة والألفة والطاعة، ثم أنزل عليه آية حذر فيها أصحاب الفتنة، فأخبره أنه إنما يخص بنها ناس منهم من دون ناس فقال: ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ [ الأنفال: 25] فخص بها أقواماً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بعده، وعصم بها أقواماً» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: «لما نزلت ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً ﴾ الآية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف، فقالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله؟

قال: نعم.

فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبداً، فأنزل الله: ﴿ انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون، وكذب به قومك وهو الحق ﴾ إلى قوله: ﴿ وسوف تعلمون ﴾ «» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قولة ﴿ عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: هذا للمشركين ﴿ أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ قال: هذا للمسلمين.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن قانع في معجمه عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر قال: قرأ عبد الله بن سهيل على أبيه ﴿ وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ﴾ فقال: أما والله يا بني لو كنت إذ ذاك ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فهمت منها إذ ذاك ما فهمت اليوم لقد كنت إذ ذاك أسلمت.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وكذب به قومك ﴾ يقول: كذبت قريش بالقرآن ﴿ وهو الحق ﴾ وأما الوكيل: فالحفيظ.

وأما ﴿ لكل نبإٍ مستقر ﴾ فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب.

وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ قال: نسخ هذه الآية، آية السيف ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ الزخرف: 41] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ لكل نبأ مستقر ﴾ يقول: حقيقة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قرأ ﴿ لكل نبإٍ مستقر ﴾ قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها أرسلت عقوبتها.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ لكل نبإٍ مستقر وسوف تعلمون ﴾ يقول: فعل وحقيقة، ما كان منه في الدنيا وما كان في الآخرة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ لكل نبإٍ مستقر وسوف تعلمون ﴾ قال: لكل نبأ حقيقة، أما في الدنيا فسوف ترونه، وأما في الآخرة فسوف يبدو لكم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾ المستقر: يجوز أن يكون موضع الاستقرار (١) إنَّ المُوَقَّى مِثلُ مَا وُقَّيتُ (٢) يعني: التوقية، قال المفسرون: (يقول: لكل خبر يخبره الله وقت ومكان يقع فيه من غير خُلف ولا تأخير، وإذا جعلت المستقر مصدرًا كان المعنى: لكل وعدٍ ووعيدٍ من الله وقوع واستقرار لابد ﴿ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ إذا نزل) (٣) قال الكلبي: (لكل قول حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه وما كان منه في الآخرة فسوف يبدو لكم) (٤) وقال الضحاك: (لكل حديث وخبر منتهى وأجل يتبين فيه صدقه عند وقوعه) (٥) (٦) ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ  ﴾ .

وقال الحسن: (لكل عمل جزاء فمن عمل عملًا من الخير جوزي به الجنة، ومن عمل عمل سوء جوزي به النار، ﴿ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ يا أهلِ مكة) (٧) (٨) (٩) (١٠) قال أبو إسحاق: (يقول: لا آخذكم بالإيمان على جهة الحرب واضطراركم إليه ومقاتلتكم عليه، فلكل ﴿ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾ أي: وقت معلوم، ﴿ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ جائز أن يكون وعدهم بعذاب الآخرة، وجائز أن يكون وعدهم بالحرب وأخذهم بالإيمان إن شاؤوا أو أبوا) (١١) (١٢) وقال ابن عباس في رواية عطاء ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾ : (يريد: خبري وخبركم سوف يستقر عند رب العالمين، فيحكم بيني وبينكم ﴿ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ من له الحجة على صاحبه) (١٣) (١) المستقر: يكون مصدرًا بمعنى: الاستقرار، واسم مكان، أي: موضع الاستقرار، واسم زمان، أي: وقت الاستقرار.

انظر: الرازي 13/ 24، و"الفريد" 2/ 167، و"الدر المصون" 4/ 674.

(٢) هذا رجز لرؤبة بن العجاج في "ديوانه" ص25، و"الكتاب"4/ 97، و"المخصص" 14/ 200، وتكملته: (أَنْقَذَنيِ مِنْ خَوْفِ مَا خَشِيتُ)، والشاهد مجيء الموقى بمعنى: التوقية، انظر: "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص 186.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 227، والسمرقندي 4/ 1314، وابن عطية 6/ 72 ، والرازي 13/ 21.

(٤) "تنوير المقباس" 2/ 28 - 29، وذكره الثعلبي في "الكشف" 179 أ، والبغوي 3/ 154، وأخرج الطبري 11/ 435، وابن أبي حاتم 3/ 79 ب بسند جيد عن مجاهد مثله.

(٥) ذكره شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 17/ 370 عن بعضهم.

(٦) لفظ: (الواو)، ساقط من (أ).

(٧) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 534، والثعلبي في "الكشف" 179 ب، والماوردي في "النكت والعيون" 1/ 534، وشيخ الإسلام في "الفتاوى" 17/ 371.

(٨) لفظ (يوم): ساقط من (ش).

(٩) في (أ): (بما هو يعدهم).

(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 227، وابن أبي حاتم 4/ 1313 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 37.

(١١) "معاني القرآن" 2/ 260، وفيه: (وأخذهم بالإيمان شاؤوا أو أبوا، إلا أن يعطي أهل الكتاب الجزية) ا.

هـ.

(١٢) انظر: "معاني النحاس" 2/ 442.

(١٣) لم أقف عليه، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 227، وابن أبي حاتم 4/ 1313 بسند جيد عنه قال: ( ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾ يقول: حقيقة)، وأخرج الطبري بسند ضعيف عنه قال: (فعل وحقيقة ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة)، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 37.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ﴾ أي في غاية يعرف عندها صدقه من كذبه ﴿ يَخُوضُونَ في آياتنا ﴾ في الاستهزاء بها والطعن فيها ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي قم ولا تجالسهم ﴿ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان ﴾ إما مركبة من إن الشرطية وما الزائدة، والمعنى إن أنساك الشيطان النهي عن مجالستهم، فلا تقعد بعد أن تذكر النهي.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ توفته ﴾ و ﴿ استهوته ﴾ ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث ﴿ قل من ينجيكم ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس.

الباقون: بالتشديد ﴿ وخفية ﴾ بالكسر حيث كان: أبو بكر وحماد.

الباقون: بالضم ﴿ أنجانا ﴾ ممالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ أنجانا ﴾ بدون الإمالة: عاصم.

الباقون ﴿ أنجيتنا ﴾ ﴿ قل الله ينجيكم ﴾ بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف وعاصم وهشام.

الباقون: بالتخفيف ﴿ بعضٍ انظر ﴾ وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان ﴿ ينسينك ﴾ بالتشديد: ابن عامر.

الوقوف: ﴿ حفظة ﴾ ط ﴿ لا يفرطون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الحاسبين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط لاحتمال الإضمار أي يقولون لئن أنجيتنا، وتعلق "لئن" بمعنى القول في ﴿ تدعونه ﴾ أصح ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ بأس بعض ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ وهو الحق ﴾ ط ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ط للإبتداء بــ"سوف" على التهديد مع شدة اتصال المعنى ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ ولا شفيع ﴾ ط للشرط مع العطف ﴿ بما كسبوا ﴾ لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ وقوله ﴿ لهم شراب ﴾ خبر ﴿ الهدى ائتنا ﴾ ج ﴿ هو الهدى ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ في الصور ﴾ ط ﴿ والشهادة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه.

التفسير: من الدلائل الدالة على كمال قدرته وحكمته قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ والمراد منه الفوقية بالقدرة والتسخير كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان أي أنه أعلى وأنفذ منه، ولا ريب أن الممكنات بأسرها تحت تصرف الواجب ينقلها من حيز العدم إلى حالة الوجود وبالعكس، ويتصرف فيها كيف يشاء، علويات كن أو سفليات، ذوات أو صفات، نفوساً أو أبداناً، أخلاطاً وأركاناً.

ومن جملة قهره إرسال الحفظة - وهي جمع حافظ - على عبيده بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي والمباحات لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  ﴾ وعلى أفعالهم بقوله ﴿ يعلمون ما تفعلون  ﴾ وأما صفات القلوب كالجهل والعلم فليس في الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها.

وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: انتظر لعله يتوب عنها فإن لم يتوب عنها فإن لم يتب كتب عليه.

قالت العلماء: من فوائد هذه الكتبة أن المكلف إذا علم أن الملائكة الموكلين عليه يكتبون أعماله في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك زجراً له عن القبائح.

ومنها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة فإن وزن الأعمال غير ممكن.

ومنها التعبد فعلى الملكلف أن يؤمن بكل ما ورد به الشرع وإن لم يعرف وجه الحكمة في بعض ذلك.

وقال بعض الحكماء: الحفظة النفوس والقوى الجسمانية التي تحفظ الأركان مع طبائعها المتضادة على امتزاجها.

وقال بعض القدماء: منهم النفوس البشرية والأرواح السفلية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والخساسة، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومنامها على سبيل الرؤيا تارة، وعلى سبيل الإلهامات أخرى.

فالأرواح الخيرة لها مبادٍ من عالم الأفلاك وكذا الأرواح الشريرة وتلك المبادىء في مصطلحهم تسمى بالطباع التام لأن تلك الأرواح في تلك الطبائع والأخلاق تامة كلها وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته، لأصحاب الطلسمات والعزائم في هذا الباب كلام كثير.

وقيل: إن النفوس المفارقة تميل إلى ما يناسبها ويساويها في الطبيعة والماهية من النفوس المتعلقة بالأبدان فتحفظها وتعينها ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ أي وقته أو أماراته ﴿ توفته رسلنا ﴾ أي بإذننا وتفويضنا فالمتوفى بالحقيقة هو الله  كما قال الله ﴿ يتوفى الأنفس حين موتها  ﴾ .

وهؤلاء الرسل أتباع ملك الموت في قوله ﴿ يتوفاكم ملك الموت  ﴾ وهل هم الحفظة بأعيانهم أم غيرهم فيه قولان: أشهرهما الثاني لكون ملائكة الروح والريحان وهم الريحانيون غير ملائكة الكرب والأحزان وهم الكروبيون.

وعن مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين.

﴿ وهم لا يفرطون ﴾ لا يقصرون فيما أمرهم الله  به وفيه مدح لهم بالعصمة ﴿ ثم ردوا إلى الله ﴾ أي إلى حكمه وجزائه ﴿ مولاهم الحق ﴾ صفتان والضمير في ﴿ ردوا ﴾ إما للملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أولئك الملائكة، أو إلى البشر أي أنهم بعد موتهم يردون إلى الله  والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب، فإذا ماتوا انتقلوا إلى تصرف المولى الحق.

وفيه إشعار بأن الإنسان شيء آخر وراء هذا الهيكل المحسوس فإن هذا الهيكل يبقى ميتاً والإنسان مردود إليه  .

وفي لفظ الرد إشارة إلى أن الروح كان موجوداً قبل البدن وقد تعلق به زماناً ثم ردّ إلى موضعه الأصلي وهو عالم الأرواح بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ألا له الحكم ﴾ كقوله: ﴿ إن الحكم إلا لله  ﴾ ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ حساباً قيل: إنه  يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة فلا يشغله كلام عن كلام.

وقيل: يحاسب كل إنسان واحد من الملائكة بإذن الله تعالى لأنه لو حاسب الكفار بذاته لتكلم معهم وهو محال لقوله ﴿ ولا يكلمهم الله  ﴾ وقال الحكيم: معنى سرعة المحاسبة ظهور الملكات في الهيآت على النفس في آن قطع التعلق، قليلة كانت أو كثيرة، حميدة أو ذميمة، وبعد تعارض البعض بالبعض يبقى ما هو أغلب وبحسب ذلك يكون الثواب أو ضده.

وذلك أنه لا يحصل للإنسان لحظة ولا لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويظهر منها في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو ضدها قل أو كثر وهو المراد بكتبة الأعمال.

قال الجبائي - ههنا: لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة الآن وقبل خلقه وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم.

وعورض بالعلم فإنه كان قبل العالم عالماً بأنه سيوجد وبعد وجوده صار عالماً بأنه وجد ولا يلزم منه تغير العلم.

ثم عدّد لطفه وإحسانه بقوله ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ مجازاً عن مخاوفهما وأهوالهما يقال ليوم الكربة: يوم مظلم وذو كواكب كأنه أظلم عليه وجه الخلاص، ويحتمل أن تكون الظلمات بالحقيقة.

وظلمات البر ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمات البحر هما مع ظلمة الماء.

﴿ تدعونه ﴾ في موضع الحال ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ مفعول لأجلهما أو تمييز أو مصدر خاص.

والمراد أن الإنسان عند حصول هذه الشدائد يأتي بأمور: أحدها الدعاء.

الثاني التضرع.

والثالث: الإخلاص بالقلب وهو المعني بقوله ﴿ وخفية ﴾ ورابعها: التزام الشكر هو المراد من قوله ﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الظلم والشدة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ فبين الله  أنه إذا شهدت الفطرة السليمة في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ولا معول إلا عليه وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات.

ثم بين أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الحزن والكرب، ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك الجلي وهو عبادة الأوثان أو الخفي وهو اتباع الهوى.

وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الخوف أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا.

ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل التوحيد مقروناً بنوع من التخويف فقال ﴿ قل هو القادر ﴾ واللام للعهد أو للجنس فيفيد أنه هو الذي عرفتموه قادر، وهو الكامل القدرة ﴿ على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ كالمطر أو الحجارة مثل ما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ كما أغرق فرعون وخسف بقارون.

وقيل: من قبل أكابركم وسلاطينكم أو من جهة سفلتكم وعبيدكم.

وقيل: هو حبس المطر والنبات ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ هي جمع شيعة أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام.

ومعنى خلطهم أن يوقع القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال.

عن رسول الله  "سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ دلالة على أن الأهواء المختلفة والآراء الفاسدة والبدع كلها من الله  وفي قوله ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ إشارة إلى أن أن المعاصي وأنواع الظلم مستندة إلى الله  وقالت المعتزلة: الآية لا تدل إلا على أنه تعالى قادر على القبيح والنزاع في أنه هل يفعل ذلك أم لا؟

وأجيب بأن الآية دلت على أن القدرة على هذه الأمور تختص به، وهذه الأمور واقعة فيكون هو فاعلها بالضرورة ﴿ انظر كيف نصرف الآيات ﴾ نقرر الدلائل الواضحات.

وقد قال مثل ذلك فيما قبل فالتقدير: انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون فلا نعرض عنهم بل نكررها ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ ﴿ وكذب به ﴾ أي بالعذاب المذكور في الآية السابقة ﴿ قومك ﴾ يعني قريشاً ومن دان بدينهم ﴿ وهو الحق ﴾ أي لا بد أن ينزل بهم.

وقيل: أي بالقرآن وهو الحق لأنه كتاب منزل من عند الله.

وقيل: أي بتصريف الآيات لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات.

﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ أي بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر.

﴿ لكل نبأ لكل ﴾ خبره يخبره الله  ﴿ مستقر ﴾ أي استقرار أو موضع استقرار.

والمراد بالنبأ المنبأ به لأن النبأ قد حصل، والمقصود أن لعذاب الله  أو لاستيلاء المسلمين على الكفار بالقتل والأسر والقهر وقتاً ومكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير ﴿ وسوف تعلمون ﴾ فيه من التهديد ما فيه.

ثم بين أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مجالستهم فقال ﴿ وإذا رأيت ﴾ أيها السامع ﴿ الذين يخوضون في آياتنا ﴾ والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللغو والعبث، ويقرب منه قول المفسرين إنه في الآية الشروع في آيات الله على سبيل الطعن والاستهزاء وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك ﴿ فأعرض عنهم ﴾ بالقيام عنهم لقوله بعد ذلك ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ وقيل: المطلوب إظهار الإنكار وكل طريق أفاد هذا الغرض وإن كان غير القيام عن مجلسهم فإنه يجوز المصير إليه، هذا عند عدم الخوف، أما مع الخوف فهذا الفرض ساقط والتقية واجبة.

نعم كل ما أوجب على الرسول  فعله وجب عليه، سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر وإلا لم يبق الاعتماد على التكاليف التي يبلغها ﴿ وإما ينسينك الشيطان ﴾ أي يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ بعد أن تذكر النهي ﴿ مع القوم الظالمين ﴾ أي معهم فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم.

قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.

وقال الفراء: هي الذكر.

قال في الكشاف بناء على مذهبه: يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى، بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم.

قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لم يكن الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان.

قال ابن عباس: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزلت الرخصة أن يقعدوا معهم ويذكروهم ويفهموهم بقوله ﴿ وما على الذين يتقون ﴾ أي الشرك والكبائر والفواحش ﴿ من حسابهم ﴾ من ذنوبهم التي يحاسبون عليها ﴿ من شيء ولكن ذكرى ﴾ أي ولكن يذكرونهم تذكيراً، أو ولكن عليهم أن يذكروهم، أو ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى.

ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿ من شيء ﴾ كقول القائل: ما في الدار من أحد ولكن زيد لأن قوله ﴿ من حسابهم ﴾ يأبى ذلك فإن الذكرى ليس من حساب المشركين.

ثم أكد الإعراض عنهم بقوله ﴿ وذر الذين ﴾ والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم والمبالاة بهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم كقوله ﴿ فأعرض عنهم وعظهم  ﴾ وصفهم بوصفين الأوّل أنهم ﴿ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ وفيه وجوه: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤا، أو أتخذوا ما هو لعب ولهو يعني عبادة الأوثان وغيرها ديناً لهم، أو المراد ما كانوا يحكمون به بمجرد التقليد والهوى كتحريم البحائر والسوائب، أو المراد أن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا أعيادهم لعباً ولهواً لا كالمسلمين حيث اتخذوا عيدهم كما شرعه الله  .

قال ابن عباس: أو هو إشارة إلى من جعل دين الإسلام وسيلة إلى المناصب والرياسات والغلبة والجلال لا لأنه حق وصدق في نفسه.

ويؤكد هذا الوجه الوصف الثاني وهو قوله ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ كأنهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا ﴿ وذكر به ﴾ أي بالقرآن أو بالدين القويم مخافة ﴿ أن تبسل نفس ﴾ قال الحسن ومجاهد: أن تسلم إلى الهلاك والعذاب وترتهن بسوء فعلها وأصله المنع فالمسلم إليه وهو العذاب يمنع المسلم ومنه الباسل الشجاع لامتناعه من قرنه.

وقال قتادة: تحبس في جهنم.

وعن ابن عباس: تفتضح ﴿ ليس لها ﴾ أي النفس ﴿ من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ﴾ إن تفد كل فداء لأن الفادي يعدل المفدى بمثله ﴿ لا يؤخذ منها ﴾ قال في الكشاف: فاعل ﴿ يؤخذ ﴾ قوله ﴿ منها ﴾ لا ضمير العدل لأن العدل ههنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ.

وأما في قوله ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ فبمعنى المفدى به فصح إسناده.

قلت: إن فسر الأخذ بالقبول كما في قوله ﴿ ويأخذ الصدقات  ﴾ ارتفع الفرق.

﴿ أولئك ﴾ المتخذون ﴿ هم الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ ثم بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين بقوله ﴿ لهم شراب من حميم ﴾ ثم رد على عبدة الأصنام بقوله ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ النافع الضار ﴿ ما لا ينفعنا ولا يضرنا ﴾ أي لا يقدر على النفع والضر ﴿ ونرد ﴾ داخل في الاستفهام أي أنرجع إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله  منه وهدانا للإسلام، فإن الردة عود إلى الحالة الأولى التي كان الإنسان عليها من الجهل كقوله ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً  ﴾ ﴿ كالذي استهوته ﴾ محله النصب على الحال من الضمير في ﴿ نرد ﴾ أي أننكص على العقبين مشبهين من استهوته وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه أي سقوطه من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة كقوله: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء  ﴾ وقيل: اشتقاقه من اتباع الهوى و ﴿ حيران ﴾ حال أخرى لكن من الضمير في ﴿ استهوته ﴾ وكذا الجملة بعده.

ومعنى الحيرة التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه منه.

ومنه تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.

﴿ له ﴾ أي لهذا المستهوي ﴿ أصحاب ﴾ رفقة ﴿ يدعونه إلى الهدى ﴾ أي إن يهدوه الطريق المستوي فيكون مصدراً.

وسمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له ﴿ ائتنا ﴾ أو الدعاء في معنى القول وهذا بناء على ما تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن والغيلان تستهوي الإنسان وتستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الحق وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن غير ملتفت اليهم.

وقيل: إن لذلك الكافر أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى.

وروي أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فإنه كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان ﴿ قل إن هدى الله ﴾ وهو الإسلام ﴿ هو ﴾ الذي يحق أن يسمى هدى وما وراءه غي وضلال ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا ﴾ قال الزجاج: لا بد من تأويل ليستقيم العطف فالتقدير: وأمرنا لنسلم ولنقيم، أو أمرنا أن أسلموا وأن أقيموا: قيل: والسر في العدول عن الظاهر أن المكلف كالغائب ما لم يسلم فإذا أسلم صار كالحاضر.

وتقرير الآية أن متعلق الأمر إما أن يكون من باب الأفعال أو من باب التروك.

والأول إما أن يكون من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح، ورئيس أفعال القلوب الإيمان بالله والإسلام وهو قوله ﴿ لنسلم ﴾ ورئيس أعمال الجوارح الصلاة وهو قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ ثم أشار إلى جوامع التروك بقوله ﴿ واتقوه ﴾ ثم قال ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ ليعلم أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر.

ثم دل على وجود الحاشر بقوله ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض ﴾ قائما أو ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ بالحكم اللطيفة والغايات الصحيحة والأغراض المطابقة، وذلك أنه أودع في هذه الأجرام قوى وخواص وآثاراً تتضمن مصالح الأبدان ومباهج نوع الإنسان وهكذا خلق ﴿ يوم يقول كن فيكون قوله الحق ﴾ فقوله فاعل ﴿ يكون ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ والمعنى أنه  خلق العالم من الأفلاك والطبائع والعناصر والمواليد، وخلق يوم القيامة لرد الأرواح إلى الأجساد بطريق "كن فيكون" وعلى هذا يجوز أن يكون قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ وخبراً مستأنفاً، أو قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ يوم يقول ﴾ ظرف دال على الخبر مثل "يوم الجمعة القتال" أي القتال واقع يوم الجمعة.

والمراد أن قضاءه في ذلك اليوم حق وصدق خالٍ عن الجور والعبث ﴿ ويوم ينفخ ﴾ ظرف لقوله ﴿ وله الملك ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم  ﴾ والمقصود أنه لا ملك في ذلك اليوم إلا له من غير دافع ولا منازع.

والصور باتفاق أكثر أهل الإسلام قرن ينفخ فيه ملك من الملائكة كما جاء في مواضع من القرآن ﴿ ونفخ في الصور فصعق  ﴾ ففزع ﴿ فإذا نقر في الناقور  ﴾ وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة.

وخطأه الأئمة فقالوا: كل جمع على لفظ الواحد سبق جمعه واحده فواحده بزيادة هاء فيه كالصوف، أما إذا سبق الواحد الجمع فليس كذلك كغرفة وغرف ولهذا يجمع صورة الإنسان على صور بالفتح كقوله ﴿ فأحسن صوركم  ﴾ ومن أسكن فقد أخطأ، ومما يدل على أن الصور هو القرن لا جمع صورة الإنسان أنه  لم يضف النفخ إلى نفسه كما قال ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ﴿ فنفخنا فيها من روحنا  ﴾ ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] ثم لما بين كمال قدرته بقوله وله الملك ذكر كمال علمه بقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ﴿ وهو الحكيم ﴾ المصيب في أقواله وأفعاله ﴿ الخبير ﴾ النافذ علمه في بواطن الحقائق من غير اشتباه والتباس، فإن أمر البعث لا يتم إلا بقدرة كاملة وعلم تام كيلا يشتبه المطيع والعاصي والصديق والزنديق.

التأويل: ﴿ وهو القاهر ﴾ بوصف الجلال للأولياء، قهار بوصف الجبروت للأعداء.

﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ من صفات قهره حتى لو أرادت نفسه الخروج عن قيد مجاهدتها قهرتها سطوات العتاب فردتها إلى بذل الجهد، وإن أراد قلبه فرجة عن مطالبات العزة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرقات قهرته بوارق التجلي فردته إلى بذل المهجة ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ يعني الفناء عن أوصاف الوجود ﴿ توفته ﴾ رسل صفات قهرنا وهم لا يقصرون في إفناء الأوصاف ﴿ ثم ردوا ﴾ إلى البقاء بالله ﴿ قل الله ينجيكم من ظلمات ﴾ بر الأجسام وبحر الأرواح فإن عالم الأرواح بالنسبة إلى عالم الألوهية ظلمانية.

﴿ تدعونه تضرعا ﴾ بالجسم ﴿ وخفية ﴾ بالروح ﴿ ومن كل كرب ﴾ آفة وفتنة ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ حين يتجلى لكم نور من أنوار صفاته، فبعضكم يقول: أنا الحق وبعضكم يقول: سبحاني ما أعظم شأني ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ بسدل حجاب العزة والغيرة بينه وبينكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ حجاباً من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ بجعل الخلق فيكم فرقاً.

فمن قائل هم الصديقون، ومن قائل هم الزنديقون ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ بالقتل والصلب وقطع الأطراف ﴿ انظر كيف نصرف ﴾ آيات المصارف للسائرين إلى الله ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ لشرائط السير ولا يفقهون في مقام دون الفناء عن كلية الوجود بالبقاء بشهود المعبود ﴿ وكذب ﴾ بهذا المقام ﴿ قومك ﴾ المنكرون ﴿ وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ﴾ لا أسلك طريق هذا المقام بوكالتكم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى كما قال ﴿ لكل نبأ مستقر ﴾ أي لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب أو دركات البعد ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون ﴾ في أحوال الرجال ولا حظ لهم منها ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ولا تجالسهم ﴿ حتى يخوضوا في حديث ﴾ غير تلك الطامات التي هي ريح في شبح.

﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ لأن همهم من لبس الخرقة والتزيي بزي الطالبين إنما هو الدنيا وقبول الحق ﴿ أن تبسل نفس ﴾ أي كراهة أن يبطل استعدادها بالكلية ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ بمقامات الرجال من الوصول والوصال ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ أنطلب غير الله الذي هو النافع الضار.

والنفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه، والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه.

﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ إلى مقام الإثنينية التي كنا فيها بعد أن هدانا الله إلى الوحدة كالذي أضلته شياطين الجن والإنس في أرض البشرية باتباع الهوى ﴿ حيران ﴾ من إغوائهم.

﴿ وأمرنا لنسلم ﴾ بترك الوجود كالكرة في ميدان القدرة مستسلماً لصولجان القضاء ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ بمحافظة الأسرار عن الأغيار والاتقاء به عن غيره ليحشر إليه لا إلى الجنة أو النار كما قال: ألا من طلبني وجدني.

﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي لإظهار صفاته، فجعل المخلوقات مرآة لجماله وجلاله وإذا أراد أن يرى عبداً من عباده تلك الصفات يقول له: كن رائياً فيكون، ولن يصير رائياً بمجرد سعيه لأن قوله في حق الإنسان كن رائياً هو الحق وله ملك الإراءة وملك الرؤية، ينفخ الإراءة في صور القلب ﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما اختص الإنسان بإراءة الآيات ﴿ الخبير ﴾ بمن يخصه من بين الناس بالإراءة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ليس هذا على الأمر له، ولكن على المحاجة؛ كقوله -  -: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ  ﴾ ، ليس على الأمر بالسير في الأرض، ولكن على الاعتبار بأولئك الذين كانوا من قبل، والنظر في آثارهم وأعلامهم [أن] كيف صاروا بتكذيبهم الرسل، وماذا أصابهم بذلك؛ فعلى ذلك هذا، فيه الأمر بالمحاجة معهم في آلهتهم: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ آلهتكم التي تعبدون من دون الله، وتشركونها في ألوهيته وربوبيته، أو الله الذي خلقكم؟

فسخرهم حتى قالوا: [الله] هو الذي ينجينا من ذلك، فقال: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ ، فإذا كان هو الذي ينجيكم من هذا لا آلهتكم التي تبعدونها؛ فكذلك هو الذي ينجيكم من كل كرب ومن كل شدة.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .

أي: لا أحد ينجيكم من ظلمات البر والبحر؛ كقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ ، أي: لا أحد أظلم من تخافون على آلهتكم الهلاك كما تخافون على أنفسكم؟

فلا أحد سواه ينجيكم من ذلك ومن كل كرب.

قال أبو بكر الكيساني: هم عرفوا في الدنيا أنه هو الذي ينجيهم من ذلك كله، وهو الذي يعطي لهم ما أعطوا بما قامت عليهم الحجج، ولم يعرفوا أنه هو الذي ينجيهم في الآخرة ويهلكهم، وهو هكذا: عرفوا الله في الدنيا، ولم يعرفوه في الآخرة.

ثم اختلف في ظلمات البر والبحر: قال بعضهم: الظلمات: هي الشدائد والكروب التي تصيبهم بالسلوك في البر والبحر.

وقال آخرون: الظلمات هي الظلمات لأن أسفار البحار والمفاوز إنما تقطع بأعلام السماء، فإذا أظلمت السماء بقوا متحيرين لا يعرفون إلى أي ناحية يسلكون، ومن أي طريق يأخذون، فعند ذلك يدعون الله تضرعاً وخفية.

قال الحسن: التضرع: هو ما يرفع به الصوت، والخفية: هي ما يدعي سرّاً وهو من الإخفاء.

وفي حرف ابن مسعود: (تدعونه تضرعاً وخيفة) وهي من الخوف.

قال الكلبي: في خفض وسكون، وتضرع إلى الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ .

قال أبو بكر لنكونن من الشاكرين، أي: لا نوجه الشكر إلى غيرك، والشكر - هاهنا -: هو التوحيد، أي: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الموحدين لك من بعد؛ لأنهم كانوا يوحدون الله في ذلك الوقت، لكنهم إذا نجوا من ذلك أشركوا غيره في ألوهيته.

ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ بعد علمكم أن الأصنام التي تعبدونها لم تملك الشفاعة لكم، ولا الزلفى إلى الله؛ يذكر سفههم في عبادتهم الأوثان على علم منهم أنها لا تشفع [لهم]، ولا تملك دفع شيء عنهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .

اختلف في نزول الآية فيمن نزلت؟

قال بعضهم: نزلت في مشركي العرب - وهو قول أبي بكر الأصم - لأنها نزلت على أثر آيات نزلت في أهل الشرك، من ذلك قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ...

﴾ الآية [الأنعام: 46].

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً...

 ﴾ إلى قوله -  -: ﴿ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ  ﴾ : هذه الآيات كلها نزلت في أهل الشرك، فهذه كذلك نزلت فيهم؛ لأنها ذكرت على أثرها؛ ولأن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك، إلا آيات منها نزلت في أهل الكتاب، وسورة المائدة نزل أكثرها في محاجة أهل الكتاب؛ لأنه يذكر فيها: ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ  ﴾ .

ومنهم من يقول: نزلت في أهل الإسلام، وهو قول أبي بن كعب، وقال: هن أربع، فجاء منهن ثنتان بعد وفاة رسول الله  : ألبسهم شيعاً، وأذاق بعضهم بأس بعض.

أما لبس الشيع: هي الأهواء المختلفة، ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ هو السيف والقتل، هذان قد كانا في المسلمين، وبقى ثنتان لا بد واقعتان.

ومنهم من يقول: كان ثنتان في المشركين من أهل الكتاب، وثنتان في أهل الإسلام، وهو قول الحسن قال: قد ظهر في أهل الإسلام الأهواء المختلفة والقتل والفتن، وأما اللذان في أهل الشرك من أهل الكتاب: فهما الخسف في الأرض، والحجارة من السماء.

ثم اختلف في قوله: ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ ﴾ ، أي: من أمرائكم، ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ .

أي: من سفلتكم؛ لأن الفتن ونحوها إنما تهيج من الأمراء الجائرين ومن أتباعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ .

قال: الأهواء المختلفة.

وقوله -  -: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .

أي: يسلط بعضهم على بعض بالقتل والعذاب.

ومن قال بأن الآية نزلت في أهل الشرك يقول: كان في أشياعهم ذلك كله، أما العذاب من الفوق فهو الحصب بالحجارة؛ كما فعل بقوم لوط، ومن تحت أرجلهم وهو الخسف؛ كما فعل بقارون ومن معه.

وقوله: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾ .

يقول: فرقاً وأحزاباً، وكانت اليهود والنصارى فرقاً مختلفة، اليهود فرقاً والنصارى كذلك؛ كقوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ .

هو الحرب والقتال.

وقول الحسن ما ذكرنا أنه ظهر في أهل الإسلام الأهواء المختلفة وظهر الحرب والقتل.

وأما الخسف والحصب: فلم يظهرا؛ فهما في أهل الشرك.

ويحتمل قوله: ﴿ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ ﴾ أرسلها عليهم؛ لأنهم قد أقروا أنه [هو] رفع السماء، فمن قدر على رفع شيء يقدر على إرساله.

وقوله: ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ .

لأنهم عرفوا أنه بسط الأرض، ومن ملك بسط شيء يملك طيه ويخسف بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ .

قيل: أي: نردد الآيات [ليعلم] كل مزدجره.

أو يقول: كيف نصرف الآيات ليعلم كل صدقها وحقيقتها أنها من الله جاءت.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ : يحتمل وجوهاً: صرفها ليفقهوا، وذلك يرجع إلى المؤمنين خاصة.

والثاني: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ ، أي: ليلزمهم أن يفقهوا، وقد ألزم الكل أن يفقهوا، لكن من لم يفقه إنما لم يفقه؛ لأنه نظر إليه بعين الاستخفاف.

والثالث: ﴿ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ أي: نصرف الرسل ونبلغها إليهم على رجاء أن يفقهوا، لكي يفقهوا؛ إن نظروا فيها وتأملوها.

وذكر ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ ؛ لأن منهم من فقه، ومنهم من لم يفقه.

﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ ﴾ .

يحتمل به: القرآن، ويحتمل: بما ذكر من الآيات، ويحتمل: الإيمان به والتوحيد.

﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ وكذب به قومك.

وهم أحق أن يصدقوك بما جئت به وأنبأتهم؛ لأنك نشأت بين أظهرهم، فلم تأت كذباً قط، ولا رأوك تختلف إلى أحد يعلمك، فهم أحق أن يصدقوك بما جئت به وأنبأتهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: الوكيل: الحفيظ، والوكيل: هو القائم في الأمر، أي: لست بقائم عليكم؛ لأكرهكم على التوحيد والإيمان شئتم أو أبيتم، ولست بحافظ على أعمالكم إنما عليَّ التبليغ؛ كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ﴾ قال بعضهم: لكل أمر حقيقة.

وقيل: لكل خبر غاية ينتهي إليها.

ويحتمل: أن يكون صلة قوله: ﴿ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ ؛ ﴿ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ﴾ ، أي: لست عليكم بوكيل، لكن لكل نبإ مستقر في أن أغنم أموالكم وأسبي ذراريكم؛ كقوله: ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ  إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ ﴾ أي: بما كان وعد وأوعد، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنا نعلم أن للخلق حقيقة الفعل في القتل والحرب والأهواء المختلفة، ثم أضاف ذلك إلى نفسه؛ دل أن له صنعاً في أفعالهم، وليس كما تقول المعتزلة: إنه لا يملك ذلك.

وكذلك ما ذكر من إضافة تلبيس الشيع إليه رد لقولهم؛ لأنهم يقولون: هم يختلفون، وقد أخبر أنه هو يجعلهم شيعاً، وذلك ظاهر النقض عليهم؛ لأنه أخبر أنه يذيق بعضهم بأس بعض، وهم يقولون: هو لا يذيق ولكن ذلك القاتل أو الضارب أو المعذب هو يذيقهم دون رب العالمين؛ وكذلك قوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ  ﴾ ، وهم يقولون: هو لا يعذبهم ولكن الخلق يعذبونهم؛ وكذلك قوله: ﴿ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا  ﴾ ، وهم يقولون: هو لا يملك تعذيبهم بأيديهم، وذلك رد لظاهر الآية وتركها جانباً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لكل خبر وقت يستقر فيه، ونهاية ينتهي إليها، ومن ذلك خبر مآلكم وعاقبتكم، فسوف تعلمون ذلك عندما تبعثون يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.vkWr5"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل