الآية ٧٥ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٧٥ من سورة الأنعام

وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ٧٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 135 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٥ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) أي : نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله ، عز وجل ، في ملكه وخلقه ، وإنه لا إله غيره ولا رب سواه ، كقوله ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ) [ يونس : 101 ] ، وقال ( أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ) [ الأعراف : 185 ] ، وقال ( أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ) [ سبأ : 9 ] .

فأما ما حكاه ابن جرير وغيره ، عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي وغيرهم قالوا - واللفظ لمجاهد - : فرجت له السموات ، فنظر إلى ما فيهن ، حتى انتهى بصره إلى العرش ، وفرجت له الأرضون السبع ، فنظر إلى ما فيهن - وزاد غيره - : فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي فيدعوا عليهم ، فقال الله له : إني أرحم بعبادي منك ، لعلهم أن يتوبوا ويراجعوا .

وقد روى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين ، عن معاذ وعلي [ بن أبي طالب ] ولكن لا يصح إسنادهما ، والله أعلم .

وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) فإنه تعالى جلا له الأمر ; سره وعلانيته ، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق ، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله : إنك لا تستطيع هذا .

فرده [ الله ] - كما كان قبل ذلك - فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره ، حتى رأى ذلك عيانا ، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه ، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة ، كما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه ، عن معاذ بن جبل [ رضي الله عنه ] في حديث المنام : " أتاني ربي في أحسن صورة فقال : يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟

فقلت : لا أدري يا رب ، فوضع كفه بين كتفي ، حتى وجدت برد أنامله بين ثديي ، فتجلى لي كل شيء وعرفت .

.

.

" وذكر الحديث وقوله : ( وليكون من الموقنين ) قيل : " الواو " زائدة ، تقديره : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين ، كقوله : ( [ وكذلك ] نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) [ الأنعام : 55 ] .

وقيل : بل هي على بابها ، أي نريه ذلك ليكون عالما وموقنا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وكذلك " ، وكما أريناه البصيرة في دينه، والحقّ في خلافه ما كانوا عليه من الضلال, (14) نريه ملكوت السماوات والأرض = يعني ملكه.

(15) * * * وزيدت فيه " التاء " كما زيدت في" الجبروت " من " الجبر " (16) وكما قيل: " رَهَبوتٌ خيرٌ من رَحَمُوت ", بمعنى: رهبة خير من رحمة.

(17) وحكي عن العرب سماعًا: " له مَلَكوت اليمنِ والعراق "، بمعنى: له ملك ذلك.

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " .

فقال بعضهم: معنى ذلك: نريه خلقَ السماوات والأرض.

* ذكر من قال ذلك: 13441- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، أي: خلق السماوات والأرض .

13442 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، أي: خلق السماوات والأرض =" وليكون من الموقنين ".

13443- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، يعني ب " ملكوت السماوات والأرض "، خلق السماوات والأرض.

* * * وقال آخرون: معنى " الملكوت " الملك، بنحو التأويل الذي تأوّلناه.

(18) * ذكر من قال ذلك: 13444 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عمر بن أبي زائدة قال: سمعت عكرمة, وسأله رجل عن قوله: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: هو الملك, غير أنه بكلام النبط: " ملكوتَا ".

(19) 13445 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن ابن أبي زائدة, عن عكرمة قال: هي بالنبطية: " ملكوتَا ".

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: آيات السماوات والأرض.

* ذكر من قال ذلك: 13446- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد: " نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: آيات السماوات والأرض.

13447- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: آيات .

13448 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: تفرجت لإبراهيم السماوات السبعُ حتى العرش, فنظر فيهنّ ، وتفرَّجت له الأرضون السبع, فنظر فيهنّ.

13449 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين "، قال: أقيم على صخرة وفتحت له السماوات, فنظر إلى ملك الله فيها، حتى نظر إلى مكانه في الجنة.

وفتحت له الأرضون حتى نظَر إلى أسفل الأرض, فذلك قوله: وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا [سورة العنكبوت : 27] ، يقول: آتيناه مكانه في الجنّة، ويقال: أَجْرَهُ الثناء الحسن.

13450- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد قوله: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: فرجت له السماوات فنظر إلى ما فيهنّ، حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع فنظر ما فيهنّ.

13451 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن سالم, عن سعيد بن جبير: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: كشف له عن أدِيم السماواتِ والأرض، حتى نظر إليهن على صخرة, والصخرةُ، على حوت, والحوت على خاتم ربّ العِزّة لا إله إلا الله.

(20) 13452 - حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية, عن عاصم, عن أبي عثمان, عن سلمان قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض, رأى عبدًا على فاحشة, فدعا عليه، فهلك.

ثم رأى آخر على فاحشة, فدعا عليه فهلك.

ثم رأى آخر على فاحشة, فدعا عليه فهلك.

فقال: أنـزلوا عبدِي لا يُهْلِك عبادِي !

13453- حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن طلحة بن عمرو, عن عطاء قال: لما رفع الله إبراهيم في الملكوت في السماوات, أشرفَ فرأى عبدًا يزني, فدعا عليه، فهلك.

ثم رُفع فأشرف، فرأى عبدًا يزني, فدعا عليه، فهلك.

ثم رفع فأشرف، فرأى عبدًا يزني, فدعا عليه, فنودي: على رِسْلِك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجابٌ لك، وإني من عبدي على ثلاث: إما أن يتوب إليّ فأتوب عليه, وإما أن أخرج منه ذرية طيبة, وإما أن يتمادى فيما هو فيه, فأنا من ورائه.

13454- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر وعبد الوهاب, عن عوف, عن أسامة: أن إبراهيم خليل الرّحمن حدَّث نفسه أنه أرحمُ الخلق, وأن الله رفعه حتى أشرفَ على أهل الأرض, فأبصر أعمالهم.

فلما رآهم يعملون بالمعاصي قال: اللهم دمِّر عليهم!

فقال له ربه: أنا أرحم بعبادي منك, اهبطْ، فلعلهم أن يتوبوا إليّ ويُراجِعوا.

(21) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك، ما أخبر تعالى أنه أراه من النُّجوم والقمر والشمس.

* ذكر من قال ذلك: 13455 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: الشمس والقمر والنجوم .

13456 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، قال: الشمس والقمر.

13457 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، يعني به: الشمس والقمر والنجوم.

(22) 13458 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: خُبِّئ إبراهيم صلى الله عليه وسلم من جبار من الجبابرة, فجُعِل له رزقه في أصابعه, فإذا مصّ أصبعًا من أصابعه وَجَد فيها رزقًا.

فلما خرج، أراه الله ملكوت السماوات والأرض.

فكان ملكوت السماوات: الشمس والقمر والنجوم, وملكوت الأرض: الجبال والشجر والبحار.

13459- حدثنا بشر بن معاذ، قال، حدثنا يزيد قال، (23) حدثنا سعيد, عن قتادة: ذكر لنا أن نبيّ الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فُرَّ به من جبَّار مُتْرَف, (24) فجعل في سَرَبٍ, (25) وجعل رزقه في أطرافه, فجعل لا يمصُّ إصبعًا من أصابعه إلا وجد فيها رزقًا.

فلما خرج من ذلك السَّرَب، أراه الله ملكوت السماوات, فأراه شمسًا وقمرًا ونجومًا وسحابًا وخلقًا عظيمًا، وأراه ملكوت الأرض, فأراه جبالا وبحورًا وأنهارًا وشجرًا ومن كلّ الدواب وخلقًا عظيمًا.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب, قولُ من قال: عنى الله تعالى ذكره بقوله: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض "، أنه أراه ملك السماوات والأرض, وذلك ما خلق فيهما من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما, وجلَّى له بواطنَ الأمور وظواهرَها، لما ذكرنا قبل من معنى " الملكوت "، في كلام العرب، فيما مضى قبل.

(26) * * * وأما قوله: " وليكون من الموقنين "، فإنه يعني أنه أراه ملكوت السماوات والأرض، ليكون ممن يقرّ بتوحيد الله, (27) ويعلم حقيقة ما هداه له وبصّره إياه، (28) من معرفة وحدانيته، وما عليه قومه من الضلالة، من عبادتهم الأصنام، واتخاذهم إياها آلهة دون الله تعالى.

(29) * * * وكان ابن عباس يقول في تأويل ذلك, ما:- 13460 - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وليكون من الموقنين "، أنه جلَّى له الأمر سرَّه وعلانيتَه, فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق.

فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب, قال الله: إنك لا تستطيع هذا!

فردَّه الله كما كان قبل ذلك.

* * * فتأويل ذلك على هذا التأويل: أريناه ملكوت السماوات والأرض ليكون ممن يوقن علم كل شيء حسًّا لا خبرًا.

13461 - حدثني العباس بن الوليد قال، أخبرني أبي قال، حدثنا ابن جابر قال، وحدثنا الأوزاعيُّ أيضًا = قال: حدثني خالد بن اللجلاج قال: سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرميّ يقول: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداةٍ, فقال له قائل: ما رأيتك أسفرَ وجهًا منك الغداة!

(30) قال: ومالي، وقد تبدّى لي ربّي في أحسن صورة, (31) فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى، (32) يا محمد؟

قلت: أنت أعلم [يا رب] !

(33) فوضع يده بين كتفي فوجدت بردَها بين ثدييّ، (34) فعلمت ما في السماوات والأرض.

(35) ثم تلا هذه الآية: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ".

(36) ------------------- الهوامش : (14) في المطبوعة: "في خلاف ما كانوا عليه من الضلال".

وفي المخطوطة: "في خلافه بما كانوا عليه من الضلال" ، وبينهما بياض ، وفي الهامش حرف (ط) دلالة على الخطأ ، وظني أن الناسخ أشكل عليه الكلام فترك البياض ، والكلام موصول صحيح المعنى.

(15) في المخطوطة: "يعني ملكوت وزيدت فيه" بينهما بياض أيضًا ، والذي في المطبوعة صحيح المعنى.

(16) في المخطوطة: "من الجبروة" ، والصواب ما في المطبوعة.

(17) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة1: 197 ، 198.

(18) في المخطوطة: "وبنحو الذي تأولناه" ، وفي الهامش"التأويل" ، وعليها علامة"صح" ، وفي الجهة الأخرى من السطر (كذا) بالحمرة ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب ، إلا أنه كتب"الذي أولناه" ، والصواب ما في المخطوطة.

(19) الأثر: 13444 ، 13445 -"عمر بن أبي زائدة الهمداني الوادعي" ، وهو"ابن أبي زائدة" في الإسناد الثاني ، هو أخو"زكريا بن أبي زائدة" ، وهو الأكبر.

و"زكريا" أخوه أعلى منه بكثير.

وهو ثقة ، ولكنه كان يرى القدر ، وهو في الحديث مستقيم.

مترجم في التهذيب.

(20) قد مضى قولنا في هذا الضرب من الأخبار التي لا حجة فيها من الصادق صلى الله عليه وسلم.

(21) في المطبوعة: "ويرجعوا" ، والصواب الجيد من المخطوطة.

(22) في المطبوعة: "يعني به: نريه الشمس" ، وزاد"نريه" ، وليست في المخطوطة.

(23) في المطبوعة ، سقط"قال حدثنا يزيد".

(24) في المخطوطة: "قربه جبار مترف" ، وأما ما في المطبوعة ، فهو نص ما في الدر المنثور 3: 25.

(25) "السرب" (بفتحتين): حفير في الأرض ، كالسرداب.

(26) انظر ما سلف ص: 470 وما بعدها.

(27) في المطبوعة والمخطوطة: "ممن يتوحد بتوحيد الله" ، وهو كلام لا معنى له ، صوابه ما أثبت.

وإنما هو خطأ من عجلة الناسخ ، واستظهرته من معنى"يوقن" فيما سلف 10: 394.

(28) في المطبوعة: "ويعلم حقية ما هداه له" ، فعل بها ما فعل بصواحباتها ، كما سلف قريبًا: ص: 465 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(29) انظر تفسير"أيقن" فيما سلف 10: 394 ، 395.

(30) في المطبوعة والمخطوطة: "ما رأيت أسعد منك اليوم" ، وهو خطأ ، صوابه من منتخب ذيل المذيل لأبي جعفر الطبري ، تاريخه 13: 59 ، حيث روى الخبر بتمامه هناك.

وقوله: "أسفر وجهًا منك الغداة" ، يعني: أحسن إشراقًا وإضاءة ، يقال: "سفر وجهه حسنا ، وأسفر" ، إذا أشرق وأضاء ، ومنه في التنزيل العزيز: "وجوه يومئذ مسفرة".

(31) في المطبوعة: "ما لي قد أتاني ربي" ، وفي المخطوطة: "ومالي وقد ستاني ربي" غير منقوطة ، محرفة ، صوابها من ذيل المذيل لأبي جعفر.

(32) في المطبوعة: "ففيم يختصم" لم يحسن قراءة المخطوطة ، وهو الموافق لما في ذيل المذيل.

(33) زيادة ما بين القوسين من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل.

(34) قوله: "فوجدت بردها بين ثديي"؛ أسقطه ناشر المطبوعة ، لأنه كان في المخطوطة هكذا: "فوضع يده بين كتفي ، ثديي" ، أسقط الناسخ ما بين الكلامين ، والصواب زيادته من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل.

(35) في ذيل المذيل: "ما في السماء والأرض".

(36) الأثر: 13461 - هذا خبر مشكل جدًّا ، كما سترى بعد ، وكان في المخطوطة والمطبوعة محرفًا أشد التحريف ، وكان إسناده أشد تحريفًا ، ولكني صححته بعون الله تعالى ذكره ، من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل (تاريخ الطبري 13: 59 ، 60).

"العباس بن الوليد بن مزيد العذري الآملي البيروتي" شيخ الطبري ، ثقة ، روى عنه كثيرًا مضى برقم: 891 ، 11014 ، 11821 .

وأبوه: "الوليد بن مزيد العذري البيروتي" ، ثقة؛ مضى برقم: 11821.

قال الأوزاعي شيخه: "كتبه صحيحة" ، وقال النسائي: "هو أحب إلينا في الأوزاعي من الوليد بن مسلم ، لا يخطئ ، ولا يدلس".

و"ابن جابر" هو: "عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي ، ثقة ، روى له الجماعة ، روى عنه الأوزاعي ، والوليد بن مزيد البيروتي ، وغيرهما.

ومضى برقم: 6655.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "أبو جابر" ، وهو خطأ ، صوابه من ذيل المذيل وغيره.

و"خالد بن اللجلاج العامري" ، كان ذا سن وصلاح ، جريء اللسان على الملوك ، في الغلظة عليهم.

قال البخاري: "سمع عمر بن الخطاب ، وأباه".

وقال ابن أبي حاتم: "روي عن عمر ، مرسل ، وعن أبيه ، ولأبيه صحبة ، وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي" وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.

مترجم في التهذيب ، والكبير2/1/156 ، وابن أبي حاتم 1/2/349.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "خالد الحلاج" ، وهو خطأ صرف.

وأما "عبد الرحمن بن عائش الحضرمي" ، فأمره وأمر صحبته مشكل من قديم ، وسيأتي ذكر ذلك.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عبد الرحمن بن عياش" ، وحذف ناشر المطبوعة"الحضرمي" ، وهي ثابتة في المخطوطة.

والصواب من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل.

ولكن أعجب العجب أنه جاء كذلك في المسند 5: 243: "عبد الرحمن بن عياش الحضرمي" ، مع أني لم أجد أحدًا ذكر في ترجمته خلافًا في اسم أبيه"عائش" ، فمن عجيب الاتفاق ، وهو قليل مثله ، أن يأتي كذلك في مخطوطة الطبري والمسند جميعًا ، وهو اتفاق عجيب على الخطأ في كتابين متباينين.

والذي في المسند خطأ لا شك فيه أيضًا ، لأني وجدت ابن كثير في تفسيره 7: 220 ، ونقل الخبر عن هذا الموضع من مسند أحمد ، وفيه"عبد الرحمن بن عائش" على الصواب.

وتحريف"عائش" إلى"عياش" جائز قريب ، لشهرة"عياش" وكثرة من تسمى به ، ولخفاء"عائش" وندرة من تسمى به.

و"عبد الرحمن بن عائش الحضرمي" مترجم في التهذيب ، وفي ابن سعد 7/2/150 ، في الصحابة ، وفي ذيل المذيل للطبري (13: 59 ، 60) ، وفي الاستيعاب لابن عبد البر: 399 ، وابن أبي حاتم 2/2/262 ، وأسد الغابة 3: 303 ، 304 ، وفي الإصابة ، وفي ميزان الاعتدال 2: 108.

و"عبد الرحمن بن عائش" مختلف في صحبته ، فممن صرح بصحبته ، ابن سعد ، وابن جرير في ذيل المذيل ، وابن حبان أما ابن عبد البر في الاستيعاب ، وابن الأثير في أسد الغابة ، فذكر أنه لا تصح صحبته ، لأن حديثه مضطرب.

وأما أبو حاتم فقال: "أخطأ من قال: له صحبة ، هو عندي تابعي".

أما أبو زرعة فقال: "عبد الرحمن بن عائش ، ليس بمعروف".

وعد الحافظ ابن حجر في الإصابة من عده في الصحابة فقال: "وذكره في الصحابة: محمد بن سعد ، والبخاري ، وأبو زرعة الدمشقي ، وأبو الحسن بن سميع ، وأبو القاسم ، والبغوي ، وأبو زرعة الحراني ، وغيرهم".

وقد استوفى الكلام في ترجمته في الإصابة وقال البخاري: "له حديث واحد ، إلا أنهم مضطربون فيه" ، يعني هذا الحديث.

قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: "قلت: وقد وجدت له حديثًا آخر مرفوعًا ، وحديثا آخر موقوفًا" وهذا الخبر رواه أبو جعفر في ذيل المذيل (تاريخه 13: 59 ، 60) بهذا الإسناد ، وأشار إليه الترمذي في تفسير"سورة ص" من سننه (12: 116 ، 117 شرح ابن عربي) ، بعد أن ذكر حديث معاذ بن جبل ، من طريق زيد بن سلام ، عن أبي سلام ، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي أنه حدثه عن مالك بن يحامر السكسكي ، عن معاذ بن جبل ، وذكر الحديث ="قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح ، سألت محمد بن إسمعيل (البخاري) عن هذا الحديث فقال: هذا أصح من حديث الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال ، حدثنا خالد بن اللجلاج ، حدثني عبد الرحمن بن عائش الحضرمي ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر الحديث ، وهذا غير محفوظ ، هكذا ذكر الوليد في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى بشر بن بكر ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد ، عن عبد الرحمن بن عائش ، عن النبي صلى الله عليه وسلم = وهذا أصح ، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم".

وقد استوفى الحافظ ابن حجر في الإصابة ، في ترجمة"عبد الرحمن بن عائش" وجوه الاختلاف والاضطراب في هذا الخبر ، وما قالوه في الكتب التي ذكرتها من أنه لم يقل في حديثه: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم" ، إلا الوليد بن مسلم.

وقد ذكر أن الوليد بن مسلم لم ينفرد برواية ذلك ، بل رواه أيضًا ثقة ثبت عن الأوزاعي ، صحيح الحديث عنه ، هو"الوليد بن مزيد البيروتي" بمثل رواية"الوليد بن مسلم" ، وإذن فالاضطراب فيه لم يأت من طريق"الوليد بن مسلم".

وذكر الحافظ سائر المتابعات التي تؤيد الوليد بن مسلم في روايته.

وأما الخبر بغير هذا الإسناد ، فقد رواه أحمد في مسنده 5: 243 ، والترمذي ، كما أشرت إليه آنفًا.

ثم رواه أحمد من حديث ابن عباس في مسنده رقم: 3484 ، بمثله.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 5: 319 - 321 من حديث جماعة من الصحابة ، من حديث ابن عباس ، ومعاذ بن جبل ، وأبي هريرة ، وأنس بن مالك ، وأبي أمامة الباهلي ، وطارق بن شهاب ، وعدي بن حاتم ، وأبي عبيدة بن الجراح ، وثوبان.

وهذا قدر كاف في تخريج هذا الخبر المضطرب ، تراجع فيه سائر الكتب التي ذكرتها.

وكتبه محمود محمد شاكر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين قوله تعالى وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض أي ملك ، وزيدت الواو والتاء للمبالغة في الصفة .

ومثله الرغبوت والرهبوت والجبروت .

وقرأ أبو السمال العدوي " ملكوت " بإسكان اللام .

ولا يجوز عند سيبويه حذف الفتحة لخفتها ، ولعلها لغة .

ونري بمعنى أرينا ; فهو بمعنى المضي .

فقيل : أراد به ما في السماوات من عبادة الملائكة والعجائب وما في الأرض من عصيان بني آدم ; فكان يدعو على من يراه يعصي فيهلكه الله ، فأوحى الله إليه يا إبراهيم أمسك عن عبادي ، أما علمت أن من أسمائي الصبور .

روى معناه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وقيل : كشف الله له عن السماوات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين .

[ ص: 23 ] وروى ابن جريج عن القاسم عن إبراهيم النخعي قال : فرجت له السماوات السبع فنظر إليهن حتى انتهى إلى العرش ، وفرجت له الأرضون فنظر إليهن ، ورأى مكانه في الجنة ; فذلك قوله : وآتيناه أجره في الدنيا عن السدي .

وقال الضحاك : أراه من ملكوت السماء ما قصه من الكواكب ، ومن ملكوت الأرض البحار والجبال والأشجار ، ونحو ذلك مما استدل به .

وقال بنحوه ابن عباس .

وقال : جعل حين ولد في سرب وجعل رزقه في أطراف أصابعه فكان يمصها ، وكان نمروذ اللعين رأى رؤيا فعبرت له أنه يذهب ملكه على يدي مولود يولد ; فأمر بعزل الرجال عن النساء .

وقيل : أمر بقتل كل مولود ذكر .

وكان آزر من المقربين عند الملك نمروذ فأرسله يوما في بعض حوائجه فواقع امرأته فحملت بإبراهيم .

وقيل : بل واقعها في بيت الأصنام فحملت وخرت الأصنام على وجوهها حينئذ ; فحملها إلى بعض الشعاب حتى ولدت إبراهيم ، وحفر لإبراهيم سربا في الأرض ووضع على بابه صخرة لئلا تفترسه السباع ; وكانت أمه تختلف إليه فترضعه ، وكانت تجده يمص أصابعه ، من أحدها عسل ومن الآخر ماء ومن الآخر لبن ، وشب فكان على سنة مثل ابن ثلاث سنين .

فلما أخرجه من السرب توهمه الناس أنه ولد منذ سنين ; فقال لأمه : من ربي ؟

فقالت أنا .

فقال : ومن ربك ؟

قالت أبوك .

قال : ومن ربه ؟

قالت نمروذ .

قال : ومن ربه ؟

فلطمته ، وعلمت أنه الذي يذهب ملكهم على يديه .

والقصص في هذا تام في قصص الأنبياء للكسائي ، وهو كتاب مما يقتدى به .

وقال بعضهم : كان مولده بحران ولكن أبوه نقله إلى أرض بابل .

وقال عامة السلف من أهل العلم : ولد إبراهيم في زمن النمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن كوش بن سام بن نوح .

وقد مضى ذكره في " البقرة " .

وكان بين الطوفان وبين مولد إبراهيم ألف ومائتا سنة وثلاث وستون سنة ; وذلك بعد خلق آدم بثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة سنة وثلاثين سنة .قوله تعالى وليكون من الموقنين أي وليكون من الموقنين أريناه ذلك ; أي [ ص: 24 ] الملكوت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَكَذَلِكَ } حين وفقناه للتوحيد والدعوة إليه { نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: ليرى ببصيرته، ما اشتملت عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة { وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } فإنه بحسب قيام الأدلة، يحصل له الإيقان والعلم التام بجميع المطالب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ملكوت السموات والأرض ) أي : كما أريناه البصيرة في دينه ، والحق في خلاف قومه ، نريه ( ملكوت السموات والأرض ) والملكوت : الملك ، زيدت فيه التاء للمبالغة ، كالجبروت والرحموت والرهبوت ، قال ابن عباس : يعني خلق السموات والأرض ، وقال مجاهد وسعيد بن جبير : يعني آيات السموات والأرض ، وذلك أنه أقيم على صخر وكشف له عن السموات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين ونظر إلى مكانه في الجنة ، فذلك قوله تعالى : " وآتيناه أجره في الدنيا " يعني : أريناه مكانه في الجنة .

وروي عن سلمان رضي الله عنه ، ورفعه بعضهم [ عن علي رضي الله عنه ] لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك ، ثم أبصر آخر فدعا عليه فهلك ، ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال له الرب عز وجل : " يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة ، فلا تدعون على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خصال إما أن يتوب فأتوب عليه ، وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني ، وإما أن يبعث إلي فإن شئت عفوت عنه ، وإن شئت عاقبته " وفي رواية : " وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه " .

وقال قتادة : ملكوت السموات : الشمس والقمر والنجوم ، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار .

( وليكون من الموقنين ) عطف على المعنى ، ومعناه : نريه ملكوت السموات والأرض ، ليستدل به وليكون من الموقنين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكذلك» كما أريناه إضلال أبيه وقومه «نري إبراهيم ملكوت» ملك «السماوات والأرض» ليستدل به على وحدانيتنا «وليكون من الموقنين» بها وجملة وكذلك وما بعدها اعتراض وعطف على قال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكما هدينا إبراهيم عليه السلام إلى الحق في أمر العبادة نُريه ما تحتوي عليه السموات والأرض من ملك عظيم، وقدرة باهرة، ليكون من الراسخين في الإيمان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على خليله إبراهيم فقال - تعالى - { وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } .أى : وكما أرينا إبراهيم الحق فى خلاف ما عليه أبوه وقومه من الشرك ، نريه - أيضا - مظاهر ربوبيتنا ، ومالكيتنا للسموات والأرض ، ونطلعه على حقائقها .

ليزداد إيمانا على إيمانه وليكون من العالمين علما كاملا لا يقبل الشك بأنه على الحق وأن مخالفيه على الباطل .والرؤية هنا المقصود بها الانكشاف والمعرفة .

فتشمل المبصرات والمعقولات التى يستدل بها على الحق .وإنما قال { نري إِبْرَاهِيمَ } بصيغة المضارع ، مع أن الظاهر أن يقول " أريناه " لاستحضار صورة الحال الماضية التى كانت تتجدد وتتكرر بتجدد رؤية آياته - تعالى - فى ذلك الملكوت العظيم .والملكوت : مصدر كالرغبوت والرحموت والجبروت ، وزيدت فيه الواو والتاء للمبالغة فى الصفة ، والمراد به الملك العظيم وهو مخص بملكه - تعالى - كما قال الراغب فى مفرداته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

المسألة الأولى: الكاف في كذلك للتشبيه، وذلك إشارة إلى غائب جرى ذكره والمذكور هاهنا فيما قبل هو أنه عليه السلام استقبح عبادة الأصنام، وهو قوله: ﴿ إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ والمعنى: ومثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السموات والأرض.

وهاهنا دقيقة عقلية، وهي أن نور جلال الله تعالى لائح غير منقطع ولا زائل ألبتة، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل هذا التجلي فقول إبراهيم عليه السلام: ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى، لأن كل ما سوى الله فهو حجاب عن الله تعالى، فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت السموات بالتمام، فقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات ﴾ معناه: وبعد زوال الاشتغال بغير الله حصل له نور تجلى جلال الله تعالى، فكان قوله: ﴿ وكذلك ﴾ منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول هذه الإراءة قد حصلت فيما تقدم من الزمان، فكان الأولى أن يقال: وكذلك أرينا إبراهيم ملكوت السموات والأرض، فلم عدل عن هذه اللفظة إلى قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى ﴾ .

قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن يكون تقدير الآية، وكذلك كنا نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، فيكون هذا على سبيل الحكاية عن الماضي.

والمعنى أنه تعالى لما حكى عنه أنه شافه أباه الكلام الخشن تعصباً للدين الحق.

فكأنه قيل: وكيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ العظيم في قوة الدين، فأجيب بأنا كنا نريه ملكوت السموات والأرض من وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه.

الوجه الثاني في الجواب: وهو أعلى وأشرف مما تقدم، وهو أنا نقول: إنه ليس المقصود من إراءة الله إبراهيم ملكوت السموات والأرض هو مجرد أن يرى إبراهيم هذا الملكوت، بل المقصود أن يراها فيتوسل بها إلى معرفة جلال الله تعالى وقدسه وعلوه وعظمته.

ومعلوم أن مخلوقات الله وإن كانت متناهية في الذوات وفي الصفات، إلا أن جهات دلالاتها على الذوات والصفات غير متناهية.

وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر ضياء الدين رحمه الله تعالى قال: سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول: سمعت إمام الحرمين يقول: معلومات الله تعالى غير متناهية، ومعلوماته في كل واحد من تلك المعلومات أيضاً غير متناهية، وذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، وكل تلك الأحوال التقديرية دالة على حكمة الله تعالى وقدرته أيضاً، وإذا كان الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ كذلك؛ فكيف القول في كل ملكوت الله تعالى، فثبت أن دلالة ملك الله تعالى، وملكوته على نعوت جلاله وسمات عظمته وعزته غير متناهية، وحصول المعلومات التي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق محال، فإذن لا طريق إلى تحصيل تلك المعارف إلا بأن يحصل بعضها عقيب البعض لا إلى نهاية ولا إلى آخر في المستقبل، فلهذا السبب والله أعلم لم يقل، وكذلك أريناه ملكوت السموات والأرض، بل قال: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ والأرض ﴾ وهذا هو المراد من قول المحققين السفر إلى الله له نهاية، وأما السفر في الله فإنه لا نهاية له والله أعلم.

المسألة الثالثة: ﴿ الملكوت ﴾ هو الملك، والتاء للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت من الرهبة.

واعلم أن في تفسيره هذه الإراءة قولين: الأول: أن الله أراه الملكوت بالعين، قالوا إن الله تعالى شق له السموات حتى رأى العرش والكرسي وإلى حيث ينتهي إليه فوقية العالم الجسماني، وشق له الأرض إلى حيث ينتهي إلى السطح الآخر من العالم الجسماني، ورأى ما في السموات من العجائب والبدائع، ورأى ما في باطن الأرض من العجائب والبدائع.

وعن ابن عباس أنه قال: لما أسري بإبراهيم إلى السماء ورأى ما في السموات وما في الأرض فأبصر عبداً على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، فقال الله تعالى له: كف عن عبادي فهم بين حالين إما أن أجعل منهم ذرية طيبة أو يتوبون فأغفر لهم أو النار من ورائهم، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: الأول: أن أهل السماء هم الملائكة المقربون وهم لا يعصون الله، فلا يليق أن يقال: إنه لما رفع إلى السماء أبصر عبداً على فاحشة.

الثاني: أن الأنبياء لا يدعون بهلاك المذنب إلا عن أمر الله تعالى، وإذا أذن الله تعالى فيه لم يجز أن يمنعه من إجابة دعائه.

الثالث: أن ذلك الدعاء إما أن يكون صواباً أو خطأً فإن كان صواباً فلم رده في المرة الثانية، وإن كان خطأً فلم قبله في المرة الأولى.

ثم قال: وأخبار الآحاد إذا وردت على خلاف دلائل العقول وجب التوقف فيها.

والقول الثاني: أن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة والعقل، لا بالبصر الظاهر والحس الظاهر.

واحتج القائلون بهذا القول بوجوه: الحجة الأولى: أن ملكوت السموات عبارة عن ملك السماء، والملك عبارة عن القدرة، وقدرة الله لا ترى، وإنما تعرف بالعقل، وهذا كلام قاطع، إلا أن يقال المراد بملكوت السموات والأرض نفس السموات والأرض، إلا أن على هذا التقدير يضيع لفظ الملكوت ولا يحصل منه فائدة.

والحجة الثانية: أنه تعالى ذكر هذه الإراءة في أول الآية على سبيل الإجمال وهو قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم ﴾ ثم فسرها بعد ذلك بقوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل رَأَى كَوْكَباً  ﴾ فجرى ذكر هذا الاستدلال كالشرح والتفسير لتلك الإراءة فوجب أن يقال إن تلك الإراءة كانت عبارة عن هذا الاستدلال.

والحجة الثالثة: أنه تعالى قال في آخر الآية: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ ﴾ والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه لأنهم كانوا غائبين عنها وكانوا يكذبون إبراهيم فيها وما كان يجوز لهم تصديق إبراهيم في تلك الدعوى إلا بدليل منفصل ومعجزة باهرة، وإنما كانت الحجة التي أوردها إبراهيم على قومه في الاستدلال بالنجوم من الطريق الذي نطق به القرآن.

فإن تلك الأدلة كانت ظاهرة لهم كما أنها كانت ظاهرة لإبراهيم.

والحجة الرابعة: أن إراءة جميع العالم تفيد العلم الضروري بأن للعالم إلهاً قادراً على كل الممكنات.

ومثل هذه الحالة لا يحصل للإنسان بسببها استحقاق المدح والتعظيم.

ألا ترى أن الكفار في الآخرة يعرفون الله تعالى بالضرورة وليس لهم في تلك المعرفة مدح ولا ثواب.

وأما الاستدلال بصفات المخلوقات على وجود الصانع وقدرته وحكمته فذاك هو الذي يفيد المدح والتعظيم.

والحجة الخامسة: أنه تعالى كما قال في حق إبراهيم عليه السلام ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض ﴾ فكذلك قال في حق هذه الأمة: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الأفاق وَفِى أَنفُسِهِمْ  ﴾ فكما كانت هذه الإراءة بالبصيرة الباطنة لا بالبصر الظاهر فكذلك في حق إبراهيم لا يبعد أن يكون الأمر كذلك.

الحجة السادسة: أنه عليه السلام لما تمم الاستدلال بالنجم والقمر والشمس قال بعده: ﴿ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض  ﴾ فحكم على السموات والأرض بكونها مخلوقة لأجل الدليل الذي ذكره في النجم والقمر والشمس.

وذلك الدليل لو لم يكن عاماً في كل السموات والأرض لكان الحكم العام بناء على دليل خاص وأنه خطأ، فثبت أن ذلك الدليل كان عاماً فكان ذكر النجم والقمر والشمس كالمثال لإراءة الملكوت.

فوجب أن يكون المراد من إراءة الملكوت تعريف كيفية دلالتها بحسب تغيرها وإمكانها وحدوثها على وجود الإله العالم القادر الحكيم فتكون هذه الإراءة بالقلب لا بالعين.

الحجة السابعة: أن اليقين عبارة عن العلم المستفاد بالتأمل إذا كان مسبوقاً بالشك وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين ﴾ كالغرض من تلك الإراءة فيصير تقدير الآية نرى إبراهيم ملكوت السوات والأرض لأجل أن يصير من الموقنين.

فلما كان اليقين هو العلم المستفاد من الدليل، وجب أن تكون تلك الإراءة عبارة عن الاستدلال.

الحجة الثامنة: أن جميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته باعتبار واحد وهو أنها محدثة ممكنة وكل محدث ممكن فهو محتاج إلى الصانع.

وإذا عرف الإنسان هذا الوجه الواحد فقد كفاه ذلك في الاستدلال عى الصانع وكأنه بمعرفة هاتين المقدمتين قد طالع جميع الملكوت بعين عقله وسمع بأذن عقله شهادتها بالاحتياج والافتقار وهذه الرؤية رؤية باقية غير زائلة ألبتة.

ثم إنها غير شاملة عن الله تعالى بل هي شاغلة للقلب والروح بالله.

أما رؤية العين فالإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال.

ألا ترى أن من نظر إلى صحيفة مكتوبة فإنه لا يرى من تلك الصحيفة رؤية كاملة تامة إلا حرفاً واحداً فإن حدق نظره إلى حرف آخر وشغل بصره به صار محروماً عن إدراك الحرف الأول، أو عن إبصاره.

فثبت أن رؤية الأشياء الكثيرة دفعة واحدة غير ممكنة.

وبتقدير أن تكون ممكنة هي غير باقية وبتقدير أن تكون باقية هي شاغلة عن الله تعالى.

ألا ترى أنه تعالى مدح محمداً عليه الصلاة والسلام في ترك هذه الرؤية فقال: ﴿ مَا زَاغَ البصر وَمَا طغى  ﴾ فثبت بجملة هذه الدلائل أن تلك الإراءة كانت إراءة بحسب بصيرة العقل، لا بحسب البصر الظاهر.

فإن قيل: فرؤية القلب على هذا التفسير حاصلة لجميع الموحدين فأي فضيلة تحصل لإبراهيم بسببها.

قلنا: جميع الموحدين وإن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطلاع على آثار حكمة الله تعالى في كل واحد من مخلوقات هذا العالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وأحوالها مما لا يحصل إلا للأكابر من الأنبياء عليهم السلام.

ولهذا المعنى كان رسولنا عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه: «اللهم أرنا الأشياء كما هي» فزال هذا الإشكال.

والله أعلم.

المسألة الرابعة: اختلفوا في الواو في قوله: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين ﴾ وذكروا فيه وجوهاً: الأول: الواو زائدة والتقدير: نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليستدل بها ليكون من الموقنين.

الثاني: أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً لبيان علة الإراءة والتقدير وليكون من الموقنين نريه ملكوت السموات والأرض.

الثالث: أن الإراءة قد تحصل وتصير سبباً لمزيد الضلال كما في حق فرعون قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أريناه ءاياتنا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وأبى  ﴾ وقد تصير سبباً لمزيد الهداية واليقين.

فلما احتملت الإراءة هذين الاحتمالين قال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: إنا أريناه هذه الآيات ليراها ولأجل أن يكون من الموقنين لا من الجاحدين والله أعلم.

المسألة الخامسة: اليقين عبارة عن علم يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل ولهذا المعنى لا يوصف علم الله تعالى بكونه يقيناً لأن علمه غير مسبوق بالشبهة وغير مستفاد من الفكر والتأمل.

واعلم أن الإنسان في أول ما يستدل فإنه لا ينفك قلبه عن شك وشبهة من بعض الوجوه فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت صارت سبباً لحصول اليقين وذلك لوجوه: الأول: أنه يحصل لكل واحد من تلك الدلائل نوع تأثر وقوة فلا تزال القوة تتزايد حتى ننتهي إلى الجزم.

الثاني: أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة فكثرة الاستدلال بالدلائل المختلفة على المدلول الواحد جار مجرى تكرار الدرس الواحد، فكما أن كثرة التكرار تفيد الحفظ المتأكد الذي لا يزول عن القلب، فكذا هاهنا.

الثالث: أن القلب عند الاستدلال كان مظلماً جداً فإذا حصل فيه الاعتقاد المستفاد من الدليل الأول امتزج نور ذلك الاستدلال بظلمة سائر الصفات الحاصلة في القلب، فحصل فيه حالة شبيهة بالحالة الممتزجة من النور والظلمة، فإذا حصل الاستدلال الثاني امتزج نوره بالحالة الأولى، فيصير الإشراق واللمعان أتم.

وكما أن الشمس إذا قربت من المشرق ظهر نورها في أول الأمر وهو الصبح.

فكذلك الاستدلال الأول يكون كالصبح، ثم كما أن الصبح لا يزال يتزايد بسبب تزايد قرب الشمس من سمت الرأس، فإذا وصلت إلى سمت الرأس حصل النور التام، فكذلك العبد كلما كان تدبره في مراتب مخلوقات الله تعالى أكثر كان شروق نور المعرفة والتوحيد أجلى.

إلا أن الفرق بين شمس العلم وبين شمس العالم أن شمس العالم الجسماني لها في الارتقاء والتصاعد حد معين لا يمكن أن يزاد عليه في الصعود، وأما شمس المعرفة والعقل والتوحيد، فلا نهاية لتصاعدها ولا غاية لازديادها فقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض ﴾ إشارة إلى مراتب الدلائل والبينات، وقوله: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين ﴾ إشارة إلى درجات أنوار التجلي وشروق شمس المعرفة والتوحيد.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ءَازَرَ ﴾ اسم أبي إبراهيم عليه السلام.

وفي كتب التواريخ أنّ اسمه بالسريانية تارح.

والأقرب أن يكون وزن ﴿ ءَازَرَ ﴾ فاعل مثل تارح وعابر وعازر وشالخ وفالغ وما أشبهها من أسمائهم، وهو عطف بيان لأبيه.

وقرئ: ﴿ آزر ﴾ بالضم على النداء.

وقيل: ﴿ آزر ﴾ اسم صنم، فيجوز أن ينبز به للزومه عبادته، كما نبز ابن قيس بالرقيات اللاتي كان يشبب بهنّ، فقيل: ابن قيس الرقيات.

وفي شعر بعض المحدثين: أُدْعَى بَأَسْمَاءَ نَبْزاً في قَبَائِلِهَا ** كَأَنَّ أَسْمَاءَ أَضْحَتْ بَعْدُ أَسْمَائِي أو أريد عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقرئ: ﴿ ءأزر ﴾ تتخذ أصناماً آلهة بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاي ساكنة وراء منصوبة منونة، وهو اسم صنم.

ومعناه: أتعبد آزراً على الإنكار؟

ثم قال: تتخذ أصناماً آلهة تثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخل في حكم الإنكار، لأنه كالبيان له ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ عطف على قال إبراهيم لأبيه: وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم ﴾ جملة معترض بها بين المعطوف والمعطوف عليه.

والمعنى: مثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم ونبصره.

ملكوت السموات والأرض: يعني الربوبية والإلهية ونوفقه لمعرفتها ونرشده بما شرحنا صدره وسدّدنا نظره وهديناه لطريق الاستدلال.

وليكون من الموقنين: فعلنا ذلك.

ونروي: حكاية حال ماضية، وكان أبوه آزر وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدّ إلى أن شيئاً منها لا يصحّ أن يكون إلها، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثاً أحدثها، وصانعاً صنعها، مدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها ﴿ هذا رَبّى ﴾ قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه.

لأن ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكرّ عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ لا أحبّ عبادة الأرباب المتغيرين من حال إلى حال، المتنقلين من مكان إلى آخر، المحتجبين بستر، فإنّ ذلك من صفات الأجرام ﴿ بَازِغاً ﴾ مبتدئاً في الطلوع ﴿ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى ﴾ تنبيه لقومه على أنّ من اتخذ القمر إلها وهو نظير الكوكب في الأفول، فهو ضال، وأنّ الهداية إلى الحق بتوفيق الله ولطفه ﴿ هذا أَكْبَرُ ﴾ من باب استعمال النصفة أيضاً مع خصومه ﴿ إِنّى بَرِيء مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها ﴿ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السماوات والأرض ﴾ أي للذي دلت هذه المحدثات عليه وعلى أنه مبتدؤها ومبتدعها.

وقيل: هذا كان نظره واستدلاله في نفسه، فحكاه الله.

والأوّل أظهر لقوله: ﴿ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى ﴾ وقوله: ﴿ قَالَ ياقوم إِنّى بَرِيء مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ .

فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟

قلت: الاحتجاج بالأفول أظهر، لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.

فإن قلت: ما وجه التذكير في قوله: ﴿ هذا رَبّى ﴾ والإشارة للشمس؟

قلت: جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شيء واحد، كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومن كانت أمك، و ﴿ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ [الأنعام: 23] وكان اختيار هذه الطريقة واجباً لصيانة الرب عن شبهة التأنيث.

ألا تراهم قالوا في صفة الله ﴿ علام ﴾ ولم يقولوا ﴿ علامة ﴾ وإن كان العلامة أبلغ، احترازاً من علامة التأنيث.

وقرئ: ﴿ تري إبراهيمَ ملكوتُ السموات والأرض ﴾ بالتاء ورفع الملكوت.

ومعناه: تبصره دلائل الربوبية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ ﴾ هو عَطْفُ بَيانٍ لِأبِيهِ، وفي كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّ اسْمَهُ تارِحُ فَقِيلَ هُما عَلَمانِ لَهُ كَإسْرائِيلَ ويَعْقُوبَ، وقِيلَ العَلَمُ تارِحُ وآزَرُ وصْفٌ مَعْناهُ الشَّيْخُ أوِ المِعْوَجُّ، ولَعَلَّ مَنعَ صَرْفِهِ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ حُمِلَ عَلى مُوازِنِهِ أوْ نَعْتٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الآزَرِ أوِ الوِزْرِ، والأقْرَبُ أنَّهُ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ عَلى فاعِلٍ كَعابِرٍ وشالِخَ، وقِيلَ اسْمُ صَنَمٍ يَعْبُدُهُ فَلُقِّبَ بِهِ لِلُزُومِ عِبادَتِهِ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِحَذْفِ المُضافِ.

وقِيلَ المُرادُ بِهِ الصَّنَمُ ونَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ أتَعَبَّدُ آزَرَ ثُمَّ قالَ: ﴿ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً ﴾ تَفْسِيرًا وتَقْرِيرًا.

ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ «أزَرًا»، تَتَّخِذُ أصْنامًا بِفَتْحِ هَمْزَةِ آزَرَ وكَسْرِها وهو اسْمُ صَنَمٍ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ.

﴿ إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ ﴾ عَنِ الحَقِّ.

﴿ مُبِينٍ ﴾ ظاهِرِ الضَّلالَةِ.

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ ﴾ ومِثْلُ هَذا التَّبْصِيرِ نُبَصِّرُهُ، وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.

وقُرِئَ: «تَرى» بِالتّاءِ ورَفْعِ المَلَكُوتِ ومَعْناهُ تُبَصِّرُهُ دَلائِلُ الرُّبُوبِيَّةِ.

﴿ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ رُبُوبِيَّتَها ومِلْكَها.

وقِيلَ عَجائِبَها وبَدائِعَها والمَلَكُوتُ أعْظَمُ المُلْكِ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ أيْ لِيَسْتَدِلَّ ولِيَكُونَ، أوْ وفَعَلْنا ذَلِكَ لِيَكُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكذلك} أي وكما أريناه قبح الشرك {نُرِي إبراهيم مَلَكُوتَ السماوات والأرض} أي نري بصيرته لطائف خلق السموات والأرض ونرى حكاية حال ماضية والملكوت أبلغ من الملك لأن الواو والتاء تزادان للمبالغة قال مجاهد فرجت له السموات السبع فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى نظره إلى العرش وفرجت له الأرضون السبع حتى نظر إلى ما فيهن {وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين} فعلنا ذلك أو ليستدل وليكون من الموقنين عياناً كما أيقن بيانا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ ﴾ هَذِهِ الإراءَةُ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُسْتَعارَةِ اسْتِعارَةً لُغَوِيَّةً لِلْمَعْرِفَةِ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ أيْ عَرَّفْناهُ وبَصَّرْناهُ.

وكانَ الظّاهِرُ (أرَيْنا) بِصِيغَةِ الماضِي إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها حَتّى كَأنَّها حاضِرَةٌ مُشاهَدَةٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِالمُسْتَقْبَلِ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ الإراءَةِ لا يَتَناهى وجْهُ دَلالَتِهِ فَلا يُمْكِنُ الوُقُوفُ عَلى ذَلِكَ إلّا بِالتَّدْرِيجِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ ﴿ نُرِي ﴾ لا إلى إراءَةٍ أُخْرى مَفْهُومَةٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي أراكَ ﴾ ولا إلى ما أنْذَرَ بِهِ أباهُ وضَلَّلَ قَوْمَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ والبَصارَةِ، وجُوِّزَ كُلٌّ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ المُشَبَّهُ التَّبْصِيرَ مِن حَيْثُ أنَّهُ واقِعٌ والمُشَبَّهُ بِهِ التَّبْصِيرُ مِن حَيْثُ أنَّهُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، ونَظِيرُهُ وصْفُ النِّسْبَةِ بِالمُطابَقَةِ لِلْواقِعِ وهي عَيْنُ الواقِعِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الكافِ بِمَعْنى اللّامِ، والإشارَةُ إلى القَوْلِ السّابِقِ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما هو الأجْزَلُ والأوْلى مِمّا تَقَدَّمَ لَكَ في نَظائِرِهِ ولَيْسَ هو إلّا الأوَّلَ أيْ ذَلِكَ التَّبْصِيرُ البَدِيعُ نُبَصِّرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى ومالِكِيَّتَهُ لَهُما لا تَبْصِيرًا آخَرَ أدْنى مِنهُ، فالمَلَكُوتُ مَصْدَرٌ كالرَّغَبُوتِ والرَّحَمُوتِ كَما قالَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وِتاؤُهُ زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ؛ ولِهَذا فُسِّرَ بِالمُلْكِ العَظِيمِ والسُّلْطانِ القاهِرِ، وهو -كَما قالَ الرّاغِبُ - مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى خِلافًا لِبَعْضِهِمْ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالمَلَكُوتِ الآياتُ، وقِيلَ: العَجائِبُ الَّتِي في السَّمَواتِ والأرْضِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فُرِجَتْ لَهُ السَّمَواتُ السَّبْعُ فَنَظَرَ إلى ما فِيهِنَّ حَتّى انْتَهى بَصَرُهُ إلى العَرْشِ وفُرِجَتْ لَهُ الأرْضُونَ السَّبْعُ فَنَظَرَ إلى ما فِيهِنَّ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَمّا رَأى إبْراهِيمُ مَلَكُوتَ السَّمَواتِ والأرْضِ أشْرَفَ عَلى رَجُلٍ عَلى مَعْصِيَةٍ مِن مَعاصِي اللَّهِ تَعالى فَدَعا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ثُمَّ أشْرَفَ عَلى آخَرَ عَلى مَعْصِيَةٍ مِن مَعاصِي اللَّهِ تَعالى فَدَعا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ثُمَّ أشْرَفَ عَلى آخَرَ فَذَهَبَ يَدْعُو عَلَيْهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يا إبْراهِيمُ إنَّكَ رَجُلٌ مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ فَلا تَدْعُ عَلى عِبادِي فَإنَّهِمْ مِنِّي عَلى ثَلاثٍ: إمّا أنْ يَتُوبَ العاصِي فَأتُوبَ عَلَيْهِ، وإمّا أنْ أُخْرِجَ مِن صُلْبِهِ نَسَمَةً تَمْلَأُ الأرْضَ بِالتَّسْبِيحِ، وإمّا أنْ أقْبِضَهُ إلَيَّ فَإنْ شِئْتُ عَفَوْتُ وإنْ شِئْتُ عاقَبْتُ».

ورُوِيَ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا مِن طُرُقٍ شَتّى ولا خِلافَ فِيها لِدَلائِلِ المَعْقُولِ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَهُ، وقِيلَ: مَلَكُوتُ السَّمَواتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، ومَلَكُوتُ الأرْضِ الجِبالُ والأشْجارِ والبِحارِ وهَذِهِ الأقْوالُ عَلى ما قِيلَ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الإراءَةُ بَصَرِيَّةً إذْ لَيْسَ المُرادُ بِإراءَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ مُجَرَّدَ تَمْكِينِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إبْصارِها ومُشاهَدَتِها في أنْفُسِها؛ بَلِ اطِّلاعُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى حَقائِقِها وتَعْرِيفِها مِن حَيْثُ دَلالَتِها عَلى شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يُدْرَكُ حِسًّا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّشْبِيهُ السّابِقُ وقُرِئَ (تُرِي) بِالتّاءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى المَلَكُوتِ أيْ تُبَصِّرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلائِلَ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ 75 - أيْ مِن زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الإيقانِ البالِغِينَ دَرَجَةَ عَيْنِ اليَقِينِ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا لا يَقْتَضِي سَبْقَ الشَّكِّ كَما لا يَخْفى، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها أيْ ولِيُكُونَ كَذَلِكَ فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ التَّبْصِيرِ البَدِيعِ المَذْكُورِ.

والحَصْرُ بِاعْتِبارِ أنَّ هَذا الكَوْنَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن ذَلِكَ التَّبْصِيرِ ونَحْوَ إرْشادِ الخَلْقِ وإلْزامِ الكُفّارِ مِن مُسْتَتْبَعاتِهِ، وبَعْضُهم لَمْ يُلاحِظْ ذَلِكَ فَقَدَّرَ الفِعْلَ مُقَدَّمًا لِعَدَمِ انْحِصارِ العِلَّةِ فِيما ذُكِرَ وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ السّابِقِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْها الكَلامُ أيْ لِيَسْتَدِلَّ ولِيَكُونَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلِالتِفاتِ لا يَكُونُ عِلَّةً لِلْإراءَةِ فَكَيْفَ يُعْطَفُ عَلَيْهِ بِإعادَةِ اللّامِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ يَنْبَغِي عَلى ذَلِكَ أنْ يُرادَ بِمَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأرْضِ بَدائِعُهُما وآياتُهُما لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مِن غاياتِ إراءَتِها لا مِن غايَةِ إراءَةِ نَفْسِ الرُّبُوبِيَّةِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ رُؤْيَةَ الرُّبُوبِيَّةِ إنَّما هي بِرُؤْيَةِ دَلائِلِها وآثارِها.

ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ الواوِ زائِدَةً واللّامِ مُتَعَلِّقَةً بِما قِيلَ وفِيهِ بُعْدٌ، وإنْ ذَكَرُوهُ وجْهًا كالأوَّلِينَ في كُلِّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن هَذا القَبِيلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ وكان اسم أبيه تارح بن ناخور بلغة قومه، وبلغة غيرهم كان آزر.

وقال السدي: كان اسم أبيه آزر.

وهكذا قال الكلبي.

وقال بعضهم: لم يكن آزر اسم أبيه، ولكن كان اسم كبير أصنامهم.

فقال أبوه لإبراهيم: ربي آزر.

فقال إبراهيم على وجه التعجب: آزر.

أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً وقال مجاهد: آزر ليس اسم أبيه، وإنما هو اسم صنم.

وقال الضحاك عن ابن عباس: أن في هذه الآية تقديماً فكأنه قال: أتتخذ آزر أصناماً آلهة يعني: أتتخذ الصنم إلهاً.

ويقال: آزر بلغتهم المخطئ الضال.

ومعناه: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ يا آزر المخطئ أتتخذ أصناماً آلهة.

وقرأ الحسن ويعقوب الحضرمي: آزَرَ بالضم ويكون معناه: وَإِذْ قَالَ إبراهيم لاِبِيهِ: يا آزر.

والقراءة المعروفة بالنصب لأنه على ميزان أفعل.

ينصرف فصار نصباً.

وهو بموضع الخفض.

ولأنه اسم أعجمي فلا ينصرف.

ثم قال إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: في خطأ وجهل بَيِّنٍ بعبادتكم الأصنام.

ثم قال وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ والملكوت والملك بمعنى واحد.

إلا أن الملكوت أبلغ مثل: رَهَبُوت وَرَحَمُوت كما يقال في المثل: رَهَبُوت خير من رَحَمُوت يعني: لأن ترهب خير من أن ترحم.

يعني: لما أن إبراهيم برىء من دين أبيه أراه الله ملكوت السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: عجائب السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ يعني: لكي يكون من الموقنين.

والواو زيادة كقوله: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [العنكبوت: 12] يعني: لكي نحمل، وكذلك هاهنا لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ يعني: حتى يثبت على اليقين.

قال بعضهم: صارت فرجة في السماء حتى رأى إلى سبع سماوات.

وصارت فرجة في الأرض حتى رأى إلى تحت الصخرة.

ويقال: حين عرج به إلى السماء، فنظر إلى عجائب السموات.

وروي عن عطاء أنه قال: لما رفع إبراهيم في ملكوت السماوات، أشرف على عبد يزني فدعا عليه، فهلك.

ثم أشرف على آخر يزني فدعا عليه، فهلك.

ثم رأى آخر فأراد أن يدعو عليه، فقال له ربه عز وجل: على رِسْلِك يا إبراهيم، فإنك مستجاب لك، وإني من عبدي على إحدى ثلاث خلال: إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أُخرِج منه ذرية طيبة، وإما أن يتمادى فيما هو فيه، فأنا من ورائه أي أنا قادر عليه.

وروي عن سلمان الفارسي أنه قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات، رأى عَبْداً على فاحشة، فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة، فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه، قال الله تعالى: أنْزِلوا عبدي كي لا يهلك عبادي.

ويقال: إنه كان يقول: أنا أرحم الخلق.

فلما رأى المعصية فدعا عليهم، قال الله تعالى: إِنَّا أرحم بعبادي منك، اهبط لعلّهم يرجعون.

ويقال إن نمرود بن كنعان قالت له كهنته: يولد في هذه السنة غلام ينازعك في ملكك، فأمر بذبح كل غلام يولد في تلك السنة.

ويقال: رأى في المنام، أن كبشاً دخل عليه، فنطح سريره بقرنه، فسأل المعبِّرين فأخبروه، أنه يولد غلام ينازعك في ملكك.

فأمر بذبح كل غلام يولد.

فحملت أم إبراهيم بإبراهيم، ولم يتبيّن حملها، ولم يعرف أحد أنها حامل، حتى أخذها الطَّلْق فخرَّت إلى جبل من الجبال، ودخلت في غار فولدت إبراهيم.

وخرجت ووضعت صخرة على باب الغار.

فجاءه جبريل-  - ووضع إبهامه في فمه، وكان يمصه ويخرج منه اللبن، وكان يجعل سبّابته في فمه فيمصها، ويخرج منها العسل.

حتى كبر وأدرك في أيام قليلة.

ويقال: إن أمه كانت تختلف إليه وترضعه حتى أرضعته سنتين، وتحمل إليه الطعام حتى أدرك في المدة التي يدرك فيها الصبيان فخرج من الغار فنظر إلى السماء، وإلى الأرض، وإلى الجبال، فتفكَر في نفسه ثم قال: إِنَّ لهذه الأشياء خالقاً خلقها.

والذي خلق هذه الأشياء هو الذي خلقني فذلك قوله وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ وكان في ذلك التفكير إذا نظر إلى نجم يضيء وهو المشتري، فرآه أضوَأ الكواكب.

وقد علم أن الله تعالى أعلى الأشياء ولا يشبهه شيء من خلقه.

ورأى الكواكب أعلى الأشياء وكان أحسنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ لِلصَّعْقِ ثُمَّ لِلْبَعْثِ» «١» ، وباقي الآية بيّن.

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)

وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قال الطبري «٢» : نبه الله نبيّنا محمدا صلّى الله عليه وسلّم على الاقتداء بإبراهيم في محاجّته قومه إذا كانوا أهل أصنام، وكان قوم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أهل أصنام، وقوله: أَصْناماً آلِهَةً:

مفعولانِ، وذُكِرَ أن آزر أبا إبراهيِمَ- عليه السلام- كَانَ نَجَّاراً محسناً، ومهنْدِساً، وكان نُمْرُود يتعلَّق بالهندسةِ والنجُومِ، فحَظِيَ عنده آزر لذلك، وكان على خُطَّةِ عملِ الأَصنامِ تُعْمَلُ بأمره وتَدْبيره، ويَطْبَع هو في الصنمِ بخَتْمٍ معلومٍ عنده وحينئذٍ يُعْبَدُ ذلك الصنمُ، فلما نشأ إبراهيمُ ابنه على الصفة التي تأتي بعْدُ، كان أبوه يكلِّفه ببيعها، فكان إبراهيم ينادِي عليها: مَنْ يَشْتَري ما يضرُّه ولا ينفعه، ويستخفُّ بها، ويجعلها في الماءِ منكوسةً، ويقول لها: اشربي، فلما اشتهر أمْرُه بذلك، وأخذ في الدعاءِ إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، قال لأبيه هذه المقالة، وأَراكَ في هذا الموضعِ: يشترك فيها القلبُ والبصرُ، ومُبِينٍ: بمعنى:

ظاهر واضح.

وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: الآيةُ المتقدِّمةُ تقْضِي بهدايةِ إبْرَاهيم- عليه السلام-، والإشارةُ ب «ذلك» هي إلى تلك الهداية، أي: وكما هدَيْنَاه إلى الدعاء إلى الله وإنكار الكفر، أريناه ملكوت، ونُرِي: لفظها: الاستقبال، ومعناها: المضيُّ، وهذه الرؤْية قيل: هي رؤية البَصَر، ورُوِيَ في ذلك أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ فرج لإِبراهيم- عليه السلام- السمواتِ والأرْضَ حتى رأَى ببَصَره الملكوتَ الأعلى، والملكوتَ الأسفلَ وهذا هو قولُ مجاهدٍ «٣» قال: تفرّجت له السموات والأرضون، فرأى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ ﴾ أيْ: وكَما أرَيْناهُ البَصِيرَةَ في دِينِهِ، والحَقُّ في خِلافِ قَوْمِهِ، نُرِيهِ ﴿ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ .

وقِيلَ "نُرِي" بِمَعْنى أرَيْنا.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَلَكُوتُ بِمَنزِلَةِ المَلِكِ، إلّا أنَّ المَلَكُوتَ أبْلَغُ في اللُّغَةِ، لِأنَّ الواوَ والتّاءَ يُزادانِ لَلْمُبالَغَةِ؛ ومِثْلُ المَلَكُوتِ: الرَّغَبُوتُ والرَّهَبُوتُ.

قالَ مُجاهِدٌ: مَلَكُوتُ السَّماواتِ والأرْضِ: آَياتُها؛ تَفَرَّجَتْ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ، حَتّى العَرْشُ، فَنَظَرَ فِيهِنَّ، وتَفَرَّجَتْ بِهِ الأرْضُونَ السَّبْعُ، فَنَظَرَ فِيهِنَّ وقالَ قَتادَةُ: مَلَكُوتُ السَّماواتِ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، ومَلَكُوتُ الأرْضِ:الجِبالُ والشَّجَرُ والبِحارُ.

وقالَ السُّدِّيُّ: أُقِيمَ عَلى صَخْرَةٍ، وفُتِحَتْ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ، فَنَظَرَ إلى مُلْكِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، حَتّى نَظَرَ إلى العَرْشِ، وإلى مَنزِلِهِ مِنَ الجَنَّةِ، وفُتِحَتْ لَهُ الأرْضُونُ السَّبْعُ، حَتّى نَظَرَ إلى الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ هَذا عَطْفٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى الآَيَةِ: نُرِيهِ مَلَكُوتُ السَّماواتِ والأرْضِ لَيَسْتَدِلَّ بِهِ، ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ.

وفي ما يُوقِنُ بِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: وحْدانِيَّةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ.

والثّانِي: نُبُوَّتُهُ ورِسالَتُهُ.

والثّالِثُ: لَيُكُونَ مُوقِنًا بِعِلْمِ كُلِّ شَيْءٍ حِسًّا لا خَبَرًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ اَلْعامِلُ في "وَإذْ"؛ فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ"؛ أو: "قُصَّ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: نَبَّهَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِاقْتِداءِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ في مُحاجَّتِهِ قَوْمَهُ؛ إذْ كانُوا أهْلَ أصْنامٍ؛ وكانَ قَوْمُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أهْلَ أصْنامٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ يَلْزَمُ هَذا مِن لَفْظِ الآيَةِ؛ أما إنَّ جَمِيعَ ما يَجِيءُ مِن مِثْلِ هَذا عُرْضَةٌ لِلِاقْتِداءِ.

وقَرَأ السَبْعَةُ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: "آزَرَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ الَّتِي قَبْلَ الألِفِ؛ وفَتْحِ الزايِ؛ والراءِ؛ قالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ إسْحاقَ ؛ وسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هو اسْمُ أبِي إبْراهِيمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اسْمَهُ "تارَحُ"؛ فَلَهُ عَلى هَذا القَوْلِ اسْمانِ؛ كَـ "يَعْقُوبُ"؛ و"إسْرائِيلُ"؛ وهو في الإعْرابِ - عَلى هَذا - بَدَلٌ مِنَ الأبِ المُضافِ؛ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ وهو اسْمُ عَلَمٍ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ هو اسْمُ صَنَمٍ؛ وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أتَتَّخِذُ آزَرَ؟

أتَتَّخِذُ أصْنامًا؟".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هو صِفَةٌ؛ ومَعْناهُ هُوَ: اَلْمُعْوَجُّ؛ المُخْطِئُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُعْتَرَضُ هَذا بِأنَّ "آزَرَ"؛ إذا كانَ صِفَةً؛ فَهو نَكِرَةٌ؛ ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَتَ المَعْرِفَةَ بِالنَكِرَةِ؛ ويُوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى تَحامُلٍ بِأنْ يُقالَ: زِيدَتْ فِيهِ الألِفُ واللامُ؛ وإنْ لَمْ يُلْفَظْ بِها؛ وإلى هَذا أشارَ الزَجّاجُ ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: "لِأبِيهِ المُخْطِئِ"؛ وبِأنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أذُمُّ المُعْوَجَّ"؛ أو: "اَلْمُخْطِئَ"؛ ولا تَبْقى فِيهِ الصِفَةُ بِهَذِهِ الحالُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقِيلَ: نَصْبُهُ عَلى الحالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ؛ وهو في حالِ عِوَجٍ؛ وخَطَإٍ".

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ بِضَمِّ الراءِ؛ عَلى النِداءِ؛ ويَصِحُّ - مَعَ هَذا - أنْ يَكُونَ "آزَرَ"؛ اِسْمَ أبِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "اَلْمُعْوَجُّ"؛ و"اَلْمُخْطِئُ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: "آزَرَ"؛ بِمَعْنى: "شَيْءٌ"؛ ولا يَصِحُّ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "آزَرَ"؛ صِفَةً؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "يا آزَرُ"؛ بِثُبُوتِ حَرْفِ النِداءِ؛ "اِتَّخَذْتَ أصْنامًا"؛ بِالفِعْلِ الماضِي؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - فِيما رُوِيَ عنهُ أيْضًا -: "أأزْرًا تَتَّخِذُ"؛ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ؛ وفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن "أزْرًا"؛ وسُكُونِ الزايِ؛ ونَصْبِ الراءِ؛ وتَنْوِينِها؛ وإسْقاطِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ مِن "أتَتَّخِذُ"؛ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: "أعَضُدًا؛ وقُوَّةً؛ ومُظاهَرَةً عَلى اللهِ تَعالى ؛ تَتَّخِذُ...؟"؛ وهو مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ اشْدُدْ بِهِ أزْرِي  ﴾ ؛ وقَرَأ أبُو إسْماعِيلَ - رَجُلٌ مِن أهْلِ الشامِ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن هَذا التَرْتِيبِ؛ ذَكَرَها أبُو الفُتُوحِ؛ ومَعْناها أنَّها مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ؛ كَـ "وِسادَةٌ"؛ و"إسادَةٌ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "أوِزْرًا ومَأْثَمًا تَتَّخِذُ أصْنامًا؟"؛ ونَصْبُهُ - عَلى هَذا - بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ ورُوِيَتْ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "إزْرًا تَتَّخِذُ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وسُكُونِ الزايِ؛ دُونَ ألِفِ تَوْقِيفٍ؛ و"أصْنامًا آلِهَةً"؛ مَفْعُولانِ.

وذُكِرَ أنَّ آزَرَ؛ أبا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ نَجّارًا مُحْسِنًا؛ ومُهَنْدِسًا؛ وكانَ نَمْرُودُ يَتَعَلَّقُ بِالهَنْدَسَةِ والنُجُومِ؛ فَحَظِيَ عِنْدَهُ آزَرُ لِذَلِكَ؛ وكانَ عَلى خُطَّةِ عَمَلِ الأصْنامِ؛ تُعْمَلُ بِأمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ؛ ويَطْبَعُ هو في الصَنَمِ بِخَتْمٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ؛ وحِينَئِذٍ يُعْبَدُ ذَلِكَ الصَنَمُ؛ فَلَمّا نَشَأ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنُهُ - عَلى الصِفَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدُ؛ كانَ أبُوهُ يُكَلِّفُهُ بِبَيْعِها؛ فَكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - يُنادِي عَلَيْها: "مَن يَشْتَرِي ما يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ؟"؛ ويَسْتَخِفُّ بِها؛ ويَجْعَلُها في الماءِ مَنكُوسَةً؛ ويَقُولُ: "اِشْرَبِي"؛ فَلَمّا شُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ؛ وأخَذَ - عَلَيْهِ السَلامُ - في الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى ؛ قالَ لِأبِيهِ هَذِهِ المَقالَةَ.

و"أراكَ" - في هَذا المَوْضِعِ - يَشْتَرِكُ فِيها البَصَرُ؛ والقَلْبُ؛ لِأنَّها رُؤْيَةُ قَلْبٍ؛ ومَعْرِفَتُهُ؛ وهي مُتَرَكِّبَةٌ عَلى رُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ و"مُبِينٍ"؛ بِمَعْنى: واضِحٍ؛ ظاهِرٍ؛ وهو مِن "أبانَ الشَيْءُ"؛ إذا ظَهَرَ؛ لَيْسَ بِالفِعْلِ المُتَعَدِّي المَنقُولِ مِن: "بانَ؛ يَبِينُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَنقُولَ؛ ويَكُونَ المَفْعُولُ مُقَدَّرًا؛ تَقْدِيرُهُ: "فِي ضَلالٍ مُبِينٍ كُفْرَكُمْ".

وَقِيلَ: كانَ آزَرُ رَجُلًا مِن أهْلِ "كَوْثًا"؛ مِن سَوادِ الكُوفَةِ؛ قالَ النَقّاشُ: وبِها وُلِدَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقِيلَ: كانَ مِن أهْلِ "حَرّانَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ ؛ اَلْآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ تَقْضِي بِهِدايَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والإشارَةُ هُنا بِـ "ذَلِكَ"؛ هي إلى تِلْكَ الهِدايَةِ؛ أيْ: "وَكَما هَدَيْناهُ إلى الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى وإنْكارِ الكُفْرِ؛ أرَيْناهُ مَلَكُوتَ..."؛ و"نُرِي"؛ لَفْظُها الِاسْتِقْبالُ؛ ومَعْناها المُضِيُّ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ المَعْنى: "وَكَما هَدَيْناكَ يا مُحَمَّدُ؛ فَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ...".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا بَعِيدٌ؛ إذِ اللَفْظُ لا يُعْطِيهِ؛ و"نُرِي"؛ هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ لا غَيْرُ؛ فَهي إمّا مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ وإمّا مِن "أرى"؛ اَلَّتِي هي بِمَعْنى "عَرَّفَ"؛ ولَوْ كانَتْ مِن "أرى"؛ بِمَعْنى "أعْلَمَ"؛ وجَعَلَنا "أعْلَمَ" مَنقُولَةً مِن "عَلِمَ"؛ اَلَّتِي تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ لَوَجَبَ أنْ تَتَعَدّى "أرى"؛ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ الثالِثَ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ إذْ هو الخَبَرُ في الجُمْلَةِ الَّتِي يَدْخُلُ عَلَيْها "عَلِمْتُ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ وإنَّما هي مِن "عَلِمَ"؛ بِمَعْنى "عَرَفَ"؛ ثُمَّ نُقِلَتِ الهَمْزَةِ؛ فَتَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ ثُمَّ جُعِلَتْ "أرى"؛ بِمَنزِلَتِها؛ في هَذِهِ الحالِ.

وهَذِهِ الرُؤْيَةُ: قِيلَ: رُؤْيَةُ البَصَرِ؛ ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - فَرَجَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - السَماواتِ والأرْضِينَ؛ حَتّى رَأى بِبَصَرِهِ المَلَكُوتَ الأعْلى؛ والمَلَكُوتَ الأسْفَلَ؛ فَإنْ صَحَّ هَذا المَنقُولُ؛ فَفِيهِ تَخْصِيصٌ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بِما لَمْ يُدْرِكْهُ غَيْرُهُ قَبْلَهُ؛ ولا بَعْدَهُ؛ وهَذا هو قَوْلُ مُجاهِدٍ ؛ قالَ: "تَفَرَّجَتْ لَهُ السَماواتُ والأرْضُونَ؛ فَرَأى مَكانَهُ في الجَنَّةِ"؛ وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ ؛ وقِيلَ: هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ في ظاهِرِ المَلَكُوتِ؛ وقَعَ لَهُ مَعَها مِنَ الِاعْتِبارِ؛ ورُؤْيَةِ القَلْبِ؛ ما لَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ مِن أهْلِ زَمَنِهِ؛ الَّذِينَ بُعِثَ - عَلَيْهِ السَلامُ - إلَيْهِمْ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ؛ فَفي هَذا تَخْصِيصٌ ما؛ عَلى جِهَةِ التَقْيِيدِ بِأهْلِ زَمَنِهِ؛ وقِيلَ: هي رُؤْيَةُ قَلْبٍ؛ رَأى بِها مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ؛ بِفِكْرَتِهِ؛ ونَظَرِهِ؛ وذَلِكَ - ولا بُدَّ - مُتَرَكِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن رُؤْيَتِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِبَصَرِهِ؛ وإدْراكِهِ في الجُمْلَةِ بِحَواسِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذانِ القَوْلانِ الأخِيرانِ يُناسِبانِ الآيَةَ؛ لِأنَّ الغايَةَ الَّتِي نُصِبَتْ لَهُ إنَّما هي أنْ يُؤْمِنَ؛ ويَكُونَ مِن جُمْلَةِ مُوقِنِينَ كَثَرَةٍ؛ والإشارَةُ - لا مَحالَةَ - إلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ وبَعْدَهُ؛ واليَقِينُ يَقَعُ لَهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ولِغَيْرِهِ بِالرُؤْيَةِ في ظاهِرِ المَلَكُوتِ؛ والِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى الصانِعِ؛ والخالِقِ؛ لا إلَهَ إلّا هو.

و"مَلَكُوتَ"؛ بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ كَـ "جَبَرُوتٌ"؛ و"رَهَبُوتٌ"؛ و"رَحَمُوتٌ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: هو "مَلَكُوثى"؛ بِاليُونانِيَّةِ؛ أو بِالنَبَطِيَّةِ؛ وقَرَأ "مَلَكُوثَ"؛ بِالثاءِ مُثَلَّثَةً؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "مَلْكُوتَ"؛ بِإسْكانِ اللامِ؛ وهي لُغَةٌ؛ و"مَلَكُوتٌ": بِمَعْنى: "اَلْمُلْكُ"؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "لِفُلانٍ مَلَكُوتُ اليَمَنِ"؛ أيْ: مُلْكُهُ.

واللامُ في "وَلِيَكُونَ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ أرَيْناهُ"؛ و"اَلْمُوقِنُ": اَلْعالِمُ بِالشَيْءِ عِلْمًا لا يُمْكِنُ أنْ يَطْرَأ لَهُ فِيهِ شَكٌّ؛ وقالَ الضَحّاكُ ؛ ومُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ الإشارَةَ هَهُنا بِـ "مَلَكُوتَ السَماواتِ"؛ هي إلى الكَواكِبِ؛ والشَمْسِ؛ والقَمَرِ؛ وهَذا راجِعٌ وداخِلٌ فِيما قَدَّمْناهُ مِن أنَّها رُؤْيَةُ بَصَرٍ في ظاهِرِ المَلَكُوتِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في تَفْسِيرِ ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ - قالَ: جَلّى لَهُ الأُمُورَ؛ سِرَّها وعَلانِيَتَها؛ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِ الخَلائِقِ؛ فَلَمّا جَعَلَ يَلْعَنُ أصْحابَ الذُنُوبِ؛ قالَ اللهُ تَعالى "إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ هَذا"؛ فَرَدَّهُ لا يَرى أعْمالَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ قال إبراهيم لأبيه آزرَ أتتّخذ أصناماً آلهة ﴾ [الأنعام: 74].

فالمعنى وإذ نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إراءة لا إراءة أوضح منها في جنسها والإشارة بقوله: ﴿ وكذلك ﴾ إلى الإراء المأخوذ من قوله ﴿ نُري إبراهيم ﴾ أي مثل ذلك الإراء العجيب نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض.

وهذا على طريقة قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمَّة وسطاً ﴾ [البقرة: 143].

وقد تقدّم بيانه في سورة البقرة، فاسم الإشارة في مثل هذا الاستعمال يلازم الإفراد والتذكير لأنَّه جرى مجرى المثل.

وقوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ إشارة إلى حجّة مستنبطة من دلالة أحوال الموجودات على وجود صانعها.

والرؤية هنا مستعملة للانكشاف والمعرفة، فالإراءة بمعنى الكشف والتعريف، فتشمل المبصرات والمعقولات المستدلّ بجميعها على الحق وهي إراءة إلهام وتوفيق، كما في قوله تعالى: ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ﴾ [الأعراف: 185]، فإبراهيم عليه السلام ابتُدئ في أوّل أمره بالإلهام إلى الحقّ كما ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤية الصادقة.

ويجوز أن يكون المراد بالإراءة العلم بطريق الوحي.

وقد حصلت هذه الإراءة في الماضي فحكاها القرآن بصيغة المضارع لاستحضار تلك الإراءة العجيبة كما في قوله تعالى: ﴿ الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ﴾ [فاطر: 9].

والملكوت اتَّفق أئمَّة اللغة على أنَّه مصدر كالرَغَبُوت والرّحَمُوت والرّهَبُوت والجَبَرُوت.

وقالوا: إنّ الواو والتاء فيه للمبالغة.

وظاهره أنّ معناه المِلك بكسر الميم لأنّ مصدر مَلك المِلك بكسر الميم ولمَّا كان فيه زيادة تفيد المبالغة كان معناه المِلك القوي الشديد.

ولذلك فسَّره الزمخشري بالربوبية والإلهية.

وفي «اللسان»: مُلْك الله وملكوته سلطانُه ولفلان ملكوت العراق، أي سلطانه ومُلكه.

وهذا يقتضي أنَّه مرادف للمُلك بضمّ الميم وفي طبعة «اللسان» في بولاق رُقمت على ميم مُلكه ضمّة.

وفي «الإتقان» عن عكرمة وابن عبَّاس: أنّ الملكوت كلمة نَبَطِيَّة.

فيظهر أنّ صيغة (فعلوت) في جميع الموارد التي وردت فيها أنَّها من الصيغ الدخيلة في اللغة العربية، وأنَّها في النبطيّة دالَّة على المبالغة، فنقلها العرب إلى لغتهم لِما فيها من خصوصية القوّة.

ويستخلص من هذا أنّ الملكوت يطلق مصدراً للمبالغة في المِلك، وأنّ المُلك (بالضمّ) لما كان مِلكاً (بالكسر) عظيماً يطلق عليه أيضاً المَلَكُوت.

فأمَّا في هذه الآية فهو مجاز على كلا الإطلاقين لأنَّه من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، وهو المملوك، كالخَلق على المخلوق، إمَّا من المِلك بكسر الميم أو من المُلك بضمِّها.

وإضافة ملكوت السماوات والأرض على معنى (في).

والمعنى ما يشمله المُلك أو الملك، والمُراد مُلك الله.

والمعنى نكشف لإبراهيم دلائل مخلوقاتنا أو عظمة سلطاننا كشفاً يطلعه على حقائقها ومعرفة أن لا خالق ولا متصرّف فيما كشفنا له سوانا.

وعُطِف قوله: ﴿ وليَكون من الموقنين ﴾ على قوله: ﴿ وكذلك ﴾ لأنّ ﴿ وكذلك ﴾ أفاد كون المشبَّه به تعليماً فائقاً.

ففهم منه أنّ المشبَّه به علّة لأمر مهمّ هو من جنس المشبَّه به.

فالتقدير: وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إراء تبصير وفهم ليَعْلم علماً على وفق لذلك التفهيم، وهو العلم الكامل وليكون من الموقنين.

وقد تقدّم بيان هذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وكذلك نفصِّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ في هذه السورة [56].

والموقن هو العالم علماً لا يقبل الشكّ، وهو الإيقان.

والمراد الإيقان في معرفة الله تعالى وصفاته.

وقوله: وليكون من الموقنين } أبلغ من أن يقال: وليكون موقناً كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين ﴾ في هذه السورة [56].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّ آزَرَ اسْمُ أبِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، قالَ مُحَمَّدٌ: كانَ رَجُلًا مِن أهْلِ كُوتى قَرْيَةٌ مِن سَوادِ الكُوفَةِ.

والثّانِي: أنَّ آزَرَ اسْمُ صَنَمٍ، وكانَ اسْمُ أبِيهِ تارِحَ، قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ، وإنَّما هو صِفَةُ سَبٍّ بِعَيْبٍ، ومَعْناهُ مِعْوَجٌّ، كَأنَّهُ عابَهُ بِاعْوِجاجِهِ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ الفَرّاءُ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ مِن إبْراهِيمَ - وهو نَبِيٌّ - سَبَّ أباهُ؟

قِيلَ: لِأنَّهُ سَبَّهُ بِتَضْيِيعِهِ حَقَّ اللَّهِ تَعالى، وحَقُّ الوالِدِ يَسْقُطُ في تَضْيِيعِ حَقِّ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ذَلِكَ وذاكَ وذا: إشاراتٌ، إلّا أنَّ ذا لِما قَرُبَ، وذَلِكَ لِما بَعُدَ، وذاكَ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ ما بَعُدَ.

وَفي المُرادِ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَلَكُوتَ هو المُلْكُ بِالنَّبَطِيَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ المُلْكُ بِالعَرَبِيَّةِ، يُقالُ مُلْكٌ ومَلَكُوتٌ كَما يُقالُ رَهْبَةٌ ورَهَبُوتٌ، ورَحْمَةٌ ورَحَمُوتٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: رَهَبُوتُ خَيْرٍ مِن رَحَمُوتٍ، أيْ أنْ نُرْهَبَ خَيْرٌ مِن أنْ نُرْحَمَ، قالَهُ الأخْفَشُ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ آياتُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: هو الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّ مَلَكُوتَ السَّماواتِ: القَمَرُ، والنُّجُومُ، والشَّمْسُ، ومَلَكُوتُ الأرْضِ: الجِبالُ، والشَّجَرُ، والبِحارُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ المُوقِنِينَ لِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ.

والثّانِي: مِنَ المُوقِنِينَ نُبُوَّتُهُ وصِحَّةُ رِسالَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: ذَكَرَ لَنا أنَّهُ رَأى الزُّهْرَةَ طَلُعَتْ عِشاءً.

﴿ قالَ هَذا رَبِّي ﴾ ومَعْنى جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، أيْ سَتْرِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً لِأنَّ الشَّجَرَ يَسْتُرُها، والجِنُّ لِاسْتِتارِهِمْ عَنِ العُيُونِ، والجُنُونِ لِأنَّهُ يَسْتُرُ العَقْلَ، والجَنِينَ لِأنَّهُ مَسْتُورٌ في البَطْنِ، والمِجَنِّ لِأنَّهُ يَسْتُرُ المُتَتَرِّسَ، قالَ الهُذَلِيُّ وماءٌ ورَدَتْ قُبَيْلَ الكَرى وقَدْ جَنَّهُ السُّدْفُ الأدْهَمُ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ: هَذا رَبِّي في ظَنِّي، لِأنَّهُ في حالِ تَقْلِيبٍ واسْتِدْلالٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اعْتِقادًا أنَّهُ رَبُّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ، لِأنَّ أُمَّهُ ولَدَتْهُ في مَغارَةٍ حَذَرًا عَلَيْهِ مِن نَمْرُودَ، فَلَمّا خَرَجَ عَنْهُ قالَ هَذا القَوْلَ قَبْلَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، لِأنَّها حالٌ لا يَصِحُّ فِيها كُفْرٌ ولا إيمانٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ البُلُوغِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ قَوْلَ مُعْتَقَدٍ، وإنَّما قالَهُ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَإذا كانَ الكَوْكَبُ والشَّمْسُ والقَمَرُ وما لَمْ تَصْنَعْهُ يَدٌ ولا عَمِلَهُ بَشَرٌ لَمْ تَكُنْ مَعْبُودَةً لِزَوالِها، فالأصْنامُ الَّتِي هي دُونَها أوْلى ألّا تَكُونَ مَعْبُودَةً.

والخامِسُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَوْبِيخًا عَلى وجْهِ الإنْكارِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ وتَقْدِيرُهُ: أهَذا رَبِّي، كَما قالَ الشّاعِرُ: رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لا تَرْعَ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوَجْهَ هم هُمْ بِمَعْنى أهم هُمْ؟

﴿ فَلَمّا أفَلَ ﴾ أيْ غابَ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفَلاتِ الدَّوالِكَ ﴿ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ يَعْنِي حُبَّ رَبٍّ مَعْبُودٍ، وإلّا فَلا حَرَجَ في مَحَبَّتِهِمْ غَيْرَ حُبِّ الرَّبِّ.

﴿ فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا ﴾ أيْ طالِعًا، وكَذَلِكَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ أيْ طَلَعَتْ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ كانَ أُفُولُها دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَتُها وقَدْ عَبَدَها مَعَ العِلْمِ بِأُفُولِها خَلْقٌ مِنَ العُقَلاءِ؟

قِيلَ لِأنَّ تَغَيُّرَها بِالأُفُولِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها مُدَبَّرَةٌ مُحْدَثَةٌ، وما كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ إلَهًا مَعْبُودًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: الشمس والقمر والنجوم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: كشف ما بين السموات والأرض حتى نظر إليهن على صخرة، والصخرة على حوت، وهو الحوت الذي منه طعام الناس، والحوت في سلسلة والسلسلة في خاتم العزة.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: ملك السموات والأرض قال: سلطانهما.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: إنما هو ملك السموات والأرض، ولكنه بلسان النبطية ملكوثا.

وأخرج آدم بن أبي اياس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: آيات فرجت له السموات السبع، فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: قام على صخرة ففرجت له السموات السبع حتى ننظر إلى العرش وإلى منزله من الجنة، ثم فرجت له الأرضون السبع حتى نظر إلى الصخرة التي عليها الأرضون، كذلك قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ [ العنكبوت: 27] .

وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رأيت ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟

قال: قلت أنت أعلم أي رب...

!

قال: فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي.

قال: فعلمت ما في السموات والأرض، ثم تلا هذه الآية ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ﴾ ثم قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قال: قلت: في الدرجات والكفارات قال: وما الكفارات؟

قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، والمجالس في المساجد خلاف الصلوات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروه، فمن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكن من خطيئته كهيتئه يوم ولدته أمه، وأما الدرجات فبذل السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام، قال: قل اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموهن فإنهن حق» .

وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي الله فدعا عليه فهلك، ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي الله فدعا فهلك، ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه، فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم أنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي، فإنهم مني على ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أخرج من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح، وإما أن أقبضه إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن عطاء قال: لما رفع إبراهيم إلى ملكوت السموات أشرف على عبد يزني فدعا عليه فأهلك، ثم رفع أيضاً فأشرف على عبد يزني فدعا عليه فأهلك، ثم رفع أيضاً فأشرف على عبد يزني، فأراد أن يدعو عليه فقال له ربه: على رسلك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجاب لك، وإني من عبدي على إحدى ثلاث خلال: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة، وإما أن يتمادى فيما هو فيه فأنا من ورائه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: رفع إبراهيم إلى السماء فنظر أسفل منه، فرأى رجلاً على فاحشة فدعا فخسف به حتى دعا على سبعة كلهم يخسف به، فنودي يا إبراهيم رفه عن عبادي ثلاث مرار إني من عبدي بين ثلاث، اما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن استخرج من صلبه ذرية مؤمنة، وإما أن يكفر فحسبه جهنم.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله وعليه وسلم قال: «لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر عبداً على خطيئة فدعا عليه، ثم أبصر عبداً على خطيئة فدعا عليه، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم إنك عبد مستجاب الدعوة فلا تدع على أحد فإني من عبدي على ثلاث: إما أن أخرج من صلبه ذرية تعبدني، وإما أن يتوب في آخر عمره فأتوب عليه، وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن سلمان الفارسي قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض رأى رجلاً على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه، فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم مهلاً فإنك رجل مستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث خصال: إما أن يتوب قبل الموت فأتوب عليه، وإما أن أخرج من صلبه ذرية يذكروني، وإما أن يتولى فجهنم من ورائه.

وأخرج البيهقي في الشعب عن عطاء قال: لما رفع إبراهيم في ملكوت السموات رأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا فهلك، ثم رأى رجلاً يزني فدعا فهلك.

فقيل: على رسلك يا إبراهيم إنك عبد مستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة تعبدني، وإما أن يتمادى فيما هو فيه فإن جهنم من ورائه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: يعني خلق السموات والأرض ﴿ وليكون من الموقنين ﴾ فإنه جلا له الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله: إنك لا تستطيع هذا، فرده الله كما كان قبل ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن إبراهيم عليه السلام فر به من جبار مترف، فجعل في سرب وجعل زرقه في أطرافه، فجعل لا يمص أصبعاً من أصابعه إلا جعل الله له فيها رزقاً، فلما خرج من ذلك السرب أراه الله ملكوت السموات والأرض، وأراه شمساً وقمراً ونجوماً وسحاباً وخلقاً عظيماً، وأراه ملكوت الأرض فرأى جبالاً وبحوراً وأنهاراً وشجراً ومن كل الدواب وخلقاً عظيماً ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ ذكر لنا أن الكوكب الذي رأى الزهرة طلعت عشاء ﴿ قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ﴾ علم أن ربه دائم لا يزول ﴿ فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي ﴾ رأى خلقاً أكبر من الخلق الأوّل ﴿ فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ﴾ أي أكبر خلقاً من الخلقين الأوّلين.

وأبهى وأنور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان من شأن إبراهيم عليه السلام أن أول ملك ملك في الأرض شرقها وغربها نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة: بن كنعان وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبختنصر.

مسلمين وكافرين، وإنه طلع كوكب على نمورد، ذهب بضوء الشمس والقمر ففزع من ذلك، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عن ذلك!

فقالوا: يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك ملكك، وكان مسكنه ببابل الكوفة فخرج من قريته إلى قرية أخرى، وأخرج الرجال وترك النساء، وأمر أن لا يولد مولود ذكر إلا ذبحه فذبح أولادهم.

ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم، فدعاه فأرسله فقال له: أنظر لا تواقع أهلك.

فقال له آزر أنا أضُنُّ بديني من ذلك، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه إن وقع عليها، ففر بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها ادر فجعلها في سرب، فكان يتعهدها بالطعام وما يصلحها، وإن الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحرة كذابين ارجعوا إلى بلدكم، فرجعوا وولد إبراهيم فكان في كل يوم يمر به كأنه جمعة والجمعة كالشهر من سرعة شبابه، ونسي الملك ذاك وكبر إبراهيم ولا يرى أن أحداً من الخلق غيره وغير أبيه وأمه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إن لي ابناً وقد خبأته فتخافون عليه الملك ان أنا جئت به؟

قالوا: لا فائت به.

فانطلق فأخرجه، فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق، فجعل يسأل أباه فيقول: ما هذا؟

فيخبره عن البعير أنه بعير، وعن البقرة أنها بقرة، وعن الفرس أنها فرس، وعن الشاة أنها شاة.

فقال: ما لهؤلاء بد من أن يكون لهم رب.

وكان خروجه حين خرج من السرب بعد غروب الشمس، فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري، فقال: هذا ربي.

فلم يلبث أن غاب قال: لا أحب رباً يغيب.

قال ابن عباس: وخرج في آخر الشهر فلذلك لم ير القمر قبل الكوكب، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغاً قد طلع قال: هذا ربي.

فلما أفل يقول غاب ﴿ قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ﴾ فلما أصبح رأى الشمس بازغة ﴿ قال: هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ قال الله له: اسلم.

قال: أسلمت لرب العالمين.

فجعل إبراهيم يدعو قومه وينذرهم، وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها أولاده فيبيعونها، وكان يعطيه فينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي، ثم دعا أباه فقال: ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ﴾ [ مريم: 42] ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هن في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً بين يدي الآلهة وقالوا: إذا كان حين نرجع رجعنا وقد برحت الآلهة من طعامنا فأكلنا، فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ألا تأكلون؟

فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون؟

ثم إن إبراهيم أتى قومه فدعاهم، فجعل يدعو قومه وينذرهم، فحبسوه في بيت وجمعوا له الحطب حتى أن المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعن لإبراهيم حطباً، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب، حتى إن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها وحرها، فعمدوا إليه فرفعوه إلى رأس البنيان، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك.

قال أنا أعلم به، فإن دعاكم فأغيثوه.

وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض، ليس أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل.

فقذفوه في النار، فناداها فقال: ﴿ يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ [ الأنبياء: 69] وكان جبريل هو الذي ناداها.

فقال ابن عباس: لو لم يتبع برداً سلاماً لمات إبراهيم من بردها، ولم يبق يومئذ في الأرض نار إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى، فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم، فإذا هو ورجل آخر معه ورأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق، وذكر أن ذلك الرجل ملك الظل، فأنزل الله ناراً فانتفع بها بنو آدم، وأخرجوا إبراهيم فأدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن السدي في قوله: ﴿ رأى كوكباً ﴾ قال: هو المشتري، وهو الذي يطلع نحو القبلة عن المغرب.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن علي في قوله: ﴿ رأى كوكباً ﴾ قال: الزهرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فلما أفل ﴾ أي ذهب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ قال: الزائلين.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ فلما أفلت ﴾ قال: فلما زالت الشمس عن كبد السماء.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت كعب بن مالك الأنصاري وهو يرثي النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: فتغير القمر المنير لفقده ** والشمس قد كسفت وكادت تأفل قال: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ حنيفاً ﴾ قال: ديناً مخلصاً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حمزة بن عبد المطلب وهو يقول: حمدت الله حين هدى فؤادي ** إلى الإسلام والدين الحنيف وقال: أيضاً رجل من العرب يذكر بني عبد المطلب وفضلهم: أقيموا لنادينا حنيفاً فانتمو ** لنا غاية قد نهتدي بالذوائب وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله: ﴿ حنيفاً ﴾ قال: مخلصاً.

وأخرج مسلم والنسائي وابن مردويه عن عياض بن حمار المجاشعي «أنه شهد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه يقول: إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم من دينكم مما علمني يومي هذا، إن كل مال نحلته عبداً فهو له حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنه أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .

وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال الزجاج: (أي: ومثل ما وصفنا من قصة إبراهيم من قوله لأبيه ما قال نريه ﴿ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (١) والملكوت: بمنزلة الملك، إلا أن (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) واختلفوا في: ﴿ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ما هو؟

فقال ابن عباس في رواية (٧) (٨) (٩) وقد روى علي -  -، عن النبي  (١٠) ﴿ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ مثل هذا الذي ذكره ابن عباس.

وهو قول مجاهد (١١) (١٢) وقال قتادة (١٣) (١٤) ﴿ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ ﴾ : الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار، وذلك أن الله تعالى أراه هذه الأشياء حتى نظر إليها معتبرًا مستدلًا بها على خالقها).

وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ قال أهل المعاني: (هو معطوف على المعنى؛ لأن معنى الآية: نريه ﴿ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ليستدل به ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ ) (١٩) (١) "معانى الزجاج" 2/ 265.

(٢) في (أ): (لأن التاء).

(٣) الرغبوت، بفتح الراء والغين وضم الباء: من رغب بمعنى أراد.

انظر: "القاموس" ص 90 (رغب).

(٤) الرَّهَبُوت، بفتح الراء والهاء، وضم الباء: من رهب بمعنى خاف.

انظر: "القاموس" ص 92 (رهب).

(٥) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 265، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 197 - 198، و"تفسير الطبري" 7/ 244، و"معاني النحاس" 2/ 449.

(٦) انظر: ملك في "تهذيب اللغة" 4/ 3449، و"الصحاح" 5/ 1610، و"اللسان" 7/ 4267.

(٧) أخرج الطبري 7/ 246، وابن أبي حاتم 5/ 1326 بسند ضعيف عنه نحوه، وأخرج الطبري 7/ 247 بسند ضعيف عن عطاء نحوه، وأخرج الطبري 7/ 246، وابن أبي حاتم 4/ 1326 بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني به: الشمس والقمر والنجوم) اهـ.

وفي رواية عند الطبري بسند جيد قال: (خلق السموات والأرض)، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 45.

(٨) لفظ: (يا إبراهيم) ساقط من أصل (أ) وملحق بالهامش.

(٩) الصبور صفة لله سبحانه وتعالى ومعناه: الذي يملي ويمهل ولا يعجل بالعقوبة، وأكثرهم عده == اسمًا من أسماء الله تعالى، ولم يثبته محمَّد العثيمين في "القواعد المثلى" ص 21 - 22.

وانظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 65، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص 481، و"المقصد الأسنى" للغزالي ص 133، و"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص 352، و"الحق الواضح" للسعدي ص 57؛ وكلهم عده من الأسماء.

(١٠) ذكره البغوي 3/ 158، والقرطبي 7/ 23، والسيوطي في "الدر" 3/ 45، وقال ابن كثير 2/ 168: (روى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين عن معاذ وعلي، ولكن يصح إسنادهما) اهـ.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 201 (روى الطبراني في "الأوسط" عن جابر عن النبي  نحوه وفيه علي بن أبي علي اللهبي متروك) ا.

هـ.

بتصرف.

(١١) أخرجه الطبري 7/ 246، وابن أبي حاتم 5/ 1327 من طرق جيدة، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 218 قال: (الملكوت: الآيات)، وأخرجه الطبري من طرق جيدة، وأخرج أبو الشيخ في "العظمة" ص 297 بسند جيد عنه قال: (الشمس والقمر)، وقال ابن أبي حاتم: (وروي عن مجاهد أنه قال: يعني الشمس والقمر والنجوم) اهـ.

وانظر: "الدر المنثور" 3/ 44.

(١٢) أخرجه الطبري 7/ 247 من طرق جيدة عن سعيد بن جبير وقتادة.

(١٣) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 212 - 213، وابن أبي حاتم 5/ 1327 من طرق جيدة.

(١٤) أخرجه الطبري 7/ 247 بسند ضعيف بلفظ: (الشمس والقمر والنجوم) اهـ، وهذه الأخبار لا حجة فيها وتحتاج إلى مستند، والأولى حمل الآية على ظاهرها، فالملكوت بمعنى الملك أراه الله سبحانه عظيم سلطانه، وجلى له بواطن الأمور وظاهرها، ويحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عيانًا، == ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، وهذا اختيار الطبري 7/ 247، وابن كثير 2/ 168، وانظر: السمرقندي 1/ 495، وابن عطية 5/ 255.

(١٥) هذا ظاهر قول الزجاج في "معانيه" 2/ 265، قال: (أي نريه ﴿ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ لما فعل وليثبت على اليقين).

(١٦) هذا قول النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 558، ومكي في "المشكل" 1/ 258، وانظر: "البيان" 1/ 328، و"التبيان" 342، و"الفريد" 2/ 177، و"الدر المصون" 5/ 7.

(١٧) اليقين في اللغة: العلم وتحقق الأمر وزوال الشك.

وقال العسكري في "الفروق" ص 63: (هو سكون النفس وثلج الصدر بما علم) ا.

هـ.

وقال الراغب في "المفردات" ص 892: (هو من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم) اهـ، وانظر "العين" 5/ 220، و"تهذيب اللغة" 4/ 398، و"الصحاح" 6/ 2219، و"مقاييس اللغة" 6/ 157، و"اللسان" 8/ 4964 (يقن).

(١٨) في (أ): (تبين) بالتاء، وهو تصحيف.

(١٩) "الحجة" لأبي علي 1/ 256، وزاد: (اليقين كأنه علم يحصل بعد استدلال ونظر لغموض المعلوم أو لإشكال ذلك على الناظر، فليس كل علم يقينًا؛ لأن من المعلومات ما يعلم ببداءة العقول والحواس) ا.

هـ.

ملخصًا.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لأَبِيهِ آزَرَ ﴾ هو اسم أبي إبراهيم، فإعرابه عطف بيان أو بدل، ومنع من الصرف للعجمة والعلمية، لا للوزن لأنه وزنه فاعل نحو عابر وشالح، وقرئ بالرفع على النداء بالرفع على النداء، وقيل: أنه اسم صنم لأنه ثبت أن اسم أبي إبراهيم تارخ، فعلى هذا يحتمل أن يكون لقب به لملازمته له، أو أريد عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وذلك بعيد، ولا يبعد أن يكون له اثنان ﴿ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض ﴾ قيل: إنه فرج الله السموات والأرض حتى رأى ببصره الملك الأعلى والأسفل، وهذا يحتاج إلى صحة نقل، وقيل: رأى ما يراه الناس من الملكوت، ولكنه وقع له بها من الاعتبار والاستدلال ما لم يقع لأحد من أهل زمانه ﴿ وَلِيَكُونَ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: وليكون من الموقنين فعلنا به ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أراك ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ لأبيه آزر ﴾ بالضم على النداء: يعقوب ﴿ رأى كوكباً ﴾ بإمالة الهمزة: أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش.

وكذلك ﴿ رآه ﴾ و ﴿ رآك ﴾ وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس وهبيرة من طريق الخراز بكسر الراء والهمزة.

وافق ابن ذكوان في ﴿ رأى ﴾ فقط وخالفهم فيما اتصلت بالكاف والهاء في سورة النجم.

وافق مجاهد والنقاش بالإمالة وكسر الراء في سورة "اقرأ باسم" ﴿ رأى القمر ﴾ و ﴿ رأى الشمس ﴾ ونحوهما بكسر الراء وفتح الهمزة: حمزة وخلف ونصر وعباس ويحي والخراز.

وروى خلف عن يحي بكسر الراء والهمزة ﴿ أتحاجوني ﴾ بتخفيف النون: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان.

الباقون: بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية ﴿ وقد هدان ﴾ بالإمالة: علي.

وقرأ سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الحالين، وافق أبو عمرو ويزيد واسماعيل في الوصل.

﴿ درجات ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الوقوف: ﴿ آلهة ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموقنين ﴾ ه ﴿ رأى كوكباً ﴾ ج لأن جواب "لما" قوله "رأى" مع اتحاد الكلام بلا عطف ﴿ ربي ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع فاء التعقيب فيها.

﴿ الآفلين ﴾ ه ﴿ هذا ربي ﴾ ج لذلك ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ هذا أكبر ﴾ ج لذلك ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ج لاحتمال الواو الحال أي وقد حاجه.

﴿ قومه ﴾ ط ﴿ هدان ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ علما ﴾ ط ﴿ تتذكرون ﴾ ه ﴿ سلطانا ﴾ ط للاستفهام بعد تمام الاستفهام ﴿ بالأمن ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف التقدير: إن كنتم تعلمون فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ تعلمون ﴾ ه لتناهي الاستفهام وابتداء إخبار، ولو وصل اتصل بما قبله ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ على قومه ﴾ ط ﴿ من نشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: إنه  كثيراً ما يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم صلوات الرحمن عليه لأنه يعرف بالفضل والتقدم عند جميع الطوائف، وذلك أنه سلم قلبه للرحمن ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان.

ثم إن بظاهر الآية يدل على أن اسم والد ابراهيم هو آزر، ومنهم من قال: اسمه تارح.

قال الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، فمن الملحدة من طعن في هذا النسب لهذا السبب.

والجواب أن إجماع النسابة لا عبرة به لأن ذلك ينتهي إلى قول الواحد أو الأثنين - مثل وهب وكعب - أو غيرهما.

سلمنا أن اسمه كان "تارح" لكنه من المحتمل أن يكون أحدهما لقباً والآخر اسماً أصلياً، أو يكون آزر صفة مخصوصة في لغتهم كالمخطىء والمخذول.

وقيل: إن آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية وهذا عند من يجوز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب.

وقيل: إن آزر اسم صنم يجوز أن ينبز به للزومه عبادته، فإن من بالغ في محبة واحد فقد يجعل اسم المحبوب اسماً للمحب قال  ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ وقال الشاعر: أدعى بأسماء نبزاً في قبائلها *** كأن أسماء أضحت بعض أسمائي.

أو أريد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقيل: إن والد إبراهيم كان تارح وكان آزر عماً له والعم قد يطلق عليه اسم الأب بدليل قوله ﴿ نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق  ﴾ ومعلوم أن إسماعيل كان عماً ليعقوب.

ومما يدل على صحة ظاهر الآية أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا حراصاً متهالكين على تكذيب الرسول  وإظهار نقصه، فلو كان النسب كذباً لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه، وحيث لم يكذبوه علمنا أن النسب صحيح، قالت المعتزلة ومن يجري مجراهم: إن أحداً من آباء الرسول  ما كان كافراً وفسروا قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ بانتقاله من ساجد إلى ساجد وأكدوه بما روي أنه  قال: "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وإن آزر كان عم إبراهيم وما كان والداً له لأن إبراهيم شافهه بالغلظة والجفاء في قوله: ﴿ إني أراك وقومك في ضلال مبين ﴾ وقد قال  ﴿ ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما  ﴾ ولأنه ناداه بالاسم في قراءة من قرأ "آزر" بالضم.

والنداء بالاسم دليل الاستخفاف ولهذا لم يقرأ بالضم في قوله ﴿ وقال موسى لأخيه هارون اخلفني  ﴾ وأجيب بأن قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ يحتمل وجوهاً أخرى سوف يجيء ذكرها، وبأن قوله "لم أزل أنتقل" محمول على أنه لم يقع في نسبه ما كان سفاحاً.

والتغليظ من إبراهيم إنما كان لأجل إصرار أبيه على الكفر كما قال ﴿ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه  ﴾ لا لأجل السفه والجفاء لقوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ ثم إن إبراهيم احتج على فساد اعتقاد عبدة الأصنام بقوله منكراً على آزر وقومه ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ أي معبودين.

وذلك أن الأصنام لو كان لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على عجزها وإن كثرت، واحتج بعضهم بالآية على وجوب معرفة الله  ،وعلى أن وجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع لأن إبراهيم حكم عليهم بالضلال من حيث النظر والاستدلال، وأجيب بأنه لعله عرف ضلالهم بحكم شرع الأنبياء المتقدمين عليه ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام والاشتغال بغير الله ﴿ نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ﴾ والنكتة فيه أن التخلي عن غير الله يوجب رفع الحجاب وبقدر ذلك يكون حصول التجلي والتحلي بالله وإنما لم يقل "أريناه" بلفظ الماضي لأنه أراد الحكاية كأنه قيل: كيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ في قوة الدين والذب عنه؟

فأجيب أنا كنا نريه الملكوت وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه، أو المقصود بيان ارتفاعه في معارج الكمال وازدياده في ذلك على سبيل الدوام والاستمرار فإن مخلوقاته تعالى وإن كانت متناهية في الذات وفي الصفات إلا أن جهات دلالاتها على ذاته وصفاته  غير متناهية كما قال إمام الحرمين: معلومات الله غير متناهية، ومعلوماته في تلك المعلومات أيضاً غير متناهية.

فإن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، فكل تلك الأحوال التقديرية معلومة لله  ، وكل تلك الأحوال دالة على حكمة الله  وعظمة قدرته، وإذا كان الجوهر الفرد كذلك فكيف كل الملكوت!

ولهذا قيل: السفر إلى الله  له نهاية، فأما السفر في الله  فإنه بلا نهاية.

والملكوت هو الملك والتاء للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت ومن الرهبة.

قال بعضهم: إنه  أراه الملكوت بالعين.

قالوا: شق له تحت السموات حتى رأى العرش والكرسي إلى منتهى الأجرام العلوية، وشق له الأرض إلى ما تحت الثرى فرأى ما فيها من البدائع والعجائب.

عن ابن عباس أنه قال: لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وأري ما فيها وما في الأرض من العجائب رأى عبداً على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، فقال الله  له: كف عن عبادي فهم بين خلال ثلاث: إما أن أجعل منهم ذرية طيبة، أو يتوبون فأغفر لهم، أو النار من ورائهم.

وقال الأكثرون: إن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة، لأن ملك السموات والأرض لا يرى وإنما يعرف بالعقل ولو أريد نفس السموات والأرض صار لفظ الملكوت ضائعاً.

وأيضاً قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ جارٍ مجرى الشرع والتفسير لتلك الإراءة فثبت أنه استدل بتغير الأجرام وإمكانها وحدوثها على وجود الإله الواجب الحكيم.

ثم قال بالآخرة ﴿ وتلك حجتنا ﴾ والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه.

وأيضاً الإراءة بالعين تفيد العلم الضروري بالإله القادر ومثل هذه المعرفة لا توجب المدح والثواب كما للكفار في الأخرة.

وأيضاً اليقين عبارة عن تحصيل علم بالتأمل إذا كان مسبوقاً بالشك، فالمراد نري إبراهيم ليستدل بها وليكون من الموقنين، أو ليكون من الموقنين نريه، أو فعلنا ذلك وذلك أن الإراءة قد تصير سبباً للجحود لا الإيقان كما في حق فرعون ﴿ ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى  ﴾ وأيضاً الإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال، وبتقدير الإمكان لا يكون لها دوام وبقاء، وبتقدير البقاء تكون شاغلة للرائي عن الله.

أما إذا نظر بعين البصيرة في المخلوقات وعرف حدوثها وإمكانها، وعرف أن كل ممكن يحتاج إلى الصانع الحق الواجب فكأنه بهاتين المقدمتين قد طالع صفحة الملكوت بعين عقله وسمعبأذن قلبه شهادتها بالاحتياج والانقياد لله، وهذه الرؤية باقية غير زائلة ولا شاغلة عن الله بل هي شاغلة للقلب والروح بالله.

وهذه الرؤية وإن كانت حاصلة لجميع الموحدين لقوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ إلا أن الاطلاع على تفاصيل آثار حكمة الله  في كل واحد من مخلوقات هذه العوالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وعوارضها ولواحقها كما هي، لا تحصل إلا لأكابر الأنبياء ولهذا قال  في دعائه "أرني الأشياء كما هي" ثم إن الإنسان في أول استدلاله لا ينفك قلبه عن اختلاج شبهة فيه، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت كان لكل واحد منها نوع تأثير وقوة، ويكون جارياً مجرى تكرار الدرس الواحد وتزداد النفس بكل منها نوراً وإشراقاً وانبساطاً إلى أن يحصل الجزم ويكمل الإيقان وتطلع شمس العلم والعرفان إلى حيث أتيح لها من الارتقاء والتصاعد وذلك قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ قال في الكشاف: إنه معطوف على قوله ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ وقوله ﴿ وكذلك نرى ﴾ جملة وقعت اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه.

يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل.

والتركيب يدور على الستر ومنه الجنة والجن والمجنون والجنين.

وقيل: جن عليه الليل أي أظلم عليه ولأجل هذا التضمين عدي بــ"على".

وأما "أجنة" فمعناه ستره من غير تضمين معنى أظلم.

واعلم أن كثيراً من المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه.

فأمر بذبح كل غلام يولد فحملت أم إبراهيم  به وما أظهرت حملها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر فجاء جبريل  فوضع أصبعه في فيه فمصه فخرج منه رزقه، وكان يتعهده جبريل  وكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه.

وبقي في الغار حتى كبر وعرف أن له رباً فسأل الأم فقال لها: من ربي؟

فقالت: أنا.

فقال: من ربك؟

فقالت: أبوك.

فقال لأبيه: من ربك؟

فقال: ملك البلد.

فعرف إبراهيم جهلهما بربهما.

فنظر من باب ذلك الغار ليرى ما يستدل به على وجود الرب  فرأى النجم الذي كان أصغر النجوم في السماء فقال: هذا ربي إلى آخر القصة.

ثم منهم من قال: كان هذا بعد البلوغ وأوان التكليف، ومنهم من قال: كان هذا قبل البلوغ.

وأكثر المحققين على فساد هذا القول لوجوه منها: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر لا يجوز على الأنبياء بالاتفاق.

ومنها أن إبراهيم كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة لأن الله  أخبر عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد بالرفق مراراً بقوله ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر  ﴾ الآيات.

وفي هذا الموضع دعا أباه إلى التوحيد بالكلام الخشن، والدعوة بالرفق مقدمة على الدعوة بالخشونة والغلظة.

ومنها أن هذه الواقعة كانت بعد أن أراه ملكوت السموات والأرض بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فلما جن ﴾ ومنها أنه تعالى وصفه بقوله ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم  ﴾ ومدحه بقوله ﴿ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل  ﴾ أي من أول زمان الفطرة.

ومنها قوله عقيب هذه القصة ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ ولم يقل "على نفسه".

ومنها أنه قال بعد القصة ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم.

ومنها قوله ﴿ وحاجة قومه ﴾ وفيه دليل على أنه إنما اشتغل بالنظر في الكواكب بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فقال ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ رداً وتنبيهاً على فساد قولهم، ويؤكده قوله ﴿ كيف أخاف ما أشركتم ﴾ لأنه يدل على أنهم كانوا قد خوفوه بالأصنام كما في قصة هود ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء  ﴾ ومنها أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، وكان ينبغي أن يستدل أوّلاً بغروب الشمس على عدم إلهيتها ثم يبطل إلهية القمر وسائر الكواكب بالطريق الأولى، ولما لم يكن كذلك علمنا أن المقصود إلزام القوم وإفحامهم.

والابتداء بأفول الكوكب لأنه اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلعت الشمس.

ثم ههنا احتمالان: الأول أن يقال إن هذا كلام إبراهيم بعد البلوغ ولكنه ذكره بلفظهم حتى يرجع إليه فيبطله، مثاله: أن يقول في مناظرة من يزعم قدم الجسم: الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نشاهده ونراه متركباً متغيراً.

فقولك "الجسم قديم" إعادة لكلام الخصم لإلزام الحجة عليه، أو المراد هذا ربي في زعمكم واعتقادكم كقول الموحد للجسم: الإله جسم محدود أي في زعمه واعتقاده.

قال  ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ وقال ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم  ﴾ أي عند نفسك.

وكان  يقول: " يا إله الآلهة في زعمهم" .

أو المراد منه لاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام لدلالة الكلام، أو أضمر القول أي يقولون هذا ربي وإضمار القول كثير ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا  ﴾ أي يقولان ربنا ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم  ﴾ أي يقولون: ما نعبدهم ﴿ إلا ليقربونا  ﴾ أو ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء، أو أنه  قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة لم يقبلوا قوله فمال إلى الاستدراج وذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم مع أن إبراهيم كان مطمئناً بالإيمان فكان بمنزلة المكره على كلمة الكفر حيث لم يجد إلى الدعوة المأمور بها طريقاً سوى ذلك.

وإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة تعود إلى شخص واحد لقوله  ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ فلأن يجوز ذكرها لتخليص جم غفير من الكفر والعقاب الأبدي أولى.

قالت العلماء: إن المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر.

ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال حتى لو صلى وترك القتال أثم.

وإن من كان في الصلاة فرأى طفلاً أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذهما ومثل هذه الواقعة قوله ﴿ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم  ﴾ وذلك أنهم كانوا يستدلون بعلم النجوم على الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع إنه كان بريئاً عنه في الباطن ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام قال المتكلمون: إنه يصح من الله  إظهار خوارق العادات على يد من يدعي الإلهية، لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يروج التلبيس ولكنه لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوّة كاذباً لأن التلبيس يروج حينئذ فكذا ههنا قوله ﴿ هذا ربي ﴾ لا يوجب الضلال لأن دلائل بطلانه جلية وفي ذلك استدراج لهم لقبول الدليل فكان جائزاً.

الاحتمال الثاني: أنه ذكر ذلك قبل البلوغ فلعله خطر بباله لشدة ذكائه قبل بلوغه إثبات الصانع  فتفكر فرأى النجم فقال ﴿ هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ﴾ ثم إنه  أكمل بلوغه في أثناء هذا الفكر فقال عند أفول الشمس ﴿ إني بريء مما تشركون ﴾ واعلم أن القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم  ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل يربيه محتملة في الجملة، لأن الإرهاص - وهو تقديم المعجز على وقت الدعوى - جائز عندنا.

ولم يجوّزه القاضي إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله  فتكون تلك الخوارق معجزة لذلك الرسول.

قال في الكشاف: فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟

قلت الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.

وأنا أقول: الاحتجاج بالبزوغ في الآية لا يصح لأنه  بين أنه نظر إلى الكوكب وقت كونه طالعاً لا حين بزوغه ليلزم مشاهدة التغير والانتقال، وكذا إلى القمر وإلى الشمس دليله أنه لم يقل رأى القمر يبزغ بل بازغاً.

ولو سلم فإن أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص والأوساط والعوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان فكل ممكن محتاج والمحتاج لا يجوز أن يكون منقطع الحاجات فلا بد من الانتهاء إلى الواجب بالذات.

وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث وكل محدث فهو محتاج إلى القديم.

وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب، فكل كوكب يغرب فإنه يزول نوره ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن كان كذلك فإنه لا يصلح للإلهية، أقصى ما في الباب أن يقال:إن لهاتأثيرات في أحوال العالم السفلى، ولكن تلك التأثيرات لما لم تكن لها بذاتها لزم استناد الكل إلى الواجب  وهو الإله الأعظم القادر على خلق السموات والنجوم النيرات، فيجب أن يكون قادراً على خلق البشر وعلى تدبير السفليات بالطريق الأولى فلا يلزم من وضع الواسطة رفع المبدأ بحال،ويعلم من قوله ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ أنه  ليس بجسم وإلا كان غائباً عنا فكان آفلاً، وإنه لا يصح عليه المجيء والذهاب والنزول والصعود ولا الصفات المحدثة.

وفيه أن معارف الأنبياء استدلالية لا ضرورية وأنه لا سبيل إلى معرفته تعالى إلى النظر والاستدلال.

أما قوله ﴿ فلما رأى القمر بازغاً ﴾ يقال بزغ القمر أو الشمس إذا ابتدأ بالطلوع.

وأصل البزغ الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً قاله الأزهري.

وفي قوله ﴿ إن لم يهدني ربي ﴾ إشارة إلى أن الهداية ليست إلا من الله  .

والمعتزلة حملوها على التمكين وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل، وزيف بأن كل ذلك كان حاصلاً فالهداية التي كان يطلبها بعد ذلك لا بد أن تكون زائدة عليها ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ﴾ أراد هذا الطالع أو هذا المرئي، أو ذكر بتأويل الضياء والنور، أو باعتبار الخبر وهو رب مع رعاية الأدب وهو ترك التأنيث عند اللفظ الدال على الربوبية كما لم يقولوا في صفة الله علامة وإن كانت بتاء مبالغة ﴿ هذا أكبر ﴾ أي أكبر الكواكب جرماً ونوراً، وقد برهن في الهيئة على أنها مائة وستة وستون مثلاً لكرة الأرض كلها.

وإنما لم يقتصر على ذكر الشمس أوّلاً مع أنه يلزم منه عدم ربوبية ما دونها من القمر والكواكب، لأنه أراد الأخذ من الأدون إلى الأعلى لمزيد التقرير والتصوير ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ قيل: لا يلزم من نفي ربوبية النجوم نفي الشريك مطلقاً.

والجواب أن القوم لم ينازعوه إلا في الصور المذكورة، فلما أثبت أنها ليست أرباباً ثبت بالاتفاق نفي الشركاء على الإطلاق.

ومعنى ﴿ وجهت وجهي للذي فطر ﴾ وجهت عبادتي لأجله فإن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره فإنه يوجه وجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة.

وأصل الفطر الشق يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، والحنيف المائل عن كل معبود سوى الله  .

قال أبو العالية: الذي يستقبل البيت في صلاته.

ثم إن قومه حاجوه متمسكين بالتقليد تارة كقولهم ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة  ﴾ وكقولهم للرسول  ﴿ أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب  ﴾ ومخوّفين إياه بالأصنام أخرى فأجابهم بقوله ﴿ أتحاجوني في الله وقد هدان ﴾ أي لما ثبت بالدليل الموجب للهداية صحة قولي فكيف ألتفت إلى حجتكم الواهية؟

﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر ﴿ إلا أن يشاء ﴾ إلا وقت مشيئة ﴿ ربي ﴾ شيئاً يخاف.

فحذف المضاف أي إلا إن أذنبت فيشاء إنزال العقوبة بي، أو إلا أن يريد ابتلائي بمحنة، أو إلا أن يمكن بعض تلك الأصنام من ضري مثل أن يرجمني بكوكب، أو كان قد أودع فيها طلسم فيصيبني مكروه من جهته بإذن الله  ، وفائدة الاستثناء أنه لو حدث به شيء من المكاره في الأيام المستقبلة لم يحمله الحمقى والجهلة على قدرة الأصنام ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فلا يفعل إلا الخير والصلاح ﴿ أفلا تتذكرون ﴾ أن نفي الأنداد عن رب الأرباب لا يوجد حلول العقاب ونزول العذاب، وأن الصحيح لا يساوي الفاسد، والعاجز لا يساوي القادر؟

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ﴾ إذ لا سلطان فينزل.

وقيل: إنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للصلاة والدعاء، ولكنه لم يؤمر به.

والمعنى ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم إلا من في موضع الخوف؟

ثم قال ﴿ فأي الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ولم يقل "فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم" اجتناباً عن تزكية نفسه.

والغرض إني أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية، والمعنى أن الذي حصل لهم الأمن المطلق هم المستجمعون لكمال القوة النظرية وسنامه الإيمان، ولكمال القوة العلمية وهو وضع الأشياء في موضعها وإليه الإشارة بقوله ﴿ ولم يلبسوا ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم ﴿ بظلم ﴾ .

قالت الأشاعرة: شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم داخلاً في الإيمان لم يكن لهذا التقييد فائدة فثبت أن الفاسق مؤمن.

وقالت المعتزلة: شرط في حصول الأمن حصول الأمرين: الإيمان وعدم الظلم.

فوجب أن لا يحصل إلا من الفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له أبداً.

وأجيب بأن الظلم ههنا الشرك لقوله ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ واجتماعه مع الإقرار بالصانع ممكن وحينئذ يصح إطلاق اللبس بمعنى الخلط ويكون المراد: الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا له شريكاً في المعبودية، ويؤيده أن القصة وردت في نفس الأضداد والأنداد.

وأيضاً لا يلزم من عدم الأمن المطلق حصول القطع بالعذاب الأبدي.

واعلم أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للذم والإنكار كمحاجة قوم إبراهيم، وتارة تكون موجبة للمدح وذلك إذا كان الغرض تقريراً لدين الحق والمذهب الصدق كمحاجة إبراهيم من قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ إلى ههنا وإليها الإشارة بقوله ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأنه رفع يتعدى إلى واحد، ومن قرأ بالتنوين فيكون كقوله ﴿ ورفع بعضهم درجات  ﴾ وقد تقدم في البقرة، واختلف في تلك الدرجات فقيل: أعماله في الآخرة، وقيل: تلك الحجج درجات رفيعة لأنها تقتضي ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني إلى أعلى العالم الروحاني، وقيل: نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة، وفي الآخرة بالجنة والثواب.

أو نرفع درجات من نشاء بالحكمة والعلم ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ فيرفع الدرجات بمقتضى الحكمة والعلم لا لموجب التشهي والشهوة.

التأويل: رأى إبراهيم ملكوت الأشياء أي بواطنها ليكون من الموقنين عند كشفها كما كان موقناً عند كشف الضلال المودع في آزر وقومه ﴿ فلما جن عليه ﴾ ظلمة ليل البشرية أمطر سحاب العناية غيث الهداية على أرض قلبه فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه، فرأى نور الرشد في صورة الكوكب طالعاً من أفق سماء روحانيته فقال: ﴿ هذا ربي ﴾ أراد به سره المكوكب لا الكوكب وإن لم يشعر به نفسه كما قيل: هوى فؤادي ولم يعلم به بدني *** فالجسم في غربة والروح في وطن فإن كذبت النفس فيما قالت للكواكب "هذا ربي" ما كذب الفؤاد ما رأى من الكوكب.

فقال ﴿ هذا ربي ﴾ فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب قال سره ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ فلما تسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر ﴿ قال هذا ربي فلما أفل ﴾ عند رجوعه إلى أوصافه ازداد الشوق قال إن ﴿ لم يهدني ربي ﴾ برفع حجب الأوصاف ويبقني على وجود الخليقة ﴿ لأكونن من القوم الضالين ﴾ عن الحق كآزر وقومه.

فلما انخرقت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية، وأشرقت أرض القلب بنور ربها ﴿ قال هذا ربي فلما أفلت ﴾ شمس الهداية تعززاً وتعظماً ليغرب إبراهيم  عن شرك الأنانية.

إن شمس النهار تغرب بالليل *** وشمس القلوب ليست تغيب.

تبرأ عن الأضداد والأنداد ونزعته همة الخلة عن الجهات وخلصه تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال.

فقال ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ وقد يدور في الخلد أن إبراهيم صلوات الله الرحمن عليه جن عليه ظلمة الشهبة فنظر أولاً في عالم الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغير فلم يرها تصلح للإلهية، فارتقى منها إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان حكمها حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجردة، فصادفها آفلة في أفق الإمكان فلم يبقَ إلا الواجب الحق.

ومن الناس من حمل الكوكب على الحس، والقمر على الخيال، والشمس على الوهم والعقل، ومراده أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية القوة، ومدبر العالم قاهر لها مستولٍ عليها ﴿ وحاجة قومه ﴾ ليسبلوا ستور شبههم على شموس عرفانه، وقد هداني إليه بالعيان بعد توالي البرهان ﴿ إلا أن يشاء ربي شيئاً ﴾ من الخذلان وهذا محال لأنه ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فهو أعلم بأهل العرفان وبأصحاب الخذلان ﴿ ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان حتى قال لجبريل: أما إليك فلا ﴿ وتلك ﴾ يعني إراءة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والتبري عما سواه والخلاص عن شرك الأنانية والإيمان الحقيقي بالعيان حتى ارتقى من الأفعال إلى الصفات ثم إلى الذات ﴿ آتيناها إبراهيم ﴾ بذاتنا من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ بجذبات الألوهية عن حضيض الأنانية الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ﴾ .

قيل: آزر: هو اسم أبي إبراهيم،  .

والحسن يقرأ: ﴿ آزَرَ ﴾ ، بالرفع ويجعله اسم أبيه.

وقال آخرون: هو اسم صنم، فهو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر أصنامناً آلهة.

وقوله: ﴿ أَتَتَّخِذُ ﴾ .

استعظاماً لما يعبد من الأصنام دون الله؛ لأن مثل هذا إنما يقال على العظيم من الفعل.

وقال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ آزَرَ ﴾ قيل: هو اسم عيب عندهم؛ كأنه قال: يا ضال أتتخذ أصناماً آلهة؛ كقول الرجل لآخر: يا ضال.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة كان اسم أبيه أو اسم صنم.

وفي الآية دلالة أن أباه كان من رؤساء قومه بقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يشتم أباه لمكان ربه؛ لأن إبراهيم -  - سماه ضالا.

وفيه دلالة أن الإيمان والتوحيد يلزم أهل الفترة في حال الفترة؛ لأن إبراهيم -  - سماهم ضلالا وهو لم يكن في ذلك [الوقت] رسولاً، إنما بعث رسولاً من بعد، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: ضلالاً لا شك فيه ولا شبهة، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث عبد ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً  ﴾ هذا الضلال البين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ : ذكر كذلك - والله أعلم - على معنى كما أريناك ملكوت السماوات والأرض والآيات؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم.

و ﴿ نُرِيۤ ﴾ بمعنى: أرينا وذلك جائز في اللغة، و "كذلك" لا تذكر إلا على تقدم شيء، لكن الوجه فيه ما ذكرنا كما أريناك من السماوات والأرض من الآيات والحجج والبراهين؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: سلطان السماوات والأرض.

وقيل: الشمس والقمر والكواكب.

وقيل: فرجت له السماوات السبع، حتى نظر إلى ما تحت العرش وما فيهن؛ وكذلك فرجت له الأرضون حتى رأى ما فيهن.

وقيل: ﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : خَبِّئ إبراهيم -  - من الجبابرة في سرب، فجعل الله في أصابعه رزقاً، فإذا مص إصبعا من أصابعه وجد فيها رزقاً، فلما خرج أراه الله الشمس والقمر، فكان ذلك ملكوت السماوات، وملكوت الأرض: الجبال والبحار والأشجار.

وقيل: نظر إلى ملك الله فيها حتى نظر إلى مكانه ورأى الجنة، وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل الأرضين، فذلك قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا  ﴾ قال: أري مكانه في الجنة.

وقيل: أجره الثناء الحسن.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ من الملك؛ وكذلك قال أبو عبيدة، وهو كجبروت ورحموت ورهبوت؛ فكذلك ملكوت.

وأصله: ما ذكر من الآيات والعجائب، [والله أعلم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ .

الإيقان بالشيء هو العلم بالشيء حقيقة بعد الاستدلال والنظر فيه والتدبر؛ ولذلك لا يوصف الله باليقين، ولا يجوز لله -  - أن يقال: موقن؛ لما ذكرنا [أنه] هو العلم الذي يعقب الاستدلال، وذلك منفي عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ .

قيل في قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ أي: كما أريناك ملكوت ما ذكر، فقوله: ﴿ نُرِيۤ ﴾ بمعنى أرينا.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ له وجهان: أحدهما: أنه كما أريناك ما أيقنت به أن الربوبية لله، وأنه الواحد لا شريك له من الآيات والأدلة، أريناه - أيضاً - ما ذكر حتى أيقن، فهو - والله أعلم - على التسوية بين الأسباب الدالة على الوحدانية لله والربوبية في المعنى، وإن كانت لأعيانها مختلفة، وعلى أن طريق المعرفة الاستدلال بما أنشأ الله من الدلالة لا السمع والحس، وإن كان في حجة السمع تأكيد.

والثاني: أن يكون ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ ﴾ على ما أظهر من الحجج على قومه؛ وهو كقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ ، وأعطاه ما أراه وأشعر قلبه من الحجج التي ألزم قومه بها أنطق بها الله - عز وجل - لسانه ليلزم حججه خلقه، والله الموفق.

﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : الملك في الحقيقة من الوجه الذي يكون آية للإيقان ودليلا للإحاطة بالحق.

ثم اختلف في وجه ذلك: فمنهم من قال: هو ما أرى بصره، أعني: بصر الوجه؛ نحو الذي ذكر من فتح السماء حتى رأى ما فيها من العجائب والآيات إلى العرش، أو حيث قد زوى الأرض حتى رأى ما فيها من أنواع الخلق إلى الثرى، أو حيث بلغ.

ومنهم من قال: رفع إلى السماء حتى كانت الأرض بمن فيها [له] رأي العين، وكان له - صلوات الله عليه - مثل هذا من الأمور؛ نحو: أمر النار بالهجرة إلى حيث لا ضرع ولا زرع، وما جعل رزقه في أصابعه، وأمر بلوغ صوته في قوله -  -: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ  ﴾ [أن] كان على ما سمع منه، والله أعلم.

ومنهم من قال: هو ما أرى بصر قلبه من وجوه العبر وأنواع الأدلة عند التأمل في خلق الله بالفكر من غير أن كان في الخلق تغير على الأحوال التي كانت عليه، وهو أحق من يكون له في الذي كان كفاية عن حدوث أحوال تدل إذ هي حجج الله يستدل على قومه، من الوجه الذي جعل لجميع الخلق، لا من جهة خصوص آيات؛ فثبت أن ذلك كان له بهذا الوجه.

ثم هو يخرج على وجوه؛ منها: ما رأى من تسخير القمر والشمس والنجوم، وقطعها في كل يوم وليلة أطراف السماء والأرض جميعاً، ومسيرها تحت الأرض إلى أن يعود كل إلى مطلعه، يسير كل ذلك ما فوق الأرض إلى السماء، واستواء أحوال ذلك على ما عليه حد في كل عام وشهر، لا يزداد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر، مع عظيم ما بها من المنافع لأنواع دواب الأرض والطير جميعاً حتى يوقن كل متأمل أن مثل هذا لا يعمل بالطباع إلا أن يكون له مدبر حكيم جعله ذلك الطبع وسواه على ما شاء من الحد، وألا يتسق الأمر على التدبر والحكمة، إلا أن يكون مدبر ذلك، بحيث لا يحتاج إلى معين، ولا يجوز أن يكون له فيه منافع، ثم هو بذاته عليم قدير، وما في الأرض من تدبير الليل والنهار وأنهما يتعاقبان أبداً، ويسيران يقهران ما فيها من الجبابرة والفراعنة، حتى إن اجتمع جميع أهل الأرض على زيادة [في واحد] أو نقصان، أو تقديم أو تأخير؛ لما لهم من الحاجة، أو بما فيهم من القوة والقدرة مع معونة الجميع لهم في ذلك لم يتهيأ لهم، ولا بلغ توهم أحد في احتمال ذلك حتى يصير عند وجود كلٍّ كأن الآخر لم يكن قط، ثم عند العود إليهم كأنه لم يفارقهم قط، مع ما أودع أهل الأرض بهما من المنافع، وعليهم فيها أنواع مضار، ولهما سلطان على أعمارهم، على ما فيهما من أثر التسخير والتذليل الذي كل مقهور بالآخر، إذا جاء سلطانه وبلغ حده، وليس في واحد منهما امتناع عن قهر الآخر، وإن كان هو الظاهر القوي جريا جميعاً على حد واحد وسنن واحدة، ولا على ذلك على ما دل عليه الأول، مع ما فيما من [أثر العيث] [أمراً] ظاهراً لا يحتمل أن يجهله إلا سفيه معاند، والله أعلم.

ثم النور والظلمة والظل ونحو ذلك الذي يبسط بسعة جميع أطراف السماء والأرض يستر واحد كل شيء، ويبدي آخر عن كل شيء، ويحيط الثالث بكل شيء، ثم تعلق منافع الأهل بها على اختلافها، وبالسماء [و]الأرض على تباعد ما بينهما، وبالسهل والجبل [والبحر والبر] على تضاد معانيهما؛ وعلى ذلك جميع الأمور، فكان - صلوات الله عليه - بما أرى من المعنى وغيره من الموقنين أن لا إله إلا الله وجه إليه نفسه، وأن كل شيء نسب إليه الألوهية، محال أن يكون فيه وله إمكان ذلك، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

تكلموا في تأويل الآية على وجوه ثلاثة: فمنهم من جعل الأمر على ما عليه الظاهر: أنه غير عارف بربه حق المعرفة إلى أن عرف من الوجه الذي بان له عند الفراغ من آخر ما نسب إليه الربوبية أنه لا يعرف من جهة درك الحواس ووقوعها عليه، ولكن من جهة الآيات وآثار العقل، فقال: ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية، لكن أهل هذا القول اختلفوا على وجوه ثلاثة: أحدها: ما روي في التفسير أنه ربّي في السرب، ولم يكن نظر إلى شيء من خلق السماء، فنظر عن باب السرب في أوّل الليل، فرأى الزهرة بضوئها وتلألئها، وكان في علمه أن له ربا وأنه يرى، فلم ير أضوأ منها ولا أنور، فقال: هذا ربي، فلما أفل وله علم أن الرب دائم لا يزول، فقال: لا أحبّ، بمعنى: ليس هذا برب؛ كقوله: ﴿ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ  ﴾ أي: ليس لنا، وقول عيسى حيث قال: ﴿ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ  ﴾ [بمعنى]: ما قلت ذلك، لكن أهل هذا التفسير حملوا الأفول على غيبوبته بنفسه، وهو عندنا على غيبوبته في سلطان القمر [وقهر سلطان القمر] لما طلع سلطان النجم، وعنده أن الرب لا يقهر وأن سلطانه لا يزول؛ وعلى ذلك أمر القمر والشمس بظلمة الليل، وفي ذلك أنه لو كان [عنده أن الرب لا يقهر وأن سلطانه لا يزول] [وأنه لا يرى] لأنكر من ذلك الوجه أن يكون ربه بل أقر به، وأنكر الأفول والزوال، وهذا ينقض قول من يصفه بالزوال والانتقال من حال إلى حال.

ومنهم من يقول: كان هذا [منه في وقت] لم يكن جرى عليه القلم سمع الخلق يقولون في خلق السماء والأرض ونحو ذلك، وينسبون ذلك إلى الله؛ وعلى ذلك أمر جميع أهل الشرك؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ...

﴾ \[المؤمنون: 84\] إلى قوله: ﴿ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ ﴾ \[المؤمنون: 91\] ثم رآهم عبدوا الأصنام وسموها آلهة، فتأمل فوجدها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، علم أن مثلها لا يحتمل أن يكون يخلق ما ذكر، وأن الذي ذلك فعله لعلي عظيم، يجب طلب معرفته من العلو بما كان يسمع [نسبة] الملائكة إلى السماء ونزول الغيث منها، ومجيء النور والظلمة وكل أنواع البركات وغيرها منها، فصرف تدبير الطلب الذي نسب إليه الخلق إليها.

ثم أوّل ما أخذ في التأمل والنظر لم يقع بصره على أحسن وأبهى من الذي ذكر، فظنه ذلك، ثم لما قهر وقد كان علم بأن خالق من ذكر لا يجوز أن يقهر، فمن ذلك علم أنه ليس هو وقال لِمَنْ قَهَرَ، [و] ذلك إلى أن قهر الليل ضوء الشمس، وصار بحيث لا يجري له السلطان، ورأى في الكل آثار التسخير والتذليل، ولم ير فيها أعلام من [له] الأمر والخلق، فعلم أن الرب لا يدرك من ذلك الوجه، ولا يعرف من جهة الحواس، فرجع إلى ما سمع من أنه خلق السماوات والأرض، فوجه نفسه إليه بالعبودية، واعترف له بالربوبية بما في الخلق من آثار ذلك، وفي القول من تسمية من له الخلق ربا وإلها، فآمن به، وذلك كان أول أحوال احتماله علم الاستدلال وبلوغه المبلغ الذي من بلغه يجري عليه الخطاب، ولا قوة إلا بالله.

ومنهم من قال: إنه كان بالغاً قد جرى عليه القلم، وقد كان رأى ما ذكر غير مرة، لكن الله لما أراد أن يهديه ألهمه ذلك وألقاه في نفسه، فانتبه انتباه الإنسان لشيء كان عنه غافلا من قبل، فرأى كوكباً أحمر يطلع عند غروب الشمس، فراعاه إلى أن أفل، فأراد [إذن] من الله قربة، وعلم أن ربه لا يزول ولا يتغير، ففزع إليه وقال: ﴿ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ ﴾ ؛ وكذا ذكر في القمر والشمس إلى أن عرف الله، فتبرأ مما كانوا يشركون، وتوجه بالتوحيد والعبادة إليه؛ وإلى هذا التأويل ذهب الحسن.

الأول: روي عن ابن عباس  .

والثاني: قال به جماعة أهل الكلام، ونحن نتبرأ إلى الله أن نجعله رجلا بالغاً جرى عليه القلم، وهو كان - عن الله - بهذه الغفلة حتى يتوهمه في معنى نجم أو قمر أو شمس، مع ما يرى فيها الظهور بعد أن لم يكن، والأفول بعد الوجود، ثم آثار التسخير والعجز عن التدبير بما هو في جهد وبلاء، ومن له يعمل في راحة وسرور، ثم لا يرى في شيء من العالم أو له معنى يدل على رجوع التدبير إليه، فيتحقق له القول بذلك، والله يصفه بقوله: ﴿ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  ﴾ قيل: سليم من الشرك لم يشبه بشيء، وقال: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ وما يذكرونه إنما آتاه على نفسه إذ هو في الغفلة عنها، والجهل بمن له الآيات شريك قومه، وقد قال - أيضاً -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، ومعلوم أن ذلك على معاينته أو أنه قد أرى كلا منهما، ولكن على ما بينت من الوجهين وفيهما حقيقة ذلك.

وليس في قوله: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ دلالة الشك في الابتداء، أو الجهل في الحال التي يحتمل العلم به [فسمى به] عز وجل، ولكن على أنه على ذلك الوجه يكون الإيقان ممن لا يقع عليه الحواس، ولا يوجب الضرورات، إنما هو الاستدلال بالآثار أو تلقي الأخبار، ولا قوة إلا بالله.

وذلك كقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا  ﴾ لا عن وضع كان، وقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ لا أن كانوا من قبل في الظلمات، وقول يوسف -  -: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ  ﴾ لا عن كونه فيها؛ وهكذا أمر الإيقان: أن يكون العبد في كل وقت موقناً بالله، وأن لا إله غيره، لا عن شك فيما تقدمه من الوقت أو الجهل، فمثله أمر إبراهيم،  .

والوجه الثاني - مما تكلم في التأويل: أن يكون إبراهيم -  - كان مؤمناً في ذلك الوقت، عارفاً بربه حق المعرفة، ولكنه كلم قومه كلام مستدرج بإظهار المتابعة لهم على هواهم؛ فيكونون به أوثق وإليه أميل، وذلك أبلغ في الحجاج وألطف في المكيدة، فيبين لهم ما أراد من غير جهة النقض والعناد، فبدأ بتعظيم ما عظموه؛ إذ هم قوم كانوا يعظمون النجوم، وبالعلم بأمرها أخبروا نمرود بولادة من يهلك على يده هو ويزول ملكه، وهذا كما ذكر أنه نظر [نظرة] في النجوم في مقاييسها وعلمها؛ لا أنه نظر إليها، ثم قال الذي ذكر لا من حيث علم النجوم، ولكن من حيث علمه أنه يموت ومن يَمُت يسقم، لكن أراهم الموافقة في العلم الذي لهم في ذلك الباب دعوى؛ فكذلك ما نحن فيه.

وعلى ذلك أمر الند الذي كان يعبده قوم عظَّمه الحواريُّ الذي أرسل إليهم، حتى اطمأنوا إليه وصدروا عن تدبيره وبلوا بعد، وكاد يحيط بهم، فدعاهم إلى دعاء الند ليكشف لهم؛ إذ لمثله يعبد حتى أيسوا، فدعاهم إلى الله فكشف عنهم، فأمنوا به، فمثله الأول.

وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، لكنه ذكر أنهم كانوا أصحاب نجوم وكهانة، ومن ذلك قوله لا يعبد النجم ولا يراه ربا فكيف أظهر الموافقة بتسمية النجم ربا، ثم النقض عليه بالأفول؟!

ولكن ذلك لو كان فإنما كان في قوم يعبدون النجوم والشمس والقمر، فألزمهم بالأفول؛ إذ فيه تسخير وغلبة سلطان على سلطان، وهذا الوجه يجوز أن يظهر على إضمار معنى في نفسه مستقيم: كالمكره على عبادة صليب يقصد قصد عبادة الله ونحوه، والمكره على شتم محمد  يقصد قصد محمد آخر يصوره في وهمه ونحو ذلك، فهو على ما قال: ﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ على جعل ﴿ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ شرطا في نفسه في قوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا  ﴾ ، والله أعلم.

وقيل في الاستدراج من غير هذا الوجه، على التسليم أنهم أهل كهانة ونجوم، وهو أنه لما رآهم يعبدون الأصنام والأوثان، دعاهم من طريق المقابلة؛ إذ هم مالوا إلى ذلك بما رأوا من حسن ذلك في البصر، بما قد زين بأنواع الزينة وحلي بأنواع الحلي، فأراهم أنه يعبد النجم وما ذكر، وأن الذي ذكر أحسن وأعظم نوراً وضياء؛ إذ هو بجوهره ونفسه كذلك، وما كانوا يعبدون بما فعلوا به وجعلوه كذلك؛ ليكره إليهم عبادتهم الأصنام، ويستنقذهم عما اعتادوه بالمعنى الذي ذكرت، ثم ألزمهم فساد ما مالوا إليه وقبلوا منه، قبل أن يقر ذلك في قلوبهم وتطمئن إلى ذلك أنفسهم، بما أظهر من فساد أن يكون الذي بذلك الوصف من التسخير أو ملكه على شرف الزوال، أو يصير بحيث يقر في قلوبهم عبادة من لا يشهدونه وقت العبادة؛ فيلزمهم على ذلك عبادة المستحق لها.

أو أن يقول: إذا كانت النجوم وما ذكر مع ضيائها ونورها وكثرة منافع الخلق بها لم تصلح لها الألوهية عند الجميع بالأفول والتسخير، فالذي كانوا يعبدون على ما سخرهم كانوا تحت البشر أذلاء، لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع أحق ألا يكون له الربوبية، وألا توجه إليه العبودية، والله أعلم.

فهذا النوع من الاستدراج فيما لو ظهر أنهم لم يكونوا يتخذون النجوم أرباباً يعبدونها؛ وكذلك الذي ذكره القتبي.

والتأويل الثالث للآية يخرج مخرج الإنكار والاستهزاء، ويكون في ذلك معنى الاستدراج؛ إذ هو الإلزام من حيث لا يشعر به، أو نقض أسباب الشبه درجة فدرجة في حلول المقت ولزوم المقصود بتعاطي ذلك الابتداء بالكشف عن الأسباب.

ثم قيل في هذا بأوجه: أحدها: أنهم كانوا يعبدون النجوم وما ذكر، ويدعون إلى ذلك الأولاد والصبيان - وإبراهيم منهم - فيما كانوا يدعونه إليه، فقال لما رأى النجم: هذا الذي تعبدون ربي، إي: إلى عبادته تدعونني، أي: هذا ربي الذي تدعونني إلى عبادته، فلما رآه طالعاً سائحاً غائباً ثبت عنده أنه سخر، فقال: لا أحب عبادته، لكن ذا قد يكون في خاص نفسه متفكراً في الذي دعوه إليه؛ ليعرف دفع قولهم من الوجه الذي يقر ذلك في القلوب إذا قابلهم به.

وقد يكون في ملأ منهم يظهر لهم قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ على إضمار: تدعونني إليه؛ ليلزمهم بما بان له فساد الربوبية، فيكون استدراجاً أيضاً؛ لأنه ألزمهم بعد ظهور الوفاق منه لهم.

وقد يكون ذكر هذا الذي تدعونني إليه أنه ربي سرا، ويهزأ بهم بإظهار الموافقة، يبين لهم ذلك بما ألزمهم أن الابتداء لم يكن على المساعدة؛ إذ ذلك [المعنى] الذي به ألزم كان ظاهرا عنده في الابتداء وعندهم جميعاً.

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ على ما يقال: هذا فلان الذي تخبرونني عنه، بمعنى: أهذا هو؟!

على إنكار أنه ليس بالمحل الذي أخبرتموني عنه، أو على الاستفهام ليقرره عنده.

وأي الوجهين كان فقد هزئ بهم، وظهر في المتعقب أن الأول كان على الهزء بهم والإنكار، أو الاستفهام؛ وذلك كقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ  ﴾ على أنهم لم يخلقوا كخلقه، يوضح قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ في الأول: ﴿ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ ﴾ .

ويجوز أن يكون هذا أضمر في قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ ، أي: رب هذا ربي إلى آخر ما ذكر، ثم رجع إليه [عند التقرير] عندهم أنه لا يليق بالربوبية الذي ظنوا أنه ساعدهم عليه.

ثم قد بينا الدليل على أنه لم يكن كافراً في ذلك الوقت مع ما قد ثبت من عصمة الرسل عن الكبائر، فكيف يبلون بالكفر والله يقول: ﴿ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ وكل متمكن فيه الكفر شريك أمثاله، فلا وجه لتخصيص الأهل.

ثم جملة ذلك أن الله  لو أراد أن يبين حقيقة الحال، أو كانت بنا إلى معرفة حقيقة ذلك من المراد والوقت حاجة في أمر الدين - لكان يبين ذلك، أو يرد في ذلك عن [رسول الله]  لكن العلم بحقيقة ذلك إذ هو علم الشهادة بما ليس لنا، وعلينا بالوصول [عمل تكلف، ولا تكلف الشهادة بوقت القول، وهو متمكن فيه فحقه أن يتأمل وجه الحكمة في ذكر القصة وما فيها من الحجة في أمر الدين]، فهو - والله أعلم - يخرج على وجوه: أحدها: على جعل ذلك حجة لرسالة رسوله؛ إذ هو من أنباء الغيب، ونبي الله نشأ بمكة ولم يكن ثم من يعلمه ذلك، ولا فارق قومه واختلف إلى من عنده علم الأنبياء بتوارثهم كتب الأنبياء، ولا كان رسول الله  ممن يخط بيمينه أو يقف على المكتوب؛ دل أنه علمه بالله  وتعالى ، مع ما كان في القصة حجج التوحيد ودفع عبادة الأصنام وتسفيه أهل ذلك، فلم يحتمل أن يكون تعليم مثل ذلك من الدافعين لذلك المدعين على إبراهيم اليهودية والنصرانية؛ وبعد فإن كتبهم بغير لسانه، وفي العبارة بلسان [غيره] توهم الاختلاف والتغيير، فلا يحتمل الاحتجاج بمثله بما يحتمل الإنكار والدفع.

[الثاني]: وفيه استعطاف قوم رسول الله  ؛ إذ هم من ذرية إبراهيم -  - بما يدعوهم إلى دين آبائهم، مع ما كانوا هم أصحاب تقليد وحفظ آثار الآباء، فألزمهم القول في آبائهم بما لا مدفع لهم القول بغير الذي قلدوا؛ إذ إبراهيم -  - عند جميع المشركين إمام يؤتم به أحق من كل أب، مع ما كان كل مولود على دينه مذكوراً محفوظاً في الخلق، ومن خالفهم فهو ممحوق الاسم والذكر جميعاً، فكان في ذلك أعظم الدليل أن هؤلاء من الأنبياء أحق بالتقليد من الذين اتبعوه؛ وعلى ذلك اتفاق أهل الكتاب على موالاة إبراهيم من غير أن تهيأ لهم دفع ما أثبت رسول الله  من توحيده، ولا ما قرره عندهم من دينه بشيء يجدونه خلافاً لذلك في كتبهم.

والثالث: أن إبراهيم -  - صرف معرفة الرب من جهة خلقه، ودان بدينه من جهة النظر في الآيات والبحث عنها، دون أن يقلد أباه أو قومه؛ ليعرف سبيل طلب الحق ووجه اتباعه؛ ليكون ذلك تذكرة لجميع ذريته.

والرابع: أنه ذكر الخبر عن أحواله بمخرج ظاهر يوهم المكروه، وله وجه الصرف إلى ما [ليس] فيه نفار عنه للطبع، ولا يأباه للعقل؛ ليمتحن عباده بالقول فيه والوقف في أمره.

والخامس: ليعلم أن المحاجة في الدين على قدر ما تحتمله العقول لازمة؛ إذ بها أفحم إبراهيم قومه وأظهر دين ربه، فيبطل بذلك قول كثير من المسلمين الذين يكرهون المناظرة في الدين، ويرون في ذلك تقليد الإسنادين وظواهر ما جاءت به الآثار، التي في اتباع أمثالها تناقض عند العقلاء، ولا قوة إلا بالله.

والسادس: أن المناظرة تكون بوجهين: بطلب الدلالة في تثبت القول، وبإظهار الفساد بما يتمكن فيه من العيب؛ إذ هو رد ما ادعوا من الربوبية فيمن ذكر، بما في ذلك من آثار التدبير لغيره؛ وكذلك قال في الأصنام: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَنِي  ﴾ إلى آخر ما أخبر؛ فمرة أبطل قولهم بالمعنى الذي بضده احتج في ثبات قوله، [وجائز في كل ذلك أن يقول لهم]: ما الدليل على ما تدعون لما تذكرون من الربوبية؟

والسابع: جواز التسليم بإظهار الموافقة، وإن كان المسلم بحقيقة ذلك منكرا وله دافعاً، إذا كان في المساعدة بذلك في الظاهر نيل الفرصة والظفر بالبغية؛ إذ على ذلك خرجت مناظرته قومه، [وعلى ذكر] ما احتج به في قوله: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ  ﴾ إذ قال خصمه: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ  ﴾ ، وإقباله على حجة هي أوضح من ذلك وأقهر للعقل وألزم في الطبع، فقال: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ  ﴾ .

والثامن: أن يعلم أن الله لم يهمل القوم في شيء من الأزمنة دون أن يجعل لهم أدلة للحق يظفرون بها لو تأملوا، ولا ألزم خلقه في زمان من الأزمان بشيء لو بحث عنه لا يوقف عليه ولا يتهيأ له؛ ولذلك أظهر الحجج وآثار البينات؛ ليعلم أنه جعل أوامره كلها تالية الأدلة والبراهين؛ ليقطع بها عذر من تأبى نفسه القيام بها.

والتاسع: أن يعلم أنه لا أحد يقوم بالحجاج ولا ينطق بحسن البيان إلا بعطية الله وامتنانه عليه بما ينطق به لسانه ويوفقه للقيام به بقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ .

ثم العاشر: أن يكون بفضله ينال الدرجات في أمر دينه، ويرتقي إلى منازل الفضل والشرف بمشيئته؛ كما قال: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ ، وأنه متى شاء الرفع كان، والله أعلم.

وقد قال بعض أصحاب الإمامة في تأويل الآية: زعم أنهم أخذوه من شرح على أن تأويل النجم: المأذون، والقمر: اللاحق، والشمس: الإمام، بمعنى: أنه قال للمأذون: هذا ربي عنى به رب التربية رباه بالعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ أَفَلَ ﴾ .

أي: فني ما عنده رغب عنه وقال: لا أحب هذا، ثم ظفر باللاحق، ثم كذلك بالإمام، ثم توجه نحو التالي بالقبول من الرسول؛ إذ التالي عندهم هو الذي فطن ما ذكر، فلما جاوز درجة المتم - وهو الإمام - صار إلى درجة الرسالة، وهو القابل من التالي بالخيال والمصور للشرائع عندهم، فألزموا بهذا عبادة أرباب، وأن الارتفاع من درجة إلى درجة بأولئك.

وذلك أمر متناقض على المتأمل؛ لأنه لما فني ما عند المأذون صار إلى اللاحق، والمأذون كان به مأذوناً فلم يكن الثاني بما يصير إليه أحق من الأول؛ إذ لو كان به صار مأذوناً ولو كان ثم درجة أخرى، فإما أن يكون ينال تلك في الوقت الذي يلقى المأذون ذلك إلى غيره أو لا: فإن كان لا ينال فلا أسفه من المأذون؛ حيث امتنع عما يُعْليه إلى الدرجة الثانية وبلغ غيره أو ينال معه، فإذا صار هو معه في درجة المتم فكيف قال: لا أحبه، وهو آثر الذي ذلك وصفه؟!

ثم كيف قال لا أحب وذهاب ما به أخذ بحظه عن الأخذ من الآخر؟!

أو كيف صار ربه قبل أن يربيه، فلما رباه تبرأ من ربوبيته وآثر ربا آخر؟!

فإذا عاقبة شكره وسعي ربه في شأنه كفرانه به؛ وكذلك درجة فدرجة حتى يكفر بالتالي ثم بالعقل، ثم يصير إلى رب العالمين، وهو الربّ في الابتداء والانتهاء، لا رب لأحد سواه [جل عن الشركاء]؛ إذ إليه حاصل الأمر ومصير الخلق، ولو كان كل مرتق حدا يرتقي آخر لكانت تلك الحدود يكون أبدا آخرها، فيكون الكل توالى أو مطلقاً، ويبطل الأولاء والمأذونون والأئمة جميعاً، وقد كرم الله -  - عليا - كرم الله وجهه - عن هذا الخيال، وعصمه عن هذا الوسواس، والحمد لله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكما أريناه ضلال أبيه وقومه نريه ملك السماوات والأرض الواسع؛ ليستدل بذلك الملك الواسع على وحدانية الله واستحقاقه العبادة وحده؛ ليكون من الموقنين بأن الله واحد لا شريك له، وأنه قادر على كل شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.yEeR2"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله