الآية ٧٦ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٧٦ من سورة الأنعام

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ ٧٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 183 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٦ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٦ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فلما جن عليه الليل ) أي : تغشاه وستره ( رأى كوكبا ) أي : نجما ( قال هذا ربي فلما أفل ) أي : غاب .

قال محمد بن إسحاق بن يسار : " الأفول " الذهاب .

وقال ابن جرير : يقال : أفل النجم يأفل ويأفل أفولا وأفلا إذا غاب ، ومنه قول ذي الرمة .

مصابيح ليست باللواتي تقودها نجوم ، ولا بالآفلات الدوالك ويقال : أين أفلت عنا؟

بمعنى : أين غبت عنا؟

قال : ( قال لا أحب الآفلين ) قال قتادة : علم أن ربه دائم لا يزول

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما واراه الليل وغيّبه.

(37) * * * يقال منه: " جنَّ عليه الليل ", و " جنَّه الليل ", و " أجنه ", و " أجنّ عليه ".

وإذا ألقيت " على "، كان الكلام بالألف أفصح منه بغير " الألف "," أجنه الليل "، أفصح من " أجن عليه " و " جنّ عليه الليل "، أفصح من " جنَّه ", وكل ذلك مقبول مسموع من العرب.

(38) " جنّه الليل "، في أسد =" وأجنه وجنه " في تميم.

(39) والمصدر من: " جن عليه "،" جنًّا وجُنُونًا وجَنَانًا ", = ومن " أجنّ"" إجنانًا ".

ويقال: " أتى فلان في جِنّ الليل ".

(40) و " الجن " من ذلك لأنهم استجنُّوا عن أعين بني آدم فلا يرون.

وكل ما توارى عن أبصار الناس، فإن العرب تقول فيه: " قد جَنّ"، ومنه قول الهذلي: (41) وَمَـــاءٍ وَرَدْتُ قُبَيْـــلَ الكَــرَى وَقَــدْ جَنَّــهُ السَّــدَفُ الأَدْهَــمْ (42) وقال عبيد: وَخَـرْقٍ تَصِيـحُ البُومُ فِيهِ مَعَ الصَّدَى مَخُـوفٍ إذَا مَـا جَنَّـهُ اللَّيْـلُ مَرْهُوبِ (43) ومنه: " أجننت الميت "، إذا واريته في اللحد, و " جننته "، وهو نظير " جنون الليل "، في معنى غطيته.

ومنه قيل للترس " مِجَنّ" لأنه يُجنّ من استجنَّ به فيغطّيه ويواريه .

* * * وقوله: " رأى كوكبًا "، يقول: أبصر كوكبًا حين طلع =" قال هذا ربي"، فروي عن ابن عباس في ذلك, ما:- 13462 - حدثني به المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ، يعني به الشمس والقمر والنجوم =" فلما جنّ عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي"، فعبده حتى غاب, فلما غاب قال: لا أحب الآفلين = فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي ، فعبده حتى غاب، فلما غاب قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين = فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فعبدها حتى غابت، فلما غابت قال: يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ .

13463 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة : " فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ "، علم أن ربّه دائم لا يزول.

فقرأ حتى بلغ: هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ ، رأى خلقًا هو أكبرَ من الخلقين الأوّلين وأنور.

(44) وكان سبب قيل إبراهيم ذلك, ما:- 13464- حدثني به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق = فيما ذكر لنا، والله أعلم = أن آزر كان رجلا من أهل كوثى، من قرية بالسوادِ، سواد الكوفة, وكان إذ ذاك ملك المشرق النمرود، (45) فلما أراد الله أن يبعث إبراهيم [ عليه السلام، خليل الرحمن، حجة على قومه] ، (46) ورسولا إلى عباده, ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم نبيّ إلا هود وصالح، فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله ما أراد, أتى أصحابُ النجوم نمرودَ فقالوا له: تَعَلَّمْ، أنّا نجد في عِلْمنا أن غلامًا يولد في قريتك هذه يقال له " إبراهيم ", (47) يفارق دينكم، ويكسر أوثانكم، في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا .

فلما دخلت السنة التي وصف أصحابُ النجوم لنمرود, بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده = إلا ما كان من أمّ إبراهيم امرأة آزر, فإنه لم يعلم بحبَلها, وذلك أنها كانت امرأة حَدَثة، فيما يذكر، لم تعرف الحبَل في بطنها، (48) ولِمَا أرادَ الله أن يبلغ بولدها، (49) = يريدُ أن يقتل كل غلام ولد في ذلك الشهر من تلك السنة، حذرًا على ملكه.

فجعلَ لا تلد امرأة غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة، إلا أمر به فذبح.

فلما وجدت أم إبراهيم الطَّلقَ خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبًا منها, فولدت فيها إبراهيم, وأصلحت من شأنه ما يُصْنع بالمولود, (50) ثم سَدّت عليه المغارة, ثم رجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة فتنظر ما فعل, فتجده حيًّا يمصّ إبهامه, يزعمون، والله أعلم، أن الله جعل رزق إبراهيم فيها وما يجيئه من مصّه.

وكان آزر، فيما يزعمون, سأل أمّ إبراهيم عن حمْلها ما فعل، فقالت: ولدت غلامًا فمات!

فصدّقها, فسكت عنها.

وكان اليوم، فيما يذكرون، على إبراهيم في الشَّباب كالشهر، والشهر كالسنة.

فلم يلبث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرًا حتى قال لأمه: أخرجيني أنظر!

فأخرجته عِشاء فنظر، وتفكر في خلق السماوات والأرض, وقال: " إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربّي, ما لي إله غيره "!

ثم نظر في السماء فرأى كوكبًا، قال: " هذا ربي"، ثم اتّبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب, فلما أفل قال: " لا أحب الآفلين "، ثم طلع القمر فرآه بازغًا، قال: هَذَا رَبِّي ، ثم اتّبعه ببصره حتى غاب, فلما أفل قال: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ !

فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس, أعظَمَ الشمسَ, (51) ورأى شيئًا هو أعظم نورًا من كل شيء رآه قبل ذلك, فقال: هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ !

فلما أفلت قال: يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ .

ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته، وعرف ربَّه، وبرئ من دين قومه, إلا أنه لم يبادئهم بذلك.

وأخبر أنه ابنه, وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه, وأخبرته بما كانت صنعت من شأنه, فسرَّ بذلك آزر وفرح فرحًا شديدًا.

وكان آزر يصنع أصنام قومِه التي يعبدونها, ثم يعطيها إبراهيم يبيعها, فيذهب بها إبراهيم، فيما يذكرون, فيقول : " من يشتري ما يضرُّه ولا ينفعه "، فلا يشتريها منه أحد.

فإذا بارت عليه, (52) ذهب بها إلى نهر فصوَّبَ فيه رؤوسها, (53) وقال: " اشربي"، استهزاء بقومه وما هم عليه من الضلالة، حتى فشا عيبُه إياها واستهزاؤُه بها في قومه وأهل قريته, من غير أن يكون ذلك بلغ نمرودَ الملك.

(54) * * * قال أبو جعفر: وأنكر قوم من غير أهل الرواية هذا القول الذي روي عن ابن عباس وعمن روي عنه، من أن إبراهيم قال للكوكب أو للقمر: " هذا ربي"، وقالوا: غير جائز أن يكون لله نبيٌّ ابتعثه بالرسالة، أتى عليه وقتٌ من الأوقات وهو بالغٌ إلا وهو لله موحدٌ، وبه عارف، ومن كل ما يعبد من دونه برئ.

قالوا: ولو جاز أن يكون قد أتى عليه بعض الأوقات وهو به كافر، لم يجز أن يختصه بالرسالة, لأنه لا معنى فيه إلا وفي غيره من أهل الكفر به مثله, وليس بين الله وبين أحد من خلقه مناسبة، فيحابيه باختصاصه بالكرامة.

قالوا: وإنما أكرم من أكرم منهم لفضله في نفسه, فأثابه لاستحقاقه الثوابَ بما أثابه من الكرامة.

وزعموا أن خبرَ الله عن قيل إبراهيم عند رؤيته الكوكب أو القمر أو الشمس: " هذا ربي", لم يكن لجهله بأن ذلك غير جائز أن يكون ربّه، وإنما قال ذلك على وجه الإنكار منه أن يكون ذلك ربه, وعلى العيب لقومه في عبادتهم الأصنام, إذْ كان الكوكبُ والقمرُ والشمسُ أضوأ وأحسنَ وأبهجَ من الأصنام, ولم تكن مع ذلك معبودة, وكانت آفلةً زائلة غير دائمة, والأصنام التي [هي] دونها في الحسن وأصغرَ منها في الجسم, أحقُّ أن لا تكون معبودة ولا آلهة.

(55) قالوا: وإنما قال ذلك لهم، معارضةً, كما يقول أحد المتناظرين لصاحبه معارضًا له في قولٍ باطلٍ قال به بباطل من القول، (56) على وجه مطالبته إياه بالفُرْقان بين القولين الفاسدين عنده، اللذين يصحِّح خصمه أحدَهما ويدعي فسادَ الآخر.

* * * وقال آخرون منهم: بل ذلك كان منه في حال طفولته، (57) وقبل قيام الحجة عليه.

وتلك حال لا يكون فيها كفر ولا إيمان.

* * * وقال آخرون منهم: إنما معنى الكلام: أهذا ربي ؟

على وجه الإنكار والتوبيخ، أي: ليس هذا ربي.

وقالوا: قد تفعل العرب مثل ذلك, فتحذف " الألف " التي تدلّ على معنى الاستفهام.

وزعموا أن من ذلك قول الشاعر: (58) رَفَـوْنِي وَقَـالُوا: يَـا خُوَيْلِدُ, لا تُرَعْ !

فَقُلْـتُ, وأَنْكَـرْتُ الوُجُـوهَ: هُـمُ هُمُ? (59) يعني: أهم هم؟

قالوا: ومن ذلك قول أوس: (60) لَعَمْـرُكَ مَـا أَدْرِي, وَإنْ كُـنْتُ دَارِيًا, شُـعَيْثَ بـنَ سَـهْمٍ أم شُعَيْثَ بْنَ مِنْقَرِ (61) بمعنى: أشعيث بن سهم؟

فحذف " الألف "، ونظائر ذلك.

وأما تذكير " هذا " في قوله: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي ، فإنما هو على معنى: هذا الشيء الطالع ربِّي.

* * * قال أبو جعفر: وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ، الدليلُ على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم، وأنّ الصوابَ من القول في ذلك، الإقرارُ بخبر الله تعالى الذي أخبر به عنه، والإعراض عما عداه.

(62) وأما قوله: " فلما أفل "، فإن معناه: فلما غاب وذهب، كما:- 13465 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، قال ابن إسحاق: " الأفول "، الذهاب.

يقال منه: " أفل النجم يأفُلُ ويأفِلُ أفولا وأفْلا "، إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة: مَصَــابِيحُ لَيْسَـتْ بِـالَّلوَاتِي تَقُودُهَـا نُجُــومٌ, وَلا بــالآفِلاتِ الــدَّوَالِكِ (63) ويقال : " أين أفلت عنا " بمعنى: أين غبت عنا ؟

(64) ---------------------- الهوامش : (37) في المطبوعة: "داراه الليل وجنه" ، والصواب من المخطوطة.

(38) هذا بيان لا تصيبه في كتب اللغة ، فقيده هناك ، وانظر معاني القرآن للفراء 1: 341.

(39) يعني أن الأولى أشهر في لغة بني أسد ، وأن الثانية أشهر في لغة بني تميم.

(40) "جن الليل" (بكسر الجيم): اختلاط ظلمته.

(41) هو البريق الهذلي ، واسمه: "عياض بن خويلد الخناعي" ، وروى الأصمعي أن قائل الشعر هو"عامر بن سدوس الخناعي".

(42) ديوان الهذليين 3: 56 ، وما بقي من أشعار الهذليين رقم: 31 ، واللسان (سدف) (جنن) ، من أبيات يمجد فيها نفسه ، وبعد البيت: مَعِـي صَـاحِبٌ مِثْـلُ نَصْـل السِّنانِ عَنِيــفٌ عَــلَى قِرْنِــهِ مِغْشَــمُ ويروى: "وما وردت علي خيفة" ، ويروى"قبيل الصباح" ، وكله حسن.

و"السدف": الظلمة من أول الليل أو آخره ، عند اختلاط الضوء.

و"الأدهم": الضارب إلى السواد.

(43) ديوانه: 33 ، ذكر نفسه في هذا البيت ثم قال بعده: قَطَعْــتُ بِصَهْبَــاءِ السَّـرَاةِ شِـمِلَّةٍ تَـزِلُّ الوَلايَـا عَـنْ جَـوَانِبِ مَكْرُوبِ وختمها بالبيت الحكيم: تَـرَى المَـرْءَ يَصْبُـو لِلحَيَـاةِ وَطُولِهَا وَفِـي طُـولِ عَيْش المَرْءِ أَبْرَحُ تَعْذِيبِ وصدق غاية الصدق!

وكان في المطبوعة: "الليل مرهب" ، والصواب من المخطوطة.

و"الخرق" (بفتح فسكون): الفلاة الواسعة ، ورواية الديوان: "تصيح الهام" ، و"الهام" ذكر البوم ، ورواية أبي جعفر أجود ، لأن"الصدى" هو أيضًا ذكر البوم.

(44) في المطبوعة: "وأي خلق" ، وهو فاسد المعنى ، وفي المخطوطة: "وأي خلقا" ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(45) في المطبوعة: "لنمرود بن كنعان" ، وليس ذلك في المخطوطة ، ولا في تاريخ الطبري 1: 119 ، بل الذي هناك: "لنمرود الخاطئ ، وكان يقال له: الهاصر.

وكان ملكه فيما يزعمون قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها ، وكان ببابل .

.

." ، فاختصر أبو جعفر الخبر كعادته.

وهو خبر قسمه أبو جعفر في تاريخه ، فروى صدره هذا ، ثم فصل ، ثم عاد إلى حديث ابن إسحق.

(46) الزيادة بين القوسين من تاريخ أبي جعفر 1: 119.

(47) "تعلم" (بفتح التاء والعين وتشديد اللام المفتوحة) فعل أمر بمعنى: اعلم ، يكثر ورودها في سيرة ابن إسحق ، ويخطئ كثير من الناس في ضبطها من قلة معرفتهم بالكلام.

(48) "امرأة حدثة" (بفتحات): حديثة السن صغيرة ، بينة الحداثة.

والمذكر: "رجل حدث" ، أي شاب صغير.

وكان في المطبوعة: "حدبة" بالباء ، وهو خطأ صرف ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب في تاريخ الطبري.

(49) في المطبوعة: "ولما أراد الله أن يبلغ بولدها أراد أن يقتل.

.

." غير ما كان في المخطوطة ، لأنه لم يفهم سياق الكلام ، فوضع مكان"يريد" ، "أراد".

وسياق الكلام: " .

.

.

بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده .

.

.

يريد أن يقتل كل غلام .

.

." ، ووضعت العبارة الفاصلة في شأن ولدها بين خطين ، لذلك.

وقوله"ولما أراد الله .

.

." ، أي وللذي أراد الله.

وهذه الجملة ليست في تاريخ أبي جعفر ، اختصر الكلام هناك كعادته.

(50) في المطبوعة: "ما يصنع مع المولود" ، أراد الناشر ترجمة كلام أبي جعفر إلى سقم عربيته!!

، والصواب من المخطوطة والتاريخ.

(51) هكذا في المطبوعة والمخطوطة: "أعظم الشمس" ، كأنه يعني: استعظمها ، ووجدها عظيمة ، وهو صواب في المعنى ، وأما في التاريخ فهناك: "رأى عظم الشمس" ، وهو صواب أيضًا.

(52) هكذا في التاريخ ، وفي المخطوطة: "وإذا بات عليه" غير منقوطة ، فأثبت ما في التاريخ.

(53) في المطبوعة والمخطوطة: "فضرب فيه رؤوسها" ، والصواب من التاريخ.

و"صوب رؤوسها" ، نكسها.

(54) الأثر: 13464 - هذا الأثر رواه أبو جعفر في تاريخه مطولا 1: 119 ، 120.

(55) في المطبوعة والمخطوطة: "والأصنام التي دونها في الحسن" ، وفي المخطوطة: "فأحق" ، ورأيت السياق يقتضي ما أثبت ، مع زيادة [هي] بين القوسين.

(56) السياق: معارضا له .

.

.

بباطل من القول.

(57) في المطبوعة: "طفوليته" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(58) هو أبو خراش الهذلي.

(59) ديوان الهذليين 2: 144 ، الخزانة 1: 211 واللسان ، (رفأ) (رفو) ، وغيرها كثير.

هي مطلع شعر له في فرة فرها على رجليه ، فوصف ذلك وحسن فرته.

وقوله: "رفوني" ، أي: سكنوني ، كأن قلبه قد طار شعاعًا ، فضموا بعضه إلى بعض.

يقال: "رفوته من الرعب" و"رفأته".

(60) ينسب أيضًا للأسود بن يعفر النهشلي ، واللعين المنقري.

(61) سيبويه 1: 485 ، البيان والتبين 4: 40 ، 41 ، الكامل 1: 384 ، 2: 115 ، الخزانة 4: 450 ، شرح شواهد المغني: 51 ، وغيرها كثير.

قال الجاحظ: "وذكروا أن حزن بنالحارث ، أحد بني العنبر ، ولد"محجنًا" ، فولد محجن: "شعيب بن سهم" ، فأغير على إبله ، فأتى أوس بن حجر يستنجده ، فقال له أوس: أو خير من ذلك ، أحضض لك قيس بن عاصم!

وكان يقال إن"حزن بن الحارث" هو"حزن بن منقر" ، فقال أوس: سَـائِلُ بِهَـا مَـوْلاَكَ قَيْسَ بـن عَاصِمٍ فَمَـوْلاَكَ مَـوْلَى السَّـوْءِ إنْ لَـمْ يُغَيِّرِ لَعَمْـرُكَ مَـا أدْرِي: أمِنْ حـزن مِحْجَنٍ شُـعَيْثُ بـن سَـهْمٍ أمْ لِحَزْنِ بن مِنْقَرِ فَمـا أنْـتَ بـالمَوْلَى المُضَيِّـعِ حَقَّـهُ وَمَـا أنْـتَ بِالْجَـارِ الضَّعِيـفِ المُسَترِ فسعى قيس في إبله حتى ردها على آخرها".

والبيت برواية الجاحظ لا شاهد فيه.

وكان في المطبوعة في المواضع كلها: "شعيب" بالباء ، وهو خطأ.

وفي المطبوعة: "أو شعيب" والصواب"أم" كما في المخطوطة وسائر الروايات.

(62) انظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1: 341.

(63) ديوانه: 425 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 199 ، الأزمنة 2: 49 ، كتاب القرطين 1: 261 ، اللسان (دلك) ، من قصيدة طويلة ، وصف بها الإبل ، وهذا البيت من صفة الإبل."مصابيح" جمع"مصباح" ، و"المصباح" التي تصبح في مبركها لا ترعى حتى يرتفع النهار ، وهو مما يستحب من الإبل ، وذلك لقوتها وسمنها.

يقول: ليست بنجوم آفلات ، ولكنها إبل.

(64) هذا مجاز لا تكاد تجده في كتاب آخر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين قوله تعالى فلما جن عليه الليل أي ستره بظلمته ، ومنه الجنة والجنة والجنة والجنين والمجن والجن كله بمعنى الستر .

وجنان الليل ادلهمامه وستره .

قال الشاعر : ولولا جنان الليل أدرك ركضنا بذي الرمث والأرطى عياض بن ناشب ويقال : جنون الليل أيضا .

ويقال : جنه الليل وأجنه الليل لغتان .رأى كوكبا هذه قصة أخرى غير قصة عرض الملكوت عليه .

فقيل : رأى ذلك من شق الصخرة الموضوعة على رأس السرب .

وقيل : لما أخرجه أبوه من السرب وكان وقت غيبوبة الشمس فرأى الإبل والخيل والغنم فقال : لا بد لها من رب .

ورأى المشتري أو الزهرة ثم القمر ثم الشمس ، وكان هذا في آخر الشهر .

قال محمد بن إسحاق : وكان ابن خمس عشرة سنة .

وقيل : ابن سبع سنين .

وقيل : لما حاج نمروذا كان ابن سبع عشرة سنة .قوله تعالى قال هذا ربي اختلف في معناه على أقوال ; فقيل : كان هذا منه في مهلة النظر وحال الطفولية وقبل قيام الحجة ; وفي تلك الحال لا يكون كفر ولا إيمان .

فاستدل قائلو هذه المقالة بما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فعبده حتى غاب عنه ، وكذلك الشمس والقمر ; فلما تم نظره قال : إني بريء مما تشركون واستدل بالأفول لأنه أظهر الآيات على الحدوث .

وقال قوم : هذا لا يصح ; وقالوا : غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف ، ومن كل معبود سواه بريء .

قالوا : وكيف يصح أن يتوهم هذا على من عصمه الله وآتاه رشده من قبل ، وأراه ملكوته ليكون من الموقنين ، ولا يجوز أن يوصف بالخلو عن المعرفة ، بل عرف الرب أول النظر .

قال الزجاج : هذا الجواب عندي خطأ وغلط ممن قاله ; وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام وقال جل وعز : إذ جاء ربه بقلب سليم أي لم يشرك به قط .

قال : والجواب عندي أنه قال هذا ربي على قولكم ; لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر ; ونظير هذا قوله تعالى : أين شركائي وهو جل وعلا واحد لا شريك له .

والمعنى : أين شركائي على [ ص: 25 ] قولكم .

وقيل : لما خرج إبراهيم من السرب رأى ضوء الكوكب وهو طالب لربه ; فظن أنه ضوءه قال : هذا ربي أي بأنه يتراءى لي نوره .فلما أفل قال لا أحب الآفلين علم أنه ليس بربه .

فلما رأى القمر بازغا ونظر إلى ضوئه قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي وليس هذا شركا .

إنما نسب ذلك الضوء إلى ربه فلما رآه زائلا دله العلم على أنه غير مستحق لذلك ; فنفاه بقلبه وعلم أنه مربوب وليس برب .

وقيل : إنما قال هذا ربي لتقرير الحجة على قومه فأظهر موافقتهم ; فلما أفل النجم قرر الحجة وقال : ما تغير لا يجوز أن يكون ربا .

وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ويحكمون بها .

وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا ما صح عن ابن عباس أنه قال في قول الله عز وجل : نور على نور قال : كذلك قلب المؤمن يعرف الله عز وجل ويستدل عليه بقلبه ، فإذا عرفه ازداد نورا على نور ; وكذا إبراهيم عليه السلام عرف الله عز وجل بقلبه واستدل عليه بدلائله ، فعلم أن له ربا وخالقا .

فلما عرفه الله عز وجل بنفسه ازداد معرفة فقال : أتحاجوني في الله وقد هداني وقيل : هو على معنى الاستفهام والتوبيخ ، منكرا لفعلهم .

والمعنى : أهذا ربي ، أومثل هذا يكون ربا ؟

فحذف الهمزة .

وفي التنزيل أفئن مت فهم الخالدون أي أفهم الخالدون .

وقال الهذلي : رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم وقال آخر : لعمرك ما أدري وإن كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمان وقيل : المعنى هذا ربي على زعمكم ; كما قال تعالى : أين شركائي الذين كنتم تزعمون وقال : ذق إنك أنت العزيز الكريم أي عند نفسك .

وقيل : المعنى أي وأنتم تقولون هذا ربي ; فأضمر القول ، وإضماره في القرآن كثير .

وقيل : المعنى في هذا ربي ; أي هذا دليل على ربي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ } أي: أظلم { رَأَى كَوْكَبًا } لعله من الكواكب المضيئة، لأن تخصيصه بالذكر، يدل على زيادته عن غيره، ولهذا -والله أعلم- قال من قال: إنه الزهرة.

{ قَالَ هَذَا رَبِّي } أي: على وجه التنزل مع الخصم أي: هذا ربي، فهلم ننظر، هل يستحق الربوبية؟

وهل يقوم لنا دليل على ذلك؟

فإنه لا ينبغي لعاقل أن يتخذ إلهه هواه، بغير حجة ولا برهان.

{ فَلَمَّا أَفَلَ } أي: غاب ذلك الكوكب { قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ } أي: الذي يغيب ويختفي عمن عبده، فإن المعبود لا بد أن يكون قائما بمصالح من عبده، ومدبرا له في جميع شئونه، فأما الذي يمضي وقت كثير وهو غائب، فمن أين يستحق العبادة؟!

وهل اتخاذه إلها إلا من أسفه السفه، وأبطل الباطل؟!

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ) الآية ، قال أهل التفسير : ولد إبراهيم عليه السلام في زمن نمرود بن كنعان ، وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس إلى عبادته ، وكان له كهان ومنجمون ، فقالوا له : إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه ، يقال : إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء عليهم السلام .

وقال السدي : رأى نمرود في منامه كأن كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ، ففزع من ذلك فزعا شديدا ، فدعا السحرة والكهنة فسألهم عن ذلك ، فقالوا : هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة ، فيكون هلاكك وهلاك ملكك وأهل بيتك على يديه ، قالوا : فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته في تلك السنة ، وأمر بعزل الرجال عن النساء ، وجعل على كل عشرة رجال رجلا فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها ، لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض ، فإذا طهرت حال بينهما ، فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها ، فحملت بإبراهيم عليه السلام .

وقال محمد بن إسحاق : بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقرية ، فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم عليه السلام ، فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت جارية حديثة السن ، لم يعرف الحبل في بطنها .

وقال السدي : خرج نمرود بالرجال إلى معسكر ونحاهم عن النساء تخوفا من ذلك المولود أن يكون ، فمكث بذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة إلى المدينة ، فلم يأتمن عليها أحدا من قومه إلا آزر ، فبعث إليه ودعاه وقال له : إن لي حاجة أحببت أن أوصيك بها ولا أبعثك إلا لثقتي بك ، فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك ، فقال آزر : أنا أشح على ديني من ذلك ، فأوصاه بحاجته ، فدخل المدينة وقضى حاجته ، ثم قال : لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر إلى أم إبراهيم عليه السلام لم يتمالك حتى واقعها ، فحملت بإبراهيم عليه السلام .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : لما حملت أم إبراهيم قال الكهان لنمرود : إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملته أمه الليلة ، فأمر نمرود بذبح الغلمان ، فلما دنت ولادة أم إبراهيم عليه السلام وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها ، فوضعته في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء ، فرجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت ، وأن الولد في موضع كذا وكذا فانطلق أبوه فأخذه من ذلك المكان وحفر له سربا عند نهر ، فواراه فيه وسد عليه بابه بصخرة مخافة السباع ، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه .

وقال محمد بن إسحاق : لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود ، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه لتنظر ما فعل فتجده حيا يمص إبهامه .

قال أبو روق : وقالت أم إبراهيم ذات يوم لأنظرن إلى أصابعه ، فوجدته يمص من أصبع ماء ، ومن أصبع لبنا ، ومن أصبع عسلا ومن أصبع تمرا ، ومن أصبع سمنا .

وقال محمد بن إسحاق : كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل؟

فقالت : ولدت غلاما فمات ، فصدقها فسكت عنها ، وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال لأمه أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض ، وقال : إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي الذي ما لي إله غيره ، ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبا فقال : هذا ربي ، ثم أتبعه بصره لينظر إليه حتى غاب ، فلما أفل ، قال : لا أحب الآفلين ، ثم رأى القمر بازغا قال هذا ربي وأتبعه ببصره حتى غاب ، ثم طلعت الشمس هكذا إلى آخره ، ثم رجع إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك ، فأخبره أنه ابنه وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه ، وأخبرته بما كانت صنعت في شأنه فسر آزر بذلك وفرح فرحا شديدا .

وقيل : إنه كان في السرب سبع سنين ، وقيل : ثلاث عشرة سنة ، وقيل : سبع عشرة سنة ، قالوا : فلما شب إبراهيم عليه السلام ، وهو في السرب قال لأمه : من ربي؟

قالت : أنا ، قال : فمن ربك؟

قالت : أبوك ، قال : فمن رب أبي؟

قالت : نمرود ، قال : فمن ربه؟

قالت له : اسكت فسكت ، ثم رجعت إلى زوجها ، فقالت : أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك ، ثم أخبرته بما قال ، فأتاه أبوه آزر ، فقال له إبراهيم عليه السلام : يا أبتاه من ربي؟

قال : أمك ، قال : ومن رب أمي؟

قال : أنا قال : ومن ربك؟

قال : نمرود قال : فمن رب نمرود؟

فلطمه لطمة وقال له : اسكت فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فأبصر كوكبا ، قال : هذا ربي .

ويقال : إنه قال لأبويه أخرجاني فأخرجاه من السرب وانطلقا به حين غابت الشمس ، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم ، فسأل أباه ما هذه؟

فقال : إبل وخيل وغنم ، فقال : ما لهذه بد من أن يكون لها رب وخالق ، ثم نظر فإذا المشتري قد طلع ، ويقال : الزهرة ، وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فتأخر طلوع القمر فيها ، فرأى الكوكب قبل القمر ، فذلك قوله عز وجل : ( فلما جن عليه الليل ) أي : دخل ، يقال : جن الليل وأجن الليل ، وجنه الليل ، وأجن عليه الليل يجن جنونا وجنانا إذا أظلم وغطى كل شيء ، وجنون الليل سواده ، ( رأى كوكبا ) قرأ أبو عمرو ( رأى ) بفتح الراء وكسر الألف ، ويكسرهما ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ، فإن اتصل بكاف أو هاء فتحهما ابن عامر ، وإن لقيها ساكن كسر الراء وفتح الهمزة حمزة وأبو بكر ، وفتحهما الآخرون .

( قال هذا ربي ) واختلفوا في قوله ذلك : فأجراه بعضهم على الظاهر ، وقالوا : كان إبراهيم عليه السلام مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله تعالى وآتاه رشده فلم يضره ذلك في حال الاستدلال ، وأيضا كان ذلك في حال طفولته قبل قيام الحجة عليه ، فلم يكن كفرا .

وأنكر الآخرون هذا القول ، وقالوا : لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد وبه عارف ، ومن كل معبود سواه بريء وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله وطهره وآتاه رشده من قبل وأخبر عنه فقال : " إذ جاء ربه بقلب سليم " ( الصافات ، 84 ) وقال : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض " ، أفتراه أراه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبا قال : هذا ربي معتقدا؟

فهذا ما لا يكون أبدا .

ثم قالوا : فيه أربعة أوجه من التأويل : أحدها : أن إبراهيم عليه السلام أراد أن يستدرج القوم بهذا القول ويعرفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه ، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ، ويرون أن الأمور كلها إليها فأراهم أنه معظم ما عظموه وملتمس الهدى من حيث ما التمسوه ، فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجوم ليثبت خطأ ما يدعون ، ومثل هذا مثل الحواري الذي ورد على قوم يعبدون الصنم ، فأظهر تعظيمه فأكرموه حتى صدروا في كثير من الأمور عن رأيه إلى أن دهمهم عدو فشاوروه في أمره ، فقال : الرأي أن ندعو هذا الصنم حتى يكشف عنا ما قد أظلنا ، فاجتمعوا حوله يتضرعون فلما تبين لهم أنه لا ينفع ولا يدفع دعاهم إلى أن يدعوا الله فدعوه فصرف عنهم ما كانوا يحذرون ، فأسلموا .

والوجه الثاني من التأويل : أنه قاله على وجه الاستفهام تقديره : أهذا ربي؟

كقوله تعالى : ( أفإن مت فهم الخالدون ) ( الأنبياء ، 34 ) ؟

أي : أفهم الخالدون؟

وذكره على وجه التوبيخ منكرا لفعلهم ، يعني : ومثل هذا يكون ربا ؟

أي : ليس هذا ربي .

والوجه الثالث : أنه على وجه الاحتجاج عليهم ، يقول : هذا ربي بزعمكم؟

فلما غاب قال : لو كان إلها لما غاب ، كما قال : [ ذق إنك أنت العزيز الكريم ( الدخان ، 49 ) ، أي : عند نفسك وبزعمك ، وكما أخبر عن موسى أنه قال : ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ) ( طه 97 ) يريد إلهك بزعمك .

والوجه الرابع : فيه إضمار وتقديره يقولون هذا ربي ، كقوله ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا ) ، ( البقرة ، 127 ) أي : يقولون ربنا تقبل منا .

( فلما أفل قال لا أحب الآفلين ) وما لا يدوم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما جن» أظلم «عليه الليل رأى كوكبا» قيل هو الزهرة «قال» لقومه وكانوا نجامين «هذا ربي» في زعمكم «فما أفل» غاب «قال لا أحب الآفلين» أن أتخذهم أربابا لأن الرب لا يجوز عليه التغير والانتقال لأنهما من شأن الحوادث فلم ينجع فيهم ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما أظلم على إبراهيم عليه السلام الليل وغطَّاه ناظر قومه؛ ليثبت لهم أن دينهم باطل، وكانوا يعبدون النجوم.

رأى إبراهيم عليه السلام كوكبًا، فقال -مستدرجا قومه لإلزامهم بالتوحيد-: هذا ربي، فلما غاب الكوكب، قال: لا أحب الآلهة التي تغيب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ثمار تلك الإرادة التى أكرم بها نبيه إبرايهم فقال : { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبِّي } .{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل } : أى ستره بظلامه وتغشاه بظلمته ، وأصل الجن : التسر عن الحاسة .

يقال : جنه الليل وجن عليه يجن جنا وجنونا ، ومنه الجن والجنة - بالكسر - والجنة - بالفتح - وهى البستان الذى يستر بأشجاره الأرض .والمعنى : فلما ستر الليل بظلامه إبراهيم رأى كوكبا قال هذا ربى ، قال ذلك على سبيل الفرض وإرخاء العنان ، مجاراة مع عباد الأصنام والكواكب ليكر عليه بالإبطال ، ويثبت أن الرب لا يجوز عليه التغيير والانتقال .قال صاحب الكشاف : " كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب فأراد أن ينبههم على الخطأ فى دينهم ، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال .

ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها لا يصح أن يكون إلها .

لقيام دليل الحدوث فيها ، وأن وراءها محدثا أحداثها ، وصانعا صنعها ، ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها .وقول إبراهيم { هذا رَبِّي } قول من ينصف خصمة مع علمه بأنه مبطل ، فيحكى قوله كما روى غير متعصب لمذهبه ، لأن ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب ، ثم يكر عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة .وجملة { قَالَ هذا رَبِّي } مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا لسؤال ينشأ عن مضمون جملة " رأى كوكبا " وهو أن يسأل سائل : فماذا كان منه عندما رآه ، فيكون قوله : { قَالَ هذا رَبِّي } جوابا لذلك .وقوله { فَلَمَّآ أَفَلَ } أى : غاب وغرب : يقال أفل أفلا وأفولا أى : غاب .وقوله { قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين } أى : لا أحب عبادة الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال ، لأن الأفول غياب وابتعاد ، وشأن الإله الحق أن يكون دائم المراقبة لتدبير أمر عباده .وجاء بالآفلين بصيغة جمع المذكر المختص بالعقلاء بناء على اعتقاد قومه أن الكواكب عاقلة متصرفة فى الأكوان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ عطف على قوله: ﴿ قَالَ إبراهيم لاِبِيهِ ءَازَرَ ﴾ وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى ﴾ جملة وقعت اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: يقال جن عليه الليل وأجنه الليل، ويقال: لكل ما سترته جن وأجن، ويقال أيضاً جنه الليل، ولكن الاختيار جن عليه الليل، وأجنه الليل.

هذا قول جميع أهل اللغة، ومعنى ﴿ جَنَّ ﴾ ستر ومنه الجنة والجن والجنون والجان والجنين والمجن والجنن والمجن، وهو المقبور.

والمجنة كل هذا يعود أصله إلى الستر والاستتار، وقال بعض النحويين: ﴿ جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ إذا أظلم عليه الليل.

ولهذا دخلت على عليه كما تقول في أظلم.

فأما جنه فستره من غير تضمين معنى ﴿ أَظْلَمَ ﴾ .

المسألة الثالثة: اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه، فأمر ذلك الملك بذبح كل غلام يولد، فحبلت أم إبراهيم به وماأظهرت حبلها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر، فجاء جبريل عليه السلام ووضع أصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه وكان يتعهده جبريل عليه السلام، فكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه وبقي على هذه الصفة حتى كبر وعقل وعرف أن له رباً، فسأل الأم فقال لها: من ربي؟

فقالت أنا، فقال: ومن ربك؟

قالت أبوك، فقال للأب: ومن ربك؟

فقال: ملك البلد.

فعرف إبراهيم عليه السلام جهلهما بربهما فنظر من باب ذلك الغار ليرى شيئاً يستدل به على وجود الرب سبحانه فرأى النجم الذي هو أضوأ النجوم في السماء.

فقال: هذا ربي إلى آخر القصة.

ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فمنهم من قال: إن هذا كان بعد البلوغ وجريان قلم التكليف عليه، ومنهم من قال: إن هذا كان قبل البلوغ.

واتفق أكثر المحققين على فساد القول الأول واحتجوا عليه بوجوه: الحجة الأولى: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر غير جائز بالإجماع على الأنبياء.

الحجة الثانية: أن إبراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بالدليل.

والدليل على صحة ما ذكرناه أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر: ﴿ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءالِهَةً إِنّى أراك وقومك في ظلال مبين  ﴾ .

الحجة الثالثة: أنه تعالى حكى عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالرفق حيث قال: ﴿ ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  ﴾ وحكى في هذا الموضع أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن واللفظ الموحش.

ومن المعلوم أن من دعا غيره إلى الله تعالى فإنه يقدم الرفق على العنف واللين على الغلظ ولا يخوض في التعنيف والتغليظ إلا بعد المدة المديدة واليأس التام.

فدل هذا على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه إلى التوحيد مراراً وأطواراً، ولا شك أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهم نفسه.

فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن عرف الله بمدة.

الحجة الرابعة: أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه الله ملكوت السموات والأرض حتى رأى من فوق العرش والكرسي وما تحتهما إلى ما تحت الثرى، ومن كان منصبه في الدين كذلك، وعلمه بالله كذلك، كيف يليق به أن يعتقد إلهية الكواكب؟

الحجة الخامسة: أن دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من خمسة عشر وجهاً وأكثر ومع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقل العقلاء نصيباً من العقل والفهم أن يقول بربوبية الكواكب فضلاً عن أعقل العقلاء وأعلم العلماء؟

الحجة السادسة: أنه تعالى قال في صفة إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  ﴾ وأقل مراتب القلب السليم أن يكون سليماً عن الكفر، وأيضاً مدحه فقال: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالمين  ﴾ أي آتيناه رشده من قبل من أول زمان الفكرة.

وقوله: ﴿ وَكُنَّا بِهِ عالمين ﴾ أي بطهارته وكماله ونظيره قوله تعالى: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ .

الحجة السابعة: قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين ﴾ أي وليكون بسبب تلك الإراءة من الموقنين.

ثم قال بعده: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ والفاء تقتضي الترتيب، فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربه.

الحجة الثامنة: أن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومه، والدليل عليه أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ ﴾ ولم يقل على نفسه، فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد.

لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه.

الحجة التاسعة: أن القوم يقولون إن إبراهيم عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس حال ما كان في الغار، وهذا باطل.

لأنه لو كان الأمر كذلك، فكيف يقول: ﴿ يا قوم إنى بَرِئ مما تشْرِكونَ ﴾ مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم.

الحجة العاشرة: قال تعالى: ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِي الله ﴾ وكيف يحاجونه وهم بعد ما رأوه وهو ما رآهم، وهذا يدل على أنه عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فذكر قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ رداً عليهم وتنبيهاً لهم على فساد قولهم.

الحجة الحادية عشر: أنه تعالى حكى عنه أنه قال للقوم: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله ﴾ وهذا يدل على أن القوم كانوا خوفوه بالأصنام، كما حكى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ  ﴾ ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالغار.

الحجة الثانية عشرة: أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، ولا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم، ثم غربت، فكان ينبغي أن يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للآلهية، وإذا بطل بهذا الدليل صلاحية الشمس للإلهية بطل ذلك أيضاً في القمر والكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا: إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه.

أما إذا قلنا المقصود منها إلزام القوم وإلجاؤهم، فهذا السؤال غير وارد لأنه يمكن أن يقال أنه إنما اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس بعده وعلى هذا التقدير، فالسؤال غير وارد، فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال إن إبراهيم عليه السلام قال على سبيل الجزم: هذا ربي.

وإذا بطل هذا بقي هاهنا احتمالان: الأول: أن يقال هذا كلام إبراهيم عليه السلام بعد البلوغ ولكن ليس الغرض منه إثبات ربوبية الكوكب بل الغرض منه أحد أمور سبعة.

الأول: أن يقال إن إبراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي، على سبيل الأخبار، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وآلههم، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله، ومثاله: أن الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم، فيقول: الجسم قديم؟

فإذا كان كذلك، فلم نراه ونشاهده مركباً متغيراً؟

فهو إنما قال الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه، فكذا هاهنا قال: ﴿ هذا رَبّى ﴾ والمقصود منه حكاية قول الخصم، ثم ذكر غقيبه ما يدل على فساده وهو قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ وهذا الوجه هو المتعمد في الجواب، والدليل عليه: أنه تعالى دل في أول الآية على هذه المناظرة بقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ ﴾ .

والوجه الثاني في التأويل: أن نقول قوله: ﴿ هذا رَبّى ﴾ معناه هذا ربي في زعمكم واعتقادكم ونظيره أن يقول الموحد للمجسم على سبيل الاستهزاء: أن إلهه جسم محدود أي في زعمه واعتقاده قال تعالى: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكآءِيَ  ﴾ وكان صلوات الله عليه يقول: «يا إله الآلهة».

والمراد أنه تعالى إله الآلهة في زعمهم وقال: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم  ﴾ أي عند نفسك.

والوجه الثالث في الجواب: أن المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام استغناء عنه لدلالة الكلام عليه.

والوجه الرابع: أن يكون القول مضمراً فيه، والتقدير: قال يقولون هذا ربي.

وإضمار القول كثير، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل رَبَّنَا  ﴾ أي يقولون ربنا وقوله: ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى  ﴾ أي يقولون ما نعبدهم، فكذا هاهنا التقدير: إن إبراهيم عليه السلام قال لقومه: يقولون هذا ربي.

أي هذا هو الذي يدبرني ويربيني.

والوجه الخامس: أن يكون إبراهيم ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد قوماً هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء.

الوجه السادس: أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوه ولم يلتفتوا إليه، فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجة.

وذلك بأن ذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب مع أن قلبه صلوات الله عليه كان مطمئناً بالإيمان، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده وأن يقبلوا قوله وتمام التقرير أنه لما يجد إلى الدعوة طريقاً سوى هذا الطريق، وكان عليه السلام مأموراً بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر، ومعلوم أن عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان قال تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان  ﴾ فإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة بقاء شخص واحد فبأن يجوز إظهار كلمة الكفر لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر والعقاب المؤبد كان ذلك أولى وأيضاً المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر العظيم، ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فهاهنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال.

حتى لو صلى وترك القتال أثم ولو ترك الصلاة وقاتل استحق الثواب، بل نقول: أن من كان في الصلاة فرأى طفلاً أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذ ذلك الطفل أو ذلك الأعمى عن ذلك البلاء.

فكذا هاهنا أن إبراهيم عليه السلام تكلم بهذه الكلمة ليظهر من نفسه موافقة القوم حتى إذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم لذلك الدليل أتم وانتفاعهم باستماعه أكمل، ومما يقوي هذا الوجه: أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر وهو قوله: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ  فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ  فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ  ﴾ وذلك لأنهم كانوا يستدلون بعلم النجم على حصول الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع أنه كان بريئاً عنه في الباطن، ومقصوده أن يتوسل بهذا الطريق إلى كسر الأصنام، فإذا جازت الموافقة في الظاهر هاهنا.

مع أنه كان بريئاً عنه في الباطن، فلم لا يجوز أن يكون في مسألتنا كذلك؟

وأيضاً المتكلمون قالوا: إنه يصح من الله تعالى إظهار خوارق العادات على يد من يدعى الإلهية لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يحصل فيه التلبيس بسبب ظهور تلك الخوارق على يده، ولكن لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوة لأنه يوجب التلبيس فكذا هاهنا.

وقوله: ﴿ هذا رَبّى ﴾ لا يوجب الضلال، لأن دلائل بطلانه جلية وفي إظهاره هذه الكلمة منفعة عظيمة وهي استدراجهم لقبول الدليل فكان جائزاً والله أعلم.

الوجه السابع: أن القوم لما دعوه إلى عبادة النجوم فكانوا في تلك المناظرة إلى أن طلع النجم الدري فقال إبراهيم عليه السلام ﴿ هذا رَبّى ﴾ أي هذا هو الرب الذي تدعونني إليه ثم سكت زماناً حتى أفل ثم قال: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ فهذا تمام تقرير هذه الأجوبة على الاحتمال الأول وهو أنه صلوات الله عليه ذكر هذا الكلام بعد البلوغ.

أما الاحتمال الثاني: وهو أنه ذكره قبل البلوغ وعند القرب منه فتقريره أنه تعالى كان قد خص إبراهيم بالعقل الكامل والقريحة الصافية، فخطر بباله قبل بلوغه إثبات الصانع سبحانه فتفكر فرأى النجم، فقال: ﴿ هذا رَبّى ﴾ فلما شاهد حركته قال: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ ثم إنه تعالى أكمل بلوغه في أثناء هذا البحث فقال في الحال: ﴿ إِنّى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ فهذا الاحتمال لا بأس به، وإن كان الاحتمال الأول أولى بالقبول لما ذكرنا من الدلائل الكثيرة، على أن هذه المناظرة إنما جرت لإبراهيم عليه السلام وقت اشتغاله بدعوة القوم إلى التوحيد والله أعلم.

المسألة الرابعة: قرأ أبو عمرو وورش عن نافع ﴿ رئي ﴾ بفتح الراء وكسر الهمزة حيث كان، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسرهما فإذا كان بعد الألف كاف أو هاء نحو: رآك ورآها فحينئذ يكسرها حمزة والكسائي ويفتحها ابن عامر.

وروى يحيى عن أبي بكر عن عاصم مثل حمزة والكسائي فإذا تلته ألف وصل نحو: رأى الشمس، ورأى القمر.

فإن حمزة ويحيى عن أبي بكر ونصر عن الكسائي يكسرون الراء ويفتحون الهمزة والباقون يقرؤن جميع ذلك بفتح الراء والهمزة، واتفقوا في رأوك، ورأوه أنه بالفتح.

قال الواحدي: أما من فتح الراء والهمزة فعلته واضحة وهي ترك الألف على الأصل نحو: رعى ورمى.

وأما من فتح الراء وكسر الهمزة فإنه أمال الهمزة نحو الكسر ليميل الألف التي في رأى نحو الياء وترك الراء مفتوحة على الأصل.

وأما من كسرهما جميعاً فلأجل أن تصير حركة الراء مشابهة لحركة الهمزة، والواحدي طول في هذا الباب في كتاب البسيط فليرجع إليه.

والله أعلم.

المسألة الخامسة: القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم عليه السلام ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل عليه السلام يربيه كل ذلك محتمل في الجملة.

وقال القاضي: كل ما يجري مجرى المعجزات فإنه لا يجوز لأن تقديم المعجز على وقت الدعوى غير جائز عندهم، وهذا هو المسمى بالإرهاص إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله فتجعل تلك الخوارق معجزة لذلك النبي.

وأما عند أصحابنا فالإرهاص جائز فزالت الشبهة والله أعلم.

المسألة السادسة: أن إبراهيم عليه السلام استدل بأفول الكوكب على أنه لا يجوز أن يكون رباً له وخالقاً له.

ويجب علينا هاهنا أن نبحث عن أمرين: أحدهما: أن الأفول ما هو؟

والثاني: أن الأفول كيف يدل على عدم ربوبية الكوكب؟

فنقول: الأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره.

وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل، فيقول: الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث إنه حركة وعلى هذا التقدير، فيكون الطلوع أيضاً دليلاً على الحدوث، فلم ترك إبراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع وعول في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟

والجواب: لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لابد وأن يكون ظاهراً جلياً بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل.

ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق.

أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد، فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم.

وأيضاً قال بعض المحققين: الهوى في خطرة الإمكان أفول، وأحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان، وكل ممكن محتاج، والمحتاج: لا يكون مقطوع الحاجة، فلابد من الانتهاء إلى من يكون منزهاً عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال: ﴿ ا وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى  ﴾ وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث، وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر.

فلا يكون الآفل إلهاً بل الإله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل.

وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فإنه يزول نوره وينتقص ضوءه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن يكون كذلك لا يصلح للإلهية، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين.

وفيه دقيقة أخرى: وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين.

ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعداً إلى وسط السماء كان قوياً عظيماً التأثير.

أما إذا كان غريباً وقريباً من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة.

فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي، يكون ضعيف القوة، ناقص التأثير، عاجزاً عن التدبير، وذلك يدل على القدح في إلهيته، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجباً للقدح في إلهيته، والله أعلم.

أما المقام الثاني: وهو بيان أن كون الكوكب آفلاً يمنع من ربوبيته.

فلقائل أيضاً أن يقول: أقصى ما في الباب أن يكون أفوله دالاً على حدوثه إلا أن حدوثه لا يمنع من كونه رباً لإبراهيم ومعبوداً له، ألا ترى أن المنجمين وأصحاب الوسايط يقولون أن الإله الأكبر خلق الكواكب وأبدعها وأحدثها، ثم أن هذه الكواكب تخلق النبات والحيوان في هذا العالم الأسفل، فثبت أن أفول الكواكب وإن دل على حدوثها إلا أنه لا يمنع من كونها أرباباً للإنسان وآلهة لهذا العالم.

والجواب: لنا هاهنا مقامان: المقام الأول: أن يكون المراد من الرب والإله الموجود الذي عنده تنقطع الحاجات، ومتى ثبت بأفول الكواكب حدوثها، وثبت في بداهة العقول أن كل ما كان محدثاً، فإنه يكون في وجوده محتاجاً إلى الغير.

وجب القطع باحتياج هذه الكواكب في وجودها إلى غيرها، ومتى ثبت هذا المعنى امتنع كونها أرباباً وآلهة.

بمعنى أنه تنقطع الحاجات عند وجودها، فثبت أن كونها آفلة يوجب القدح في كونها أرباباً وآلهة بهذا التفسير.

المقام الثاني: أن يكون المراد من الرب والإله.

من يكون خالقاً لنا وموجداً لذواتنا وصفاتنا.

فنقول: أفول الكواكب يدل على كونها عاجزة عن الخلق والإيجاد وعلى أنه لا يجوز عبادتها وبيانه من وجوه: الأول: أن أفولها يدل على حدوثها.

وحدوثها يدل على افتقارها إلى فاعل قديم قادر ويجب أن تكون قادرية ذلك القادر أزلية.

وإلا لافتقرت قادريته إلى قادر آخر، ولزم التسلسل وهو محال، فثبت أن قادريته أزلية.

وإذا ثبت هذا فنقول: الشيء الذي هو مقدور له إنما صح كونه مقدوراً له باعتبار إمكانه والإمكان واحد في كل الممكنات.

فثبت أن ما لأجله صار بعض الممكنات مقدوراً لله تعالى فهو حاصل في كل الممكنات، فوجب في كل الممكنات أن تكون مقدروة لله تعالى.

وإذا ثبت هذا امتنع وقوع شيء من الممكنات بغيره على ما بينا صحة هذه المقامات بالدلائل اليقينة في علم الأصول.

فالحاصل أنه ثبت بالدليل أن كون الكواكب آفلة يدل على كونها محدثة، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة، وأيضاً فكونها في نفسها محدثة يوجب القول بامتناع كونها قادرة على الإيجاد والإبداع، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة.

ودلائل القرآن إنما يذكر فيها أصول المقدمات، فأما التفريع والتفصيل، فذاك إنما يليق بعلم الجدل.

فلما ذكر الله تعالى هاتين المقدمتين على سبيل الرمز لا جرم اكتفى بذكرهما في بيان أن الكواكب لا قدرة لها على الإيجاد والإبداع، فلهذا السبب استدل إبراهيم عليه السلام بأفولها على امتناع كونها أرباباً وآلهة لحوادث هذا العالم.

الوجه الثاني: أن أفول الكواكب يدل على حدوثها وحدوثها يدل على افتقارها في وجودها إلى القادر المختار، فيكون ذلك الفاعل هو الخالق للأفلاك والكواكب، ومن كان قادراً على خلق الكواكب والأفلاك من دون واسطة أي شيء كان فبأن يكون قادراً على خلق الإنسان أولى لأن القادر على خلق الشيء الأعظم لابد وأن يكون قادراً على خلق الشيء الأضعف، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس  ﴾ وبقوله: ﴿ أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بلى وَهُوَ الخلاق العليم  ﴾ فثبت بهذا الطريق أن الإله الأكبر يجب أن يكون قادراً على خلق البشر، وعلى تدبير العالم الأسفل بدون واسطة الأجرام الفلكية وإذا كان الأمر كذلك كان الاشتغال بعبادة الإله الأكبر أولى من الاشتغال بعبادة الشمس والنجوم والقمر.

الوجه الثالث: أنه لو صح كون بعض الكواكب موجدة وخالقة، لبقي هذا الاحتمال في الكل وحينئذ لا يعرف الإنسان أن خالقه هذا الكوكب.

أو ذلك الآخر أو مجموع الكواكب فيبقى شاكاً في معرفة خالقه.

أما لو عرفنا الكل وأسندنا الخلق والإيجاد والتدبير إلى خالق الكل فحينئذ يمكننا معرفة الخالق والموجد ويمكننا الاشتغال بعبادته وشكره، فثبت بهذه الوجوه أن أفول الكواكب كما يدل على امتناع كونها قديمة فكذلك يدل على امتناع كونها آلهة لهذا العالم وأرباباً للحيوان والإنسان.

والله أعلم.

فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل.

فإن قيل: لا شك أن تلك الليلة كانت مسبوقة بنهار وليل، وكان أفول الكواكب والقمر والشمس حاصلاً في الليل السابق والنهار السابق وبهذا التقرير لا يبقى للأفول الحاصل في تلك الليلة مزيد فائدة.

والجواب أنا بينا أنه صلوات الله عليه إنما أورد هذا الدليل على الأقوام الذين كان يدعوهم من عبادة النجوم إلى التوحيد.

فلا يبعد أن يقال أنه عليه السلام كان جالساً مع أولئك الأقوام ليلة من الليالي وزجرهم عن عبادة الكواكب فبينما هو في تقرير ذلك الكلام إذ وقع بصره على كوكب مضيء.

فلما أفل قال إبراهيم عليه السلام لو كان هذا الكوكب إلهاً لما انتقل من الصعود إلى الأفول ومن القوة إلى الضعف.

ثم في أثناء ذلك الكلام طلع القمر وأفل.

فأعاد عليهم ذلك الكلام، وكذا القول في الشمس، فهذا جملة ما يحضرنا في تقرير دليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.

المسألة السادسة: تفلسف الغزالي في بعض كتبه وحمل الكوكب على النفس الناطقة الحيوانية التي لكل كوكب، والقمر على النفس الناطقة التي لكل فلك، والشمس على العقل المجرد الذي لكل ذلك، وكان أبو علي بن سيناء يفسر الأفول بالإمكان، فزعم الغزالي أن المراد بأفولها إمكانها في نفسها، وزعم أن المراد من قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ أن هذه الأشياء بأسرها ممكنة الوجود لذواتها، وكل ممكن فلابد له من مؤثر، ولا بد له من الانتهاء إلى واجب الوجود.

واعلم أن هذا الكلام لا بأس به.

إلا أنه يبعد حمل لفظ الآية عليه، ومن الناس من حمل الكوكب على الحس والقمر على الخيال والوهم، والشمس على العقل، والمراد أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية، ومدبر العالم مستول عليها قاهر لها، والله أعلم.

المسألة السابعة: دل قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ على أحكام: الحكم الأول: هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسماً لكان غائباً عنا أبداً فكان آفلاً أبداً، وأيضاً يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى، وإلا لحصل معنى الأفول.

الحكم الثاني: هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلاً للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية، وإلا لكان متغيراً، وحينئذ يحصل معنى الأفول، وذلك محال.

الحكم الثالث: تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنياً على الدليل لا على التقليد، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة ألبتة.

الحكم الرابع: تدل هذه الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية، وإلا لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال.

الحكم الخامس: تدل على هذه الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل إبراهيم عليه السلام إلى هذه الطريقة والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغاً قَالَ هذا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين ﴾ .

ففيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع، وبزغت الشمس إذا بدأ منها طلوع.

ونجوم بوازغ.

قال الأزهري: كأنه مأخوذ في البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً، ومعنى الآية أنه اعتبر في القمر مثل ما اعتبر في الكوكب.

المسألة الثانية: دل قوله: ﴿ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين ﴾ على أن الهداية ليست إلا من الله تعالى.

ولا يمكن حمل لفظ الهداية على التمكن وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل.

لأن كل ذلك كان حاصلاً، فالهداية التي كان يطلبها بعد حصول تلك الأشياء لابد وأن تكون زائدة عليها.

واعلم أن كون إبراهيم عليه السلام على مذهبنا أظهر من أن يشتبه على العاقل لأنه في هذه الآية أضاف الهداية إلى الله تعالى، وكذا في قوله: ﴿ الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ وكذا في قوله: ﴿ واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام ﴾ .

أما قوله: ﴿ فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبّى هذا أَكْبَرُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: إنما قال في الشمس هذا مع أنها مؤنثة، ولم يقل هذه لوجوه: أحدها: أن الشمس بمعنى الضياء والنور، فحمل اللفظ على التأويل فذكر.

وثانيها: أن الشمس لم يحصل فيها علامة التأنيث، فلما أشبه لفظها لفظ المذكر وكان تأويلها تأويل النور صلح التذكير من هاتين الجهتين.

وثالثها: أراد هذا الطالع أو هذا الذي أراه.

ورابعها: المقصود منه رعاية الأدب، وهو ترك التأنيث عند ذكر اللفظ الدال على الربوبية.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ هذا أَكْبَرُ ﴾ المراد منه أكبر الكواكب جرماً وأقواها قوة، فكان أولى بالآلهية.

فإن قيل: لما كان الأفول حاصلاً في الشمس والأفول يمنع من صفة الربوبية، وإذا ثبت امتناع صفة الربوبية للشمس كان امتناع حصولها للقمر ولسائر الكواكب أولى.

وبهذا الطريق يظهر أن ذكر هذا الكلام في الشمس يغني عن ذكره في القمر والكواكب.

فلم لم يقتصر على ذكر الشمس رعاية للإيجاز والاختصار؟

قلنا: إن الأخذ من الأدون فالأدون، مترقياً إلى الأعلى فالأعلى، له نوع تأثير في التقرير والبيان والتأكيد لا يحصل من غيره، فكان ذكره على هذا الوجه أولى.

أما قوله: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ إِنّى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ فالمعنى أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للربوبية والإلهية، لا جرم تبرأ من الشرك.

ولقائل أن يقول: هب أنه ثبت بالدليل أن الكواكب والشمس والقمر لا تصلح للربوبية والإلهية لكن لا يلزم من هذا القدر نفي الشريك مطلقاً وإثبات التوحيد، فلم فرع على قيام الدليل على كون هذه الكواكب غير صالحة للربوبية الجزم بإثبات التوحيد مطلقاً.

والجواب: أن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشياء ليست أرباباً ولا آلهة، وثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الإطلاق.

أما قوله: ﴿ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: فتح الياء من ﴿ وَجْهِىَ ﴾ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم، والباقون تركوا هذا الفتح.

المسألة الثانية: هذا الكلام لا يمكن حمله على ظاهره.

بل المراد وجهت عبادتي وطاعتي، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره، فإنه يتوجه بوجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة.

وأما قوله: ﴿ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض ﴾ ففيه دقيقة: وهي أنه لم يقل وجهت وجهي إلى الذي فطر السموات والأرض.

بل ترك هذا اللفظ وذكر قوله: ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى ﴾ والمعنى: أن توجيه وجه القلب ليس إليه، لأنه متعال عن الحيز والجهة، بل توجيه وجه القلب إلى خدمته وطاعته لأجل عبوديته، فترك كلمة إلى هنا والاكتفاء بحرف اللام دليل ظاهر على كون المعبود متعالياً عن الحيز والجهة، ومعنى فطر أخرجهما إلى الوجود، وأصله من الشق، يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، وأما الحنيف فهو المائل قال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت في صلاته، وقيل إنه العادل عن كل معبود دون الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ءَازَرَ ﴾ اسم أبي إبراهيم عليه السلام.

وفي كتب التواريخ أنّ اسمه بالسريانية تارح.

والأقرب أن يكون وزن ﴿ ءَازَرَ ﴾ فاعل مثل تارح وعابر وعازر وشالخ وفالغ وما أشبهها من أسمائهم، وهو عطف بيان لأبيه.

وقرئ: ﴿ آزر ﴾ بالضم على النداء.

وقيل: ﴿ آزر ﴾ اسم صنم، فيجوز أن ينبز به للزومه عبادته، كما نبز ابن قيس بالرقيات اللاتي كان يشبب بهنّ، فقيل: ابن قيس الرقيات.

وفي شعر بعض المحدثين: أُدْعَى بَأَسْمَاءَ نَبْزاً في قَبَائِلِهَا ** كَأَنَّ أَسْمَاءَ أَضْحَتْ بَعْدُ أَسْمَائِي أو أريد عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقرئ: ﴿ ءأزر ﴾ تتخذ أصناماً آلهة بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاي ساكنة وراء منصوبة منونة، وهو اسم صنم.

ومعناه: أتعبد آزراً على الإنكار؟

ثم قال: تتخذ أصناماً آلهة تثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخل في حكم الإنكار، لأنه كالبيان له ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ عطف على قال إبراهيم لأبيه: وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم ﴾ جملة معترض بها بين المعطوف والمعطوف عليه.

والمعنى: مثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم ونبصره.

ملكوت السموات والأرض: يعني الربوبية والإلهية ونوفقه لمعرفتها ونرشده بما شرحنا صدره وسدّدنا نظره وهديناه لطريق الاستدلال.

وليكون من الموقنين: فعلنا ذلك.

ونروي: حكاية حال ماضية، وكان أبوه آزر وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدّ إلى أن شيئاً منها لا يصحّ أن يكون إلها، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثاً أحدثها، وصانعاً صنعها، مدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها ﴿ هذا رَبّى ﴾ قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه.

لأن ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكرّ عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ لا أحبّ عبادة الأرباب المتغيرين من حال إلى حال، المتنقلين من مكان إلى آخر، المحتجبين بستر، فإنّ ذلك من صفات الأجرام ﴿ بَازِغاً ﴾ مبتدئاً في الطلوع ﴿ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى ﴾ تنبيه لقومه على أنّ من اتخذ القمر إلها وهو نظير الكوكب في الأفول، فهو ضال، وأنّ الهداية إلى الحق بتوفيق الله ولطفه ﴿ هذا أَكْبَرُ ﴾ من باب استعمال النصفة أيضاً مع خصومه ﴿ إِنّى بَرِيء مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها ﴿ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السماوات والأرض ﴾ أي للذي دلت هذه المحدثات عليه وعلى أنه مبتدؤها ومبتدعها.

وقيل: هذا كان نظره واستدلاله في نفسه، فحكاه الله.

والأوّل أظهر لقوله: ﴿ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى ﴾ وقوله: ﴿ قَالَ ياقوم إِنّى بَرِيء مّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ .

فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟

قلت: الاحتجاج بالأفول أظهر، لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.

فإن قلت: ما وجه التذكير في قوله: ﴿ هذا رَبّى ﴾ والإشارة للشمس؟

قلت: جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شيء واحد، كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومن كانت أمك، و ﴿ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ [الأنعام: 23] وكان اختيار هذه الطريقة واجباً لصيانة الرب عن شبهة التأنيث.

ألا تراهم قالوا في صفة الله ﴿ علام ﴾ ولم يقولوا ﴿ علامة ﴾ وإن كان العلامة أبلغ، احترازاً من علامة التأنيث.

وقرئ: ﴿ تري إبراهيمَ ملكوتُ السموات والأرض ﴾ بالتاء ورفع الملكوت.

ومعناه: تبصره دلائل الربوبية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي ﴾ تَفْصِيلٌ وبَيانٌ لِذَلِكَ.

وقِيلَ عَطْفٌ عَلى قالَ إبْراهِيمُ وكَذَلِكَ نُرِيَ اعْتِراضٌ فَإنَّ أباهُ وقَوْمَهُ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ ويُرْشِدَهم إلى الحَقِّ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وجَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ سَتَرَهُ بِظَلامِهِ والكَواكِبُ كانَ الزَّهْرَةَ أوِ المُشْتَرِيَ وقَوْلُهُ: هَذا رَبِّي عَلى سَبِيلِ الوَضْعِ فَإنَّ المُسْتَدِلَّ عَلى فَسادِ قَوْلٍ يَحْكِيهِ عَلى ما يَقُولُهُ الخَصْمُ ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ بِالإفْسادِ، أوْ عَلى وجْهِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وإنَّما قالَهُ زَمانَ مُراهَقَتِهِ أوْ أوَّلَ أوانِ بُلُوغِهِ.

﴿ فَلَمّا أفَلَ ﴾ أيْ غابَ.

﴿ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِمْ فَإنَّ الِانْتِقالَ والِاحْتِجابَ بِالأسْتارِ يَقْتَضِي الإمْكانَ والحُدُوثَ ويُنافِي الأُلُوهِيَّةَ.

﴿ فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا ﴾ مُبْتَدِئًا في الطُّلُوعِ.

﴿ قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ ﴾ اسْتَعْجَزَ نَفْسَهُ واسْتَعانَ بِرَبِّهِ في دَرْكِ الحَقِّ، فَإنَّهُ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ إرْشادًا لِقَوْمِهِ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ القَمَرَ أيْضًا لِتَغَيُّرِ حالِهِ لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ، وأنَّ مَنِ اتَّخَذَهُ إلَهًا فَهو ضالٌّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)

{فلما جن عليه الليل} أي أظلم وهو عطف على قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ وقوله وَكَذَلِكَ نُرِي إبراهيم جملة اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه {رأى كَوْكَباً} أي الزهرة أو المشتري وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئاً منها ليس بإله لقيام دليل الحدوث فيها ولأن لها محدثاً أحدثها ومدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها فلما رأى الكوكب الذي كانوا يعبدونه {قَالَ هذا رَبّي} أي قال لهم هذا ربي في زعمكم أو المراد أهذا استهزاء بهم وإنكاراً عليهم والعرب تكتفى عن حرف الاستفهام بنغمة الصوت والصحيح أن هذا قول من ينصف خصمه مع علمه أنه مبطل فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه لأنه أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب ثم يكر عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة {فَلَمَّا أَفَلَ} غاب {قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين} أي لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال لأن ذلك من صفات الأجسام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ ولَحِقَ، فَإنَّ تَعْرِيفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُبُوبِيَّتَهُ ومالِكِيَّتَهُ تَعالى لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وكَوْنَ الكُلِّ مَقْهُورًا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ وكَوْنَهُ مِنَ الرّاسِخِينَ في المَعْرِفَةِ الواصِلِينَ إلى ذُرْوَةِ عَيْنِ اليَقِينِ مِمّا يَقْتَضِي بِأنْ يَحْكُمَ بِاسْتِحالَةِ أُلُوهِيَّةِ ما سِواهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأصْنامِ والكَواكِبِ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها قَوْمُهُ.

واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْصِيلًا لِما ذُكِرَ مِن إراءَةِ المَلَكُوتِ وبَيانًا لِكَيْفِيَّةِ اسْتِلالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ووُصُولِهِ إلى رُتْبَةِ الإيقانِ، والتَّرْتِيبُ ذِكْرى لِتَأخُّرِ التَّفْصِيلِ عَنِ الإجْمالِ في الذِّكْرِ.

ومَعْنى ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾ سَتَرَهُ بِظَلامِهِ، وهَذِهِ المادَّةُ بِمُتَصَرِّفاتِها تَدُلُّ عَلى السَّتْرِ.

وعَنِ الرّاغِبِ أصْلُ الجَنِّ السَّتْرُ عَنِ الحاسَّةِ، يُقالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ وجَنَّ عَلَيْهِ، فَجَنَّهُ وجَنَّ عَلَيْهِ سَتْرَهُ، وأجَنَّهُ جَعَلَ لَهُ ما يَسْتُرُهُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ رَأى كَوْكَبًا ﴾ جَوابُ (لَمّا) فَإنَّ رُؤْيَتَهُ إنَّما تَتَحَقَّقُ عادَةً بِزَوالِ نُورِ الشَّمْسِ عَنِ الحِسِّ.

وهَذا كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في ابْتِداءِ الطُّلُوعِ بَلْ كانَ بَعْدَ غَيْبَتِهِ عَنِ الحِسِّ بِطَرِيقِ الِاضْمِحْلالِ بِنُورِ الشَّمْسِ، والتَّحْقِيقُ عِنْدَهُ أنَّهُ كانَ قَرِيبًا مِنَ الغُرُوبِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الإشارَةُ إلى سَبَبِ ذَلِكَ.

والمُرادُ بِالكَوْكَبِ -فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- المُشْتَرى.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ الزُّهَرَةُ ﴿ قالَ هَذا رَبِّي ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ وإرْخاءِ العِنانِ مُجاراةً مَعَ أبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ فَإنَّ المُسْتَدِلَّ عَلى فَسادِ قَوْلٍ يَحْكِيهِ ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ بِالإبْطالِ وهَذا هو الحَقُّ الحَقِيقُ بِالقَبُولِ.

وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا مَحْذُوفًا؛ وحَذْفُ أداةِ الِاسْتِفْهامِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ قالُوا تُحِبُّها؟

قُلْتُ بَهِرًا، وقَوْلُهُ: فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هم هم ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ﴾ إنَّ المَعْنى: أفَلا اقْتَحَمَ، وجُعِلَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ ﴾ ، وقِيلَ: أنَّهُ مَقُولٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَما يُقالُ لِذَلِيلٍ سادَ قَوْمًا: هَذا سَيِّدُكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يُبْطِلَ قَوْلَهم بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ عَرَفَ مِن تَقْلِيدِهِمْ لِأسْلافِهِمْ وبُعْدِ طِباعِهِمْ عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ أنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقْبَلُوا ولَمْ يَلْتَفِتُوا فَمالَ إلى طَرِيقٍ يَسْتَدْرِجُهم إلى اسْتِماعِ الحُجَّةِ؛ وذَلِكَ بِأنْ ذَكَرَ كَلامًا يُوهِمُ كَوْنَهُ مُساعِدًا لَهم عَلى مَذْهَبِهِمْ مَعَ أنَّ قَلْبَهُ كانَ مُطَمْئِنًا بِالإيمانِ، ومَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ أنَّ يَتَمَكَّنَ مِن ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلى إبْطالِهِ وإنْ لَمْ يَقْبَلُوا.

وقَرَّرَ الإمامُ هَذا بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَجِدْ إلى الدَّعْوَةِ طَرِيقًا سِوى هَذا الطَّرِيقِ وكانَ مَأْمُورًا بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ بِمَنزِلَةِ المُكْرَهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ عِنْدَ الإكْراهِ يَجُوزُ إجْراءُ كَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى اللِّسانِ.

وإذا جازَ ذَلِكَ لِبَقاءِ شَخْصٍ واحِدٍ فَبِأنْ يَجُوزَ لِتَخْلِيصِ عالَمٍ مِنَ العُقَلاءِ عَنِ الكُفْرِ والعِقابِ المُؤَبَّدِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكَلامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن بابِ المُوافَقَةِ ظاهِرًا لِلْقَوْمِ حَتّى إذا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الدَّلِيلَ المُبْطِلَ لِقَوْلِهِمْ كانَ قَبُولُهم لَهُ أتَمَّ وانْتِفاعُهم بِاسْتِماعِهِ أكْمَلَ، ثُمَّ قالَ: ومِمّا يُقَوِّي هَذا القَوْلَ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ مِثْلَ هَذا الطَّرِيقِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ ﴾ ﴿ فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِعِلْمِ النُّجُومِ عَلى حُصُولِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ فَوافَقَهم في الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْهُ في الباطِنِ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى كَسْرِ الأصْنامِ، فَمَتى جازَتِ المُوافَقَةُ لِهَذا الغَرَضِ فَلِمَ لا تَجُوزُ في مَسْئَلَتِنا لِمِثْلِ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ القَوْمَ بَيْنَما كانُوا يَدْعُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى عِبادَةِ النُّجُومِ وكانَتِ المُناظَرَةُ بَيْنَهم قائِمَةً عَلى ساقٍ إذْ طَلَعَ النَّجْمُ، فَقالَ: هَذا َرَبِّي.

عَلى مَعْنى هَذا هو الرَّبُّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إلَيْهِ، وقِيلَ: والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ لا سِيَّما ما قَرَّرَهُ الإمامُ، وتِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ بَعْدَ البُلُوغِ ودَعْوَةِ القَوْمِ إلى التَّوْحِيدِ، وسِياقُ الآيَةِ وسِباقُها شاهِدا عَدْلٍ عَلى ذَلِكَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ قَبْلَ البُلُوغِ ولا يَلْزَمُهُ اخْتِلاجُ شَكٍّ مُؤَدٍّ إلى كُفْرٍ لِأنَّهُ لَمّا آمَنَ بِالغَيْبِ أرادَ أنْ يُؤَيِّدَ ما جَزَمَ بِهِ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعالى إلَهًا وكانَ ما يَعْبُدُهُ قَوْمُهُ لَكانَ إمّا كَذا وإمّا كَذا والكُلُّ لا يَصِحُّ لِذَلِكَ؛ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ اللَّهِ تَعالى إلَهًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ ويَأْباهُ السِّياقُ والسِّباقُ كَما لا يَخْفى.

وزُعِمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ما قالَ إذْ لَمْ يَكُنْ عارِفًا بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، والجَهْلُ حالَ الطُّفُولِيَّةِ قَبْلَ قِيامِ الحُجَّةِ لا يُضَرُّ ولا يُعَدُّ ذَلِكَ كُفْرًا مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ أصْلًا، فَقَدْ قالَ المُحَقِّقُونَ المُحِقُّونَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى رَسُولٌ يَأْتِي عَلَيْهِ وقْتٌ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وهو لِلَّهِ تَعالى مُوَحِّدٌ وبِهِ عارِفٌ ومِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ بَرِيءٌ.

وقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خُصُوصًا في صِغَرِهِ ما لا يُتَوَهَّمُ مَعَهُ شائِبَةٌ مِمّا يُناقِضُ ذَلِكَ فالوَجْهُ الأوَّلُ لا غَيْرَ.

ولَعَلَّ سُلُوكَ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ في بَيانِ اسْتِحالَةِ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ دُونَ بَيانِ اسْتِحالَةِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ كَما قِيلَ لِما أنَّ هَذا أخْفى بُطْلانًا واسْتِحالَةً مِنَ الأوَّلِ، فَلَوْ صَدَعَ بِالحَقِّ مِن أوَّلِ الأمْرِ كَما فَعَلَهُ في حَقِّ عِبادَةِ الأصْنامِ لَتَمادَوْا في المُكابَرَةِ والعِنادِ ولَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، وكانَ تَقْدِيمُ بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ عَلى ما ذُكِرَ مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الخَفِيِّ إلى الأخْفى، وقِيلَ: إنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ فاتَّخَذُوا لِكُلِّ كَوْكَبٍ صَنَمًا مِنَ المَعادِنِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ كالذَّهَبِ لِلشَّمْسِ والفِضَّةِ لِلْقَمَرِ لِيَتَقَرَّبُوا إلَيْها فَكانَ الصَّنَمُ كالقِبْلَةِ لَهم فَأنْكَرَ أوَّلًا عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ ثُمَّ أبْطَلَ مُنْشَآتِها وما نُسِبَتْ إلَيْهِ مِنَ الكَواكِبِ بِعَدَمِ اسْتِحْقاقِها لِذَلِكَ أيْضًا، ولَعَلَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَها اسْتِقْلالًا دُونَ تَأْثِيرِ الأصْنامِ ولِهَذا تَعَرَّضَ لِبُطْلانِ الإلَهِيَّةِ في الأصْنامِ والرُّبُوبِيَّةِ فِيها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ مِن طَرِيقِ البُخارِيِّ (رَإي) بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ حَيْثُ كانَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ (رِئِي) بِكَسْرِ الرّاءِ والهَمْزَةِ ﴿ فَلَمّا أفَلَ ﴾ أيْ غَرَبَ ﴿ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ 67 - أيِ الأرْبابَ المُنْتَقِلِينَ مِن مَكانٍ إلى مَكانِ المُتَغَيِّرِينَ مِن حالٍ إلى حالٍ، ونَفْيُ المَحَبَّةِ قِيلَ إشارَةٌ إلى نَفْيِ اعْتِقادِ الرُّبُوبِيَّةِ وكَنّى بَعْضُهم بِعَدَمِ المَحَبَّةِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن نَفْيِها نَفْيُها بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وقَدَّرَ بَعْضُهم في الكَلامِ مُضافًا أيْ لا أُحِبُّ عِبادَةَ الآفِلِينَ، وأيًّا ما كانَ فَمُبْتَدَأُ الِاشْتِقاقُ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ لِأنَّ الأقْوالَ انْتِقالٌ واحْتِجابٌ وكُلٌّ مِنها يُنافِي اسْتِحْقاقَ الرُّبُوبِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ الَّتِي هي مِن مُقْتَضَياتِ الرُّبُوبِيَّةِ لِاقْتِضاءِ ذَلِكَ الحُدُوثِ والإمْكانِ المُسْتَحِيلَيْنِ عَلى الرَّبِّ المَعْبُودِ القَدِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي وقال: هذا بغير فكرة.

فكان ذلك منه زلة.

ويقال: إنما قال ذلك على سبيل الاستفهام أهذا ربي؟

فَلَمَّا أَفَلَ يعني: غاب الكوكب قالَ: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ يعني: لا أحب ربنا يتغير عن حاله ويزول فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً يعني: طالعاً.

ويقال: إن ذلك كان في وقت السحر، وكان ذلك في آخر الشهر.

فرأى كوكباً يعني: الزهرة، حين طلعت، وكان من أضوء الكواكب.

فلما ارتفع وطلع الفجر نقص ضوءه قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ يعني: لا أحب ربنا يتغير.

فلما رأى القمر فرأى ضوءه أكثر قالَ هذا رَبِّي على سبيل الاستفهام فَلَمَّا أَفَلَ يعني: نقص ضوءه حين أسفر الصبح قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ يعني: لئن لم يحفظ ربي قلبي.

لقد كنت اتخذت إلها ما لم يكن إلهاً فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً يعني: طالعة قد ملأت كل شيء ضوءاً ف قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ يعني: أعظم وأكثر نوراً فَلَمَّا أَفَلَتْ يعني: غربت.

علم أنه ليس بإله.

فجاءته أمه فقال لها: من ربي؟

قالت: أنا.

قال: ومن ربك؟

قالت: أبوك.

قال: ومن رب أبي؟

قالت: نمرود بن كنعان.

قال: ومن ربه؟

قالت له: اسكت.

فقال لها: كيف هو؟

هل يأكل ويشرب وينام؟

قالت: نعم.

قال: هذا لا يصلح أن يكون ربًّا وإلها.

فرجعت الأم إلى أب إبراهيم، فأخبرته بالقصة فخرج إليه فسأله مثل ذلك.

ثم قال له في آخره: تعال حتى تعبد الذي خلقني وخلقك وخلق نمرود.

فغضب أبوه، فرجع عنه، ثم دخلت عليه رأفة الوالد لولده، فرجع إليه.

وقال له: ادخل المِصْر لتكون معنا، فدخل فرأى القوم يعبدون الأصنام.

فدعوه إلى عبادة الأصنام ف قالَ لهم حينئذ: يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ فقيل له من تَعْبُد أنت يا إبراهيم؟

فقال أعبد الله الذي خلقني وخلق السموات والأرض.

فذلك قوله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ يعني: أخلصت ديني وعملي لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ يعني: خلق السموات وَالْأَرْضَ حَنِيفاً يقول: إني وجهت وجهي مخلصاً مستقيماً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ على دينكم.

ويقال: إن قوله هذا رَبِّي قال ذلك لقومه على جهة الاستهزاء بهم.

كما قَالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: 63] ويقال: أراد بهذا أن يستدرجهم فيظهر قبيح فعلهم، وخطأ مذهبهم وجهلهم.

لأنهم كانوا يعبدون النجوم والشمس، والقمر.

فَلَماَّ رَأَى الكوكب قال لهم: هذا رَبِّي.

وأظهر لهم أنه يعبد ما يعبدون.

فلما غاب الكوكب قال لهم: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فأخبرهم بأن الآفل لا يصلح أن يكون إلها.

ثم قال في الشمس والقمر هكذا.

كما روي عن عيسى-  - أنه بعث رسولاً إلى ملك أرض.

فلما انتهى إليهم، جعل يسجد ويصلي عند الصنم ويريهم أنه يعبد الصنم، وهو يريد عبادة الله تعالى.

ثم إن الملك ظهر له عدو.

فقالوا لهذا الرسول: أشر علينا بشيء في هذا الأمر.

فقال: نتشفع إلى هذا الذي نعبده.

فجعلوا يسجدون له ويتشفعون إليه، فلا يسمعون منه جواباً.

فقالوا: إنه لا ينفعنا شيئاً.

قال لهم: لم تعبدون من لا يدفع عنا ضراً؟

ارجعوا حتى نعبد من ينفعنا.

فقالوا لمن نعبد؟

قال: لرب السماء.

فجعل يدعو ويدعون حتى فرّج، الله عنهم.

فآمن به بعضهم.

وكذلك هاهنا أراد إبراهيم-  - أن يريهم قبح ما يعبدون مِن دُونِ الله، لعلهم يرجعون فلما لم يرجعوا قال يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ قرأ حمزة والكسائي رَأى كَوْكَباً بكسر الراء والألف، وهي لغة لبعض العرب والنصب أفصح.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مكانه في الجنَّة، وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْر، وسلمانُ الفارسيُّ «١» ، وقيل: هي رؤيةَ بَصرٍ في ظاهر الملكوت، وقع له معها من الاعتبارِ ورؤيةِ القَلْب: ما لم يقعْ لأحد من أهل زمنه الذين بُعِثَ إليهم قاله ابن عباس «٢» وغيره، وقيل: هي رؤية قَلْب، رأى بها ملكوتَ السمواتِ والأرضِ بفكرته ونظره، ومَلَكُوتَ: بناءُ مبالغةٍ، وهو بمعنى المُلْك، والعربُ تقول: لفلانٍ مَلَكُوتُ اليَمَنِ، أي: مُلْكُه، واللام في: لِيَكُونَ: متعلِّقة بفعلٍ مؤخَّر، تقديره: وليكونَ من الموقنين، أَرَيْنَاهُ، والمُوقُنِ: العالِمُ بالشيء علماً لا يمكنُ أنْ يطرأ له فيه شك، وروي عن ابنِ عبَّاس في تفسير: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ قال: جلى له الأمورَ سرَّها وعلانيتَها، فلم يَخْفَ عليه شيْءٌ من أعمال الخلائق «٣» ، فلما جعل يلْعَنُ أصحابَ الذنوبِ، قال اللَّه له: إنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ هذا، فَرَدَّه لا يرى أعمالهم.

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)

وقوله سبحانه: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ...

الآية: جَنَّ اللَّيْلُ: ستَرَ وغطى بظلامه، ذهب ابن عباس/ وناسٌ كثيرون إلى أنَّ هذه القصة وقعَتْ في حال صباه وقبل البلوغ والتكليفِ «٤» ، ويحتملُ أنْ تكون وقعتْ له بعد بلوغه وكونه مكلَّفاً، وحكى الطبريُّ هذا عَنْ فرقةٍ، وقالتْ: إنه استفهم قومَهُ على جهة التوقيفِ والتوبيخِ، أي:

هذا ربِّي، وحكي أن النمرودَ جَبَّارَ ذلك الزمان رأى له منجِّموه أنَّ مولوداً يُولَدُ في سَنَةِ كذا في عمله يكون خَرَابُ المُلْك على يديه، فجعل يَتَتَبَّعُ الحبالى، ويوكِّل بهن حُرَّاساً، فمن وضَعَتْ أنثى، تُركَتْ، ومَنْ وضعتْ ذكَراً، حمل إلى المَلِك فذَبَحه، وأن أمَّ إبراهيمَ حَمَلَتْ، وكانَتْ شابَّة قويةً، فسَتَرَتْ حملها، فلما قربت ولادتُها، بعثَتْ أبا إبراهيم إلى

سَفَر، وتحيَّلت لمضيِّه إليه، ثم خرجَتْ هي إلى غارٍ، فولدَتْ فيه إبراهيم، وتركته في الغار، وكانَتْ تتفقَّده فوجدَتْه يتغذى بأنْ يمصَّ أصابعه، فيخرج له منها عسلٌ وسَمْنٌ ونحو هذا، وحُكِيَ: بل كان يغذِّيه مَلَكٌ، وحُكِيَ: بل كانَتْ أمه تأتيه بألبان النِّساء التي ذُبِحَ أبناؤهن، واللَّه أعلم، أيُّ ذلك كان، فشبَّ إبراهيم أضعافَ ما يشب غيره، والمَلِكُ في خلالِ ذلك يحسُّ بولادته، ويشدِّد في طلبه، فمكَثَ في الغار عَشَرَةَ أعوامٍ، وقيل: خمسَ عَشْرة سنةً، وأنه نظر أول ما عَقَل من الغارِ، فرأى الكواكِبَ، وجرَتْ قصة الآية، واللَّه أعلم «١» .

فإن قلنا بأنه وقعَتْ له القصّة في الغار في حال الصّبوة، وعدمِ التكليفِ على ما ذهب إليه بعض المفسّرين، ويحتمله اللفظ، فذلك ينفسم على وجْهين: إما أنْ يجعل قوله:

هذا رَبِّي تصميماً واعتقادا، وهذا باطلٌ لأن التصميم على الكُفْر لم يقع من الأنبياء- صلوات اللَّه عليهم-، وإما أنْ نجعله تعريضاً للنظر والاستدلال كأنه قال: أَهَذَا المُنِيرُ البهيُّ ربِّي إن عضّدت ذلك الدلائل.

وإنا قلنا إن القصَّة وقَعَتْ له في حال كِبَرِهِ، وهو مكلَّف، فلا يجوز أنْ يقولَ هذا مصمِّماً ولا مُعَرِّضاً للنظر لأنها رتبة جهلٍ أو شكٍّ، وهو- عليه السلام- منزَّه معصوم من ذلك كلِّه فلم يبق إلاَّ أنْ يقولها على جهة التَّقْرير لقومه والتوبيخ لهم، وإقامةِ الحُجَّة عليهم في عبادة الأصنام كأنه قال: أَهَذَا المُنِيرُ ربِّي، وهو يريد: على زعمكم كما قال تعالى:

أَيْنَ شُرَكائِيَ [النحل: ٢٧] ، أي: على زعمكم، ثم عَرَضَ إبراهيم عليهم مِنْ حَرَكَة الكوكب وأفولِهِ أَمارةَ الحدوث، وأنه لا يصلحُ أن يكون ربًّا، ثم في آخر أعظم منه وأحرى كذلك، ثم في الشَّمْس كذلك فكأنه يقول: فإذا بان في هذه المُنِيرَاتِ الرفيعةِ أنها لا تصلح للربوبيَّة، فأصنامكم التي هي خشبٌ وحجارةٌ أحرى أنْ يبين ذلك فيها ويَعْضُدُ عندي هذا التأويلَ قولُهُ: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، قلت: وإلى ترجيحِ هذا أشار عِيَاضٌ في «الشفا» قال: وذهب معظمُ الحُذَّاق من العلماء والمفسرين إلى أن إبراهيم إنما قال ذلك مبكِّتاً لقومه، ومستدلاًّ عليهم.

قال ع «٢» : ومَثَّلَ لهم بهذه الأمور لأنهم كانوا أصْحَابَ علْمِ نجومٍ ونظرٍ في الأفلاك، وهذا الأمر كلُّه إنما وقع في ليلةٍ واحدةٍ، رأى الكوكب، وهو الزّهرة في قول

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾ اللَّهُ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وأجَنَّهُ اللَّيْلُ: إذا أظْلَمَ، حَتّى يُسْتَرَ بِظُلْمَتِهِ؛ ويُقالَ لَكُلِّ ما سُتِرَ: جِنَّ، وأجَنَّ والِاخْتِيارُ أنْ يُقالَ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ اللَّيْلُ.

الإشارَةُ إلى بَدْءِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وُلِدَ إبْراهِيمُ في زَمَنٍ نَمْرُوذُ، وكانَ، لِنَمْرُوذَ كُهّانٌ، فَقالُوا لَهُ: يُولَدُ في هَذِهِ السَّنَةِ مَوْلُودٌ يُفْسِدُ آَلِهَةَ أهْلِ الأرْضِ، ويَدْعُوهم إلى غَيْرِ دِينِهِمْ، ويَكُونُ هَلاكُ أهْلِ بَيْتِكَ عَلى يَدِهِ، فَعَزَلَ النِّساءَ عَنِ الرِّجالِ، ودَخَلَ آَزَرُ إلى بَيْتِهِ، فَوَقَعَ عَلى زَوْجَتِهِ، فَحَمَلَتْ فَقالَ الكُهّانُ لِنَمْرُوذَ: إنَّ الغُلامَ قَدْ حُمِلَ بِهِ اللَّيْلَةَ.

فَقالَ: كُلٌّ مَن ولَدَتْ غُلامًا فاقْتُلُوهُ.

فَلَمّا أخَذَ أمَّ إبْراهِيمَ المَخاضُ، خَرَجَتْ هارِبَةً، فَوَضَعَتْهُ في نَهْرٍ يابِسٍ، ولَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ، ثُمَّ وضَعَتْهُ في حَلْفاءَ، وأخْبَرَتْ بِهِ أباهُ، فَأتاهُ، فَحَفَرَ لَهُ سِرْبًا، وسَدَّ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَكانَتْ أُمُّهُ تَخْتَلِفُ إلَيْهِ فَتُرْضِعُهُ، حَتّى شَبَّ وتَكَلَّمَ، فَقالَ لَأُمِّهِ: مَن رَبِّي؟

فَقالَتْ: أنا.

قالَ: فَمَن رَبُّكِ؟

قالَتْ: أبُوكَ.

قالَ: فَمَن رَبُّ أبِي؟

قالَتِ: اسْكُتْ.

فَسَكَتَ، فَرَجَعَتْ إلى زَوْجِها، فَقالَتْ: إنَّ الغُلامَ الَّذِي كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهُ يُغَيِّرُ دِينَ أهْلِ الأرْضِ، ابْنُكَ.

فَأتاهُ، فَقالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.

فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، دَنا مِن بابِ السِّرْبِ، فَنَظَرَ فَرَأى كَوْكَبًا.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "رَأى" بِفَتْحِ الرّاءِ والهَمْزَةِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "رَأى"؛ بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.

"رَأى"، بِكَسْرِ الرّاءِ والهَمْزَةِ، واخْتَلَفُوا فِيها إذا لَقِيَها ساكِنٌ، وهو آَتٍ في سِتَّةِ مَواضِعَ: ﴿ رَأى القَمَرَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ ﴾ وفي النَّحْلِ ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا  ﴾ ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا  ﴾ وفي الكَهْفِ: ﴿ وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ  ﴾ وفي الأحْزابِ: ﴿ وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ  ﴾ .

وَقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ إلّا العَبْسِيُّ، وخَلْفٌ في اخْتِيارِهِ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ في الكُلِّ، ورَوى العَبْسِيُّ كَسْرَةَ الهَمْزَةِ، أيْضًا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو؛ وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: بِفَتْحِ الرّاءِ والهَمْزَةِ.

فَإنِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمُكَنًّى، نَحْوُ: رَآَكَ، ورَآَهُ ورَآَها؛ فَإنَّ حَمْزَةَ، والكِسائِيَّ، وخَلْفَ، والوَلِيدَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، والمُفَضَّلَ، وأبانَ والقَزّازَ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ، والكِسائِيَّ عَنْ أبِي بَكْرٍ: يَكْسِرُونَ الرّاءَ، ويُمِيلُونَ الهَمْزَةَ.

وَفِي الكَوْكَبِ الَّذِي رَآَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الزَّهْرَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: المُشْتَرى، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ هَذا رَبِّي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ.

رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هَذا رَبِّي، فَعَبَدَهُ حَتّى غابَ، وعَبَدَ القَمَرَ حَتّى غابَ، وعَبَدَ الشَّمْسَ حَتّى غابَتْ؛ واحْتَجَّ أرْبابُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى نَوْعِ تَحْيِيرٍ، قالُوا: وإنَّما قالَ هَذا في حالِ طُفُولَتِهِ عَلى ما سَبَقَ إلى وهْمِهِ، قَبْلَ أنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ دَلِيلٌ.

وَهَذا القَوْلُ لا يُرْتَضى، والمُتَأهِّلُونَ لَلنُّبُوَّةِ مَحْفُوظُونَ مِن مِثْلِ هَذا عَلى كُلِّ حالٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ﴾ فَما زالَ الأنْبِياءُ يَسْألُونَ الهُدى، ويَتَضَرَّعُونَ في دَفْعِ الضَّلالِ عَنْهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ  ﴾ ولِأنَّهُ قَدْ آَتاهُ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ، وأراهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ لَيَكُونَ مُوقِنًا، فَكَيْفَ لا يَعْصِمُهُ عَنْ مِثْلِ هَذا التَّخْيِيرِ؟!

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَلْحُجَّةِ، لِيَعِيبَ آَلِهَتِهِمْ ويُرِيَهم بُغْضَها عِنْدَ أُفُولِها، ولا بُدَّ أنْ يُضْمِرَ في نَفْسِهِ: إمّا عَلى زَعْمِكم، أوْ فِيما تَظُنُّونَ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: " أين شُرَكائِي "، وإمّا أنْ يُضْمِرَ: يَقُولُونَ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا  ﴾ أيْ: يَقُولانِ ذَلِكَ، ذَكَرَ نَحْوَ هَذا أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ، ويَكُونُ مُرادُهُ اسْتِدْراجَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، كَما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ أنَّهُ نَزَلَ بِقَوْمٍ يَعْبُدُونَ صَنَمًا، فَأظْهَرَ تَعْظِيمَهُ، فَأكْرَمُوهُ، وصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ، فَدَهَمَهم عَدُوٌّ، فَشاوَرَهم مَلِكُهم، فَقالَ: نَدْعُو إلَهَنا لَيَكْشِفَ ما بِنا، فاجْتَمَعُوا يَدْعُونَهُ، فَلَمْ يَنْفَعْ، فَقالَ هاهُنا إلَهٌ نَدْعُوهُ، فَيَسْتَجِيبُ، فَدَعَوُا اللَّهَ، فَصَرَفَ عَنْهم ما يَحْذَرُونَ، وأسْلَمُوا.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ مُسْتَفْهِمًا، تَقْدِيرُهُ: أهَذا رَبِّي؟

فَأُضْمِرَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ  ﴾ ؟

أيْ: أفْهُمُ الخالِدُونَ؟

قالَ الشّاعِرُ: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطٍ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالًا أرادَ: أكْذَبَتْكَ؟

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا القَوْلُ شاذٌّ، لِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ لا يُضْمَرُ إذْ كانَ فارِقًا بَيْنَ الإخْبارِ والِاسْتِخْبارِ؛ وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ أنَّهُ إشارَةٌ إلى الصّانِعِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: كانُوا أصْحابَ نُجُومٍ، فَقالَ: هَذا رَبِّي، أيْ: هَذا الَّذِي يُدَبِّرُنِي، فاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ أنَّ هَذا الَّذِي تَزْعُمُونَ أنَّهُ مُدَبِّرٌ، لا نَرى فِيهِ إلّا أثَرَ مُدَّبَرٍ و"أفَلَ" بِمَعْنى: غابَ؛ يُقالُ: أفَلَ النَّجْمُ يَأْفِلُ ويَأْفُلُ أُفُولًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ أيْ: حُبُّ رَبٍّ مَعْبُودٍ، لِأنَّ ما ظَهَرَ وأفَلَ كانَ حادِثًا مُدَبَّرًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضالِّينَ ﴾ هَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَلَمّا"؛ رابِطَةُ جُمْلَةِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها؛ وهي تُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ بِالمَلَكُوتِ هو هَذا التَفْصِيلُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ؛ و"جَنَّ اللَيْلُ": سَتَرَ وغَطّى بِظَلامِهِ؛ ويُقالُ: "أجَنَّ"؛ والأوَّلُ أكْثَرُ؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ "اَلْجِنُّ"؛ و"اَلْمِجَنُّ"؛ و"اَلْجَنَّةُ"؛ و"اَلْجَنَنُ" - وهو القَبْرُ -؛ مُشْتَقَّةً مِن "جَنَّ"؛ إذا سَتَرَ.

ولَفْظُ هَذِهِ القِصَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وقَعَتْ لَهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - في حالِ صِباهُ؛ وقَبْلَ بُلُوغِهِ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ فَإنَّهُ قالَ: رَأى كَوْكَبًا فَعَبَدَهُ؛ وقالَ ناسٌ كَثِيرٌ: إنَّ النازِلَةَ قَبْلَ البُلُوغِ؛ والتَكْلِيفِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وقَعَتْ لَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ؛ وكَوْنِهِ مُكَلَّفًا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا عن فِرْقَةٍ؛ وقالَتْ: إنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ قالَ: وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ: هُمُ هُمُ؟

يُرِيدُ: "أهم هُمْ؟"؛ وكَما قالَ الآخَرُ: لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ ∗∗∗ شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنقَرِ؟

يُرِيدُ: "أشُعَيْثُ؟".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَيْتُ الأوَّلُ لا حُجَّةَ فِيهِ عِنْدِي.

وقَدْ حُكِيَ أنَّ نَمْرُودَ؛ جَبّارَ ذَلِكَ الزَمَنِ؛ رَأى مُنَجِّمُوهُ أنَّ مَوْلُودًا يُولَدُ في سَنَةِ كَذا؛ في عَمَلِهِ يَكُونُ خَرابُ المُلْكِ عَلى يَدَيْهِ؛ فَجَعَلَ يَتْبَعُ الحَبالى؛ ويُوكِلُ بِهِنَّ حُرّاسًا؛ فَمَن وضَعَتْ أُنْثى تُرِكَتْ؛ ومَن وضَعَتْ ذَكَرًا حُمِلَ إلى المَلِكِ فَذَبَحَهُ؛ وأنَّ أُمَّ إبْراهِيمَ حَمَلَتْ - وكانَتْ شابَّةً قَوِيَّةً - فَسَتَرَتْ حَمْلَها؛ فَلَمّا قَرُبَتْ وِلادَتُها بَعَثَتْ تارَحَ؛ أبا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ إلى سَفَرٍ؛ وتَحَيَّلَتْ لِمُضِيِّهِ إلَيْهِ؛ ثُمَّ خَرَجَتْ هي إلى غارٍ؛ فَوَلَدَتْ فِيهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وتَرَكَتْهُ في الغارِ؛ وقَدْ هَيَّأتْ عَلَيْهِ؛ وكانَتْ تَتَفَقَّدُهُ؛ فَتَجِدُهُ يَغْتَذِي بِأنْ يَمُصَّ أصابِعَهُ؛ فَيَخْرُجُ لَهُ مِنها عَسَلٌ؛ وسَمْنٌ؛ ونَحْوُهُما؛ وحُكِيَ: بَلْ كانَ يُغَذِّيهِ مَلَكٌ؛ وحُكِيَ: بَلْ كانَتْ تَأْتِيهِ بِألْبانِ النِساءِ اللاتِي ذُبِحَ أبْناؤُهُنَّ؛ فَشَبَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - أضْعافَ ما يَشِبُّ غَيْرُهُ؛ والمَلِكُ في خِلالِ ذَلِكَ يُحِسُّ بِوِلادَتِهِ؛ ويُشَدِّدُ في طَلَبِهِ؛ فَمَكَثَ في الغارِ عَشَرَةَ أعْوامٍ؛ وقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وأنَّهُ نَظَرَ - أوَّلَ ما عَقَلَ - مِنَ الغارِ؛ فَرَأى الكَوْكَبَ؛ وجَرَتْ قِصَّةُ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَلَبْتُ هَذِهِ القِصَصَ بِغايَةِ الِاخْتِصارِ في اللَفْظِ؛ وقَصَدْتُ اسْتِيفاءَ المَعانِي الَّتِي تَخُصُّ الآيَةَ؛ ويَضْعُفُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ في الغارِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ - في آخِرِها: ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ  ﴾ ؛ وهي ألْفاظٌ تَقْتَضِي مُحاجَّةً؛ ورَدًّا عَلى قَوْمٍ؛ وحالُهُ في الغارِ بَعِيدَةٌ عن مِثْلِ هَذا؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ في ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَها بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ؛ أيْ قالَ في نَفْسِهِ مَعْنى العِبارَةِ عنهُ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ  ﴾ ؛ وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ: ثُمَّ انْثَنى وقالَ في التَفْكِيرِ ∗∗∗ ∗∗∗ إنَّ الحَياةَ اليَوْمَ في الكُرُورِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَعَ هَذا فالمُخاطَبَةُ تُبْعِدُهُ؛ ولَوْ قالَ: "يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإشْراكِ"؛ لَصَحَّ هَذا التَأْوِيلُ؛ وقَوِيَ؛ فَإنْ قُلْنا بِأنَّهُ وقَعَتْ لَهُ القِصَّةُ في الغارِ؛ في حالِ الصَبْوَةِ؛ وعَدَمِ التَكْلِيفِ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ ويَحْتَمِلُهُ اللَفْظُ؛ فَذَلِكَ يَنْقَسِمُ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: "هَذا رَبِّي"؛ تَصْمِيمًا واعْتِقادًا؛ وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ التَصْمِيمَ لَمْ يَقَعْ مِنَ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ -؛ وإمّا أنْ يُجْعَلَ تَعْرِيضًا لِلنَّظَرِ؛ والِاسْتِدْلالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَذا المُنِيرُ البَهِيُّ رَبِّي"؛ إنْ عَضَّدَتْ ذَلِكَ الدَلائِلُ؛ ويَجِيءُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - كَما قالَ اللهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى  ﴾ ؛ أيْ: مُهْمَلَ المُعْتَقَدِ؛ وإنْ قُلْنا بِأنَّ القِصَّةَ وقَعَتْ لَهُ في حالِ كُفْرِهِ؛ وهو مُكَلَّفٌ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: "هَذا رَبِّي"؛ مُصَمِّمًا؛ ولا مُعَرِّضًا لِلنَّظَرِ؛ لِأنَّها رُتْبَةُ جَهْلٍ؛ أو شَكٍّ؛ وهو - عَلَيْهِ السَلامُ - مُنَزَّهٌ؛ مَعْصُومٌ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَقُولَها - عَلَيْهِ السَلامُ - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لِقَوْمِهِ؛ والتَوْبِيخِ لَهُمْ؛ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ؛ كَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: "أهَذا المُنِيرُ رَبِّي؟"؛ أو "هَذا رَبِّي"؛ وهو يُرِيدُ: "عَلى زَعْمِكُمْ"؛ كَما قالَ تَعالى ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ  ﴾ ؛ فَإنَّما المَعْنى: "عَلى زَعْمِكُمْ"؛ ثُمَّ عَرَّضَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - عَلَيْهِمْ؛ مِن حَرَكَتِهِ؛ وأُفُولِهِ؛ أمارَةَ الحُدُوثِ؛ وأنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ رَبًّا؛ ثُمَّ في آخَرَ أعْظَمَ مِنهُ؛ وأحْرى كَذَلِكَ؛ ثُمَّ في الشَمْسِ كَذَلِكَ؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: "فَإذا بانَ في هَذِهِ المُنِيراتِ الرَفِيعَةِ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ؛ فَأصْنامُكُمُ الَّتِي هي خَشَبٌ؛ وحِجارَةٌ؛ أحْرى أنَّ يَبِينَ ذَلِكَ فِيها"؛ ويُعَضِّدُ عِنْدِي هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ  ﴾ .

ومَثَّلَ لَهم - عَلَيْهِ السَلامُ - بِهَذِهِ الأُمُورِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ عِلْمِ نُجُومٍ؛ ونَظَرٍ في الأفْلاكِ؛ وهَذا الأمْرُ كُلُّهُ إنَّما وقَعَ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ؛ أيِ الكَوْكَبَ - وهو "اَلزُّهْرَةُ"؛ في قَوْلِ قَتادَةَ ؛ وقالَ السُدِّيُّ: وهو "اَلْمُشْتَرِي" - جانِحًا لِلْغُرُوبِ؛ فَلَمّا أفَلَ بَزَغَ القَمَرُ؛ وهو أوَّلُ طُلُوعِهِ؛ فَسَرى اللَيْلُ أجْمَعُ؛ فَلَمّا بَزَغَتِ الشَمْسُ زالَ ضَوْءُ القَمَرِ قَبْلَها؛ لِانْتِشارِ الصَباحِ؛ وخَفِيَ نُورُهُ؛ ودَنا أيْضًا مِن مَغْرِبِهِ؛ فَسُمِّيَ ذَلِكَ "أُفُولًا"؛ لِقُرْبِهِ مِنَ الأُفُولِ التامِّ؛ عَلى تَجَوُّزٍ في التَسْمِيَةِ؛ ثُمَّ بَزَغَتِ الشَمْسُ عَلى ذَلِكَ؛ وهَذا التَرْتِيبُ يَسْتَقِيمُ في اللَيْلَةِ الخامِسَةَ عَشَرَةَ مِنَ الشَهْرِ؛ إلى عِشْرِينَ؛ ولَيْسَ يَتَرَتَّبُ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ - كَما أجْمَعَ أهْلُ التَفْسِيرِ - إلّا في هَذِهِ اللَيالِي؛ وبِذَلِكَ التَجَوُّزِ في أُفُولِ القَمَرِ؛ و"أفَلَ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ مَعْناهُ: "غابَ"؛ يُقالُ: "أيْنَ أفَلْتَ عَنّا يا فُلانُ"؛ وقِيلَ: مَعْناهُ "ذَهَبَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا خِلافٌ في عِبارَةٍ فَقَطْ؛ وقالَ ذُو الرُمَّةِ: مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَواتِي تَقُودُها ∗∗∗ ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَوالِكِ وَقالَ: "اَلْآفِلِينَ"؛ فَجَمَعَ بِالياءِ؛ والنُونِ؛ لَمّا قَصَدَ الأرْبابَ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ وعَلى هَذا يُخَرَّجُ قَوْلُهُ في الشَمْسِ: "هَذا رَبِّي"؛ فَذَكَّرَ الإشارَةَ إلَيْها لَمّا قَصَدَ رَبَّهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "رَأى"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ والهَمْزَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الفَتْحِ؛ والكَسْرِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ بِكَسْرِهِما؛ وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ بِفَتْحِ الراءِ؛ وكَسْرِ الهَمْزَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلْبُزُوغُ"؛ في هَذِهِ الأنْوارِ: أوَّلُ الطُلُوعِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيما تَدْعُو إلَيْهِ ألْفاظُ الآيَةِ؛ وكَوْنِ هَذا التَرْتِيبِ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ؛ مِنَ التَجَوُّزِ في أُفُولِ القَمَرِ؛ لِأنَّ أُفُولَهُ لَوْ قَدَّرْناهُ "مَغِيبَهُ في المَغْرِبِ"؛ لَكانَ ذَلِكَ بَعْدَ بُزُوغِ الشَمْسِ؛ وجَمِيعُ ما قُلْناهُ يُعْطِيهِ الِاعْتِبارُ.

و"يَهْدِنِي": "يُرْشِدْنِي"؛ وهَذا اللَفْظُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: اَلنّازِلَةُ في حالِ الصِغَرِ؛ والقَوْمُ الضالُّونَ: عَبَدَةُ المَخْلُوقاتِ؛ كالأصْنامِ؛ وغَيْرِها؛ وإنْ كانَ الضَلالُ أعَمَّ مِن هَذا؛ فَهَذا هو المَقْصُودُ في هَذا المَوْضِعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ فلمَّا جنّ ﴾ تفريع على قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 75] بقرينة قوله: ﴿ رأى كوكباً ﴾ فإنّ الكوكب من ملكوت السماوات، وقولِه في المعطوف عليه ﴿ نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 75].

فهذه الرؤية الخاصّة التي اهتدى بها إلى طريق عجيب فيه إبكات لقومه مُلجئ إيّاهم للاعتراف بفساد معتقدهم، هي فرع من تلك الإراءة التي عمَّت ملكوت السماوات والأرض، لأنّ العطف بالفاء يستدعي مزيد الاتِّصال بين المعطوف والمعطوف عليه لما في معنى الفاء من التفريع والتسبّب، ولذلك نعُدّ جعل الزمخشري ﴿ فلما جنّ ﴾ عطفاً على ﴿ قال إبراهيم لأبيه ﴾ [الأنعام: 74]، وجعْله ما بينهما اعتراضاً، غيرَ رشيق.

وقوله: ﴿ جَنّ عليه الليل ﴾ أي أظلم الليل إظلاماً على إبراهيم، أي كان إبراهيم محوطاً بظلمة الليل، وهو يقتضي أنَّه كان تحت السَّماء ولم يكن في بيت.

ويؤخذ من قوله بعده ﴿ قال يا قوم إنِّي بريء مِمَّا تشركون ﴾ أنَّه كان سائراً مع فريق من قومه يشاهدون الكواكب، وقد كان قوم إبراهيم صابئين يعبدون الكواكب ويصوّرون لها أصناماً.

وتلك ديانة الكلدانيين قوم إبراهيم.

يقال: جَنَّة الليل، أي أخفاه، وجَنان الليل بفتح الجيم، وجنُّه: ستره الأشياء المرئية بظلامه الشديد.

يقال: جنَّة الليل، وهو الأصل.

ويقال: جَنّ عليه الليل، وهذا يقصد به المبالغة في الستر بالظلمة حتَّى صارت كأنَّها غطاء، ومع ذلك لم يسمع في كلامهم جنّ اللَّيل قاصراً بمعنى أظلم.

وظاهر قوله: ﴿ رأى كوكباً ﴾ أنَّه حصلت له رؤية الكواكب عَرَضاً من غير قصد للتأمّل وإلاّ فإنّ الأفق في الليل مملوء كواكبَ، وأنّ الكواكب كان حين رآه واضحاً في السماء مشرقاً بنوره، وذلك أنور ما يكون في وسط السماء.

فالظاهر أنَّه رأى كوكباً من بينها شديد الضوء.

فعن زيد بن علي أنّ الكوكب هو الزهرة.

وعن السدّي أنَّه المشتري.

ويجوز أن يكون نَظَر الكواكب فرأى كوكباً فيكون في الكلام إيجاز حذف مثل ﴿ أننِ اضربْ بعصاك البحر فانفلق ﴾ [الشعراء: 63]، أي فضرب فانفلق.

وجملة ﴿ رأى كوكباً ﴾ جواب ﴿ لمَّا ﴾ .

والكوكب: النجم.

وجملة: ﴿ قال هذا ربِّي ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال ينشأ عن مضمون جملة ﴿ رأى كوكباً ﴾ وهو أن يسأل سائل: فماذا كان عندما رآه، فيكون قوله: ﴿ قال هذا ربِّي ﴾ جوباً لذلك.

واسم الإشارة هنا لقصد تمييز الكوكب من بين الكواكب ولكنْ إجراؤه على نظيريه في قوله حين رأى القمر وحين رأى الشمس ﴿ هذا ربِّي هذا ربِّي ﴾ يعيّن أنّ يكون القصد الأصلي منه هو الكناية بالإشارة عن كون المشار إليه أمراً مطلوباً مبحوثاً عنه فإذا عُثر عليه أشير إليه، وذلك كالإشارة في قوله تعالى: ﴿ لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ﴾ [الروم: 56]، وقوله: ﴿ قالت فذلكنّ الذي لمتنّني فيه ﴾ [يوسف: 32] ولم يقل فهو الذي لمتنني.

ولعلّ منه قوله: ﴿ هذه بضاعتُنا رُدّت إلينا ﴾ [يوسف: 65] إذ لم يقتصروا على «بضاعتُنا ردّت إلينا».

وفي «صحيح البخاري» قال الأحنف بن قيس: «ذَهَبْتُ لأنْصُر هذا الرجل» (يعني عليّ بن أبي طالب) ولم يتقدّم له ذكر، لأنّ عليّاً وشأنه هو الجاري في خواطر الناس أيام صفّين، وسيأتي قوله تعالى: ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء ﴾ [الأنعام: 89] يعني كفَّار قريش، وفي حديث سؤال القبر: " فيقال له ما علمك بهذا الرجل " (يعني الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من الأغراض الداعية للتعريف باسم الإشارة التي أهملها علماء البلاغة فيصحّ هنا أن يجعل مستعملاً في معنييه الصريح والكناية.

وتعريف الجزأين مفيد للقصر لأنَّه لم يقل: هذا ربّ.

فدلّ على أنّ إبراهيم عليه السلام أراد استدراج قومه فابتدأ بإظهار أنَّه لا يَرى تعدّد الآلهة ليصل بهم إلى التوحد واستبقى واحداً من معبوداتهم ففرض استحقاقه الإلهية كيلا ينفروا من الإصغاء إلى استدلاله.

وظاهر قوله ﴿ قال ﴾ إنَّه خاطب بذلك غيره، لأنّ القول حقيقته الكلام، وإنَّما يساق الكلام إلى مخاطب.

ولذلك كانت حقيقة القول هي ظاهر الآية من لفظها ومن ترتيب نظمها إذْ رُتِّب قوله ﴿ فلما جنّ ﴾ على قوله: ﴿ وكذلك نري إبْراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 75] وقوله: ﴿ وليكون من الموقنين ﴾ [الأنعام: 75] ورتّب ذلك كلّه على قوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتَّخذ أصناماً آلهة ﴾ [الأنعام: 74] الآية، ولقوله تعالى: ﴿ قال هذا ربِّي ﴾ وإنَّما يقوله لمخاطب، ولقوله عقب ذلك ﴿ يا قوم إنِّي بريء ممَّا تشركون ﴾ ، ولأنَّه اقتصر على إبطال كون الكواكب آلهة واستدلّ به على براءته ممَّا يشركون مع أنَّه لا يلزم من بطلان إلهية الكواكب بطلان إلهية أجرام أخرى لولا أنّ ذلك هو مدّعى قومه؛ فدلّ ذلك كلّه على أنّ إبراهيم عليه السلام قال ذلك على سبيل المجادلة لقومه وإرخاء العنان لهم ليصلوا إلى تلقّي الحجّة ولا ينفِروا من أول وهلة فيكون قد جمع جمعاً من قومه وأراد الاستدلال عليهم.

وقوله: ﴿ هذا ربِّي ﴾ أي خالقي ومدبِّري فهو مستحقّ عبادتي.

قاله على سبيل الفرض جرياً على معتقد قومه ليصل بهم إلى نقض اعتقادهم فأظهر أنَّه موافق لهم ليهشّوا إلى ذلك ثم يكُرّ عليهم بالإبطال إظهاراً للإنصاف وطلب الحقّ.

ولا يريبك في هذا أنّ صدور ما ظاهره كُفر على لسانه عليه السلام لأنَّه لمّا رأى أنّه ذلك طريق إلى إرشاد قومه وإنقاذهم من الكفر، واجتهد فرآه أرجى للقبول عندهم ساغ له التصريح به لقصد الوصول إلى الحقّ وهو لا يعتقده، ولا يزيد قولُه هذا قومَه كفراً، كالذي يُكره على أن يقول كلمة الكفر وقلبُه مطمئنّ بالإيمان فإنَّه إذا جاز ذلك لحفظ نفس واحدة وإنقاذها من الهلاك كان جوازه لإنقاذ فريق من النَّاس من الهلاك في الدنيا والآخرة أولى.

وقد يكون فعل ذلك بإذن من الله تعالى بالوحي.

وعلى هذا فالآية تقتضي أنّ قومه يعبدون الكواكب وأنَّهم على دين الصابئة وقد كان ذلك الدين شائعاً في بلدان الكلدان التي نشأ فيها إبراهيم عليه السلام وأنّ الأصنام التي كانوا يعبدونها أرادوا بها أنّها صور للكواكب وتماثيلُ لها على حسب تخيّلاتهم وأساطيرهم مثلما كان عليه اليونان القدماء، ويحتمل أنَّهم عبدوا الكواكب وعبدوا صوراً أخرى على أنَّها دون الكواكب كما كان اليونان يقسمون المعبودات إلى آلهة وأنصاف آلهة.

على أنّ الصابئة يعتقدون أنّ للكواكب روحانيات تخدمها.

وأفل النجم أفولاً: غاب، والأفول خاصّ بغياب النيِّرات السماوية، يقال: أفلّ النجم وأفَلَتْ الشمس، وهو المغيب الذي يكون بغروب الكوكب ورَاء الأفق بسبب الدورة اليومية للكرة الأرضية، فلا يقال: أفَلَتْ الشمس أو أفَل النجم إذا احتجب بسحاب.

وقوله: ﴿ لا أحبّ ﴾ الحبّ فيه بمعنى الرضى والإرادة، أي لا أرضى بالآفِل إلهاً، أو لا أريد الآفل إلَهاً.

وقد علم أنّ متعلَّق المحبَّة هو إرادته إلَهاً له بقوله: ﴿ هذا ربِّي ﴾ .

وإطلاق المحبَّة على الإرادة شائع في الكلام، كقوله تعالى: ﴿ فيه رجال يحبّون أن يتطهّروا ﴾ [التوبة: 108].

وقدّره في «الكشَّاف» بحذف مضاف، أي لا أحبّ عبادة الآفلين.

وجاء ب ﴿ الآفلين ﴾ بصيغة جمع الذكور العقلاء المختصّ بالعقلاء بناء على اعتقاد قومه أنّ الكواكب عاقلة متصرّفة في الأكوان، ولا يكون الموجود معبوداً إلاّ وهو عالم.

ووجه الاستدلال بالأفوال على عدم استحقاق الإلهية أنّ الأفول مغيب وابتعاد عن الناس، وشأن الإله أن يكون دائم المراقبة لتدبير عباده فلمَّا أفلّ النجم كان في حالة أفوله محجوباً عن الاطِّلاع على النَّاس، وقد بنَى هذا الاستدلال على ما هو شائع عند القوم من كون أفول النجم مغيباً عن هذا العالم، يعني أنّ ما يغيب لا يستحقّ أنْ يُتَّخذ إلهاً لأنَّه لا يغني عن عباده فيما يحتاجونه حين مغيبه.

وليس الاستدلال منظوراً فيه إلى التغيّر لأنّ قومه لم يكونوا يعلمون الملازمة بين التغيّر وانتفاء صفة الإلهية، ولأنّ الأفول ليس بتغيّر في ذات الكوكب بل هو عَرَض للأبصار المشاهِدة له، أمَّا الكوكب فهو باق في فلكه ونظامه يغيب ويعود إلى الظهور وقوم إبراهيم يعلمون ذلك فلا يكون ذلك مقنعاً لهم.

ولأجل هذا احتجّ بحالة الأفول دون حالة البزوغ فإنّ البزوغ وإن كان طرأ بعد أفول لكنْ الأفول السابقُ غيرُ مشاهد لهم فكان الأفول أخصر في الاحتجاج من أن يقول: إنّ هذا البازغ كان من قَبلُ آفِلاً.

وقوله: ﴿ فلمّا رأى القمر بازغاً ﴾ الخ عطف على جملة محذوفة دلّ عليها الكلام.

والتقدير: فطلع القمر فلَّما رآه بازغاً، فحذفت الجملة للإيجاز وهو يقتضي أنّ القمر طلع بعد أفول الكوكب، ولعلّه اختار لمحاجّة قومه الوقت الذي يغرب فيه الكوكب ويطلع القمر بقرب ذلك، وأنَّه كان آخر اللَّيل ليعقبهما طلوع الشمس.

وأظْهِر اسمُ ﴿ القمر ﴾ لأنَّه حذف معاد الضمير.

والبازغ: الشارق في ابتداء شروقه، والبُزُوغ ابتداء الشروق.

وقوله ﴿ هذا ربِّي ﴾ أفاد بتعريف الجزأين أنَّه أكثر ضوءاً من الكوكب فإذا كان استحقاق الإلهية بسبب النّور فالذي هو أشدّ نوراً أولى بها من الأضعف.

واسم الإشارة مستعمل في معناه الكنائي خاصّة وهو كون المشار إليه مطلوباً مبحوثاً عنه كما تقدّم آنفاً.

وقوله: ﴿ فلَّما أفل قال لَئن لم يهدني ربِّي لأكونَنّ من القوم الضالِّين ﴾ قصد به تنبيه قومه للنظر في معرفة الربّ الحقّ وأنَّه واحد، وأنّ الكوكب والقمر كليهما لا يستحقَّان ذلك مع أنَّه عَرّض في كلامه بأنّ له ربّا يهديه وهم لا ينكرون عليه ذلك لأنَّهم قائلون بعدّة أرباب.

وفي هذا تهيئة لنفوس قومه لما عزم عليه من التصريح بأنّ له ربّاً غير الكواكب.

ثم عَرّض بقومه أنَّهم ضالّون وهيّأهم قبل المصارحة للعلم بأنَّهم ضالّون، لأنّ قوله: ﴿ لأكونَنّ من القوم الضالّين ﴾ يُدخِل على نفوسهم الشكّ في معتقدهم أن يكون ضلالاً، ولأجل هذا التعريض لم يقل: لأكوننّ ضالاّ، وقال ﴿ لأكوننّ من القوم الضالّين ﴾ ليشير إلى أنّ في النَّاس قوماً ضالّين، يعني قومه.

وإنَّما تريَّث إلى أفول القمر فاستدلّ به على انتفاء إلهيته ولم ينفها عنه بمجرّد رؤيته بازغاً مع أنّ أفوله محقّق بحسب المعتاد لأنَّه أراد أن يقيم الاستدلال على أساس المشاهدة على ما هو المعروف في العقول لأنّ المشاهدة أقوى.

وقوله: ﴿ فلمَّا رأى الشمس بازغة ﴾ أي في الصباح بعد أن أفل القمر، وذلك في إحدى الليالي التي يغرب فيها القمر قبيل طلوع الشمس لأنّ الظاهر أنّ هذا الاستدلال كلّه وقع في مجلس واحد.

وقوله للشمس ﴿ هذا ربِّي ﴾ باسم إشارة المذكّر مع أنّ الشمس تجري مجرى المؤنّث لأنّه اعتبرها ربّاً، فروعي في الإشارة معنى الخبر، فكأنَّه قال: هذا الجرْم الذي تدعونه الشمس تبيّن أنَّه هو ربِّي.

وجملة ﴿ هذا ربي ﴾ جارية مجرى العلَّة لجملة ﴿ هذا ربِّي ﴾ المقتضية نقض ربوبية الكوكب والقمر وحصر الرّبوبيّة في الشمس ونفيها عن الكوكب والقمر، ولذلك حذف المُفضّل عليه لظهوره، أي هو أكبر منهما، يعني أن الأكبر الأكثر إضاءة أولى باستحقاق الإلهية.

وقوله: ﴿ قال يا قوم إنِّي بريء ممَّا تشركون ﴾ ، إقناع لهم بأنْ لا يحاولوا موافقته إيَّاهم على ضلالهم لأنَّه لما انتفى استحقاق الإلهية عن أعظم الكواكب التي عبدوها فقد انتفى عمَّا دونها بالأحرى.

والبريء فعيل بمعنى فَاعِل من بَرئ بكسر الرّاء لا غير يَبرَأ بفتح الرّاء لا غير بمعنى تفصّى وتنزّه ونفَى المخالطة بينه وبين المجرور ب (مِن).

ومنه ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ [التوبة: 3]، ﴿ فبرّأهُ الله ممَّا قالُوا ﴾ [الأحزاب: 69]، ﴿ وما أبرّئ نفسي ﴾ [يوسف: 53].

فمعنى قوله ﴿ بريء ﴾ هنا أنَّه لا صلة بينه وبين ما يشركون.

والصلة في هذا المقام هي العبادة إن كان ما يشركون مراداً به الأصنام، أو هي التلبّس والاتِّباع إن كان ما يشركون بمعنى الشرك.

والأظهر أنّ (ما) في قوله ﴿ ما تشركون ﴾ موصولة وأنّ العائد محذوف لأجل الفاصلة، أي ما تشركون به، كما سيأتي في قوله: ﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ [الأنعام: 80] لأنّ الغالب في فعل البراءة أن يتعلَّق بالذوات، ولئلاّ يتكرّر مع قوله بعده ﴿ وما أنا من المشركين ﴾ .

ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، أي من إشراككم، أي لا أتقلَّده.

وتسميته عبادتهم الأصنام إشراكاً لأنّ قومه كانوا يعترفون بالله ويشركون معه في الإلهية غيره كما كان إشراك العرب وهو ظاهر أي القرآن حيث ورد فيها الاحتجاج عليهم بخالق السماوات والأرض، وهو المناسب لضرب المثل لمشركي العرب بشأن إبراهيم وقومه، ولقوله الآتي ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ [الأنعام: 82].

وجملة ﴿ إنّي وجَّهْت وَجْهِي ﴾ بمنزلة بدل الاشتمال من جملة ﴿ إنِّي بريء ممّا تشركون ﴾ ، لأنّ البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله، وهو إفراده بالعبادة.

والوجه في قوله: ﴿ وجهي ﴾ .

و ﴿ وجّهت ﴾ مشتقّ من الجهة والوجهة، أي صرفته إلى جهة، أي جعلت كذا جهة له يقصدها.

يقال: وجَّهه فتوجّه إلى كذا إذا ذهب إليه.

ويقال للمكان المقصود وجهة بكسر الواو، وكأنَّهم صاغوه على زنة الهيئة من الوَجه لأنّ القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه، وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء لأنّ قاصد المكان بوجهه تَحْصُل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديقُ النظر.

فمعنى ﴿ وجَّهت وجهي ﴾ صرفتُه وأدرته.

وهذا تمثيل: شبّهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة بمن استقبل بوجهه شيئاً وقصده وانصرف عن غيره.

وأتي بالموصول في قوله: ﴿ للذي فطر السماوات والأرض ﴾ ليومئ إلى علّة توجّهه إلى عبادته، لأنّ الكواكب من موجودات السماء، والأصنامَ من موجودات الأرض فهي مفطورة لله تعالى.

وفعل (وجَّه) يتعدّى إلى المكان المقصود بإلى، وقد يتعدّى باللام إذا أريد أنَّه انصرف لأجل ذلك الشيء، فيحسن ذلك إذا كان الشيء المقصود مراعى إرضاؤه وطاعته كما تقول: توجّهت للحبيب، ولذلك اختير تعدّيه هنا باللام، لأنّ في هذا التوجّه إرضاء وطاعة.

وفَطَر: خلَق، وأصل الفَطْر الشقّ.

يقال فطر فطوراً إذا شقّ قال تعالى ﴿ فارجع البصر هل تَرى من فُطُور ﴾ [الملك: 3] أي اختلال، شُبّه الخلْق بصناعة الجلد ونحوه، فإنّ الصانع يشقّ الشيء قبل أن يصنعه، وهذا كما يقال: الفَتق والفَلْق، فأطلق الفَطر على إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة تؤهّل للفعل.

و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من ضمير المتكلّم في ﴿ وجهتُ ﴾ .

وتقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً ﴾ في سورة [البقرة: 135].

وجملة: وما أنا من المشركين} عطف على الحال، نفَى عن نفسه أن يكون متَّصلاً بالمشركين وفي عدادهم.

فلما تبرّأ من أصنامهم تبرّأ من القوم، وقد جمعهما أيضاً في سورة [الممتحنة: 4] إذ قال ﴿ إنّا بُرَآء منكم وممّا تعبدون من دون الله ﴾ وأفادت جملة ﴿ وما أنا من المشركين ﴾ تأكيداً لجملة ﴿ إنِّي وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً ﴾ ، وإنَّما عطفت لأنَّها قصد منها التبرّئ من أن يكون من المشركين.

وهذا قد جرينا فيه على أنّ قول إبراهيم لمّا رأى النيّرات ﴿ هذا ربِّي ﴾ هو مناظرة لقومه واستدراج لهم، وأنّه كان موقناً بنفي إلهيتها، وهو المناسب لصفة النبوءة أن يكون أوحى إليه ببطلان الإشراك وبالحجج التي احتجّ بها على قومه.

ومن المفسّرين من قال: إنّ كلامه ذلك كان نظراً واستدلالاً في نفسه لقوله: ﴿ لئن لم يهدني ربِّي ﴾ ، فإنَّه يُشعر بأنّه في ضلال لأنَّه طلب هداية بصيغة الاستقبال أي لأجل أداة الشرط، وليس هذا بمتعيّن لأنَّه قد يقوله لتنبيه قومه إلى أنّ لهم ربَّا بيده الهداية، كما بيّنّاه في موضعه، فيكون كلامه مستعملاً في التعريض.

على أنَّه قد يكون أيضاً مراداً به الدوام على الهداية والزيادة فيها، على أنَّه قد يكون أراد الهداية إلى إقامة الحجّة حتَّى لا يتغلّب عليه قومه.

فإذا بنينا على أنّ ذلك كان استدلالاً في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإنّ ذلك كان بإلهام من الله تعالى، فيكون قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 75] معناه نريه ما فيها من الدلائل على وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نُوحي إليه، ويكون قوله: ﴿ رأى كوكباً ﴾ بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل، ويكون قوله: ﴿ قال هذا ربِّي ﴾ قولاً في نفسه على نحو ما يتحدّث به المفكِّر في نفسه، وهو حديث النفس، كقول النابغة في كلب صيد: قالتْ له النفس إنِّي لا أرى طمعاً *** وإنّ مولاك لم يسلَمْ ولم يَصد وقول العَجّاج في ثور وحشي: ثم انثنى وقال في التفكير *** إنّ الحياة اليوم في الكُرور وقوله: ﴿ هذا ربِّي ﴾ وقوله: ﴿ لا أحبّ الآفلين، ﴾ وقوله: ﴿ لئِن لم يهدني ربِّي ﴾ كلّ ذلك مستعمل في حقائقه من الاعتقاد الحقيقي.

وقوله: ﴿ قال يا قوم ﴾ هو ابتداء خطابه لقومه بعد أن ظهر الحقّ له فأعلن بمخالفته قومه حينئذٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّ آزَرَ اسْمُ أبِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، قالَ مُحَمَّدٌ: كانَ رَجُلًا مِن أهْلِ كُوتى قَرْيَةٌ مِن سَوادِ الكُوفَةِ.

والثّانِي: أنَّ آزَرَ اسْمُ صَنَمٍ، وكانَ اسْمُ أبِيهِ تارِحَ، قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ، وإنَّما هو صِفَةُ سَبٍّ بِعَيْبٍ، ومَعْناهُ مِعْوَجٌّ، كَأنَّهُ عابَهُ بِاعْوِجاجِهِ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ الفَرّاءُ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ مِن إبْراهِيمَ - وهو نَبِيٌّ - سَبَّ أباهُ؟

قِيلَ: لِأنَّهُ سَبَّهُ بِتَضْيِيعِهِ حَقَّ اللَّهِ تَعالى، وحَقُّ الوالِدِ يَسْقُطُ في تَضْيِيعِ حَقِّ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ذَلِكَ وذاكَ وذا: إشاراتٌ، إلّا أنَّ ذا لِما قَرُبَ، وذَلِكَ لِما بَعُدَ، وذاكَ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ ما بَعُدَ.

وَفي المُرادِ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَلَكُوتَ هو المُلْكُ بِالنَّبَطِيَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ المُلْكُ بِالعَرَبِيَّةِ، يُقالُ مُلْكٌ ومَلَكُوتٌ كَما يُقالُ رَهْبَةٌ ورَهَبُوتٌ، ورَحْمَةٌ ورَحَمُوتٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: رَهَبُوتُ خَيْرٍ مِن رَحَمُوتٍ، أيْ أنْ نُرْهَبَ خَيْرٌ مِن أنْ نُرْحَمَ، قالَهُ الأخْفَشُ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ آياتُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: هو الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّ مَلَكُوتَ السَّماواتِ: القَمَرُ، والنُّجُومُ، والشَّمْسُ، ومَلَكُوتُ الأرْضِ: الجِبالُ، والشَّجَرُ، والبِحارُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ المُوقِنِينَ لِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ.

والثّانِي: مِنَ المُوقِنِينَ نُبُوَّتُهُ وصِحَّةُ رِسالَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: ذَكَرَ لَنا أنَّهُ رَأى الزُّهْرَةَ طَلُعَتْ عِشاءً.

﴿ قالَ هَذا رَبِّي ﴾ ومَعْنى جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، أيْ سَتْرِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً لِأنَّ الشَّجَرَ يَسْتُرُها، والجِنُّ لِاسْتِتارِهِمْ عَنِ العُيُونِ، والجُنُونِ لِأنَّهُ يَسْتُرُ العَقْلَ، والجَنِينَ لِأنَّهُ مَسْتُورٌ في البَطْنِ، والمِجَنِّ لِأنَّهُ يَسْتُرُ المُتَتَرِّسَ، قالَ الهُذَلِيُّ وماءٌ ورَدَتْ قُبَيْلَ الكَرى وقَدْ جَنَّهُ السُّدْفُ الأدْهَمُ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ: هَذا رَبِّي في ظَنِّي، لِأنَّهُ في حالِ تَقْلِيبٍ واسْتِدْلالٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اعْتِقادًا أنَّهُ رَبُّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ، لِأنَّ أُمَّهُ ولَدَتْهُ في مَغارَةٍ حَذَرًا عَلَيْهِ مِن نَمْرُودَ، فَلَمّا خَرَجَ عَنْهُ قالَ هَذا القَوْلَ قَبْلَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، لِأنَّها حالٌ لا يَصِحُّ فِيها كُفْرٌ ولا إيمانٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ البُلُوغِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ قَوْلَ مُعْتَقَدٍ، وإنَّما قالَهُ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَإذا كانَ الكَوْكَبُ والشَّمْسُ والقَمَرُ وما لَمْ تَصْنَعْهُ يَدٌ ولا عَمِلَهُ بَشَرٌ لَمْ تَكُنْ مَعْبُودَةً لِزَوالِها، فالأصْنامُ الَّتِي هي دُونَها أوْلى ألّا تَكُونَ مَعْبُودَةً.

والخامِسُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَوْبِيخًا عَلى وجْهِ الإنْكارِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ وتَقْدِيرُهُ: أهَذا رَبِّي، كَما قالَ الشّاعِرُ: رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لا تَرْعَ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوَجْهَ هم هُمْ بِمَعْنى أهم هُمْ؟

﴿ فَلَمّا أفَلَ ﴾ أيْ غابَ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفَلاتِ الدَّوالِكَ ﴿ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ يَعْنِي حُبَّ رَبٍّ مَعْبُودٍ، وإلّا فَلا حَرَجَ في مَحَبَّتِهِمْ غَيْرَ حُبِّ الرَّبِّ.

﴿ فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا ﴾ أيْ طالِعًا، وكَذَلِكَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ أيْ طَلَعَتْ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ كانَ أُفُولُها دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَتُها وقَدْ عَبَدَها مَعَ العِلْمِ بِأُفُولِها خَلْقٌ مِنَ العُقَلاءِ؟

قِيلَ لِأنَّ تَغَيُّرَها بِالأُفُولِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها مُدَبَّرَةٌ مُحْدَثَةٌ، وما كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ إلَهًا مَعْبُودًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: الشمس والقمر والنجوم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: كشف ما بين السموات والأرض حتى نظر إليهن على صخرة، والصخرة على حوت، وهو الحوت الذي منه طعام الناس، والحوت في سلسلة والسلسلة في خاتم العزة.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: ملك السموات والأرض قال: سلطانهما.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: إنما هو ملك السموات والأرض، ولكنه بلسان النبطية ملكوثا.

وأخرج آدم بن أبي اياس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: آيات فرجت له السموات السبع، فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: قام على صخرة ففرجت له السموات السبع حتى ننظر إلى العرش وإلى منزله من الجنة، ثم فرجت له الأرضون السبع حتى نظر إلى الصخرة التي عليها الأرضون، كذلك قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ [ العنكبوت: 27] .

وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رأيت ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟

قال: قلت أنت أعلم أي رب...

!

قال: فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي.

قال: فعلمت ما في السموات والأرض، ثم تلا هذه الآية ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ﴾ ثم قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قال: قلت: في الدرجات والكفارات قال: وما الكفارات؟

قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، والمجالس في المساجد خلاف الصلوات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروه، فمن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكن من خطيئته كهيتئه يوم ولدته أمه، وأما الدرجات فبذل السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام، قال: قل اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموهن فإنهن حق» .

وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي الله فدعا عليه فهلك، ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي الله فدعا فهلك، ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه، فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم أنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي، فإنهم مني على ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أخرج من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح، وإما أن أقبضه إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن عطاء قال: لما رفع إبراهيم إلى ملكوت السموات أشرف على عبد يزني فدعا عليه فأهلك، ثم رفع أيضاً فأشرف على عبد يزني فدعا عليه فأهلك، ثم رفع أيضاً فأشرف على عبد يزني، فأراد أن يدعو عليه فقال له ربه: على رسلك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجاب لك، وإني من عبدي على إحدى ثلاث خلال: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة، وإما أن يتمادى فيما هو فيه فأنا من ورائه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: رفع إبراهيم إلى السماء فنظر أسفل منه، فرأى رجلاً على فاحشة فدعا فخسف به حتى دعا على سبعة كلهم يخسف به، فنودي يا إبراهيم رفه عن عبادي ثلاث مرار إني من عبدي بين ثلاث، اما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن استخرج من صلبه ذرية مؤمنة، وإما أن يكفر فحسبه جهنم.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله وعليه وسلم قال: «لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر عبداً على خطيئة فدعا عليه، ثم أبصر عبداً على خطيئة فدعا عليه، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم إنك عبد مستجاب الدعوة فلا تدع على أحد فإني من عبدي على ثلاث: إما أن أخرج من صلبه ذرية تعبدني، وإما أن يتوب في آخر عمره فأتوب عليه، وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن سلمان الفارسي قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض رأى رجلاً على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه، فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم مهلاً فإنك رجل مستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث خصال: إما أن يتوب قبل الموت فأتوب عليه، وإما أن أخرج من صلبه ذرية يذكروني، وإما أن يتولى فجهنم من ورائه.

وأخرج البيهقي في الشعب عن عطاء قال: لما رفع إبراهيم في ملكوت السموات رأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا فهلك، ثم رأى رجلاً يزني فدعا فهلك.

فقيل: على رسلك يا إبراهيم إنك عبد مستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة تعبدني، وإما أن يتمادى فيما هو فيه فإن جهنم من ورائه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ قال: يعني خلق السموات والأرض ﴿ وليكون من الموقنين ﴾ فإنه جلا له الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله: إنك لا تستطيع هذا، فرده الله كما كان قبل ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن إبراهيم عليه السلام فر به من جبار مترف، فجعل في سرب وجعل زرقه في أطرافه، فجعل لا يمص أصبعاً من أصابعه إلا جعل الله له فيها رزقاً، فلما خرج من ذلك السرب أراه الله ملكوت السموات والأرض، وأراه شمساً وقمراً ونجوماً وسحاباً وخلقاً عظيماً، وأراه ملكوت الأرض فرأى جبالاً وبحوراً وأنهاراً وشجراً ومن كل الدواب وخلقاً عظيماً ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ ذكر لنا أن الكوكب الذي رأى الزهرة طلعت عشاء ﴿ قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ﴾ علم أن ربه دائم لا يزول ﴿ فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي ﴾ رأى خلقاً أكبر من الخلق الأوّل ﴿ فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ﴾ أي أكبر خلقاً من الخلقين الأوّلين.

وأبهى وأنور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان من شأن إبراهيم عليه السلام أن أول ملك ملك في الأرض شرقها وغربها نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة: بن كنعان وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبختنصر.

مسلمين وكافرين، وإنه طلع كوكب على نمورد، ذهب بضوء الشمس والقمر ففزع من ذلك، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عن ذلك!

فقالوا: يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك ملكك، وكان مسكنه ببابل الكوفة فخرج من قريته إلى قرية أخرى، وأخرج الرجال وترك النساء، وأمر أن لا يولد مولود ذكر إلا ذبحه فذبح أولادهم.

ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم، فدعاه فأرسله فقال له: أنظر لا تواقع أهلك.

فقال له آزر أنا أضُنُّ بديني من ذلك، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه إن وقع عليها، ففر بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها ادر فجعلها في سرب، فكان يتعهدها بالطعام وما يصلحها، وإن الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحرة كذابين ارجعوا إلى بلدكم، فرجعوا وولد إبراهيم فكان في كل يوم يمر به كأنه جمعة والجمعة كالشهر من سرعة شبابه، ونسي الملك ذاك وكبر إبراهيم ولا يرى أن أحداً من الخلق غيره وغير أبيه وأمه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إن لي ابناً وقد خبأته فتخافون عليه الملك ان أنا جئت به؟

قالوا: لا فائت به.

فانطلق فأخرجه، فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق، فجعل يسأل أباه فيقول: ما هذا؟

فيخبره عن البعير أنه بعير، وعن البقرة أنها بقرة، وعن الفرس أنها فرس، وعن الشاة أنها شاة.

فقال: ما لهؤلاء بد من أن يكون لهم رب.

وكان خروجه حين خرج من السرب بعد غروب الشمس، فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري، فقال: هذا ربي.

فلم يلبث أن غاب قال: لا أحب رباً يغيب.

قال ابن عباس: وخرج في آخر الشهر فلذلك لم ير القمر قبل الكوكب، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغاً قد طلع قال: هذا ربي.

فلما أفل يقول غاب ﴿ قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ﴾ فلما أصبح رأى الشمس بازغة ﴿ قال: هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ قال الله له: اسلم.

قال: أسلمت لرب العالمين.

فجعل إبراهيم يدعو قومه وينذرهم، وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها أولاده فيبيعونها، وكان يعطيه فينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي، ثم دعا أباه فقال: ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ﴾ [ مريم: 42] ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هن في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً بين يدي الآلهة وقالوا: إذا كان حين نرجع رجعنا وقد برحت الآلهة من طعامنا فأكلنا، فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ألا تأكلون؟

فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون؟

ثم إن إبراهيم أتى قومه فدعاهم، فجعل يدعو قومه وينذرهم، فحبسوه في بيت وجمعوا له الحطب حتى أن المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعن لإبراهيم حطباً، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب، حتى إن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها وحرها، فعمدوا إليه فرفعوه إلى رأس البنيان، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك.

قال أنا أعلم به، فإن دعاكم فأغيثوه.

وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض، ليس أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل.

فقذفوه في النار، فناداها فقال: ﴿ يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ [ الأنبياء: 69] وكان جبريل هو الذي ناداها.

فقال ابن عباس: لو لم يتبع برداً سلاماً لمات إبراهيم من بردها، ولم يبق يومئذ في الأرض نار إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى، فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم، فإذا هو ورجل آخر معه ورأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق، وذكر أن ذلك الرجل ملك الظل، فأنزل الله ناراً فانتفع بها بنو آدم، وأخرجوا إبراهيم فأدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن السدي في قوله: ﴿ رأى كوكباً ﴾ قال: هو المشتري، وهو الذي يطلع نحو القبلة عن المغرب.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن علي في قوله: ﴿ رأى كوكباً ﴾ قال: الزهرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فلما أفل ﴾ أي ذهب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ قال: الزائلين.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ فلما أفلت ﴾ قال: فلما زالت الشمس عن كبد السماء.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت كعب بن مالك الأنصاري وهو يرثي النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: فتغير القمر المنير لفقده ** والشمس قد كسفت وكادت تأفل قال: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ حنيفاً ﴾ قال: ديناً مخلصاً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت حمزة بن عبد المطلب وهو يقول: حمدت الله حين هدى فؤادي ** إلى الإسلام والدين الحنيف وقال: أيضاً رجل من العرب يذكر بني عبد المطلب وفضلهم: أقيموا لنادينا حنيفاً فانتمو ** لنا غاية قد نهتدي بالذوائب وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله: ﴿ حنيفاً ﴾ قال: مخلصاً.

وأخرج مسلم والنسائي وابن مردويه عن عياض بن حمار المجاشعي «أنه شهد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه يقول: إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم من دينكم مما علمني يومي هذا، إن كل مال نحلته عبداً فهو له حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنه أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .

وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

[و] (١) ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا ﴾ الآية.

يقال: جنّ عليه الليل وأجنَّه الليل، ويقال لكل ما ستر: قد جنّ وأجن، ويقال أيضًا: جَنت الليل (٢) (٣) ﴿ جَنَّ ﴾ : ستر، ومنه الجَنَّة (٤) (٥) ويروى بيت دُريد (٦) وَلَوْلَا جَنونُ اللَّيلِ أَدْرَكَ رَكْضُنَا ...

بِذِي الرَّمْثِ والأَرْطَى عِياضَ بنَ ناشِبِ (٧) ويروى (٨) ﴿ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾ أي: أظلم عليه الليل (٩) (١٠) وقوله ﴿ رَأَى ﴾ فيه ثلاثة أوجه (١١) (١٢) (١٣) وأمّا من فتح الراء وكسر الهمزة فإنه أمال الهمزة نحو الكسرة لتميل الألف التي في رأى نحو الياء، كما تمال الفتحة التي على الدال في هدى والميم من رمى لتميل الألف، وترك الراء مفتوحة على الأصل.

وأمّا من كسرهما جميعًا فإنه كسر الراء من رأى؛ لأن المضارع منه على يفعل، وإذا كان المضارع على يفعل كان الماضي على فَعِل، ألا ترى أن المضارع في الأمر العام إذا كان على يفعل كان الماضي على فَعِلَ، وإنما فتحوا الماضي في حروف ذوات عدد اختص موضع العين منها واللام بأحد حروف الحلق، وهي متسفلة المخارج، فشابوا ذلك منها بشيء من التصعّد وهو الفتحة في العين، ليعتدل الكلام، وإذا كان الماضي كأنه على فِعِلَ كسر (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) قيل: إنه فيما نزلناه وبينّاه بمنزلة الكسرة، فأتبع الفتحة الكسرة المقدرة، فإن لقي رأى ساكن نحو: ﴿ رَأَى القَمَرَ ﴾ و ﴿ رَأَى الشَّمسَ ﴾ ففيه أيضًا ثلاثة أوجه من القراءة (١٨) أحدهما: فتح الراء والهمزة معًا، وهو قراءة العامة، ووجه ذلك أنه الأصل على قراءة من فتحهما إذا لم يلقه ساكن، وأما من كان يكسرهما إذا لم يلقه ساكن ثم فتحهما عند الساكن مثل الكسائي، فوجه ذلك: أن إمالة الفتحة في الهمزة إنما كانت لتميل الألف نحو الياء، فلما سقطت الألف بطلت إمالتها لسقوطها، ولما بطلت إمالتها لسقوطها بطلت إمالة الفتحة نحو الكسرة لسقوط الألف التي كانت الفتحة الممالة تميلها نحو الياء، وأما فتح الراء هاهنا وقد كسره في ﴿ رَأَى كَوْكَبًا ﴾ فلأنه أخذ باللغتين فكسر هناك لما ذكرناه (١٩) (٢٠) الوجه الثاني في القراءة: كسر الراء وفتح الهمزة، وهي قراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر (٢١) وروى يحيى بن (٢٢) (٢٣) ﴿ رِأِى القمر ﴾ : بكسر الراء والهمزة معًا، أما وجه كسر الراء فقد ذكرنا، وأما إمالة فتحة الهمزة مع زوال ما كان يوجب إمالتها من حذف الألف فلأن الألف محذوفة لالتقاء الساكنين، وما يحذف لالتقاء الساكنين فقد ينزّل تنزيل المثبت، ألا ترىَ أنهم قد أنشدوا: وَلاَ ذَاكِرِ الله إلاَّ قَلِيلا (٢٤) فنصب الاسم بعد ذاكر، وإن كانت النون محذوفة لمّا كان الحذف لالتقاء الساكنين، والحذف لذلك في تقدير الإثبات من حيث كان التقاؤهما غير لازم، ومن ثم لم يرد الألف في نحو: رمت المرأة (٢٥) فأما قصة الآية ومعناها، فقال السدي (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ هَذَا رَبِّي ﴾ ).

واختلفوا في معنى قوله: ﴿ هَذَا رَبِّي ﴾ فقال أهل التحقيق من العلماء: (إن إبراهيم  لم يكن قط في ضلال وحيرة، وكيف يتوهم ذلك على من عصمه الله وطهّره في مستقره ومستودعه؟

وما زال في حكم الله نبيًّا والله تعالى يقول: ﴿ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  ﴾ أي: لم يشرك به قط، كذلك قال المفسرون، ويقول (٢٩) ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ ﴾ الآية.

[الأنعام: 75] أفترى الله أراه الملكوت ليوقن، فلما أيقن ﴿ رَأَى كَوْكَبًا ﴾ فقال: ﴿ هَذَا رَبِّي ﴾ على الحقيقة والاعتقاد!

هذا ما لا يكون أبدًا، وإنما معنى قوله: ﴿ هَذَا رَبِّي ﴾ أن قومه كانوا يعبدون النجوم ويعظمونها ويحكمون بها.

﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾ رأى الزهرة فقال: ﴿ هَذَا رَبِّي ﴾ يريد: أن يستدرجهم بهذا القول، ويعرفهم خطأهم، وجهلهم في تعظيمهم شأن النجوم وقضائهم على الأمور بدلالاتها، فأراهم أنه معظَّم ما عظّموا، وملتمس الهدى من حيث التمسوا، وكل من تابعك على هواك وشايعك على أمرك كنت به أوثق وإليه أسكن وأركن، فأنِسوا واطمأنوا ﴿ فَلَمَّا أَفَلَ ﴾ أراهم النقص الداخل على النجم بالأفول؛ لأنه ليس [ينبغي] (٣٠) (٣١) ﴿ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ﴾ أي: لا أحب من كانت حالته أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث منتقل من مكانٍ إلى مكانٍ، أي: لا أتخذ ما هذه حاله إلها، كما أنكم لا تتخذون كل ما قد يجري مجرى هذا من سائر الأشياء آلهة.

وقيل: إنه قال: ﴿ هَذَا رَبِّي ﴾ على جهة الاحتجاج على قومه لا على معنى الشك ﴿ قَالَ هَذَا رَبِّي ﴾ عندكم وفيما تظنون وفي زعمكم، كما قال الله عز وجل: ﴿ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62)  ﴾ فأضافهم إلى نفسه حكايته لقولهم، وكقوله تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ  ﴾ أي: عند نفسك.

وجائز أن يكون هاهنا إضمار القول كأنه قال: [تقولون] (٣٢) ﴿ هَذَا رَبِّي ﴾ وإضمار القول كثير كقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا  ﴾ أي: يقولان: ربنا، وقوله تعالي: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ  ﴾ معناه: يقولون ما نعبدهم، فكأن إبراهيم قال لقومه: [تقولون] (٣٣) ﴿ هَذَا رَبِّي ﴾ أي: هذا الذي يدبّرني؛ لأنهم كانوا أصحاب نجوم يرون التدبير في الخليقة لها، فاحتج عليهم بأن الذي [تزعمون] (٣٤) فهذه ثلاثة أوجه صحيحة في تأويل الآية، ذكرها أهل المعاني، الوجه الأول: قول الفراء (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) ﴿ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ﴾ دلالة على أن ما غاب بعد ظهوره فليس برب، وفيه حجة على أن ما تغير (٣٩) (٤٠) (٤١) (١) لفظ: (الواو): ساقط من (أ).

(٢) (جن يستعمل لازمًا ومتعديًا، وهو مما اتفق فيه أفعل وفعل، إلا أن الأجود جن عليه الليل وأجنه الليل، فيكون الثلاثي لازمًا وأفعل متعديًا).

انظر: "الدر المصون" 5/ 8.

(٣) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 266.

(٤) هذه كلمات تحتاج إلى ضبط وهي على الترتيب كما يلي: الجَنَّة: بفتح الجيم والنون المشدد.

البستان كثير الشجر.

والجِنّ: بكسر الجيم وتشديد النون: خلاف الإنس والواحد، جِنّيٌّ.

والجُنُون: بضم الجيم والنون، يقال: جُنَّ الرَّجُلُ جُنُونًا، وأَجَنَّه الله، فهو مَجْنُون.

ويقال: جن عليه الليل يُجنُّ جُنونًا، أي ستره، وجن النباتُ جُنُونًا أي طال والتف.

والجَنَانُ، بالفتح: القَلْبُ، والرُّوحُ، وظَلامُ الليل.

والجنين، بفتح الجيم وكسر النون: الولد في البطن، وكل مستور.

والمِجَنُّ، بكسر الميم وفتح الجيم: التُّرْس، وكل ما استتر به من السلاح.

والجَنَنُ، بالفتح: القبر، والميت، والكفن.

والجُنُنُ، بالضم: الجُنُونُ، حذفت منه الواو.

والمُجَنُّ، ضبط في النسخ بضم الميم وفتح الجيم، ولم أقف على أنه المقبور، وفي "الصحاح": (جُنَّ الرجل جنونًا وأجنَّه الله فهو مجنون ولا يقال مُجَنٌّ).

والجُنَّة، بضم الجيم وفتح النون المشددة: ما استتر به من السلاح، وكل ما وَقَى.

والجِنَّة، بكسر الجيم: الجنون، وذلك أن يغطي العقل.

انظر: "العين" 6/ 20، و"الجمهرة" 1/ 92، و"تهذيب اللغة" 1/ 673، و"الصحاح" 5/ 2093، و"المجمل" 1/ 175، و"مقاييس اللغة" 1/ 421، و"المفردات" ص 303، و"اللسان" 2/ 702، و"القاموس" ص 1187 (جن).

(٥) انظر: المراجع السابقة.

وقال الطبري في "تفسيره" 7/ 247: (المصدر من جن عليه: جنًّا وجُنُونًا وجَنَانًا، ومن أجن إجنانًا ...) اهـ.

وقال السمين في 5/ 8: (مصدره جَنُّ وجَنان وجُنون) اهـ.

(٦) درَيْد بن الصِّمَّة الجُشمي من هوازن، شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.

(٧) "ديوانه" ص 29، و"مجاز القرآن" 1/ 198، و"الأصمعيات" ص 112، و"إصلاح المنطق" ص 295، و"الجمهرة" 1/ 93، و"الأغاني" 10/ 16، و"المجمل" 1/ 175، و"مقاييس اللغة" 1/ 422، و"اللسان" 2/ 701، وهو لخفاف بن ندبة السُّلَمي في "ديوانه" ص 130، و"الصحاح" 5/ 2094.

والرمث والأرطى: نبتان معروفان، وذو الرمث: وادٍ لبني أسد.

يقول: لولا أن الليل سترنا لأدركنا عياض بن ناشب الفزاري بذلك المكان فقتلناه.

انظر: "تهذيب إصلاح المنطق" 2/ 129، و"معجم البلدان" 3/ 68، و"اللسان" 2/ 701 (جن).

(٨) ذكره أكثرهم، وهو في "الديوان" وأكثر المراجع، (ولولا جنان)، وهما بمعنى واحد، وفي "الأغاني": (ولولا سواد) بدل (جنان).

(٩) لفظ: (الليل) ساقط من (ش).

(١٠) انظر: "الفريد" 2/ 177.

(١١) قرأ ابن عامر وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي: (رأى) بكسر الراء والهمزة.

وقرأ ابن كثير وعاصم: (رأى) بفتح الراء والهمزة.

وقرأ أبو عمرو: بفتح الراء وكسر الهمزة.

وقرأ نافع: بين الفتح والكسر.

انظر: "السبعة" ص 260، و"المبسوط" ص 170، و"التذكرة" 2/ 402، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 259.

(١٢) في (ش): (وكسرة)، وهو تحريف.

(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(١٤) كذا في النسخ، وفي "الحجة" لأبي علي 3/ 328: (كسرة الراء)، وهو الصواب، وقد ورد في بعض نسخ "الحجة" كسر الراء كما في "الحاشية".

(١٥) النُّعَر: داء يأخذ الإبل في رؤوسها، وحمار نَعِرٌ، بفتح النون وكسر العين: أي لا يستقر في مكان.

انظر: "الكتاب" 3/ 585، و"اللسان" 7/ 4472 (نعر).

(١٦) رجل محك، بفتح الميم وكسر الحاء، أي: لجُوج عسر الخُلق.

انظر: "اللسان" 7/ 4147 (محك).

(١٧) انظر: في (ش): (ليميل).

(١٨) انظر: المراجع السابقة في قراءة (رَأَى).

(١٩) في (ش): (ذكرنا).

(٢٠) في (أ): (رما، ورعا).

وكذلك جاء في بعض نسخ "الحجة" لأبي علي 3/ 330.

(٢١) أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الحفاظ الكوفي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، فقيل: كنيته هي اسمه، وقيل: اسمه شعبة، وهو إمام فاضل عابد ثقة مقرئ أتقن قراءة عاصم وعرض القرآن عليه ثلاث مرات، توفي سنة 194هـ، أو قبلها، وله نحو 100 سنة.

انظر: "الحلية" 8/ 303، و"سير أعلام النبلاء" 8/ 495، و"معرفة القراء" 1/ 134، و"ميزان الاعتدال" 6/ 173، و"غاية النهاية" 1/ 325، و"تهذيب التهذيب" 4/ 492.

(٢٢) يحيى بن آدم بن سليمان الأموي أبو زكريا الكوفي إمام فاضل حافظ ثقة مقرئ فقيه من أوعية العلم، وله كتب جيدة توفي سنة 203 هـ، وله نحو 73 سنة.

انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 402، و"الجرح والتعديل" 9/ 128، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 522، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 359، و"غاية النهاية" 2/ 263، و"تهذيب التهذيب" 4/ 337.

(٢٣) في "الحجة" لأبي علي 3/ 331: (روى يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن عاصم).

(٢٤) "الشاهد" لأبي الأسود الدؤلي في "ديوانه" ص 54، و"الكتاب" 1/ 169، و"معاني الفراء" 2/ 202، و"المقتضب" 2/ 312، و"اللسان" 5/ 2793، عتب، وبلا نسبة في "مجاز القرآن" 1/ 307، و"معاني الأخفش" 1/ 86، و"مجالس ثعلب" ص 123، و"الأصول" 3/ 455، و"الشعر" لأبي علي 1/ 114، و"الخصائص" 1/ 311، و"المنصف" 2/ 231، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 164، وصدره: فَاْلفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ الشاهد: حذف التنوين من ذاكر لالتقاء الساكنين أو ضرورة.

انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 934.

(٢٥) هذا قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 3/ 326 - 332، وانظر: "معاني القراءات" للأزهري 1/ 364، و"إعراب القراءات" لابن خالويه 1/ 161، و"الحجة" لابن خالويه ص 142، و"الحجة" لابن زنجلة ص 256، و"الكشف" 1/ 436.

(٢٦) أخرجه الطبري في "تاريخه" 1/ 236 عن السدي وابن إسحاق، وأخرجه ابن أبي هاشم 4/ 1329 عن السدي، وذكره الثعلبي في "عرائس المجالس" ص 74، عن السدي وابن إسحاق.

(٢٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 246 - 347 عن السدي وابن إسحاق وقتادة، وانظر: نحوه في "تهذيب تاريخ ابن عساكر" 2/ 137، وهذا من الإسرائيليات، والآية ظاهرة == واضحة، وليس تفسيرها في حاجة إلى هذه المرويات قال ابن كثير في "تاريخه" 1/ 143: (الظاهر أن الموعظة لأهل حران، فإنهم يعبدون الكواكب، وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب، لما كان صغيرًا، كما ذكره ابن إسحاق وغيره، وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها، ولا سيما إذا خالفت الحق ..) اهـ.

(٢٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٢٩) لفظ: (الواو): ساقط من (أ).

(٣٠) في (أ): (يتبغى)، وهو تصحيف.

(٣١) في (أ): (للاله).

(٣٢) في (ش): (يقولون).

(٣٣) في (ش): (يقولون).

(٣٤) في (ش): (يزعمون).

(٣٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 341.

(٣٦) "تأويل مشكل القرآن" ص 335 - 338، وقد نقل المؤلف نص كلامه.

(٣٧) "معاني الزجاج" 2/ 267 وفيه قال: (والذي عندي في هذا القول أنه قال لهم: تقولون هذا ربي، أي: هذا يدبرني؛ لأنه فيما يروى أنهم أصحاب نجوم فاحتج عليهم بأن الذي تزعمون أنه مدبر إنما يرى فيه أثر مُدبر لا غير) اهـ.

وانظر: "معاني النحاس" 2/ 450.

(٣٨) ذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 68 - 69، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 74، والصحيح في معنى الآية ما ذهب إليه الجمهور من أن هذا القول كان في مقام المناظرة لقومه؛ لإقامة الحجة عليهم في بطلان ما هم عليه من عبادة الكواكب والشمس والقمر؛ لأن الموافقة في العبارة على طريق إلزام الخصم من أبلغ الحجج وأوضح البراهين، ولأن الله تعالى قال في نفس القصة: ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ  ﴾ .

وهو اختيار الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في "تفسيره" 2/ 169.

وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 560، و"تفسير البغوي" 3/ 161، وابن عطية 5/ 261، والفخر الرازي 13/ 59، و"البحر المحيط" 4/ 166.

(٣٩) في (ش): (يغبر)، وهو تصحيف.

(٤٠) في (ش): (وبالأفول).

وقال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 5/ 547، 6/ 284: (اتفق أهل اللغة والتفسير على أن الأفول هو: التغيب والاحتجاب).

(٤١) في (ش): (ومدبرًا مسخرًا ومصرفًا).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل ﴾ أي ستره يقال: جنْ عليه الليل وأجنه ﴿ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبِّي ﴾ يحتمل أن يكون هذا الذي جرى لإبراهيم في الكوكب والقمر والشمس أن يكون قبل البلوغ والتكليف.

وقد روي أن أمه ولدته في غار؛ خوفاً من نمروذ إذ كان يقتل الأطفال؛ لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي، ويحتمل أن يكون جرى له ذلك بعد بلوغه وتكليفه، وأنه قال ذلك لقومه على وجه الرد عليهم والتوبيخ لهم، وهذا أرجح لقوله بعد ذلك ﴿ إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ ولا يتصور أن يقول ذلك وهو منفرد في الغار لأن ذلك يقتضي محاجة وردّا على قومه، وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن يبين لهم الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى أن هذه الأشياء لا يصح أن يكون واحداً منها إلهاً، لقيام الدليل على حدوثها.

وأن الذي أحدثها ودبر طلوعها وغروبها وأفولها هو الإله الحق وحده، وقوله: هذا ربي قول من ينصف خصمه، مع علمه أنه مبطل؛ لأن ذلك أدعى إلى الحق وأقرب إلى رجوع الخصم، ثم أقام عليه الحجة بقوله.

﴿ لا أُحِبُّ الآفلين ﴾ : أي لا أحب عبادة المتغيرين؛ لأن التغير دليل على الحدوث، والحدوث ليس من صفة الإله، ثم استمرّ على ذلك المنهاج في القمر وفي الشمس، فلما أوضح البرهان، وأقام عليهم الحجة، جاهرهم بالبراءة من باطلهم، فقال: ﴿ إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ ، ثم أعلن لعبادته لله وتوحيده له فقال: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض ﴾ ، ووصف الله تعالى بوصف يقتضي توحيده وانفراده بالملك، فإن قيل: لم احتج بالأفول دون الطلوع، وكلاهما دليل على الحدوث لأنهما انتقال من حال إلى حال؟

فالجواب أنه أظهر في الدلالة، لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أراك ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ لأبيه آزر ﴾ بالضم على النداء: يعقوب ﴿ رأى كوكباً ﴾ بإمالة الهمزة: أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش.

وكذلك ﴿ رآه ﴾ و ﴿ رآك ﴾ وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس وهبيرة من طريق الخراز بكسر الراء والهمزة.

وافق ابن ذكوان في ﴿ رأى ﴾ فقط وخالفهم فيما اتصلت بالكاف والهاء في سورة النجم.

وافق مجاهد والنقاش بالإمالة وكسر الراء في سورة "اقرأ باسم" ﴿ رأى القمر ﴾ و ﴿ رأى الشمس ﴾ ونحوهما بكسر الراء وفتح الهمزة: حمزة وخلف ونصر وعباس ويحي والخراز.

وروى خلف عن يحي بكسر الراء والهمزة ﴿ أتحاجوني ﴾ بتخفيف النون: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان.

الباقون: بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية ﴿ وقد هدان ﴾ بالإمالة: علي.

وقرأ سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الحالين، وافق أبو عمرو ويزيد واسماعيل في الوصل.

﴿ درجات ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الوقوف: ﴿ آلهة ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموقنين ﴾ ه ﴿ رأى كوكباً ﴾ ج لأن جواب "لما" قوله "رأى" مع اتحاد الكلام بلا عطف ﴿ ربي ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع فاء التعقيب فيها.

﴿ الآفلين ﴾ ه ﴿ هذا ربي ﴾ ج لذلك ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ هذا أكبر ﴾ ج لذلك ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ج لاحتمال الواو الحال أي وقد حاجه.

﴿ قومه ﴾ ط ﴿ هدان ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ علما ﴾ ط ﴿ تتذكرون ﴾ ه ﴿ سلطانا ﴾ ط للاستفهام بعد تمام الاستفهام ﴿ بالأمن ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف التقدير: إن كنتم تعلمون فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ تعلمون ﴾ ه لتناهي الاستفهام وابتداء إخبار، ولو وصل اتصل بما قبله ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ على قومه ﴾ ط ﴿ من نشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: إنه  كثيراً ما يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم صلوات الرحمن عليه لأنه يعرف بالفضل والتقدم عند جميع الطوائف، وذلك أنه سلم قلبه للرحمن ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان.

ثم إن بظاهر الآية يدل على أن اسم والد ابراهيم هو آزر، ومنهم من قال: اسمه تارح.

قال الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، فمن الملحدة من طعن في هذا النسب لهذا السبب.

والجواب أن إجماع النسابة لا عبرة به لأن ذلك ينتهي إلى قول الواحد أو الأثنين - مثل وهب وكعب - أو غيرهما.

سلمنا أن اسمه كان "تارح" لكنه من المحتمل أن يكون أحدهما لقباً والآخر اسماً أصلياً، أو يكون آزر صفة مخصوصة في لغتهم كالمخطىء والمخذول.

وقيل: إن آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية وهذا عند من يجوز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب.

وقيل: إن آزر اسم صنم يجوز أن ينبز به للزومه عبادته، فإن من بالغ في محبة واحد فقد يجعل اسم المحبوب اسماً للمحب قال  ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ وقال الشاعر: أدعى بأسماء نبزاً في قبائلها *** كأن أسماء أضحت بعض أسمائي.

أو أريد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقيل: إن والد إبراهيم كان تارح وكان آزر عماً له والعم قد يطلق عليه اسم الأب بدليل قوله ﴿ نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق  ﴾ ومعلوم أن إسماعيل كان عماً ليعقوب.

ومما يدل على صحة ظاهر الآية أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا حراصاً متهالكين على تكذيب الرسول  وإظهار نقصه، فلو كان النسب كذباً لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه، وحيث لم يكذبوه علمنا أن النسب صحيح، قالت المعتزلة ومن يجري مجراهم: إن أحداً من آباء الرسول  ما كان كافراً وفسروا قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ بانتقاله من ساجد إلى ساجد وأكدوه بما روي أنه  قال: "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وإن آزر كان عم إبراهيم وما كان والداً له لأن إبراهيم شافهه بالغلظة والجفاء في قوله: ﴿ إني أراك وقومك في ضلال مبين ﴾ وقد قال  ﴿ ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما  ﴾ ولأنه ناداه بالاسم في قراءة من قرأ "آزر" بالضم.

والنداء بالاسم دليل الاستخفاف ولهذا لم يقرأ بالضم في قوله ﴿ وقال موسى لأخيه هارون اخلفني  ﴾ وأجيب بأن قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ يحتمل وجوهاً أخرى سوف يجيء ذكرها، وبأن قوله "لم أزل أنتقل" محمول على أنه لم يقع في نسبه ما كان سفاحاً.

والتغليظ من إبراهيم إنما كان لأجل إصرار أبيه على الكفر كما قال ﴿ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه  ﴾ لا لأجل السفه والجفاء لقوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ ثم إن إبراهيم احتج على فساد اعتقاد عبدة الأصنام بقوله منكراً على آزر وقومه ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ أي معبودين.

وذلك أن الأصنام لو كان لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على عجزها وإن كثرت، واحتج بعضهم بالآية على وجوب معرفة الله  ،وعلى أن وجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع لأن إبراهيم حكم عليهم بالضلال من حيث النظر والاستدلال، وأجيب بأنه لعله عرف ضلالهم بحكم شرع الأنبياء المتقدمين عليه ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام والاشتغال بغير الله ﴿ نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ﴾ والنكتة فيه أن التخلي عن غير الله يوجب رفع الحجاب وبقدر ذلك يكون حصول التجلي والتحلي بالله وإنما لم يقل "أريناه" بلفظ الماضي لأنه أراد الحكاية كأنه قيل: كيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ في قوة الدين والذب عنه؟

فأجيب أنا كنا نريه الملكوت وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه، أو المقصود بيان ارتفاعه في معارج الكمال وازدياده في ذلك على سبيل الدوام والاستمرار فإن مخلوقاته تعالى وإن كانت متناهية في الذات وفي الصفات إلا أن جهات دلالاتها على ذاته وصفاته  غير متناهية كما قال إمام الحرمين: معلومات الله غير متناهية، ومعلوماته في تلك المعلومات أيضاً غير متناهية.

فإن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، فكل تلك الأحوال التقديرية معلومة لله  ، وكل تلك الأحوال دالة على حكمة الله  وعظمة قدرته، وإذا كان الجوهر الفرد كذلك فكيف كل الملكوت!

ولهذا قيل: السفر إلى الله  له نهاية، فأما السفر في الله  فإنه بلا نهاية.

والملكوت هو الملك والتاء للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت ومن الرهبة.

قال بعضهم: إنه  أراه الملكوت بالعين.

قالوا: شق له تحت السموات حتى رأى العرش والكرسي إلى منتهى الأجرام العلوية، وشق له الأرض إلى ما تحت الثرى فرأى ما فيها من البدائع والعجائب.

عن ابن عباس أنه قال: لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وأري ما فيها وما في الأرض من العجائب رأى عبداً على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، فقال الله  له: كف عن عبادي فهم بين خلال ثلاث: إما أن أجعل منهم ذرية طيبة، أو يتوبون فأغفر لهم، أو النار من ورائهم.

وقال الأكثرون: إن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة، لأن ملك السموات والأرض لا يرى وإنما يعرف بالعقل ولو أريد نفس السموات والأرض صار لفظ الملكوت ضائعاً.

وأيضاً قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ جارٍ مجرى الشرع والتفسير لتلك الإراءة فثبت أنه استدل بتغير الأجرام وإمكانها وحدوثها على وجود الإله الواجب الحكيم.

ثم قال بالآخرة ﴿ وتلك حجتنا ﴾ والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه.

وأيضاً الإراءة بالعين تفيد العلم الضروري بالإله القادر ومثل هذه المعرفة لا توجب المدح والثواب كما للكفار في الأخرة.

وأيضاً اليقين عبارة عن تحصيل علم بالتأمل إذا كان مسبوقاً بالشك، فالمراد نري إبراهيم ليستدل بها وليكون من الموقنين، أو ليكون من الموقنين نريه، أو فعلنا ذلك وذلك أن الإراءة قد تصير سبباً للجحود لا الإيقان كما في حق فرعون ﴿ ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى  ﴾ وأيضاً الإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال، وبتقدير الإمكان لا يكون لها دوام وبقاء، وبتقدير البقاء تكون شاغلة للرائي عن الله.

أما إذا نظر بعين البصيرة في المخلوقات وعرف حدوثها وإمكانها، وعرف أن كل ممكن يحتاج إلى الصانع الحق الواجب فكأنه بهاتين المقدمتين قد طالع صفحة الملكوت بعين عقله وسمعبأذن قلبه شهادتها بالاحتياج والانقياد لله، وهذه الرؤية باقية غير زائلة ولا شاغلة عن الله بل هي شاغلة للقلب والروح بالله.

وهذه الرؤية وإن كانت حاصلة لجميع الموحدين لقوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ إلا أن الاطلاع على تفاصيل آثار حكمة الله  في كل واحد من مخلوقات هذه العوالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وعوارضها ولواحقها كما هي، لا تحصل إلا لأكابر الأنبياء ولهذا قال  في دعائه "أرني الأشياء كما هي" ثم إن الإنسان في أول استدلاله لا ينفك قلبه عن اختلاج شبهة فيه، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت كان لكل واحد منها نوع تأثير وقوة، ويكون جارياً مجرى تكرار الدرس الواحد وتزداد النفس بكل منها نوراً وإشراقاً وانبساطاً إلى أن يحصل الجزم ويكمل الإيقان وتطلع شمس العلم والعرفان إلى حيث أتيح لها من الارتقاء والتصاعد وذلك قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ قال في الكشاف: إنه معطوف على قوله ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ وقوله ﴿ وكذلك نرى ﴾ جملة وقعت اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه.

يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل.

والتركيب يدور على الستر ومنه الجنة والجن والمجنون والجنين.

وقيل: جن عليه الليل أي أظلم عليه ولأجل هذا التضمين عدي بــ"على".

وأما "أجنة" فمعناه ستره من غير تضمين معنى أظلم.

واعلم أن كثيراً من المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه.

فأمر بذبح كل غلام يولد فحملت أم إبراهيم  به وما أظهرت حملها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر فجاء جبريل  فوضع أصبعه في فيه فمصه فخرج منه رزقه، وكان يتعهده جبريل  وكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه.

وبقي في الغار حتى كبر وعرف أن له رباً فسأل الأم فقال لها: من ربي؟

فقالت: أنا.

فقال: من ربك؟

فقالت: أبوك.

فقال لأبيه: من ربك؟

فقال: ملك البلد.

فعرف إبراهيم جهلهما بربهما.

فنظر من باب ذلك الغار ليرى ما يستدل به على وجود الرب  فرأى النجم الذي كان أصغر النجوم في السماء فقال: هذا ربي إلى آخر القصة.

ثم منهم من قال: كان هذا بعد البلوغ وأوان التكليف، ومنهم من قال: كان هذا قبل البلوغ.

وأكثر المحققين على فساد هذا القول لوجوه منها: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر لا يجوز على الأنبياء بالاتفاق.

ومنها أن إبراهيم كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة لأن الله  أخبر عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد بالرفق مراراً بقوله ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر  ﴾ الآيات.

وفي هذا الموضع دعا أباه إلى التوحيد بالكلام الخشن، والدعوة بالرفق مقدمة على الدعوة بالخشونة والغلظة.

ومنها أن هذه الواقعة كانت بعد أن أراه ملكوت السموات والأرض بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فلما جن ﴾ ومنها أنه تعالى وصفه بقوله ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم  ﴾ ومدحه بقوله ﴿ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل  ﴾ أي من أول زمان الفطرة.

ومنها قوله عقيب هذه القصة ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ ولم يقل "على نفسه".

ومنها أنه قال بعد القصة ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم.

ومنها قوله ﴿ وحاجة قومه ﴾ وفيه دليل على أنه إنما اشتغل بالنظر في الكواكب بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فقال ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ رداً وتنبيهاً على فساد قولهم، ويؤكده قوله ﴿ كيف أخاف ما أشركتم ﴾ لأنه يدل على أنهم كانوا قد خوفوه بالأصنام كما في قصة هود ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء  ﴾ ومنها أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، وكان ينبغي أن يستدل أوّلاً بغروب الشمس على عدم إلهيتها ثم يبطل إلهية القمر وسائر الكواكب بالطريق الأولى، ولما لم يكن كذلك علمنا أن المقصود إلزام القوم وإفحامهم.

والابتداء بأفول الكوكب لأنه اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلعت الشمس.

ثم ههنا احتمالان: الأول أن يقال إن هذا كلام إبراهيم بعد البلوغ ولكنه ذكره بلفظهم حتى يرجع إليه فيبطله، مثاله: أن يقول في مناظرة من يزعم قدم الجسم: الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نشاهده ونراه متركباً متغيراً.

فقولك "الجسم قديم" إعادة لكلام الخصم لإلزام الحجة عليه، أو المراد هذا ربي في زعمكم واعتقادكم كقول الموحد للجسم: الإله جسم محدود أي في زعمه واعتقاده.

قال  ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ وقال ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم  ﴾ أي عند نفسك.

وكان  يقول: " يا إله الآلهة في زعمهم" .

أو المراد منه لاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام لدلالة الكلام، أو أضمر القول أي يقولون هذا ربي وإضمار القول كثير ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا  ﴾ أي يقولان ربنا ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم  ﴾ أي يقولون: ما نعبدهم ﴿ إلا ليقربونا  ﴾ أو ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء، أو أنه  قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة لم يقبلوا قوله فمال إلى الاستدراج وذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم مع أن إبراهيم كان مطمئناً بالإيمان فكان بمنزلة المكره على كلمة الكفر حيث لم يجد إلى الدعوة المأمور بها طريقاً سوى ذلك.

وإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة تعود إلى شخص واحد لقوله  ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ فلأن يجوز ذكرها لتخليص جم غفير من الكفر والعقاب الأبدي أولى.

قالت العلماء: إن المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر.

ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال حتى لو صلى وترك القتال أثم.

وإن من كان في الصلاة فرأى طفلاً أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذهما ومثل هذه الواقعة قوله ﴿ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم  ﴾ وذلك أنهم كانوا يستدلون بعلم النجوم على الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع إنه كان بريئاً عنه في الباطن ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام قال المتكلمون: إنه يصح من الله  إظهار خوارق العادات على يد من يدعي الإلهية، لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يروج التلبيس ولكنه لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوّة كاذباً لأن التلبيس يروج حينئذ فكذا ههنا قوله ﴿ هذا ربي ﴾ لا يوجب الضلال لأن دلائل بطلانه جلية وفي ذلك استدراج لهم لقبول الدليل فكان جائزاً.

الاحتمال الثاني: أنه ذكر ذلك قبل البلوغ فلعله خطر بباله لشدة ذكائه قبل بلوغه إثبات الصانع  فتفكر فرأى النجم فقال ﴿ هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ﴾ ثم إنه  أكمل بلوغه في أثناء هذا الفكر فقال عند أفول الشمس ﴿ إني بريء مما تشركون ﴾ واعلم أن القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم  ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل يربيه محتملة في الجملة، لأن الإرهاص - وهو تقديم المعجز على وقت الدعوى - جائز عندنا.

ولم يجوّزه القاضي إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله  فتكون تلك الخوارق معجزة لذلك الرسول.

قال في الكشاف: فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟

قلت الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.

وأنا أقول: الاحتجاج بالبزوغ في الآية لا يصح لأنه  بين أنه نظر إلى الكوكب وقت كونه طالعاً لا حين بزوغه ليلزم مشاهدة التغير والانتقال، وكذا إلى القمر وإلى الشمس دليله أنه لم يقل رأى القمر يبزغ بل بازغاً.

ولو سلم فإن أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص والأوساط والعوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان فكل ممكن محتاج والمحتاج لا يجوز أن يكون منقطع الحاجات فلا بد من الانتهاء إلى الواجب بالذات.

وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث وكل محدث فهو محتاج إلى القديم.

وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب، فكل كوكب يغرب فإنه يزول نوره ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن كان كذلك فإنه لا يصلح للإلهية، أقصى ما في الباب أن يقال:إن لهاتأثيرات في أحوال العالم السفلى، ولكن تلك التأثيرات لما لم تكن لها بذاتها لزم استناد الكل إلى الواجب  وهو الإله الأعظم القادر على خلق السموات والنجوم النيرات، فيجب أن يكون قادراً على خلق البشر وعلى تدبير السفليات بالطريق الأولى فلا يلزم من وضع الواسطة رفع المبدأ بحال،ويعلم من قوله ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ أنه  ليس بجسم وإلا كان غائباً عنا فكان آفلاً، وإنه لا يصح عليه المجيء والذهاب والنزول والصعود ولا الصفات المحدثة.

وفيه أن معارف الأنبياء استدلالية لا ضرورية وأنه لا سبيل إلى معرفته تعالى إلى النظر والاستدلال.

أما قوله ﴿ فلما رأى القمر بازغاً ﴾ يقال بزغ القمر أو الشمس إذا ابتدأ بالطلوع.

وأصل البزغ الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً قاله الأزهري.

وفي قوله ﴿ إن لم يهدني ربي ﴾ إشارة إلى أن الهداية ليست إلا من الله  .

والمعتزلة حملوها على التمكين وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل، وزيف بأن كل ذلك كان حاصلاً فالهداية التي كان يطلبها بعد ذلك لا بد أن تكون زائدة عليها ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ﴾ أراد هذا الطالع أو هذا المرئي، أو ذكر بتأويل الضياء والنور، أو باعتبار الخبر وهو رب مع رعاية الأدب وهو ترك التأنيث عند اللفظ الدال على الربوبية كما لم يقولوا في صفة الله علامة وإن كانت بتاء مبالغة ﴿ هذا أكبر ﴾ أي أكبر الكواكب جرماً ونوراً، وقد برهن في الهيئة على أنها مائة وستة وستون مثلاً لكرة الأرض كلها.

وإنما لم يقتصر على ذكر الشمس أوّلاً مع أنه يلزم منه عدم ربوبية ما دونها من القمر والكواكب، لأنه أراد الأخذ من الأدون إلى الأعلى لمزيد التقرير والتصوير ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ قيل: لا يلزم من نفي ربوبية النجوم نفي الشريك مطلقاً.

والجواب أن القوم لم ينازعوه إلا في الصور المذكورة، فلما أثبت أنها ليست أرباباً ثبت بالاتفاق نفي الشركاء على الإطلاق.

ومعنى ﴿ وجهت وجهي للذي فطر ﴾ وجهت عبادتي لأجله فإن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره فإنه يوجه وجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة.

وأصل الفطر الشق يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، والحنيف المائل عن كل معبود سوى الله  .

قال أبو العالية: الذي يستقبل البيت في صلاته.

ثم إن قومه حاجوه متمسكين بالتقليد تارة كقولهم ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة  ﴾ وكقولهم للرسول  ﴿ أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب  ﴾ ومخوّفين إياه بالأصنام أخرى فأجابهم بقوله ﴿ أتحاجوني في الله وقد هدان ﴾ أي لما ثبت بالدليل الموجب للهداية صحة قولي فكيف ألتفت إلى حجتكم الواهية؟

﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر ﴿ إلا أن يشاء ﴾ إلا وقت مشيئة ﴿ ربي ﴾ شيئاً يخاف.

فحذف المضاف أي إلا إن أذنبت فيشاء إنزال العقوبة بي، أو إلا أن يريد ابتلائي بمحنة، أو إلا أن يمكن بعض تلك الأصنام من ضري مثل أن يرجمني بكوكب، أو كان قد أودع فيها طلسم فيصيبني مكروه من جهته بإذن الله  ، وفائدة الاستثناء أنه لو حدث به شيء من المكاره في الأيام المستقبلة لم يحمله الحمقى والجهلة على قدرة الأصنام ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فلا يفعل إلا الخير والصلاح ﴿ أفلا تتذكرون ﴾ أن نفي الأنداد عن رب الأرباب لا يوجد حلول العقاب ونزول العذاب، وأن الصحيح لا يساوي الفاسد، والعاجز لا يساوي القادر؟

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ﴾ إذ لا سلطان فينزل.

وقيل: إنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للصلاة والدعاء، ولكنه لم يؤمر به.

والمعنى ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم إلا من في موضع الخوف؟

ثم قال ﴿ فأي الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ولم يقل "فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم" اجتناباً عن تزكية نفسه.

والغرض إني أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية، والمعنى أن الذي حصل لهم الأمن المطلق هم المستجمعون لكمال القوة النظرية وسنامه الإيمان، ولكمال القوة العلمية وهو وضع الأشياء في موضعها وإليه الإشارة بقوله ﴿ ولم يلبسوا ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم ﴿ بظلم ﴾ .

قالت الأشاعرة: شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم داخلاً في الإيمان لم يكن لهذا التقييد فائدة فثبت أن الفاسق مؤمن.

وقالت المعتزلة: شرط في حصول الأمن حصول الأمرين: الإيمان وعدم الظلم.

فوجب أن لا يحصل إلا من الفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له أبداً.

وأجيب بأن الظلم ههنا الشرك لقوله ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ واجتماعه مع الإقرار بالصانع ممكن وحينئذ يصح إطلاق اللبس بمعنى الخلط ويكون المراد: الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا له شريكاً في المعبودية، ويؤيده أن القصة وردت في نفس الأضداد والأنداد.

وأيضاً لا يلزم من عدم الأمن المطلق حصول القطع بالعذاب الأبدي.

واعلم أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للذم والإنكار كمحاجة قوم إبراهيم، وتارة تكون موجبة للمدح وذلك إذا كان الغرض تقريراً لدين الحق والمذهب الصدق كمحاجة إبراهيم من قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ إلى ههنا وإليها الإشارة بقوله ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأنه رفع يتعدى إلى واحد، ومن قرأ بالتنوين فيكون كقوله ﴿ ورفع بعضهم درجات  ﴾ وقد تقدم في البقرة، واختلف في تلك الدرجات فقيل: أعماله في الآخرة، وقيل: تلك الحجج درجات رفيعة لأنها تقتضي ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني إلى أعلى العالم الروحاني، وقيل: نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة، وفي الآخرة بالجنة والثواب.

أو نرفع درجات من نشاء بالحكمة والعلم ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ فيرفع الدرجات بمقتضى الحكمة والعلم لا لموجب التشهي والشهوة.

التأويل: رأى إبراهيم ملكوت الأشياء أي بواطنها ليكون من الموقنين عند كشفها كما كان موقناً عند كشف الضلال المودع في آزر وقومه ﴿ فلما جن عليه ﴾ ظلمة ليل البشرية أمطر سحاب العناية غيث الهداية على أرض قلبه فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه، فرأى نور الرشد في صورة الكوكب طالعاً من أفق سماء روحانيته فقال: ﴿ هذا ربي ﴾ أراد به سره المكوكب لا الكوكب وإن لم يشعر به نفسه كما قيل: هوى فؤادي ولم يعلم به بدني *** فالجسم في غربة والروح في وطن فإن كذبت النفس فيما قالت للكواكب "هذا ربي" ما كذب الفؤاد ما رأى من الكوكب.

فقال ﴿ هذا ربي ﴾ فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب قال سره ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ فلما تسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر ﴿ قال هذا ربي فلما أفل ﴾ عند رجوعه إلى أوصافه ازداد الشوق قال إن ﴿ لم يهدني ربي ﴾ برفع حجب الأوصاف ويبقني على وجود الخليقة ﴿ لأكونن من القوم الضالين ﴾ عن الحق كآزر وقومه.

فلما انخرقت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية، وأشرقت أرض القلب بنور ربها ﴿ قال هذا ربي فلما أفلت ﴾ شمس الهداية تعززاً وتعظماً ليغرب إبراهيم  عن شرك الأنانية.

إن شمس النهار تغرب بالليل *** وشمس القلوب ليست تغيب.

تبرأ عن الأضداد والأنداد ونزعته همة الخلة عن الجهات وخلصه تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال.

فقال ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ وقد يدور في الخلد أن إبراهيم صلوات الله الرحمن عليه جن عليه ظلمة الشهبة فنظر أولاً في عالم الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغير فلم يرها تصلح للإلهية، فارتقى منها إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان حكمها حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجردة، فصادفها آفلة في أفق الإمكان فلم يبقَ إلا الواجب الحق.

ومن الناس من حمل الكوكب على الحس، والقمر على الخيال، والشمس على الوهم والعقل، ومراده أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية القوة، ومدبر العالم قاهر لها مستولٍ عليها ﴿ وحاجة قومه ﴾ ليسبلوا ستور شبههم على شموس عرفانه، وقد هداني إليه بالعيان بعد توالي البرهان ﴿ إلا أن يشاء ربي شيئاً ﴾ من الخذلان وهذا محال لأنه ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فهو أعلم بأهل العرفان وبأصحاب الخذلان ﴿ ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان حتى قال لجبريل: أما إليك فلا ﴿ وتلك ﴾ يعني إراءة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والتبري عما سواه والخلاص عن شرك الأنانية والإيمان الحقيقي بالعيان حتى ارتقى من الأفعال إلى الصفات ثم إلى الذات ﴿ آتيناها إبراهيم ﴾ بذاتنا من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ بجذبات الألوهية عن حضيض الأنانية الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ﴾ .

قيل: آزر: هو اسم أبي إبراهيم،  .

والحسن يقرأ: ﴿ آزَرَ ﴾ ، بالرفع ويجعله اسم أبيه.

وقال آخرون: هو اسم صنم، فهو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر أصنامناً آلهة.

وقوله: ﴿ أَتَتَّخِذُ ﴾ .

استعظاماً لما يعبد من الأصنام دون الله؛ لأن مثل هذا إنما يقال على العظيم من الفعل.

وقال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ آزَرَ ﴾ قيل: هو اسم عيب عندهم؛ كأنه قال: يا ضال أتتخذ أصناماً آلهة؛ كقول الرجل لآخر: يا ضال.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة كان اسم أبيه أو اسم صنم.

وفي الآية دلالة أن أباه كان من رؤساء قومه بقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يشتم أباه لمكان ربه؛ لأن إبراهيم -  - سماه ضالا.

وفيه دلالة أن الإيمان والتوحيد يلزم أهل الفترة في حال الفترة؛ لأن إبراهيم -  - سماهم ضلالا وهو لم يكن في ذلك [الوقت] رسولاً، إنما بعث رسولاً من بعد، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: ضلالاً لا شك فيه ولا شبهة، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث عبد ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً  ﴾ هذا الضلال البين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ : ذكر كذلك - والله أعلم - على معنى كما أريناك ملكوت السماوات والأرض والآيات؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم.

و ﴿ نُرِيۤ ﴾ بمعنى: أرينا وذلك جائز في اللغة، و "كذلك" لا تذكر إلا على تقدم شيء، لكن الوجه فيه ما ذكرنا كما أريناك من السماوات والأرض من الآيات والحجج والبراهين؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: سلطان السماوات والأرض.

وقيل: الشمس والقمر والكواكب.

وقيل: فرجت له السماوات السبع، حتى نظر إلى ما تحت العرش وما فيهن؛ وكذلك فرجت له الأرضون حتى رأى ما فيهن.

وقيل: ﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : خَبِّئ إبراهيم -  - من الجبابرة في سرب، فجعل الله في أصابعه رزقاً، فإذا مص إصبعا من أصابعه وجد فيها رزقاً، فلما خرج أراه الله الشمس والقمر، فكان ذلك ملكوت السماوات، وملكوت الأرض: الجبال والبحار والأشجار.

وقيل: نظر إلى ملك الله فيها حتى نظر إلى مكانه ورأى الجنة، وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل الأرضين، فذلك قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا  ﴾ قال: أري مكانه في الجنة.

وقيل: أجره الثناء الحسن.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ من الملك؛ وكذلك قال أبو عبيدة، وهو كجبروت ورحموت ورهبوت؛ فكذلك ملكوت.

وأصله: ما ذكر من الآيات والعجائب، [والله أعلم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ .

الإيقان بالشيء هو العلم بالشيء حقيقة بعد الاستدلال والنظر فيه والتدبر؛ ولذلك لا يوصف الله باليقين، ولا يجوز لله -  - أن يقال: موقن؛ لما ذكرنا [أنه] هو العلم الذي يعقب الاستدلال، وذلك منفي عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ .

قيل في قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ أي: كما أريناك ملكوت ما ذكر، فقوله: ﴿ نُرِيۤ ﴾ بمعنى أرينا.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ له وجهان: أحدهما: أنه كما أريناك ما أيقنت به أن الربوبية لله، وأنه الواحد لا شريك له من الآيات والأدلة، أريناه - أيضاً - ما ذكر حتى أيقن، فهو - والله أعلم - على التسوية بين الأسباب الدالة على الوحدانية لله والربوبية في المعنى، وإن كانت لأعيانها مختلفة، وعلى أن طريق المعرفة الاستدلال بما أنشأ الله من الدلالة لا السمع والحس، وإن كان في حجة السمع تأكيد.

والثاني: أن يكون ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ ﴾ على ما أظهر من الحجج على قومه؛ وهو كقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ ، وأعطاه ما أراه وأشعر قلبه من الحجج التي ألزم قومه بها أنطق بها الله - عز وجل - لسانه ليلزم حججه خلقه، والله الموفق.

﴿ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : الملك في الحقيقة من الوجه الذي يكون آية للإيقان ودليلا للإحاطة بالحق.

ثم اختلف في وجه ذلك: فمنهم من قال: هو ما أرى بصره، أعني: بصر الوجه؛ نحو الذي ذكر من فتح السماء حتى رأى ما فيها من العجائب والآيات إلى العرش، أو حيث قد زوى الأرض حتى رأى ما فيها من أنواع الخلق إلى الثرى، أو حيث بلغ.

ومنهم من قال: رفع إلى السماء حتى كانت الأرض بمن فيها [له] رأي العين، وكان له - صلوات الله عليه - مثل هذا من الأمور؛ نحو: أمر النار بالهجرة إلى حيث لا ضرع ولا زرع، وما جعل رزقه في أصابعه، وأمر بلوغ صوته في قوله -  -: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ  ﴾ [أن] كان على ما سمع منه، والله أعلم.

ومنهم من قال: هو ما أرى بصر قلبه من وجوه العبر وأنواع الأدلة عند التأمل في خلق الله بالفكر من غير أن كان في الخلق تغير على الأحوال التي كانت عليه، وهو أحق من يكون له في الذي كان كفاية عن حدوث أحوال تدل إذ هي حجج الله يستدل على قومه، من الوجه الذي جعل لجميع الخلق، لا من جهة خصوص آيات؛ فثبت أن ذلك كان له بهذا الوجه.

ثم هو يخرج على وجوه؛ منها: ما رأى من تسخير القمر والشمس والنجوم، وقطعها في كل يوم وليلة أطراف السماء والأرض جميعاً، ومسيرها تحت الأرض إلى أن يعود كل إلى مطلعه، يسير كل ذلك ما فوق الأرض إلى السماء، واستواء أحوال ذلك على ما عليه حد في كل عام وشهر، لا يزداد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر، مع عظيم ما بها من المنافع لأنواع دواب الأرض والطير جميعاً حتى يوقن كل متأمل أن مثل هذا لا يعمل بالطباع إلا أن يكون له مدبر حكيم جعله ذلك الطبع وسواه على ما شاء من الحد، وألا يتسق الأمر على التدبر والحكمة، إلا أن يكون مدبر ذلك، بحيث لا يحتاج إلى معين، ولا يجوز أن يكون له فيه منافع، ثم هو بذاته عليم قدير، وما في الأرض من تدبير الليل والنهار وأنهما يتعاقبان أبداً، ويسيران يقهران ما فيها من الجبابرة والفراعنة، حتى إن اجتمع جميع أهل الأرض على زيادة [في واحد] أو نقصان، أو تقديم أو تأخير؛ لما لهم من الحاجة، أو بما فيهم من القوة والقدرة مع معونة الجميع لهم في ذلك لم يتهيأ لهم، ولا بلغ توهم أحد في احتمال ذلك حتى يصير عند وجود كلٍّ كأن الآخر لم يكن قط، ثم عند العود إليهم كأنه لم يفارقهم قط، مع ما أودع أهل الأرض بهما من المنافع، وعليهم فيها أنواع مضار، ولهما سلطان على أعمارهم، على ما فيهما من أثر التسخير والتذليل الذي كل مقهور بالآخر، إذا جاء سلطانه وبلغ حده، وليس في واحد منهما امتناع عن قهر الآخر، وإن كان هو الظاهر القوي جريا جميعاً على حد واحد وسنن واحدة، ولا على ذلك على ما دل عليه الأول، مع ما فيما من [أثر العيث] [أمراً] ظاهراً لا يحتمل أن يجهله إلا سفيه معاند، والله أعلم.

ثم النور والظلمة والظل ونحو ذلك الذي يبسط بسعة جميع أطراف السماء والأرض يستر واحد كل شيء، ويبدي آخر عن كل شيء، ويحيط الثالث بكل شيء، ثم تعلق منافع الأهل بها على اختلافها، وبالسماء [و]الأرض على تباعد ما بينهما، وبالسهل والجبل [والبحر والبر] على تضاد معانيهما؛ وعلى ذلك جميع الأمور، فكان - صلوات الله عليه - بما أرى من المعنى وغيره من الموقنين أن لا إله إلا الله وجه إليه نفسه، وأن كل شيء نسب إليه الألوهية، محال أن يكون فيه وله إمكان ذلك، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

تكلموا في تأويل الآية على وجوه ثلاثة: فمنهم من جعل الأمر على ما عليه الظاهر: أنه غير عارف بربه حق المعرفة إلى أن عرف من الوجه الذي بان له عند الفراغ من آخر ما نسب إليه الربوبية أنه لا يعرف من جهة درك الحواس ووقوعها عليه، ولكن من جهة الآيات وآثار العقل، فقال: ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية، لكن أهل هذا القول اختلفوا على وجوه ثلاثة: أحدها: ما روي في التفسير أنه ربّي في السرب، ولم يكن نظر إلى شيء من خلق السماء، فنظر عن باب السرب في أوّل الليل، فرأى الزهرة بضوئها وتلألئها، وكان في علمه أن له ربا وأنه يرى، فلم ير أضوأ منها ولا أنور، فقال: هذا ربي، فلما أفل وله علم أن الرب دائم لا يزول، فقال: لا أحبّ، بمعنى: ليس هذا برب؛ كقوله: ﴿ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ  ﴾ أي: ليس لنا، وقول عيسى حيث قال: ﴿ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ  ﴾ [بمعنى]: ما قلت ذلك، لكن أهل هذا التفسير حملوا الأفول على غيبوبته بنفسه، وهو عندنا على غيبوبته في سلطان القمر [وقهر سلطان القمر] لما طلع سلطان النجم، وعنده أن الرب لا يقهر وأن سلطانه لا يزول؛ وعلى ذلك أمر القمر والشمس بظلمة الليل، وفي ذلك أنه لو كان [عنده أن الرب لا يقهر وأن سلطانه لا يزول] [وأنه لا يرى] لأنكر من ذلك الوجه أن يكون ربه بل أقر به، وأنكر الأفول والزوال، وهذا ينقض قول من يصفه بالزوال والانتقال من حال إلى حال.

ومنهم من يقول: كان هذا [منه في وقت] لم يكن جرى عليه القلم سمع الخلق يقولون في خلق السماء والأرض ونحو ذلك، وينسبون ذلك إلى الله؛ وعلى ذلك أمر جميع أهل الشرك؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ...

﴾ \[المؤمنون: 84\] إلى قوله: ﴿ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ ﴾ \[المؤمنون: 91\] ثم رآهم عبدوا الأصنام وسموها آلهة، فتأمل فوجدها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، علم أن مثلها لا يحتمل أن يكون يخلق ما ذكر، وأن الذي ذلك فعله لعلي عظيم، يجب طلب معرفته من العلو بما كان يسمع [نسبة] الملائكة إلى السماء ونزول الغيث منها، ومجيء النور والظلمة وكل أنواع البركات وغيرها منها، فصرف تدبير الطلب الذي نسب إليه الخلق إليها.

ثم أوّل ما أخذ في التأمل والنظر لم يقع بصره على أحسن وأبهى من الذي ذكر، فظنه ذلك، ثم لما قهر وقد كان علم بأن خالق من ذكر لا يجوز أن يقهر، فمن ذلك علم أنه ليس هو وقال لِمَنْ قَهَرَ، [و] ذلك إلى أن قهر الليل ضوء الشمس، وصار بحيث لا يجري له السلطان، ورأى في الكل آثار التسخير والتذليل، ولم ير فيها أعلام من [له] الأمر والخلق، فعلم أن الرب لا يدرك من ذلك الوجه، ولا يعرف من جهة الحواس، فرجع إلى ما سمع من أنه خلق السماوات والأرض، فوجه نفسه إليه بالعبودية، واعترف له بالربوبية بما في الخلق من آثار ذلك، وفي القول من تسمية من له الخلق ربا وإلها، فآمن به، وذلك كان أول أحوال احتماله علم الاستدلال وبلوغه المبلغ الذي من بلغه يجري عليه الخطاب، ولا قوة إلا بالله.

ومنهم من قال: إنه كان بالغاً قد جرى عليه القلم، وقد كان رأى ما ذكر غير مرة، لكن الله لما أراد أن يهديه ألهمه ذلك وألقاه في نفسه، فانتبه انتباه الإنسان لشيء كان عنه غافلا من قبل، فرأى كوكباً أحمر يطلع عند غروب الشمس، فراعاه إلى أن أفل، فأراد [إذن] من الله قربة، وعلم أن ربه لا يزول ولا يتغير، ففزع إليه وقال: ﴿ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ ﴾ ؛ وكذا ذكر في القمر والشمس إلى أن عرف الله، فتبرأ مما كانوا يشركون، وتوجه بالتوحيد والعبادة إليه؛ وإلى هذا التأويل ذهب الحسن.

الأول: روي عن ابن عباس  .

والثاني: قال به جماعة أهل الكلام، ونحن نتبرأ إلى الله أن نجعله رجلا بالغاً جرى عليه القلم، وهو كان - عن الله - بهذه الغفلة حتى يتوهمه في معنى نجم أو قمر أو شمس، مع ما يرى فيها الظهور بعد أن لم يكن، والأفول بعد الوجود، ثم آثار التسخير والعجز عن التدبير بما هو في جهد وبلاء، ومن له يعمل في راحة وسرور، ثم لا يرى في شيء من العالم أو له معنى يدل على رجوع التدبير إليه، فيتحقق له القول بذلك، والله يصفه بقوله: ﴿ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  ﴾ قيل: سليم من الشرك لم يشبه بشيء، وقال: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ وما يذكرونه إنما آتاه على نفسه إذ هو في الغفلة عنها، والجهل بمن له الآيات شريك قومه، وقد قال - أيضاً -: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، ومعلوم أن ذلك على معاينته أو أنه قد أرى كلا منهما، ولكن على ما بينت من الوجهين وفيهما حقيقة ذلك.

وليس في قوله: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ دلالة الشك في الابتداء، أو الجهل في الحال التي يحتمل العلم به [فسمى به] عز وجل، ولكن على أنه على ذلك الوجه يكون الإيقان ممن لا يقع عليه الحواس، ولا يوجب الضرورات، إنما هو الاستدلال بالآثار أو تلقي الأخبار، ولا قوة إلا بالله.

وذلك كقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا  ﴾ لا عن وضع كان، وقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ لا أن كانوا من قبل في الظلمات، وقول يوسف -  -: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ  ﴾ لا عن كونه فيها؛ وهكذا أمر الإيقان: أن يكون العبد في كل وقت موقناً بالله، وأن لا إله غيره، لا عن شك فيما تقدمه من الوقت أو الجهل، فمثله أمر إبراهيم،  .

والوجه الثاني - مما تكلم في التأويل: أن يكون إبراهيم -  - كان مؤمناً في ذلك الوقت، عارفاً بربه حق المعرفة، ولكنه كلم قومه كلام مستدرج بإظهار المتابعة لهم على هواهم؛ فيكونون به أوثق وإليه أميل، وذلك أبلغ في الحجاج وألطف في المكيدة، فيبين لهم ما أراد من غير جهة النقض والعناد، فبدأ بتعظيم ما عظموه؛ إذ هم قوم كانوا يعظمون النجوم، وبالعلم بأمرها أخبروا نمرود بولادة من يهلك على يده هو ويزول ملكه، وهذا كما ذكر أنه نظر [نظرة] في النجوم في مقاييسها وعلمها؛ لا أنه نظر إليها، ثم قال الذي ذكر لا من حيث علم النجوم، ولكن من حيث علمه أنه يموت ومن يَمُت يسقم، لكن أراهم الموافقة في العلم الذي لهم في ذلك الباب دعوى؛ فكذلك ما نحن فيه.

وعلى ذلك أمر الند الذي كان يعبده قوم عظَّمه الحواريُّ الذي أرسل إليهم، حتى اطمأنوا إليه وصدروا عن تدبيره وبلوا بعد، وكاد يحيط بهم، فدعاهم إلى دعاء الند ليكشف لهم؛ إذ لمثله يعبد حتى أيسوا، فدعاهم إلى الله فكشف عنهم، فأمنوا به، فمثله الأول.

وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، لكنه ذكر أنهم كانوا أصحاب نجوم وكهانة، ومن ذلك قوله لا يعبد النجم ولا يراه ربا فكيف أظهر الموافقة بتسمية النجم ربا، ثم النقض عليه بالأفول؟!

ولكن ذلك لو كان فإنما كان في قوم يعبدون النجوم والشمس والقمر، فألزمهم بالأفول؛ إذ فيه تسخير وغلبة سلطان على سلطان، وهذا الوجه يجوز أن يظهر على إضمار معنى في نفسه مستقيم: كالمكره على عبادة صليب يقصد قصد عبادة الله ونحوه، والمكره على شتم محمد  يقصد قصد محمد آخر يصوره في وهمه ونحو ذلك، فهو على ما قال: ﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ على جعل ﴿ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ شرطا في نفسه في قوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا  ﴾ ، والله أعلم.

وقيل في الاستدراج من غير هذا الوجه، على التسليم أنهم أهل كهانة ونجوم، وهو أنه لما رآهم يعبدون الأصنام والأوثان، دعاهم من طريق المقابلة؛ إذ هم مالوا إلى ذلك بما رأوا من حسن ذلك في البصر، بما قد زين بأنواع الزينة وحلي بأنواع الحلي، فأراهم أنه يعبد النجم وما ذكر، وأن الذي ذكر أحسن وأعظم نوراً وضياء؛ إذ هو بجوهره ونفسه كذلك، وما كانوا يعبدون بما فعلوا به وجعلوه كذلك؛ ليكره إليهم عبادتهم الأصنام، ويستنقذهم عما اعتادوه بالمعنى الذي ذكرت، ثم ألزمهم فساد ما مالوا إليه وقبلوا منه، قبل أن يقر ذلك في قلوبهم وتطمئن إلى ذلك أنفسهم، بما أظهر من فساد أن يكون الذي بذلك الوصف من التسخير أو ملكه على شرف الزوال، أو يصير بحيث يقر في قلوبهم عبادة من لا يشهدونه وقت العبادة؛ فيلزمهم على ذلك عبادة المستحق لها.

أو أن يقول: إذا كانت النجوم وما ذكر مع ضيائها ونورها وكثرة منافع الخلق بها لم تصلح لها الألوهية عند الجميع بالأفول والتسخير، فالذي كانوا يعبدون على ما سخرهم كانوا تحت البشر أذلاء، لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع أحق ألا يكون له الربوبية، وألا توجه إليه العبودية، والله أعلم.

فهذا النوع من الاستدراج فيما لو ظهر أنهم لم يكونوا يتخذون النجوم أرباباً يعبدونها؛ وكذلك الذي ذكره القتبي.

والتأويل الثالث للآية يخرج مخرج الإنكار والاستهزاء، ويكون في ذلك معنى الاستدراج؛ إذ هو الإلزام من حيث لا يشعر به، أو نقض أسباب الشبه درجة فدرجة في حلول المقت ولزوم المقصود بتعاطي ذلك الابتداء بالكشف عن الأسباب.

ثم قيل في هذا بأوجه: أحدها: أنهم كانوا يعبدون النجوم وما ذكر، ويدعون إلى ذلك الأولاد والصبيان - وإبراهيم منهم - فيما كانوا يدعونه إليه، فقال لما رأى النجم: هذا الذي تعبدون ربي، إي: إلى عبادته تدعونني، أي: هذا ربي الذي تدعونني إلى عبادته، فلما رآه طالعاً سائحاً غائباً ثبت عنده أنه سخر، فقال: لا أحب عبادته، لكن ذا قد يكون في خاص نفسه متفكراً في الذي دعوه إليه؛ ليعرف دفع قولهم من الوجه الذي يقر ذلك في القلوب إذا قابلهم به.

وقد يكون في ملأ منهم يظهر لهم قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ على إضمار: تدعونني إليه؛ ليلزمهم بما بان له فساد الربوبية، فيكون استدراجاً أيضاً؛ لأنه ألزمهم بعد ظهور الوفاق منه لهم.

وقد يكون ذكر هذا الذي تدعونني إليه أنه ربي سرا، ويهزأ بهم بإظهار الموافقة، يبين لهم ذلك بما ألزمهم أن الابتداء لم يكن على المساعدة؛ إذ ذلك [المعنى] الذي به ألزم كان ظاهرا عنده في الابتداء وعندهم جميعاً.

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ على ما يقال: هذا فلان الذي تخبرونني عنه، بمعنى: أهذا هو؟!

على إنكار أنه ليس بالمحل الذي أخبرتموني عنه، أو على الاستفهام ليقرره عنده.

وأي الوجهين كان فقد هزئ بهم، وظهر في المتعقب أن الأول كان على الهزء بهم والإنكار، أو الاستفهام؛ وذلك كقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ  ﴾ على أنهم لم يخلقوا كخلقه، يوضح قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ في الأول: ﴿ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ ﴾ .

ويجوز أن يكون هذا أضمر في قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ ، أي: رب هذا ربي إلى آخر ما ذكر، ثم رجع إليه [عند التقرير] عندهم أنه لا يليق بالربوبية الذي ظنوا أنه ساعدهم عليه.

ثم قد بينا الدليل على أنه لم يكن كافراً في ذلك الوقت مع ما قد ثبت من عصمة الرسل عن الكبائر، فكيف يبلون بالكفر والله يقول: ﴿ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ وكل متمكن فيه الكفر شريك أمثاله، فلا وجه لتخصيص الأهل.

ثم جملة ذلك أن الله  لو أراد أن يبين حقيقة الحال، أو كانت بنا إلى معرفة حقيقة ذلك من المراد والوقت حاجة في أمر الدين - لكان يبين ذلك، أو يرد في ذلك عن [رسول الله]  لكن العلم بحقيقة ذلك إذ هو علم الشهادة بما ليس لنا، وعلينا بالوصول [عمل تكلف، ولا تكلف الشهادة بوقت القول، وهو متمكن فيه فحقه أن يتأمل وجه الحكمة في ذكر القصة وما فيها من الحجة في أمر الدين]، فهو - والله أعلم - يخرج على وجوه: أحدها: على جعل ذلك حجة لرسالة رسوله؛ إذ هو من أنباء الغيب، ونبي الله نشأ بمكة ولم يكن ثم من يعلمه ذلك، ولا فارق قومه واختلف إلى من عنده علم الأنبياء بتوارثهم كتب الأنبياء، ولا كان رسول الله  ممن يخط بيمينه أو يقف على المكتوب؛ دل أنه علمه بالله  وتعالى ، مع ما كان في القصة حجج التوحيد ودفع عبادة الأصنام وتسفيه أهل ذلك، فلم يحتمل أن يكون تعليم مثل ذلك من الدافعين لذلك المدعين على إبراهيم اليهودية والنصرانية؛ وبعد فإن كتبهم بغير لسانه، وفي العبارة بلسان [غيره] توهم الاختلاف والتغيير، فلا يحتمل الاحتجاج بمثله بما يحتمل الإنكار والدفع.

[الثاني]: وفيه استعطاف قوم رسول الله  ؛ إذ هم من ذرية إبراهيم -  - بما يدعوهم إلى دين آبائهم، مع ما كانوا هم أصحاب تقليد وحفظ آثار الآباء، فألزمهم القول في آبائهم بما لا مدفع لهم القول بغير الذي قلدوا؛ إذ إبراهيم -  - عند جميع المشركين إمام يؤتم به أحق من كل أب، مع ما كان كل مولود على دينه مذكوراً محفوظاً في الخلق، ومن خالفهم فهو ممحوق الاسم والذكر جميعاً، فكان في ذلك أعظم الدليل أن هؤلاء من الأنبياء أحق بالتقليد من الذين اتبعوه؛ وعلى ذلك اتفاق أهل الكتاب على موالاة إبراهيم من غير أن تهيأ لهم دفع ما أثبت رسول الله  من توحيده، ولا ما قرره عندهم من دينه بشيء يجدونه خلافاً لذلك في كتبهم.

والثالث: أن إبراهيم -  - صرف معرفة الرب من جهة خلقه، ودان بدينه من جهة النظر في الآيات والبحث عنها، دون أن يقلد أباه أو قومه؛ ليعرف سبيل طلب الحق ووجه اتباعه؛ ليكون ذلك تذكرة لجميع ذريته.

والرابع: أنه ذكر الخبر عن أحواله بمخرج ظاهر يوهم المكروه، وله وجه الصرف إلى ما [ليس] فيه نفار عنه للطبع، ولا يأباه للعقل؛ ليمتحن عباده بالقول فيه والوقف في أمره.

والخامس: ليعلم أن المحاجة في الدين على قدر ما تحتمله العقول لازمة؛ إذ بها أفحم إبراهيم قومه وأظهر دين ربه، فيبطل بذلك قول كثير من المسلمين الذين يكرهون المناظرة في الدين، ويرون في ذلك تقليد الإسنادين وظواهر ما جاءت به الآثار، التي في اتباع أمثالها تناقض عند العقلاء، ولا قوة إلا بالله.

والسادس: أن المناظرة تكون بوجهين: بطلب الدلالة في تثبت القول، وبإظهار الفساد بما يتمكن فيه من العيب؛ إذ هو رد ما ادعوا من الربوبية فيمن ذكر، بما في ذلك من آثار التدبير لغيره؛ وكذلك قال في الأصنام: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَنِي  ﴾ إلى آخر ما أخبر؛ فمرة أبطل قولهم بالمعنى الذي بضده احتج في ثبات قوله، [وجائز في كل ذلك أن يقول لهم]: ما الدليل على ما تدعون لما تذكرون من الربوبية؟

والسابع: جواز التسليم بإظهار الموافقة، وإن كان المسلم بحقيقة ذلك منكرا وله دافعاً، إذا كان في المساعدة بذلك في الظاهر نيل الفرصة والظفر بالبغية؛ إذ على ذلك خرجت مناظرته قومه، [وعلى ذكر] ما احتج به في قوله: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ  ﴾ إذ قال خصمه: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ  ﴾ ، وإقباله على حجة هي أوضح من ذلك وأقهر للعقل وألزم في الطبع، فقال: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ  ﴾ .

والثامن: أن يعلم أن الله لم يهمل القوم في شيء من الأزمنة دون أن يجعل لهم أدلة للحق يظفرون بها لو تأملوا، ولا ألزم خلقه في زمان من الأزمان بشيء لو بحث عنه لا يوقف عليه ولا يتهيأ له؛ ولذلك أظهر الحجج وآثار البينات؛ ليعلم أنه جعل أوامره كلها تالية الأدلة والبراهين؛ ليقطع بها عذر من تأبى نفسه القيام بها.

والتاسع: أن يعلم أنه لا أحد يقوم بالحجاج ولا ينطق بحسن البيان إلا بعطية الله وامتنانه عليه بما ينطق به لسانه ويوفقه للقيام به بقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ .

ثم العاشر: أن يكون بفضله ينال الدرجات في أمر دينه، ويرتقي إلى منازل الفضل والشرف بمشيئته؛ كما قال: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ ، وأنه متى شاء الرفع كان، والله أعلم.

وقد قال بعض أصحاب الإمامة في تأويل الآية: زعم أنهم أخذوه من شرح على أن تأويل النجم: المأذون، والقمر: اللاحق، والشمس: الإمام، بمعنى: أنه قال للمأذون: هذا ربي عنى به رب التربية رباه بالعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ أَفَلَ ﴾ .

أي: فني ما عنده رغب عنه وقال: لا أحب هذا، ثم ظفر باللاحق، ثم كذلك بالإمام، ثم توجه نحو التالي بالقبول من الرسول؛ إذ التالي عندهم هو الذي فطن ما ذكر، فلما جاوز درجة المتم - وهو الإمام - صار إلى درجة الرسالة، وهو القابل من التالي بالخيال والمصور للشرائع عندهم، فألزموا بهذا عبادة أرباب، وأن الارتفاع من درجة إلى درجة بأولئك.

وذلك أمر متناقض على المتأمل؛ لأنه لما فني ما عند المأذون صار إلى اللاحق، والمأذون كان به مأذوناً فلم يكن الثاني بما يصير إليه أحق من الأول؛ إذ لو كان به صار مأذوناً ولو كان ثم درجة أخرى، فإما أن يكون ينال تلك في الوقت الذي يلقى المأذون ذلك إلى غيره أو لا: فإن كان لا ينال فلا أسفه من المأذون؛ حيث امتنع عما يُعْليه إلى الدرجة الثانية وبلغ غيره أو ينال معه، فإذا صار هو معه في درجة المتم فكيف قال: لا أحبه، وهو آثر الذي ذلك وصفه؟!

ثم كيف قال لا أحب وذهاب ما به أخذ بحظه عن الأخذ من الآخر؟!

أو كيف صار ربه قبل أن يربيه، فلما رباه تبرأ من ربوبيته وآثر ربا آخر؟!

فإذا عاقبة شكره وسعي ربه في شأنه كفرانه به؛ وكذلك درجة فدرجة حتى يكفر بالتالي ثم بالعقل، ثم يصير إلى رب العالمين، وهو الربّ في الابتداء والانتهاء، لا رب لأحد سواه [جل عن الشركاء]؛ إذ إليه حاصل الأمر ومصير الخلق، ولو كان كل مرتق حدا يرتقي آخر لكانت تلك الحدود يكون أبدا آخرها، فيكون الكل توالى أو مطلقاً، ويبطل الأولاء والمأذونون والأئمة جميعاً، وقد كرم الله -  - عليا - كرم الله وجهه - عن هذا الخيال، وعصمه عن هذا الوسواس، والحمد لله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فحين أظلم عليه الليل، رأى كوكبًا، فقال: هذا ربي، فلما غاب الكوكب قال: لا أحب من يغيب؛ لأن الإله الحق حاضر لا يغيب.

<div class="verse-tafsir" id="91.vMdNX"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله