الآية ٨ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٨ من سورة الأنعام

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ) [ أي : فيكون معه نذيرا ] قال الله : ( ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ) أي : لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب ، كما قال تعالى : ( ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ) [ الحجر : 8 ] ، [ و ] قال تعالى : ( يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين [ ويقولون حجرا محجورا ] ) [ الفرقان : 22 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المكذبون بآياتي، العادلون بي الأندادَ والآلهةَ، يا محمد، لك لو دعوتهم إلى توحيدي والإقرار بربوبيتي, وإذا أتيتهم من الآيات والعبر بما أتيتهم به، واحتججت عليهم بما احتججت عليهم مما قطعتَ به عذرَهم: هَلا نـزل عليك ملك من السماء في صورته، (25) يصدّقكَ على ما جئتنا به, ويشهد لك بحقيقة ما تدَّعي من أنَّ الله أرسلك إلينا!

كما قال تعالى ذكره مخبرًا عن المشركين في قِيلهم لنبي الله صلى الله عليه وسلم: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [سورة الفرقان: 7] ، =" ولو أنـزلنا مَلَكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون " ، يقول: ولو أنـزلنا ملكًا على ما سألوا، ثم كفروا ولم يؤمنوا بي وبرسولي, لجاءهم العذابُ عاجلا غيرَ آجل, (26) ولم يُنْظروا فيؤخَّروا بالعقوبة مراجعةَ التوبة, (27) كما فعلت بمن قبلهم من الأمم التي سألت الآيات، ثم كفرت بعد مجيئها، من تعجيل النقمة، وترك الإنظار، كما:- 13078 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون "، يقول: لجاءهم العذاب.

13079 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون " ، يقول: ولو أنهم أنـزلنا إليهم ملكًا، ثم لم يؤمنوا، لم يُنْظَروا.

13080 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " لولا أنـزل عليه ملك " في صورته =" ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر " ، لقامت الساعة.

13081 - حدثنا ابن وكيع, عن أبيه قال، حدثنا أبو أسامة, عن سفيان الثوري, عن عكرمة: " لقضي الأمر " ، قال: لقامت الساعة.

13082- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر " ، قال يقول: لو أنـزل الله ملكًا ثم لم يؤمنوا, لعجل لهم العذاب.

* * * وقال آخرون في ذلك بما :- 13083- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، أخبرنا بشر بن عمارة, عن أبي روق، عن الضحاك, عن ابن عباس قوله: " ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون " ، قالا لو آتاهم ملك في صورته لماتوا, ثم لم يؤخَّرُوا طرفةَ عينٍ .

* * * --------------- الهوامش : (25) انظر تفسير"لولا" فيما سلف 2 : 552 ، 553/10 : 448 وما سيأتي ص: 343.

(26) انظر تفسير"قضى" فيما سلف 2: 542/4: 195/9: 164.

(27) انظر تفسير"انظر" فيما سلف 3: 264/6: 577.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون[ ص: 305 ] قوله تعالى : وقالوا لولا أنزل عليه ملك اقترحوا هذا أيضا و ( لولا ) بمعنى هلا .

ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر قال ابن عباس : لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته .

مجاهد وعكرمة : لقامت الساعة .

قال الحسن وقتادة : لأهلكوا بعذاب الاستئصال ; لأن الله أجرى سنته بأن من طلب آية فأظهرت له فلم يؤمن أهلكه الله في الحال .

ثم لا ينظرون أي : لا يمهلون ولا يؤخرون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقَالُوا } أيضا تعنتا مبنيا على الجهل، وعدم العلم بالمعقول.

{ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } أي: هلا أنزل مع محمد ملك، يعاونه ويساعده على ما هو عليه بزعمهم أنه بشر، وأن رسالة الله، لا تكون إلا على أيدي الملائكة.

قال الله في بيان رحمته ولطفه بعباده، حيث أرسل إليهم بشرا منهم يكون الإيمان بما جاء به، عن علم وبصيرة، وغيب.

{ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا } برسالتنا، لكان الإيمان لا يصدر عن معرفة بالحق، ولكان إيمانا بالشهادة، الذي لا ينفع شيئا وحده، هذا إن آمنوا، والغالب أنهم لا يؤمنون بهذه الحالة، فإذا لم يؤمنوا قضي الأمر بتعجيل الهلاك عليهم وعدم إنظارهم، لأن هذه سنة الله، فيمن طلب الآيات المقترحة فلم يؤمن بها، فإرسال الرسول البشري إليهم بالآيات البينات، التي يعلم الله أنها أصلح للعباد، وأرفق بهم، مع إمهال الله للكافرين والمكذبين خير لهم وأنفع، فطلبُهم لإنزال الملك شر لهم لو كانوا يعلمون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقالوا لولا أنزل عليه ) على محمد صلى الله عليه وسلم ، ( ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ) أي : لوجب العذاب ، وفرغ من الأمر ، وهذا سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية فأنزلت ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب ، ( ثم لا ينظرون ) أي : لا يؤجلون ولا يمهلون ، وقال قتادة : لو أنزلنا ملكا ثم لم يؤمنوا لعجل لهم العذاب ولم يؤخروا طرفة عين ، وقال مجاهد : لقضي الأمر أي لقامت القيامة ، وقال الضحاك : لو أتاهم ملك فى صورته لماتوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالوا لولا» هلا «أنزل عليه» على محمد صلى الله عليه وسلم «ملك» يصدقه «ولو أنزلنا ملكا» كما اقترحوا فلم يؤمنوا «لقضي الأمر» بهلاكهم «ثم لا ينظرون» يمهلون لتوبة أو معذرة كعادة الله فيمن قبلهم من إهلاكهم عند وجود مقترحهم إذا لم يؤمنوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال هؤلاء المشركون: هلا أنزل الله تعالى على محمد مَلَكًا من السماء؛ ليصدقه فيما جاء به من النبوة، ولوأنزلنا مَلَكًّا من السماء إجابة لطلبهم لقضي الأمر بإهلاكهم، ثم لا يمهلون لتوبة، فقد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعض مقترحاتهم المتعنتة ورد عليها بما يدحضها فقال :{ وَقَالُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } .أى : قال الكافرون للنبى صلى الله عليه وسلم هلا كان معك ملك يا محمد لكى يشهد بصدقك ونسمع كلامه ، ونرى هيئته ، وحينئذ نؤمن بك ونصدقك .قال محمد بن إسحاق " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم - قومه إلى الإسلام ، وكلمهم فأبلغ إليهم ، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب والنضر بن الحارث بن كلده ، وعبد بن يغوث وأبى بن خلق بن وهب والعاص بن وائل بن هشام : لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويروى معك " .فهم لا يريدون ملكا لا يرونه ، وإنما يريدون ملكا يمشى معه ويشاهدونه بأعينهم .وأسند - سبحانه - القول إليهم مع أن القائل بعضهم ، لأنهم جميعا متعنتون جاحدون ، وما يصدر عن بعضهم إنما هو صادر فى المعنى عن جميعهم لأن الباعث واحد ، ولولا هنا للتحضيض فلا تحتاج إلى جواب .أى : وقال الكافرون للنبى صلى الله عليه وسلم هلا كان معك ملك يا محمد لكى يشهد بصدقك ونسمع كلامه ، ونرى هيئته ، وحينئذ نؤمن بك ونصدقك .وقد رد الله تعالى - على قولهم هذا بردين حكيمين :أما الرد الأول : فقال فيه : { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } .أى : لو أنزلنا ملكا كما اقترح هؤلاء الكافرون وهم على ما هم عليه من الكفر والجحود ، لقضى الأمر بإهلاكهم ، ثم لا ينظرون ، أى : لا يؤخرون ولا يمهلون ليؤمنوا ، بل يأخذهم العذاب عاجلا ، فقد مضت سنة الله فيمن قبلهم ، أنهم كانوا إذا اقترحوا آية وأعطوها ولم يؤمنوا يعذبهم الله بالهلاك ، والله - تعالى - لا يريد أن يهلك هذه الأمة التى بعث فيها خاتم رسله نبى الرحمة صلى الله عليه وسلم بسبب إجابة مقترحات أولئك المعاندين المستكبرين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا النوع الثالث من شبه منكري النبوّات فإنهم يقولون: لو بعث الله إلى الخلق رسولاً لوجب أن يكون ذلك الرسول واحداً من الملائكة فإنهم إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر، وقدرتهم أشد، ومهابتهم أعظم، وامتيازهم عن الخلق أكمل، والشبهات والشكوك في نبوّتهم ورسالتهم أقل.

والحكيم إذا أراد تحصيل مهم فكل شيء كان أشد إفضاءً إلى تحصيل ذلك المطلوب كان أولى.

فلما كان وقوع الشبهات في نبوّة الملائكة أقل، وجب لو بعث الله رسولاً إلى الخلق أن يكون ذلك الرسول من الملائكة هذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ .

واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين: أما الأول: فقوله: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الأمر ﴾ ومعنى القضاء الإتمام والإلزام.

وقد ذكرنا معاني القضاء في سورة البقرة.

ثم هاهنا وجوه: الأول: أن إنزال الملك على البشر آية باهرة، فبتقدير إنزال الملك على هؤلاء اللكفار فربما لم يؤمنوا كما قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة ﴾ إلى قوله: ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء الله  ﴾ وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال، فإن سنّة الله جارية بأن عند ظهور الآية الباهرة إن لم يؤمنوا جاءهم عذاب الاستئصال، فهاهنا ما أنزل الله تعالى الملك إليهم لئلا يستحقوا هذا العذاب والوجه الثاني: أنهم إذا شاهدوا الملك رهقت أرواحهم من هول ما يشهدون، وتقريره: أن الآدمي إذا رأى الملك فإما أن يراه على صورته الأصلية أو على صورة البشر.

فإن كان الأول لم يبقَ الآدمي حياً، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى جبريل عليه السلام على صورته الأصلية غشي عليه، وإن كان الثاني فحينئذ يكون المرئي شخصاً على صورة البشر، وذلك لا يتفاوت الحال فيه سواء كان هو في نفسه ملكاً أو بشراً.

ألا ترى أن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم، وأضياف لوط، وكالذين تسوروا المحراب، وكجبريل حيث تمثل لمريم بشراً سوياً.

والوجه الثالث: أن إنزال الملك آية باهرة جارية مجرى الالجاء، وإزالة الاختيار، وذلك مخل بصحة التكليف.

الوجه الرابع: أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهات المذكورة إلا أنه يقوي الشبهات من وجه آخر، وذلك لأن أي معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة والعلم لفعلنا مثل ما فعلته أنت، فعلمنا أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهة من الوجوه المذكورة لكنه يقوي الشبهة من هذه الوجوه.

وأما قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ ﴾ فالفائدة في كلمة ﴿ ثُمَّ ﴾ التنبيه على أن عدم الانظار أشد من قضاء الأمر، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة.

وأما الثاني: فقوله: ﴿ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً ﴾ أي لجعلناه في صورة البشر.

والحكمة فيه أمور: أحدها: أن الجنس إلى الجنس أميل.

وثانيها: أن البشر لا يطيق رؤية الملك.

وثالثها: ان طاعات الملائكة قوية فيستحقرون طاعة البشر، وربما لا يعذرونهم في الاقدام على المعاصي.

ورابعها: أن النبوّة فضل من الله فيختص بها من يشاء من عباده، سواء كان ملكاً أو بشراً.

ثم قال: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴾ قال الواحدي: يقال لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً، وأصله من التستر بالثوب، ومنه لبس الثوب لأنه يفيد ستر النفس والمعنى أنا إذا جعلنا الملك في صورة البشر فهم يظنون كون ذلك الملك بشراً فيعود سؤالهم أنا لا نرضى برسالة هذا الشخص.

وتحقيق الكلام أن الله لو فعل ذلك لصار فعل الله نظيراً لفعلهم في التلبيس، وإنما كان ذلك تلبيساً لأن الناس يظنون أنه بشر مع أنه ليس كذلك، وإنما كان فعلهم تلبيساً لأنهم يقولون للقومهم إنه بشر مثلكم والبشر لا يكون رسولاً من عند الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كتابا ﴾ مكتوباً ﴿ فِى قِرْطَاسٍ ﴾ في ورق ﴿ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ ولم يقتصر بهم على الرؤية، لئلا يقولوا سكرت أبصارنا، ولا تبقى لهم علة.

لقالوا ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ تعنتاً وعناداً للحق بعد ظهوره ﴿ لَّقُضِىَ الامر ﴾ لقضي أمر إهلاكهم ﴿ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ ﴾ بعد نزوله طرفة عين.

إما لأنهم إذا عاينوا الملك قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن، ثم لا يؤمنون كما قال: ﴿ وَلَوْأننا َنزَلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى ﴾ [الأنعام: 111] لم يكن بدّ من إهلاكهم، كما أهلك أصحاب المائدة، وإما لأنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزول الملائكة، فيجب إهلاكهم.

وإما لأنهم إذا شاهدوا ملكاً في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون ومعنى ﴿ ثُمَّ ﴾ بعد ما بين الأمرين: قضاء الأمر، وعدم الإنظار.

جعل عدم الإنظار أشدّ من قضاء الأمر، لأنّ مفاجأة الشدّة أشدّ من نفس الشدّة ﴿ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً ﴾ ولو جعلنا الرسول ملكاً كما اقترحوا لأنهم كانوا يقولون: لولا أنزل على محمد ملك.

وتارة يقولون: ﴿ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ ﴾ [المؤمنون: 33] ، ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّنَا لاَنزَلَ ملائكة ﴾ [فصلت: 14] ﴿ لجعلناه رَجُلاً ﴾ لأرسلناه في صورة رجل، كما.

كان ينزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعم الأحوال في صورة دحية.

لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في صورهم ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ﴾ ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ، فإنهم يقولون: إذا رأوا الملك في صورة إنسان: هذا إنسان وليس بملك، فإن قال لهم: الدليل على أني ملك أني جئت بالقرآن المعجز، وهو ناطق بأني ملك لا بشر- كذبوه كما كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فإذا فعلوا ذلك خذلوا كما هم مخذولون الآن، فهو لبس الله عليهم.

ويجوز أن يراد: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ﴾ حينئذ مثل ما يلبسون على أنفسهم الساعة في كفرهم بآيات الله البينة: وقرأ ابن محيصن: ﴿ ولبسنا عليهم ﴾ ، بلام واحدة.

وقرأ الزهري: ﴿ وللبَّسْنا عليهم ما يلبِّسُون ﴾ ، بالتشديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ ﴾ مَكْتُوبًا في ورَقٍ.

﴿ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ ﴾ فَمَسُّوهُ، وتَخْصِيصُ اللَّمْسِ لِأنَّ التَّزْوِيرَ لا يَقَعُ فِيهِ فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا، ولِأنَّهُ يَتَقَدَّمُهُ الإبْصارُ حَيْثُ لا مانِعَ، وتَقْيِيدُهُ بِالأيْدِي لِدَفْعِ التَّجَوُّزِ فَإنَّهُ قَدْ يَتَجَوَّزُ بِهِ لِلْفَحْصِ كَقَوْلِهِ: وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ ﴿ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ تَعَنُّتًا وعِنادًا.

﴿ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ هَلّا أُنْزِلَ مَعَهُ مَلَكٌ يُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ كَقَوْلِهِ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ ﴿ وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ وبَيانٌ هو المانِعُ مِمّا اقْتَرَحُوهُ والخَلَلُ فِيهِ، والمَعْنى أنَّ المَلَكَ لَوْ أُنْزِلَ بِحَيْثُ عايَنُوهُ كَما اقْتَرَحُوا لَحَقَّ إهْلاكُهم فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ قَدْ جَرَتْ بِذَلِكَ فِيمَن قَبْلَهم.

﴿ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴾ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالُواْ لَوْلآ} هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ} على النبي صلى الله عليه وسلم {مَلَكٌ} يكلمنا أنه نبي فقال الله {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر} لقضي أمر هلاكهم {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين لأنهم إذا شاهدوا ملكاً في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون ومعنى ثم بعد ما بين الأمرين قضاء الأمر وعدم الإنظار جعل عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجأه الشدة أشد من نفس الشدة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ قَدْحِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما هو أصْرَحُ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ (لَوْ) ويُغْتَفَرُ في الثَّوانِي ما يُغْتَفَرُ في الأوائِلِ واعْتُرِضَ بِأنَّ تِلْكَ المَقالَةَ الشَّنْعاءَ لَيْسَتْ مِمّا يُقَدَّرُ صُدُورُهُ عَنْهم عَلى تَقْدِيرُ تَنْزِيلُ الكِتابِ المَذْكُورِ بَلْ هي مِن أباطِيلِهِمُ المُحَقَّقَةِ وخُرافاتِهِمُ المُلَفَّقَةِ الَّتِي يَتَعَلَّلُونَ بِها كُلَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا بُعْدَ في تَقْدِيرِ صُدُورِ هَذِهِ المَقالَةِ عَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ لِأنَّهُ مِمّا يُوقِعُ الكافِرَ المُعانِدَ في حَيْصَ بَيْصَ فَلا يَدْرِي بِماذا يُقابِلُهُ، وأيَّ شَيْءٍ يَتَشَبَّثُ بِهِ، وكَلِمَةُ (لَوْلا) هُنا لِلتَّحْضِيضِ، والمَقْصُودُ بِهِ التَّوْبِيخُ عَلى عَدَمِ الإتْيانِ بِمَلَكٍ يُشاهَدُ مَعَهُ حَتّى تَنْتَفِيَ الشُّبْهَةُ بِزَعْمِهِمْ أخْرَجَ أبُو المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ  قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَّغَنِي فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضِرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلْدَةَ وعَبَدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وابْنُ أبِي خَلَفِ بْنُ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويُرى مَعَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ ﴾ إلَخْ» أيْ هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يَكُونُ مَعَهُ يُحَدِّثُ النّاسَ عَنْهُ ويُخْبِرُهم أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ إلَيْهِمْ، ولَعَلَّ هَذا نَظِيرُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ ولَمّا كانَ مَدارُ هَذا الِاقْتِراحِ عَلى شَيْئَيْنِ إنْزالِ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ وجَعْلِهِ مَعَهُ  يُحَدِّثُ النّاسَ عَنْهُ ويُنْذِرُهم أُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَبايِنَيْنِ فَإنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ جَعْلِهِ مُحَدِّثًا ونَذِيرًا وجَعْلِهِ مُحَدِّثًا ونَذِيرًا يَسْتَدْعِي عَدَمَ إنْزالِهِ عَلى صُورَتِهِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ أنْزَلْنا ﴾ عَلَيْهِ مَلَكًا عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ فَشاهَدُوهُ بِأعْيُنِهِمْ: لَقُضِيَ الأمْرُ أيْ لَأُتِمَّ أمْرُ هَلاكِهِمْ بِسَبَبِ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ لِمَزِيدِ هَوْلِ المَنظَرِ مَعَ ما هم فِيهِ مِن ضَعْفِ القُوى وعَدَمِ اللِّياقَةِ وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم هم إنَّما رَأوُا المَلَكَ في صُورَةِ البَشَرِ ولَمْ يَرَهُ أحَدٌ مِنهم عَلى صُورَتِهِ غَيْرَ النَّبِيِّ  رَآهُ كَذَلِكَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً في الأرْضِ بِجِيادٍ ومَرَّةً في السَّماءِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا مُحْتاجٌ إلى نَقْلٍ عَنِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ والَّذِي صَحَّ مِن رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّ النَّبِيَّ  رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّتَيْنِ كَما ذُكِرَ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أحَدٌ أنَّ أحَدًا مِن إخْوانِهِ الأنْبِياءِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَرَهُ كَذَلِكَ، ولَمْ يَرِدْ هَذا -كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ وناهِيكَ بِهِ حافِظًا في شَيْءٍ- مِن كُتُبِ الآثارِ، وأمّا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ  وكَذا رُؤْيَةُ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ غَيْرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الصُّورَةِ الأصْلِيَّةِ فَهي جائِزَةٌ بِلا رَيْبٍ، وظاهِرُ الأخْبارِ وُقُوعُها أيْضًا لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا وُقُوعُ رُؤْيَةِ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ أقِفْ فِيها عَلى شَيْءٍ لا نَفْيًا ولا إثْباتًا، وعَدَمُ وُقُوعِ رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ صَحَّ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ إذْ لَيْسَتْ صُوَرُ المَلائِكَةِ كُلُّهم كَصُورَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في العِظَمِ، وخَبَرُ الخَصْمَيْنِ والأضْيافِ لِإبْراهِيمَ ولُوطٍ وداوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةً عَلى أكْثَرِ مِن رُؤْيَةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ لِلْمَلائِكَةِ بِصُورَةِ الآدَمِيِّينَ وهي لا تَسْتَلْزِمُ أنَّهم لا يَرَوْنَهم إلّا كَذَلِكَ وإلّا لاسْتَلْزَمَتْ رُؤْيَةُ نَبِيِّنا  جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الكَلْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَثَلًا عَدَمَ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم إلّا بِالصُّورَةِ الآدَمِيَّةِ وهو خِلافُ ما تَفْهَمُهُ الأخْبارُ، وبِناءُ الفِعْلِ الأوَّلِ في الجَوابِ لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى نُونِ العَظَمَةِ مَعَ كَوْنِهِ في السُّؤالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وبِناءُ الثّانِي لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ.

وكَلِمَةُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴾ 8 - أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ إنْزالِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَحْظَوْا مِنهُ بِكَلِمَةٍ أوْ يُزِيلُوا بِهِ بِزَعْمِهِمْ شُبْهَةً لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ قَضاءُ الأمْرِ وعَدَمُ الإنْظارِ فَإنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ لَهم مُهْلَةً قُدِّرَ أنْ يَتَأمَّلُوا واعْتُرِضَ بَأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: (لَقُضِيَ) ولا يُمْهِلُ لِلتَّأمُّلِ بَعْدَ قَضاءِ الأمْرِ وقِيلَ في سَبَبِ إهْلاكِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ إنْزالِ المَلَكِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ: إنَّهم إذا عايَنُوهُ قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  في صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ وهي آية لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنها ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إهْلاكِهِمْ فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ جَرَتْ بِذَلِكَ فِيمَن قَبْلَهم مِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ نُزُولِ ما اقْتَرَحَ.

ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَزُولُ اخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ عِنْدَ نُزُولِهِ لِأنَّ هَذِهِ آيَةٌ مُلْجِئَةٌ قالَ تَعالى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا ﴾ فَيَجِبُ إهْلاكُهم لِئَلّا يَبْقى وجُودُهم عارِيًا عَنِ الحِكْمَةِ إذْ ما خُلِقُوا إلّا لِلِابْتِلاءِ بِالتَّكْلِيفِ وهو يَبْقى مَعَ الإلْجاءِ، وفِيهِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِقَواعِدِ أهْلِ السُّنَّةِ ولا يَتَسَنّى إلّا عَلى قَواعِدِ المُعْتَزِلَةِ وهي أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ ومَعَ هَذا هو غَيْرُ صافٍ عَنِ الأشْكالِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ هَذا الوَجْهَ يُنافِي ما قَبْلَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلى بَقاءِ الِاخْتِيارِ وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إذا عايَنُوا المَلَكَ قَدْ نَزَلَ ودَلالَةُ هَذا عَلى سَلْبِ الِاخْتِيارِ وزَوالِهِ وأنَّ الإيمانَ إيمانُ يَأْسٍ وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: لا يُحْسُنُ أنْ يُجْعَلَ سَبَبُ مُناجَزَتِهِمْ بِالهَلَكِ وُضُوحَ الآيَةِ في نُزُولِ المَلَكِ فَإنَّهُ رُبَّما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الآياتِ الَّتِي لَزِمَهُمُ الإيمانُ بِها دُونَ نُزُولِ المَلَكِ في الوُضُوحِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالوَجْهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ تَعْجِيلِ عُقُوبَتِهِمْ بِتَقْدِيرِ نُزُولِ المَلَكِ وعَدَمِ إيمانِهِمْ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ما يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الإيمانِ عَلَيْهِ إذِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ الوُجُوبُ عَلَيْهِ المُعْجِزُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مُعْجِزًا لا المُعْجِزُ الخاصُّ فَإذا أُجِيبُوا عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ فَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِمْ كانُوا حِينَئِذٍ عَلى غايَةٍ مِنَ الرُّسُوخِ في العِنادِ المُناسِبِ لِعَدَمِ النَّظْرَةِ، ولَعَلَّ الوَجْهَ الَّذِي عَوَّلْنا عَلَيْهِ هو الأوْلى وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّ ﴿ لا يُنْظَرُونَ ﴾ يَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمْ لا عَلى هَلاكِهِمْ بِرُؤْيَةِ المَلَكِ يَنْدَفِعُ بِما أشَرْنا إلَيْهِ كَما لا يَخْفى، ولَيْسَ بِتَكَلُّفٍ يُتْرَكُ لَهُ كَلامُ تُرْجُمانِ القُرْآنِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلنَّذِيرِ المُحَدِّثِ لِلنّاسِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَفْهُومُ مِن فَحْوى الكَلامِ بِمَعُونَةِ المَقامِ، والضَّمِيرَ الثّانِيَ لِلْمَلَكِ لا لِما رَجَعَ إلَيْهِ الأوَّلُ أيْ: ولَوْ جَعَلَنا النَّذِيرَ الَّذِي اقْتَرَحْتُمْ إنْزالَهُ مَلَكًا لَمَثَّلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا لِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ مُعايَنَةَ المَلَكِ عَلى هَيْكَلِهِ الأصْلِيِّ، وفي إيثارِ (رَجُلًا) عَلى (بَشَرًا) إيذانٌ عَلى ما قِيلَ بِأنَّ الجَعْلَ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ لا بِطْرِيقَ قَلْبِ الحَقِيقَةِ وتَعْيِينٌ لِما يَقَعُ بِهِ التَّمْثِيلُ، وفِيهِ إشْعارٌ كَما قالَ عِصامُ الدِّينِ وغَيْرُهُ بِأنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ امْرَأةً وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وإنَّما الِاخْتِلافُ في نُبُوَّتِها والعُدُولُ عَنْ (ولَوْ أنْزَلْناهُ مَلَكًا) إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ يُعْلَمُ سِرُّهُ مِمّا تَقَدَّمَ في بَيانِ المُرادِ وقِيلَ: العُدُولُ لِرِعايَةِ المُشاكَلَةِ لِما بَعْدُ، ووَجَّهَ شَيْخُ الإسْلامِ عَدَمَ جَعْلِ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِلْمَلَكِ المَذْكُورِ قَبِلَ بِأنْ يُعْكَسَ تَرْتِيبُ المَفْعُولَيْنِ، ويُقالَ: ولَوْ جَعَلْناهُ نَذِيرًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا مَعَ فَهْمِ المُرادِ مِنهُ أيْضًا بِأنَّهُ لِتَحْقِيقِ أنَّ مَناطَ إبْرازِ الجَعْلِ الأوَّلِ في مَعْرِضِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، ومَدارُ اسْتِلْزامِهِ الثّانِي إنَّما هو مَلَكِيَّةُ النَّذِيرِ لا نَذِيرِيَّةُ المَلَكِ وذَلِكَ لِأنَّ الجَعْلَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مُبْتَدَأً والثّانِي خَبَرًا لِكَوْنِهِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المَنقُولِ مِن صارَ الدّاخِلُ عَلى المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ولا رَيْبَ في أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَدارَ اللُّزُومِ بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّرْطِيَّةِ هو مَحْمُولُ المُقَدَّمِ لا مَوْضُوعُهُ فَحَيْثُ كانَتْ (لَوِ) امْتِناعِيَّةً أُرِيدَ بَيانُ انْتِفاءِ الجَعْلِ الأوَّلِ لِاسْتِلْزامِهِ المَحْذُورَ الَّذِي هو الجَعْلُ الثّانِي وجَبَ أنْ يَجْعَلَ مَدارَ الِاسْتِلْزامِ في الأوَّلِ مَفْعُولًا ثانِيًا لا مَحالَةَ، ولِذَلِكَ جَعَلَ مُقابِلَهُ في الجَعْلِ الثّانِي كَذَلِكَ إبْرازًا لِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَهُما المُوجِبِ لِانْتِفاءِ المَلْزُومِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ ذلك أن النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية وغيرهما قالوا لرسول الله  : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تنزل علينا كتاباً من السماء.

قال الله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ يقول: مكتوباً في صحيفة فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ يقول: عاينوه وأخذوه بأيديهم ما يصدقونه لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: يقول الذين كفروا: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ولا يؤمنون به وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ من السماء فيكون معه نذيراً.

فقال الله تعالى: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً من السماء لَقُضِيَ الْأَمْرُ يعني لهلكوا إذا عاينوا الملك، ولم يؤمنوا، ولم يصدقوا ولنزل العذاب بهم ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ يعني: لا ينتظر بهم حتى يعذبوا.

ويقال: لو نزل الملك لنزل بإهلاكهم.

ويقال: لو أنزلنا ملكاً لا يستطيعون النظر إليه فيموتوا.

ثم قال: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني: لو أنزلنا ملكاً بالنبوة لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني: لأنزلناه على شبه رجل، على صورة آدمي.

ألا ترى أنهم حين جاءوا إلى إبراهيم-  - جاءوا على صورة الضيفان.

وعلى داود-  - مثل خصمين.

وكان جبريل-  - ينزل على رسول الله  على صورة دحية الكلبي.

ثم قال: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ يعني لو نزل الملك على أشباه الآدميين لا يزول عنهم الاشتباه.

والتلبس وروى بعضهم عن ابن عامر أنه قرأ: مَّا يَلْبِسُونَ بنصب الباء يعني: جعلنا عليه من الثياب ما يلبسونه على أنفسهم.

ظنوا أنه آدمي.

والقراءة المعروفة: بالكسر.

يقال: لبس يلبس إذا لبس الثوب.

ولبس يلبس: إذا خلط الأمر.

وقال القتبي: وَلَلَبَسْنا يعني: أضللناهم بما ضلوا به مِن قَبْلِ أَن يبعث الملك.

ثم قال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ يا محمد كما استهزأ بك قومك في أمر العذاب فَحاقَ بِالَّذِينَ يقول: وجب ونزل بالذين سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ بالرسل.

ويقال: فَحاقَ أي: رجع.

وقال أهل اللغة: الحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فَعَلَتْه نفسه.

كقوله: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] وقال الضحاك: كان النبيّ  جالساً في المسجد الحرام مع المستضعفين من المؤمنين بلال بن رباح وصهيب بن سنان وعمار بن ياسر وغيرهم.

فمر بهم أبو جهل بن هشام في ملأ من قريش وقال: يزعم محمد أن هؤلاء ملوك أهل الجنة فأنزل الله تعالى عل رسوله هذه الآية ليثبت بها فؤاده، ويصبره على أذاهم فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني: إن سخر أهل مكة من أصحابك فقد فعل ذلك الجهلة برسلهم فجعل الله تعالى دائرة السوء على أهل ذلك الاستهزاء.

ثم أمر المشركين بأن يعتبروا بمن قبلهم وينظروا إلى آثارهم في الأرض فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقيل: القَرْنُ الزمن نَفْسُهُ، وهو على حَذْفِ مضاف، تقديره: من أَهْلِ قرن.

قال عياض في «الإكمال» : واختلف في لَفْظِ القَرْنِ، وذكر الحربي «١» فيه الاخْتِلاَفَ من عَشْرِ سنين إلى مائة وعشرين، ثم قال يعني الحربي: وليس منه شيء وَاضِحٌ، وأرى القرن كُلّ أمة هَلَكَتْ، فلم يَبْقَ منها أحد.

انتهى.

والضمير في مَكَّنَّاهُمْ عائد على القَرْنِ، والمخاطبة في لَكُمْ هي للمؤمنين، ولجميع المُعَاصِرِينَ لهم من سائر الناس، والسَّماءَ هنا المطر، ومِدْراراً بناء تكثير، ومعناه: يدرُّ عليهم بِحَسَبِ المنفعة.

وقوله سبحانه: وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ.

أَنْشَأْنا: اخترعنا، وخلقنا، ويظهر من الآية أن القَرْنَ إنما هو وَفَاةُ الأَشْيَاخِ، ثم وِلاَدَةُ الأطفال.

وقوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ الآية.

لمْا أَخْبَرَ عنهم- سبحانه- بأنهم كذبوا بكل ما جَاءَهُمْ من آية أَتْبَعَ ذلك بإخْبَارٍ فيه مُبَالغة، والمعنى: ولو نزلنا بِمَرْأًى منهم عليك كتاباً أي: كلاماً مَكْتُوباً في قِرْطَاسٍ، أي:

في صحيفة.

فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ يريد: أنهم بالغوا في مَيْزِهِ وتقليبه ليرتفع كل ارْتِيَابٍ لعاندوا فيه، وتابعوا كُفْرَهُمْ وقالوا: هذا سحر مبين.

وقوله سبحانه: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ أي: يصدّق محمداً في نبوءته، ثم ردّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: لَماتُوا، ولَمْ يُؤَخَّرُوا طَرْفَةَ عَيْنٍ لِتَوْبَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَقامَتِ السّاعَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ، قالَهُ قَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ﴾ لَمّا أخْبَرَ عنهم - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهم كَذَّبُوا بِكُلِّ ما جاءَهم مِن آيَةٍ؛ تَبِعَ ذَلِكَ إخْبارٌ فِيهِ مُبالَغَةٌ مُضَمَّنَهٌ أنَّهُ لَوْ جاءَهم أشْنَعُ مِمّا جاءَ لَكَذَّبُوا أيْضًا؛ والمَعْنى: ﴿ "وَلَوْ نَزَّلْنا" ﴾ بِمَرْأًى مِنهم ﴿ "عَلَيْكَ كِتابًا" ﴾ - أيْ كَلامًا مَكْتُوبًا - ﴿ "فِي قِرْطاسٍ" ﴾ - أيْ في صَحِيفَةٍ؛ ويُقالُ: "قُرْطاسٌ"؛ بِضَمِّ القافِ - ﴿ "فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ" ﴾ - يُرِيدُ أنَّهم بالَغُوا في مَيْزِهِ وتَقْلِيبِهِ - لِيَرْتَفِعَ كُلُّ ارْتِيابٍ؛ لَعانَدُوا فِيهِ؛ وتابَعُوا كُفْرَهُمْ؛ وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ".

ويُشْبِهُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ اقْتِراحُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ وتَعَنُّتُهُ؛ إذْ قالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَصْعَدَ إلى السَماءِ؛ ثُمَّ تَنْزِلَ بِكِتابٍ؛ فِيهِ: مِن رَبِّ العِزَّةِ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ يَأْمُرُنِي بِتَصْدِيقِكَ؛ وما أرانِي مَعَ هَذا كُنْتُ أُصَدِّقُكَ"؛ ثُمَّ أسْلَمَ؛ بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ ؛ وقُتِلَ شَهِيدًا في الطائِفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حِكايَةٌ عَمَّنْ تَشَطَّطَ مِنَ العَرَبِ؛ بِأنْ طَلَبَ أنْ يَنْزِلَ مَلَكٌ يُصَدِّقُ مُحَمَّدًا في نُبُوءَتِهِ؛ ويُعْلِمَ عَنِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ حَقٌّ؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: لَقامَتِ القِيامَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقالَ قَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا فَكَذَّبُوا بِهِ؛ لَقُضِيَ الأمْرُ بِعَذابِهِمْ؛ ولَمْ يُنْظَرُوا؛ حَسْبَما سَلَفَ في كُلِّ أُمَّةٍ اقْتَرَحَتْ بِآيَةٍ؛ وكَذَّبَتْ بَعْدَ أنْ أُظْهِرَتْ إلَيْها"؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ ﴾ أيْ: لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ ؛ فَإنَّ أهْلَ التَأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُطِيقُونَ رُؤْيَةَ المَلَكِ في صُورَتِهِ؛ فالأولى في قَوْلِهِ: "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَتِهِ.

و"يُنْظَرُونَ"؛ مَعْناهُ: يُؤَخَّرُونَ؛ و"اَلنَّظِرَةُ": اَلتَّأْخِيرُ.

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "وَلَوْ جَعَلْناهُ"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ اَلْمَعْنى: "إنّا لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ - ولا بُدَّ - في خَلْقِ رَجُلٍ؛ لِأنَّهم لا طاقَةَ لَهم عَلى رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ"؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ زَيْدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى الحَدِيثُ الوارِدُ عَنِ الرَجُلَيْنِ اللَذَيْنِ صَعِدا عَلى الجَبَلِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِيَرَيا ما يَكُونُ في حَرْبِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِلْمُشْرِكِينَ؛ فَسَمِعا حِسَّ المَلائِكَةِ؛ وقائِلًا يَقُولُ في السَماءِ: "أقْدِمْ حَيْزُومُ"؛ فَماتَ أحَدُهُما لِهَوْلِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ بِرُؤْيَةِ مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ؟

ولا يُعارَضُ هَذا بِرُؤْيَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وغَيْرِهِ في صُوَرِهِمْ؛ لِأنَّ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُعْطِيَ قُوَّةً غَيْرَ هَذِهِ كُلِّها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

﴿ "وَلَلَبَسْنا"؛ ﴾ أيْ: "لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وعَلى ضَعَفَتِهِمْ"؛ أيْ: لَفَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ فِعْلًا مُلْبِسًا يُطَرِّقُ لَهم إلى أنْ يُلْبَسُوا بِهِ؛ وذَلِكَ لا يَحْسُنُ؛ ويَحْتَمِلُ الكَلامُ مَقْصِدًا آخَرَ؛ أيْ: "لَلَبَسْنا نَحْنُ عَلَيْهِمْ كَما يَلْبِسُونَ هم عَلى ضَعَفَتِهِمْ؛ فَكُنّا نَنْهاهم عَنِ التَلْبِيسِ؛ ونَفْعَلُهُ بِهِمْ"؛ ويُقالُ: "لَبَسَ الرَجُلُ الأمْرَ؛ يَلْبِسُهُ؛ لَبْسًا"؛ إذا خَلَطَهُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَلَبَّسْنا"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وشَدِّ الباءِ.

وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ؛ وسِياقُ الكَلامِ ومَعانِيهِ يَقْتَضِي أنَّها في كُفّارِ العَرَبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ ولو نزّلنا عليك كتاباً ﴾ ، لأنّ هذا خبر عن تورّكهم وعنادهم، وما قبله بيان لعدم جدوى محاولة ما يقلع عنادهم، فذلك فُرض بإنزال كتاب عليهم، من السماء فيه تصديق النبي صلى الله عليه وسلم وهذا حكاية لاقتراح منهم آية يصدّقونه بها.

وفي سيرة ابن إسحاق أنّ هذا القول واقع، وأنّ من جملة من قال هذا زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث بن كَلدة، وعبدة بن عبد يغوث؛ وأبَي ابن خلف، والعاصي بن وائل، والوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومن معهم، أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم سل ربّك أن يبعث معك ملكاً يصدّقك بما تقول ويراجعنا عنك.

فقوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ أي لولا أنزل عليه ملك نشاهده ويخبرنا بصدقه، لأنّ ذلك هو الذي يتطلّبه المعاند.

أمّا نزول الملك الذي لا يرونه فهو أمر واقع، وفسّره قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكونَ معه نذيراً ﴾ في سورة الفرقان (7).

والضمير عائد إلى الذين كفروا} وإن كان قاله بعضهم، لأنّ الجميع قائلون بقوله: وموافقون عليه.

و ﴿ لولا ﴾ للتحضيض بمعنى (هلاً).

والتحضيض مستعمل في التعجيز على حسب اعتقادهم.

وضمير ﴿ عليه ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم ومعاد الضمير معلوم من المقام، لأنّه إذا جاء في الكلام ضمير غائب لم يتقدّم له معاد وكان بين ظهرانيهم من هو صاحب خبر أو قصة يتحدّث الناس بها تعيّن أنَّه المراد من الضمير.

ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين استأذنه في قتل ابن صيّاد: «إن يكْنه فلن تسلّط عليه وإلاّ يكْنه فلا خير لك في قتلة».

يريد من مائر الغيبة الثلاثة الأولى الدجّال لأنّ الناس كانوا يتحدّثون أنّ ابن صيّاد هو الدجّال.

ومثل الضمير اسم الإشارة إذا لم يذكر في الكلام اسم يشار إليه.

كما ورد في حديث أبي ذرّ أنّه قال لأخيه عند بعثة محمد صلى الله عليه وسلم " اذهب فاستعلم لنا علم هذا الرجل " وفي حديث سؤال القبر " فيقال له (أي للمقبور): ما علمك بهذا الرجل " يعني أنّ هذا قولهم فيما بينهم، أو قولهم للذي أرسلوه إلى النبي أن يسأل الله أن يبعث معه ملكاً.

وقد افهوه به مرة أخرى فيما حكاه الله عنهم: ﴿ وقالوا يا أيّها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ﴾ فإنّ (لَوْما) أخت (لولا) في إفادة التحضيض.

وقوله: ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ معناه: لو أنزلنا ملكاً على الصفة التي اقترحوها يكلّمهم لقضي الأمر، أي أمرهم؛ فاللام عوض عن المضاف إليه بقرينة السياق، أي لقضي أمر عذابهم الذي يتهدَّدهم به.

ومعنى: ﴿ قُضي ﴾ تُمّم، كما دلّ عليه قوله: ﴿ ثم لا ينظرون ﴾ ؛ ذلك أنّه لا تنزل ملائكة غير الذين سخّرهم الله للأمور المعتادة مثللِ الحفظة، وملك الموت، والملك الذي يأتي بالوحي؛ إلاّ ملائكة تنزل لتأييد الرسل بالنصر على من يكذّبهم، مثل الملائكة التي نزلت لنصر المؤمنين في بدر.

ولا تنزل الملائكة بين القوم المغضوب عليهم إلاّ لإنزال العذاب بهم، كما نزلت الملائكة في قوم لوط.

فمشركو مكة لمّا سألوا النبي أن يريهم ملكاً معه ظنّوا مقترحهم تعجيزاً، فأنبأهم الله تعالى بأنّهم اقترحوا أمراً لو أجيبوا إليه لكان سبباً في مناجزة هلاكهم الذي أمهلهم إليه فيه رحمة منه.

ولعلّ حكمة ذلك أنّ الله فطر الملائكة على الصلابة والغضب للحقّ بدون هوادة، وجعل الفطرة الملكية سريعة لتنفيذ الجزاء على وفق العمل، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى ﴾ ، فلذلك حجزهم الله عن الاتّصال بغير العباد المكرّمين الذين شابهن نفوسهم الإنسانية النفوس الملكية، ولذلك حجبهم الله عن النزول إلى الأرض إلاّ في أحوال خاصّة، كما قال تعالى عنهم: ﴿ وما تتنزّل إلاّ بأمر ربّك ﴾ ، وكما قال: ﴿ ما تنزّل الملائكة إلاّ بالحقّ ﴾ فلو أنّ الله أرسل ملائكة في الوسط البشري لما أمهلوا أهل الضلال والفساد ولنا جزوهم جزاء العذاب، ألا ترى أنّ الملائكة الذين أرسلهم الله لقوم لوط لمّا لقوا لوطاً قالوا: ﴿ يا لوط إنّا رسل ربّك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ .

ولمّا جادلهم إبراهيم في قوم لوط بعد أن بشّروه واستأنس بهم ﴿ قالوا يا إبراهيم أعرض عن هذا إنّه قد جاء أمر ربّك ﴾ وهو نزول الملائكة؛ فليس للملائكة تصرف في غير ما وجهّوا إليه.

فمعنى الآية أنّ ما اقترحوه لو وقع لكان سيء المغبّة عليهم من حيث لا يشعرون.

وليس المراد أنّ سبب عدم إنزال الملك رحمة بهم بل لأنّ الله ما كان ليظهر آياته عن اقتراح الضاليّن، إذ ليس الرسول صلى الله عليه وسلم بصدد التصدّي لرام كلّ من عُرضت عليه الدعوة أن تظهر له آية حسب مقترحه فيصير الرسول صلى الله عليه وسلم مضيّعاً مدّة الإرشاد وتلتفّ عليه الناس التفافهم على المشعوذين، وذلك ينافي حرمة النبوة، ولكن الآيات تأتي عن محض اختيار من الله تعالى دون مسألة.

وأنّما أجاب الله اقتراح الحواريّين إنزال المائدة لأنّهم كانوا قوماً صالحين، وما أرادوا إلاّ خيراً.

ولكنّ الله أنبأهم أنّ إجابتهم لذلك لحكمة أخرى وهي تستتبع نفعاً لهم من حيث لا يشعرون، فكانوا أحرياء بأن يشكروا نعمة الله عليهم فيما فيه استبقاء لهم لو كانوا موفّقين.

وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه قل إنّ الله قادر على أن ينزلّ آية ﴾ زيادة بيان لهذا.

ومن المفسّرين من فسّر ﴿ قضي الأمر ﴾ بمعنى هلاكهم من هول رؤية الملك في صورته الأصبية.

وليس هذا بلازم لأنّهم لم يسألوا ذلك.

ولا يتوقّف تحقّق ملكيّته عندهم على رؤية صورة خارقة للعادة، بل يكفي أن يروه نازلاً من السماء مثلاً حتى يصاحب النبي صلى الله عليه وسلم حين يدعوهم إلى الإسلام، كما يدلّ عليه قوله الآتي: ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ .

وقوله: ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ عطف على قوله: ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ﴾ فهو جواب ثان عن مقترحهم، فيه ارتقاء في الجواب، وذلك أنّ مقترحهم يستلزم الاستغناء عن بعثة رسول من البشر لأنّه إذا كانت دعوة الرسول البشري غير مقبولة عندهم إلاّ إذا قارنه ملك يكون معه نذيراً كما قالوه وحكي عنهم في غير هذه الآية، فقد صار مجيء رسول بشري إليهم غير مجد للاستغناء عنه بالملك الذي يصاحبه، على أنّهم صرّحوا بهذا اللازم فيما حكي عنهم في غير هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿ قالوا لو شاء ربّنا لأنزل ملائكة ﴾ ، فجاء هذا الجواب الثاني صالحاً لردّ الاقتراحين، ولكنّه رُوعي في تركيب ألفاظه ما يناسب المعنى الثاني لكلامهم فجيء بفعل ﴿ جعلنا ﴾ المقتي تصيير شيء آخر أو تعويضه به.

فضمير ﴿ جعلناه ﴾ عائد إلى الرسول الذي عاد إليه ضمير ﴿ لولا أنزل عليه ملك ﴾ ، أي ولو اكتفينا عن إرسال رسول من نوع البشر وجعلنا الرسول إليهم ملكاً لتعيّن أن نصّور ذلك الملك بصورة رجل، لأنّه لا محيد عن تشكّله بشكل لتمكّن إحاطة أبصارهم به وتحيّزه فإذا تشكّل فإنّما يتشكّل في صورة رجل ليطيقوا رؤيته وخطابه، وحينئذٍ يلتبس عليهم أمره كما التبس عليهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم فجملة ﴿ ولبسنا عليهم ما يلبسون ﴾ من تمام الدليل والحجّة عليهم بعدم جدوى إرسال الملك.

واللّبس: خلط يعرض في الصفات والمعاني بحيث يعسر تمييز بعضها عن بعض.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولا تلبسوا الحقّ بالباطل ﴾ في سورة البقرة (42).

وقد عدّي هنا بحرف (على) لأنّ المراد لبس فيه غَلبة لعقولهم.

والمعنى: وللبسنا على عقولهم، فشكّوا في كونه ملكاً فكذّبوه، إذ كان دأب عقولهم تطلّبَ خوارق العادات استدلالاً بها على الصدق، وتركَ إعمال النظر الذي يعرف به صدق الصادق.

وما } في قوله: ﴿ ما يلبسون ﴾ مصدرية مجرّدة عن الظرفية، والمعنى على التشبيه، أي وللبسنا عليهم لبَسهم الذي وقع لهم حين قالوا: ﴿ لولا أنزل عليه ملك ﴾ ، أي مثل لبَسهم السابق الذي عرض لهم في صدق محمد عليه الصلاة والسلام.

وفي الكلام احتباك لأنّ كلا اللبسين هو بتقدير الله تعالى، لأنّه حرمهم التوفيق.

فالتقدير: وللبسنا عليهم في شأن الملك فيلبسون على أنفسهم في شأنه كما لبسنا عليهم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم إذ يلبسون على أنفسهم في شأنه.

وهذا الكلام كلّه منظور فيه إلى حمل اقتراحهم على ظاهر حاله من إرادتهم الاستدلال، فلذلك أجيبوا عن كلامهم إرخاء للعنان، وإلاّ فإنّهم ما أرادوا بكلامهم إلاّ التعجيز والاستهزاء، ولذلك عقّبه بقوله: ﴿ ولقد استهزئ برسل من قبلك ﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ ﴾ لِأنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لَمّا أنْكَرُوا نُزُولَ القُرْآنِ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ لَوْ أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ لَأنْكَرُوهُ وكَفَرُوا بِهِ لِغَلَبَةِ الفَسادِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ ﴾ واسْمُ القِرْطاسِ لا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى ما فِيهِ كِتابَةٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كِتابَةٌ قِيلَ طَرْسٌ ولَمْ يُقَلْ قِرْطاسٌ.

قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى بِها أخادِيدُ مِن آثارِ ساكِنِها كَما تَرَدَّدَ في قِرْطاسِهِ القَلَمُ ﴿ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ ﴾ قالَ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ.

وَيُحْتَمَلُ بِلَمْسِ اليَدِ دُونَ رُؤْيَةِ العَيْنِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ نُزُولَهُ مَعَ المَلائِكَةِ وهم لا يُرَوْنَ بِالأبْصارِ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بِاللَّمْسِ دُونَ الرُّؤْيَةِ.

والثّانِي: لِأنَّ المَلْمُوسَ أقْرَبُ مِنَ المَرْئِيِّ.

والثّالِثُ: لِأنَّ السِّحْرَ يُتَخَيَّلُ في المَرْئِيّاتِ، ولا يُتَخَيَّلُ في المَلْمُوساتِ.

﴿ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ تَكْذِيبًا لِلْيَقِينِ بِالعِنادِ، والمُبِينُ: ما دَلَّ عَلى بَيانٍ بِنَفْسِهِ، والبَيِّنُ: ما دَلَّ عَلى بَيانِهِ، فَكانَ المُبِينُ أقْوى مِنَ البَيِّنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ أيُ مَلَكٌ يَشْهَدُ بِتَصْدِيقِهِ ﴿ وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا فَلَمْ يُؤْمِنُوا لَقُضِيَ الأمْرُ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لَقُضِيَ عَلَيْهِمْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، لِأنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانُوا إذا اقْتَرَحُوا عَلى أنْبِيائِهِمُ الآياتِ فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الإظْهارِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى لَقُضِيَ الأمْرُ لَقامَتِ السّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ ولا يُؤَخَّرُونَ، يَعْنِي عَنْ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ.

عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ، وعَنْ قِيامِ السّاعَةِ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي.

﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ يَعْنِي ولَوْ جَعَلْنا مَعَهُ مَلَكًا يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ لَجَعَلْناهُ في صُورَةِ رَجُلٍ.

وَفي وُجُوبِ جَعْلِهِ رَجُلًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ المَلائِكَةَ أجْسامُهم رَقِيقَةٌ لا تُرى، فاقْتَضى أنْ يُجْعَلَ رَجُلًا لِكَثافَةِ جِسْمِهِ حَتّى يُرى.

والثّانِي: أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلائِكَةَ عَلى صُوَرِهِمْ، وإذا كانَ في صُورَةِ الرَّجُلِ لَمْ يَعْلَمُوا مَلَكٌ هو أوْ غَيْرُ مَلَكٍ.

﴿ وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: لَشَبَهْنا عَلَيْهِمْ ما يَشْبِهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَ الزَّجّاجُ: كَما يُشْبِهُونَ عَلى ضُعَفائِهِمْ واللَّبْسُ في كَلامِهِمْ هو الشَّكُّ ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: أصْدِقْ مَقالَتَهُ واحْذَرْ عَداوَتَهُ ∗∗∗ والبَسْ عَلَيْهِ بِشَكٍّ مِثْلَ ما لَبِسا والثّالِثُ: ولَلَبِسْنا عَلى المَلائِكَةِ مِنَ الثِّيابِ ما يَلْبَسُهُ النّاسُ مِن ثِيابِهِمْ، لِيَكُونُوا عَلى صُوَرِهِمْ وعَلى زِيِّهِمْ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أيْ أوْجَبَها رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ، وفِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها تَعْرِيضُ خَلْقِهِ لِما أمَرَهم بِهِ مِن عِبادَتِهِ الَّتِي تُفْضِي بِهِمْ إلى جَنَّتِهِ.

والثّانِي: ما أراهم مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ طاعَتِهِ.

والثّالِثُ: إمْهالُهم عَنْ مُعالَجَةِ العَذابِ واسْتِئْصالِهِمْ بِالِانْتِقامِ.

والرّابِعُ: قَبُولُهُ تَوْبَةَ العاصِي والعَفُوُ عَنْ عُقُوبَتِهِ.

﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ وهَذا تَوَعُّدٌ مِنهُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ أخَرَجَهُ مَخْرَجَ القَسَمِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال: «دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإِسلام وكلمهم فابلغ إليهم فيما بلغني، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب، والنضر بن الحارث بي كلدة، وعبدة بن عبد يغوث، وأبي خلف بن وهب، والعاصي بن وائل بن هشام: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك، فأنزل الله في ذلك من قولهم ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك...

﴾ الآية» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ قال: ملك في صورة رجل ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ﴾ قال: لقامت الساعة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ﴾ يقول: لو أنزل الله ملكاً ثم لم يؤمنوا لعجَّل لهم العذاب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ولو أنزلنا ملكاً ﴾ قال: ولو أتاهم ملك في صورته ﴿ لقضي الأمر ﴾ لأهلكناهم ﴿ ثم لا ينظرون ﴾ لا يؤخرون ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة ﴿ وللبسنا عليهم ما يلبسون ﴾ يقول: لخلطنا عليهم ما يخلطون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ قال: في صورة رجل، وفي خلق رجل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ يقول: في صورة آدمي.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ قال: لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل، لم نرسله في صورة الملائكة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وللبسنا عليهم ﴾ يقول: شبهنا عليهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وللبسنا عليهم ما يلبسون ﴾ يقول: شبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وللبسنا عليهم ما يلبسون ﴾ يقول: ما لبس قوم على أنفسهم إلا لبس الله عليهم، واللبس إنما هو من الناس، قد بين الله للعباد، وبعث رسله، واتخذ عليهم الحجة، وأراهم الآيات، وقدم إليهم بالوعيد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ قال المفسرون (١) (٢) ﴿ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ أي: لأهلكوا بعذاب الاستئصال)، وهو معنى قول الحسن (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) قال أهل العلم: (إنما لم ينظروا ولو نزل الملك؛ لأنه يجب أن يجروا على سنة من قبلهم ممن طلب الآيات فلم يؤمنوا، فأهلكوا بعذاب الاستئصال كثمود وعاد، لحكم الله في خلقه بذلك؛ لأنه أزجر عن التحكم بطلب الآيات، وأدعى إلى الإيمان خوفا من الإهلاك) (١١) وقال الضحاك: (لو أتاهم ملك في صورته لماتوا) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ ﴾ قال ابن عباس: إلا يؤخرون لتوبة ولا لغير ذلك) (١٣) (١) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 151.

(٢) في (أ): (يقولون).

(٣) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 95، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 393، عن الحسن وقتادة.

(٤) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 204، والطبري في "تفسيره" 7/ 151 - 152، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1265، من طرق جيدة عن قتادة.

(٥) أخرجه الطبري 7/ 151، بسند جيد، وذكره ابن أبي حاتم 4/ 1265 عن السدي.

(٦) "تفسير مجاهد" 1/ 212، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 151، وابن أبي حاتم 4/ 1265 من طرق جيدة.

(٧) عكرمة بن عبد الله البربري، أبو عبد الله المدني مولى ابن عباس، تقدمت ترجمته.

(٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 151، بسند ضعيف، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1265، وذكر هذا القول ابن عطية 5/ 132 عن مجاهد وضعفه، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 402، عن مجاهد وقال: (والمعنى عند أهل اللغة: لحتم بهلاكهم، وهو يرجع إلى ذلك القول) ا.

هـ.

(٩) في (ش): (أتم هلاكهم) وفي "معاني الزجاج": 2/ 230: (لتم هلاكهم).

(١٠) كذا في النسخ، وعند الزجاج: (انقطاع الشيء وتمامه).

(١١) انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 97، و"تفسير البغوي" 3/ 129.

(١٢) ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 129، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 152، بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس.

(١٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 152 - 153، وابن أبي حاتم 4/ 1266 بسند ضعيف.

وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 12، وابن الجوزي "تفسيره" 3/ 8.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ حكاية عن طلب بعض العرب، وروي أن العاصي بن وائل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود والأسود بن عبد يغوث قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لو كان معك ملك ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر ﴾ قال ابن عباس: المعنى؛ لو أنزلنا ملكاً فكفروا بعد ذلك لعجل لهم العذاب، ففي الكلام على هذا حذف، وقضي الأمر على هذا: تعجيل أخذهم، وقيل: المعنى لو أنزلنا ملكاً لماتوا من هول رؤيته، فقضي الأمر على هذا: موتهم ﴿ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً ﴾ أي لو جعلنا الرسول ملكاً لكان في صورة رجل لأنه لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴾ أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، فإنهم لو رأوا الملك بصورة إنسان قالوا: هذا إنسان وليس بملك ﴿ وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ الآية: إخبار قصد به تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من قومه ﴿ فَحَاقَ ﴾ أي أحاط بهم، وفي هذا الإخبار تهديد للكفار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وأنشأنا ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.

﴿ ولقد استهزىء ﴾ وبابه بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز مطلقاً ﴿ فحاق ﴾ بالإمالة حيث كان حمزة.

الوقوف: ﴿ والنور ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ أجلاً ﴾ ط ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض ﴾ ج وقيل: لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض.

﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مدراراً ﴾ ص لعطف المتفقين ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ عليه ملك ﴾ ط ﴿ لا ينظرون ﴾ ه ﴿ يلبسون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس أن رسول الله  قال "نزلت الأنعام جملة واحدة وتنزلت، معها من الملائكة سبعون ألف ملك فملؤا ما بين الأخشبين" فدعا رسول الله  الكتاب فكتبوها من ليلتهم سوى آيات معدودات.

وعن أنس أن رسول الله  قال "لقد بعث إليّ بها جبريل مع خمسين ملكاً أو خمسين ألف ملك تحفها حتى أقروها في صدري كما يقرّ الماء في الحوض ولقد أعزني الله  وإياكم بها عزاً لا يذلنا بعدها أبداً فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه" ولاشتمال هذه السورة على دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد ولنزولها جملة ذهب علماء الكلام إلى أن علم الأصول مع جلالة قدره يجب تعلمه على الفور لا على التراخي بخلاف الأحكام فإنها نزلت كفاء المصالح وبحسب الحوادث والنوازل.

وأعلم أن قوله ﴿ الحمد لله ﴾ مذكور في أوائل سور خمس واختص كل منها بصفة، لكن أعمها صدر فاتحة الكتاب ﴿ الحمد لله رب العالمين  ﴾ فإن العالم كل موجود سوى الله  فكان سائر السور تفاصيل لهذه الجملة.

أثنى الله  على نفسه بقوله ﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ﴾ والثناء على النفس قبيح في الشاهد ففيه دليل على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق، فكما أنه واحد في ذاته فهو واحد في صفاته وأفعاله لا اعتراض لأحد عليه.

والتحقيق فيه أن استحقاق المدح بحسب الفضيلة والكمال ولا يوجد في الممكن صفة كمال إلا وهي مشوبة بالنقص والاختلال أدناه الأفول في أفق الإمكان بخلاف واجب الوجود فإنه لا غاية لكماله ولا نهاية لعظمته وجلاله.

فلا ينبغي أن يمدح إلا هو، ولا أن يثنى إلا عليه، ولا أن يشكر ويحمد إلا له.

ثم الأوصاف الجارية عليه  إنما تذكر زيادة في المدح لا لأجل التوضيح والكشف.

أساميا لم تزده معرفة *** وإنما لذة ذكرناها وقد تقدم في الأسماء أن معنى الخلق راجع إلى التقدير والتقدير عائد إلى العلم، فالمراد أنه أوجد السموات والأرض على حسب علمه الأزلي.

قال بعض العلماء: السماء كالدائرة والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها فلهذا ذكر السماء قبل الأرض مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء.

وجمع السموات حقيقة وكذا إفراد الأرض، وقد تجمع الأرض باعتبار الطبقات وسوف يجيء تقرير ذلك في قوله ﴿ ومن الأرض مثلهن  ﴾ والمقصود من هذا الوصف إلزام المشركين، وأن تخصيص حجم الفلك بمقدار معين وتخصيص كل من أجزائه بحيز معين وتخصيص الفلك بالحركة والأرض بالسكون مع اشتراكهما في الطبيعة الجسمية، وتخصيص كل حركة بحد معين من السرعة والبطء وبجهة معينة دلائل ظاهرة على وجود فاعل مختار واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله.

وأيضاً إن لحركة كل فلك أوّلاً لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة فتقتضي المسبوقية بالغير، وعدم الأولية ينافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال.

وإذا ثبت أن لكل حركة أوّلاً فاختصاص ابتداء حدوثه بوقت معين يدل على الفاعل المختار وكذا اتصاف بعض الأجسام بالفلكية وبعضها بالعنصرية مع تساوي الكل في تمام الماهية.

وأيضاً إن خارج العالم الجسماني خلاء لا نهاية له كما ثبت في الكلام، فحصول هذا العالم في حيزه الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر ممكن يحتاج إلى مرجح قادر مختار حكيم يفعل ما يشاء كما يشاء.

هذا إذا نظرنا في ذوات هذه الأجرام، أما إن اعتبرنا منافعها وكيفية تأثير الأثيريات وهي - الآباء - في العنصريات - وهي الأمهات - لتحصيل المواليد الثلاثة: المعادن والنباتات والحيوانات، ارتقينا من ذلك أيضاً إلى وجود صانع قدير وحكيم خبير رتبته أعلى وأجل من رتب الممكنات.

أما قوله ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ فمعناه أحدث وأنشأ، ولهذا اقتصر على مفعول واحد، ولو كان بمعنى "صير" اقتضى مفعولين.

وإنما لم يقل "وخلق" لأنه أراد التضمين أعني إنشاء شيء من شيء كقوله ﴿ وخلق منها زوجها  ﴾ فالنور والظلمة لما تعاقبا صار كأن كل واحد منهما تولد من الآخر.

وقيل: لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار، ولهذا جمع الظلمات إذ لكل حرم ظل والظل ظلمة.

ووحد النور لأن النار واحد وهو منها، والظلمة والنور ههنا هما الأمران المحسوسان بالبصر، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة والقرينة ذكر السموات والأرض.

وعن ابن عباس أن الظلمة ظلمة الشرك والنفاق، والنور نور الإسلام واليقين، وعلى الأوّل فإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً وتلك المراتب كثيرة، أو لأنه قصد بالنور الجنس.

وعلى الثاني فذلك لأن الحق واحد والباطل أكثر من أن يحصى.

وإنما قدمت الظلمة على النور لأن عدم المحدثات سابق على وجودها، والظلمة عدمية عند من يجعلها عدم النور أو شبيهة بالعدم عند من يجعلها هيئة مضادة للنور.

وقد ورد في الأخبار أن الله  خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.وقوله: ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ معطوف على قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ والمعنى أنه حقيق بالحمد على ما خلق ثم الذين كفروا يعدلون عن طريق الإنصاف فيكفرون بربهم، أو على ﴿ خلق السموات ﴾ معناه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون أي يسوّون به ما لا يقدر على شيء من ذلك.

فعلى المعنى الأول يعدلون من العدول، وعلى الثاني هو من العدل.

ومعنى "ثم" ههنا وفي قوله ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ تراخي الرتبة واستبعاد مضموني الجملتين أحدهما عن الآخر.

ثم ذكر دليلاً آخر على إثبات الصانع وعلى صحة المعاد الجسماني فقال ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ أي من آدم لأنه مخلوق من الطين، أو خلقكم من النطفة المتولدة من الأغذية المنتهية إلى العناصر، ولا ريب أن خلق الأغذية المتنوعة من العناصر المتشابهة الأجزاء، ثم توليد النطفة المتشابهة الأجزاء من تلك الأغذية المختلفة، ثم تخليق الأعضاء المختلفة في الصفة والصور واللون والشكل كالقلب والدماغ والكبد والعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها من المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم.

ثم إن تلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها وذلك يدل على صحة القول بالمعاد.

أما قوله ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ فاعلم أن لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  ﴾ وبمعنى الخبر والإعلام ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل  ﴾ وبمعنى صفة الفعل إذا تم ﴿ فقضاهن سبع سموات  ﴾ ومنه قولك: قضى فلان حاجة فلان.

والأنسب ههنا هو الأول.

والأجل في اللغة بمعنى الوقت المضروب لانقضاء الأمد.

وأصله من التأخير ومنه الآجل نقيض العاجل.

ثم إن صريح الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان.

فقال أبو مسلم: الأول آجال الماضين لأنهم لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، والثاني آجال الباقين لأنها غير معلومة بعد وإنما هي مسماة عند الله  .

وقيل: الأول أجل الموت، والثاني أجل القيامة لأنه لا آخر له ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله  .

وقيل: الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ.

وقيل: الأول النوم، والثاني الموت.

وقيل: الأول مقدار ما انقضى من عمل كل أحد، والثاني ما بقي من عمره.

وقال حكماء الإسلام: الأول الأجل الطبيعي الذي يمكن بالنسبة إلى المزاج الأول لكل شخص لو بقي مصوناً عن الآفات الخارجية، والثاني الأجل الاخترامي الذي يحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق والقتل واللدغ وغيرها من الأمور المنفصلة.

ومعنى ﴿ مسمى ﴾ أي مذكور اسمه في اللوح المحفوظ.

ومعنى ﴿ عنده ﴾ أي في حكمه وعلمه كما تقول: هذه المسألة عند الشافعي كذا وعند أبي حنيفة كذا.

وارتفع ﴿ أجل ﴾ بالابتداء وجاز ذلك مع تنكيره لمكان وصفه فقارب المعرفة.

وإنما لم يقل "وعنده أجل مسمى" تعظيماً لشأن هذا الأجل فكأنه قيل: وأي أجل مسمى عنده؟

والمرية والامتراء الشك.

ومعنى "ثم" تبعيد الامتراء عن مثل هذه الحجة الباهرة الموجبة للتيقن في أمر المبدأ والمعاد، ثم قرر أنه  عالم بجميع المعلومات ردّاً على من زعم أنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو فقال ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض ﴾ وزعمت المجسمة بهذا وبنحو قوله ﴿ أم أمنتم من في السماء  ﴾ أنه  مستقر في السماء قالوا: ويؤكده وقف بعض القراء على السموات والابتداء بقوله ﴿ وفي الأرض يعلم سركم ﴾ أي يعلم سرائركم الموجودة في الأرض.

ولو سلم أن لا وقف فالإجماع حاصل على أنه ليس موجوداً في الأرض، ولا يلزم من ترك العلم بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من دليل.

ونوقض بأنه  قال في مواضع ﴿ لله ما في السموات  ﴾ فلو كان هو في السماء لزم أن يكون مالكاً لنفسه، ولا يخفى ضعف هذا النقض لأنه مخصوص بالقرينة كقوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير  ﴾ وبأنه إما أن يراد كونه في سماء واحدة وهو ترك الظاهر، أو في جميع السموات وهو يقتضي كونه ذا أجزاء أو حصول المتحيز الواحد في مكانين وكلاهما محال.

والحق أنه لا يلزم من استصحاب المكان الافتقار إليه ولا التجسيم والتجزئة وهو دقيق يفهمه من وفق له، وبأنه لو كان موجوداً في السموات لكان محدوداً متناهياً فيكون قابلاً للزيادة والنقصان، فيكون اختصاصه بمقدار معين لمخصص فيكون محدثاً.

ويرد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون في السموات وفوقها إلى ما لا يتناهى لا سيما عند من يقول إن وراء هذا العالم خلاء غير متناه، وبأنه لو كان في السموات فإن لم يقدر عل عالم آخر فوقها لزم تعجيزه، وإن قدر فلو فعل لحصل تحت ذلك العالم والقوم ينكرون كونه تحت العالم، والاعتراض أنه لا يلزم من القدرة الإيجاد، وقال غير المجسمة: المراد وهو الله في تدبير السموات والأرض كما يقال: فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاحه.

وعلى هذا يكون ﴿ في السموات ﴾ خبراً بعد خبر، ويوقف على اسم الله ثم يبتدأ بما بعد ذلك ويكون المعنى أنه يعلم في السموات والأرض سرائر الملائكة والإنس والجن، أو المراد وهو المعبود فيهما، أو المعروف بالإلهية أو المتوحد بها، أو هو الذي يقال له الله فيهما لا شريك له في هذا الإسم.

والسر من صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف، والجهر من أعمال الجوارح، ولأن الأول مقدم على الثاني طبعاً فلا جرم قدم عليه وضعاً.

والجملة أعني قوله ﴿ يعلم سركم وجهركم ﴾ مقررة لما قبلها أو خبر ثالث أو كلام مبتدأ.

﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ الكسب أخص من الأعمال السرية والجهرية لأنه الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو اندفاع ضر ولهذا لا يوصف فعل الله  بأنه كسب.

وإفراد الأخص بالذكر بعد الأعم للتقرير والتأكيد، أو لكونه أهم حسن لا يلزم منه عطف الشيء على نفسه.

والمراد أنه عالم بما يستحقه الإنسان على أفعاله من ثواب أو عقاب.

ثم لما فرغ من دلائل التوحيد والمعاد شرع في النبوات فرتب أحوال الكفار مع الأنبياء في ثلاث مراتب: الأولى كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل وذلك قوله ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ﴾ "من" الأولى للاستغراق والثانية للتبعيض.

والمراد وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا وهم على حالة الإعراض لقلة تدبرهم وفرط غفلتهم.

الثانية: كونهم مكذبين وهذه شر مما قبلها لأن الإعراض قد يكون للغفلة لا للتكذيب وإذا كذب فقد أعرض وزاد.

قال علماء المعاني: ههنا حذف كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وهو الحق.

قال أنس: هو انشقاق القمر بمكة انفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة.

وقيل: هو القرآن الذي تحدّوا به فعجزوا عنه.

وقيل: محمد  .

وقيل شرعه.

وقيل: وعده ووعيده وتبشيره وإنذاره.

والأولى الحمل على الكل.

المرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين لأن التكذيب إذا انضم معه الاستهزاء كان غاية في الغواية وذلك قوله ﴿ فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا ﴾ أي أخبار الشيء الذي كانوا ﴿ به يستهزؤن ﴾ وهو القرآن وغيره من المعجزات.

وليس المراد نفس الأنباء بل العذاب الذي أنبأ الله  به كقوله ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين  ﴾ والحكيم إذا توعد فربما قال: ستعرف نبأ هذا إذا نزل بك ما تحذره.

وذلك أن الغرض من الخبر حصول العلم بالمخبر عنه وذلك إنما يتحقق بعد المعاينة.

ومعنى الآية سيعلمون بأي شيء استهزؤا وأنه لم يكن موضع استهزاء وذلك عند نزول العقاب بهم في الدنيا كيوم بدر وغيره أو في الآخرة.

ثم لما زجرهم عن الإعراض والتكذيب والاستهزاء وأوعدهم على ذلك عاد إلى الموعظة والنصيحة بتذكير أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية.

والقرن القوم المقترنون في زمان من الدهر المفترقون بعد ذلك بالموت وذلك الزمان في الأغلب ستون سنة.

وقيل: سبعون.

وقيل: ثمانون.

والأقرب أنه غير مقدر بزمان لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ولكنه إذا انقضى الأكثر من أهل كل عصر فقد انقضى القرن.

وليس المراد أن يصدّق الكفار محمداً في هذه الأخبار لانهم بصدد التكذيب فسيكذبونه فيها أيضاً، وإنما المراد أن ما يختص بالمتقدمين منهم مشهور بين الناس فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا تلك الحكايات ومجرّد سماعها يكفي في الاعتبار.

ثم وصف تلك القرون بثلاثة أوصاف: الأول: تمكينهم في الأرض.

مكن له في الأرض جعل له مكاناً، ومكنه فيها أثبته، وهما متقاربان ولهذا جمع بينهما في الآية.

والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما آتينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال وأسباب الدنيا.

الثاني: إرسال السماء عليهم مدراراً يعني الغيث أو السحاب أو الخضراء، لأن المطر ينزل من ذلك الصوب والمدرار كثير الدرّدرّ اللين إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير.

ومدراراً نعت المطر ويقال أيضاً سحاب مدراراً إذا تتابع أمطاره.

ومفعال من أبنية المبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث.

الثالث ﴿ وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ﴾ أي من تحت أمكنتهم والمراد أنهم أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات.

فإن قيل: الهلاك غير مختص بهم وإنما يجري ذلك على الأنبياء والمؤمنين أيضاً، قلنا: لدفع هذا الإشكال كرر فقال ﴿ فأهلكناهم بذنوبهم ﴾ فإن الإهلاك بسبب المعاصي والآثام لا يكون إلا بالعذاب والإيلام.

ثم نبه بقوله ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ﴾ على كمال عزته واستغنائه ونهاية قدرته واستعلائه كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ فالبلاد بلاده والعباد عباده بيده التخريب والتعمير وإليه الإعدام والإيجاد.

ثم ان الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف متعددة.

منهم من بالغ في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها على وفق هواه ومناه لا على قانون الخير والعدل فمنعه ذلك عن التزام التكاليف وهو المذكور في الآية، وفيه أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باقٍ، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات الفانية.

ومنهم من حملته العصبية والعناد على تكذيب معجزات الأنبياء وجعلها من قبيل السخر الذي لا أصل له وهم الذين عنوا بقوله ﴿ ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس ﴾ والمعنى أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عياناً لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر.

وههنا سؤال وهو أن نزول الكتاب من السماء جملة إن لم يكن باب المعجزات لم يكن إنكاره منكراً، وإن كان من قبيل الإعجاز فالملك يقدر على إنزاله من السماء وقبل الإيمان بصدق الرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة، وحينئذ يجوز أن يكون نزول ذلك من قبل بعض الجن والشياطين، أو من بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم فلا يكون دليلاً على الصدق.

وأجيب بأن المقصود من الآية ليس بيان الإعجاز، ولكن المراد أنهم إذا لمسوه بأيديهم يقوى الإدراك البصري بالإدراك اللمسي وبلغ الغاية في القوة والظهور.

ثم إن هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة.

قال القاضي: في الآية دليل على وجوب اللطف لأنه بيَّن أنه إنما لم ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول فيفهم منه أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة، وزيف بأن المفهوم ليس بحجة، ولو سلم فوقوع اللطف لا يدل على وجوبه.

ومن الكفرة من قابل النبوات بإيراد الشبهات والاقتراحات.

قال الكلبي: إن مشركي مكة قالوا: يا محمد والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله وذلك قوله ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ فأجاب الله  عن مقترحهم بقوله ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ ومعنى القضاء الإتمام والإلزام كما مر.

وتقرير الجواب أن إنزال الملك على البشر آية باهرة وحينئذ ربما لم يؤمنوا فيجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال، أو لعلهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم.

ألا ترى أن رسول الله  لما رأى جبرائيل على صورته الأصلية غشي عليه؟

وأن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشرة كأضياف إبراهيم ولوط، وكالذين تسوّروا المحراب، وأن جبرائيل تمثل لمريم بشراً سوياً؟

وفائدة ثمَّ أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجاة الشدة أفظع من نفس الشدة.

ثم إنهم كانوا يطعنون في نبوة محمد  من جهة أخرى وهي أنه بشر مثلهم ويقولون: ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً  ﴾ وتقرير الشبهة أن الرسل إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر وقدرتهم أشد ومهابتهم أعظم وامتيازهم عن الخلق أكمل والاشتباه في نبوتهم ورسالتهم أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم اختار ما هو أسرع إفضاء إلى المطلوب، فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ ولو جعلناه ﴾ أي الرسول ﴿ ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ لأن إنزال الملك آية ظاهرة جارية مجرى الإلجاء وإزالة الاختيار وذلك منافٍ لغرض التكليف، ولأن الجنس إلى الجنس أميل، ولأن البشر لا يطيق رؤية الملك، ولأن طاعات الملك كثيرة فيحقرون طاعات البشر ويستعظمون إقدامهم على المعاصي فلا يصبرون معهم، ولأن إنزال الملك يقوي الشبهة من وجه آخر وذلك أن أيّ معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة لفعلنا مثل ما فعلت.

ثم قال ﴿ وللبسنا عليهم ما يلبسون ﴾ لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً ومنه لبس الثوب لأنه يفيد الستر.

والمعنى إذا جعلنا الملك في صورة البشر كان فعلنا نظيراً لفعلهم في التلبيس، وإنما كان ذلك لبساً لأن الناس يظنونه ملكاً مع أنه ليس بملك، أو يظنونه بشراً مع أنه ليس ببشر وإنما كان فعلهم لبساً لأنهم يخلطون على أنفسهم ويقولون إن البشر لا يصلح للرسالة فلا ينقطع السؤال أبداً ويبقى الأمر في حيز الاشتباه.

وعلى هذا التفسير يكون قوله ﴿ ما يلبسون ﴾ مفعولاً مطلقاً.

ويجوز أن يراد ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فيكون مفعولاً به يعني أن القوم إذا رأوا الملك في صورة الإنسان اشتبه الأمر عليهم، وإذا كنا قد فعلنا ذلك كان اللبس منسوباً إلينا.

ثم إنه  وتعالى سلى رسول الله  عما يلقى من قومه بقوله ﴿ ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق ﴾ أي نزل.

وقال الفراء: عاد عليهم والتركيب يدور على الإحاطة ومنه الحوق بالضم ما استدار بالكمرة ﴿ ما كانوا ﴾ أي الشيء الذي كانوا يستهزؤن به وهو الحق الذي جاء به محمد  ، أسند الحق إليه حيث أهلكوا لأجل الاستهزاء به.

ويحتمل أن يراد بلفظة "ما" العذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وهم يستهزؤن بذلك، ثم أمر رسوله بأن يقول لهم: لا تغتروا بما وجدتم من زخارف الدنيا وسيروا في الأرض لتشاهدوا آثار الأمم السالفة الذين كذبوا رسلهم ونزل بهم ما نزل فإن الأسفار تورث الاعتبار وتفيد الاستبصار.

واعلم أنه  قال ههنا ﴿ ثم انظروا ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فانظروا  ﴾ فالفاء لمجرد اعتبار ترتيب النظر على السير.

وثم لتباعد ما بين المباح والواجب فإن السير مباح والنظر واجب.

وأيضاً شتان بين السير الصوري بقدم الأشباح وبين السير المعنوي بقدم الأرواح والله أعلم.

التأويل: حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب وأرض النفوس وجعل الظلمات.

أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم قال ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ وحيث أراد معناه قال ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة  ﴾ ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلاً لربهم ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ للروح المفارق عن حضرته لأيام فراقه ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق وهذا محال ﴿ وهو الله ﴾ في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي أودع فيكم ﴿ وجهركم ﴾ الذي يظهر عنكم ﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر ﴿ من آية من آيات ربهم ﴾ في الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات والطاعات.

وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدراراً متوالياً، وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين ﴾ من الطلاب الصادقين التائبين المستقيمين ﴿ لجعلناه رجلاً ﴾ ليفهموا خطابه ويكون واقفاً على الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم  ﴾ قل سيروا في أرض النفوس بقدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ يخبر بشدة تعنتهم أنهم وإن أتوا ما سألوا من الآيات لم يؤمنوا به؛ لأنهم كانوا سألوا رسول الله  أن ينزل كتاباً يعاينونه، ويقرءونه، كقوله: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ  ﴾ وكقوله: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً  ﴾ ونحوه من الآيات، وقوله: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ ﴾ أي: في صحيفة، مكتوباً، يعلمون أنه لم يكتب في الأرض، ولمسوه بأيديهم، وعاينوه لم يؤمنوا به، ولا صدقوه، وقالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يخبر رسول الله  أنهم لا يؤمنون، ويخبره بشدة تعنتهم أنهم لا يؤمنون وإن جئت بكل آية؛ إذ قد أتاهم من الآيات ما إن تأملوا ولم يتعنتوا لدلتهم على ذلك، لكنهم أعرضوا عنها، ولم يتأملوا فيها لتعنتهم، وشدة مكابرتهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ أن مشركي العرب كانوا لا يعرفون الرسل، ولا الكتب، ولا كانوا آمنوا برسول ولا كتاب، فقالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا  ﴾ ونحوه من السؤال، فيسألون إنزال الملك.

ثم يحتمل سؤالهم إنزال الملك لما لم يكونوا رأوا الرسل يكونون من البشر، وإنما رأوا الرسول إن كان يكون ملكاً، فقالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون سؤالهم إنزال الملك سؤال عناد وتعنت، لا سؤال طلب الرسول من الملائكة، فقال: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً ﴾ على ما سألوا ﴿ لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي أن الملك إذا نزل على إثر سؤال العناد والتعنت ينزل بالعذاب والهلاك، فهذا يبين أن سؤالهم سؤال تعنت وعناد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ ﴾ أي أنهم كانوا يسألون إنزال الملك آية لصدقه -  - فقال: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ ﴾ أي: يهلكون؛ لأن الآيات إذا نزلت على إثر سؤال القوم ثمّ خالفوا تلك الآيات وكذبوها لنزل بهم العذاب والهلاك، وإن جاءت الآيات على غير سؤال، فكذبوها يمهلون، ولا يعذبون عند تكذيبهم إياها، [و] الله أعلم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً ﴾ : قيل: آدميّاً بشراً، [و] يحتمل هذا وجوهاً: [أحدها]: أي: لو بعثنا الرسول ملكاً لجعلناه على صورة البشر؛ لأنه لو كان على صورة الملائكة لصعقوا ودهشوا؛ لأنه ليس في وسع البشر رؤية الملك على صورته.

ألا ترى أن جبريل -  - إذا نزل على رسول الله  لم ينزل على صورته، ولكن كان ينزل على صورة البشر، حتى ذكر أنه كان ينزل عليه على صورة دحية الكلبي، وأنه متى رآه على صورته صعق وتغير حاله، فإذا رأوا ذلك في وجهه قالوا: إنه لمجنون، فقال: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً ﴾ ويكون فيه ما في رسول الله  من اللبس به.

والثاني: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً ﴾ ؛ لأنهم لا يعرفون صدقه، فيحتاجون إلى الدلائل، والآيات [التي] تدلهم على أنه ملك، وعلى صدقه، فذلك لا يعرف إلا بالبشر؛ لأنهم [لا يعرفون صدقه].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ...

﴾ الآية.

قالوا: لا يجوز إضافة اللبس إلى الله -  - إلا على المجازاة للبس، كالاستهزاء، والمكر، والخداع.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴾ أي: لو جعلناه ملكاً للبسنا عليهم ما لبس [أولئك] على صنيعهم؛ حيث قالوا: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\] و ﴿ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  ﴾ وغير ذلك من الكلام، لكنا لا نفعل حتى لا يكون ذلك لبساً؛ إذ ليس في وسعهم النظر إلى الملك، ولو جعلنا ذلك ملكاً لكان ذلك لبساً.

فإن قال لنا ملحد في قوله: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ [سألوا أن ينزل على رسول الله  [ملك] وقال: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ ] وأنتم تقولون: إنه قد أنزل عليه الملك، وهو أخبر لو أنزل عليه الملك لقضي الأمر، ولم يقض الأمر، كيف لآيات لكم إنما اختار ذلك من نفسه؛ لأن الله أنزل عليه ذلك.

قيل: إنهم إنما سألوا أن ينزل عليهم الملك - وإن لم يذكر في الآية السؤال - لما ذكر في آية أخرى؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا  ﴾ أو سألوا أن تأتيهم الملائكة وتأتيه، قالوا: كيف يخَصُّ هو بإتيان الملائكة دوننا وهو كواحد منا؛ كقوله: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ  ﴾ وهذا جائز أن يكون أسئلة لم تذكر، ويكون في الجواب بيان ذلك، على ما ذكرنا من قبل في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ .

يصبر رسوله على تكذيب قومه ليعلم أنه ليس هو أول مكذب، ولكن قد كذب الرسل الذين من قبلك، ويخبره أنه يلحق هؤلاء بتكذيبك كما لحق أولئك بتكذيبهم الرسل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَاقَ ﴾ .

قال أبو عوسجة: "حاق" أي: رجع، يقال: حاق يحيق حيقاً، أي: رجع عليهم.

وقال الكيساني: حاق بهم أي: [أحاط بهم ونزل].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ليس على الأمر بالسير في الأرض، ولكن على الاعتبار والتفكر فيما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل؛ لأنه - عز وجل - أراهم آيات عقلية وسمعية، فلم ينفعهم ذلك، فأراد أن يريهم آيات حسية ليمنعهم ذلك عن التكذيب والعناد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال هؤلاء الكافرون: لو أنزل الله مع محمد ملكا يكلمنا ويشهد أنه رسول لآمنَّا.

ولو أنزلنا ملكًا على الوصف الذي أرادوا لأهلكناهم إذا لم يؤمنوا، ولا يُمْهَلُونَ للتوبة إذا نَزَلَ.

من فوائد الآيات شدة عناد الكافرين، وبيان إصرارهم على الكفر على الرغم من قيام الحجة عليهم بأدلة الحسية.

التأمل في سنن الله تعالى في السابقين لمعرفة أسباب هلاكهم والحذر منها.

من رحمة الله بعباده أن لم ينزل لهم رسولًا من الملائكة لأنهم لا يمهلون للتوبة إذا نزل.

<div class="verse-tafsir" id="91.7m97q"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر