الآية ٨١ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٨١ من سورة الأنعام

وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًۭا ۚ فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٨١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨١ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨١ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وكيف أخاف ما أشركتم ) أي : كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدون من دون الله ( ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ) ؟

قال ابن عباس وغير واحد من السلف : أي حجة وهذا كما قال تعالى : ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) [ الشورى : 21 ] وقال ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ) [ النجم : 23 ] .

وقوله : ( فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ) أي : فأي الطائفتين أصوب؟

الذي عبد من بيده الضر والنفع ، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل ، أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة؟

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) قال أبو جعفر: وهذا جواب إبراهيم لقومه حين خوفوه من آلهتهم أن تمسَّه، لذكره إياها بسوء في نفسه بمكروه, فقال لهم: وكيف أخاف وأرهب ما أشركتموه في عبادتكم ربَّكم فعبدتموه من دونه، وهو لا يضر ولا ينفع ؟

ولو كانت تنفع أو تضر، لدفعت عن أنفسها كسرِى إياها وضربي لها بالفأس!

وأنتم لا تخافون الله الذي خلقكم ورزقكم، وهو القادر على نفعكم وضركم في إشراككم في عبادتكم إياه =" ما لم ينـزل به عليكم سلطانًا "، يعني: ما لم يعطكم على إشراككم إياه في عبادته حُجّة, ولم يضع لكم عليه برهانًا, ولم يجعل لكم به عذرًا (78) =" فأي الفريقين أحقّ بالأمن "، (79) يقول: أنا أحق بالأمن من عاقبة عبادتي ربّي مخلصًا له العبادة، حنيفًا له ديني، بريئًا من عبادة الأوثان والأصنام, أم أنتم الذين تعبدون من دون الله أصنامًا لم يجعل الله لكم بعبادتكم إياها برهانًا ولا حجة (80) =" إن كنتم تعلمون "، يقول: إن كنتم تعلمون صدق ما أقول، وحقيقة ما أحتجُّ به عليكم, فقولوا وأخبروني: أيُّ الفريقين أحق بالأمن؟

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك, كان محمد بن إسحاق يقول فيما:- 13467 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد بن إسحاق في قوله: " وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله " ، يقول : كيف أخاف وثَنًا تعبدون من دون الله لا يضرُّ ولا ينفع, ولا تخافون أنتم الذي يضر وينفع, وقد جعلتم معه شركاء لا تضر ولا تنفع ؟

=" فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن إن كنتم تعلمون "، أي: بالأمن من عذاب الله في الدنيا والآخرة، الذي يَعْبد الذي بيده الضرّ والنفع، أم الذي يعبد ما لا يضرّ ولا ينفع؟

يضرب لهم الأمثال, ويصرِّف لهم العبر, ليعلموا أنَّ الله هو أحق أن يخاف ويعبد مما يعبُدون من دونه.

13468 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: أفلج الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين خاصمهم, (81) فقال: " وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينـزل به عليكم سلطانًا فأيّ الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون " ؟

ثم قال: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ .

13469 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قول إبراهيم حين سألهم: " أيُّ الفريقين أحق بالأمن "، هي حجة إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

13470- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره، قال إبراهيم حين سألهم: " فأي الفريقين أحق بالأمن " ؟

قال: وهي حجة إبراهيم عليه السلام .

13471 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: " فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون "، أمَنْ يعبد ربًّا واحدًا, أم من يعبد أربابًا كثيرة؟

يقول قومه: الذين آمنوا برب واحد.

(82) 13472 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون "، أمن خاف غير الله ولم يخفه، أم من خاف الله ولم يخف غيره؟

فقال الله تعالى ذكره: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ، الآية.

* * * ------------------ (78) انظر تفسير"السلطان" فيما سلف 7: 279/9 : 336 ، 337 ، 360.

(79) انظر تفسير"الفريق" فيما سلف 8: 548 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.

(80) انظر تفسير"الأمن" فيما سلف 3: 29 ، 4: 87.

(81) "أفلجت فلانا على خصمه" ، إذا غلبته ، و"أفلجه الله عليه" ، آتاه الظفر والفوز والغلبة.

(82) الأثر: 13471 - انظر الأثر التالي رقم: 13475 ، وأن هذه مقالة قوم إبراهيم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمونقوله تعالى وكيف أخاف ما أشركتم ففي " كيف " معنى الإنكار ; أنكر عليهم تخويفهم إياه بالأصنام وهم لا يخافون الله عز وجل ; أي كيف أخاف مواتا وأنتم لا تخافون الله القادر على كل شيء ما لم ينزل به عليكم سلطانا أي حجة ; وقد تقدم .

فأي الفريقين أحق بالأمن أي من عذاب الله : الموحد أم المشرك ; فقال الله قاضيا بينهم :

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } وحالها حال العجز، وعدم النفع، { وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا } أي: إلا بمجرد اتباع الهوى.

{ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكيف أخاف ما أشركتم ) يعني الأصنام ، وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع ، ( ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ) حجة وبرهانا ، وهو القاهر القادر على كل شيء ، ( فأي الفريقين أحق ) أولى ، ( بالأمن ) أنا وأهل ديني أم أنتم؟

( إن كنتم تعلمون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكيف أخاف ما أشركتم» بالله وهي لا تضر ولا تنفع «ولا تخافونَ» أنتم من الله «أنكم أشركتم بالله» في العبادة «ما لم ينزِّل به» بعبادته «عليكم سلطانا» حجة وبرهانا وهو القادر على كل شيء «فأي الفريقيْن أحق بالأمن» أنحن أم أنتم «إن كنتم تعلمون» مَن الحق به: أي وهو نحن فاتبعوه، قال تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكيف أخاف أوثانكم وأنتم لا تخافون ربي الذي خلقكم، وخلق أوثانكم التي أشركتموها معه في العبادة، من غير حجة لكم على ذلك؟

فأي الفريقين: فريق المشركين وفريق الموحدين أحق بالطمأنينة والسلامة والأمن من عذاب الله؟

إن كنتم تعلمون صدق ما أقول فأخبروني.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن عن إبراهيم - عليه السلام - أنه بعد أن صارح قومه بأنه لا يخشى آلهتهم ، أخذ فى التهكم بهم والتعجب من شأنهم لأنهم يخوفونه مما لا يخيف فقال : { وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً } .أى : كيف ساغ لكم أن تظنوا أنى أخاف معبوداتكم الباطلة وهى مأمونة الخوف لأنها لا تضر ولا تنفع ، وأنتم لا تخافون إشراككم بالله خالقكم دون أن يكون معكم على هذا الإشراك حجة أو برهان من العقل أو النقل .فالاستفهام للإنكار التعجبى من إنكارهم عليه الأمن فى موضع الأمن ، وعدم إنكارهم على أنفسهم الأمن فى موضع أعظم المخوفات وأهوالها وهو إشراكهم بالله .قال بعض العلماء : وجملة { وَكَيْفَ أَخَافُ } .

.

إلخ .

معطوفة على جملة { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } ليبين لهم أن عدم خوفه من آلهتهم أقل عجباً من عدم خوفهم من الله ، وهذا يؤذن بأن قومه كانوا يعرفون الله وأنهم أشركوا معه فى الإلهية غيره فلذلك احتج عليهم بأنهم أشركوا بربهم المعترف به دون أن ينزل عليهم سلطانا بذلك .وقال الآلوسى : وقوله { وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ } استئناف - كما قال شيخ الإسلام - مسوق لنفى الخوف عنه - عليه السلام - بحسب زعم الكفر بالريق الإلزامى بعد نفيه عنه بحسب الواقع ونفس الأمر ، وفى توجيه الإنكار إلى كيفية الخوف من المبالغة ما ليس فى توجيهه إلى نفسه بأن يقال : أأخاف لما أن كل موجود لا يخلو عن كيفية ، فإذا انتفت جميع كيفياته فقد انتفى من جميع الجهات بالطريق البرهانى " .وما فى قوله { مَآ أَشْرَكْتُمْ } موصولة والعائد محذوف أى : ما أشرككم به ، ثم ركب - عليه السلام - على هذا الإنكار التعجبى ما هو نتيجة له فقال : { فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } .أى : فأى الفريقين فريق الموحدين أم فريق المشركين أحق وأولى بالأمن من لحوق الضرر به ، إن كنتم تعلمون ذلك فأخبرونى به وأظهروه بالدلائل والحجج .

فجواب الشرط محذوف تقديره أخبرونى بذلك .وهذا لون من إلجائهم إلى الاعتراف بالحق إن كانوا ممن يعقل أو يسمع ، وحث لهم على الإجابة .قال صاحب المنار : " ونكتة عدوله عن قوله " فأينا أحق بالأمن " إلى قوله { فأى الفريقين " هى بيان أن هذه المقابلة عامة لكل موحد ومشرك من حيث إن أحد الفريقين موحد والآخر مشرك ، لا خاصة به وبهم ، فهى متضمنة لعلة الأمن .

وقيل إن نكتته الاحتراز عن تزكية النفس ، واسم التفضيل على غير بابه ، فالمراد أينا حقيق بالأمن ، ولكنه عبر باسم التفضيل ناطقا فى استنزالهم عن منتهى الباطل وهو ادعاؤهم أنهم هم الحقيقون بالأمن وأنه الحقيق بالخوف إلى الوسط النظرى بين الأمرين؛ وهو أى الفريقين أحق ، واحترازا عن تنفيرهم من الإصغاء إلى قوله كله " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا من بقية الجواب عن الكلام الأول، والتقدير: وكيف أخاف الأصنام التي لا قدرة لها على النفع والضر، وأنتم لا تخافون من الشرك الذي هو أعظم الذنوب.

وقوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا ﴾ فيه وجهان: الأول: أن قوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا ﴾ كناية عن امتناع وجود الحجة والسلطان في مثل هذه القصة.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ  ﴾ والمراد منه امتناع حصول البرهان فيه، والثاني: أنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للدعاء والصلاة فقوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا ﴾ معناه: عدم ورود الأمر به.

وحاصل هذا الكلام: مالكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟

ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم؟

احترازاً من تزكية نفسه فعدل عنه إلى قوله: ﴿ فَأَىُّ الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ ﴾ وهذا من تمام كلام إبراهيم في المحاجة، والمعنى: أن الذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين: أولهما: الإيمان وهو كمال القوة النظرية.

وثانيهما: ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ ﴾ وهو كمال القوة العملية.

ثم قال: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ اعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية من وجه والمعتزلة يتمسكون بها من وجه آخر.

أما وجه تمسك أصحابنا فهو أن نقول إنه تعالى شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم أحد أجزاء مسمى الإيمان لكان هذا التقييد عبثاً، فثبت أن الفاسق مؤمن وبطل به قول المعتزلة، وأما وجه تمسك المعتزلة بها فهو أنه تعالى شرط في حصول الأمن حصول الأمرين، الإيمان وعدم الظلم، فوجب أن لا يحصل الأمن للفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له.

وأجاب أصحابنا عنه من وجهين: الوجه الأول: أن قوله: ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ ﴾ المراد من الظلم الشرك، لقوله تعالى حكاية عن لقمان إذ قال لابنه: ﴿ يابنى لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ فالمراد هاهنا الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا لله شريكاً في المعبودية.

والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، فوجب حمل الظلم هاهنا على ذلك.

الوجه الثاني: في الجواب: أن وعيد الفاسق من أهل الصلاة يحتمل أن يعذبه الله، ويحتمل أن يعفو عنه، وعلى كلا التقديرين: فالأمن زائل والخوف حاصل، فلم يلزم من عدم الأمن القطع بحصول العذاب؟

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِي الله ﴾ وكانوا حاجوه في توحيد الله ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك ﴿ وَقَدْ هدان ﴾ يعني إلى التوحيد ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ وقد خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً ﴾ إلاّ وقت مشيئة ربي شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعني لا أخاف معبوداتكم في وقت قط؛ لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة، إلاّ إذا شاء ربي أن يصيبني بمخوف من جهتها إن أصبت ذنباً استوجب به إنزال المكروه، مثل أن يرجمني بكوكب أو بشقة من الشمس أو القمر، أو يجلعها قادرة على مضرتي ﴿ وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَيْء عِلْماً ﴾ أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها ﴿ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ ﴾ لتخويفكم شيئاً مأمون الخوف لا يتعلق به ضرر بوجه ﴿ و ﴾ أنتم ﴿ لا تخافون ﴾ ما يتعلق به كل مخوف وهو إشراككم بالله ما لم ينزل بإشراكه ﴿ سلطانا ﴾ أي حجة، لأن الإشراك لا يصحّ أن يكون عليه حجة، كأنه قال: وما لكم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف.

ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم، احترازاً من تزكيته نفسه، فعدل عنه إلى قوله: ﴿ فَأَىُّ الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ثم استأنف الجواب على السؤال بقوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم.

وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس ﴿ وَتِلْكَ ﴾ إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ إلى قوله: ﴿ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ .

ومعنى ﴿ ءاتيناهآ ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ يعني في العلم والحكمة.

وقرئ بالتنوين ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِ ﴾ الضمير لنوح أو لإبراهيم.

و ﴿ دَاوُودُ ﴾ عطف على نوحاً، أي وهدينا داود ﴿ وَمِنْ ءابَائِهِمْ ﴾ في موضع النصب عطفاً على كلاًّ، بمعنى: وفضلنا بعض آبائهم ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ ﴾ مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات.

لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى وتقدّس ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: 65] .

﴿ ءاتيناهمالكتاب ﴾ يريد الجنس ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا ﴾ بالكتاب والحكمة والنبوّة.

أو بالنبوّة ﴿ هؤلاء ﴾ يعني أهل مكة ﴿ قَوْماً ﴾ هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ وبدليل وصل قوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء ﴾ بما قبله.

وقيل: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكل من آمن به.

وقيل: كل مؤمن من بني آدم.

وقيل: الملائكة وادّعى الأنصار أنها لهم.

وعن مجاهد: هم الفرس.

ومعنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكّل الرجل بالشيء ليقوم به، ويتعهده ويحافظ عليه.

والباء في ﴿ بِهَا ﴾ صلة كافرين.

وفي ﴿ بكافرين ﴾ تأكيد النفي.

﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ فاختص هداهم بالاقتداء، ولا تقتد إلاّ بهم.

وهذا معنى تقديم المفعول، والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة وهي هدى، ما لم تنسخ.

فإذا نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبداً.

والهاء في ﴿ اقتده ﴾ للوقف تسقط في الدرج.

واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَحاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ وخاصَمُوهُ في التَّوْحِيدِ.

﴿ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ ﴾ في وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عَنْ هِشامٍ بِتَخْفِيفِ النُّونِ.

﴿ وَقَدْ هَدانِي ﴾ إلى تَوْحِيدِهِ.

﴿ وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ أيْ لا أخافُ مَعْبُوداتِكم في وقْتٍ لِأنَّها لا تَضُرُّ بِنَفْسِها ولا تَنْفَعُ.

﴿ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا ﴾ أنْ يُصِيبَنِي بِمَكْرُوهٍ مِن جِهَتِها، ولَعَلَّهُ جَوابٌ لِتَخْوِيفِهِمْ إيّاهُ مِن آلِهَتِهِمْ وتَهْدِيدٌ لَهم بِعَذابِ اللَّهِ.

﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ كَأنَّهُ عِلَّةُ الِاسْتِثْناءِ، أيْ أحاطَ بِهِ عِلْمًا فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في عِلْمِهِ أنْ يَحِيقَ بِي مَكْرُوهٌ مِن جِهَتِها.

﴿ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ الصَّحِيحِ والفاسِدِ والقادِرِ والعاجِزِ.

﴿ وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ﴾ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضُرٌّ.

﴿ وَلا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ﴾ وهو حَقِيقٌ بِأنْ يُخافَ مِنهُ كُلَّ الخَوْفِ لِأنَّهُ إشْراكٌ لِلْمَصْنُوعِ بِالصّانِعِ، وتَسْوِيَةٌ بَيْنَ المَقْدُورِ العاجِزِ بِالقادِرِ الضّارِّ النّافِعِ.

﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا ﴾ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِإشْراكِهِ كِتابًا، أوْ لَمْ يَنْصَبَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.

﴿ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ ﴾ أيِ المُوَحِّدُونَ أوِ المُشْرِكُونَ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ أيُّنا أنا أمْ أنْتُمُ احْتِرازًا مِن تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ما يَحِقُّ أنْ يُخافَ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ} معبوداتكم وهي مأمونة الخوف {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ} بإشراكه {عَلَيْكُمْ سلطانا} حجة إذ الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة والمعنى وما لم تفكرون عليّ الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف {فَأَيُّ الفريقين} أي فريقي الموحدين والمشركين {أَحَقُّ بالأمن} من العذاب {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ولم يقل فأينا احترازاً من تزكية نفسه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مَسُوقٌ لِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَسَبِ زَعْمِ الكَفَرَةِ بِالطَّرِيقِ الإلْزامِيِّ بَعْدَ نَفْيِهِ عَنْهُ بِحَسَبِ الواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ؛ والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَيْفِيَّةِ الخَوْفِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِهِ إلى نَفْسِهِ بِأنْ يُقالَ: أأخافَ لِما أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لا يَخْلُو عَنْ كَيْفِيَّةٍ فَإذا انْتَفى وُجُودُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، و(كَيْفَ) حالٌ والعَوامِلُ فِيها (أخافُ) و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أخافُ) بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ لِمَكانِ الواوِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ لِأنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ قَدْ يُقْرَنُ بِالفاءِ، ولا حاجَةَ هُنا إلى ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى ذِي الحالِ لِأنَّ الواوَ كافِيَةٌ في الرَّبْطِ وهو مُقَرِّرٌ لِإنْكارِ الخَوْفِ ونَفْيِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ومُفِيدٌ لِاعْتِرافِهِمْ بِذَلِكَ فَإنَّهَمْ حَيْثُ لَمْ يَخافُوا في مَحَلِّ الخَوْفِ فَلِأنْ لا يَخافَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَحَلِّ الأمْنِ أوْلى وأحْرى أيْ كَيْفَ أخافُ أنا ما لَيْسَ في حَيِّزِ الخَوْفِ أصْلًا وأنْتُمْ لا تَخافُونَ غائِلَةَ ما هو أعْظَمُ المُخَوِّفاتِ وأهْوَلُها وهو إشْراكُكم بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي فَطَرَ السَّمَواتِ والأرْضَ ما هو مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا ﴾ أيْ حُجَّةً عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ قِيلَ مَعَ الإيَذانِ بِأنَّ الأُمُورَ الدِّينِيَّةَ لا يُعَوَّلُ فِيها إلّا عَلى الحُجَّةِ المُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ بِإشْراكِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى الإشْراكِ المُقَيَّدِ بِتَعَلُّقِهِ بِالمَوْصُولِ، ولا حاجَةَ إلى العائِدِ وهو عَلى ما قِيلَ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في الِاكْتِفاءِ في الرَّبْطِ بِرُجُوعِ العائِدِ إلى ما يَتَلَبَّسُ بِصاحِبِهِ وذِكْرِ مُتَعَلِّقِ الإشْراكِ وهو الِاسْمُ الجَلِيلُ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ دُونَ الجُمْلَةِ الأُولى، قِيلَ لِأنَّ المُرادَ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ تَهْوِيلُ الأمْرِ، وذِكْرُ المُشْرَكِ بِهِ أُدْخِلَ في ذَلِكَ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الظّاهِرُ أنَّ يُقالَ في وجْهِ الذِّكْرِ في الثّانِيَةِ والتَّرْكِ في الأُولى إنَّهُ لَمّا قِيلَ قُبَيْلَ هَذا (ولا أخافُ ما أشْرَكْتُمْ بِهِ) كانَ ما هُنا كالتَّكْرارِ لَهُ فَناسَبَ الِاخْتِصارَ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَذَفَهُ إشارَةً إلى بُعْدِ وِجْدانِيَّتِهِ تَعالى عَنِ الشِّرْكِ فَلا يَنْبَغِي عِنْدَهُ نِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى ولا ذِكْرُ مَعَهُ، ولَمّا ذُكِرَ حالُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُنَزِّهُونَهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ صُرِّحَ بِهِ وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ الجَلِيلِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِيَعُودَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ في (ما لَمْ يُنَزِّلْ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَكْفِي سَبْقُ ذِكْرِهِ في الجُمْلَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ المَقْصُودَ إنْكارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمَ خَوْفِهِمْ مِن إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ المُنْكَرُ المُسْتَبْعَدُ عِنْدَ العَقْلِ السَّلِيمِ لا مُطْلَقُ الإنْكارِ ولا كَذَلِكَ في الجُمْلَةِ الأُولى فَإنَّ المَقْصُودَ فِيها إنْكارُ أنْ يَخافَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى سَواءً كانَ مِمّا يُشْرِكُهُ الكُفّارُ أوْ لا؛ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا لِأنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً مَعَ الأُولى في حُكْمِ الإنْكارِ إلّا عِنْدَ مُدَّعِي العَطْفِ وهو مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا لِإفْضائِهِ إلى فَسادِ المَعْنى قَطْعًا لِما تَقَدَّمَ أنَّ الإنْكارَ بِمَعْنى النَّفْيِ بِالكُلِّيَّةِ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى نَفْيِ الخَوْفِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَفْيِ نَفْيِهِ عَنْهم وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، وأيْضًا أنَّ ﴿ ما أشْرَكْتُمْ ﴾ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى غَيْرُ الشَّرِيكِ إنْ هَذا إلّا شَيْءٌ عُجابٌ ثُمَّ أنَّ الآيَةَ نَصٌّ في أنَّ الشِّرْكَ مِمّا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ سُلْطانٌ.

وهَلْ يَمْتَنِعُ عَقْلًا حُصُولُ السُّلْطانِ في ذَلِكَ أمْ لا؟

ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ وفي أُصُولِ الفِقْهِ ما يُؤَيِّدُهُ في الجُمْلَةِ الثّانِي والَّذِي أخْتارُهُ الأوَّلُ، وقَوْلُ الإمامِ إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا أنْ يُؤْمَرَ بِاتِّخاذِ تِلْكَ التَّماثِيلِ والصُّوَرِ قِبْلَةً لِلدُّعاءِ لَيْسَ مِن مَحَلِّ الخِلافِ كَما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ، فانْظُرْ ﴿ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ ﴾ كَلامٌ مُرَتَّبٌ عَلى إنْكارِ خَوْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَحَلِّ الأمْنِ مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ خَوْفِهِمْ في مَحَلِّ الخَوْفِ مَسُوقٌ لِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاسْتِحْقاقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما هو عَلَيْهِ مِنَ الأمْنِ وبِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما هم عَلَيْهِ، وبِهَذا يُعْلَمُ ما في دَعْوى أنَّ الإنْكارَ في الجُمْلَةِ الأوْلى لِنَفْيِ الوُقُوعِ وفي الثّانِيَةِ لِاسْتِبْعادِ الواقِعِ، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ المُشْعِرَةِ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ في الجُمْلَةِ لِاسْتِنْزالِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ المُكابَرَةِ والِاعْتِسافِ بِسَوْقِ الكَلامِ عَلى سُنَنِ الإنْصافِ، والمُرادُ بِـ (الفَرِيقَيْنِ) الفَرِيقُ الآمِنُ في مَحَلِّ الأمْنِ والآمِنُ في مَحَلِّ الخَوْفِ، فَإيثارُ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ -كَما قِيلَ- عَلى أنْ يُقالَ: فَأيُّنا أحَقُّ بِالأمْنِ أنا أمْ أنْتُمْ؟

لِتَأْكِيدِ الإلْجاءِ إلى الجَوابِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى عِلَّةِ الحُكْمِ والتَّفادِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَخْطِئَتِهِمُ الَّتِي رُبَّما تَدْعُو إلى اللَّجاجِ والعِنادِ مَعَ الإشارَةِ بِما في النَّظْمِ إلى أنَّ أحَقِّيَّةَ الأمْنِ لا تَخُصُّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ تَشْمَلُ كُلَّ مُوَحِّدٍ تَرْغِيبًا لَهم في التَّوْحِيدِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ 81 - أيْ مَن هو أحَقُّ بِذَلِكَ أوْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أوْ إنْ كُنْتُمْ مِن أُولِي العِلْمِ فَأخْبِرُونِي بِذَلِكَ.

وقُرِئَ (سُلُطانًا) بِضَمِّ اللّامِ وهي لُغَةٌ أُتْبِعَ فِيها الضَّمُّ الضَّمَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَحاجَّهُ قَوْمُهُ معناه: وحاجّه قومه في دين الله يعني خاصموه ف قالَ لهم إبراهيم أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ يعني: أتخاصموني في دين الله وَقَدْ هَدانِ الله لدينه.

قرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان أَتُحاجُّونِّي بتشديد الجيم وتخفيف النون.

وقرأ الباقون بتشديد النون.

لأن أصله أتحاجونني بنونين فأدغم أحدهما في الآخر.

فقال: أَتُحاجُّونِّي يعني: أتجادلوني في دين الله وَقَدْ هَدانِ يعني: بيّن لي الطريق.

وكانت خصومتهم أنهم حين سمعوه عاب آلهتهم فقالوا له: أما تخاف تخبلك فتهلك؟

فقال: إني لا أخاف ما لا يسمع ولا يبصر.

وقال الكلبي ومقاتل: لما خوّفوه بذلك قال لهم: إنما تخافون أنتم إذ سوّيتم بين الذكر والأنثى، والصغير والكبير.

أما تخافون من الكبير إذ سويتموه بالصغير؟

وهذا قوله: وَلا أَخافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ.

قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً فيضلني، فأخاف منهم.

ويقال: إلا أن يشاء ربي شيئاً يعني: ملأ علم ربي كُلَّ شَىْء عِلْماً.

يعني: يعلم السر والعلانية.

ثم قال: أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يعني: أفلا تتعظون فتؤمنون به؟

قوله تعالى: وَكَيْفَ أَخافُ مَا أَشْرَكْتُمْ يعني: من الأصنام وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً يقول: كتاباً وعذراً وحجة لكم فيه فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ من العذاب؟

الموحّد أم المشرك إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذلك.

ثم قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قال بعضهم: هذا قول الله تعالى لما حكى قول إبراهيم للنبي  قال: على أثر ذلك الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ يعني: لم يخالطوا تصديقهم بالشرك ولم يعبدوا غيره.

أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ من الضلالة.

وقال بعضهم: هذا كله قول إبراهيم لقومه.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ وَأُعْطِيَ فَشَكَرَ وَظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ وَظُلِمَ فَغَفَرَ» .

قيل له: ما لهم يا رسول الله؟

قال: أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدثنا الماسرجي.

قال: حدّثنا أبو كريب.

قال: حدّثنا ابن إدريس عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.

قال: لما نزلت هذه الآية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ شقّ ذلك على أصحاب رسول الله  فقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟

فقال رسول الله  : «ألا ترون إلى قول لقمان لابنه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] » يعني: إن الظلم أراد به الشرك.

ثم قال وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ يعني: أعطيناها إبراهيم على قومه.

يعني: وفقناه للحجة يخاصم بها قومه نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ يعني: فضائل من نشاء في الدنيا بالحجة، وفي الآخرة بالدرجات إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في أمره عَلِيمٌ بخلقه من يصلح للنبوة.

قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي دَرَجاتٍ بالتنوين وقرأ الباقون دَرَجاتٍ على معنى الإضافة.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قتادة «١» ، وقال السُّدِّيُّ: هو المشتري جانحاً إلى الغروب «٢» ، فلما أَفَلَ بزغ القمر، وهو أول طلوعه، فَسَرَى الليل أجْمَعُ، فلما بزغَتِ الشمسُ، زال ضوء القمرِ قبلها لانتشار الصباحِ، وخَفِيَ نوره، ودنا أيضاً مِنْ مغربه، فسمى ذلك أفولاً لقربه من الأُفُولِ التامِّ على تجوُّز في التسمية، وهذا الترتيبُ يستقيمُ في الليلة الخامسةَ عَشَرَ من الشَّهْر إلى ليلة عشْرين، وليس يترتَّب في ليلةٍ واحدة كما/ أجمع أهل التفسير، إلاَّ في هذه الليالي، وبذلك يصحُّ التجوُّز في أفول القمر، «وأَفَلَ» في كلام العرب: معناه: غاب، وقيل: معناه، ذَهَبَ، وهذا خلافٌ في العبارة فقَطْ، والبزوغُ في هذه الأنوارِ: أوَّلُ الطلوع، وما في كَوْنِ هذا الترتيب في ليلةٍ من التجوُّز في أفول القمر لأنَّ أفوله لو قدَّرناه مَغِيبَهُ، لكان ذلك بَعْد بزوغ الشمسِ، وجميع ما قلناه يعطيه الاعتبار، ويَهْدِيَنِي: يرشدْنِي وهذا اللفظ يؤيِّد قول من قال: إن القصة في حالِ الصِّغَر، والقومُ الضالُّون هنا عبدةُ المخلوقاتِ كالأصنام وغيرها، ولما أفَلَتِ الشمسُ، لم يبقَ شيءٌ يمثِّل لهم به، فظهرَتْ حُجَّته، وقَوِيَ بذلك على منابذتهم والتبرِّي من إشراكهم، وقوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ: يؤيِّد قول من قال: إن القصة في حال الكبر والتكليف، ووَجَّهْتُ وَجْهِيَ، أي: أقبلْتُ بقَصْدي وعبادتِي وتوحيدِي وإيمانِي للذي فطر السموات والأرض، أي: اخترعها وحَنِيفاً: أي مستقيماً، والحَنَف: المَيْل فكأنه مال عن كلّ جهة إلى القوام.

وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)

وقوله تعالى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ، أي: أتراجعوني في الحجَّة في توحيد اللَّه، وَقَدْ هَدانِ، أي: قد أرشدني إلى معرفتِهِ وتوحيده، وَلا أَخافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ، الضميرُ في بِهِ يعودُ على اللَّهِ والمعنى: ولا أخافُ الأصنامُ التي تشركونَهَا باللَّه في الربوبيَّة، ويحتمل أنْ يعود على «ما» ، والتقديرُ: ما تشركون بسَبَبِهِ، وقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً: استثناء ليس من الأوّل، وشَيْئاً: منصوب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَخافُونَ أنْتُمْ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَكم ورَزَقَكم، وهو قادِرٌ عَلى ضَرِّكم ونَفْعِكم ﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا ﴾ أيْ: حُجَّةً ﴿ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ ﴾ أيْ: بِأنْ يَأْمَنَ العَذابَ، المُوَحِّدُ الَّذِي يَعْبُدُ مَن بِيَدِهِ الضُّرُّ والنَّفْعُ؟

أمِ المُشْرِكُ الَّذِي يَعْبُدُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟

ثُمَّ بَيَّنَ الأحَقَّ مَن هو بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ ﴾ أيْ: يَخْلِطُوهُ بِشِرْكٍ.

رَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في "صَحِيحَيْهِما" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، شُقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وأيُّنا ذَلِكَ؟

فَقالَ إنَّما هو الشِّرْكُ، ألَمْ تَسْمَعُوا ما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: ﴿ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ ؟» وَفِيمَن عُنِيَ بِهَذِهِ الآَيَةَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إبْراهِيمُ وأصْحابُهُ، ولَيْسَتْ في هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.

وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: هَذِهِ الآَيَةُ لَإبْراهِيمَ خاصَّةً، لَيْسَ لَهَذِهِ الأُمَّةِ مِنها شَيْءٌ.

والثّانِي: أنَّهُ مَن هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

وهَلْ هي مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ لَقَوْمِهِ، أمْ جَوابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى؟

فِيهِ قَوْلانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ - إلى "تَعْلَمُونَ" - هي كُلُّها مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ وهي حُجَّتُهُ القاطِعَةُ لَهُمْ؛ والمَعْنى: "وَكَيْفَ أخافُ الأصْنامَ الَّتِي لا خَطْبَ لَها؛ وهي حِجارَةٌ؛ وخَشَبٌ؛ إذا أنا نَبَذْتُها ولَمْ أُعَظِّمْها؛ ولا تَخافُونَ أنْتُمُ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وقَدْ أشْرَكْتُمْ بِهِ في الرُبُوبِيَّةِ أشْياءَ لَمْ يُنَزِّلْ بِها عَلَيْكم حُجَّةً؟"؛ و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ.

ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ: "فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ؟"؛ أيْ: "مَن لَمْ يُشْرِكْ بِالقادِرِ العالِمِ تَعالى أحَقُّ أنْ يَأْمَنَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ و"يَلْبِسُوا"؛ مَعْناهُ: يَخْلِطُوا؛ و"اَلظُّلْمُ" - في هَذِهِ الآيَةِ -: اَلشِّرْكُ؛ تَظاهَرَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وعن جَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أشْفَقَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّما ذَلِكَ كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ "؛» ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قَرَأ فِي المُصْحَفِ؛ فَلَمّا أتى عَلَيْها عَظُمَتْ عَلَيْهِ؛ فَلَبِسَ رِداءَهُ؛ ومَرَّ إلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ فَقالَ: "يا أبا المُنْذِرِ "؛ وسَألَهُ عنها؛ فَقالَ لَهُ: "إنَّهُ الشِرْكُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ "؛ فَسُرِّيَ عن عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وجَرى لِزَيْدِ بْنِ صُوحانَ؛ مَعَ سَلْمانَ نَحْوٌ مِمّا جَرى لِعُمَرَ ؛ مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم.

وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةٌ: "يُلْبِسُوا"؛ بِضَمِّ الياءِ.

و"اَلْأمْنُ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ في المَجْرُورِ؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ "أُولَئِكَ"؛ "وَهم مُهْتَدُونَ"؛ أيْ: راشِدُونَ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلْمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - خاصَّةً"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: "نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - خاصَّةً"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ فَهي مِنَ الحُجَّةِ الَّتِي أُوتِيَها؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويَجِيءُ هَذا مِنَ الحُجَّةِ أيْضًا؛ أنْ أقَرُّوا بِالحَقِّ وهم قَدْ ظَلَمُوا في الإشْراكِ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وغَيْرُهُما: بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ابْتِداءُ حُكْمٍ فُصِّلَ؛ عامٌّ لِوَقْتِ مُحاجَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وغَيْرِهِ؛ ولِكُلِّ مُؤْمِنٍ؛ تَقَدَّمَ أو تَأخَّرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو البَيِّنُ الفَصِيحُ الَّذِي يَرْتَبِطُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ؛ ويُحْسِنُ رَصْفَها؛ وهو خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى.

و"تِلْكَ"؛ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحُجَّةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ وهي رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ؛ و"حُجَّتُنا"؛ خَبَرُهُ؛ و"آتَيْناها"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "حُجَّتُنا"؛ بَدَلًا مِن "تِلْكَ"؛ و"آتَيْناها"؛ خَبَرَ "وَتِلْكَ"؛ و"إبْراهِيمَ"؛ مَفْعُولٌ بِـ "آتَيْنا"؛ والضَمِيرُ مَفْعُولٌ أيْضًا بِـ "آتَيْنا"؛ مُقَدَّمٌ؛ و"عَلى"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "حُجَّتُنا"؛ وفي ذَلِكَ فَصْلٌ كَثِيرٌ؛ ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ "عَلى" بِـ "آتَيْناها"؛ عَلى المَعْنى؛ إذِ المَعْنى: "أظْهَرْناها لِإبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ"؛ ونَحْوُ هَذا.

وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ"؛ بِإضافَةِ الدَرَجاتِ إلى "مَن"؛ وقَرَأ عامِرٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهُما مَأْخَذانِ مِنَ الكَلامِ؛ والمَعْنى المَقْصُودُ بِهِما واحِدٌ؛ و"دَرَجاتٍ"؛ عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ؛ نُصِبَ عَلى الظَرْفِيَّةِ؛ "حَكِيمٌ عَلِيمٌ"؛ صِفَتانِ [تَلِيقانِ] بِهَذا المَوْضِعِ؛ إذْ هو مَوْضِعُ مَشِيئَةٍ؛ واخْتِيارٍ؛ فَيَحْتاجُ ذَلِكَ إلى العِلْمِ؛ والإحْكامِ؛ والدَرَجاتُ أصْلُها في الأجْسامِ؛ ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ في المَراتِبِ؛ والمَنازِلِ المَعْنَوِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عُطفت جملة ﴿ وكيف أخاف ﴾ على جملة: ﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ [الأنعام: 80] ليبيّن لهم أنّ عدم خوفه من آلهتهم أقلّ عجباً من عدم خوفهم من الله تعالى، وهذا يؤذن بأنّ قومه كانوا يعرفون الله وأنَّهم أشركوا معه في الإلهية غيره فلذلك احتجّ عليهم بأنّهم أشركوا بربّهم المعتَرف به دون أن يُنَزّل عليهم سلطاناً بذلك.

و ﴿ كيف ﴾ استفهام إنكاري، لأنَّهم دعَوه إلى أن يخاف بأس الآلهة فأنكر هو عليهم ذلك وقلب عليهم الحجَّة، فأنكر عليهم أنَّهم لم يخافوا الله حين أشركوا به غيره بدون دليل نصبه لهم فجَمَعَت (كيف) الإنكارَ على الأمرين.

قالوا وفي قوله: ﴿ ولا تخافون أنَّكم أشركتم ﴾ يجوز أن تكون عاطفة على جملة: ﴿ أخاف ما أشركتم ﴾ فيدخل كلتاهما في حكم الإنكار، فخوفُه من آلهتهم مُنكر، وعدم خوفهم من الله منكر.

ويجوز أن تكون الواو للحال فيكون محلّ الإنكار هو دعوتَهم إيّاه إلى الخوف من آلهتهم في حال إعراضهم عن الخوف ممَّن هو أعظم سلطاناً وأشدّ بطشاً، فتفيد (كيف) مع الإنكار معنى التعجيب على نحو قوله تعالى: ﴿ أتأمرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم ﴾ [البقرة: 44].

ولا يقتضي ذلك أنّ تخويفهم إيَّاه من أصنامهم لا ينكَر عليهم إلاّ في حال إعراضهم عن الخوف من الله لأنّ المقصود على هذا إنكار تحميق ومقابلة حال بحال، لا بيان ما هو منكر وما ليس بمنكر، بقرينة قوله في آخره ﴿ فأي الفريقين أحقّ بالأمن ﴾ .

وهذا الوجه أبلغ.

و ﴿ ومَا أشركتُم ﴾ موصولة والعائد محذوف، أي ما أشركتُم به.

حذف لدلالة قوله: ﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ [الأنعام:] عليه، والموصول في محلّ المفعول (به)، ل ﴿ ما أشركتم ﴾ .

وفي قوله: ﴿ أنَّكم أشركتم ﴾ حُذفت (من) المتعلِّقة ب ﴿ تخافون ﴾ لاطِّراد حذف الجارّ مع (أنّ)، أي من إشراككم، ولم يقل: ولا تخافون الله، لأنّ القوم كانوا يعرفون الله ويخافونه ولكنَّهم لم يخافوا الإشراك به.

﴿ وما لم ينزّل به عليكم سلطاناً ﴾ موصول مع صلته مفعول ﴿ أنَّكم أشركتم ﴾ .

ومعنى ﴿ لم يُنزّل به عليكم ﴾ لم يخبركم بإلهية الأصنام التي عبدتموها ولم يأمركم بعبادتها خبَراً تعلمون أنَّه من عنده فلذلك استعار لذلك الخبر التنزيل تشبيهاً لعظم قدره بالرفعة، ولبلوغه إلى من هم دون المخبِر، بنزول الشيء العالي إلى أسفلَ منه.

والسلطان: الحجّة لأنَّها تتسلَّط على نفس المخاصم، أي لم يأتكم خبر منه تجعلونه حجَّة على صحَّة عبادتكم الأصنام.

والفاء في قوله: ﴿ فأي الفريقين ﴾ تفريع على الإنكار، والتعجيب فَرع عليهما استفهاماً ملجئاً إلى الاعتراف بأنَّهم أوْلى بالخوف من الله من إبراهيم من آلهتهم.

والاستفهام ب ﴿ أيّ ﴾ للتقرير بأنّ فريقه هو وحده أحقّ بالأمن.

والفريق: الطائفة الكثيرة من النّاس المتميِّزة عن غيرها بشيء يجمعها من نسب أو مكان أو غيرهما، مشتقّ من فَرَق إذا ميّز.

والفِرْقَة أقلّ من الفريق، وأراد بالفريقين هنا قومه ونفسه، فأطلق على نفسه الفريق تغليباً، أو أراد نفسه ومن تبعه إن كان له أتباع ساعتئذٍ، قال تعالى: ﴿ فآمن له لوط ﴾ [العنكبوت: 26]، أو أراد من سيوجد من أتباع ملَّته، كما يناسب قوله ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ [الأنعام: 82].

والتعريف في ﴿ الأمن ﴾ للجنس، وهو ضدّ الخوف، وجملة ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ مستأنفة ابتدائية، وجواب شرطها محذوف دلّ عليه الاستفهام، تقديره: فأجيبوني، وفيه استحثاث على الجواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ ﴾ في الظُّلْمِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ فَقالُوا: ما مِنّا مِن أحَدٍ إلّا وهو يَظْلِمُ نَفْسَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : لَيْسَ كَما تَظُنُّونَ، وإنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: ﴿ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ » .

والثّانِي: أنَّهُ سائِرُ أنْواعِ الظُّلْمِ.

وَمَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا في عُمُومِها وخُصُوصِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ.

والثّانِي: أنَّها خاصَّةٌ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِتَخْصِيصِها فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في إبْراهِيمَ خاصَّةً ولَيْسَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنها شَيْءٌ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

والثّانِي: أنَّها فِيمَن هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَوابًا مِنهُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جَوابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَصَلَ بِهِ بَيْنَ إبْراهِيمَ ومَن حاجَّهُ مِن قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ جَوابُ قَوْمِهِ لِما سَألَهم ﴿ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ ﴾ ؟

فَأجابُوا بِما فِيهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ جَوابُ إبْراهِيمَ كَما يَسْألُ العالِمُ نَفْسَهُ فَيُجِيبُها، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ ﴾ وفي هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي أُوتِيَها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: قَوْلُهُ لَهُمْ: ﴿ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ أمْ تَعْبُدُونَ مَن يَمْلِكُ الضُّرَّ والنَّفْعَ؟

فَقالُوا: مالِكُ الضُّرِّ والنَّفْعِ أحَقُّ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ ﴾ عِبادَةُ إلَهٍ واحِدٍ أمْ آلِهَةٍ شَتّى؟

فَقالُوا: عِبادَةُ إلَهٍ واحِدٍ فَأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا قالُوا لِإبْراهِيمَ ألا تَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا؟

فَقالَ: أما تَخافُونَ أنْ تَخْبِلَكم آلِهَتُكم بِجَمْعِكم لِلصَّغِيرِ مَعَ الكَبِيرِ في العِبادَةِ.

واخْتَلَفُوا في سَبَبِ ظُهُورِ الحُجَّةِ لِإبْراهِيمَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْطَرَها بِبالِهِ حَتّى اسْتَخْرَجَها بِفِكْرِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهُ بِها ولَقَّنَهُ إيّاها.

﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عِنْدَ اللَّهِ بِالوُصُولِ لِمَعْرِفَتِهِ.

والثّانِي: عَلى الخُلُقِ بِالِاصْطِفاءِ لِرِسالَتِهِ.

والثّالِثُ: بِالسَّخاءِ.

والرّابِعُ: بِحُسْنِ الخُلُقِ.

وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: نَرْفَعُ مَن نَشاءُ دَرَجاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ وحاجه قومه ﴾ يقول: خاصموه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتحاجوني ﴾ قال: أتخاصمونني.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أتحاجوني ﴾ مشددة النون.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ وحاجه قومه ﴾ قال: دعوا مع الله إلهاً ﴿ أتحاجوني في الله وقد هدان ﴾ وقد عرفت ربي، خوّفوه بآلهتهم أن يصيبه منها خبل فقال: ﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ ثم قال: ﴿ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون ﴾ أيها المشركون ﴿ أنكم أشركتم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فأي الفريقين أحق بالأمن ﴾ قال: قول إبراهيم حين سألهم أي الفريقين أحق بالأمن، ومن حجة إبراهيم!.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ فأي الفريقين أحق بالأمن ﴾ أمن خاف غير الله ولم يخفه، أم من خاف الله ولم يخف غيره؟

فقال الله: ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ﴾ [ الأنعام: 82] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ ﴾ معناه: الإنكار للخوف، وهو سؤال تعجيز عن تصحيح الخوف بالبرهان.

وقوله تعالى: ﴿ مَا أَشْرَكْتُمْ ﴾ يعني: الأصنام (١) ﴿ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما ليس لكم فيه حجة) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ﴾ أي: أحق بأن يأمن العذاب الموحّد أم المشرك (٤) (١) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 253، وابن عطية 5/ 266.

(٢) "تنوير المقباس" 2/ 36، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 71، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 171، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1332 بسند جيد عن ابن عباس قال: (كل سلطان في القرآن حجة)، قال ابن أبي حاتم بعده: (وروي عن أبي مالك ومحمد بن كعب وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والسدي مثله) اهـ.

(٣) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 212 أ، ونسخة تشستربتي 2/ 32 أ، 33/ ب.

(٤) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 269، والنحاس 2/ 453، وانظر: "بدائع التفسير" 2/ 153.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أتحاجواني فِي الله ﴾ أي في الإيمان بالله وفي توحيده، والأصل أتحاجونني بنونين وقرئ بالتشديد على إدغام أحدهما في الآخر، وبالتخفيف على حذف أحدهما واختلف هل حذفت الأولى أو الثانية ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ ما هنا الذي ويريد بها الأصنام، وكانوا قد خوفوه أن تصيبه أصنامهم بضر، فقال: لا أخاف منهم؛ لأنهم لا يقدرون على شيء ﴿ أولئك الذين هَدَى الله ﴾ [الأنعام: 90] استثناء منقطع بمعنى لكن: أي إنما أخاف من ربي إن أراد بي شيئاً ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ ﴾ أي كيف أخاف شركاءكم الذين لا يقدرون على شيء؟

وأنتم لا تخافون ما فيه كل خوف، وهو إشراككم بالله وأنتم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟

ثم أوفقهم على ذلك بقوله فأيّ الفريقين أحق بالأمن؟

ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟

ثم أوفقهم على ذلك بقوله فأيّ الفريقين أحق بالأمن؟

يعني فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، ثم أجاب عن السؤال بقوله: ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ الآية؛ وقيل: إن الذين آمنوا: استئناف وليس من كلام إبراهيم ﴿ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ لما نزلت هذه الآية أشفق منها لابنه: ﴿ يابني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13] ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ﴾ إشارة إلى ما تقدم من استدلاله واحتجاجه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أراك ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ لأبيه آزر ﴾ بالضم على النداء: يعقوب ﴿ رأى كوكباً ﴾ بإمالة الهمزة: أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش.

وكذلك ﴿ رآه ﴾ و ﴿ رآك ﴾ وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس وهبيرة من طريق الخراز بكسر الراء والهمزة.

وافق ابن ذكوان في ﴿ رأى ﴾ فقط وخالفهم فيما اتصلت بالكاف والهاء في سورة النجم.

وافق مجاهد والنقاش بالإمالة وكسر الراء في سورة "اقرأ باسم" ﴿ رأى القمر ﴾ و ﴿ رأى الشمس ﴾ ونحوهما بكسر الراء وفتح الهمزة: حمزة وخلف ونصر وعباس ويحي والخراز.

وروى خلف عن يحي بكسر الراء والهمزة ﴿ أتحاجوني ﴾ بتخفيف النون: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان.

الباقون: بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية ﴿ وقد هدان ﴾ بالإمالة: علي.

وقرأ سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الحالين، وافق أبو عمرو ويزيد واسماعيل في الوصل.

﴿ درجات ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الوقوف: ﴿ آلهة ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموقنين ﴾ ه ﴿ رأى كوكباً ﴾ ج لأن جواب "لما" قوله "رأى" مع اتحاد الكلام بلا عطف ﴿ ربي ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع فاء التعقيب فيها.

﴿ الآفلين ﴾ ه ﴿ هذا ربي ﴾ ج لذلك ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ هذا أكبر ﴾ ج لذلك ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ج لاحتمال الواو الحال أي وقد حاجه.

﴿ قومه ﴾ ط ﴿ هدان ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ علما ﴾ ط ﴿ تتذكرون ﴾ ه ﴿ سلطانا ﴾ ط للاستفهام بعد تمام الاستفهام ﴿ بالأمن ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف التقدير: إن كنتم تعلمون فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ تعلمون ﴾ ه لتناهي الاستفهام وابتداء إخبار، ولو وصل اتصل بما قبله ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ على قومه ﴾ ط ﴿ من نشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: إنه  كثيراً ما يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم صلوات الرحمن عليه لأنه يعرف بالفضل والتقدم عند جميع الطوائف، وذلك أنه سلم قلبه للرحمن ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان.

ثم إن بظاهر الآية يدل على أن اسم والد ابراهيم هو آزر، ومنهم من قال: اسمه تارح.

قال الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، فمن الملحدة من طعن في هذا النسب لهذا السبب.

والجواب أن إجماع النسابة لا عبرة به لأن ذلك ينتهي إلى قول الواحد أو الأثنين - مثل وهب وكعب - أو غيرهما.

سلمنا أن اسمه كان "تارح" لكنه من المحتمل أن يكون أحدهما لقباً والآخر اسماً أصلياً، أو يكون آزر صفة مخصوصة في لغتهم كالمخطىء والمخذول.

وقيل: إن آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية وهذا عند من يجوز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب.

وقيل: إن آزر اسم صنم يجوز أن ينبز به للزومه عبادته، فإن من بالغ في محبة واحد فقد يجعل اسم المحبوب اسماً للمحب قال  ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ وقال الشاعر: أدعى بأسماء نبزاً في قبائلها *** كأن أسماء أضحت بعض أسمائي.

أو أريد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقيل: إن والد إبراهيم كان تارح وكان آزر عماً له والعم قد يطلق عليه اسم الأب بدليل قوله ﴿ نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق  ﴾ ومعلوم أن إسماعيل كان عماً ليعقوب.

ومما يدل على صحة ظاهر الآية أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا حراصاً متهالكين على تكذيب الرسول  وإظهار نقصه، فلو كان النسب كذباً لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه، وحيث لم يكذبوه علمنا أن النسب صحيح، قالت المعتزلة ومن يجري مجراهم: إن أحداً من آباء الرسول  ما كان كافراً وفسروا قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ بانتقاله من ساجد إلى ساجد وأكدوه بما روي أنه  قال: "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وإن آزر كان عم إبراهيم وما كان والداً له لأن إبراهيم شافهه بالغلظة والجفاء في قوله: ﴿ إني أراك وقومك في ضلال مبين ﴾ وقد قال  ﴿ ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما  ﴾ ولأنه ناداه بالاسم في قراءة من قرأ "آزر" بالضم.

والنداء بالاسم دليل الاستخفاف ولهذا لم يقرأ بالضم في قوله ﴿ وقال موسى لأخيه هارون اخلفني  ﴾ وأجيب بأن قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ يحتمل وجوهاً أخرى سوف يجيء ذكرها، وبأن قوله "لم أزل أنتقل" محمول على أنه لم يقع في نسبه ما كان سفاحاً.

والتغليظ من إبراهيم إنما كان لأجل إصرار أبيه على الكفر كما قال ﴿ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه  ﴾ لا لأجل السفه والجفاء لقوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ ثم إن إبراهيم احتج على فساد اعتقاد عبدة الأصنام بقوله منكراً على آزر وقومه ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ أي معبودين.

وذلك أن الأصنام لو كان لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على عجزها وإن كثرت، واحتج بعضهم بالآية على وجوب معرفة الله  ،وعلى أن وجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع لأن إبراهيم حكم عليهم بالضلال من حيث النظر والاستدلال، وأجيب بأنه لعله عرف ضلالهم بحكم شرع الأنبياء المتقدمين عليه ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام والاشتغال بغير الله ﴿ نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ﴾ والنكتة فيه أن التخلي عن غير الله يوجب رفع الحجاب وبقدر ذلك يكون حصول التجلي والتحلي بالله وإنما لم يقل "أريناه" بلفظ الماضي لأنه أراد الحكاية كأنه قيل: كيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ في قوة الدين والذب عنه؟

فأجيب أنا كنا نريه الملكوت وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه، أو المقصود بيان ارتفاعه في معارج الكمال وازدياده في ذلك على سبيل الدوام والاستمرار فإن مخلوقاته تعالى وإن كانت متناهية في الذات وفي الصفات إلا أن جهات دلالاتها على ذاته وصفاته  غير متناهية كما قال إمام الحرمين: معلومات الله غير متناهية، ومعلوماته في تلك المعلومات أيضاً غير متناهية.

فإن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، فكل تلك الأحوال التقديرية معلومة لله  ، وكل تلك الأحوال دالة على حكمة الله  وعظمة قدرته، وإذا كان الجوهر الفرد كذلك فكيف كل الملكوت!

ولهذا قيل: السفر إلى الله  له نهاية، فأما السفر في الله  فإنه بلا نهاية.

والملكوت هو الملك والتاء للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت ومن الرهبة.

قال بعضهم: إنه  أراه الملكوت بالعين.

قالوا: شق له تحت السموات حتى رأى العرش والكرسي إلى منتهى الأجرام العلوية، وشق له الأرض إلى ما تحت الثرى فرأى ما فيها من البدائع والعجائب.

عن ابن عباس أنه قال: لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وأري ما فيها وما في الأرض من العجائب رأى عبداً على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، فقال الله  له: كف عن عبادي فهم بين خلال ثلاث: إما أن أجعل منهم ذرية طيبة، أو يتوبون فأغفر لهم، أو النار من ورائهم.

وقال الأكثرون: إن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة، لأن ملك السموات والأرض لا يرى وإنما يعرف بالعقل ولو أريد نفس السموات والأرض صار لفظ الملكوت ضائعاً.

وأيضاً قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ جارٍ مجرى الشرع والتفسير لتلك الإراءة فثبت أنه استدل بتغير الأجرام وإمكانها وحدوثها على وجود الإله الواجب الحكيم.

ثم قال بالآخرة ﴿ وتلك حجتنا ﴾ والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه.

وأيضاً الإراءة بالعين تفيد العلم الضروري بالإله القادر ومثل هذه المعرفة لا توجب المدح والثواب كما للكفار في الأخرة.

وأيضاً اليقين عبارة عن تحصيل علم بالتأمل إذا كان مسبوقاً بالشك، فالمراد نري إبراهيم ليستدل بها وليكون من الموقنين، أو ليكون من الموقنين نريه، أو فعلنا ذلك وذلك أن الإراءة قد تصير سبباً للجحود لا الإيقان كما في حق فرعون ﴿ ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى  ﴾ وأيضاً الإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال، وبتقدير الإمكان لا يكون لها دوام وبقاء، وبتقدير البقاء تكون شاغلة للرائي عن الله.

أما إذا نظر بعين البصيرة في المخلوقات وعرف حدوثها وإمكانها، وعرف أن كل ممكن يحتاج إلى الصانع الحق الواجب فكأنه بهاتين المقدمتين قد طالع صفحة الملكوت بعين عقله وسمعبأذن قلبه شهادتها بالاحتياج والانقياد لله، وهذه الرؤية باقية غير زائلة ولا شاغلة عن الله بل هي شاغلة للقلب والروح بالله.

وهذه الرؤية وإن كانت حاصلة لجميع الموحدين لقوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ إلا أن الاطلاع على تفاصيل آثار حكمة الله  في كل واحد من مخلوقات هذه العوالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وعوارضها ولواحقها كما هي، لا تحصل إلا لأكابر الأنبياء ولهذا قال  في دعائه "أرني الأشياء كما هي" ثم إن الإنسان في أول استدلاله لا ينفك قلبه عن اختلاج شبهة فيه، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت كان لكل واحد منها نوع تأثير وقوة، ويكون جارياً مجرى تكرار الدرس الواحد وتزداد النفس بكل منها نوراً وإشراقاً وانبساطاً إلى أن يحصل الجزم ويكمل الإيقان وتطلع شمس العلم والعرفان إلى حيث أتيح لها من الارتقاء والتصاعد وذلك قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ قال في الكشاف: إنه معطوف على قوله ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ وقوله ﴿ وكذلك نرى ﴾ جملة وقعت اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه.

يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل.

والتركيب يدور على الستر ومنه الجنة والجن والمجنون والجنين.

وقيل: جن عليه الليل أي أظلم عليه ولأجل هذا التضمين عدي بــ"على".

وأما "أجنة" فمعناه ستره من غير تضمين معنى أظلم.

واعلم أن كثيراً من المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه.

فأمر بذبح كل غلام يولد فحملت أم إبراهيم  به وما أظهرت حملها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر فجاء جبريل  فوضع أصبعه في فيه فمصه فخرج منه رزقه، وكان يتعهده جبريل  وكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه.

وبقي في الغار حتى كبر وعرف أن له رباً فسأل الأم فقال لها: من ربي؟

فقالت: أنا.

فقال: من ربك؟

فقالت: أبوك.

فقال لأبيه: من ربك؟

فقال: ملك البلد.

فعرف إبراهيم جهلهما بربهما.

فنظر من باب ذلك الغار ليرى ما يستدل به على وجود الرب  فرأى النجم الذي كان أصغر النجوم في السماء فقال: هذا ربي إلى آخر القصة.

ثم منهم من قال: كان هذا بعد البلوغ وأوان التكليف، ومنهم من قال: كان هذا قبل البلوغ.

وأكثر المحققين على فساد هذا القول لوجوه منها: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر لا يجوز على الأنبياء بالاتفاق.

ومنها أن إبراهيم كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة لأن الله  أخبر عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد بالرفق مراراً بقوله ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر  ﴾ الآيات.

وفي هذا الموضع دعا أباه إلى التوحيد بالكلام الخشن، والدعوة بالرفق مقدمة على الدعوة بالخشونة والغلظة.

ومنها أن هذه الواقعة كانت بعد أن أراه ملكوت السموات والأرض بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فلما جن ﴾ ومنها أنه تعالى وصفه بقوله ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم  ﴾ ومدحه بقوله ﴿ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل  ﴾ أي من أول زمان الفطرة.

ومنها قوله عقيب هذه القصة ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ ولم يقل "على نفسه".

ومنها أنه قال بعد القصة ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم.

ومنها قوله ﴿ وحاجة قومه ﴾ وفيه دليل على أنه إنما اشتغل بالنظر في الكواكب بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فقال ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ رداً وتنبيهاً على فساد قولهم، ويؤكده قوله ﴿ كيف أخاف ما أشركتم ﴾ لأنه يدل على أنهم كانوا قد خوفوه بالأصنام كما في قصة هود ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء  ﴾ ومنها أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، وكان ينبغي أن يستدل أوّلاً بغروب الشمس على عدم إلهيتها ثم يبطل إلهية القمر وسائر الكواكب بالطريق الأولى، ولما لم يكن كذلك علمنا أن المقصود إلزام القوم وإفحامهم.

والابتداء بأفول الكوكب لأنه اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلعت الشمس.

ثم ههنا احتمالان: الأول أن يقال إن هذا كلام إبراهيم بعد البلوغ ولكنه ذكره بلفظهم حتى يرجع إليه فيبطله، مثاله: أن يقول في مناظرة من يزعم قدم الجسم: الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نشاهده ونراه متركباً متغيراً.

فقولك "الجسم قديم" إعادة لكلام الخصم لإلزام الحجة عليه، أو المراد هذا ربي في زعمكم واعتقادكم كقول الموحد للجسم: الإله جسم محدود أي في زعمه واعتقاده.

قال  ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ وقال ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم  ﴾ أي عند نفسك.

وكان  يقول: " يا إله الآلهة في زعمهم" .

أو المراد منه لاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام لدلالة الكلام، أو أضمر القول أي يقولون هذا ربي وإضمار القول كثير ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا  ﴾ أي يقولان ربنا ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم  ﴾ أي يقولون: ما نعبدهم ﴿ إلا ليقربونا  ﴾ أو ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء، أو أنه  قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة لم يقبلوا قوله فمال إلى الاستدراج وذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم مع أن إبراهيم كان مطمئناً بالإيمان فكان بمنزلة المكره على كلمة الكفر حيث لم يجد إلى الدعوة المأمور بها طريقاً سوى ذلك.

وإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة تعود إلى شخص واحد لقوله  ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ فلأن يجوز ذكرها لتخليص جم غفير من الكفر والعقاب الأبدي أولى.

قالت العلماء: إن المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر.

ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال حتى لو صلى وترك القتال أثم.

وإن من كان في الصلاة فرأى طفلاً أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذهما ومثل هذه الواقعة قوله ﴿ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم  ﴾ وذلك أنهم كانوا يستدلون بعلم النجوم على الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع إنه كان بريئاً عنه في الباطن ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام قال المتكلمون: إنه يصح من الله  إظهار خوارق العادات على يد من يدعي الإلهية، لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يروج التلبيس ولكنه لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوّة كاذباً لأن التلبيس يروج حينئذ فكذا ههنا قوله ﴿ هذا ربي ﴾ لا يوجب الضلال لأن دلائل بطلانه جلية وفي ذلك استدراج لهم لقبول الدليل فكان جائزاً.

الاحتمال الثاني: أنه ذكر ذلك قبل البلوغ فلعله خطر بباله لشدة ذكائه قبل بلوغه إثبات الصانع  فتفكر فرأى النجم فقال ﴿ هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ﴾ ثم إنه  أكمل بلوغه في أثناء هذا الفكر فقال عند أفول الشمس ﴿ إني بريء مما تشركون ﴾ واعلم أن القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم  ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل يربيه محتملة في الجملة، لأن الإرهاص - وهو تقديم المعجز على وقت الدعوى - جائز عندنا.

ولم يجوّزه القاضي إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله  فتكون تلك الخوارق معجزة لذلك الرسول.

قال في الكشاف: فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟

قلت الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.

وأنا أقول: الاحتجاج بالبزوغ في الآية لا يصح لأنه  بين أنه نظر إلى الكوكب وقت كونه طالعاً لا حين بزوغه ليلزم مشاهدة التغير والانتقال، وكذا إلى القمر وإلى الشمس دليله أنه لم يقل رأى القمر يبزغ بل بازغاً.

ولو سلم فإن أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص والأوساط والعوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان فكل ممكن محتاج والمحتاج لا يجوز أن يكون منقطع الحاجات فلا بد من الانتهاء إلى الواجب بالذات.

وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث وكل محدث فهو محتاج إلى القديم.

وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب، فكل كوكب يغرب فإنه يزول نوره ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن كان كذلك فإنه لا يصلح للإلهية، أقصى ما في الباب أن يقال:إن لهاتأثيرات في أحوال العالم السفلى، ولكن تلك التأثيرات لما لم تكن لها بذاتها لزم استناد الكل إلى الواجب  وهو الإله الأعظم القادر على خلق السموات والنجوم النيرات، فيجب أن يكون قادراً على خلق البشر وعلى تدبير السفليات بالطريق الأولى فلا يلزم من وضع الواسطة رفع المبدأ بحال،ويعلم من قوله ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ أنه  ليس بجسم وإلا كان غائباً عنا فكان آفلاً، وإنه لا يصح عليه المجيء والذهاب والنزول والصعود ولا الصفات المحدثة.

وفيه أن معارف الأنبياء استدلالية لا ضرورية وأنه لا سبيل إلى معرفته تعالى إلى النظر والاستدلال.

أما قوله ﴿ فلما رأى القمر بازغاً ﴾ يقال بزغ القمر أو الشمس إذا ابتدأ بالطلوع.

وأصل البزغ الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً قاله الأزهري.

وفي قوله ﴿ إن لم يهدني ربي ﴾ إشارة إلى أن الهداية ليست إلا من الله  .

والمعتزلة حملوها على التمكين وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل، وزيف بأن كل ذلك كان حاصلاً فالهداية التي كان يطلبها بعد ذلك لا بد أن تكون زائدة عليها ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ﴾ أراد هذا الطالع أو هذا المرئي، أو ذكر بتأويل الضياء والنور، أو باعتبار الخبر وهو رب مع رعاية الأدب وهو ترك التأنيث عند اللفظ الدال على الربوبية كما لم يقولوا في صفة الله علامة وإن كانت بتاء مبالغة ﴿ هذا أكبر ﴾ أي أكبر الكواكب جرماً ونوراً، وقد برهن في الهيئة على أنها مائة وستة وستون مثلاً لكرة الأرض كلها.

وإنما لم يقتصر على ذكر الشمس أوّلاً مع أنه يلزم منه عدم ربوبية ما دونها من القمر والكواكب، لأنه أراد الأخذ من الأدون إلى الأعلى لمزيد التقرير والتصوير ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ قيل: لا يلزم من نفي ربوبية النجوم نفي الشريك مطلقاً.

والجواب أن القوم لم ينازعوه إلا في الصور المذكورة، فلما أثبت أنها ليست أرباباً ثبت بالاتفاق نفي الشركاء على الإطلاق.

ومعنى ﴿ وجهت وجهي للذي فطر ﴾ وجهت عبادتي لأجله فإن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره فإنه يوجه وجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة.

وأصل الفطر الشق يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، والحنيف المائل عن كل معبود سوى الله  .

قال أبو العالية: الذي يستقبل البيت في صلاته.

ثم إن قومه حاجوه متمسكين بالتقليد تارة كقولهم ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة  ﴾ وكقولهم للرسول  ﴿ أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب  ﴾ ومخوّفين إياه بالأصنام أخرى فأجابهم بقوله ﴿ أتحاجوني في الله وقد هدان ﴾ أي لما ثبت بالدليل الموجب للهداية صحة قولي فكيف ألتفت إلى حجتكم الواهية؟

﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر ﴿ إلا أن يشاء ﴾ إلا وقت مشيئة ﴿ ربي ﴾ شيئاً يخاف.

فحذف المضاف أي إلا إن أذنبت فيشاء إنزال العقوبة بي، أو إلا أن يريد ابتلائي بمحنة، أو إلا أن يمكن بعض تلك الأصنام من ضري مثل أن يرجمني بكوكب، أو كان قد أودع فيها طلسم فيصيبني مكروه من جهته بإذن الله  ، وفائدة الاستثناء أنه لو حدث به شيء من المكاره في الأيام المستقبلة لم يحمله الحمقى والجهلة على قدرة الأصنام ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فلا يفعل إلا الخير والصلاح ﴿ أفلا تتذكرون ﴾ أن نفي الأنداد عن رب الأرباب لا يوجد حلول العقاب ونزول العذاب، وأن الصحيح لا يساوي الفاسد، والعاجز لا يساوي القادر؟

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ﴾ إذ لا سلطان فينزل.

وقيل: إنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للصلاة والدعاء، ولكنه لم يؤمر به.

والمعنى ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم إلا من في موضع الخوف؟

ثم قال ﴿ فأي الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ولم يقل "فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم" اجتناباً عن تزكية نفسه.

والغرض إني أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية، والمعنى أن الذي حصل لهم الأمن المطلق هم المستجمعون لكمال القوة النظرية وسنامه الإيمان، ولكمال القوة العلمية وهو وضع الأشياء في موضعها وإليه الإشارة بقوله ﴿ ولم يلبسوا ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم ﴿ بظلم ﴾ .

قالت الأشاعرة: شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم داخلاً في الإيمان لم يكن لهذا التقييد فائدة فثبت أن الفاسق مؤمن.

وقالت المعتزلة: شرط في حصول الأمن حصول الأمرين: الإيمان وعدم الظلم.

فوجب أن لا يحصل إلا من الفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له أبداً.

وأجيب بأن الظلم ههنا الشرك لقوله ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ واجتماعه مع الإقرار بالصانع ممكن وحينئذ يصح إطلاق اللبس بمعنى الخلط ويكون المراد: الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا له شريكاً في المعبودية، ويؤيده أن القصة وردت في نفس الأضداد والأنداد.

وأيضاً لا يلزم من عدم الأمن المطلق حصول القطع بالعذاب الأبدي.

واعلم أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للذم والإنكار كمحاجة قوم إبراهيم، وتارة تكون موجبة للمدح وذلك إذا كان الغرض تقريراً لدين الحق والمذهب الصدق كمحاجة إبراهيم من قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ إلى ههنا وإليها الإشارة بقوله ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأنه رفع يتعدى إلى واحد، ومن قرأ بالتنوين فيكون كقوله ﴿ ورفع بعضهم درجات  ﴾ وقد تقدم في البقرة، واختلف في تلك الدرجات فقيل: أعماله في الآخرة، وقيل: تلك الحجج درجات رفيعة لأنها تقتضي ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني إلى أعلى العالم الروحاني، وقيل: نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة، وفي الآخرة بالجنة والثواب.

أو نرفع درجات من نشاء بالحكمة والعلم ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ فيرفع الدرجات بمقتضى الحكمة والعلم لا لموجب التشهي والشهوة.

التأويل: رأى إبراهيم ملكوت الأشياء أي بواطنها ليكون من الموقنين عند كشفها كما كان موقناً عند كشف الضلال المودع في آزر وقومه ﴿ فلما جن عليه ﴾ ظلمة ليل البشرية أمطر سحاب العناية غيث الهداية على أرض قلبه فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه، فرأى نور الرشد في صورة الكوكب طالعاً من أفق سماء روحانيته فقال: ﴿ هذا ربي ﴾ أراد به سره المكوكب لا الكوكب وإن لم يشعر به نفسه كما قيل: هوى فؤادي ولم يعلم به بدني *** فالجسم في غربة والروح في وطن فإن كذبت النفس فيما قالت للكواكب "هذا ربي" ما كذب الفؤاد ما رأى من الكوكب.

فقال ﴿ هذا ربي ﴾ فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب قال سره ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ فلما تسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر ﴿ قال هذا ربي فلما أفل ﴾ عند رجوعه إلى أوصافه ازداد الشوق قال إن ﴿ لم يهدني ربي ﴾ برفع حجب الأوصاف ويبقني على وجود الخليقة ﴿ لأكونن من القوم الضالين ﴾ عن الحق كآزر وقومه.

فلما انخرقت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية، وأشرقت أرض القلب بنور ربها ﴿ قال هذا ربي فلما أفلت ﴾ شمس الهداية تعززاً وتعظماً ليغرب إبراهيم  عن شرك الأنانية.

إن شمس النهار تغرب بالليل *** وشمس القلوب ليست تغيب.

تبرأ عن الأضداد والأنداد ونزعته همة الخلة عن الجهات وخلصه تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال.

فقال ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ وقد يدور في الخلد أن إبراهيم صلوات الله الرحمن عليه جن عليه ظلمة الشهبة فنظر أولاً في عالم الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغير فلم يرها تصلح للإلهية، فارتقى منها إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان حكمها حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجردة، فصادفها آفلة في أفق الإمكان فلم يبقَ إلا الواجب الحق.

ومن الناس من حمل الكوكب على الحس، والقمر على الخيال، والشمس على الوهم والعقل، ومراده أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية القوة، ومدبر العالم قاهر لها مستولٍ عليها ﴿ وحاجة قومه ﴾ ليسبلوا ستور شبههم على شموس عرفانه، وقد هداني إليه بالعيان بعد توالي البرهان ﴿ إلا أن يشاء ربي شيئاً ﴾ من الخذلان وهذا محال لأنه ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فهو أعلم بأهل العرفان وبأصحاب الخذلان ﴿ ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان حتى قال لجبريل: أما إليك فلا ﴿ وتلك ﴾ يعني إراءة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والتبري عما سواه والخلاص عن شرك الأنانية والإيمان الحقيقي بالعيان حتى ارتقى من الأفعال إلى الصفات ثم إلى الذات ﴿ آتيناها إبراهيم ﴾ بذاتنا من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ بجذبات الألوهية عن حضيض الأنانية الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

﴿ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ ذكر محاجة قومه ولم يبين فيما حاجوه، لكن في الجواب بيان أن المحاجة فيما كانت، وهو قوله: ﴿ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ ﴾ .

ثم تحتمل المحاجة في الله: في توحيد الله ودينه.

وتحتمل في اتباع أمر الله وطاعته.

وذكر في بعض القصة عن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ : في آلهتهم وخوفوه بها، وقالوا: إنا نخاف آلهتنا، وأنت تشتمها ولا تعبدها، أن تخبلك وتفسدك.

وذلك محتمل؛ وهو كقول قوم هود لهود -  - ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ  ﴾ .

ثم قال لهم إبراهيم -  -: لما [لا] تخافون أنتم منها؟.

قالوا: كيف نخاف ونحن نعبدها؟!

قال: لأنكم تسوون بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، أما تخافون الكبير إذ سويتموه بالصغير، وما تخافون الذكر إذ سويتموه بالأنثى؟!

ويحتمل أنهم خوفوه بالله بترك عبادة آلهتهم، لما كانوا يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، ويقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ فخوفوا إبراهيم [بالله] بترك عبادتهم لما كان عندهم أن عبادتهم إياها تقربهم إلى الله زلفى وترك العبادة لها يبعدهم، فقال: ﴿ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ وقد هداني، ولا أخاف مما تشركون به.

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَدْ هَدَانِ ﴾ [ما ذكرنا في قوله ﴿ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ﴾ ] الدين والتوحيد وهداني طاعته والاتباع لأمره فقال: كيف أخاف وقد هداني.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾ هذا يحتمل وجهين.

[الأول]: يحتمل لا أخاف إلا إن عصيت ربي شيئاً، فعند ذلك أخاف، وأما إذا هداني ربي فإني [لا] أخاف بتركي عبادتهم.

والثاني: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي ﴾ إلا أن يبتليني ربي بشيء من المعصية، فعند ذلك أكون في مشيئته إن شاء عذبني، وإن شاء لم يعذبني.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .

أي: علم ذلك كله عنده عصيت أو أطعت.

وقوله - عز وجل -: [ ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ ﴾ عن ابن عباس] ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ ﴾ به من الأصنام ﴿ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰناً ﴾ يقول: عذراً في كتابه ﴿ فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ ﴾ ؟

أي: أهل [دينين] أنا وأنتم ﴿ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أني أعبد إلهاً واحداً، وأنتم تعبدون آلهة شتى؟!

وقيل: إنهم كانوا يخوفونه بتركه عبادة آلهتهم وإشراكه إياها في عبادة الله، فقال: وكيف أخاف ما أشركتم أنتم بالله من الآلهة، ولا تخافون أنتم بما أشركتم بالله غيره ما لم ينزل به عليكم سلطاناً؟!

أي: حجة بأن معه شريكاً.

ثم قال: ﴿ فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ ﴾ أنا أو أنتم من عبد إلهاً واحداً [يأمن عنده] [أحق]، أم من عبد آلهة شتى صغارا وكباراً ذكوراً وإناثاً؟!

أو أن يقال: إني كيف أخاف آلهتكم التي تعبدون من دون الله بتركي عبادتها، وهي لا تملك ضرا إن تركت ذلك، ولا نفعاً إن أنا فعلت ذلك، ولا تخافون أنتم بترككم عبادة إلهي، وهو يملك الضر إن تركتم عبادته، والنفع إن عبدتموه، فأي الفريقين أحق بالأمن: من عبد إلها يملك الضر والنفع، أو من عبد إلها لا يملك ذلك؟!

فقيل: رد عليه قومه فقالوا: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ برب واحد يملك الضر والنفع، ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ قيل: لم يخلطوا تصديقهم وإيمانهم بشرك، ولم يعبدوا غيره دونه، ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ : من الضلالة والشرك.

قيل: الظلم - هاهنا -: الشرك؛ روي عن ابن مسعود -  - قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟!

قال: ليس ذلك إنما هو الشرك، أو لم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: ﴿ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ " وعن أبي بكر الصديق -  - قال لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ ، ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ ؟

فقالوا: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ : ثم عملوا له واستقاموا على أمره، ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ ، أي: لم يذنبوا فقال: لقد حملتمونا على أمر شديد، ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ : بشرك، ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ : عليها فلم يعدلوا عنها بشرك ولا غيره.

فإن ثبتت هذه الأخبار فهو ما ذكر فيها أن الظلم هو الشرك، وإلا احتمل الظلم ما دون الشرك أن من لم يظلم ولم يذنب [فهو في أمن] من الله، ومن ارتكب ذنباً أو ظلماً فله الخوف، وهو في مشيئة الله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له وعفا عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ...

﴾ الآية: ينقض قول من يقول بأن إبراهيم كان غير مؤمن في ذلك الوقت و [لا] عارفاً بربه؛ لأنه أخبر أنه آتاه حجته على قومه، ولو كان هو على ما قالوا لكانت الحجة التي آتاه عليه، فلما أخبر أنه آتاه حجته على قومه، دل أنه ليس على ما قالوا، ولكن كان عارفاً بربه مخلصاً له على ما سبق ذكره.

فإن قال قائل: إن الحجة التي أخبر أنه آتاها إبراهيم على قومه [هي] قوله: ﴿ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

فيقال: إن هذه ليست بمحاجة، إنما هو تقرير التوحيد والدين.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾ \[الآية\] والمحاجة ما ذكر في قوله: ﴿ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ  ﴾ وغيرها من الآيات التي فيها وصف توحيد الربّ - عز وجل - وألوهيته وفساد آلهتهم، من ذلك قوله: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ  وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ  ﴾ .

وفيه دليل نقض قول المعتزلة؛ لأنه قال: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ والإيتاء هو الإعطاء، والنجوم والشمس، والقمر وما ذكر قد كانت؛ دل أن الذي آتى إبراهيم هو محاجته قومه بما ذكرنا واحتجاجه عليهم بذلك؛ دل أن له في محاجة إبراهيم قومه صنعاً حيث أضافها إلى نفسه، وهو أن خلق محاجته قومه، وبالله العصمة.

وقوله -  -: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ : الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، وهو ما بين سفههم في عبادتهم الأصنام، حيث قال في غير آية وعلى نمرود حين قال: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ...

﴾ إلى آخر الآية [البقرة: 258].

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ .

فيه - أيضاً - دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله قد شاء لكل أحد أن يبلغ المبلغ الذي إذا بلغ ذلك يصلح للنبوة والرسالة، لكنهم شاءوا ألا يبلغوا ذلك المبلغ، يجعلون المشيئة في ذلك إلى أنفسهم دون الله، والله أخبر أنه يرفع درجات من يشاء وهم يقولون: لا يقدر أن يرفع، بل هم يملكون أن يرفعوا درجات أنفسهم؛ فدلت الآية على أن من نال درجة أو فضيلة إنما ينال بفضل الله ومنِّه.

ثم قوله: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ ﴾ : تحتمل الدرجات وجوهاً.

تحتمل: النبوة، وتحتمل: الدرجات في الآخرة أن يرفع لهم.

وتحتمل: الذكر والشرف في الدنيا لما يذكرون في الملأ من الخلق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ .

أي: حكيم في خلق الخلائق، خلق خلقاً يدل على وحدانيته، ويدل على أنه مدبر ليس بمبطل في خلقهم، ثم عليم بأعمالهم وعليم بمصالح الخلق وبما يصلح لهم، [وبما لا يصلح] والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكيف يقع مني خوف لما تعبدون من دون الله من أوثان، ولا يقع منكم أنتم خوف لشرككم بالله حين أشركتم معه ما خلقه دون برهان لكم على ذلك؟!

فأي الْجَمْعَيْنِ: جَمْعِ الموحِّدين وجَمْعِ المشركين أولى بالأمن والسلامة؟

إن كنتم تعلمون أَوْلاهما فاتبعوه، وأَوْلاهما -دون ريب- هو جمع المؤمنين الموحدين.

من فوائد الآيات الاستدلال على الربوبية بالنظر في المخلوقات منهج قرآني.

الدلائل العقلية الصريحة توصل إلى ربوبية الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.b8qYm"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل