الآية ٨٣ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٨٣ من سورة الأنعام

وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ٨٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٣ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال بعد ذلك كله : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء ) قرئ بالإضافة وبلا إضافة ، كما في سورة يوسف ، وكلاهما قريب في المعنى .

وقوله : ( إن ربك حكيم عليم ) أي : حكيم في أفعاله وأقواله ) عليم ) أي : بمن يهديه ومن يضله ، وإن قامت عليه الحجج والبراهين ، كما قال : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 96 ، 97 ] ; ; ولهذا قال هاهنا : ( إن ربك حكيم عليم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وتلك حجتنا "، قولَ إبراهيم لمخاصميه من قومه المشركين: " أي الفريقين أحق بالأمن ", أمن يعبد ربًّا واحدًا مخلصًا له الدين والعبادة، أم من يعبد أربابًا كثيرة؟

وإجابتهم إياه بقولهم: " بل من يعبد ربًّا واحدًا أحق بالأمن "، وقضاؤهم له على أنفسهم, فكان في ذلك قطع عذرهم وانقطاع حجتهم، واستعلاء حجة إبراهيم عليهم.

(29) فهي الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، كالذي:- 13513 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري, عن رجل, عن مجاهد: " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه "، قال: هي" الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " .

13514- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يحيى بن زكريا, عن ابن جريج, عن مجاهد قال : قال إبراهيم حين سأل: " أي الفريقين أحق بالأمن "، قال: هي حجة إبراهيم = وقوله: " آتيناها إبراهيم على قومه "، يقول: لقناها إبراهيم وبَصَّرناه إياها وعرفّناه =" على قومه نرفع درجات من نشاء ".

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الحجاز والبصرة: " نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ نَشَاءُ"، بإضافة " الدرجات " إلى " من ", بمعنى: نرفع الدرجات لمن نشاء.

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ بتنوين " الدرجات ", بمعنى: نرفع من نشاء درجات.

* * * و " الدرجات " جمع " درجة "، وهي المرتبة.

وأصل ذلك مراقي السلم ودرَجه, ثم تستعمل في ارتفاع المنازل والمراتب.

(30) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: هما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القرأة، متقارب معناهما.

وذلك أن من رفعت درجته، فقد رفع في الدرج = ومن رفع في الدرج، فقد رفعت درجته.

فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.

* * * فمعنى الكلام إذًا: " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه "، فرفعنا بها درجته عليهم، وشرّفناه بها عليهم في الدنيا والآخرة.

فأما في الدنيا، فآتيناه فيها أجره = وأما في الآخرة، فهو من الصالحين =" نرفع درجات من نشاء "، أي بما فعل من ذلك وغيره.

* * * وأما قوله: " إن ربك حكيم عليم "، فإنه يعني: إن ربك، يا محمد،" حكيم "، في سياسته خلقَه، وتلقينه أنبياءه الحجج على أممهم المكذّبة لهم، الجاحدة توحيد ربهم, وفي غير ذلك من تدبيره =" عليم "، بما يؤول إليه أمر رسله والمرسل إليهم، من ثبات الأمم على تكذيبهم إياهم، وهلاكهم على ذلك، أوإنابتهم وتوبتهم منه بتوحيد الله تعالى ذكره وتصديق رسله، والرجوع إلى طاعته.

(31) * * * يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: فأتَسِ، (32) يا محمد، في نفسك وقومك المكذبيك، والمشركين، بأبيك خليلي إبراهيم صلى الله عليه وسلم, واصبر على ما ينوبك منهم صبرَه, فإني بالذي يؤول إليه أمرك وأمرهم عالم، وبالتدبير فيك وفيهم حكيم.

(33) ---------------------- الهوامش : (29) الحمد لله الذي أنزل الكتاب بالحق ، ولو كان من عند غير الله لوجد الناس فيه اختلافًا كثيرًا.

ورحم الله أبا جعفر وغفر له ما أخطأ ، وأبو جعفر على جلالة قدره ، وحفظه وضبطه وعنايته ، قد تناقض وأوقع في كلامه اختلافًا كبيرًا.

فإنه في ص: 494 ، قد رجح أن الصواب في قوله تعالى ذكره: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" ، أنه خبر من الله تعالى ذكره عن أول الفريقين بالأمن ، وفصل قضاء منه بين إبراهيم وقومه.

ثم قال: "وذلك أن ذلك لو كان من قول قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الأوثان ويشركونها في عبادة الله ، لكانوا قد أقروا بالتوحيد ، واتبعوا إبراهيم على ما كانوا يخالفونه فيه من التوحيد ، ولكنه كما ذكرت من تأويله بديًّا".

ثم عاد هنا بعد بضع صفحات ، ففسر هذه الآية ، وزعم أن ذلك من إجابة قوم إبراهيم لإبراهيم ، وهو القول الذي نقضه!!

وهذا تناقض بين ، ولكنه يأتي في كتب العلماء ، حجة من الله على خلقه أنهم لا عصمة لهم في شيء ، وأن العصمة لله وحده سبحانه.

(30) انظر تفسير"الدرجة" فيما سلف 4: 523 - 536/7 : 368/9 : 95 ، وتفسيره هنا أوضح مما سبق.

(31) انظر تفسير: "حكيم" و"عليم" فيما سلف من فهارس اللغة.

(32) "ائتسى به" ، جعله أسوة له في نفسه وسيرته.

وكان في المطبوعة"تأس" ، وهي بمعناها ، وأثبت ما في المخطوطة.

(33) في المطبوعة والمخطوطة: "بالتدبير" بغير واو العطف ، والصواب إثباتها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم قوله تعالى وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم " تلك " إشارة إلى جميع احتجاجاته حتى خاصمهم وغلبهم بالحجة .

وقال مجاهد : هي قوله : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم .

وقيل : حجته عليهم أنهم لما قالوا له : أما تخاف أن تخبلك آلهتنا لسبك إياها ؟

قال لهم : أفلا تخافون أنتم منها إذ سويتم بين الصغير والكبير في العبادة والتعظيم ; فيغضب الكبير فيخبلكم ؟

.نرفع درجات من نشاء أي بالعلم والفهم والإمامة والملك .

وقرأ الكوفيون " درجات " بالتنوين .

ومثله في " يوسف " أوقعوا الفعل على " من " لأنه المرفوع في الحقيقة ، [ ص: 29 ] التقدير : ونرفع من نشاء إلى درجات .

ثم حذفت إلى .

وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو بغير تنوين على الإضافة ، والفعل واقع على الدرجات ، وإذا رفعت فقد رفع صاحبها .

يقوي هذه القراءة قوله تعالى : رفيع الدرجات وقوله عليه السلام : اللهم ارفع درجته .

فأضاف الرفع إلى الدرجات .

وهو لا إله إلا هو الرفيع المتعالي في شرفه وفضله .

فالقراءتان متقاربتان ; لأن من رفعت درجاته فقد رفع ، ومن رفع فقد رفعت درجاته ، فاعلم .

إن ربك حكيم عليم يضع كل شيء موضعه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما حكم لإبراهيم عليه السلام، بما بين به من البراهين القاطعة قال: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ } أي: علا بها عليهم، وفلجهم بها.

{ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ } كما رفعنا درجات إبراهيم عليه السلام في الدنيا والآخرة، فإن العلم يرفع الله به صاحبه فوق العباد درجات.

خصوصا العالم العامل المعلم، فإنه يجعله الله إماما للناس، بحسب حاله ترمق أفعاله، وتقتفى آثاره، ويستضاء بنوره، ويمشى بعلمه في ظلمة ديجوره.

قال تعالى { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } فلا يضع العلم والحكمة، إلا في المحل اللائق بها، وهو أعلم بذلك المحل، وبما ينبغي له.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) حتى خصمهم وغلبهم بالحجة ، قال مجاهد : هي قوله : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن ) وقيل : أراد به الحجاج الذي حاج نمرود على ما سبق في سورة البقرة .

( نرفع درجات من نشاء ) بالعلم ، قرأ أهل الكوفة ويعقوب ( درجات ) بالتنوين هاهنا وفي سورة يوسف ، أي : نرفع درجات من نشاء بالعلم والفهم والفضيلة والعقل ، كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى وحاج قومه في التوحيد ، ( إن ربك حكيم عليم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وتلك» مبتدأ ويبدل منه «حجتنا» التي احتج بها إبراهيم على وحدانية الله من أفول الكوكب وما بعده والخبر «آتيناها إبراهيم» أرشدناه لها حجة «على قومه نرفع درجات من نشاء» بالإضافة والتنوين في العلم والحكمة «إن ربك حكيم» في صنعه «عليم» بخلقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وتلك الحجة التي حاجَّ بها إبراهيم عليه السلام قومه هي حجتنا التي وفقناه إليها حتى انقطعت حجتهم.

نرفع مَن نشاء من عبادنا مراتب في الدنيا والآخرة.

إن ربك حكيم في تدبير خلقه، عليم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله على نبيه إبراهيم - فقال - تعالى : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ .

.

.

} .قال الإمام الرازى : إعلم أنه - تعالى - لما حكى عن إبراهيم - عليه السلام - أنه أظهر حجة الله فى التوحيد ونصرها ، وذب عنها ، عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه .فأولها : قوله { وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ } والمراد إنا نحن آتيناه تلك الحجة وهديناه إليها ، وأوقفنا عقله على حقيقتها .وثانيها : أنه - تعالى - خصه بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية وهى قوله { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ } .وثالثها : أنه جعله عزيزا فى الدنيا وذلك لأنه - تعالى - جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله وذريته وأبقى هذه الكرامة فى نسله إلى يوم القيامة ، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك .والإشارة فى قوله - تعالى - { وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ } إلى جميع ما تكلم به إبراهيم فى مجادلة قومه فى شأن وحدانية الله وبطلان الشرك .وأضاف - بحانه - الحجة إليه مع ذكر اللفظ الدال على العظمة وهو " نا " تنويها بشأنها وتفخيما لأمرها ، والمراد بالحجة جنسها لا فرد من أفرادها .أى : وتلك الحجة التى لا يمكن نقضها أو مغالبتها فى إثبات الحق وتزييف الباطل أعطيناها إبراهيم ليكون مستعلياً بها على قومه ، قاطعاً لألسنتهم عن المجادلة والمخاصمة .وجملة { آتَيْنَاهَآ } فى محل نصب على الحال والعامل فيها معنى الإشارة .وقوله { على قَوْمِهِ } متعلق " بحجتنا " إن جعل خبرا لتلك ، وبمحذوف إن جعل بدله .

أى : آتيناها حجة ودليلا على قومه الكثيرين لتكون الغلبة عليهم .وقوله { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ } أى نرفع من شئنا من عبادنا درجات عالية من العلم والحكمة .والدرجات فى الأصل تطلق على مراقى السلم .

والمراد بها هنا المراتب المعنوية فى الخير على سبيل التمثيل ، فقد شبهت حالة المفضل على غيره بحال المرتقى فى سليم إذا ارتفع من درجة إلى درجة .والجملة مستأنفة على سبيل التقرير لما قبلها ، وقيل هى حال من فاعل ) ( آتَيْنَا ) أى حال كوننا رافعين .ومفعول المشيئة محذوف .

أى : من نشاء رفعه على حسب ما تقتضيه حكمتنا .

وقد دل قوله { مَّن نَّشَآءُ } على أن هذا التكريم لا يكون لكل أحد لأنه لو كان حاصلا لكل الناس لم يحصل الرفع ولا التفضيل .وقوله - تعالى - { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، أى : إن ربك الذى خلقك فسواك فعدلك { حَكِيمٌ } فى كل ما يفعل من رفع هذا وخفض ذاك ، { عَلِيمٌ } كل العلم بحال خلقه وسياسة عباده .قال الإمام الرازى : واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن كمال السعادة فى الصفات الروحانية لا فى الصفات الجسمانية ، والدليل على ذلك أن الله - تعالى - قال { وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ } ثم قال بعده { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ } وذلك يدل على أن الموجب لحصول هذه الرفعة هو إيتاء تلك الحجة وهذا يقتضى أن وقوف النفس على حقيقة تلك الحجة واطلاعها على إشراقها اقتضى ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسمانى إلى أعالى العالم الروحانى ، وذلك يدل على أنه لا رفعة ولا سعادة إلا فى الروحانيات " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَتِلْكَ ﴾ إشارة إلى كلام تقدم وفيه وجوه: الأول: أنه إشارة إلى قوله: ﴿ لا أُحِبُّ الأفلين ﴾ والثاني: أنه إشارة إلى أن القوم قالوا له: أما تخاف أن تخبلك آلهتنا لأجل أنك شتمتهم.

فقال لهم: أفلا تخافون أنتم حيث أقدمتهم على الشرك بالله وسويتم في العبادة بين خالق العالم ومدبره وبين الخشب المنحوت والصنم المعمول؟

والثالث: أن المراد هو الكل.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَتِلْكَ ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ حُجَّتُنَا ﴾ خبره وقوله: ﴿ ءاتيناها إبراهيم ﴾ صفة لذلك الخبر.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم ﴾ يدل على أن تلك الحجة إنما حصلت في عقل إبراهيم عليه السلام بإيتاء الله وبإظهاره تلك الحجة في عقله، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى.

ويتأكد هذا أيضاً بقوله: ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ فإن المراد أنه تعالى رفع درجات إبراهيم بسبب أنه تعالى آتاه تلك الحجة، ولو كان حصول العلم بتلك الحجة إنما كان من قبل إبراهيم لا من قبل الله تعالى لكان إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع درجات نفسه وحينئذ كان قوله: ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ باطلاً.

فثبت أن هذا صريح قولنا في مسألة الهدى والضلال.

المسألة الثالثة: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد قول الحشوية في الطعن في النظر وتقرير الحجة وذكر الدليل.

لأنه تعالى أثبت لإبراهيم عليه السلام حصول الرفعة والفوز بالدرجات العالية، لأجل أنه ذكر الحجة في التوحيد وقررها وذب عنها وذلك يدل على أنه لا مرتبة بعد النبوة والرسالة أعلى وأشرف من هذه المرتبة.

المسألة الرابعة: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ درجات ﴾ بالتنوين من غير إضافة والباقون بالإضافة، فالقراءة الأولى معناها: نرفع من نشاء درجات كثيرة، فيكون من في موضع النصب.

قال ابن مقسم: هذه القراءة أدل على تفضيل بعضهم على بعض في المنزلة والرفعة.

وقال أبو عمرو: الإضافة تدل على الدرجة الواحدة وعلى الدرجات الكثيرة والتنوين لا يدل إلا على الدرجات الكثيرة.

المسألة الخامسة: اختلفوا في تلك الدرجات.

قيل: درجات أعماله في الآخرة، وقيل: تلك الحجج درجات رفيعة، لأنها توجب الثواب العظيم.

وقيل: نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة، وفي الآخرة بالجنة والثواب.

وقيل: نرفع درجات من نشاء بالعلم.

واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن كمال السعادة في الصفات الروحانية وفي البعد عن الصفات الجسمانية.

والدليل عليه: أنه تعالى قال: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ ﴾ .

ثم قال بعده: ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ وذلك يدل على أن الموجب لحصول هذه الرفعة هو إيتاء تلك الحجة، وهذا يقتضي أن وقوف النفس على حقيقة تلك الحجة وإطلاعها على إشراقها اقتضت ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني، إلى أعالي العالم الروحاني، وذلك يدل على أنه لا رفعة ولا سعادة إلا في الروحانيات.

والله أعلم.

وأما معنى ﴿ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ فالمعنى أنه إنما يرفع درجات من يشاء بمقتضى الحكمة والعلم، لا بموجب الشهوة والمجازفة.

فإن أفعال الله منزهة عن العبث والفساد والباطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِي الله ﴾ وكانوا حاجوه في توحيد الله ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك ﴿ وَقَدْ هدان ﴾ يعني إلى التوحيد ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ وقد خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً ﴾ إلاّ وقت مشيئة ربي شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعني لا أخاف معبوداتكم في وقت قط؛ لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة، إلاّ إذا شاء ربي أن يصيبني بمخوف من جهتها إن أصبت ذنباً استوجب به إنزال المكروه، مثل أن يرجمني بكوكب أو بشقة من الشمس أو القمر، أو يجلعها قادرة على مضرتي ﴿ وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَيْء عِلْماً ﴾ أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها ﴿ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ ﴾ لتخويفكم شيئاً مأمون الخوف لا يتعلق به ضرر بوجه ﴿ و ﴾ أنتم ﴿ لا تخافون ﴾ ما يتعلق به كل مخوف وهو إشراككم بالله ما لم ينزل بإشراكه ﴿ سلطانا ﴾ أي حجة، لأن الإشراك لا يصحّ أن يكون عليه حجة، كأنه قال: وما لكم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف.

ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم، احترازاً من تزكيته نفسه، فعدل عنه إلى قوله: ﴿ فَأَىُّ الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ثم استأنف الجواب على السؤال بقوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم.

وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس ﴿ وَتِلْكَ ﴾ إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل ﴾ إلى قوله: ﴿ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ .

ومعنى ﴿ ءاتيناهآ ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء ﴾ يعني في العلم والحكمة.

وقرئ بالتنوين ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِ ﴾ الضمير لنوح أو لإبراهيم.

و ﴿ دَاوُودُ ﴾ عطف على نوحاً، أي وهدينا داود ﴿ وَمِنْ ءابَائِهِمْ ﴾ في موضع النصب عطفاً على كلاًّ، بمعنى: وفضلنا بعض آبائهم ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ ﴾ مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات.

لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى وتقدّس ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: 65] .

﴿ ءاتيناهمالكتاب ﴾ يريد الجنس ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا ﴾ بالكتاب والحكمة والنبوّة.

أو بالنبوّة ﴿ هؤلاء ﴾ يعني أهل مكة ﴿ قَوْماً ﴾ هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ وبدليل وصل قوله: ﴿ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء ﴾ بما قبله.

وقيل: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكل من آمن به.

وقيل: كل مؤمن من بني آدم.

وقيل: الملائكة وادّعى الأنصار أنها لهم.

وعن مجاهد: هم الفرس.

ومعنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكّل الرجل بالشيء ليقوم به، ويتعهده ويحافظ عليه.

والباء في ﴿ بِهَا ﴾ صلة كافرين.

وفي ﴿ بكافرين ﴾ تأكيد النفي.

﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ فاختص هداهم بالاقتداء، ولا تقتد إلاّ بهم.

وهذا معنى تقديم المفعول، والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة وهي هدى، ما لم تنسخ.

فإذا نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبداً.

والهاء في ﴿ اقتده ﴾ للوقف تسقط في الدرج.

واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَتِلْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما احْتَجَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلى قَوْمِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم مُهْتَدُونَ ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أتُحاجُّونِّي ﴾ إلَيْهِ.

﴿ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ ﴾ أرْشَدْناهُ إلَيْها أوْ عَلَّمْناهُ إيّاها.

﴿ عَلى قَوْمِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ حُجَّتُنا إنْ جُعِلَ خَبَرَ تِلْكَ وبِمَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ بَدَلَهُ أيْ: آتَيْناها إبْراهِيمَ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ.

﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ ﴾ في العِلْمِ والحِكْمَةِ.

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ بِالتَّنْوِينِ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ﴾ في رَفْعِهِ وخَفْضِهِ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِحالِ مَن يَرْفَعُهُ واسْتِعْدادُهُ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله فلما جن عليه الليل إلى وهم مهتدون {آتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ} وهو خبر بعد خبر {نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاءُ} في العلم والحكمة وبالتنوين كوفي وفيه نقض قول المعتزلة في الأصلح {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} بالرفع {عَلِيمٌ} بالأهل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وتِلْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما احْتَجَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَلَمّا جَنَّ اللَّيْلُ) إلَخْ، وقِيلَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أتُحاجُّونِّي ﴾ إلى ﴿ وهم مُهْتَدُونَ ﴾ وتَرْكِيبُ حُجَّةٍ اصْطِلاحِيَّةٍ مِنهُ يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ حُجَّتُنا ﴾ خَبَرُهُ، وفي إضافَتِهِ إلى نُونِ العِظَمَةِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آتَيْناها إبْراهِيمَ ﴾ أيْ أرْشَدْناهُ إلَيْها أوْ عَلَّمْناهُ إيّاها في مَوْضِعِ الحالِ مِن (حُجَّةُ) والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ هو الخَبَرُ و(حُجَّتُنا) بَدَلٌ أوْ بَيانٌ لِلْمُبْتَدَإ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (آتَيْنا) إلَخْ مُعْتَرِضَةً أوْ تَفْسِيرِيَّةً ولا يَخْفى بُعْدُهُ، و(إبْراهِيمَ) مَفْعُولٌ أوَّلُ لَـ (آتَيْنا) قُدِّمَ عَلى الثّانِي لِكَوْنِهِ ضَمِيرًا وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عَلى قَوْمِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (حُجَّتُنا) إنْ جُعِلَ خَبَرًا لِـ (تِلْكَ) أوْ بِمَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ بَدَلًا لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ البَدَلِ بِأجْنَبِيٍّ أيْ آتَيْناها إبْراهِيمَ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ، ولَمْ يُجَوِّزْ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِـ (حُجَّتِنا) أصْلًا لِلْمَصْدَرِيَّةِ والفَصْلِ، ولَعَلَّ المُجَوِّزَ لا يَرى المَصْدَرِيَّةَ مانِعَةً عَنْ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ ويَجْعَلُ الفَصْلَ مُغْتَفَرًا، وقِيلَ: يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ (آتَيْنا) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الغَلَبَةِ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ ﴾ أيْ رُتَبًا عَظِيمَةً عالِيَةً مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ.

مُسْتَأْنَفٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ (آتَيْنا) أيْ حالَ كَوْنِنا رافِعِينَ، ونَصْبُ (دَرَجاتٍ) إمّا عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِتَأْوِيلِ رَفْعاتٍ أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ إلى دَرَجاتٍ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ، ومَفْعُولُ (نَرْفَعُ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن نَشاءُ ﴾ وتَأْخِيرُهُ عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ أيْ مَن نَشاءُ رَفْعَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فِيما بَيْنَ الأخْيارِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ (يَرْفَعُ) بِالياءِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ وكَذا نَشاءُ وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ (دَرَجاتِ مَن) بِالإضافَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (نَرْفَعُ)، ورَفْعُ دَرَجاتِ الإنْسانِ رَفْعٌ لَهُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم جَعْلَهُ مَفْعُولًا أيْضًا عَلى قِراءَةِ التَّنْوِينِ وجَعْلَ (مَن) بِتَقْدِيرِ لِمَن وهو بَعِيدٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ﴾ أيْ في كُلِّ ما يَفْعَلُ مِن رَفْعٍ وخَفْضٍ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ 38 - أيْ بِحالِ مَن يَرْفَعُهُ واسْتِعْدادِهِ لَهُ عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ وإنْ شِئْتَ عَمَمْتَ ويَدْخُلُ حِينَئِذٍ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وفي وضْعِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَوْضِعَ نُونِ العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ في تَضاعِيفِ بَيانِ حالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ والعِنايَةِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذا وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ في هَذِهِ الآياتِ الإبْراهِيمِيَّةِ عِدَّةَ أحْكامٍ الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ بِجِسْمٍ إذْ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ غائِبًا عَنّا فَيَكُونُ آفِلًا والأُفُولُ يُنافِي الرُّبُوبِيَّةَ، ولا يَخْفى أنَّ عَدَّ تِلْكَ الغَيْبَةِ المَفْرُوضَةِ أُفُولًا لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ لِأنَّ الأُفُولَ احْتِجابٌ مَعَ انْتِقالٍ وتِلْكَ الغَيْبَةُ المَفْرُوضَةُ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ هي مُجَرَّدُ احْتِجابٍ فِيما يَظْهَرُ، نَعَمْ أنَّهُ يُنافِي الرُّبُوبِيَّةَ أيْضًا لَكِنَّ الكَلامَ في كَوْنِهِ أُفُولًا لِيَتِمَّ الِاحْتِجاجُ بِالآيَةِ لا يُقالُ قَدْ جاءَ في حَدِيثِ الإسْراءِ ذِكْرُ الحِجابِ فَكَيْفَ يَصِحُّ القَوْلُ بِأنَّ الِاحْتِجابَ مُنافٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ لِأنّا نَقُولُ: الحِجابُ الوارِدُ كَما قالَ القاضِي عِياضٌ إنَّما هو في حَقِّ العِبادِ لا في حَقِّهِ تَعالى فَهُمُ المَحْجُوبُونَ، والبارِي جُلَّ اسْمُهُ مُنَزَّهٌ عَمّا يَحْجُبُهُ إذِ الحِجابُ إنَّما يُحِيطُ بِمُقَدَّرٍ مَحْسُوسٍ ونَصَّ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ذِكْرَ الحِجابِ لَهُ تَعالى تَمْثِيلٌ لِمَنعِهِ سُبْحانَهُ الخَلْقَ عَنْ رُؤْيَتِهِ، وقالَ السَّيِّدُ النَّقِيبَ في الدُّرَرِ والغُرَرِ: العَرَبُ تُسْتَعْمِلُ الحِجابَ بِمَعْنى الخَفاءِ وعَدَمِ الظُّهُورِ، فَيَقُولُ أحَدُهم لِغَيْرِهِ إذا اسْتَبْعَدَ فَهْمَهُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ حِجابٌ، ويَقُولُونَ لِما يُسْتَصْعَبُ طَرِيقُهُ: بَيْنِي وبَيْنَهُ كَذا حُجُبٌ ومَوانِعُ وساتِرٌ وما جَرى ذَلِكَ، والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّ فِيما ذُكِرَ مَجازًا في المُفْرَدِ فَتَدَبَّرْ، الثّانِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تَعالى بِحَيْثُ يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ تارَةً ويَصْعَدُ مِنَ السَّماءِ إلى العَرْشِ أُخْرى وإلّا لَحَصَلَ مَعْنى الأُفُولِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الواصِفِينَ رَبَّهم عَزَّ شَأْنُهُ بِصِفَةِ النُّزُولِ حَيْثُ سَمِعُوا حَدِيثَهُ الصَّحِيحَ عَنْ رَسُولِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَقُولُونَ: إنَّهُ حَرَكَةٌ وانْتِقالٌ كَما هو كَذَلِكَ في الأجْسامِ، بَلْ يُفَوِّضُونَ تَعْيِينَ المُرادِ مِنهُ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْدَ تَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ وحِينَئِذٍ لا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ في مَعْنى الأُفُولِ المُمْتَنِعِ عَلى الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ الثّالِثُ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصِّفاتِ المُحْدَثَةِ كَما تَقُولُ الكَرامِيَّةُ وإلّا لَكانَ مُتَغَيِّرًا وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مَعْنى الأُفُولِ وهو ظاهِرٌ، الرّابِعُ أنَّ ما ذُكِرَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدِّينَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى الدَّلِيلِ لا عَلى التَّقْلِيدِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِدْلالِ فائِدَةٌ ألْبَتَّةَ، الخامِسُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعارِفَ الأنْبِياءِ بِرَبِّهِمُ اسْتِدْلالِيَّةٌ لا ضَرُورِيَّةٌ وإلّا لَما احْتاجَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِاسْتِدْلالِ، السّادِسُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في أحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ إذْ لَوْ أمْكَنَ تَحْصِيلُها بِطَرِيقٍ آخَرَ لَما عَدَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في هَذَيْنَ الأخِيرَيْنِ، السّابِعُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وتِلْكَ حُجَّتُنا ﴾ إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ إنَّما حَصَلَتْ في عَقْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإيتاءِ اللَّهِ تَعالى وإظْهارِها في عَقْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ ﴾ إلَخْ، الثّامِنُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (نَرْفَعُ) إلَخْ يَدُلُّ عَلى فَسادِ طَعْنِ الحَشْوِيَّةِ في النَّظَرِ وتَقْرِيرِ الحُجَّةِ وذِكْرِ الدَّلِيلِ وفِيهِ أحْكامٌ أُخَرُ لا تَخْفى عَلى مَن يَتَدَبَّرُ * * * ومِن بابِ الإشارَةِ فِيها ﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ ﴾ حِينَ رَآهُ مُحْتَجِبًا بِظَواهِرِ عالَمِ المُلْكِ عَنْ حَقائِقِ المَلَكُوتِ ورُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْأشْياءِ مُعْتَقَدًا تَأْثِيرَ الأكْوانِ والأجْرامِ ذاهِلًا عَنِ المَلَكُوتِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ أتَتَّخِذُ أصْنامًا ﴾ أيْ أشْباحًا خالِيَةً بِذَواتِها عَنِ الحَياةِ ﴿ آلِهَةً ﴾ فَتَعْتَقِدُ تَأْثِيرَها ﴿ إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ظاهِرٍ عِنْدَ مَن كُشِفَ عَنْ عَيْنِهِ الغَيْنُ، ﴿ وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ نُوقِفُهُ عَلى القُوى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي نُدَبِّرُ بِها أمْرَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ أوْ نُوقِفُهُ عَلى حَقِيقَتِها ﴿ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ أيْ أهْلِ الإيقانِ العالِمِينَ أنْ لا تَأْثِيرَ إلّا لِلَّهِ تَعالى يُدَبِّرُ الأمْرَ بِأسْمائِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾ أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ لَيْلُ عالَمِ الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ وذَلِكَ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ في صِباهُ وأوَّلِ شَبابِهِ رَأى كَوْكَبًا وهو كَوْكَبُ النَّفْسِ المُسَمّاةِ رُوحًا حَيَوانِيَّةِ الظّاهِرِ في مَلَكُوتِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ فَقالَ حِينَ رَأى فَيْضَهُ وحَياتَهُ وتَرْبِيَتَهُ مِن ذَلِكَ بِلِسانِ الحالِ: ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ ، وكانَ اللَّهُ تَعالى يُرِيهِ في ذَلِكَ الحِينِ بِاسْمِهِ المُحْيِي ﴿ فَلَمّا أفَلَ ﴾ بِطُلُوعِ نُورِ القَلْبِ ﴿ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأى القَمَرَ ﴾ أيْ قَمَرَ القَلْبِ بازِغًا مِن أُفُقِ النَّفْسِ ووَجَدَ فَيْضَهُ بِمُكاشَفاتِ الحَقائِقِ والمَعارِفِ وتَرْبِيَتِهِ مِنهُ ﴿ قالَ هَذا رَبِّي ﴾ ، وكانَ اللَّهُ تَعالى يُرِيهِ إذْ ذاكَ بِاسْمِهِ العالِمِ والحَكِيمِ ﴿ فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ﴾ إلى نُورِ وجْهِهِ ﴿ لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ ﴾ المُحْتَجِبِينَ بِالبَواطِنِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، ﴿ فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ ﴾ أيْ شَمْسَ الرُّوحِ بازِغَةً مُتَجَلِّيَةً عَلَيْهِ قالَ إذْ وجَدَ فَيْضَهُ وشُهُودَهُ وتَرْبِيَتَهُ مِنها ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ وكانَ سُبْحانَهُ يُرِيهِ حِينَئِذٍ بِاسْمِهِ الشَّهِيدِ والعَلِيِّ العَظِيمِ ﴿ هَذا أكْبَرُ ﴾ مِنَ الأوَّلَيْنِ ﴿ فَلَمّا أفَلَتْ ﴾ بِتَجَلِّي أنْوارِ الحَقِّ وتَشَعْشُعِ سُبُحاتِ الوَجْهِ ﴿ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ إذْ لا وُجُودَ بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ ﴾ أيْ أسْلَمْتُ ذاتِي ووُجُودِي ﴿ لِلَّذِي فَطَرَ ﴾ أوْجَدَ ﴿ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ أيْ سَمَواتِ الأرْواحِ وأرْضَ النَّفْسِ ﴿ حَنِيفًا ﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ حَتّى عَنْ وُجُودِي ومَيْلِي بِالفَناءِ فِيهِ جَلَّ جَلالُهُ ﴿ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ في شَيْءٍ، ﴿ وحاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ في تَرْكِ السَّوِيِّ ﴿ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي ﴾ إلى وُجُودِهِ الحَقِّ وتَوْحِيدِهِ، ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ ﴾ مِن ظُهُورِ نَفْسٍ أوْ قَلْبٍ أوْ وُجُودِ بَقِيَّةٍ ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ ﴾ الحَقِيقِيُّ ﴿ وهم مُهْتَدُونَ ﴾ حَقِيقَةً إلى الحَقِّ وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: قَدْ يَدُورُ في الخَلَدِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَنَّ عَلَيْهِ لَيْلُ الشُّبْهَةِ وظُلْمَتِها فَنَظَرَ أوَّلًا في عالَمِ الأجْسامِ فَوَجَدَها آفِلَةً في أُفُقِ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يَرَها تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فارْتَقى مِنها إلى عالَمِ النُّفُوسِ المُدَبِّرَةِ لِلْأجْسامِ فَرَآها آفِلَةً في أُفُقِ الِاسْتِكْمال، فَكانَ حُكْمُها حُكْمَ ما دُونَها فَصَعَدَ مِنها إلى عالَمِ العُقُولِ المُجَرَّدِ فَصادَفَها آفِلَةً في أُفُقِ الإمْكانِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا الواجِبُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاحْتِجاجَ كانَ مَعَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا طَوِيلًا وهو مَذْكُورٌ في كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ مَشْهُورٌ بَيْنَ العامَّةِ، والمُخْتارُ عِنْدِي ما عَلِمْتَ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَحاجَّهُ قَوْمُهُ معناه: وحاجّه قومه في دين الله يعني خاصموه ف قالَ لهم إبراهيم أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ يعني: أتخاصموني في دين الله وَقَدْ هَدانِ الله لدينه.

قرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان أَتُحاجُّونِّي بتشديد الجيم وتخفيف النون.

وقرأ الباقون بتشديد النون.

لأن أصله أتحاجونني بنونين فأدغم أحدهما في الآخر.

فقال: أَتُحاجُّونِّي يعني: أتجادلوني في دين الله وَقَدْ هَدانِ يعني: بيّن لي الطريق.

وكانت خصومتهم أنهم حين سمعوه عاب آلهتهم فقالوا له: أما تخاف تخبلك فتهلك؟

فقال: إني لا أخاف ما لا يسمع ولا يبصر.

وقال الكلبي ومقاتل: لما خوّفوه بذلك قال لهم: إنما تخافون أنتم إذ سوّيتم بين الذكر والأنثى، والصغير والكبير.

أما تخافون من الكبير إذ سويتموه بالصغير؟

وهذا قوله: وَلا أَخافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ.

قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً فيضلني، فأخاف منهم.

ويقال: إلا أن يشاء ربي شيئاً يعني: ملأ علم ربي كُلَّ شَىْء عِلْماً.

يعني: يعلم السر والعلانية.

ثم قال: أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يعني: أفلا تتعظون فتؤمنون به؟

قوله تعالى: وَكَيْفَ أَخافُ مَا أَشْرَكْتُمْ يعني: من الأصنام وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً يقول: كتاباً وعذراً وحجة لكم فيه فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ من العذاب؟

الموحّد أم المشرك إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذلك.

ثم قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قال بعضهم: هذا قول الله تعالى لما حكى قول إبراهيم للنبي  قال: على أثر ذلك الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ يعني: لم يخالطوا تصديقهم بالشرك ولم يعبدوا غيره.

أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ من الضلالة.

وقال بعضهم: هذا كله قول إبراهيم لقومه.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ وَأُعْطِيَ فَشَكَرَ وَظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ وَظُلِمَ فَغَفَرَ» .

قيل له: ما لهم يا رسول الله؟

قال: أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدثنا الماسرجي.

قال: حدّثنا أبو كريب.

قال: حدّثنا ابن إدريس عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.

قال: لما نزلت هذه الآية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ شقّ ذلك على أصحاب رسول الله  فقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟

فقال رسول الله  : «ألا ترون إلى قول لقمان لابنه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] » يعني: إن الظلم أراد به الشرك.

ثم قال وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ يعني: أعطيناها إبراهيم على قومه.

يعني: وفقناه للحجة يخاصم بها قومه نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ يعني: فضائل من نشاء في الدنيا بالحجة، وفي الآخرة بالدرجات إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في أمره عَلِيمٌ بخلقه من يصلح للنبوة.

قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي دَرَجاتٍ بالتنوين وقرأ الباقون دَرَجاتٍ على معنى الإضافة.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ب يَشاءَ، ولما كانتْ قوة الكلامِ أنه لا يخَافُ ضرراً، استثنى مشيئةَ ربِّه تعالى في أن يريده بضرّ، وعِلْماً: نصبٌ على التمييز، وهو مصدرٌ بمعنى الفاعل كما تقول العرب: تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً، المعنى: تصبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ فكذلك المعنى هنا وِسَعِ علْمُ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ، أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ: توقيفٌ وتنبيه وإظهار لموضعِ التقصيرِ منهم، وقوله: وَكَيْفَ أَخافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ...

الآيةَ إلى تَعْلَمُونَ، هي كلُّها من قول إبراهيم- عليه السلام- لقومه، وهي حجته القاطعة لهم، والمعنى: وكيف أخاف أصناماً لا خَطْب لها، إذ نبذتُها، ولا تخافُونَ أنتم اللَّهَ عزَّ وجلَّ، وقد أشركتم به في الربوبيَّة مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً والسلطانُ: الحُجَّة، ثم استفهم على جهة التقرير: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ، مني ومنكم أَحَقُّ بِالْأَمْنِ، قال أبو حَيَّان «١» : وَكَيْفَ: استفهام، معناه التعجّب والإنكار.

انتهى.

وقوله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ...

الآية، قال ابنُ إسحاق، وابنُ زيدٍ، وغيرهما: هذا قولٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ ابتداء حُكْمٍ فَصْلٍ عامٍّ لِوَقْتِ مُحاجَّة إبراهيم وغيره، ولكلِّ مؤمن «٢» تقدَّم أو تأَخَّر.

قال ع «٣» : هذا هو البيِّن الفصيحُ الذي يرتبطُ به معنى الآية، ويحسُنُ رصْفها، وهو خبرٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ، ويَلْبِسُوا: معناه: يَخْلِطُوا، والظُّلْم في هذا الموضع:

الشِّرْك تظاهرت بذلك الأحاديثُ الصحيحةُ، وفي قراءة «٤» مجاهدٍ: «وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ» وَهُمْ مُهْتَدُونَ، أي: راشدون.

وقوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ: «تلك» : إشارةٌ إلى هذه الحجَّة المتقدِّمة.

وقوله سبحانه: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ، «الدرجات» : أصلها في الأجسام، ثم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنا ﴾ يَعْنِي ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى حُدُوثِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ، وعَيْبِهِمْ، إذْ سَوَّوْا بَيْنَ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، وعَبَدُوا مَن لا يَنْطِقُ، وإلْزامَهُ إيّاهُمُ الحُجَّةَ.

﴿ آتَيْناها إبْراهِيمَ ﴾ أرْشَدْناهُ إلَيْها بِالإلْهامِ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: الحُجَّةُ قَوْلُ إبْراهِيمَ ﴿ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: " دَرَجاتُ مَن نَشاءُ " مُضافًا.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "دَرَجاتٌ" مُنَوَّنًا، وكَذَلِكَ قَرَؤُوا في "يُوسُفَ" [يُوسُفَ: ٧٦] .

ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الرَّفْعَ بِالعِلْمِ والفَهْمِ والمَعْرِفَةِ.

والثّانِي: بِالِاصْطِفاءِ لَلرِّسالَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَكِيمٌ في سِياسَةِ خَلْقِهِ، وتَلْقِينِهِ أنْبِياءَهُ الحَجَّ عَلى أُمَمِهِمُ المُكَذِّبَةِ "عَلِيمٌ" بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ الكُلِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ - إلى "تَعْلَمُونَ" - هي كُلُّها مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ وهي حُجَّتُهُ القاطِعَةُ لَهُمْ؛ والمَعْنى: "وَكَيْفَ أخافُ الأصْنامَ الَّتِي لا خَطْبَ لَها؛ وهي حِجارَةٌ؛ وخَشَبٌ؛ إذا أنا نَبَذْتُها ولَمْ أُعَظِّمْها؛ ولا تَخافُونَ أنْتُمُ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وقَدْ أشْرَكْتُمْ بِهِ في الرُبُوبِيَّةِ أشْياءَ لَمْ يُنَزِّلْ بِها عَلَيْكم حُجَّةً؟"؛ و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ.

ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ: "فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ؟"؛ أيْ: "مَن لَمْ يُشْرِكْ بِالقادِرِ العالِمِ تَعالى أحَقُّ أنْ يَأْمَنَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ و"يَلْبِسُوا"؛ مَعْناهُ: يَخْلِطُوا؛ و"اَلظُّلْمُ" - في هَذِهِ الآيَةِ -: اَلشِّرْكُ؛ تَظاهَرَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وعن جَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أشْفَقَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّما ذَلِكَ كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ "؛» ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قَرَأ فِي المُصْحَفِ؛ فَلَمّا أتى عَلَيْها عَظُمَتْ عَلَيْهِ؛ فَلَبِسَ رِداءَهُ؛ ومَرَّ إلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ فَقالَ: "يا أبا المُنْذِرِ "؛ وسَألَهُ عنها؛ فَقالَ لَهُ: "إنَّهُ الشِرْكُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ "؛ فَسُرِّيَ عن عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وجَرى لِزَيْدِ بْنِ صُوحانَ؛ مَعَ سَلْمانَ نَحْوٌ مِمّا جَرى لِعُمَرَ ؛ مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم.

وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةٌ: "يُلْبِسُوا"؛ بِضَمِّ الياءِ.

و"اَلْأمْنُ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ في المَجْرُورِ؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ "أُولَئِكَ"؛ "وَهم مُهْتَدُونَ"؛ أيْ: راشِدُونَ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلْمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - خاصَّةً"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: "نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - خاصَّةً"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ فَهي مِنَ الحُجَّةِ الَّتِي أُوتِيَها؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويَجِيءُ هَذا مِنَ الحُجَّةِ أيْضًا؛ أنْ أقَرُّوا بِالحَقِّ وهم قَدْ ظَلَمُوا في الإشْراكِ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وغَيْرُهُما: بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ابْتِداءُ حُكْمٍ فُصِّلَ؛ عامٌّ لِوَقْتِ مُحاجَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وغَيْرِهِ؛ ولِكُلِّ مُؤْمِنٍ؛ تَقَدَّمَ أو تَأخَّرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو البَيِّنُ الفَصِيحُ الَّذِي يَرْتَبِطُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ؛ ويُحْسِنُ رَصْفَها؛ وهو خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى.

و"تِلْكَ"؛ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحُجَّةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ وهي رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ؛ و"حُجَّتُنا"؛ خَبَرُهُ؛ و"آتَيْناها"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "حُجَّتُنا"؛ بَدَلًا مِن "تِلْكَ"؛ و"آتَيْناها"؛ خَبَرَ "وَتِلْكَ"؛ و"إبْراهِيمَ"؛ مَفْعُولٌ بِـ "آتَيْنا"؛ والضَمِيرُ مَفْعُولٌ أيْضًا بِـ "آتَيْنا"؛ مُقَدَّمٌ؛ و"عَلى"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "حُجَّتُنا"؛ وفي ذَلِكَ فَصْلٌ كَثِيرٌ؛ ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ "عَلى" بِـ "آتَيْناها"؛ عَلى المَعْنى؛ إذِ المَعْنى: "أظْهَرْناها لِإبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ"؛ ونَحْوُ هَذا.

وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ"؛ بِإضافَةِ الدَرَجاتِ إلى "مَن"؛ وقَرَأ عامِرٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهُما مَأْخَذانِ مِنَ الكَلامِ؛ والمَعْنى المَقْصُودُ بِهِما واحِدٌ؛ و"دَرَجاتٍ"؛ عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ؛ نُصِبَ عَلى الظَرْفِيَّةِ؛ "حَكِيمٌ عَلِيمٌ"؛ صِفَتانِ [تَلِيقانِ] بِهَذا المَوْضِعِ؛ إذْ هو مَوْضِعُ مَشِيئَةٍ؛ واخْتِيارٍ؛ فَيَحْتاجُ ذَلِكَ إلى العِلْمِ؛ والإحْكامِ؛ والدَرَجاتُ أصْلُها في الأجْسامِ؛ ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ في المَراتِبِ؛ والمَنازِلِ المَعْنَوِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وحاجّه قومه ﴾ [الأنعام: 80].

و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى جميع ما تكلّم به إبراهيم في محاجَّة قومه، وأتي باسم إشارة المؤنّث لأنّ المشار إليه حجّة فأخبر عنه بحجّة فلمَّا لم يكن ثمَّة مشار إليه محسوس تعيّن أن يعتبر في الإشارة لفظ الخبر لا غير، كقوله تعالى: ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾ [البقرة: 253].

وإضافة الحجّة إلى اسم الجلالة للتّنويه بشأنها وصحَّتها.

و ﴿ آتيناها ﴾ في موضع الحال من اسم الإشارة أو من الخبر.

وحقيقة الإيتاء الإعطاء، فحقَّه أن يتعدّى إلى الذّوات، ويكون بمناولة اليد إلى اليد.

قال تعالى: ﴿ وآتى المال على حبّه ذوي القربى ﴾ [البقرة: 177]، ولذلك يقال: اليدُ العليا هي المعطية واليد السّفلى هي المعطاة.

ويستعمل مجازاً شائعاً في تعليم العلوم وإفادة الآداب الصالحة وتخويلها وتعيينها لأحد دون مناولة يد سواء كانت الأمور الممنوحة ذواتاً أم معانيَ.

يقال: آتاه الله مالاً، ويقال: آتاه الخليفة إمارة و ﴿ آتاه الله المُلك ﴾ [البقرة: 258]، ﴿ وآتيناه الحكمة ﴾ [ص: 20].

فإيتاء الحجّة إلهامُه إيّاها وإلقاءُ ما يعبِّر عنها في نفسه.

وهو فضل من الله على إبراهيم إذ نصره على مناظريه.

و ﴿ على ﴾ للاستعلاء المجازي، وهو تشبيه الغالب بالمستعلي المتمكّن من المغلوب، وهي متعلّقة ﴿ بحجّتنا ﴾ خلافاً لمن منعه.

يقال: هذا حجّة عليك وشاهد عليك، أي تلك حجّتنا على قومه أقحمناهم بها بواسطة إبراهيم، ويجوز أن يتعلَّق ب ﴿ آتيناها ﴾ لمّا يتضمّنه الإيتاء من معنى النصر.

وجملة: ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ حال من ضمير الرفع في ﴿ آتيناها ﴾ أو مستأنفة لبيان أنّ مثل هذا الإيتاء تفضيل للمؤتَى وتكرمة له.

ورفع الدّرجات تمثيل لتفضيل الشأن، شبّهت حالة المفضّل على غيره بحال المرتقي في سُلَّم إذا ارتفع من درجة إلى درجة، وفي جميعها رفع، وكلّ أجزاء هذا التمثيل صالح لاعتبار تفريق التّشبيه، فالتّفضيل يُشبه الرّفع، والفضائل المتفاوتة تشبه الدّرجات، ووجه الشّبه عِزّة حصول ذلك لغالب النّاس.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، بإضافة ﴿ درجات ﴾ إلى ﴿ مَنْ ﴾ .

فإضافة الدرجات إلى اسم الموصول باعتبار ملابسة المرتقي في الدرجة لها لأنّها إنّما تضاف إليه إذا كان مرتقياً عليها، والإتيان بصيغة الجمع في ﴿ درجات ﴾ باعتبار صلاحيّة ﴿ من نشاء ﴾ لأفراد كثيرين متفاوتين في الرفعة، ودلّ فعل المشيئة على أنّ التفاضل بينهم بكثرة موجبات التّفضيل، أو الجمعُ باعتبار أنّ المفضّل الواحد يتفاوت حاله في تزايد موجبات فضله.

وقرأه البقية بتنوين ﴿ درجات ﴾ ، فيكون تمييزاً لنسبة الرفع باعتبار كون الرفع مجازاً في التفضيل.

والدرجات مجازاً في الفضائل المتفاوتة.

ودلّ قوله ﴿ مَن نشاء ﴾ على أنّ هذا التّكريم لا يكون لكلّ أحد لأنّه لو كان حاصلاً لكلّ النّاس لم يحصل الرفع ولا التفضيل.

وجملة: ﴿ إنّ ربّك حكيم عليم ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأنّ قوله: ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ يثير سؤالاً، يقول: لماذا يرفع بعض النّاس دون بعض، فأجيب بأنّ الله يعلم مستحقّ ذلك ومقدار استحقاقه ويخلق ذلك على حسب تعلّق علمه.

فحكيم بمعنى محكم، أي متّقن للخلق والتّقدير.

وقدم ﴿ حكيم ﴾ على ﴿ عليم ﴾ لأنّ هذا التّفضيل مَظهر للحكمة ثمّ عقّب ب ﴿ عليم ﴾ ليشير إلى أنّ ذلك الإحكام جار على وفق العلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ ﴾ في الظُّلْمِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ فَقالُوا: ما مِنّا مِن أحَدٍ إلّا وهو يَظْلِمُ نَفْسَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : لَيْسَ كَما تَظُنُّونَ، وإنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: ﴿ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ » .

والثّانِي: أنَّهُ سائِرُ أنْواعِ الظُّلْمِ.

وَمَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا في عُمُومِها وخُصُوصِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ.

والثّانِي: أنَّها خاصَّةٌ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِتَخْصِيصِها فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في إبْراهِيمَ خاصَّةً ولَيْسَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنها شَيْءٌ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

والثّانِي: أنَّها فِيمَن هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَوابًا مِنهُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جَوابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَصَلَ بِهِ بَيْنَ إبْراهِيمَ ومَن حاجَّهُ مِن قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ جَوابُ قَوْمِهِ لِما سَألَهم ﴿ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ ﴾ ؟

فَأجابُوا بِما فِيهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ جَوابُ إبْراهِيمَ كَما يَسْألُ العالِمُ نَفْسَهُ فَيُجِيبُها، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ ﴾ وفي هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي أُوتِيَها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: قَوْلُهُ لَهُمْ: ﴿ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ أمْ تَعْبُدُونَ مَن يَمْلِكُ الضُّرَّ والنَّفْعَ؟

فَقالُوا: مالِكُ الضُّرِّ والنَّفْعِ أحَقُّ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ ﴾ عِبادَةُ إلَهٍ واحِدٍ أمْ آلِهَةٍ شَتّى؟

فَقالُوا: عِبادَةُ إلَهٍ واحِدٍ فَأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا قالُوا لِإبْراهِيمَ ألا تَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا؟

فَقالَ: أما تَخافُونَ أنْ تَخْبِلَكم آلِهَتُكم بِجَمْعِكم لِلصَّغِيرِ مَعَ الكَبِيرِ في العِبادَةِ.

واخْتَلَفُوا في سَبَبِ ظُهُورِ الحُجَّةِ لِإبْراهِيمَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْطَرَها بِبالِهِ حَتّى اسْتَخْرَجَها بِفِكْرِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهُ بِها ولَقَّنَهُ إيّاها.

﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عِنْدَ اللَّهِ بِالوُصُولِ لِمَعْرِفَتِهِ.

والثّانِي: عَلى الخُلُقِ بِالِاصْطِفاءِ لِرِسالَتِهِ.

والثّالِثُ: بِالسَّخاءِ.

والرّابِعُ: بِحُسْنِ الخُلُقِ.

وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: نَرْفَعُ مَن نَشاءُ دَرَجاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ قال: ذاك في الخصومة التي كانت بينه وبين قومه، والخصومة التي كانت بينه وبين الجبار الذي يسمى نمرود.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ قال: خصمهم.

وأخرج أبو الشيخ من طريق مالك بن أنس عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ قال: خصمهم.

وأخرج أبو الشيخ من طريق مالك بن أنس عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ قال: بالعلم.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: إن للعلماء درجات كدرجات الشهداء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ﴾ الآية، أشار إلى ما جرى بينه وبين قومه من المجادلة وإلزامه إياهم الحجة حتى أفحمهم بها.

قال الفراء: (وذلك أنهم قالوا له: أما تخاف أن تخبلك آلهتنا لسبك إياها؟

فقال لهم: [أفلا] (١) قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾ ) قال ابن عباس: (يريد: ألهمناها إبراهيم [وأرشدناه] (٢) (٣) وقوله تعالى ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ﴾ قال الحسين بن الفضل: (يعني: مراتبهم بالعلم والفهم والفضيلة والعقل) (٤) (١) في (ش): (ألا).

(٢) في (ش): (وأرشده).

(٣) "تنوير المقباس" 2/ 37، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 75.

(٤) لم أقف عليه.

وما ذكره هو اختيار البغوي في "تفسيره" 3/ 164، والقرطبي 7/ 30، وانظر: "زاد المسير" 3/ 78، و"تفسير الرازي" 13/ 62.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أتحاجواني فِي الله ﴾ أي في الإيمان بالله وفي توحيده، والأصل أتحاجونني بنونين وقرئ بالتشديد على إدغام أحدهما في الآخر، وبالتخفيف على حذف أحدهما واختلف هل حذفت الأولى أو الثانية ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ ما هنا الذي ويريد بها الأصنام، وكانوا قد خوفوه أن تصيبه أصنامهم بضر، فقال: لا أخاف منهم؛ لأنهم لا يقدرون على شيء ﴿ أولئك الذين هَدَى الله ﴾ [الأنعام: 90] استثناء منقطع بمعنى لكن: أي إنما أخاف من ربي إن أراد بي شيئاً ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ ﴾ أي كيف أخاف شركاءكم الذين لا يقدرون على شيء؟

وأنتم لا تخافون ما فيه كل خوف، وهو إشراككم بالله وأنتم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟

ثم أوفقهم على ذلك بقوله فأيّ الفريقين أحق بالأمن؟

ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟

ثم أوفقهم على ذلك بقوله فأيّ الفريقين أحق بالأمن؟

يعني فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، ثم أجاب عن السؤال بقوله: ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ الآية؛ وقيل: إن الذين آمنوا: استئناف وليس من كلام إبراهيم ﴿ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ لما نزلت هذه الآية أشفق منها لابنه: ﴿ يابني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13] ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ﴾ إشارة إلى ما تقدم من استدلاله واحتجاجه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أراك ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ لأبيه آزر ﴾ بالضم على النداء: يعقوب ﴿ رأى كوكباً ﴾ بإمالة الهمزة: أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش.

وكذلك ﴿ رآه ﴾ و ﴿ رآك ﴾ وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس وهبيرة من طريق الخراز بكسر الراء والهمزة.

وافق ابن ذكوان في ﴿ رأى ﴾ فقط وخالفهم فيما اتصلت بالكاف والهاء في سورة النجم.

وافق مجاهد والنقاش بالإمالة وكسر الراء في سورة "اقرأ باسم" ﴿ رأى القمر ﴾ و ﴿ رأى الشمس ﴾ ونحوهما بكسر الراء وفتح الهمزة: حمزة وخلف ونصر وعباس ويحي والخراز.

وروى خلف عن يحي بكسر الراء والهمزة ﴿ أتحاجوني ﴾ بتخفيف النون: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان.

الباقون: بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية ﴿ وقد هدان ﴾ بالإمالة: علي.

وقرأ سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الحالين، وافق أبو عمرو ويزيد واسماعيل في الوصل.

﴿ درجات ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.

الوقوف: ﴿ آلهة ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموقنين ﴾ ه ﴿ رأى كوكباً ﴾ ج لأن جواب "لما" قوله "رأى" مع اتحاد الكلام بلا عطف ﴿ ربي ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع فاء التعقيب فيها.

﴿ الآفلين ﴾ ه ﴿ هذا ربي ﴾ ج لذلك ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ هذا أكبر ﴾ ج لذلك ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ج لاحتمال الواو الحال أي وقد حاجه.

﴿ قومه ﴾ ط ﴿ هدان ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ علما ﴾ ط ﴿ تتذكرون ﴾ ه ﴿ سلطانا ﴾ ط للاستفهام بعد تمام الاستفهام ﴿ بالأمن ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف التقدير: إن كنتم تعلمون فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ تعلمون ﴾ ه لتناهي الاستفهام وابتداء إخبار، ولو وصل اتصل بما قبله ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ على قومه ﴾ ط ﴿ من نشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: إنه  كثيراً ما يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم صلوات الرحمن عليه لأنه يعرف بالفضل والتقدم عند جميع الطوائف، وذلك أنه سلم قلبه للرحمن ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان.

ثم إن بظاهر الآية يدل على أن اسم والد ابراهيم هو آزر، ومنهم من قال: اسمه تارح.

قال الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، فمن الملحدة من طعن في هذا النسب لهذا السبب.

والجواب أن إجماع النسابة لا عبرة به لأن ذلك ينتهي إلى قول الواحد أو الأثنين - مثل وهب وكعب - أو غيرهما.

سلمنا أن اسمه كان "تارح" لكنه من المحتمل أن يكون أحدهما لقباً والآخر اسماً أصلياً، أو يكون آزر صفة مخصوصة في لغتهم كالمخطىء والمخذول.

وقيل: إن آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية وهذا عند من يجوز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب.

وقيل: إن آزر اسم صنم يجوز أن ينبز به للزومه عبادته، فإن من بالغ في محبة واحد فقد يجعل اسم المحبوب اسماً للمحب قال  ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ وقال الشاعر: أدعى بأسماء نبزاً في قبائلها *** كأن أسماء أضحت بعض أسمائي.

أو أريد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقيل: إن والد إبراهيم كان تارح وكان آزر عماً له والعم قد يطلق عليه اسم الأب بدليل قوله ﴿ نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق  ﴾ ومعلوم أن إسماعيل كان عماً ليعقوب.

ومما يدل على صحة ظاهر الآية أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا حراصاً متهالكين على تكذيب الرسول  وإظهار نقصه، فلو كان النسب كذباً لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه، وحيث لم يكذبوه علمنا أن النسب صحيح، قالت المعتزلة ومن يجري مجراهم: إن أحداً من آباء الرسول  ما كان كافراً وفسروا قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ بانتقاله من ساجد إلى ساجد وأكدوه بما روي أنه  قال: "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وإن آزر كان عم إبراهيم وما كان والداً له لأن إبراهيم شافهه بالغلظة والجفاء في قوله: ﴿ إني أراك وقومك في ضلال مبين ﴾ وقد قال  ﴿ ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما  ﴾ ولأنه ناداه بالاسم في قراءة من قرأ "آزر" بالضم.

والنداء بالاسم دليل الاستخفاف ولهذا لم يقرأ بالضم في قوله ﴿ وقال موسى لأخيه هارون اخلفني  ﴾ وأجيب بأن قوله ﴿ وتقلبك في الساجدين  ﴾ يحتمل وجوهاً أخرى سوف يجيء ذكرها، وبأن قوله "لم أزل أنتقل" محمول على أنه لم يقع في نسبه ما كان سفاحاً.

والتغليظ من إبراهيم إنما كان لأجل إصرار أبيه على الكفر كما قال ﴿ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه  ﴾ لا لأجل السفه والجفاء لقوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ ثم إن إبراهيم احتج على فساد اعتقاد عبدة الأصنام بقوله منكراً على آزر وقومه ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ أي معبودين.

وذلك أن الأصنام لو كان لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على عجزها وإن كثرت، واحتج بعضهم بالآية على وجوب معرفة الله  ،وعلى أن وجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع لأن إبراهيم حكم عليهم بالضلال من حيث النظر والاستدلال، وأجيب بأنه لعله عرف ضلالهم بحكم شرع الأنبياء المتقدمين عليه ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام والاشتغال بغير الله ﴿ نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ﴾ والنكتة فيه أن التخلي عن غير الله يوجب رفع الحجاب وبقدر ذلك يكون حصول التجلي والتحلي بالله وإنما لم يقل "أريناه" بلفظ الماضي لأنه أراد الحكاية كأنه قيل: كيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ في قوة الدين والذب عنه؟

فأجيب أنا كنا نريه الملكوت وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه، أو المقصود بيان ارتفاعه في معارج الكمال وازدياده في ذلك على سبيل الدوام والاستمرار فإن مخلوقاته تعالى وإن كانت متناهية في الذات وفي الصفات إلا أن جهات دلالاتها على ذاته وصفاته  غير متناهية كما قال إمام الحرمين: معلومات الله غير متناهية، ومعلوماته في تلك المعلومات أيضاً غير متناهية.

فإن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، فكل تلك الأحوال التقديرية معلومة لله  ، وكل تلك الأحوال دالة على حكمة الله  وعظمة قدرته، وإذا كان الجوهر الفرد كذلك فكيف كل الملكوت!

ولهذا قيل: السفر إلى الله  له نهاية، فأما السفر في الله  فإنه بلا نهاية.

والملكوت هو الملك والتاء للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت ومن الرهبة.

قال بعضهم: إنه  أراه الملكوت بالعين.

قالوا: شق له تحت السموات حتى رأى العرش والكرسي إلى منتهى الأجرام العلوية، وشق له الأرض إلى ما تحت الثرى فرأى ما فيها من البدائع والعجائب.

عن ابن عباس أنه قال: لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وأري ما فيها وما في الأرض من العجائب رأى عبداً على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، فقال الله  له: كف عن عبادي فهم بين خلال ثلاث: إما أن أجعل منهم ذرية طيبة، أو يتوبون فأغفر لهم، أو النار من ورائهم.

وقال الأكثرون: إن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة، لأن ملك السموات والأرض لا يرى وإنما يعرف بالعقل ولو أريد نفس السموات والأرض صار لفظ الملكوت ضائعاً.

وأيضاً قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ جارٍ مجرى الشرع والتفسير لتلك الإراءة فثبت أنه استدل بتغير الأجرام وإمكانها وحدوثها على وجود الإله الواجب الحكيم.

ثم قال بالآخرة ﴿ وتلك حجتنا ﴾ والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه.

وأيضاً الإراءة بالعين تفيد العلم الضروري بالإله القادر ومثل هذه المعرفة لا توجب المدح والثواب كما للكفار في الأخرة.

وأيضاً اليقين عبارة عن تحصيل علم بالتأمل إذا كان مسبوقاً بالشك، فالمراد نري إبراهيم ليستدل بها وليكون من الموقنين، أو ليكون من الموقنين نريه، أو فعلنا ذلك وذلك أن الإراءة قد تصير سبباً للجحود لا الإيقان كما في حق فرعون ﴿ ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى  ﴾ وأيضاً الإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال، وبتقدير الإمكان لا يكون لها دوام وبقاء، وبتقدير البقاء تكون شاغلة للرائي عن الله.

أما إذا نظر بعين البصيرة في المخلوقات وعرف حدوثها وإمكانها، وعرف أن كل ممكن يحتاج إلى الصانع الحق الواجب فكأنه بهاتين المقدمتين قد طالع صفحة الملكوت بعين عقله وسمعبأذن قلبه شهادتها بالاحتياج والانقياد لله، وهذه الرؤية باقية غير زائلة ولا شاغلة عن الله بل هي شاغلة للقلب والروح بالله.

وهذه الرؤية وإن كانت حاصلة لجميع الموحدين لقوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ إلا أن الاطلاع على تفاصيل آثار حكمة الله  في كل واحد من مخلوقات هذه العوالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وعوارضها ولواحقها كما هي، لا تحصل إلا لأكابر الأنبياء ولهذا قال  في دعائه "أرني الأشياء كما هي" ثم إن الإنسان في أول استدلاله لا ينفك قلبه عن اختلاج شبهة فيه، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت كان لكل واحد منها نوع تأثير وقوة، ويكون جارياً مجرى تكرار الدرس الواحد وتزداد النفس بكل منها نوراً وإشراقاً وانبساطاً إلى أن يحصل الجزم ويكمل الإيقان وتطلع شمس العلم والعرفان إلى حيث أتيح لها من الارتقاء والتصاعد وذلك قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ قال في الكشاف: إنه معطوف على قوله ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ وقوله ﴿ وكذلك نرى ﴾ جملة وقعت اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه.

يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل.

والتركيب يدور على الستر ومنه الجنة والجن والمجنون والجنين.

وقيل: جن عليه الليل أي أظلم عليه ولأجل هذا التضمين عدي بــ"على".

وأما "أجنة" فمعناه ستره من غير تضمين معنى أظلم.

واعلم أن كثيراً من المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه.

فأمر بذبح كل غلام يولد فحملت أم إبراهيم  به وما أظهرت حملها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر فجاء جبريل  فوضع أصبعه في فيه فمصه فخرج منه رزقه، وكان يتعهده جبريل  وكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه.

وبقي في الغار حتى كبر وعرف أن له رباً فسأل الأم فقال لها: من ربي؟

فقالت: أنا.

فقال: من ربك؟

فقالت: أبوك.

فقال لأبيه: من ربك؟

فقال: ملك البلد.

فعرف إبراهيم جهلهما بربهما.

فنظر من باب ذلك الغار ليرى ما يستدل به على وجود الرب  فرأى النجم الذي كان أصغر النجوم في السماء فقال: هذا ربي إلى آخر القصة.

ثم منهم من قال: كان هذا بعد البلوغ وأوان التكليف، ومنهم من قال: كان هذا قبل البلوغ.

وأكثر المحققين على فساد هذا القول لوجوه منها: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر لا يجوز على الأنبياء بالاتفاق.

ومنها أن إبراهيم كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة لأن الله  أخبر عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد بالرفق مراراً بقوله ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر  ﴾ الآيات.

وفي هذا الموضع دعا أباه إلى التوحيد بالكلام الخشن، والدعوة بالرفق مقدمة على الدعوة بالخشونة والغلظة.

ومنها أن هذه الواقعة كانت بعد أن أراه ملكوت السموات والأرض بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فلما جن ﴾ ومنها أنه تعالى وصفه بقوله ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم  ﴾ ومدحه بقوله ﴿ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل  ﴾ أي من أول زمان الفطرة.

ومنها قوله عقيب هذه القصة ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ ولم يقل "على نفسه".

ومنها أنه قال بعد القصة ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم.

ومنها قوله ﴿ وحاجة قومه ﴾ وفيه دليل على أنه إنما اشتغل بالنظر في الكواكب بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فقال ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ رداً وتنبيهاً على فساد قولهم، ويؤكده قوله ﴿ كيف أخاف ما أشركتم ﴾ لأنه يدل على أنهم كانوا قد خوفوه بالأصنام كما في قصة هود ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء  ﴾ ومنها أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، وكان ينبغي أن يستدل أوّلاً بغروب الشمس على عدم إلهيتها ثم يبطل إلهية القمر وسائر الكواكب بالطريق الأولى، ولما لم يكن كذلك علمنا أن المقصود إلزام القوم وإفحامهم.

والابتداء بأفول الكوكب لأنه اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلعت الشمس.

ثم ههنا احتمالان: الأول أن يقال إن هذا كلام إبراهيم بعد البلوغ ولكنه ذكره بلفظهم حتى يرجع إليه فيبطله، مثاله: أن يقول في مناظرة من يزعم قدم الجسم: الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نشاهده ونراه متركباً متغيراً.

فقولك "الجسم قديم" إعادة لكلام الخصم لإلزام الحجة عليه، أو المراد هذا ربي في زعمكم واعتقادكم كقول الموحد للجسم: الإله جسم محدود أي في زعمه واعتقاده.

قال  ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ وقال ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم  ﴾ أي عند نفسك.

وكان  يقول: " يا إله الآلهة في زعمهم" .

أو المراد منه لاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام لدلالة الكلام، أو أضمر القول أي يقولون هذا ربي وإضمار القول كثير ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا  ﴾ أي يقولان ربنا ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم  ﴾ أي يقولون: ما نعبدهم ﴿ إلا ليقربونا  ﴾ أو ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء، أو أنه  قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة لم يقبلوا قوله فمال إلى الاستدراج وذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم مع أن إبراهيم كان مطمئناً بالإيمان فكان بمنزلة المكره على كلمة الكفر حيث لم يجد إلى الدعوة المأمور بها طريقاً سوى ذلك.

وإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة تعود إلى شخص واحد لقوله  ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ فلأن يجوز ذكرها لتخليص جم غفير من الكفر والعقاب الأبدي أولى.

قالت العلماء: إن المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر.

ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال حتى لو صلى وترك القتال أثم.

وإن من كان في الصلاة فرأى طفلاً أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذهما ومثل هذه الواقعة قوله ﴿ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم  ﴾ وذلك أنهم كانوا يستدلون بعلم النجوم على الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع إنه كان بريئاً عنه في الباطن ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام قال المتكلمون: إنه يصح من الله  إظهار خوارق العادات على يد من يدعي الإلهية، لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يروج التلبيس ولكنه لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوّة كاذباً لأن التلبيس يروج حينئذ فكذا ههنا قوله ﴿ هذا ربي ﴾ لا يوجب الضلال لأن دلائل بطلانه جلية وفي ذلك استدراج لهم لقبول الدليل فكان جائزاً.

الاحتمال الثاني: أنه ذكر ذلك قبل البلوغ فلعله خطر بباله لشدة ذكائه قبل بلوغه إثبات الصانع  فتفكر فرأى النجم فقال ﴿ هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ﴾ ثم إنه  أكمل بلوغه في أثناء هذا الفكر فقال عند أفول الشمس ﴿ إني بريء مما تشركون ﴾ واعلم أن القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم  ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل يربيه محتملة في الجملة، لأن الإرهاص - وهو تقديم المعجز على وقت الدعوى - جائز عندنا.

ولم يجوّزه القاضي إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله  فتكون تلك الخوارق معجزة لذلك الرسول.

قال في الكشاف: فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟

قلت الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.

وأنا أقول: الاحتجاج بالبزوغ في الآية لا يصح لأنه  بين أنه نظر إلى الكوكب وقت كونه طالعاً لا حين بزوغه ليلزم مشاهدة التغير والانتقال، وكذا إلى القمر وإلى الشمس دليله أنه لم يقل رأى القمر يبزغ بل بازغاً.

ولو سلم فإن أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص والأوساط والعوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان فكل ممكن محتاج والمحتاج لا يجوز أن يكون منقطع الحاجات فلا بد من الانتهاء إلى الواجب بالذات.

وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث وكل محدث فهو محتاج إلى القديم.

وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب، فكل كوكب يغرب فإنه يزول نوره ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن كان كذلك فإنه لا يصلح للإلهية، أقصى ما في الباب أن يقال:إن لهاتأثيرات في أحوال العالم السفلى، ولكن تلك التأثيرات لما لم تكن لها بذاتها لزم استناد الكل إلى الواجب  وهو الإله الأعظم القادر على خلق السموات والنجوم النيرات، فيجب أن يكون قادراً على خلق البشر وعلى تدبير السفليات بالطريق الأولى فلا يلزم من وضع الواسطة رفع المبدأ بحال،ويعلم من قوله ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ أنه  ليس بجسم وإلا كان غائباً عنا فكان آفلاً، وإنه لا يصح عليه المجيء والذهاب والنزول والصعود ولا الصفات المحدثة.

وفيه أن معارف الأنبياء استدلالية لا ضرورية وأنه لا سبيل إلى معرفته تعالى إلى النظر والاستدلال.

أما قوله ﴿ فلما رأى القمر بازغاً ﴾ يقال بزغ القمر أو الشمس إذا ابتدأ بالطلوع.

وأصل البزغ الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً قاله الأزهري.

وفي قوله ﴿ إن لم يهدني ربي ﴾ إشارة إلى أن الهداية ليست إلا من الله  .

والمعتزلة حملوها على التمكين وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل، وزيف بأن كل ذلك كان حاصلاً فالهداية التي كان يطلبها بعد ذلك لا بد أن تكون زائدة عليها ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ﴾ أراد هذا الطالع أو هذا المرئي، أو ذكر بتأويل الضياء والنور، أو باعتبار الخبر وهو رب مع رعاية الأدب وهو ترك التأنيث عند اللفظ الدال على الربوبية كما لم يقولوا في صفة الله علامة وإن كانت بتاء مبالغة ﴿ هذا أكبر ﴾ أي أكبر الكواكب جرماً ونوراً، وقد برهن في الهيئة على أنها مائة وستة وستون مثلاً لكرة الأرض كلها.

وإنما لم يقتصر على ذكر الشمس أوّلاً مع أنه يلزم منه عدم ربوبية ما دونها من القمر والكواكب، لأنه أراد الأخذ من الأدون إلى الأعلى لمزيد التقرير والتصوير ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ قيل: لا يلزم من نفي ربوبية النجوم نفي الشريك مطلقاً.

والجواب أن القوم لم ينازعوه إلا في الصور المذكورة، فلما أثبت أنها ليست أرباباً ثبت بالاتفاق نفي الشركاء على الإطلاق.

ومعنى ﴿ وجهت وجهي للذي فطر ﴾ وجهت عبادتي لأجله فإن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره فإنه يوجه وجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة.

وأصل الفطر الشق يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، والحنيف المائل عن كل معبود سوى الله  .

قال أبو العالية: الذي يستقبل البيت في صلاته.

ثم إن قومه حاجوه متمسكين بالتقليد تارة كقولهم ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة  ﴾ وكقولهم للرسول  ﴿ أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب  ﴾ ومخوّفين إياه بالأصنام أخرى فأجابهم بقوله ﴿ أتحاجوني في الله وقد هدان ﴾ أي لما ثبت بالدليل الموجب للهداية صحة قولي فكيف ألتفت إلى حجتكم الواهية؟

﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر ﴿ إلا أن يشاء ﴾ إلا وقت مشيئة ﴿ ربي ﴾ شيئاً يخاف.

فحذف المضاف أي إلا إن أذنبت فيشاء إنزال العقوبة بي، أو إلا أن يريد ابتلائي بمحنة، أو إلا أن يمكن بعض تلك الأصنام من ضري مثل أن يرجمني بكوكب، أو كان قد أودع فيها طلسم فيصيبني مكروه من جهته بإذن الله  ، وفائدة الاستثناء أنه لو حدث به شيء من المكاره في الأيام المستقبلة لم يحمله الحمقى والجهلة على قدرة الأصنام ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فلا يفعل إلا الخير والصلاح ﴿ أفلا تتذكرون ﴾ أن نفي الأنداد عن رب الأرباب لا يوجد حلول العقاب ونزول العذاب، وأن الصحيح لا يساوي الفاسد، والعاجز لا يساوي القادر؟

ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ﴾ إذ لا سلطان فينزل.

وقيل: إنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للصلاة والدعاء، ولكنه لم يؤمر به.

والمعنى ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم إلا من في موضع الخوف؟

ثم قال ﴿ فأي الفريقين ﴾ يعني فريقي المشركين والموحدين.

ولم يقل "فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم" اجتناباً عن تزكية نفسه.

والغرض إني أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية، والمعنى أن الذي حصل لهم الأمن المطلق هم المستجمعون لكمال القوة النظرية وسنامه الإيمان، ولكمال القوة العلمية وهو وضع الأشياء في موضعها وإليه الإشارة بقوله ﴿ ولم يلبسوا ﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم ﴿ بظلم ﴾ .

قالت الأشاعرة: شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم داخلاً في الإيمان لم يكن لهذا التقييد فائدة فثبت أن الفاسق مؤمن.

وقالت المعتزلة: شرط في حصول الأمن حصول الأمرين: الإيمان وعدم الظلم.

فوجب أن لا يحصل إلا من الفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له أبداً.

وأجيب بأن الظلم ههنا الشرك لقوله ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ واجتماعه مع الإقرار بالصانع ممكن وحينئذ يصح إطلاق اللبس بمعنى الخلط ويكون المراد: الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا له شريكاً في المعبودية، ويؤيده أن القصة وردت في نفس الأضداد والأنداد.

وأيضاً لا يلزم من عدم الأمن المطلق حصول القطع بالعذاب الأبدي.

واعلم أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للذم والإنكار كمحاجة قوم إبراهيم، وتارة تكون موجبة للمدح وذلك إذا كان الغرض تقريراً لدين الحق والمذهب الصدق كمحاجة إبراهيم من قوله ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ إلى ههنا وإليها الإشارة بقوله ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ﴾ أرشدناه إليها ووفقناه لها ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأنه رفع يتعدى إلى واحد، ومن قرأ بالتنوين فيكون كقوله ﴿ ورفع بعضهم درجات  ﴾ وقد تقدم في البقرة، واختلف في تلك الدرجات فقيل: أعماله في الآخرة، وقيل: تلك الحجج درجات رفيعة لأنها تقتضي ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني إلى أعلى العالم الروحاني، وقيل: نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة، وفي الآخرة بالجنة والثواب.

أو نرفع درجات من نشاء بالحكمة والعلم ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ فيرفع الدرجات بمقتضى الحكمة والعلم لا لموجب التشهي والشهوة.

التأويل: رأى إبراهيم ملكوت الأشياء أي بواطنها ليكون من الموقنين عند كشفها كما كان موقناً عند كشف الضلال المودع في آزر وقومه ﴿ فلما جن عليه ﴾ ظلمة ليل البشرية أمطر سحاب العناية غيث الهداية على أرض قلبه فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه، فرأى نور الرشد في صورة الكوكب طالعاً من أفق سماء روحانيته فقال: ﴿ هذا ربي ﴾ أراد به سره المكوكب لا الكوكب وإن لم يشعر به نفسه كما قيل: هوى فؤادي ولم يعلم به بدني *** فالجسم في غربة والروح في وطن فإن كذبت النفس فيما قالت للكواكب "هذا ربي" ما كذب الفؤاد ما رأى من الكوكب.

فقال ﴿ هذا ربي ﴾ فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب قال سره ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ فلما تسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر ﴿ قال هذا ربي فلما أفل ﴾ عند رجوعه إلى أوصافه ازداد الشوق قال إن ﴿ لم يهدني ربي ﴾ برفع حجب الأوصاف ويبقني على وجود الخليقة ﴿ لأكونن من القوم الضالين ﴾ عن الحق كآزر وقومه.

فلما انخرقت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية، وأشرقت أرض القلب بنور ربها ﴿ قال هذا ربي فلما أفلت ﴾ شمس الهداية تعززاً وتعظماً ليغرب إبراهيم  عن شرك الأنانية.

إن شمس النهار تغرب بالليل *** وشمس القلوب ليست تغيب.

تبرأ عن الأضداد والأنداد ونزعته همة الخلة عن الجهات وخلصه تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال.

فقال ﴿ يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ وقد يدور في الخلد أن إبراهيم صلوات الله الرحمن عليه جن عليه ظلمة الشهبة فنظر أولاً في عالم الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغير فلم يرها تصلح للإلهية، فارتقى منها إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان حكمها حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجردة، فصادفها آفلة في أفق الإمكان فلم يبقَ إلا الواجب الحق.

ومن الناس من حمل الكوكب على الحس، والقمر على الخيال، والشمس على الوهم والعقل، ومراده أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية القوة، ومدبر العالم قاهر لها مستولٍ عليها ﴿ وحاجة قومه ﴾ ليسبلوا ستور شبههم على شموس عرفانه، وقد هداني إليه بالعيان بعد توالي البرهان ﴿ إلا أن يشاء ربي شيئاً ﴾ من الخذلان وهذا محال لأنه ﴿ وسع ربي كل شيء علماً ﴾ فهو أعلم بأهل العرفان وبأصحاب الخذلان ﴿ ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان حتى قال لجبريل: أما إليك فلا ﴿ وتلك ﴾ يعني إراءة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والتبري عما سواه والخلاص عن شرك الأنانية والإيمان الحقيقي بالعيان حتى ارتقى من الأفعال إلى الصفات ثم إلى الذات ﴿ آتيناها إبراهيم ﴾ بذاتنا من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه ﴿ نرفع درجات من نشاء ﴾ بجذبات الألوهية عن حضيض الأنانية الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

﴿ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ ذكر محاجة قومه ولم يبين فيما حاجوه، لكن في الجواب بيان أن المحاجة فيما كانت، وهو قوله: ﴿ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ ﴾ .

ثم تحتمل المحاجة في الله: في توحيد الله ودينه.

وتحتمل في اتباع أمر الله وطاعته.

وذكر في بعض القصة عن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ ﴾ : في آلهتهم وخوفوه بها، وقالوا: إنا نخاف آلهتنا، وأنت تشتمها ولا تعبدها، أن تخبلك وتفسدك.

وذلك محتمل؛ وهو كقول قوم هود لهود -  - ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ  ﴾ .

ثم قال لهم إبراهيم -  -: لما [لا] تخافون أنتم منها؟.

قالوا: كيف نخاف ونحن نعبدها؟!

قال: لأنكم تسوون بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، أما تخافون الكبير إذ سويتموه بالصغير، وما تخافون الذكر إذ سويتموه بالأنثى؟!

ويحتمل أنهم خوفوه بالله بترك عبادة آلهتهم، لما كانوا يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، ويقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ فخوفوا إبراهيم [بالله] بترك عبادتهم لما كان عندهم أن عبادتهم إياها تقربهم إلى الله زلفى وترك العبادة لها يبعدهم، فقال: ﴿ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ وقد هداني، ولا أخاف مما تشركون به.

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَدْ هَدَانِ ﴾ [ما ذكرنا في قوله ﴿ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ﴾ ] الدين والتوحيد وهداني طاعته والاتباع لأمره فقال: كيف أخاف وقد هداني.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾ هذا يحتمل وجهين.

[الأول]: يحتمل لا أخاف إلا إن عصيت ربي شيئاً، فعند ذلك أخاف، وأما إذا هداني ربي فإني [لا] أخاف بتركي عبادتهم.

والثاني: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي ﴾ إلا أن يبتليني ربي بشيء من المعصية، فعند ذلك أكون في مشيئته إن شاء عذبني، وإن شاء لم يعذبني.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .

أي: علم ذلك كله عنده عصيت أو أطعت.

وقوله - عز وجل -: [ ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ ﴾ عن ابن عباس] ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ ﴾ به من الأصنام ﴿ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰناً ﴾ يقول: عذراً في كتابه ﴿ فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ ﴾ ؟

أي: أهل [دينين] أنا وأنتم ﴿ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أني أعبد إلهاً واحداً، وأنتم تعبدون آلهة شتى؟!

وقيل: إنهم كانوا يخوفونه بتركه عبادة آلهتهم وإشراكه إياها في عبادة الله، فقال: وكيف أخاف ما أشركتم أنتم بالله من الآلهة، ولا تخافون أنتم بما أشركتم بالله غيره ما لم ينزل به عليكم سلطاناً؟!

أي: حجة بأن معه شريكاً.

ثم قال: ﴿ فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ ﴾ أنا أو أنتم من عبد إلهاً واحداً [يأمن عنده] [أحق]، أم من عبد آلهة شتى صغارا وكباراً ذكوراً وإناثاً؟!

أو أن يقال: إني كيف أخاف آلهتكم التي تعبدون من دون الله بتركي عبادتها، وهي لا تملك ضرا إن تركت ذلك، ولا نفعاً إن أنا فعلت ذلك، ولا تخافون أنتم بترككم عبادة إلهي، وهو يملك الضر إن تركتم عبادته، والنفع إن عبدتموه، فأي الفريقين أحق بالأمن: من عبد إلها يملك الضر والنفع، أو من عبد إلها لا يملك ذلك؟!

فقيل: رد عليه قومه فقالوا: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ برب واحد يملك الضر والنفع، ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ قيل: لم يخلطوا تصديقهم وإيمانهم بشرك، ولم يعبدوا غيره دونه، ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ : من الضلالة والشرك.

قيل: الظلم - هاهنا -: الشرك؛ روي عن ابن مسعود -  - قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟!

قال: ليس ذلك إنما هو الشرك، أو لم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: ﴿ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ " وعن أبي بكر الصديق -  - قال لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ ، ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ ؟

فقالوا: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ : ثم عملوا له واستقاموا على أمره، ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ ، أي: لم يذنبوا فقال: لقد حملتمونا على أمر شديد، ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ : بشرك، ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ : عليها فلم يعدلوا عنها بشرك ولا غيره.

فإن ثبتت هذه الأخبار فهو ما ذكر فيها أن الظلم هو الشرك، وإلا احتمل الظلم ما دون الشرك أن من لم يظلم ولم يذنب [فهو في أمن] من الله، ومن ارتكب ذنباً أو ظلماً فله الخوف، وهو في مشيئة الله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له وعفا عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ...

﴾ الآية: ينقض قول من يقول بأن إبراهيم كان غير مؤمن في ذلك الوقت و [لا] عارفاً بربه؛ لأنه أخبر أنه آتاه حجته على قومه، ولو كان هو على ما قالوا لكانت الحجة التي آتاه عليه، فلما أخبر أنه آتاه حجته على قومه، دل أنه ليس على ما قالوا، ولكن كان عارفاً بربه مخلصاً له على ما سبق ذكره.

فإن قال قائل: إن الحجة التي أخبر أنه آتاها إبراهيم على قومه [هي] قوله: ﴿ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

فيقال: إن هذه ليست بمحاجة، إنما هو تقرير التوحيد والدين.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾ \[الآية\] والمحاجة ما ذكر في قوله: ﴿ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ  ﴾ وغيرها من الآيات التي فيها وصف توحيد الربّ - عز وجل - وألوهيته وفساد آلهتهم، من ذلك قوله: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ  وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ  ﴾ .

وفيه دليل نقض قول المعتزلة؛ لأنه قال: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ والإيتاء هو الإعطاء، والنجوم والشمس، والقمر وما ذكر قد كانت؛ دل أن الذي آتى إبراهيم هو محاجته قومه بما ذكرنا واحتجاجه عليهم بذلك؛ دل أن له في محاجة إبراهيم قومه صنعاً حيث أضافها إلى نفسه، وهو أن خلق محاجته قومه، وبالله العصمة.

وقوله -  -: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ : الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، وهو ما بين سفههم في عبادتهم الأصنام، حيث قال في غير آية وعلى نمرود حين قال: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ...

﴾ إلى آخر الآية [البقرة: 258].

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ .

فيه - أيضاً - دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله قد شاء لكل أحد أن يبلغ المبلغ الذي إذا بلغ ذلك يصلح للنبوة والرسالة، لكنهم شاءوا ألا يبلغوا ذلك المبلغ، يجعلون المشيئة في ذلك إلى أنفسهم دون الله، والله أخبر أنه يرفع درجات من يشاء وهم يقولون: لا يقدر أن يرفع، بل هم يملكون أن يرفعوا درجات أنفسهم؛ فدلت الآية على أن من نال درجة أو فضيلة إنما ينال بفضل الله ومنِّه.

ثم قوله: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ ﴾ : تحتمل الدرجات وجوهاً.

تحتمل: النبوة، وتحتمل: الدرجات في الآخرة أن يرفع لهم.

وتحتمل: الذكر والشرف في الدنيا لما يذكرون في الملأ من الخلق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ .

أي: حكيم في خلق الخلائق، خلق خلقاً يدل على وحدانيته، ويدل على أنه مدبر ليس بمبطل في خلقهم، ثم عليم بأعمالهم وعليم بمصالح الخلق وبما يصلح لهم، [وبما لا يصلح] والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وتلك الحجة وهي قوله: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ﴾ التي غلب إبراهيم بها قومه حتى انقطعت حجتهم، هي حجتنا وفَّقْناه لمُحاجَّة قومه بها، وأعطيناه إياها، نرفع من نشاء من عبادنا مراتب في الدنيا والآخرة، إن ربك -أيها الرسول- حكيم في خلقه وتدبيره، عليم بعباده.

<div class="verse-tafsir" id="91.mADnO"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله