الآية ٩٦ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٩٦ من سورة الأنعام

فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ٩٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 163 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٦ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٦ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا ) أي : خالق الضياء والظلام ، كما قال في أول السورة : ( وجعل الظلمات والنور ) فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح فيضيء الوجود ، ويستنير الأفق ، ويضمحل الظلام ، ويذهب الليل بدآدئه وظلام رواقه ، ويجيء النهار بضيائه وإشراقه ، كما قال تعالى ( يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ) [ الأعراف : 54 ] ، فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه ، فذكر أنه فالق الإصباح وقابل ذلك بقوله : ( وجاعل الليل سكنا ) أي : ساجيا مظلما تسكن فيه الأشياء ، كما قال : ( والضحى والليل إذا سجى ) [ الضحى : 1 ، 2 ] ، وقال ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ) [ الليل : 1 ، 2 ] ، وقال ( والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها ) [ الشمس : 3 ، 4 ] .

وقال صهيب الرومي رضي الله عنه لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره : إن الله جعل الليل سكنا إلا لصهيب ، إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه ، وإذا ذكر النار طار نومه ، رواه ابن أبي حاتم .

وقوله : ( والشمس والقمر حسبانا ) أي : يجريان بحساب مقنن مقدر ، لا يتغير ولا يضطرب ، بل كل منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء ، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولا وقصرا ، كما قال تعالى ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) الآية [ يونس : 5 ] ، وكما قال : ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) [ يس : 40 ] ، وقال ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) [ الأعراف : 54 ] .

وقوله : ( ذلك تقدير العزيز العليم ) أي : الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف ، العليم بكل شيء ، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، وكثيرا ما إذا ذكر الله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر ، يختم الكلام بالعزة والعلم ، كما ذكر في هذه الآية ، وكما في قوله : ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) [ يس : 37 ، 38 ] .

ولما ذكر خلق السماوات والأرض وما فيهن في أول سورة ( حم ) السجدة ، قال : ( وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) [ فصلت : 12 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا قال أبو جعفر: يعني بقوله: " فالق الإصباح "، شاقٌّ عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده.

(2) * * * و " الإصباح " مصدر من قول القائل: " أصبحنا إصباحًا ".

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال عامة أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 13595 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: " فالق الإصباح "، قال: إضاءة الصبح.

13596 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي, نجيح, عن مجاهد: " فالق الإصباح "، قال: إضاءة الفجر.

13597- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

13598 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فالق الإصباح "، قال: فالق الصُّبح.

13599 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: " فالق الإصباح "، يعني بالإصباح، ضوءَ الشمس بالنهار, وضوءَ القمر بالليل.

13600 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: " فالق الإصباح "، قال: فالق الصبح.

13601- حدثنا به ابن حميد مرة بهذا الإسناد, عن مجاهد فقال في قوله: " فالق الإصباح "، قال إضاءة الصبح.

13602 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " فالق الإصباح "، قال: فلق الإصباح عن الليل.

13603 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فالق الإصباح "، يقول: خالق النور, نور النهار.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: خالق الليل والنهار .

* ذكر من قال ذلك: 13604 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: (فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا) ، (3) يقول: خلق الليل والنهار.

* * * وذكر عن الحسن البصري أنّه كان يقرأ: (فَالِقُ الأصْبَاحِ)، بفتح الألف، كأنه تأول ذلك بمعنى جمع " صبح ", كأنه أراد صبح كل يوم, فجعله " أصباحًا ", ولم يبلغنا عن أحد سواه أنه قرأ كذلك.

والقراءة التي لا نستجيز تعدِّيها، بكسر الألف: (4) (فالِقُ الإصْبَاح) ، لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل على صحة ذلك ورفضِ خلافه.

* * * وأما قوله: " وجاعِلُ الليل سكنًا "، فإن القرأة اختلفت في قراءته.

فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض البصريين: (5) (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ) بالألف على لفظ الاسم، ورفعه عطفًا على " فالق ", وخفض " الليل " بإضافة " جاعل " إليه, ونصب " الشمس والقمر "، عطفًا على موضع " الليل "، لأن " الليل " وان كان مخفوضًا في اللفظ، فإنه في موضع النصب, لأنه مفعول " جاعل ".

وحسن عطف ذلك على معنى " الليل " لا على لفظه, لدخول قوله: " سكنًا " بينه وبين " الليل "، قال الشاعر: (6) قُعُـوداً لَـدَى الأبْـوَابِ طُـلابَ حاجَةٍ عَـوَانٍ مِـنَ الْحَاجَـاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرًا (7) فنصب " الحاجة " الثانية، عطفًا بها على معنى " الحاجة " الأولى, لا على لفظها، لأن معناها النصب، وإن كانت في اللفظ خفضًا.

وقد يجيء مثل هذا أيضًا معطوفًا بالثاني على معنى الذي قبله لا على لفظه, وإن لم يكن بينهما حائل, كما قال بعضهم: (8) بَيْنَـــا نَحْـــنُ نَنْظُــرْهُ أَتَانَــا مُعلِّـــقَ شِـــكْوَةٍ وَزِنــادَ رَاعِ (9) * * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ) ، على " فَعَلَ"، بمعنى الفعل الماضي، ونصب " الليل ".

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار, متفقتا المعنى، غير مختلفتيه, فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في الإعراب والمعنى.

* * * وأخبر جل ثناؤه أنه جعل الليل سكنًا, لأنه يسكن فيه كل متحرك بالنهار، ويهدأ فيه, فيستقر في مسكنه ومأواه.

* * * القول في تأويل قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك: فقال بعضهم: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب.

* ذكر من قال ذلك: 13605 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " والشمس والقمر حسبانًا "، يعني: عدد الأيام والشهور والسنين .

13606 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " والشمس والقمر حسبانًا "، قال: يجريان إلى أجلٍ جُعل لهما.

13607 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " والشمس والقمر حسبانًا "، يقول: بحساب.

13608 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " والشمس والقمر حسبانًا "، قال: الشمس والقمر في حساب, فإذا خَلَتْ أيامهما فذاك آخرُ الدهر، وأول الفزع الأكبر =" ذلك تقدير العزيز العليم ".

13609- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " والشمس والقمر حسبانًا "، قال: يدوران في حساب.

13610 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: " والشمس والقمر حسبانًا "، قال هو مثل قوله: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة الأنبياء: 33] ، ومثل قوله: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [سورة الرحمن: 5].

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر ضياء.

* ذكر من قال ذلك: 13611- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " والشمس والقمر حسبانًا "، أي ضياء.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في تأويل ذلك عندي بالصواب، تأويل من تأوَّله: وجعل الشمس والقمرَ يجريان بحساب وعددٍ لبلوغ أمرهما ونهاية آجالهما, ويدوران لمصالح الخلق التي جُعِلا لها.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية, لأن الله تعالى ذكره ذكَر قبلَه أياديه عند خلقه، وعظم سلطانه, بفلقه الإصباح لهم، وإخراج النبات والغِراس من الحب والنوى, وعقّب ذلك بذكره خلق النجوم لهدايتهم في البر والبحر.

فكان وصفه إجراءه الشمس والقمرَ لمنافعهم، أشبه بهذا الموضع من ذكر إضاءتهما، لأنه قد وصف ذلك قبلُ بقوله: " فالق الإصباح "، فلا معنى لتكريره مرة أخرى في آية واحدة لغير معنى.

* * * و " الحسبان " في كلام العرب جمع " حِساب ", كما " الشُّهبان " جمع شهاب.

(10) وقد قيل إن " الحسبان "، في هذا الموضع مصدر من قول القائل: " حَسَبْتُ الحساب أحسُبُه حِسابًا وحُسْبانًا ".

وحكي عن العرب: " على الله حُسْبان فلان وحِسْبته "، أي: حسابه.

* * * وأحسب أن قتادة في تأويل ذلك بمعنى الضياء, ذهب إلى شيء يروى عن ابن عباس في قوله: وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ [سورة الكهف: 40].

قال: نارًا, فوجه تأويل قوله: " والشمس والقمر حسبانًا "، إلى ذلك التأويل.

وليس هذا من ذلك المعنى في شيء.

* * * وأما " الحِسبان " بكسر " الحاء "، فإنه جمع " الحِسبانة "، (11) وهي الوسادة الصغيرة, وليست من الأوَّليين أيضًا في شيء.

يقال: " حَسَّبته "، أجلستُه عليها.

* * * ونصب قوله: " حسبانًا " بقوله: " وجعل ".

* * * وكان بعض البصريين يقول: معناه: " والشمس والقمرَ حسبانًا "، أي: بحساب, فحذف " الباء "، كما حذفها من قوله: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ [سورة الأنعام: 117] ، أي: أعلم بمن يضل عن سبيله.

(12) * * * القول في تأويل قوله : ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا الفعل الذي وصفه أنه فعله, وهو فلقه الإصباح، وجعله الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا, تقدير الذي عزّ سلطانه, فلا يقدر أحد أراده بسوء وعقاب أو انتقام، من الامتناع منه =" العليم "، بمصالح خلقه وتدبيرهم = لا تقديرُ الأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تفقه شيئًا ولا تعقله، ولا تضر ولا تنفع, وإن أريدت بسوء لم تقدر على الامتناع منه ممن أرادها.

(13) يقول جل ثناؤه: وأخلصوا، أيها الجهلة، عبادتَكم لفاعل هذه الأشياء, ولا تشركوا في عبادته شيئًا غيره.

------------------------- الهوامش : (2) انظر تفسير"الفلق" فيما سلف قريبًا ص: 550.

(3) هذه قراءة أهل الحجاز كما سيذكر بعد ، وتركتها على قراءتهم في هذا الخبر.

(4) في المطبوعة: "لا نستجيز غيرها" ، يدل ما كان في المخطوطة وهو محض صواب.

(5) في المطبوعة: "عامة قراء الحجاز" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(6) هو الفرزدق.

(7) سلف البيت وتخريجه وتفسيره فيما سلف 2: 195 ، وأزيد هنا مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 201 وروي هناك: "قعود" بالرفع ، كما أشرت إليه ثم.

(8) لرجل من قيس عيلان ، ونسب أيضا لنصيب (9) سيبويه 1 : 87 ، معاني القرآن للفراء 1: 346 ، الصاحبي: 118 ، شرح شواهد المغني: 270 ، والذي هنا رواية الفراء وابن فارس.

ورواية سيبويه"بيننا نحن نطلبه" ، وفي شرحه"نرقبه" ، وروايته أيضًا"معلق وفضة".

وكان في المطبوعة هنا: "فبيننا" بالفاء ، وأثبت ما في المخطوطة.

وفي المطبوعة: "شلوه" وهو خطأ.

"ننظره": نرقبه وننتظره.

و"الشكوة": وعاء كالدلو أو القرية الصغيرة ، يبرد فيه الماء ، ويحبس فيه اللبن.

وأما "الوفضة" ، فهي خريطة كالجعبة ، يحمل فيها الراعي أدلته وزاده.

ولم أجد بقية الشعر.

(10) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 201.

(11) هكذا قال أبو جعفر"بكسر الحاء" والذي أطبقت عليه كتب اللغة أنه بضم الحاء ، ولم يشيروا إلى كسر الحاء في هذه.

(12) قائل هذا هو الأخفش ، كما هو بين في لسان العرب (حسب) .

(13) انظر تفسير"العزيز" و"العليم" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليمقوله تعالى : فالق الإصباح نعت لاسم الله تعالى ، أي ذلكم الله ربكم فالق الإصباح .

وقيل : المعنى أن الله فالق الإصباح .

والصبح والصباح أول النهار ، وكذلك الإصباح ; أي فالق الصبح كل يوم ، يريد الفجر .

والإصباح مصدر أصبح .

والمعنى : شاق الضياء عن الظلام وكاشفه .

وقال الضحاك : فالق الإصباح : خالق النهار .

وهو معرفة لا يجوز فيه [ ص: 42 ] التنوين عند أحد من النحويين .

وقرأ الحسن وعيسى بن عمر " فالق الأصباح " بفتح الهمزة ، وهو جمع صبح .

وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قرأ " فلق الإصباح " على فعل ، والهمزة مكسورة والحاء منصوبة .

وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وحمزة والكسائي وجعل الليل سكنا بغير ألف .

ونصب الليل حملا على معنى فالق في الموضعين ; لأنه بمعنى فلق ، لأنه أمر قد كان فحمل على المعنى .

وأيضا فإن بعده أفعالا ماضية وهو قوله : جعل لكم النجوم .

أنزل من السماء ماء .

فحمل أول الكلام على آخره .

يقوي ذلك إجماعهم على نصب الشمس والقمر على إضمار فعل ، ولم يحملوه على فاعل فيخفضوه ; قاله مكي رحمه الله .

وقال النحاس : وقد قرأ يزيد بن قطيب السكوني " جاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا " بالخفض عطفا على اللفظ .

قلت : فيريد مكي والمهدوي وغيرهما إجماع القراء السبعة .

والله أعلم .

وقرأ يعقوب في رواية رويس عنه " وجاعل الليل ساكنا " .

وأهل المدينة " وجاعل الليل سكنا " أي محلا للسكون .

وفي الموطإ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول : اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا اقض عني الدين واغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك .

فإن قيل : كيف قال وأمتعني بسمعي وبصري وفي كتاب النسائي والترمذي وغيرهما واجعله الوارث مني وذلك يفنى مع البدن ؟

قيل له : في الكلام تجوز ، والمعنى اللهم لا تعدمه قبلي .

وقد قيل : إن المراد بالسمع والبصر هنا أبو بكر وعمر ; لقوله عليه السلام فيهما : هما السمع والبصر .

وهذا تأويل بعيد ، إنما المراد بهما الجارحتان .ومعنى حسبانا أي بحساب يتعلق به مصالح العباد .

وقال ابن عباس في قوله جل وعز : والشمس والقمر حسبانا أي بحساب .

قال الأخفش : حسبان جمع حساب ; مثل شهاب وشهبان .

وقال يعقوب : حسبان مصدر حسبت الشيء أحسبه حسبانا وحسابا وحسبة ، والحساب الاسم .

وقال غيره : جعل الله تعالى سير الشمس والقمر بحساب لا يزيد ولا ينقص ; فدلهم الله عز وجل بذلك على قدرته ووحدانيته .

وقيل : حسبانا أي ضياء .

[ ص: 43 ] والحسبان : النار في لغة ; وقد قال الله تعالى : ويرسل عليها حسبانا من السماء .

قال ابن عباس : نارا .

والحسبانة : الوسادة الصغيرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما ذكر تعالى مادة خلق الأقوات، ذكر منته بتهيئة المساكن، وخلقه كل ما يحتاج إليه العباد، من الضياء والظلمة، وما يترتب على ذلك من أنواع المنافع والمصالح فقال: { فَالِقُ الْإِصْبَاحِ } أي: كما أنه فالق الحب والنوى، كذلك هو فالق ظلمة الليل الداجي، الشامل لما على وجه الأرض، بضياء الصبح الذي يفلقه شيئا فشيئا، حتى تذهب ظلمة الليل كلها، ويخلفها الضياء والنور العام، الذي يتصرف به الخلق في مصالحهم، ومعايشهم، ومنافع دينهم ودنياهم.

ولما كان الخلق محتاجين إلى السكون والاستقرار والراحة، التي لا تتم بوجود النهار والنور { جَعَلَ } الله { اللَّيْلَ سَكَنًا } يسكن فيه الآدميون إلى دورهم ومنامهم، والأنعام إلى مأواها، والطيور إلى أوكارها، فتأخذ نصيبها من الراحة، ثم يزيل الله ذلك بالضياء، وهكذا أبدا إلى يوم القيامة { و } جعل تعالى { الشمس وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا } بهما تعرف الأزمنة والأوقات، فتنضبط بذلك أوقات العبادات، وآجال المعاملات، ويعرف بها مدة ما مضى من الأوقات التي لولا وجود الشمس والقمر، وتناوبهما واختلافهما - لما عرف ذلك عامة الناس، واشتركوا في علمه، بل كان لا يعرفه إلا أفراد من الناس، بعد الاجتهاد، وبذلك يفوت من المصالح الضرورية ما يفوت.

{ ذَلِكَ } التقدير المذكور { تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } الذي من عزته انقادت له هذه المخلوقات العظيمة، فجرت مذللة مسخرة بأمره، بحيث لا تتعدى ما حده الله لها، ولا تتقدم عنه ولا تتأخر { الْعَلِيمُ } الذي أحاط علمه، بالظواهر والبواطن، والأوائل والأواخر.

ومن الأدلة العقلية على إحاطة علمه، تسخير هذه المخلوقات العظيمة، على تقدير، ونظام بديع، تحيُّرُ العقول في حسنه وكماله، وموافقته للمصالح والحكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فالق الإصباح ) شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وكاشفه [ وهو أول ما يبدو من النهار يريد : مبدئ الصبح وموضحه ] .

وقال الضحاك : خالق النهار ، والإصباح مصدر كالإقبال والإدبار ، وهو الإضاءة وأراد به الصبح .

( وجعل الليل سكنا ) يسكن فيه خلقه ، وقرأ أهل الكوفة : " وجعل " على الماضي ، " الليل " نصب اتباعا للمصحف ، وقرأ إبراهيم النخعي ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ) أي : جعل الشمس والقمر بحساب معلوم لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما ، والحسبان مصدر كالحساب ، ( ذلك تقدير العزيز العليم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فالق الإصباح» مصدر بمعنى الصبح أي شاق عمود الصبح وهو أول ما يبدو من نور النهار عن ظلمة الليل «وجاعلُ اللَّيْل سكنا» تسكن فيه الخلق من التعب «والشمس والقمر» بالنصب عطفا على محل الليل «حسبانا» للأوقات أو الباء محذوفة وهو حال من مقدر أي يجريان بحسبان كما في آية الرحمن «ذلك» المذكور «تقدير العزيز» في ملكه «العليم» بخلقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله سبحانه وتعالى هو الذي شق ضياء الصباح من ظلام الليل، وجعل الليل مستقرًا، يسكن فيه كل متحرك ويهدأ، وجعل الشمس والقمر يجريان في فلكيهما بحساب متقن مقدَّر، لا يتغير ولا يضطرب، ذلك تقدير العزيز الذي عزَّ سلطانه، العليم بمصالح خلقه وتدبير شئونهم.

والعزيز والعليم من أسماء الله الحسنى يدلان على كمال العز والعلم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ألوانا أخرى من مظاهر قدرته وحكمته فقال : { فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ الليل سَكَناً والشمس والقمر حُسْبَاناً } .الإصباح : مصدر سمى به الصبح ، أى : شاق ظلمة الصبح - وهى الغبش فى آخر الليل الذى يلى الفجر المستطيل الكاذب - عن بياض النهار فيضىء الوجود ، ويضمحل الظلام ، ويذهب الليل بسواده ، ويجىء النهار بضيائه .وجملة " فالق الإصباح " خبر لمبتدأ محذوف أى : هو فالق ، أو خبر آخر لإنّ { وَجَعَلَ الليل سَكَناً } أى وجعل الليل محلا لسكون الخلق فيه ، وراحة لهم بعد معاشهم بالنهار وسعيهم للحصول على رزقهم .قال صاحب الكشاف : السكن : ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسا به واسترواحا إليه ، من زوج أو حبيب .

ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها ، ألا تراهم سموها المؤنسة ، والليل يطمئن إليه المتعب بالنهار لاستراحته فيه ، ويجوز أن يراد : وجعل الليل مسكونا فيه من قوله : ( لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ) .{ والشمس والقمر حُسْبَاناً } الحسبان فى الأصل مصدر حسب - بفتح السين - كالغفران والشكران تقول حسبت المال حسبانا : أى أحصيته عددا .

والمعنى : وجعل الشمس والقمر يجريان فى الفلك بحساب مقدر معلوم لا يتغير ولا يضطرب حتى ينتهى إلى أقصى منازلهما بحيث تتم الشمس دورتها فى سنة ويتم القمر دورته فى شهر ، وبذلك تنتظم المصالح المتعلقة بالفصول الأربعة وغيرها ، قال - تعالى - { هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب } وقوله { ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم } أى : ذلك الجعل والتسيير البديع الشأن تقدير العزيز ، أى : الغالب القاهر الذى لا يتعاصاه شىء من الأشياء التى من جملتها تسييرهما على الوجه المخصوص ، العليم بكل شىء فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء .قال الإمام الرازى عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ما ملخصه :" اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته فالنوع المتقدم - أى قوله { إِنَّ الله فَالِقُ } .

.

.

إلخ - كان مأخوذا من دلالة أحوال النبات والحيوان ، والنوع المذكور فى هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية ، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم فى كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم فى القلوب وأكثر وقعاً من الأحوال الأرضية " .وبعد أن ساق - رحمه الله - الأدلة على ذلك قال : والعزيز إشارة إلى كمال قدرته ، والعليم إشارة إلى كمال علمه ، ومعناه : أن تقدير الأفلاك بصفاتها المخصوصة ، وهيآتها المحدودة ، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة فى البطء والسرعة ، لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات ، وعلم نافذ فى جميع المعلومات من الكليات والجزئيات ، وذلك تصريح بأن حصول هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة ، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار والله أعلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته، فالنوع المتقدم كان مأخوذاً من دلالة أحوال النبات والحيوان، والنوع المذكور في هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر، ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعاً من الأحوال الأرضية، وتقرير الحجة من وجوه: الأول: أن نقول: الصبح صبحان.

فالصبح الأول: هو الصبح المستطيل كذنب السرحان، ثم تعقبه ظلمة خالصة، ثم يطلع بعده الصبح المستطير في جميع الأفق فنقول: أما الصبح الأول: وهو المستطيل الذي يحصل عقيبه ظلمة خالصة فهو من أقوى الدلائل على قدرة الله وحكمته، وذلك لأنا نقول: إن ذلك النور إما أن يقال: إنه حصل من تأثير قرص الشمس أو ليس الأمر كذلك، والأول باطل، وذلك لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فأهل الموضع الذي تكون تلك الدائرة أفقاً لهم قد طلعت الشمس من مشرقهم، وفي ذلك الموضع أيضاً نصف كرة الأرض، وذلك يقتضي أنه حصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتنا، وذلك الضوء يكون منتشراً مستطيراً في جميع أجزاء الجو، ويجب أن يكون ذلك الضوء في كل ساعة إلى القوة والزيادة والكمال، والصبح الأول لو كان أثر قرص الشمس لامتنع كونه خطاً مستطيلاً، بل يجب أن يكون مستطيراً في جميع الأفق منتشراً فيه بالكلية، وأن يكون متزايداً متكاملاً بحسب كل حين ولحظة، ولما لم يكن الأمر كذلك بل علمنا أن الصبح الأول يبدو كالخيط الأبيض الصاعد حتى تشبهه العرب بذنب السرحان، ثم إنه يحصل عقيبه ظلمة خالصة، ثم يحصل الصبح المستطير بعد ذلك علمنا أن ذلك الصبح المستطيل ليس من تأثير قرص الشمس، ولا من جنس نوره، فوجب أن يكون ذلك حاصلاً بتخليق الله تعالى ابتداء تنبيهاً على أن الأنوار ليس لها وجود إلا بتخليقه، وإن الظلمات لا ثبات لها إلا بتقديره كما قال في أول هذه السورة ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور ﴾ .

والوجه الثاني: في تقرير هذا الدليل أنا لما بحثنا وتأملنا علمنا أن الشمس والقمر وسائر الكواكب لا تقع أضواؤها إلى على الجرم المقابل لها.

فأما الذي لا يكون مقابلاً لها فيمتنع وقوع أضوائها عليه، وهذه مقدمة متفق عليها بين الفلاسفة وبين الرياضيين الباحثين عن أحوال الضوء المضيء، ولهم في تقريرها وجوه نفيسة.

إذا عرفت هذا نقول: الشمس عند طلوع الصبح غير مرتفعة من الأفق فلا يكون جرم الشمس مقابلاً لجزء من أجزاء وجه الأرض، فيمتنع وقوع ضوء الشمس على وجه الأرض، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ضوء الصبح من تأثير قرص الشمس، فوجب أن يكون ذلك بتخليق الفاعل المختار.

فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: الشمس حين كونها تحت الأرض توجب إضاءة ذلك الهواء المقابل له، ثم ذلك الهواء مقابل للهواء الواقف فوق الأرض، فيصيره ضوء الهواء الواقف تحت الأرض سبباً لضوء الهواء الواقف فوق الأرض، ثم لا يزال يسري ذلك الضوء من هواء إلى هواء آخر ملاصق له حتى يصل إلى الهواء المحيط بنا هذا هو الوجه الذي عول عليه أبو علي بن الهيثم في تقرير هذا المعنى في كتابه الذي سماه بالمناظر الكثة.

والجواب: أن هذا العذر باطل من وجهين: الأول: أن الهواء جرم شفاف عديم اللون، وما كان كذلك فإنه لا يقبل النور، واللون في ذاته وجوهره، وهذا متفق عليه بين الفلاسفة.

واحتجوا عليه بأنه لو استقر النور على سطحه لوقف البصر على سطحه.

ولو كان كذلك لما نفذ البصر فيما وراءه، ولصار إبصاره مانعاً عن إبصار ما وراءه، فحيث لم يكن كذلك علمنا أنه لم يقبل اللون والنور في ذاته وجوهره، وما كان كذلك امتنع أن ينعكس النور منه إلى غيره، فامتنع أن يصير ضوءه سبباً لضوء هواء آخر مقابل له.

فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: إنه حصل في الأفق أجزاء كثيفة من الأبخرة والأدخنة؟

وهي لكثافتها تقبل النور عن قرص الشمس.

ثم إن بحصول الضوء فيها يصير سبباً لحصول الضوء في الهواء المقابل لها، فنقول: لو كان السبب ما ذكرتم لكان كلما كانت الأبخرة والأدخنة في الأفق أكثر، وجب أن يكون ضوء الصباح أقوى لكنه ليس الأمر كذلك، بل على العكس منه فبطل هذا العذر.

الوجه الثاني: في إبطال هذا الكلام الذي ذكره ابن الهيثم أن الدائرة التي هي دائرة الأفق لنا، فهي بعينها دائرة نصف النهار لقوم آخرين، فإذا كان كذلك، فالدائرة التي هي نصف النهار في بلدنا، وجب كونها دائرة الأفق لأولئك الأقوام.

إذا ثبت هذا فنقول: إذا وصل مركز الشمس إلى دائرة نصف الليل وتجاوز عنها، فالشمس قد طلعت على أولئك الأقوام، واستنار نصف العام هناك، والربع من الفلك الذي هو ربع شرقي لأهل بلدنا فهو بعينه ربع غربي بالنسبة إلى تلك البلدة وإذا كان كذلك فالشمس إذا تجاوز مركزها عن دائرة نصف الليل قد صار جرمها محاذياً لهواء الربع الشرقي لأهل بلدنا.

فلو كان الهواء يقبل كيفية النور من الشمس لوجب أن يحصل الضوء والنور في هواء الربع الشرقي من بلدنا بعد نصف الليل.

وأن يصير هواء الربع الشرقي في غاية الإضاءة والإنارة بعد نصف الليل، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الهواء لا يقبل كيفية النور في ذاته.

وإذا بطل هذا بطل العذر الذي ذكره ابن الهيثم فقد ذكرنا برهانين دقيقين عقليين محضين على أن خالق الضوء والظلمة هو الله تعالى لا قرص الشمس، والله أعلم.

والوجه الثالث: هب أن النور الحاصل في العالم إنما كان بتأثير الشمس.

إلا أنا نقول: الأجسام متماثلة في تمام الماهية ومتى كان الأمر كذلك كان حصول هذه الخاصية لقرص الشمس يجب أن يكون بتخليق الفاعل المختار.

أما بيان المقام الأول: فهو أن الأجسام متماثلة في كونها أجساماً ومتحيزة.

فلو حصل الاختلاف بينها لكان ذلك الاختلاف واقعاً في مفهوم مغاير لمفهوم الجسمية ضرورة أن ما به المشاركة مغاير لما به المخالفة فنقول: ذلك الأمر إما أن يكون محلاً للجسمية أو حالاً فيها أو لا محلاً لها ولا حالاً فيها.

والأول: باطل لأنه يقتضي كون الجسم صفة قائمة بذات أخرى وذلك محال لأن ذلك المحل إن كان متحيزاً ومختصاً بحيز كان محل الجسم غير الجسم وهو محال، وإن لم يكن كذلك كان الحاصل في الحيز حالاً في محل لا تعلق له بشيء من الأحياز والجهات، وذلك مدفوع في بديهة العقل.

والثاني: أيضاً باطل لأن على هذا التقدير: الذوات هي الأجسام وما به قد حصلت المخالفة هو الصفات وكل ما يصح على الشيء صح على مثله فلما كانت الذوات متماثلة في تمام الماهية وجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر وهو المطلوب.

والثالث: وهو القول بأن ما به حصلت المخالفة ليس محلاً للجسم ولا حالاً فيه، وفساد هذا القسم ظاهر.

فثبت بهذا البرهان أن الأجسام متماثلة.

وإذا ثبت هذا فنقول: كل ما يصح على أحد المثلين فإنه يصح أيضاً على المثل الثاني.

وإذا استوت الأجسام بأسرها في قبول جميع الصفات على البدل كان اختصاص جسم الشمس لهذه الإضاءة وهذه الإنارة لابد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار.

وإذا ثبت هذا كان فالق الإصباح في الحقيقة هو الله تعالى، وذلك هو المطلوب، والله أعلم.

الوجه الرابع: في تقرير هذا المطلوب أن الظلمة شبيهة بالعدم.

بل البرهان القاطع قد دل على أنه مفهوم عدمي والنور محض الوجود.

فإذا أظلم الليل حصل الخوف والفزع في قلب الكل فاستولى النوم عليهم وصاروا كالأموات وسكنت المتحركات وتعطلت التأثيرات ورفعت التفعيلات فإذا وصل نور الصباح إلى هذا العالم فكأنه نفخ في الصور مادة الحياة وقوة الإدراك فضعف النوم وابتدأت اليقظة بالظهور.

وكلما كان نور الصباح أقوى وأكمل كان ظهور قوة الحس والحركة في الحيوانات أكمل.

ومعلوم أن أعظم نعم الله على الخلق هو قوة الحياة والحس والحركة ولما كان النور هو السبب الأصلي لحصول هذه الأحوال كان تأثير قدرة الله تعالى في تخليق النور من أعظم أقسام النعم وأجل أنواع الفضل والكرم.

إذا عرفت هذا فكونه سبحانه فالقاً للأصباح في كونه دليلاً على كمال قدرة الله تعالى أجل أقسام الدلائل، وفي كونه فضلاً ورحمة وإحساناً من الله تعالى على الخلق أجل الأقسام وأشرف الأنواع فهذا ما حضرنا في تقرير دلالة قوله تعالى: ﴿ فَالِقُ الإصباح ﴾ على وجود الصانع القادر المختار الحكم.

والله أعلم.

ولنختم هذه الدلائل بخاتمة شريفة فنقول: إنه تعالى فالق ظلمة العدم بصباح التكوين والإيجاد وفالق ظلمة الجمادية بصباح الحياة والعقل والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح العقل والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صبحة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات.

المسألة الثالثة: في تفسير ﴿ الإصباح ﴾ وجوه: الأول: قال الليث: الصبح والصباح هما أول النهار وهو الإصباح أيضاً.

قال تعالى: ﴿ فَالِقُ الإصباح ﴾ يعني الصبح.

قال الشاعر: أفنى رياحاً وبنى رياح *** تناسخ الإمساء والإصباح والقول الثاني: أن ﴿ الإصباح ﴾ مصدر سمي به الصبح.

فإن قيل: ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح وليس الأمر كذلك فإن الحق أنه تعالى فلق الظلمة بالصبح فكيف الوجه فيه؟

فنقول فيه وجوه: الأول: أن يكون المراد فالق ظلمة الإصباح، وذلك لأن الأفق من الجانب الشمالي والغربي والجنوبي مملوء من الظلمة والنور.

وإنما ظهر في الجانب الشرقي فكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة.

ثم إنه تعالى شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولاً من النور فيه، والحاصل أن المراد فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح ولما كان المراد معلوماً حسن الحذف.

والثاني: أنه تعالى كما يشق بحر الظلمة عن نور الصبح فكذلك يشق نور الصبح عن بياض النهار فقوله: ﴿ فَالِقُ الإصباح ﴾ أي فالق الإصباح ببياض النهار.

والثالث: أن ظهور النور في الصباح أنما كان لأجل أن الله تعالى فلق تلك الظلمة فقوله: ﴿ فَالِقُ الإصباح ﴾ أي مظهر الإصباح إلا أنه لما كان المقتضى لذلك الإظهار هو ذلك الفلق لا جرم ذكر اسم السبب والمراد منه المسبب.

الرابع: قال بعضهم: الفالق هو الخالق فكان المعنى خالق الإصباح وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وجعل الليل سكناً ﴾ فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أنواع من الدلائل الفلكية على التوحيد.

فأولها: ظهور الصباح وقد فسرناه بمقدار الفهم.

وثانيها: قوله: ﴿ وجعل الليل سكناً ﴾ وفيه مباحث: المبحث الأول: قال صاحب الكشاف: السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه استئناساً به واسترواحاً إليه من زوج أو حبيب، ومنه قيل: للنار سكن لأنه يستأنس بها ألا تراهم سموها المؤنسة.

ثم إن الليل يطمئن إليه الإنسان لأنه أتعب نفسه بالنهار واحتاج إلى زمان يستريح فيه وذلك هو الليل.

فإن قيل: أليس أن الخلق يبقون في الجنة في أهنأ عيش، وألذ زمان مع أنه ليس هناك ليل؟

فعلمنا أن وجود الليل والنهار ليس من ضروريات اللذة والخير في الحياة قلنا: كلامنا في أن الليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، أما في الدار الآخرة فهذه العادات غير باقية فيه فظهر الفرق.

المبحث الثاني: قرأ عاصم والكسائي ﴿ وَجَعَلَ اليل ﴾ على صيغة الفعل، والباقون جاعل على صيغة اسم الفاعل حجة من قرأ باسم الفاعل أن المذكور قبله اسم الفاعل، وهو قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ  فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ  ﴾ وجاعل أيضاً اسم الفاعل.

ويجب كون المعطوف مشاركاً للمعطوف عليه، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله: ﴿ والشمس والقمر ﴾ منصوبان ولا بد لهذا النصب من عامل، وما ذاك إلا أن يقدر قوله: ﴿ وَجَعَلَ ﴾ بمعنى وجاعل الشمس والقمر حسباناً وذلك يفيد المطلوب.

وأما قوله تعالى: ﴿ والشمس والقمر حُسْبَاناً ﴾ ففيه مباحث: المبحث الأول: معناه أنه قدر حركة الشمس والقمر بحساب معين كما ذكره في سورة يونس في قوله: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب  ﴾ وقال في سورة الرحمن: ﴿ الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ  ﴾ وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى قدر حركة الشمس مخصوصة بمقدار من السرعة والبطء بحيث تتم الدورة في سنة، وقدر حركة القمر بحيث يتم الدورة في شهر، وبهذه المقادير تنتظم مصالح العالم في الفصول الأربعة، وبسببها يحصل ما يحتاج إليه من نضج الثمار، وحصول الغلات، ولو قدرنا كونها أسرع أو أبطأ مما وقع، لاختلت هذه المصالح فهذا هو المراد من قوله: ﴿ والشمس والقمر حُسْبَاناً ﴾ .

المبحث الثاني: في الحسبان قولان: الأول: وهو قول أبي الهيثم أنه جمع حساب مثل ركاب وركبان وشهاب وشهبان.

والثاني: أن الحسبان مصدر كالرجحان والنقصان.

وقال صاحب الكشاف: الحسبان بالضم مصدر حسب، كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب، ونظيره الكفران والغفران والشكران.

إذا عرفت هذا فنقول: معنى جعل الشمس والقمر حسباناً جعلهما على حساب.

لأن حساب الأوقات لا يعلم إلا بدورهما وسيرهما.

المبحث الثالث: قال صاحب الكشاف: ﴿ والشمس والقمر ﴾ قرئا بالحركات الثلاث، فالنصب على إضمار فعل دل عليه قوله: ﴿ جَاعِلِ اليل ﴾ أي وجعل الشمس والقمر حسباناً، والجر عطف على لفظ الليل، والرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره، والشمس والقمر مجعولان حسباناً: أي محسوبان.

ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم ﴾ والعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه، ومعناه أن تقدير إجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيئاتها المحدودة، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في البطء والسرعة لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات، وذلك تصريح بأن حصول هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الإصباح ﴾ مصدر سمي به الصبح.

وقرأ الحسن بفتح الهمزة جمع صبح، وأنشد قوله: أفْنَى رَبَاحاً وَبَنِي رَبَاح ** تنَاسُخُ الإمْسَاءِ وَالإصْبَاح بالكسر والفتح مصدرين، وجمع مساء وصبح.

فإن قلت: فما معنى فلق الصبح، والظلمة هي التي تنفلق عن الصبح.

كما قال: تَرَدَّتْ بِهِ ثُمَّ انْفَرَي عَنْ أدِيمِهَا ** تَفَرَّى لَيْلٍ عَنْ بَيَاضِ نَهَارٍ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد فالق ظلمة الإصباح، وهي الغبش في آخر الليل، ومنقضاه الذي يلي الصبح.

والثاني: أن يراد فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر عن بياض النهار وإسفاره.

وقالوا: انشق عمود الفجر.

وانصدع الفجر.

وسموا الفجر فلقاً بمعنى مفلوق.

وقال الطائي: وَأزْرَقُ الْفَجْرِ يَبْدُو قَبْلَ أبَيْضِهِ ** وَأَوَّلُ الْغَيْثِ قَطْرٌ ثُمَّ يَنْسَكِبُ وقرئ: ﴿ فالق الإصباح، وجاعل الليل سكناً ﴾ بالنصب على المدح.

وقرأ النخعي: ﴿ فلق الإصباح وجعل الليل ﴾ السكن: ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناساً به واسترواحاً إليه، من زوج أو حبيب.

ومنه قيل للنار: سكن؛ لأنه يستأنس بها.

ألا تراهم سموها المؤنسة، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه، ويجوز أن يراد: وجعل الليل مسكوناً فيه من قوله: ﴿ لتسكنوا فيه ﴾ ﴿ والشمس والقمر ﴾ قرئاً بالحركات الثلاث، فالنصب على إضمار فعل دلّ عليه جاعل الليل، أي وجعل الشمس والقمر حسباناً.

أو يعطفان على محل الليل.

فإن قلت كيف يكون لليل محل والإضافة حقيقية، لأنّ اسم الفاعل المضاف إليه في معنى المضيّ، ولا تقول: زيد ضارب عمراً أمس؟

قلت: ما هو في معنى المضيّ، وإنما هو دال على جعل مستمرّ في الأزمنة المختلفة، وكذلك فالق الحب، وفالق الإصباح، كما تقول: الله قادر عالم، فلا تقصد زماناً دون زمان، والجر عطف على لفظ الليل، والرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: والشمس والقمر مجعولان حسباناً، أو محسوبان حسباناً.

ومعنى جعل الشمس والقمر حسباناً: جعلهما على حسبان، لأنّ حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما.

والحسبان- بالضم-: مصدر حسب، كما أنّ الحسبان- بالكسر- مصدر حسب.

ونظيره الكفران والشكران ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى جعلهما حسباناً، أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم ﴿ تَقْدِيرُ العزيز ﴾ الذي قهرهما وسخرهما ﴿ العليم ﴾ بتدبيرهما وتدويرهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فالِقُ الإصْباحِ ﴾ شاقُّ عَمُودِ الصُّبْحِ عَنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ أوْ عَنْ بَياضِ النَّهارِ، أوْ شاقُّ ظُلْمَةِ الإصْباحِ وهو الغَبْشُ الَّذِي يَلِيهِ والإصْباحُ في الأصْلِ مَصْدَرُ أصْبَحَ إذا دَخَلَ في الصَّباحِ سُمِّيَ بِهِ الصُّبْحُ.

وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى الجَمْعِ وقُرِئَ «فالِقٌ الإصْباحَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ.

﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ يَسْكُنُ إلَيْهِ التَّعِبُ بِالنَّهارِ لِاسْتِراحَتِهِ فِيهِ مِن سَكَنَ إلَيْهِ إذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ اسْتِئْناسًا بِهِ، أوْ يَسْكُنُ فِيهِ الخَلْقُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ ونَصْبُهُ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جاعِلُ لا بِهِ، فَإنَّ في مَعْنى الماضِيَ.

ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ وجَعَلَ اللَّيْلَ حَمْلًا عَلى مَعْنى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنَّ فالِقَ بِمَعْنى فَلَقَ ولِذَلِكَ قُرِئَ بِهِ، أوْ بِهِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ جُعِلَ مُسْتَمِرًّا في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ اللَّيْلِ ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَتُهُما بِالجَرِّ والأحْسَنُ نَصْبُهُما بِجُعِلَ مُقَدَّرًا.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مَجْعُولانِ.

﴿ حُسْبانًا ﴾ أيْ عَلى أدْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ يُحْسَبُ بِهِما الأوْقاتِ ويُكَوِّنانِ عِلْمَيِ الحُسْبانِ، وهو مَصْدَرُ حَسَبَ بِالفَتْحِ كَما أنَّ الحِسْبانَ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ.

وقِيلَ جَمْعُ حِسابٍ كَشِهابٍ وشُهْبانٍ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى جَعْلِهِما حُسْبانًا أيْ ذَلِكَ التَّسْيِيرُ بِالحِسابِ المَعْلُومِ.

﴿ تَقْدِيرُ العَزِيزِ ﴾ الَّذِي قَهَرَهُما وسَيَّرَهُما عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ.

﴿ العَلِيمِ ﴾ بِتَدْبِيرِهِما والأنْفَعِ مِنَ التَّداوِيرِ المُمْكِنَةِ لَهُما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)

{فَالِقُ الإصباح} هو مصدر سمي به الصبح أى شاق عمودا صبح

عن سواد الليل أو خالق نورالنهار {وجعل الليل} وجعل الليل كوفي لأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى المضي فلما كان فالق بمعنى فلق عطف عليه جَعَلَ لتوافقهما معنى {سَكَناً} مسكوناً فيه من قوله لتسكنوا فيه أي ليسكن فيه الخلق عن كد المعيشة إلى نوم الغفلة أو عن وحشة الخلق إلى الأنس بالحق {والشمس والقمر} انتصبا بإضمار فعل يدل عليه جاعل الليل أي وجعل الشمس والقمر {حُسْبَاناً} أي جعلهما على حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما والحسبان بالضم مصدر حسب كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب {ذلك} إشارة إلى جعلهما حسباناً أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم {تَقْدِيرُ العزيز} الذي قهرهما وسخرهما {العليم} بتدبيرهما وتدويرهما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فالِقُ الإصْباحِ ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو فالِقٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِـ (أنَّ) .

و(الإصْباحِ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الصُّبْحُ.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ألّا أيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحٍ وما الإصْباحُ مِنكَ بِأمْثَلِ وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ صُبْحٍ كَقُفْلٍ وأقْفالٍ؛ وأنْشَدَ قَوْلَهُ: أفْنى رِياحًا وبَنِي رِياحِ ∗∗∗ تَناسُخُ الأمْساءِ والأصْباحِ بِالكَسْرِ والفَتْحِ مَصْدَرَيْنِ وجَمْعَيْ مَسْيٍ وصُبْحٍ.

والفالِقُ: الخالِقُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ والضَّحّاكِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الشّاقُّ.

واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الظُّلْمَةَ هي الَّتِي تَفْلِقُ عَنِ الصُّبْحِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الصُّبْحَ صُبْحانِ صادِقٌ وهو المُنْتَشِرُ ضَوْؤُهُ مُعْتَرِضًا بِالأُفُقِ، وكاذِبٌ وهو ما يَبْدُو مُسْتَطِيلًا وأعْلاهُ أضْوَأُ مِن باقِيهِ وتَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ.

وعَلى الأوَّلِ يُرادُ فَلْقُهُ عَنْ بَياضِ النَّهارِ، أوْ يُقالُ: في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ فالِقُ ظُلْمَةِ الإصْباحِ بِالإصْباحِ.

وذَلِكَ لِأنَّ الأُفُقَ مِنَ الجانِبِ الغَرْبِيِّ والجَنُوبِيِّ مَمْلُوءٌ مِنَ الظُّلْمَةِ، والنُّورُ إنَّما ظَهَرَ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ فَكَأنَّ الأُفُقَ كانَ بَحْرًا مَمْلُوءًا مِنَ الظُّلْمَةِ فَشَقَّ سُبْحانَهُ ذَلِكَ البَحْرَ المُظْلِمَ بِأنْ أجْرى جَدْوَلًا مِنَ النُّورِ فِيهِ.

وعَلى الثّانِي فَإيرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فالِقُهُ عَنْ ظُلْمَةِ آخِرِ اللَّيْلِ وشاقُّهُ مِنهُ.

وما ذُكِرَ مِن تَقْسِيمِ الصُّبْحِ عَنْ صادِقٍ وكاذِبٍ مِمّا يَشْهَدُ لَهُ العِيانُ ولا يَمْتَرِي فِيهِ اثْنانِ إلّا أنَّ في سَبَبِ ذَلِكَ كَلامًا لِأهْلِ الهَيْئَةِ حاصِلُهُ أنَّ الصُّبْحَ وكَذا الشَّفَقَ اسْتِنارَةٌ في كُرَةِ البُخارِ لِتَقارُبِ الشَّمْسِ مِن أفُقِ المَشْرِقِ وتَباعُدِها عَنْ أُفُقِ المَغْرِبِ وقَدْ تَحَقَّقَ أنَّ كُرَةَ البُخارِ عِبارَةٌ عَنْ هَواءٍ مُتَكاثِفٍ بِما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ الأرْضِيَّةِ والمائِيَّةِ المُتَصاعِدَةِ مِن كُرَتَيْهِما بِتَسْخِينِ الشَّمْسِ وغَيْرِها إيّاها، وأنَّ شَكْلَ ذَلِكَ الهَواءِ شَكْلُ كُرَةٍ مُحِيطَةٍ بِالأرْضِ عَلى مَرْكَزِها وسَطْحٍ مُوازٍ لِسَطْحِها المُتَساوِي غايَةَ ارْتِفاعِها عَنْ مَرْكَزِ الأرْضِ في جَمِيعِ النَّواحِي المُسْتَلْزِمِ لِكُرَوِيَّتِها وأنَّها مُخْتَلِفَةُ القَوامِ لِأنَّ ما كانَ مِنها أقْرَبَ إلى الأرْضِ فَهو أكْثَفُ مِمّا بَعُدَ لِأنَّ الألْطَفَ يَتَصاعَدُ ويَتَباعَدُ أكْثَرَ مِنَ الأكْثَفِ، ولَكِنْ لا يُبْلُغُ التَّكاثُفُ إلى حَيْثُ يَحْجُبُ ما وراءَهُ.

وأنَّ هَذِهِ الكُرَةَ تَنْتَهِي إلى حَدٍّ لا تَتَجاوَزُهُ وهو مِن سَطْحِ الأرْضِ أحَدٌ وخَمْسُونَ مِيلًا تَقْرِيبًا، وأنَّ لِلْأرْضِ ظِلًّا عَلى هَيْئَةِ مَخْرُوطٍ قاعِدَتُهُ دائِرَةٌ عَلَيْها تَكادُ تَكُونُ عَظِيمَةً، وهي مُواجِهَةٌ لِلشَّمْسِ ورَأْسُهُ في مُقابِلِها، وتَنْقَسِمُ الأرْضُ بِهَذِهِ القاعِدَةِ إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما أكْبَرُ مُسْتَضِيءٍ مُواجِهٍ لِلشَّمْسِ، والآخِرُ مُظْلِمٌ مُقابِلٌ لَها.

ويَتَحَرَّكُ الضِّياءُ والظُّلْمَةُ عَلى سَطْحِ الأرْضِ في يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ دَوْرَةً واحِدَةً كَعَلَمَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ أحَدُهُما أبْيَضُ والآخَرُ أسْوَدُ.

وأنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ مُحِيطٌ بِمَخْرُوطِ الظِّلِّ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ ومُنْبَثٌّ في جَمِيعِ الأفْلاكِ سِوى مِقْدارٍ يَسِيرٍ مِن فَلَكِ القَمَرِ وفَلَكِ عُطارِدٍ وقَعَ في مَخْرُوطِ ظِلِّ الأرْضِ؛ لَكِنَّ الأفْلاكَ لِكَوْنِها مُشِعَّةً في الغايَةِ يَنْفُذُ فِيها الشُّعاعُ ولا يَنْعَكِسُ عَنْها فَلِذَلِكَ لا نَراها مُضِيئَةً.

وكَذا الهَواءُ الصّافِي المُحِيطُ بِكُرَةِ البُخارِ لا يَقْبَلُ ضَوْءًا وأمّا كُرَةُ البُخارِ فَهي مُخْتَلِفَةُ القَوامِ لِأنَّ ما قَرُبَ مِنها إلى الأرْضِ أكْثَفُ مِمّا بَعُدَ والأكْثَفُ أقْبَلُ لِلِاسْتِضاءَةِ؛ فالكَثِيفُ الخَشِنُ بِاخْتِلاطِ الهَيْئاتِ الكَثِيرَةِ مِن سَطْحِ مَخْرُوطِ الظِّلِّ قابِلٌ لِلضَّوْءِ، وأنَّ النَّهارَ مُدَّةُ كَوْنِ ذَلِكَ المَخْرُوطِ تَحْتَ الأُفُقِ، واللَّيْلُ مُدَّةُ كَوْنِهِ فَوْقَهُ وحَيْثُ تَحَقَّقَ كُلُّ ذَلِكَ يُقالُ: إذا ازْدادَ قُرْبُ الشَّمْسِ مِن شَرْقَيِ الأُفُقِ ازْدادَ مَيْلُ المَخْرُوطِ إلى غَرْبَيْهِ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يُرى الشُّعاعُ المُحِيطُ بِهِ، وأوَّلُ ما يُرى هو الأقْرَبُ إلى مَوْضِعِ النّاظِرِ وهو خَطٌّ يَخْرُجُ مِن بَصَرِهِ في سَطْحِ دائِرَةٍ سَمْتِيَّةٍ تَمُرُّ بِمَرْكَزِ الشَّمْسِ عَمُودًا عَلى الخَطِّ المُماسِّ لِلشَّمْسِ والأرْضِ، وهو الَّذِي في سَطْحِ الفَصْلِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الشُّعاعِ والظِّلِّ فَيُرى الضَّوْءُ أوَّلًا مُرْتَفِعًا عَنِ الأُفُقِ عِنْدَ مَوْقِعِ العَمُودِ مُسْتَطِيلًا كَخَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وما بَيْنَهُ وبَيْنَ الأُفُقِ يُرى مُظْلِمًا لِبُعْدِهِ وإنْ كانَ مُسْتَنِيرًا في الواقِعِ ولِكَثافَةِ الهَواءِ عِنْدَ الأُفُقِ مُدْخَلٌ في ذَلِكَ وهو الصُّبْحُ الكاذِبُ، ثُمَّ إذا قَرُبَتْ مِنَ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ رُؤِيَ الضَّوْءُ مُعْتَرِضًا مُنْبَسِطًا يَزْدادُ لَحْظَةً فَلَحْظَةً ويَنْمَحِي الأوَّلُ بِهَذا الضِّياءِ القَوِيِّ كَما يَنْمَحِي ضِياءُ المَشاعِلِ والكَواكِبِ في ضَوْءِ الشَّمْسِ فَيُخَيَّلُ أنَّ الأوَّلَ قَدْ عُدِمَ وهو الصُّبْحُ الصّادِقُ وتَوْضِيحُ ما ذُكِرَ عَلى ما في التَّذْكِرَةِ وشَرْحِ سَيِّدِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ يُتَوَهَّمُ لِبَيانِ ذَلِكَ سَطْحٌ يَمُرُّ بِمَرْكَزِ الشَّمْسِ والأرْضِ وبِسَهْمِ المَخْرُوطِ ومَرْكَزِ قاعِدَتِهِ فَيُحْدِثُ مُثَلَّثَ حادِّ الزَّوايا قاعِدَتُهُ عَلى الأُفُقِ وضِلْعاهُ عَلى سَطْحِ المَخْرُوطِ أمّا حُدُوثُ المُثَلَّثِ فَلِما تَقَرَّرَ أنَّهُ إذا مَرَّ سَطْحٌ مُسْتَوٍ بِسَهْمِ المَخْرُوطِ ومَرْكَزِ قاعِدَتِهِ أحْدَثَ فِيهِ مُثَلَّثًا وأمّا حِدَّةُ الزَّوايا فَلِأنَّ رَأْسَ المَخْرُوطِ في نِصْفِ اللَّيْلِ يَكُونُ عَلى دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ فَوْقَ الأرْضِ وحِينَئِذٍ إمّا يَكُونُ المَخْرُوطُ قائِمًا عَلى سَطْحِ الأُفُقِ وذَلِكَ إذا كانَتِ الشَّمْسُ عَلى سَمْتِ القَدَمِ أوْ مائِلًا إلى الشَّمالِ أوِ الجَنُوبِ مَعَ تَساوِي بُعْدِهِ مِن جِهَةِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وذَلِكَ إذا لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ عَلى سَمْتِ القَدَمِ وأيًّا ما كانَ فَذَلِكَ السَّطْحُ المَفْرُوضُ مُمْتَدٌّ فِيما بَيْنُ الخافِقَيْنِ إمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَظاهِرٌ وإمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَلِتَساوِي بُعْدِ رَأْسِ المَخْرُوطِ عَنْ جانِبَيِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَيَكُونُ زاوِيَتا قاعِدَةِ المُثَلَّثِ حادَّتَيْنِ لِوُجُوبِ تَساوِيهُما وامْتِناعِ وُقُوعِ قائِمَتَيْنِ أوْ مُنْفَرِجَتَيْنِ في مُثَلَّثٍ، وإذا مالَ رَأْسُ المَخْرُوطِ عَنْ نِصْفِ النَّهارِ المَغْرِبِ فَوْقَ الأرْضِ بِسَبَبِ انْتِقالِ الشَّمْسِ عَنْهُ إلى الجانِبِ المَشْرِقِ تَحْتَ الأرْضِ تَضايَقَتِ الزّاوِيَةُ الشَّرْقِيَّةُ مِن ذَلِكَ المُثَلَّثِ فَتَصِيرُ أحَدٌ مِمّا كانَتْ واتَّسَعَتِ الزّاوِيَةُ الغَرْبِيَّةُ حَتّى تَصِيرَ مُنْفَرِجَةً لَكِنَّ المَقْصُودَ لا يَخْتَلِفُ ولا شَكَّ أنَّ الأقْرَبَ مِنَ الضِّلَعِ الَّذِي يَلِي الشَّمْسَ إلى النّاظِرِ يَكُونُ مَوْقِعَ العَمُودِ الخارِجِ مِنَ النَّظَرِ الواقِعِ عَلى ذَلِكَ الضِّلَعِ لا مَوْضِعَ اتِّصالِ الضِّلَعِ بِالأُفُقِ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا خَرَجَ مِنَ البَصَرِ إلى الضِّلَعِ الشَّرْقِيِّ عَمُودٌ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى مَوْضِعِ اتِّصالِ هَذا الضِّلَعِ بِالأُفُقِ وإلّا انْطَبَقَتِ القائِمَةُ عَلى بَعْضِ الحادَّةِ ولا أنْ يَقَعَ تَحْتَ الأُفُقِ بِأنْ يَقْطَعَ العَمُودُ قاعِدَةَ المُثَلَّثِ ويَصِلَ إلى الضِّلَعِ المَذْكُورِ بَعْدَ إخْراجِهِ تَحْتَهُ وإلّا لَزِمَ في المُثَلَّثِ الحادِثِ تَحْتَ الأُفُقِ مِنَ القَدْرِ المُخْرَجِ مِن بَعْضٍ وبَعْضِ العَمُودِ القائِمَةِ ومُنْفَرِجَةً ولا أنْ يَقَعَ في جِهَةِ رَأْسِ المُثَلَّثِ عَلى مَوْضِعِ اتِّصالِ أحَدِ ضِلْعَيْهِ بِالآخَرِ ولا خارِجًا عَنْهُ في تِلْكَ الجِهَةِ لِما ذَكَرْنا بِعَيْنِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَقَعَ داخِلَ المُثَلَّثِ فِيما بَيْنَ طَرَفَيِ الضِّلْعِ الشَّرْقِيِّ، وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ مَوْضِعَهُ أقْرَبُ إلى النّاظِرِ مِن مَوْضِعِ اتِّصالِهِ بِالأُفُقِ، ولا شَكَّ في أنَّ ما وقَعَ مِن هَذا الضِّلَعِ فِيما كُثِّفَ مِن كُرَةِ البُخارِ يَكُونُ مُسْتَنِيرًا بِتَمامِهِ حالَ قُرْبِ الشَّمْسِ مِن أُفُقِ المَشْرِقِ إلّا أنَّ ما كانَ أقْرَبُ مِنهُ إلى النّاظِرِ يَكُونُ أصْدَقَ رُؤْيَةً وهو مَوْقِعُ العَمُودِ ومِن هُنا يَتَحَقَّقُ الصّادِقُ والكاذِبُ انْتَهى كَلامُهُمْ والإمامُ الرّازِّيُّ أنْكَرَ كَوْنَ الصُّبْحِ الكاذِبِ مِن أثَرِ قُرْصِ الشَّمْسِ، وإنَّما هو بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً قالَ لِأنَّ مَرْكَزَ الشَّمْسِ إذا وصَلَ إلى دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ فالمَوْضِعُ الَّذِي يَكُونُ فَلَكُ الدّائِرَةِ أُفُقًا لَهم قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِن مَشْرِقِهِمْ وفي ذَلِكَ المَوْضِعِ أضاءَ نِصْفَ كُرَةِ الأرْضِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ حَصَلَ الضَّوْءُ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِن بَلَدِنا وذَلِكَ الضَّوْءُ يَكُونُ مُنْتَشِرًا مُسْتَطِيرًا في جَمِيعِ أجْزاءِ الجَوِّ ويَجِبُ أنْ يَزْدادَ لَحْظَةً فَلَحْظَةً وحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الصُّبْحُ الأوَّلُ خَطًّا مُسْتَطِيلًا فَحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مِن تَأْثِيرِ قُرْصِ الشَّمْسِ ولا مِن جِنْسِ نُورِهِ ويُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أيْضًا أنَّ الصُّبْحَ الثّانِيَ كالصُّبْحِ الأوَّلِ لَيْسَ إلّا بِتَخْلِيقِ الفاعِلِ المُخْتارِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مِن تَأْثِيرِ قُرْصِ الشَّمْسِ وبَيْنَ ذَلِكَ أنَّ مِنَ المُقَدِّماتِ المُتَّفَقِ عَلَيْها أنَّ المُضِيءَ شَمْسًا كانَ أوْ غَيْرَهُ لا يَقَعُ ضَوْؤُهُ إلّا عَلى الجِرْمِ المُقابِلِ لَهُ دُونَ غَيْرِ المُقابِلِ، والشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِ الصُّبْحِ غَيْرُ مُرْتَفِعَةٍ مِنَ الأُفُقِ فَلا يَكُونُ جِرْمُ الشَّمْسِ مُقابِلًا لِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ وجْهِ الأرْضِ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ ضَوْءِ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ضَوْءُ الصُّبْحِ مِن تَأْثِيرِ قَرْصِ الشَّمْسِ ثُمَّ قالَ فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ الشَّمْسُ حِينَ كَوْنِها تَحْتَ الأرْضِ تُوجِبُ إضاءَةَ ذَلِكَ الهَواءِ المُقابِلِ لَها وذَلِكَ الهَواءُ مُقابِلٌ لِلْهَواءِ الواقِفِ فَوْقَ الأرْضِ فَيَصِيرُ ضَوْءُ الهَواءِ الواقِفِ تَحْتَ الأرْضِ سَبَبًا لِضَوْءِ الهَواءِ الواقِفِ فَوْقَ الأرْضِ ثُمَّ لا يَزالُ يَسْرِي ذَلِكَ الضَّوْءُ مِن هَواءٍ آخَرَ مُلاصِقٍ لَهُ حَتّى يَصِلَ الهَواءُ المُحِيطُ بِنا وعَلى هَذا عَوَّلَ أبُو عَلِيِّ بْنُ الهَيْثَمِ في المَناظِرِ فالجَوابُ: أنَّ هَذا باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلِ أنَّ الهَواءَ شَفّافٌ عَدِيمُ اللَّوْنِ فَلا يَقْبَلُ النُّورَ واللَّوْنَ في ذاتِهِ وما كانَ كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أنْ يَنْعَكِسَ مِنهُ النُّورُ إلى غَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَصِيرَ ضَوْؤُهُ سَبَبًا لِضَوْءِ هَواءٍ آخَرَ مُقابِلٍ لَهُ فَإنْ قالُوا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ حَصَلَ في الأُفُقِ أجْزاءٌ كَثِيفَةٌ مِنَ الأبْخِرَةِ والأدْخِنَةِ وهي لِكَثافَتِها تَقْبَلُ النُّورَ عَنْ قُرْصِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَفِيضُ عَلى الهَواءِ المُقابِلِ لَهُ فَنَقُولُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ كُلَّما كانَتِ الأبْخِرَةُ والأدْخِنَةُ في الأُفُقِ أكْثَرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ ضَوْءُ الصَّباحِ أقْوى ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ بِالعَكْسِ، والثّانِي أنَّ الدّائِرَةَ الَّتِي هي دائِرَةُ الأُفُقِ لَنا بِعَيْنِها دائِرَةُ نِصْفِ النَّهارِ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالدّائِرَةُ الَّتِي هي نِصْفُ النَّهارِ في بَلَدِنا وجَبَ كَوْنُها دائِرَةَ الأُفُقِ لِأُولَئِكَ الأقْوامِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ إذًا وصَلَ مَرْكَزُ الشَّمْسِ إلى دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ وتَجاوُزَ عَنْها فالشَّمْسُ قَدْ طَلَعَتْ عَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ واسْتَنارَ نِصْفُ العالَمِ هُناكَ والرُّبْعُ مِنَ الفَلَكِ الَّذِي هو رُبْعٌ شَرْقِيٌّ لِأهْلِ بَلَدِنا فَهو رُبْعٌ غَرْبِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ البَلْدَةِ وإذا كانَ كَذَلِكَ فالشَّمْسُ إذا تَجاوَزَ مَرْكَزُها عَنْ دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ قَدْ صارَ جِرْمُها مُحازِيًا لِهَواءِ الرُّبْعِ الَّذِي هو الرُّبْعُ الشَّرْقِيُّ هَلْ بَلَدُنا فَلَوْ كانَ الهَواءُ يَقْبَلُ كَيْفِيَّةَ النُّورِ مِنَ الشَّمْسِ لَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ النُّورُ في هَذا الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِن بَلَدِنا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ وأنَّ يَصِيرَ هَواءُ هَذا الرُّبْعِ في غايَةِ الإنارَةِ حِينَئِذٍ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الهَواءَ لا يَقْبَلُ كَيْفِيَّةَ النُّورِ في ذاتِهِ وإذا بَطَلَ هَذا بَطَلَ العُذْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الهَيْثَمِ انْتَهى المُرادُ مِنهُ، ولا أراهُ أتى بِشَيْءٍ يَتَبَلَّجُ بِهِ صُبْحُ هَذا المَطْلَبِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِما قَدَّمْناهُ، وذَكَرَ أفْضَلُ المُتَأخِّرِينَ العَلّامَةُأحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ أنَّ لِأهْلِ الهَيْئَةِ في تَحْقِيقِ الصُّبْحِ الكاذِبِ كَلامًا طَوِيلًا مَبْنِيًّا عَلى الحَدْسِ المَبْنِيِّ عَلى قاعِدَةِ الحُكَماءِ الباطِلَةِ كَمَنعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى أنَّهُ لا يَفِي بِبَيانِ سَبَبِ كَوْنِ أعْلاهُ أضْواءً مَعَ أنَّهُ أبْعَدُ مِن أسْفَلِهِ عَنْ مُسْتَمِدِّهِ وهو الشَّمْسُ ولا بِبَيانِ سَبَبِ انْعِدامِهِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى تَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ كَما صَرَّحَ بِهِ الأئِمَّةُ وقَدَّرُوها بِساعَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ مُرادَهم مُطْلَقُ الزَّمَنِ لِأنَّها تَطُولُ تارَةً وتَقْصُرُ أُخْرى وهَذا شَأْنُ السّاعاتِ الزَّمانِيَّةِ المُسَمّاةِ بِالمُعْوَجَّةِ، ويُقابِلُونَها بِالسّاعاتِ المُسْتَوِيَةِ المُقَدَّرَةِ كُلٌّ مِنها دائِمًا بِخَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً، وزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ الهَيْئَةِ عَدَمَ انْعِدامِهِ وإنَّما يَتَناقَصُ حَتّى يَنْغَمِرَ في الصّادِقِ وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ذَلِكَ فِيما نَقَلْناهُ لَكَ عَنْهُمْ، ولَعَلَّهُ بِحَسْبِ التَّقْدِيرِ لا الحِسِّ وفي خَبَرِ مُسْلِمٍ: «لا يَغُرَّنَّكم أذانُ بِلالٍ ولا هَذا العارِضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ حَتّى يَسْتَطِيرَ» أيْ يَنْتَشِرُ ذَلِكَ العَمُودُ في نُواحِي الأُفُقِ ويُؤْخَذُ مِن تَسْمِيَتِهِ عارِضًا لِلثّانِي شَيْئانِ أحَدُهُما أنَّهُ يَعْرِضُ لِلشُّعاعِ النّاشِئِ عَنْهُ الصُّبْحُ الثّانِي انْحِباسٌ قُرْبَ ظُهُورِهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنَفُّسُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ الِانْحِباسِ يَتَنَفَّسُ مِنهُ شَيْءٌ مِن شِبْهِ كُوَّةٍ، والمُشاهَدُ في المُنْحَبِسِ إذا خَرَجَ بَعْضُهُ دَفْعَةً أنْ يَكُونَ أوَّلُهُ أكْثَرَ مِن آخِرِهِ وهَذا لِكَوْنِ كَلامِ الصّادِقِ قَدْ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولِإنْبائِهِ عَنْ سَبَبِ طُولِهِ وإضاءَةِ أعْلاهُ واخْتِلافِ زَمَنِهِ وانْعِدامِهِ بِالكُلِّيَّةِ المُوافِقِ لِلْحِسِّ أوْلى مِمّا ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ القاصِرِ عَنْ ذَلِكَ ثانِيهُما أنَّهُ  أشارَ بِالعارِضِ إلى أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ هو الصّادِقُ، وأنَّ الكاذِبَ إنَّما قُصِدَ بِطَرِيقِ العَرَضِيَّةِ لِيُنَبِّهَ النّاسَ لَقَرِبَ ذَلِكَ فَيَنْتَبِهُوا لِيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ أوَّلِ الوَقْتِ لِاشْتِغالِهِمْ بِالنَّوْمِ الَّذِي لَوْلا هَذِهِ العَلّامَةُ لَمَنَعَهم إدْراكُ أوَّلِ الوَقْتِ فالحاصِلُ أنَّهُ نُورٌ يُبْرِزُهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ الشُّعاعِ أوْ يَخْلُقُهُ حِينَئِذٍ عَلامَةً عَلى قُرْبِ الصُّبْحِ ومُخالِفًا لَهُ في الشَّكْلِ لِيَحْصُلَ التَّمَيُّزُ وتَتَّضِحَ العَلامَةُ العارِضَةُ مِنَ المُعَلَّمِ عَلَيْهِ المَقْصُودُ فَتَأمَّلْ ذَلِكَ فَإنَّهُ غَرِيبٌ مُهِمٌّ، وفي حَدِيثٍ عِنْدَ أحْمَدَ لَيْسَ الفَجْرُ الأبْيَضُ المُسْتَطِيلُ في الأُفُقِ ولَكِنَّ الفَجْرَ الأحْمَرَ المُعْتَرِضَ، وفِيهِ شاهِدٌ لِما ذُكِرَ آخِرُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ما أُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ الكُوَّةِ ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ لِلشَّمْسِ ثَلَثَمِائَةِ كُوَّةٍ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن كُوَّةٍ فَلا بِدَعَ أنَّها عِنْدَ قُرْبِها مِن تِلْكَ الكُوَّةِ يَنْحَبِسُ شُعاعُها ثُمَّ يَتَنَفَّسُ كَما مَرَّ، ولِلْقَرافِيِّ المالِكِيِّ وغَيْرِهِ كالأصْبَحِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ فِيهِ كَلامٌ يُوَضِّحُهُ ويُبَيِّنُ صِحَّةَ ما ذُكِرَ مِنَ الكُوّاتِ ويُوافِقُ الِاسْتِشْكالَ لِكَوْنِهِ يَظْهَرُ ثُمَّ يَغِيبُ، وحاصِلُهُ وإنْ كانَ فِيهِ طُولٌ لُمِسَ الحاجَةُ إلَيْهِ أنَّهُ بَياضٌ يَطْلُعُ قَبْلَ الفَجْرِ ثُمَّ يَذْهَبُ عِنْدَ أكْثَرِ الأبْصارِ دُونَ الرّاصِدِ المُجِدِّ القَوِيِّ النَّظَرِ وذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ المالِكِيُّ أنَّهُ مِن نُورِ الشَّمْسِ إذا قَرُبَتْ مِنَ الأُفُقِ فَإذا ظَهَرَتْ أنِسَتْ بِهِ الأبْصارُ فَيُظْهِرُ لَهُ أنَّهُ غابَ ولَيْسَ كَذَلِكَ ونَقَلَ الأصْبَحِيُّ أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّهُ يَذْهَبُ بَعْدَ طُلُوعِهِ ويَعُودُ مَكانَهُ لَيْلًا وهو كَثِيرٌ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وإنَّ أبا جَعْفَرٍ البَصْرِيَّ بَعْدَ أنْ عَرَّفَهُ بِأنَّهُ عِنْدَ بَقاءِ نَحْوِ ساعَتَيْنِ يَطْلُعُ مُسْتَطِيلًا إلى نَحْوِ رُبْعِ السَّماءِ كَأنَّهُ عَمُودٌ ورُبَّما لَمْ يُرَ إذا كانَ الجَوُّ نَقِيًّا شِتاءً وأبْيَنُ ما يَكُونُ إذا كانَ الجَوُّ كَدِرًا صَيْفًا أعْلاهُ دَقِيقٌ وأسْفَلُهُ واسِعٌ؛ ولا يُنافِي هَذا ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ أعْلاهُ أضْوَأُ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أوَّلِ الطُّلُوعِ، وهَذا عِنْدَ مَزِيدِ قُرْبِهِ مِنَ الصّادِقِ وتَحْتَهُ سَوادٌ ثُمَّ بَياضٌ يُغَشِّي ذَلِكَ كُلَّهُ ثُمَّ يَعْتَرِضُ رَدَّهُ بِأنَّهُ رَصَدَهُ نَحْوَ خَمْسِينَ سَنَةً فَلَمْ يَرَهُ غابَ، وإنَّما يَنْحَدِرُ لِيَلْتَقِيَ مَعَ المُعْتَرِضِ في السَّوادِ ويَصِيرانِ فَجْرًا واحِدًا.

وزَعْمُ غَيْبَتِهِ ثُمَّ عَوْدِهِ وهْمٌ أوْ رَآهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الفُصُولِ فَظَنَّهُ يَذْهَبُ، وبَعْضُ المُؤَقِّتِينَ يَقُولُ: هو المَجَرَّةُ إذا كانَ الفَجْرُ بِالسُّعُودِ، ويَلْزَمُهُ أنْ لا يُوجَدَ إلّا نَحْوَ شَهْرَيْنِ في السَّنَةِ، قالَ القَرافِيُّ: وقالَ آخَرُونَ هو شُعاعٌ يَخْرُجُ مِن طِباقٍ بِجَبَلِ قافٍ ثُمَّ أبْطَلَهُ بِأنَّ جَبَلَ قافٍ لا وُجُودَ لَهُ وبَرْهَنَ عَلَيْهِ بِما يَرُدُّهُ ما جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن طُرُقٍ خَرَّجَها الحُفّاظُ وجَماعَةٌ مِنهم مِمَّنِ التَزَمُوا تَخْرِيجَ الصَّحِيحِ، وقَوْلُ الصَّحابِيِّ ذَلِكَ ونَحْوُهُ مِمّا لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ حُكْمُهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ إلى النَّبِيِّ  ، مِنها أنَّ وراءَ أرْضِنا بَحْرًا مُحِيطًا ثُمَّ جَبَلًا يُقالُ لَهُ قافٌ ثُمَّ أرْضًا ثُمَّ بَحْرًا ثُمَّ جَبَلًا وهَكَذا حَتّى عَدَّ سَبْعًا مِن كُلٍّ، وأخْرَجَ بَعْضُ أُولَئِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أنَّهُ جَبَلٌ مِن ذُمُرُّدٍ مُحِيطٌ بِالدُّنْيا عَلَيْهِ كَتِفا السَّماءِ، وعَنْ مُجاهِدٍ مِثْلُهُ، وكَما انْدَفَعَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: لا وُجُودَ لَهُ؛ انْدَفَعَ قَوْلُهُ إثْرَهُ: ولا يَجُوزُ اعْتِقادُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ إنْ أرادَ بِالدَّلِيلِ مُطْلَقَ الإمارَةِ فَهَذا عَلَيْهِ أدِلَّةٌ أوِ الإمارَةَ العَقْلِيَّةَ فَهَذا مِمّا يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ كَما هو جَلِيٌّ، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ القَرافِيِّ عَنْ أهْلِ الهَيْئَةِ أنَّهُ يَظْهَرُ ثُمَّ يَخْفى دائِمًا، ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ وأطالَ في جَوابِهِ بِما لا يَتَّضِحُ إلّا لِمَن أتَقَنَ عِلْمَيِ الهَنْدَسَةِ والمَناظِرِ فَأوْلى مِنهُ أنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ النَّظَرِ لِاخْتِلافِهِ بِاخْتِلافِ الفُصُولِ والكَيْفِيّاتِ العارِضَةِ لِمَحَلِّهِ فَقَدْ يَدُقُّ في بَعْضِ ذَلِكَ حَتّى لا يُرى أصْلًا وحِينَئِذٍ فَهَذا عُذْرُ مَن عَبَّرَ بِأنَّهُ يَغِيبُ ثُمَّ تَعْقُبُهُ ظَلَمَةٌ، وهَذا ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِحُدُوثِ ضَوْءِ الصُّبْحِ بِمُجَرَّدِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لا عَنْ سَبَبٍ عادِيٍّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الإمامِ أهْوَنُ مِنَ القَوْلِ بِأنَّهُ مِن شُعاعٍ يَخْرُجُ مِن طِباقِ جَبَلِ قافٍ.

والقَوْلُ بِخُرُوجِ الشُّعاعِ مِن هَذا الطِّباقِ أهْوَنُ مِنَ القَوْلِ بِخُرُوجِ الشَّمْسِ الَّتِي هي عَلى ما بَيَّنَ في الأجْرامِ مِائَةٌ وسِتَّةٌ وسِتُّونَ مِثْلًا لِلْأرْضِ مَعَ كَسْرٍ تَقَدَّمَ -عَلى ما هو المَشْهُورُ- أوْ ثَلاثُمِائَةٌ وسِتَّةٌ وعِشْرُونَ مِثْلًا لَها عَلى ما قالَهُ غِياثُ الدِّينِ جَمْشِيدُ الكاشِيُّ في رِسالَتِهِ ”سُلَّمُ السَّماءِ“ أوْ ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن كُوَّةٍ مِن جَبَلٍ مُحِيطٍ بِالأرْضِ والخَبَرُ في ذَلِكَ إنْ صَحَّ وقُلْنا: إنَّ لَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ مِمّا يَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ وبابُ التَّأْوِيلِ أوْسَعُ مِن تِلْكَ الكُوَّةِ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ قَدْ قَطَعُوا دائِرَةَ الأرْضِ عَلى مَدارِ السَّرَطانِ مِرارًا ولَمْ يَجِدُوا أثَرًا لِهَذا الجَبَلِ المُحِيطِ الشّامِخِ.

وإثْباتُ سَبْعَةِ جِبالٍ وسَبْعَةِ أبْحُرٍ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ مِمّا لا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا.

وكَوْنُ اللَّهِ تَعالى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ إلّا مُلْحِدٌ لَكِنَّ الكَلامَ في وُقُوعِ ما ذُكِرَ في الخارِجِ والَّذِي تَمِيلُ إلَيْهِ قُلُوبُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ في أمْرِ الصُّبْحِ ما ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ وقَدْ بَيَّنَ أرِسْطُوخَسُ في الشَّكْلِ الثّانِي مِن كِتابِهِ في جِرْمِ النَّيِّرَيْنِ أنَّ الكُرَةَ إذا اقْتَبَسَتِ الضَّوْءَ مِن كُرَةٍ أعْظَمَ مِنها كانَ المُضِيءُ مِنها أعْظُمَ مِن نِصْفِها.

وقَدْ بَيَّنَ أيْضًا في الشَّكْلِ الأوَّلِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ أنَّ كُلَّ كُرَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ أمْكَنَ أنْ يُحِيطَ بِهِما مَخْرُوطٌ مُسْتَدِيرٌ رَأْسُهُ يَلِي أصْغَرَهُما ويَكُونُ المَخْرِطُ مُماسًّا لِكُلٍّ مِنهُما عَلى مُحِيطِ دائِرَةٍ، ولا شَكَّ أنَّهُ مُحِيطٌ بِالشَّمْسِ والأرْضِ مَخْرُوطٌ مُؤَلَّفٌ مِن خُطُوطٍ شُعاعِيَّةٍ رَأْسُهُ يَلِي الأرْضَ فَيَكُونُ هَذا المَخْرُوطُ مُماسًّا لِلْأرْضِ عَلى دائِرَةٍ فاصِلَةٍ بَيْنَ المُضِيءِ والمُظْلِمِ مِنها وهي دائِرَةٌ صَغِيرَةٌ لِأنَّ الجُزْءَ المُضِيءَ مِنَ الأرْضِ أصْغَرُ وقَدْ حَقَّقُوا أنَّ المُسْتَنِيرَ مِنَ الهَواءِ كُرَةُ البُخارِ سِوى ما دَخَلَ في ظِلِّ مَخْرُوطِ الأرْضِ وهي مُسْتَنِيرَةٌ أبَدًا لِكَثافَتِها وإحاطَةِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ بِها لَكِنَّها لا تُرى في اللَّيْلِ لِبُعْدِها عَنِ البَصَرِ وأنَّ سَهْمَ المَخْرُوطِ أبَدًا في مُقابَلَةِ جِرْمِ الشَّمْسِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

فَفي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ يَكُونُ عَلى دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ وبَعْدَ ذَلِكَ يَمِيلُ إلى جانِبِ الغُرُوبِ لَحْظَةً فَلَحْظَةً إلى أنْ يُرى البَياضُ في جانِبِ المَشْرِقِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ وعَلى هَذا لا يَلْزَمُ في الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَها الإمامُ مِن مُجاوَزَةِ مَرْكَزِ الشَّمْسِ دائِرَةُ نِصْفِ اللَّيْلِ وطُلُوعِها عَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ.

واسْتِنارَةُ نِصْفِ العالَمِ عِنْدَهُمُ اسْتِنارَةُ الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ عِنْدَنا لِاخْتِلافِ الوَضْعِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، والتِزامُ القَوْلِ بِالكُرَوِيَّةِ والمَخْرُوطِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ لا بَأْسَ بِهِ، نَعَمِ اعْتِقادُ صِحَّةِ ما يَقُولُونَهُ مِمّا عُلِمَ خِلافُهُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أوْ عُلِمَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كُفْرٌ أوْ ضَلالٌ، فَتَدَبَّرْ.

وقُرِئَ (فالِقَ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ وقَرَأ النَّخَعِيُّ (فَلَقَ الإصْباحَ ﴿ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ أيْ يَسْكُنُ إلَيْهِ مَن يَتْعَبُ بِالنَّهارِ ويَسْتَأْنِسُ بِهِ لِاسْتِرْواحِهِ فِيهِ؛ وكُلُّ ما يَسْكُنُ إلَيْهِ الرَّجُلُ ويَطْمَئِنُّ اسْتِئْناسًا بِهِ واسْتِرْواحًا إلَيْهِ مِن زَوْجٍ أوْ حَبِيبٍ يُقالُ لَهُ: سَكَنٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلنّارِ: سَكَنٌ لِأنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِها ولِذا سَمَّوْها مُؤْنِسَةٌ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المَعْنى يَسْكُنُ فِيهِ كُلُّ طَيْرٍ ودابَّةٍ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فالمُرادُ حِينَئِذٍ جَعَلَ اللَّيْلَ مَسْكُونًا فِيهِ أخْذًا لَهُ مِنَ السُّكُونِ أيِ الهُدُوءُ والِاسْتِقْرارُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وقَرَأ سائِرُ السَّبْعَةِ إلّا الكُوفِيِّينَ (جاعِلُ) بِالرَّفْعِ وقُرِئَ شاذًّا بِالنَّصْبِ و(اللَّيْلِ) فِيهِما مَجْرُورٌ بِالإضافَةِ، ونَصْبُ (سَكَنًا) عِنْدَ كَثِيرٍ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ لا بِهِ؛ لِأنَّهُ يُشْتَرَطُ في عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ كَوْنُهُ بِمَعْنى الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ وهو هُنا بِمَعْنى الماضِي كَما يَشْهَدُ بِهِ قِراءَةُ (جَعَلَ) وجَوَّزَ الكِسائِيُّ وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ عَمَلَهُ بِمَعْنى الماضِي مُطْلَقًا حَمْلًا لَهُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي تَضَمَّنَ مَعْناهُ.

وبَعْضُهم جَوَّزَ عَمَلَهُ كَذَلِكَ إذا دَخَلَتْ عَلى (ألْ)، وآخَرُونَ جَوَّزُوا عَمَلَهُ في الثّانِي إذا أُضِيفَ إلى الأوَّلِ لِشِبْهِهِ بِالمُعَرَّفِ بِاللّامِ.

وعَلى هَذا والأوَّلِ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ بَلْ يَكُونُ النّاصِبُ هو الوَصْفُ.

واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَهُ النّاصِبَ أيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبارِأنَّ المُرادَ بِهِ الجَعْلُ المُسْتَمِرُّ في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ لا الزَّمانُ الماضِي فَقَطْ ولا يَجْرِي عَلى هَذا مَجْرى الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ لِأنَّ ذَلِكَ -كَما قالَ المُحَقِّقِينَ- فِيما قُصِدَ بِهِ الِاسْتِمْرارُ مَشْرُوطٌ بِاشْتِهارِ الوَصْفِ بِذَلِكَ الِاسْتِعْمالِ وشُيُوعِهِ فِيهِ، ونَصْبُهُ في قِراءَتِنا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (جَعَلَ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (جَعَلَ) بِمَعْنى أحْدَثَ المُتَعَدِّي لِواحِدٍ فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الحالِ (والشَّمْسَ والقَمَرَ) مَعْطُوفانِ عَلى اللَّيْلِ.

وعَلى قِراءَةِ مَن جَرَّهُ يَكُونُ نَصْبُهُما بِجَعَلَ المُقَدَّرِ النّاصِبِ لِـ (سَكَنًا) أوْ بِآخَرَ مِثْلِهِ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى مَحَلِّ اللَّيْلِ المَجْرُورِ فَإنَّ إضافَةَ الوَصْفِ إلَيْهِ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ إذا لَمْ يُنْظَرْ فِيهِ إلى المُضِيِّ.

وقُرِئَ بِالجَرِّ وهو ظاهِرٌ، وبِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مَجْعُولانِ ﴿ حُسْبانًا ﴾ أيْ عَلى أدْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ يُحْسَبُ فِيها الأوْقاتُ الَّتِي نِيطَ بِها العِباداتُ والمُعامَلاتُ أوْ مَحْسُوبانِ حُسْبانًا.

والحُسْبانُ بِالضَّمِّ مَصْدَرُ حَسَبَ بِالفَتْحِ كَما أنَّ الحِسْبانَ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ وهَذا هو الأصْلُ المَسْمُوعُ في نَحْوِ ذَلِكَ وما سِواهُ وارِدٌ عَلى خِلافِ القِياسِ كَما قِيلَ.

وعَنْ أبِي الهَيْثَمِ أنَّ حُسْبانًا جَمْعُ حِسابٍ مِثْلُ رُكْبانٍ ورِكابٍ وشُهْبانٍ وشِهابٍ؛ وفي إرادَتِهِ هُنا بَعْدَ (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى جَعْلِهِما كَذَلِكَ وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: إلى ما تَقَدَّمَ مِن فَلْقِ الإصْباحِ وجَعْلِ اللَّيْلِ سَكَنًا والشَّمْسِ والقَمَرِ حُسْبانًا، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ وهو الظّاهِرُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ أيْ ذَلِكَ التَّسْيِيرُ البَدِيعُ الشَّأْنِ ﴿ تَقْدِيرُ العَزِيزِ ﴾ أيِ الغالِبِ القاهِرِ الَّذِي لا يَتَعاصاهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَسْيِيرِهِما عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ ﴿ العَلِيمِ ﴾ 96 - المُبالِغِ في العِلْمِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما في ذَلِكَ التَّسْيِيرِ مِنَ المَصالِحِ المَعاشِيَّةِ والمَعادِيَّةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يعني: يشق الحبة اليابسة، فيخرج منها ورقاً خضراً.

ويقال: فالق الحب مثل البر والشعير والذرة والحبوب كلها، والنوى كل ثمرة فيها نوى مثل الخوخ والمشمش والغيبر والإجاص يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ، وقد ذكرنا تأويله ذلِكُمُ اللَّهُ يعني: هذا الذي يفعل بكم هو الله تعالى: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يعني: كيف تكفرون ومن أين تكذبون؟

فذكر عيب آلهتهم، ثم دلّ على وحدانيته بصنعته.

ثم قال: فالِقُ الْإِصْباحِ يعني: خالق الإصباح والإصباح والصبح واحد ويقال الإصباح مصدر أصبح يصبح إصباحاً، والصبح اسم وقال: فالق الإصباح يعني خالق النهار.

وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً قرأ أهل الكوفة حمزة والكسائي وعاصم وَجَعَلَ اللَّيْلَ على معنى الخبر وقرأ الباقون جاعل الليل سكنا على معنى الإضافة يعني: يسكن فيه الخلق.

ثم قال: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً يعني: وجعل الشمس والقمر حسباً يعني: منازلها بالحساب لا يجاوزانه إذا انتهيا إلى أقصى منازلهما رجعا وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل حُسْباناً يعني: يُعرف بها عدد السنين والحساب.

وقال القتبي: حُسْباناً أي حساباً، يقال: خذ كل شيء بحُسْبانه أي: بحسابه.

وقال الكلبي: ويقال للشيء المعلق: حُسْبَاناً.

ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ يقول: هذا فعل العزيز في ملكه العليم بخلقه لا فعل لأصنامكم فيه.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)

وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى، هذا ابتداءُ تنبيهٍ على العبرة والنظَرِ، ويتصلُ المعنى بما قبله لأن المقصد أنَّ اللَّه فالقُ الحبِّ والنوى لا هذه الأصنامُ، قال قتادة وغيره: هذه إشارة إلى فعل اللَّه سبحانه في أنّ يشُقَّ جميع الحَبِّ عن جميع النباتِ الذي يكُونُ منه، ويشُقُّ النوى عن جميع الأشجار الكائِنَة مِنه «١» .

وقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ...

الآية: قال ابن عباس وغيره: الإشارة إلى إخراج الإنسان الحيِّ من النطفة الميِّتة، وإخراج النطفة الميِّتة من الإنسان الحيِّ «٢» ، وكذلك سائرُ الحيوان من الطَّير وغيره، وهذا القول أرجح ما قيل هنا.

وقوله سبحانه: ذلِكُمُ اللَّهُ ابتداء وخبَرٌ متضمِّن التنبيه، فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، أي:

تصرفون وتصدّون، وفالِقُ الْإِصْباحِ، أي: شاقّه ومظهره، والفلق: الصبح، وحُسْباناً: جمع حسابٍ، أي: يجريان بحسَابٍ، هذا قول ابنِ عباس «٣» وغيره، وقال مجاهد «٤» في «صحيح البخاريِّ» : المرادُ بحُسْبَان كحسبان الرحى، وهو الدَّوْلاَب والعُودُ الذي عليه دَوَرانه.

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...

الآية: هذه المخاطبةُ تعمُّ المؤمنين والكافرين، والحُجَّةُ بها على الكافرين قائمةٌ، والعبرة بها للمؤمنين متمكّنة.

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، يريد: آدم- عليه السلام-، فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، اختلف المتأوِّلون في معنى هذا الاستقرارِ والاِستيداعِ.

فقال الجمهور: مستقَرٌّ في الرحِمِ، ومستودَعٌ في ظهور الآباءِ حتى يَقْضِيَ/ اللَّه بخروجهم، قال ابنُ عَوْن: مشَيْتُ إلى منزل إبراهيمَ النَّخَعيِّ وهو مريضٌ، فقالوا: قد تُوُفِّيَ، فأخبرني بعضهم أنَّ عبد الرحمن بْنَ الأسود سأله عن: فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، فقال:

مستقرٌّ في الرحِمِ، ومستودع في الصُّلْبِ «١» ، وقال ابن عباس: المستقرُّ: الأرض، والمستودَعُ: عند الرحمن «٢» ، وقال ابن جُبَيْر: المستودَعُ: في الصلب، والمستقَرُّ في الآخرة «٣» ، قال الفَخْر: والمنقول عن ابن عباس في أكثر الرواياتِ أن المستقرَّ هو الأرحام، والمستودَعُ الأصلاب «٤» ، ثم قرأ: وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ [الحج: ٥] ومما يدلُّ على قوة هذا القولِ أنَّ النطفة لا تبقى في صُلْب الأب زماناً طويلاً، والجنينُ في رَحِمِ الأم يبقى زماناً طويلاً، ولما كان المُكْث في الرحمِ أكثر مما في صُلْب الأب، كان حمل الاستقرارِ على المُكْث في الرحمِ أولَى.

انتهى.

قال ع «٥» : والذي يقتضيه النظر أنَّ ابن آدم هو مستودَعٌ في ظهر أبيه، وليس بمستقِرٍّ فيه استقرارا مطلقاً لأنه يتنقَّل لا محالة، ثم ينتقلُ إلى الرحِمِ، ثم ينتقل إلى الدنيا، ثم ينتقلُ إلى القبر، ثم ينتقلُ إلى المَحْشَر، ثم ينتقلُ إلى الجَنَّة أو النار، فيستقرُّ في أحدهما استقرارا مطلقاً، وليس فيها مستودَعٌ لأنه لا نُقْلَة له بَعْدُ، وهو في كلِّ رتبة متوسِّطة بين هذين الطرفَيْن مُسْتَقِرٌّ بالإضافة إلى التي قبلها، ومستودَعٌ بالإضافة إلى التي بعدها لأن لفظ الوديعةِ يقتضي فيها نُقْلة، ولا بُدَّ.

وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ،

السَّماءِ في هذا الموضع: السحابُ، وكلُّ ما أظلَّك فَهُو سماءٌ، وقوله: نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ، قيل: معناه: ممَّا ينبتُ، وقال الطبريُّ «١» : المراد ب كُلِّ شَيْءٍ: كلُّ ما ينمو مِنْ جميع الحيوان والنباتِ والمعادِنِ، وغير ذلك لأن ذلك كله يتعذى وينمو بنزولِ الماء من السماءِ، والضمير في مِنْهُ يعود على النباتِ، وفي الثاني يعود على الخضر، وخَضِراً: بمعنى: أَخْضَر ومنه قوله- عليه السلام-: «الدُّنْيَا خَضِرَةً حُلْوَةٌ» «٢» ، بمعنى: خضراء وكأن خَضِراً إنما يأتي أبداً لمعنى النَّضَارة، وليس لِلَّوْن فيه مدخلٌ، وأخضر إنما تمكُّنه في اللون، وهو في النّضارة تجوّز، وحَبًّا مُتَراكِباً: يعم جميع السنابلِ وما شاكَلَها كالصَّنَوْبر، والرُّمَّان، وغيرِ ذلك.

وقوله: وَمِنَ النَّخْلِ، تقديره: ونُخْرِجُ مِنَ النخلِ والطَّلْعِ أولَ ما يخرج من النّخل، في أكمامه، وقِنْوانٌ: جمع قِنْو، وهو العِذْق- بكسر العين-، وهي الكِبَاسَةُ، والعُرْجُونُ: عوده الذي فيه ينتظمُ التمر، ودانِيَةٌ: معناه: قريبةٌ من التناول قاله ابن عباس «٣» وغيره.

وقرأ الجمهور: «وجَنَّاتٍ» - بالنصب- عطفاً على قوله: «نَبَاتَ» ، وروي عن «٤» عاصم: «وجَنَّاتٌ» - بالرفع- على تقدير: ولكُمْ جناتٌ أو نحو هذا، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ- بالنصب إجماعاً- عطفاً على قوله: «حبّا» ، ومُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ، قال قتادة: معناه يتشابه في الوَرَقِ ويتبايَنُ في الثَّمَرِ «٥» ، وقال الطبريُّ «٦» : جائز أن يتشابه في الثَّمَر ويتبايَنُ في الطَّعْم، ويحتمل أن يريد يتشابه في الطَّعْمِ ويتباين في المنظر، وهذه الأحوال موجودة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالِقُ الإصْباحِ ﴾ في مَعْنى الفَلَقِ قَوْلانِ قَدْ سَبَقا.

فَأمّا الإصْباحُ فَقالَ الأخْفَشُ هو مَصْدَرٌ مَن أصْبَحَ وقالَ الزَّجّاجُ: الإصْباحُ والصُّبْحُ واحِدٌ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في الإصْباحِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ، وضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيْلِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ إضاءَةُ الفَجْرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَلَقُ الإصْباحِ مِنَ اللَّيْلِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نُورُ النَّهارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والحَسَنُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأيُّوبُ، والجَحْدَرِيُّ: "فالِقُ الإصْباحِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَ: ومَعْناهُ جَمْعُ صُبْحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( وجاعِل اللَّيْلِ سَكَنًا ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "جاعِلٌ" بِألِفٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَجَعَلَ" بِغَيْرِ ألِفٍ.

"اللَّيْلَ" نَصْبًا.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ: "جاعِلُ" فَلِأجْلِ "فالِقٍ" وهم يُراعُونَ المُشاكَلَةَ.

ومَن قَرَأ: "جَعَلَ" فَلِأنَّ "فاعِلًا" هاهُنا، بِمَعْنى: "فِعْلٍ" بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ﴾ .

فَأمّا السَّكَنُ، فَهو ما سَكَنْتَ إلَيْهِ.

والمَعْنى: أنَّ النّاسَ يَسْكُنُونَ فِيهِ سُكُونَ راحَةٍ.

وفي الحُسْبانِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الحِسابُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خُذْ مِن كُلِّ شَيْءٍ بِحُسْبانِهِ، أيْ: بِحِسابِهِ.

وفي المُرادِ بِهَذا الحَسابِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُما يَجْرِيانِ إلى أجَلٍ جُعِلَ لَهُما، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَجْرِيانِ في مَنازِلِهِما بِحِسابٍ، ويَرْجِعانِ إلى زِيادَةٍ ونُقْصانٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ جَرَيانَهُما سَبَبٌ لَمَعْرِفَةِ حِسابِ الشُّهُورِ والأعْوامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الحُسْبانِ: الضِّياءُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ الماوَرْدِيُّ، كَأنَّهُ أخَذَهُ مِن قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ ﴾ أيْ: نارًا.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولَيْسَ هَذا مِن ذاكَ في شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّ اللهَ فالِقُ الحَبِّ والنَوى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ ذَلِكُمُ اللهَ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَيْلَ سَكَنًا والشَمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ هَذا ابْتِداءُ تَنْبِيهٍ عَلى العِبْرَةِ والنَظَرِ؛ ويَتَّصِلُ المَعْنى بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ القَصْدَ: "إنَّ اللهَ..."؛ لا هَذِهِ الأصْنامُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وأبُو مالِكٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الشَقِّ الَّذِي في حَبَّةِ البُرِّ؛ ونَواةِ التَمْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والعِبْرَةُ - عَلى هَذا القَوْلِ - مَخْصُوصَةٌ في بَعْضِ الحَبِّ وبَعْضِ النَوى؛ ولَيْسَ لِذَلِكَ وجْهٌ؛ وقالَ الضَحّاكُ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللهِ تَعالى في أنْ يَشُقَّ جَمِيعَ الحَبِّ عن جَمِيعِ النَباتِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ؛ ويَشُقُّ النَوى عن جَمِيعِ الأشْجارِ الكائِنَةِ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الظاهِرُ الَّذِي يُعْطِي العِبْرَةَ التامَّةَ؛ فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَلِيمِ.

وقالَ الضَحّاكُ: "فالِقُ"؛ بِمَعْنى: "خالِقُ"؛ وقالَ السُدِّيُّ: وأبُو مالِكٍ: ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى إخْراجِ النَباتِ الأخْضَرِ؛ والشَجَرِ الأخْضَرِ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ؛ والنَوى اليابِسِ؛ فَكَأنَّهُ جَعَلَ الخُضْرَةَ والنَضارَةَ حَياةً؛ واليُبْسَ مَوْتًا؛ ﴿ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى إخْراجِ اليابِسِ مِنَ النَباتِ والشَجَرِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ: بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ إشارَةٌ إلى إخْراجِ الإنْسانِ الحَيِّ مِنَ النُطْفَةِ المَيِّتَةِ؛ وإخْراجِ النُطْفَةِ المَيِّتَةِ مِنَ الإنْسانِ الحَيِّ؛ وكَذَلِكَ سائِرُ الحَيَوانِ؛ والطَيْرِ؛ مِنَ البَيْضِ؛ والحُوتِ؛ وجَمِيعِ الحَيَوانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ؛ وإنَّما تَعَلَّقَ قائِلُو القَوْلِ الأوَّلِ بِتَناسُبِ تَأْوِيلِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فالِقُ الحَبِّ والنَوى ﴾ ؛ وهُما عَلى هَذا التَأْوِيلِ الراجِحِ مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ؛ فِيهِما مُعْتَبَرٌ؛ وقالَ الحَسَنُ: اَلْمَعْنى: يُخْرِجُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ؛ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ وخَبَرٌ؛ مُتَضَمِّنٌ التَنْبِيهَ؛ ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ؛ أيْ: تُصْرَفُونَ؛ وتُصَدُّونَ.

و ﴿ فالِقُ الإصْباحِ ﴾ ؛ أيْ: شاقُّهُ؛ ومُظْهِرُهُ؛ والفَلَقُ: اَلصُّبْحُ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالِقُ الإصْباحِ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو رَجاءٍ: "فالِقُ الأصْباحِ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ جَمْعُ "صُبْحٌ"؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فالِقُ الإصْباحِ"؛ بِحَذْفِ التَنْوِينِ مِن "فالِقُ"؛ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ ونَصْبِ "اَلْإصْباحَ"؛ بِـ "فالِقُ"؛ كَأنَّهُ أرادَ: "فالِقٌ الإصْباحَ"؛ بِتَنْوِينِ القافِ؛ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ وإنَّما جَوَّزَ سِيبَوَيْهِ مِثْلَ هَذا في الشِعْرِ؛ وأنْشَدَ عَلَيْها: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهَ إلّا قَلِيلًا وحَكى النَحّاسُ عَنِ المُبَرِّدِ جَوازَ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فَلَقَ الإصْباحَ"؛ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَجاعِلُ اللَيْلِ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "وَجَعَلَ اللَيْلَ"؛ وهَذا لَمّا كانَ "فالِقُ"؛ بِمَعْنى الماضِي؛ فَكَأنَّ اللَفْظَ "فَلَقَ الإصْباحَ؛ وجَعَلَ"؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ نَصْبُ "والشَمْسَ والقَمَرَ"؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَكَنًا"؛ ورُوِيَ عن يَعْقُوبَ: "ساكِنًا"؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عنهُ؛ ونَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ إذا قَرَأْنا: "وَجاعِلُ"؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ وتَقْدِيرُ الفِعْلِ المُضْمَرِ: "وَجاعِلُ اللَيْلِ يَجْعَلُهُ سَكَنًا"؛ وهَذا مِثْلُ قَوْلِكَ: "هَذا مُعْطِي زَيْدٍ أمْسِ دِرْهَمًا"؛ والَّذِي حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ في هَذا أنْ يَنْتَصِبَ بِما في الكَلامِ مِن مَعْنى: "مُعْطِي"؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "والشَمْسِ والقَمَرِ"؛ بِالخَفْضِ؛ عَطْفًا عَلى لَفْظِ "اَللَّيْلِ".

و"حُسْبانًا"؛ جَمْعُ "حِسابٌ"؛ كَـ "شُهْبانٌ"؛ في جَمْعِ "شِهابٌ"؛ أيْ: تَجْرِي بِحِسابٍ؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وقَتادَةَ ؛ ومُجاهِدٍ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ - في صَحِيحِ البُخارِيِّ -: اَلْمُرادُ: حُسْبانٌ كَحُسْبانِ الرَحى؛ وهو الدُولابُ؛ والعُودُ الَّذِي عَلَيْهِ دَوَرانُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي انتُقل به من تقرير التّوحيد والبعث والرّسالة وأفانين المواعظ والبراهين الّتي تخلّلت ذلك إلى الاستدلال والاعتبار بخلق الله تعالى وعجائب مصنوعاته المشاهدة، على انفراده تعالى بالإلهيّة المستلزم لانتفاء الإلهيّة عمّا لا تقدر على مثل هذا الصّنع العجيب، فلا يحقّ لها أن تعبد ولا أن تشرك مع الله تعالى في العبادة إذ لا حقّ لها في الإلهيّة، فيكون ذلك إبطالاً لشرك المشركين من العرب، وهو مع ذلك إبطال لمعتقَد المعطّلين من الدُهريين منهم بطريق الأوْلى، وفي ذلك امتنان على المقصودين من الخطاب وهم المشركون بقرينة قوله: ﴿ فأنَّى تُؤفَكُون ﴾ ، أي فتكفرون النّعمة.

وفيه عِلم ويقين للمؤمنين من المصدّقين واستزادة لمعرفتهم بربّهم وشكرهم.

وافتتاحُ الجملة ب ﴿ إنْ ﴾ مع أنّه لا ينكر أحد أنّ الله هو فاعل الأفعال المذكورة هنا، ولكنَّ النّظر والاعتبار في دلالة الزّرع على قدرة الخالق على الإحياء بعد الموت كما قدر على إماتة الحي، لمّا كان نظراً دقيقاً قد انصرف عنه المشركون فاجْترأوا على إنكار البعث، كان حالهم كحال من أنكر أو شَكّ في أنّ الله فالقُ الحبّ والنَّوى، فأكّد الخبر بحرف (إنْ).

وجيء بالجملة الاسميّة للدّلالة على ثبات هذا الوصف دوامه لأنّه وصف ذاتي لله تعالى، وهو وصف الفعل أو وصف القدرة وتعلُّقاتها في مصطلح من لا يثبت صفات الأفعال، ولمّا كان المقصود الاكتفاء بدلالة فلق الحبّ والنّوى على قدرة الله على إخراج الحيّ من الميّت، والانتقالُ من ذلك إلى دلالته على إخراج الحيّ من الميّت في البعث، لم يؤت في هذا الخبر بما يقتضي الحصر إذ ليس المقام مقام القصر.

والفَلْق: شَقّ وصدعُ بعض أجزاء الشّيء عن بعض، والمقصود الفلق الّذي تنبثق منه وشائج النّبْت والشّجر وأصولها، فهو محلّ العبرة من علم الله تعالى وقدرته وحكمته.

والحَبّ اسم جمع لما يثمره النّبت، واحده حبّة.

والنَّوى اسم جمع نواة، والنّواة قلب التّمرة.

ويطلق على ما في الثّمار من القلوب الّتي منها يَنبت شجرها مثل العنب والزّيتون، وهو العَجَم بالتّحريك اسم جمع عَجَمة.

وجملة: ﴿ يخرج الحيّ من الميّت ﴾ في محلّ خبر ثان عن اسم (إنّ) تتنزّل منزلة بيان المقصود من الجملة قبلها وهو الفَلْق الّذي يخرج منه نبتاً أو شجراً نامياً ذا حياة نباتيةٍ بعد أن كانت الحبّة والنّواة جسماً صلباً لا حياة فيه ولا نماءَ.

فلذلك رجّح فصل هذه الجملة عن الّتي قبلها إلاّ أنّها أعمّ منها لدلالتها على إخراج الحيوان من ماء النطفة أو من البيض، فهي خبر آخر ولكنّه بعمومه يبيّن الخبر الأوّل، فلذلك يحسن فصل الجملة، أو عدممِ عطف أحد الأخبار.

وعُطف على ﴿ يخرج الحيّ من الميّت ﴾ قولُه ﴿ ومخرج الميّت من الحيّ ﴾ لأنّه إخبار بضدّ مضمون ﴿ يخرج الحيّ من الميّت ﴾ وصنع آخر عجيب دالّ على كمال القدرة وناف تصرّف الطّبيعة بالخَلْق، لأنّ الفعل الصّادر من العالم المختار يكون على أحوال متضادة بخلاف الفعل المتولد عن سبب طبعي، وفي هذا الخبر تكملة بيان لما أجمله قوله: ﴿ فالقُ الحبّ والنّوى ﴾ ، لأنّ فلق الحبّ عن النّبات والنّوى عن الشّجر يشمل أحوالاً مُجملة، منها حال إثمار النّبات والشّجر: حبّاً ييبس وهو في قصب نباته فلا تكون فيه حياة، ونوىً في باطن الثّمار يبَساً لا حياة فيه كنوى الزّيتون والتّمر، ويزيد على ذلك البيان بإخراج البيض واللّبَن والمِسْك واللّؤلؤ وحجر (البازهر) من بواطن الحيوان الحيّ، فظهر صدور الضدّين عن القدرة الإلهيّة تمام الظّهور.

وقد رَجَح عطفُ هذا الخبر لأنّه كالتكملة لقوله: ﴿ يخرج الحيّ من الميّت ﴾ أي يفعل الأمرين معاً كقوله بعده ﴿ فالقُ الإصباح وجاعلُ اللّيل سَكنا ﴾ .

وجعله في «الكشاف» عطفاً على ﴿ فالق الحبّ ﴾ بناء على أنّ مضمون قوله: ﴿ مُخرج الميّت من الحيّ ﴾ ليس فيه بيان لمضمون ﴿ فالق الحبّ ﴾ لأنّ فلق الحبّ ينشأ عنه إخراج الحيّ من الميّت لا العكس، وهو خلاف الظّاهر لأنّ علاقة وصف ﴿ مخرج الميّت من الحيّ ﴾ بخبر ﴿ يخرج الحيّ من الميّت ﴾ أقوى من علاقته بخبر ﴿ فالق الحبّ والنّوى ﴾ .

وقد جيء بجملة: ﴿ يخرج الحيّ من الميّت ﴾ فعليّة للدّلالة على أنّ هذا الفعل يتجدّد ويتكرّر في كلّ آن، فهو مُراد معلوم وليس على سبيل المصادفة والاتّفاق.

وجيء في قوله: ﴿ ومُخرج الميّت من الحيّ ﴾ اسماً للدّلالة على الدّوام والثّبات، فحصل بمجموع ذلك أنّ كلا الفعلين متجدّد وثابِت، أي كثير وذاتيّ، وذلك لأنّ أحد الإخراجين ليس أوْلى بالحكم من قرينه فكان في الأسلوب شِبه الاحتباك.

والإشارة ب ﴿ ذلكم ﴾ لزيادة التّمييز وللتّعريض بغباوة المخاطبين المشركين لغفلتهم عن هذه الدّلالة على أنّه المنفرد بالإلهيّة، أي ذلكم الفاعل الأفعال العظيمة من الفلق وإخراج الحيّ من الميّت والميّت من الحيّ هو الّذي يعرفه الخلق باسمه العظيم الدالّ على أنّه الإله الواحد، المقصور عليه وصف الإلهيّة فلا تعدلوا به في الإلهيّة غيره، ولذلك عقّب بالتّفريع بالفاء قوله: ﴿ فأنَّى تؤفكون ﴾ .

والأَفك بفتح الهمزة مصدر أفَكَه يأفكه، من باب ضرب، إذا صرفه عن مكان أو عن عَمل، أي فكيف تصرفون عن توحيده.

و (أنَّى) بمعنى من أين.

وهو استفهام تعجيبي إنكاري، أي لا يوجد موجب يصرفكم عن توحيده.

وبُني فعل ﴿ تؤفكون ﴾ للمجهول لعدم تعيّن صارفهم عن توحيد الله، وهو مجموع أشياء: وسوسة الشّيطان، وتضليل قادتهم وكبرائهم، وهوى أنفسهم.

وجملة (ذلكم الله) مستأنفة مقصود منها الاعتبار، فتكون جملة: ﴿ ذلكم الله فأنّى تؤفَكون ﴾ اعتراضاً.

و ﴿ فالق الإصباح ﴾ يجوز أن يكون خبراً رابعاً عن اسم (إنّ)، ويجوز أن يكون صفة لاسم الجلالة المخبر به عن اسم الإشارة، فيكون قوله: ﴿ فأنّى تؤفكون ﴾ اعتراضاً.

والإصباح بكسر الهمزة في الأصل مصدر أصبح الأفُق، إذا صار ذا صباح، وقد سمّي به الصباح، وهو ضياء الفجر فيقابل اللّيلَ وهو المراد هنا.

وفلْق الإصباح استعارة لظهور الضّياء في ظلمة اللّيل، فشبّه ذلك بفلق الظلمة عن الضّياء، كما استعير لذلك أيضاً السّلخ في قوله تعالى: ﴿ وآية لهم اللّيل نسلخ منه النّهار ﴾ [يس: 37].

فإضافة ﴿ فالق ﴾ إلى ﴿ الإصباح ﴾ حقيقيّة وهي لأدنى ملابسة على سبيل المجاز.

وسنبيّنه في الآية الآتية لأنّ اسم الفاعل له شائبة الاسميّة فيضاف إضافة حقيقيّة، وله شائبة فعلية فيضاف إضافة لفظيّة.

وهو هنا لمّا كان دالاً على وصف في الماضي ضعف شبهه بالفعل لأنّه إنّما يشبه المضارع في الوزن وزمننِ الحال أو الاستقبال.

وقد يعتبر فيه المفعوليّة على التّوسّع فحُذف حرف الجرّ، أي فالق عن الإصباح فانتصب على نزع الخافض، ولذلك سمَّوْا الصّبح فَلَقاً بفتحتين بزنة ما بمعنى المفعول كما قالوا مسكَن، أي مسكون إليه فتكون الإضافة على هذا لفظية بالتأويل وليست إضافته من إضافة الوصف إلى معموله إذ ليس الإصباح مفعول الفلْق والمعنى فالق عن الإصباح فيعلم أنّ المفلوق هو الليل ولذلك فسّروه فالق ظلمة الإصباح، أي الظلمة التي يعقبها الصبح وهي ظلمة الغَبَش، فإنّ فلق الليل عن الصبح أبدع في مظهر القدرة وأدخل في المنّة بالنعمة، لأنّ الظلمة عدم والنور وجود.

والإيجاد هو مظهر القدرة ولا يكون العدم ومظهراً للقدرة إلاّ إذا تسلّط على موجود وهو الإعدام، وفلق الإصباح نعمة أيضاً على النّاس لينتفعوا بحياتهم واكتسابهم.

﴿ وجاعل اللّيل سكناً ﴾ عطف على ﴿ فالق الإصباح ﴾ .

وقرأه الجمهور بصيغة اسم الفاعل وجرّ ﴿ اللّيلِ ﴾ لمناسبة الوصفين في الاسميّة والإضافة.

وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلَف.

﴿ وجَعَل ﴾ بصيغة فعل الماضي وبنصب ﴿ اللّيل ﴾ .

وعُبّر في جانب اللّيل بمادة الجعل لأنّ الظلمة عدم فتعلّق القدرة فيها هو تعلّقها بإزالة ما يمنع تلك الظلمة من الأنوار العارضة للأفق.

والمعنى أنّ الله فلق الإصباح بقدرته نعمة منه على الموجودات ولم يجعل النّور مستمراً في الأفق فجعله عارضاً مجزءاً أوقاتاً لتعود الظّلمة إلى الأفق رحمة منه بالموجودات ليسكنوا بعد النّصَب والعمل فيستجمّوا راحتهم.

والسكَن بالتَّحريك على زنة مُرادف اسم المفعول مثل الفَلَق على اعتباره مفعولاً بالتوسّع بحذف حرف الجرّ وهو ما يسكن إليه، أي تسكن إليه النّفس ويطمئنّ إليه القلب، والسّكون فيه مجاز.

وتسمّى الزّوجة سكَناً والبيتُ سكناً قال تعالى: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ [النحل: 80]، فمعنى جَعْل اللّيل سكناً أنّه جعل لتحصل فيه راحة النّفس من تعب العمل.

وعُطف ﴿ الشمس والقمر ﴾ على ﴿ اللّيل ﴾ بالنّصب رعياً لمحلّ اللّيل لأنّه في محلّ المفعول ل ﴿ جاعل ﴾ بناء على الإضافة اللّفظيّة.

والعطف على المحلّ شائع في مواضع من كلام العرب مثل رفع المعطوف على اسم (إنّ)، ونصب المعطوف على خبَر ليس المجرور بالباء.

والحسبان في الأصل مصدر حَسَب بفتح السّين كالغُفران، والشُّكران، والكفران، أي جعلها حساباً، أي علامة حساببٍ للنّاس يحسبون بحركاتها أوقات اللّيل والنّهار، والشّهور، والفصول، والأعوام.

وهذه منّة على النّاس وتذكير بمظهر العلم والقدرة، ولذلك جعل للشّمس حسبان كما جُعل للقمر، لأنّ كثيراً من الأمم يحسبون شهورهم وأعوامهم بحساب سير الشّمس بحلولها في البروج وبتمام دورتها فيها.

والعرب يحسبون بسير القمر في منازله.

وهو الذي جاء به الإسلام، وكان العرب في الجاهليّة يجعلون الكبس لتحويل السنة إلى فصول متماثلة، فموقع المنّة أعمّ من الاعتبار الشّرعي في حساب الأشهر والأعوام بالقمري، وإنّما استقام ذلك للنّاس بجعل الله حركات الشّمس والقمر على نظام واحد لا يختلف، وذلك من أعظم دلائل علم الله وقدرته، وهذا بحسب ما يظهر للنّاس منه ولو اطّلعوا على أسرار ذلك النّظام البديع لكانت العبرة به أعظم.

والإخبار عنهما بالمصدر إسناد مجازي لأنّه في معنى اسم الفاعل، أي حاسبين.

والحاسب هم النّاس بسبب الشّمس والقمر.

والإشارة ب ﴿ ذلك ﴾ إلى الجعل المأخوذ من ﴿ جاعل ﴾ .

والتّقدير: وضع الأشياء على قدْر معلوم كقوله تعالى: ﴿ وخلق كلّ شيء فقدّره تقديراً ﴾ [الفرقان: 2].

والعزيز: الغالب، القاهر، والله هو العزيز حقّاً لأنّه لا تتعاصى عن قدرته الكائنات كلّها.

والعليم مبالغة في العلم، لأنّ وضع الأشياء على النّظام البديع لا يصدر إلاّ عن عالم عظيم العلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي فالِقَ الحَبَّةِ عَنِ السُّنْبُلَةِ والنَّواةِ عَنِ النَّخْلَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّ الفَلَقَ الشِّقُّ الَّذِي فِيهِما، قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَعْنِي خالِقَ الحَبِّ والنَّوى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَذَكَرَ بَعْضُ أصْحابِ الغَوامِضِ قَوْلًا رابِعًا: أنَّهُ مُظْهِرُ ما في حَبَّةِ القَلْبِ مِنَ الإخْلاصِ، والرِّياءِ.

﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُخْرِجُ السُّنْبُلَةَ الحَيَّةَ مِنَ الحَبَّةِ المَيِّتَةِ، والنَّخْلَةَ الحَيَّةَ مِنَ النَّواةِ المَيِّتَةِ، ويَعْنِي بِإخْراجِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ أنْ يُخْرِجَ الحَبَّةَ المَيِّتَةَ مِنَ السُّنْبُلَةِ الحَيَّةِ، والنَّواةَ المَيِّتَةَ مِنَ النَّخْلَةِ الحَيَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنْ يُخْرِجَ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والنُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ احْتِمالًا، أنَّهُ يُخْرِجُ الفَطِنَ الجَلْدَ مِنَ البَلِيدِ العاجِزِ، ويُخْرِجُ البَلِيدَ العاجِزَ مِنَ الفَطِنِ الجَلْدِ.

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ.

﴿ فالِقُ الإصْباحِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فالِقُ الإصْباحِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ إضاءَةُ الفَجْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ خالِقُ نُورِ النَّهارِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: أنَّ الإصْباحَ ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ وضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُمِّيَ سَكَنًا لِأنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ بِالنَّهارِ يَسْكُنُ فِيهِ.

والثّانِي: لِأنَّ كُلَّ حَيٍّ يَأْوِي فِيهِ إلى مَسْكَنِهِ.

﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ يَجْرِيانِ في مَنازِلِهِما بِحِسابٍ وبُرْهانٍ فِيهِ بَدْءٌ ورَدٌّ إلى زِيادَةٍ ونُقْصانٍ، قالَهُابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أيْ جَعَلَهُما سَبَبًا لِمَعْرِفَةِ حِسابِ الشُّهُورِ والأعْوامِ.

والثّالِثُ: أيْ جَعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ضِياءً، قالَهُ قَتادَةُ، وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ  ﴾ قالَ: نارًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فالق الإصباح ﴾ قال: خلق الليل والنهار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فالق الإصباح ﴾ قال: يعني بالاصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فالق الإصباح ﴾ قال: اضاءة الفجر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قوله: ﴿ فالق الإصباح ﴾ قال: فالق الصبح.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ فالق الإصباح ﴾ قال: فالق النور نور النهار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وجاعل الليل سكناً ﴾ قال: يسكن فيه كل طير ودابة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ يعني عدد الأيام والشهور والسنين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ قال: يدوران في حساب.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ حسباناً ﴾ قال: ضياء.

وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في قوله: ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ قال: الشمس والقمر في حساب، فإذا خلت أيامها فذلك آخر الدهر، وأول الفزع الأكبر.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة بسند واهٍ عن ابن عباس قال: خلق الله بحراً دون السماء بمقدار ثلاث فراسخ، فهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله لا يقطر منه قطرة، جار في سرعة السهم تجري فيه الشمس والقمر والنجوم، فذلك قوله: ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ [ الأنبياء: 33] والفلك دوران العجلة في لجة غمر ذلك البحر، فإذا أحب الله أن يحدث الكسوف خرت الشمس عن العجلة فتقع في غمر ذلك البحر، فإذا أراد أن يعظم الآية وقعت كلها فلا يبقى على العجلة منها شيء، وإذا أراد دون ذلك وقع النصف منها أو الثلث أو الثلثان في الماء، ويبقى سائر ذلك على عجلة، وصارت الملائكة الموكلون بها فرقتين، فرقة يقبلون على الشمس فيجرونها نحو العجلة، وفرقة يقبلون إلى العجلة فيجرونها إلى الشمس، فإذا غربت رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة وتحبس تحت العرش فتستأذن من أين تؤمر بالطلوع، ثم ينطلق بها ما بين السماء السابعة وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران الملائكة، فتنحدر حيال المشرق من سماء إلى سماء، فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الصبح، فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذلك حين تطلق الشمس قال: وخلق الله عند المشرق حجاباً من الظلمة فوضعها على البحر السابع مقدار عدة الليالي في الدنيا منذ خلقها الله إلى يوم القيامة، فإذا كان عند غروب الشمس أقبل ملك قد وكل بالليل، فقبض قبضة من ظلمة ذلك الحجاب ثم يستقبل الغرب، فلا يزال يرسل تلك الظلمة من خلل أصابعه قليلاً قليلاً وهو يراعي الشفق، فإذا غاب الشفق أرسل الظلمة كلها، ثم ينشر جناحيه فيبلغان قطري الأرض وكنفي السماء، فتشرق ظلمة الليل بجناحيه فإذا حان الصبح ضم جناحه، ثم يضم الظلمة كلها بعضها إلى بعض بكفيه من المشرق، ويضعها على البحر السابع بالمغرب.

وأخرج أبو الشيخ بسند واه عن سلمان قال: الليل موكل به ملك يقال له شراهيل: فإذا حان وقت الليل أخذ خرزة سوداء فدلاها من قبل المغرب، فإذا نظرت إليها الشمس وجبت في أسرع من طرفة العين، وقد أمرت الشمس أن لا تغرب حتى ترى الخرزة، فإذا غربت جاء الليل فلا تزال الخرزة معلقة حتى يجيء ملك آخر يقال له هراهيل بخرزة بيضاء فيعلقها من قبل المطلع، فإذا رآها شراهيل مد إليه خرزته، وترى الشمس الخرزة البيضاء فتطلع وقد أمرت أن لا تطلع حتى تراها، فإذا طلعت جاء النهار.

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر لذكر الله» .

وأخرج الخطيب في كتاب النجوم عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «أحب عباد الله إلى الله رعاء الشمس والقمر، الذين يحببون عباد الله إلى الله ويحببون الله إلى عباده» .

وأخرج ابن شاهين والطبراني والحاكم والخطيب عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والاظلة لذكر الله» .

وأخرج أحمد في الزهد والخطيب عن أبي الدرداء قال: إن أحب عباد الله إلى الله لرعاة الشمس والقمر.

وأخرج الحاكم في تاريخه والديلمي بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: التاجر الامين، والإِمام المقتصد، وراعي الشمس والنهار» .

وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد عن سلمان الفارسي قال: سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل لقي أخاه فقال: إني أحبك في الله وقال الآخر مثل ذلك، ورجل ذكر الله ففاضت عيناه من مخافة الله، ورجل يتصدق بيمينه يخفيها من شماله، ورجل دعته أمراة ذات حسب وجمال إلى نفسها فقال إني أخاف الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد من حبها، ورجل يراعي الشمس لمواقيت الصلاة، ورجل إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت على حلم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مسلم بن يسار قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم فالق الأصباح، وجاعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً، اقضِ عني الدين، وأغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي وبصري، وقوّني في سبيلك» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾ الآية: الفَلْق: مصدر فَلَقْتُ أفْلِق فَلْقًا، ويقال: سمعت ذاك من فَلْق (١) (٢) ﴿ الْإِصْبَاحِ ﴾ فقال الليث (٣) ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾ يعني: الصبح، وقال: أَفْنَى رِياحًا وذَوِى رِياحِ ...

تَناسُخُ الإِمْسَاءِ وَالإِصْبَاحِ (٤) يريد: المساء والصباح).

الفراء مثله في الإصباح (٥) (٦) ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾ : (شاقّ عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده) (٧) (٨) [وأما] (٩) (١٠) (١١) ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾ أي: خالق الإصباح كل يوم جديد).

وقال الكلبي: ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾ : خالق الصباح كل يوم) (١٢) وقال أبو إسحاق: ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾ : (جائز أن يكون خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: سياق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق) (١٣) (١٤) ﴿ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى  ﴾ .

وقال الليث: (الله تعالى فلق الصبح، أي: أبدأه وأوضحه) (١٥) ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾ : مبديه وموضحه، وذلك أن معنى الفلق راجع إلى الإبداء والإيضاح؛ لأن الفلق يتضمن الإبداء (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ السكن: معناه في اللغة ما سكنت إليه، يريد: أن الناس يسكنون في الليل سكون الراحة، بأن جعل الله تعالى ذلك لهم سكنًا (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) واختلف القراء (٢١) ﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ ﴾ فقرأ الأكثرون (جَاعِلُ) بالألف؛ لأن قبله اسم فاعل وهو [قوله] (٢٢) ﴿ فَالِقُ الْحَبِّ ﴾ و ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾ و (جاعل) هاهنا حسن ليكون المعطوف [مثل المعطوف] (٢٣) ﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ ﴾ لأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى الماضي، فلما كان فَاعِلٌ بمنزلة فَعَلَ في المعنى عطف عليه فعل؛ لموافقته له في المعنى، ويدلك على أنه بمنزلة فَعَل أنه نزل منزلته فيما عُطِفَ عليه، وهو قوله تعالى ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ  ﴾ ، ألا ترى أنه لما كان المعنى فعل في (جاعل) حمل المعطوف على ذلك فنصب (الشَّمْسَ [والْقَمَرَ] (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد: بحساب) (٢٦) ﴿ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ  ﴾ ، وقال الكلبي: (منازلهما بحساب لا يُجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما) (٢٧) وروى شيبان (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا  ﴾ أي: من طين، وقال ثعلب: ( ﴿ حُسْبَانًا ﴾ مصدر كما تقول: حَسَبْته أَحْسبُه حُسْبانًا وحِسَابًا) (٣٥) على الله حُسْباني إذا النَّفْسُ أَشْرَفَتْ ...

على طَمَعٍ أَو خافَ شيئًا ضَمِيرُها (٣٦) وجعله الأخفش (٣٧) (٣٨) (٣٩) وهو قول أبي عبيدة (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) فأما نصب ﴿ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾ فقال أبو إسحاق: (النصب على تأويل وجعل الشمس والقمر؛ لأن في ﴿ جَاعِلٌ ﴾ معنى جعل، وبه نصبت ﴿ سَكَنًا ﴾ ، كما تقول: هو معطي زيدٍ درهمًا، فنصب الدرهم محمول على تأويل أعطى) (٤٤) (٤٥) ﴿ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾ على معناه لما فرّق بقوله ﴿ سَكَنًا ﴾ ، فإذا لم تفرق بينهما بشيء آثروا الخفض، وقد يجوز أن ينصب وإن لم يحل بينهما بشيء) (٤٦) بَيْنَا نَحْنُ ننظره أَتَانَا ...

مُعَلّقَ شِكوة وزِنَادَ رَاعِ (٤٧) فنبَيْنَا نَحْنُ ننظره أَتَانَا ...

مُعَلّقَ شِكوة وزِنَادَ رَاعِ فحمل على تأويل النصب أراد: معلقًا شكوةً، وقال امرئ القيس: فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ [مِنْ بَيْنِ] (٤٨) (٤٩) فخفض القدير وهو نسق على الصفيف تقديرًا أن الصفيف مخفوض، كأنه قال: من بين منضج صفيف) (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الذي قدر الأقوات في كل زمان وما يصلح فيه) (٥١) ﴿ الْعَزِيزِ ﴾ : في ملكه يصنع ما أراد، ﴿ الْعَلِيمِ ﴾ : بما قدر من خلقهما) (٥٢) (١) من فَلْق: بفتح الفاء، وقد تكسر.

انظر: "العين" 5/ 164، و"الجمهرة" 2/ 965، و"الصحاح" 4/ 1544، و"المجمل" 3/ 705، و"المفردات" ص 645، و"اللسان" 6/ 3462 مادة (فلق).

(٢) "إصلاح المنطق" ص 19، و"تهذيب اللغة" 3/ 2829، وانظر: "تهذيب إصلاح المنطق" 1/ 85.

(٣) "تهذيب اللغة" 2/ 1969، وانظر: "العين" 3/ 126، و"الجمهرة" 1/ 279،== و"الصحاح" 1/ 379، و"مقاييس اللغة" 3/ 328، و"المجمل" 2/ 548، و"المفردات" ص 473 مادة (صبح).

(٤) لم أعرف قائله.

وهو في "تهذيب اللغة" 2/ 1969، و"الكشاف" 2/ 37، والرازي 13/ 98، و"اللسان" 4/ 2388 مادة (صبح)، (البحر) 4/ 185، و"الدر المصون" 5/ 59، والإمساء والإصباح بالكسر مصدر، وبالفتح جمع مُسى وصُبْح، وجاء عند الأزهري (رباحًا، ورباح) بالباء بدل الياء.

(٥) هذه عبارة الأزهري في "التهذيب" 2/ 1969، وقال الفراء في "معانيه"1/ 346: (والإصباح مصدر أصبحنا إصباحًا، والإصباح صُبح كل يوم بمجموع) ا.

هـ.

ونحوه ذكر الأخفش في "معانيه" 2/ 282.

(٦) "معاني الزجاج" 2/ 274.

(٧) هذا قول الطبري في "تفسيره" 7/ 282، والثعلبي في "الكشف" 181 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 170، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 295، والبيضاوي 1/ 145.

(٨) قال الزمخشري في "الكشاف" 2/ 38: (فإن قلت: فما معنى فلق الصبح والظلمة هي التي تنفلق عن الصبح؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يراد فالق ظلمة الصبح، يعني: أنه على حذف مضاف.

والثاني: أن يراد فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر عن بياض النهار وإسفاره ..) ا.

هـ.

ملخصا.

وانظر: "تفسير الرازي" 13/ 98 ، و"الخازن" 2/ 163.

(٩) لفظ: (الواو) ساقط من (أ)، ولفظ: (قالوا) بعده الأولى أن يكون فقالوا.

(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 283، وابن أبي حاتم 4/ 1354 بسند ضعيف عن العوفي عن ابن عباس قال: (خلق الليل والنهار) ا.

هـ، وأخرج الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: بالإصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل) ا.

هـ (١١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 283 بسند ضعيف عن الضحاك.

وبه قال مقاتل في "تفسيره" 1/ 580، والسمرقندي 1/ 502، وانظر: "الفتاوى" 17/ 505، وقال السمين في "الدر" 5/ 57: (فسر بعضهم فالق هنا بمعنى: خالق.

قيل: ولا يعرف هذا لغة، وهذا لا يتلفت إليه؛ لأن هذا منقول عن ابن عباس والضحاك، أيضاً لا يقال ذلك على جهة التفسير للتقريب؛ لأن الفراء نقل في اللغة أن فطر وخلق وفلق بمعنى واحد) ا.

هـ، وانظر: "البحر المحيط" 4/ 184.

(١٢) "تنوير المقباس " 2/ 45.

(١٣) "معاني الزجاج" 2/ 274.

(١٤) "معاني الزجاج" 5/ 379.

(١٥) النص في "العين" 5/ 164.

(١٦) في (ش): (الابتداء)، وهو تحريف، وانظر: "المفردات" ص 645.

(١٧) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 283.

(١٨) لم أقف عليه.

(١٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 87.

(٢٠) جاء في النسخ: (وهو الذي) بالواو، وهو خطأ واضح.

(٢١) قرأ عاصم وحمزة والكسائي (جَعَلَ الليلَ) بفتح العين واللام من غير ألف بينهما على أنه فعل ماض و (الليل)، بالنصب على أنه مفعول به.

وقرأ الباقون (جاعِلُ الليلِ) بالألف وكسر العين ورفع اللام، و (الليلِ) بالخفض على الإضافة.

انظر: "السبعة" ص 263، و"المبسوط" ص 172، و"الغاية" ص 245، و"التذكرة" 2/ 405، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 260.

(٢٢) لفظ: (قوله) ساقط من (ش).

(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(٢٤) لفظ (القمر) مكرر في (أ).

(٢٥) ما تقدم قول الفارسي في "الحجة" 3/ 361 - 363، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 372، و"إعراب القراءات" 1/ 165، و"الحجة" لابن خالويه ص 146، و"الحجة" لابن زنجلة ص 262، و"الكشف" 1/ 441.

(٢٦) ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 461، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 45، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 284، وابن أبي حاتم 4/ 1354، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: عدد الأيام والشهور والسنين) ا.

هـ، وعلى هذا يراد بالحسبان: الحساب، وهو قول الجمهور، كما ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 91.

(٢٧) ذكره السمرقندي 1/ 503.

(٢٨) شَيْبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم أبو معاوية البصري، نزل الكوفة، إمام ثقة، محدث، نحوي مقرئ، أكثر عن قتادة والحسن وغيرهما، توفي سنة 164هـ.

انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 355، و"تاريخ بغداد" 9/ 271، و"إنباه الرواة" 2/ 72، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 406، و"تهذيب التهذيب" 2/ 184.

(٢٩) في (أ): (تدوران)، وهو تحريف.

(٣٠) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 214، والطبري 7/ 284، وابن أبي حاتم 4/ 1354، بسند جيد من طريق معمر عن قتادة، ولم أقف عليه من طريق شيبان عن قتادة.

(٣١) العروضي: أبو الفضل أحمد بن محمد الصفار، تقدمت ترجمته ترجمته.

(٣٢) القرشي: أبو عثمان سعيد بن العباس الهروي، تقدمت ترجمته.

(٣٣) المنذري: أبو الفضل محمد بن أبي جعفر الهروي، تقدمت ترجمته.

(٣٤) "معاني الأخفش" 2/ 282، و"تهذيب اللغة" 1/ 811.

(٣٥) "تهذيب اللغة" 1/ 810.

وانظر: "العين" 3/ 148، و"الجمهرة" 1/ 277، و"الصحاح" 1/ 109، و"المجمل" 1/ 233، و"مقاييس اللغة" 2/ 59، و"المفردات" ص 232 مادة (حسب).

(٣٦) لم أقف على قائله، وهو في "تهذيب اللغة" 1/ 810، و"اللسان" 2/ 865 مادة (حسب)، و"الدر المصون" 5/ 64.

(٣٧) "معاني الأخفش" 2/ 282.

(٣٨) أبو الهيثم: خالد بن يزيد الرازي، تقدمت ترجمته.

(٣٩) "تهذيب اللغة" 1/ 811، وفيه قال: (الحسبان جمع حساب، وكذلك أَحْسِبَةٌ مثل شِهاب وأَشْهبة) ا.

هـ.

(٤٠) "مجاز القرآن" 1/ 201، 2/ 242، وانظر: "أدب الكاتب" ص 67، و"الزاهر" 2/ 76.

(٤١) ذكره السمين في "الدر" 5/ 64، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 7/ 285.

(٤٢) في (ش): (والشمس)، وهو تحريف.

(٤٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 567، و"الدر المصون" 5/ 64.

(٤٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 274.

(٤٥) "الحجة" لأبي علي 3/ 363.

(٤٦) "معاني الفراء" 1/ 346، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 201.

(٤٧) الشاهد لنُصَيْب الأسود، شاعر أموي في "ديوانه" ص 104، ولرجل من قيس عيلان في "الكتاب" 1/ 170 - 171، وبلا نسبة في "المحتسب" 2/ 78، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 23، و"الصاحبي" ص 212، و"أمالي ابن الحاجب" 2/ 74، و"رصف المباني" ص 105، و"اللسان" 1/ 405، (بين) وللبيت روايات مختلفة، والشكوة: وعاء لتبريد الماء.

والزناد: ما تقدح به النار.

والشاهد: نصب زناد حملًا على موضع شكوة.

انظر: "شرح شواهد المغني" 2/ 798، و"الخزانة" 7/ 74.

(٤٨) في (ش): (ما بين)، وهي رواية للبيت.

(٤٩) الشاهد في "ديوانه" ص 120، و"معاني الفراء" 1/ 346، و"جمهرة اللغة" 2/ 929، و"الاشتقاق" ص 233، و"اللسان" 4/ 2463، مادة (صفف)، والطهاة: الطباخون، وصفيف شواء: شرائح لحم مشوي، وقدير، أي: مطبوخ في قدْر، انظر: "شرح المعلقات" للنحاس 1/ 41.

(٥٠) انظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 97 - 98، وفي "معاني الفراء" 1/ 346، و"الجمل" للزجاجي ص 84 - 85، نحوه، وقال مكي في "المشكل" 1/ 263: ( ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾ انتصبا عطفا على موضع (الليل) لأنه في موضع نصب وقيل: على تقدير وجعل.

وأما على قراءة ﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ ﴾ فهو عطف على اللفظ والمعنى) ا.

هـ.

وانظر: "البيان" 1/ 332، و"التبيان" 1/ 349 و"الفريد" 2/ 198، و"الدر المصون" 5/ 61.

(٥١) لم أقف عليه.

(٥٢) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 580، والطبري 7/ 285، والسمرقندي 1/ 503.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَالِقُ الإصباح ﴾ أي الصبح فهو مصدر سمي به الصبح، ومعنى فلقة: أخرجه من الظلمات، وقيل: إن الظلمة في التي تنفلق عن الصبح، فالتقدير فالق ظلمة الإصباح ﴿ سَكَناً ﴾ أي يسكن فيه عن الحركات ويستراح ﴿ حُسْبَاناً ﴾ أي يعلم بهما حساب الأزمان والليل والنهار ﴿ ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم ﴾ ما أحسن ذكر هذين الإسمين هنا لأن العزيز يقلب كل شيء ويقهره، وهو قد قهر الشمس والقمر وسخرهما كيف شاء، والعليم لما في تقدير الشمس والقمر والليل والنهار من العلوم والحكمة العظيمة وإتقان الصنعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يجعلونه ﴾ ﴿ يبدونها ﴾ و ﴿ يخفون ﴾ بياآت الغيبة: أبو عمرو وابن كثير، الباقون: على الخطاب ﴿ ولينذر ﴾ بياء الغيبة: أبو بكر وحماد.

الباقون: بتاء الخطاب ﴿ بينكم ﴾ بفتح النون: أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل.

الباقون: بالرفع ﴿ وجعل الليل ﴾ على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ وجاعل الليل ﴾ على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة ﴿ وجنات ﴾ بالرفع: الأعشى والبرجمي الباقون: بالنصب ﴿ فمسستقر ﴾ بكسر القاف: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب.

الباقون: بالفتح ﴿ ثمره ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس.

الباقون: بفتحتين ﴿ وخرقوا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بالتخفيف.

الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يجعلونه ﴾ بياء الغيبة.

ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم ﴿ آباؤكم ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط لأن قوله ذرهم} معطوف على ﴿ قل ﴾ ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ ومن حولها ﴾ ط ﴿ يحافظون ﴾ ه ﴿ أنزل الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا ﴿ أنفسكم ﴾ ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة ﴿ تستكبرون ﴾ ه ﴿ ظهوركم ﴾ ج لاتحاد القول.

والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ والنوى ﴾ ط ﴿ من الحي ﴾ ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ فالق الإصباح ﴾ ج لمن قرأ ﴿ وجعل ﴾ لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق ﴿ حسباناً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ومستودع ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقصود ﴿ متراكباً ﴾ ط ومن قرأ ﴿ وجنات ﴾ بالرفع فللعطف على ﴿ قنوان ﴾ لفظاً فيلزمه وقفه على ﴿ دانية ﴾ وإلا فليعطف ويفهم أن ﴿ جنات ﴾ من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على ﴿ متراكباً ﴾ جائز للعطف على قوله ﴿ خضراً ﴾ مع وقوع العارض ﴿ وغير متشابه ﴾ ط ﴿ وينعه ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه.

التفسير: اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد.

فبعد ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ قال ابن عباس: أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة.

وقال أيضاً في رواية: ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير.

وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته.

وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه.

وقال الجوهري: قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدراً من التقدير أي حرره وعرف مقداره.

ثم بيّن سبب عدم عرفانه بقوله ﴿ إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله  ، لأنه إما أن يدعي أنه  ما كلف أحداً من الخلائق تكليفاً أصلاً وهو باطل لأنه فتح باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه  كلف الخلق بالأوامر والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضاً جهل.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون العقل كافياً في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات؟

فالجواب هب أن الأمر كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا أعين بنور من خارج كنور الشمس أو السراج.

وأيضاً تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلا بد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال لإحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شراً في نفس الأمر فلزم أن يكون التعيين من الله  بكونه أعرف بالبواطن كقوله ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وإنما يعرف ذلك المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، ومن أنكر ذلك ولم يجوّز خرق العادة فقد وصف الله  بالعجز ونقصان القدرة.

وقد طعن بعض الملحدة في الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد  فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ على أن قوله ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرّون بنزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى.

وأيضاً الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ومناظرات اليهود مع رسول الله  وآله كانت مدنية، فكيف يمكن حمل الآية على تلك المناظرة؟

والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى.

وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزاماً لهم في قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى متشاركين في إنكار نبوة محمد  وآله لم يبعد أن يكون الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أوّلاً ولأهل الكتاب آخراً وأما إن كانوا أهل الكتاب - وهو المشهور عند الجمهور - فالوجه ما روي عن ابن عباس أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلاً سميناً دخل على رسول الله  وآله فقال له رسول الله  وآله: " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟

فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود" .

فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء.

فقال له قومه: ما هذا الذي بلغنا عنك؟

فقال: إنه أغضبني: ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.

فلعل مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول  وإنه ما أنزل عليه من شيء البتة فأمر بأن يقول في جوابه ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ أي لما سلمت أن الله  أنزل الوحي والتنزيل على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل عليّ شيئاً غاية ما في الباب أن تطالبني بالمعجز.

والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله  فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء بعض وإخفاء بعض.

وقيل: اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال: ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء قالوا: التعليق مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق.

ويرد على هذا التوجيه أن قوله ﴿ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ﴾ لا يكون مبطلاً لكلام الخصم.

أما قوله "إن السورة مكية والمناظرات مدينة" فأجيب عنه بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنه نزلت بالمدينة في هذه الواقعة والله أعلم.

ومن الأحكام المستنبطة من الآية أن قوله ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ يفيد أن عقول الخلق قاصرة عن كنه معرفة الله  وإن كانوا مقرين بالنبوة والرسالة لإطلاق قوله في موضع آخر ﴿ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته  ﴾ ومنها أن النكرة في سياق النفي تعم وإلا لم يكن قوله ﴿ من أنزل ﴾ مبطلاً لقوله ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ومنها أن النقض يقدح في صحة الكلام وإلا لم يكن في قوله ﴿ من أنزل ﴾ حجة.

ويعلم منه أن قول من يقول إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلاً ضعيف وإلا بطلت حجة الله  في هذه الآية، فإن لليهود حينئذ أن تقول: معجزات موسى كانت أظهر وأبهر من معجزاتك فلا يلزم نبوتك.

ومنها أن الغزالي رحمه الله تكلف وقال: حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه شيئاً، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئاً فينتج من الشكل الثاني أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف.

ثم اعلم أنه  وصف كتاب موسى بكونه نوراً وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة.

فالمراد بالنور ظهوره في نفسه.

وبالهدى كونه سبباً لظهور غيره كقوله في وصف القرآن ﴿ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا  ﴾ قال أبو علي الفارسي ﴿ يجعلونه قراطيس ﴾ أي ذات قراطيس أي يودعونه إياها.

فإن قيل: إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم؟

قلنا: لأنهم جعلوه قراطيس مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد  ، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره ﴿ وعلمتم ﴾ أيها اليهود على لسان محمد  ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل: كانوا يقرؤن الآيات المشتملة على نعت محمد  وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله محمداً، فظهر أن المراد منها هو البشارة بمقدمه، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم  ﴾ ﴿ قل الله ﴾ أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله  .

ونظره ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  ﴾ والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء أقر الخصم به أولم يقر فالغرض حاصل.

﴿ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ يقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب و ﴿ يلعبون ﴾ حال من ﴿ ذرهم ﴾ أو من ﴿ خوضهم ﴾ ويحتمل أن يكون ﴿ في خوضهم ﴾ حالاً من ﴿ يلعبون ﴾ وأن يكون صلة له أو لـ ﴿ ذرهم ﴾ .

والمعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فقد قضيت ما عليك كقوله ﴿ إن عليك إلا البلاغ  ﴾ قيل: إنها منسوخة بآية السيف وفيه نظر لأنه مذكور لأجل التهديد فلم يكن نزول آية القتال رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية.

ثم لما ذكر حال التوراة أعقبه بذكر القرآن فقال ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ وفائدة هذا الوصف أنه كان من الممكن أن يظن أن محمداً مخصوص من الله بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب القرآن على هذا النسق من الفصاحة، فنفى ذلك الوهم وبين أن الله هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل  ﴿ مبارك ﴾ كثير خيره دائم نفعه باعث على الخيرات زاجر عن المنكرات لما فيه من أصول العلوم النظرية والعملية.

وقد جرت سنة الله  بأن الباحث عنه والمتمسك به يفوز بعز في الدنيا وسعادة في الآخرة وقد جرب فوجد كذلك.

﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ أي موافق لما قبله من الكتب الإلهية.

أما في الأصول فلأنه يمتنع وقوع التفاوت فيها بحسب الأزمنة والأمكنة.

وأما في الفروع فلأنها مشتملة على التبشير بمقدم محمد  .

ويحصل منه أن التكاليف الموجودة فيها إنما تبقى إلى وقت ظهوره ثم تصير منسوخة ﴿ ولتنذر ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فلأنه أسند الإنذار إلى الكتاب مجازاً لأنه سبب الإنذار ﴿ إنما أنذركم بالوحي  ﴾ وهو معطوف على ما دل عليه سائر الأوصاف كأنه قيل: أنزلناه للبركة ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار، قال ابن عباس: سميت مكة أم القرى لأن الأراضين دحيت من تحتها.

وقال أبو بكر الأصم: لأنها قبلة أهل الدنيا فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعاً، وأيضاً الناس يجتمعون إليها للحج وللتجارة كما يجتمع الأولاد إلى الأم.

وقيل: لأن الكعبة أول بيت وضع للناس.

وقيل: إن مكة أول بلدة في الأرض ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي أهل أم القرى ومن حولها.

قيل: المراد أهل جزيرة العرب فاستدل اليهود بذلك على أنه مبعوث إلى العرب فقط.

وأجيب بأن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على نفي ما عداها لا سيما وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى العالمين.

ويحتمل أن يقال: ما حوالي مكة يتناول جميع البلاد ﴿ والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ﴾ أي بهذا الكتاب لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خالفها لم يزل به الخوف حتى يؤمن.

وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير قاعدة البعث والقيامة مثل محمد  ، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث والحشر ﴿ وهم على صلاتهم يحافظون ﴾ يعني أن الإيمان بالآخرة كما أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على محافظة الصلوات.

وخص الصلاة بالذكر لأنها عماد الدين وسنام الطاعات كاد المحافظ عليها أن يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها.

ثم ذكر ما يدل على وعيد من ادّعى النبوّة وإنزال الكتاب عليه فرية وافتراء فقال ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ قال المفسرون: نزلت في الكذابين مسيلمة الحنفي والأسود العنسي.

عن النبي  "رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني.

فأوحى الله إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا عني فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الأسود العنسي" .

﴿ أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ﴾ كان مسيلمة يقول: محمد  وآله رسول الله في بني قريش، وأنا رسول الله في بني حنيفة.

واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من نسب إلى الله  ما هو بريء منه إما في الذات وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلاً تحت هذا الوعيد ﴿ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ قال المفسرون: هو النضر بن الحرث كان يدعي معارضة القرآن وهو قوله ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا  ﴾ وروي أن عبد الله بن سعد أبي سرح القرشي كان يكتب الوحي لرسول الله  ، وكان إذا تلا عليه "سميعاً عليماً" كتب هو "عليماً حكيماً" وإذا قال "عليماً حكيماً" كتب "غفوراً رحيماً" فلما نزل ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] أملاه الرسول  .

فلما وصل إلى قوله ﴿ أنشأناه خلقاً آخر ﴾ عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي  اكتبها فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد  صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن كان كاذباً لقد قلت كما قال فارتد عن الإسلام ولحق بمكة.

فلما دخل رسول الله  مكة فر إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، ثم أتى به رسول الله  فاستأمن له.

ثم فصل ما أجمل من الوعيد فقال ﴿ ولو ترى ﴾ الآية.

وجوابه محذوف أي لرأي يا إنسان أمراً عظيماً ﴿ إذ الظالمون ﴾ يعني الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة.

فاللام للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس فيندرج هؤلاء فيه.

وغمرات الموت شدائده وسكراته.

وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ﴾ قيل: إنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الخطاب؟

وأجيب بوجوه منها: أن المراد ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة إذا ما دخلوا جهنم، وغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ بالعذاب يكلمونهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذا العذاب الشديد إن قدرتم.

ومنها ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ﴾ عند نزول الموت بهم في الدنيا ﴿ والملائكة باسطوا أيديهم ﴾ لقبض أرواحهم يقولون لهم ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام، ومنها هاتوا أرواحكم وأخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويقول: أخرج إليّ مالي عليك ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك.

ومنها أنه ليس بأمر وإنما هو وعيد وتقريع كقوله القائل: امض الآن لترى ما يحل بك، والتحقيق أن نفس المؤمن حال النزع تنبسط في الخروج إلى لقاء ربه، ونفس الكافر تكره ذلك ويشق عليها الخروج، وقطع التعلق لأنها تصير إلى العذاب وإليه الإشارة في الحديث " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فهؤلاء الكفار يكرههم الملائكة على نزع الروح وعلى فراق المألوف.

وفي الآية دلالة على أن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل المحسوس، لأن المخرج يجب أن يكون مغايراً للمخرج منه ﴿ اليوم ﴾ يريد وقت الإماتة أو الوقت الممتد الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة ﴿ تجزون عذاب الهون ﴾ كقولك "رجل سوء" بالإضافة لأن العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة كما أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم، والتركيب يدور على قلة المبالاة بالشيء ومنه بالفتح السكينة والوقار، وهان عليه الشيء أي حقر، وأهانه استخف به، والاسم الهون بالضم والهوان والمهانة.

والحاصل أنه جمع لهم بين الأمرين الإيلام والإهانة ﴿ بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ يعني أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بمجموع الأمرين: الافتراء على الله والتكبر على آيات الله وهو عدم الإيمان بها.

قال الواحدي ﴿ وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ أي لا تصلون له لقوله  "من سجد لله سجدة واحدة بنية صادقة فقد برىء من الكبر" ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على قول الملائكة ﴿ أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون ﴾ ثم الملائكة إما الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، وإما الملائكة الموكلون بعذابهم، ويحتمل أن يكون القائل هو الله  إن جوزنا أنه يتكلم مع الكفار ﴿ فرادى ﴾ جمع ينون ولا ينوّن واحده.

قيل: فرد على غير قياس: فردان كسكارى وسكران قاله ابن قتيبة.

وقيل: فريد كرديف وردا في وهم الحداة والأعوان لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر ﴿ كما خلقناكم ﴾ أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو مجيئاً مثل خلقنا لكم.

﴿ أوّل مرة ﴾ والمراد التوبيخ والتقريع لأنهم بذلوا جهدهم وصرفوا كدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما المال والجاه، والثاني أنهم عبدوا الأصنام وجعلوها شركاء لله فيهم فقلبوا القضية وتركوا الحقيقة، وذلك أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بالجسد ليكون البدن آلة لها في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة، فإذا فارقت البدن ولم يحصل لها هذان المطلبان عظم خسرانها وطال حرمانها فاستحق التوبيخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ أي منفردين عما يجب من الأعمال والعقائد.

ثم إنها مع ذلك اكتسبت أشياء قد علق الرجاء بها لأنه أفنى العمر في تحصيلها وأنها ليست مما يبقى معها فلا جرم استحق التقريع بقوله ﴿ وتركتم ما خوّلناكم ﴾ أي أعطينا وتفضلنا به عليكم ﴿ وراء ظهوركم ﴾ يعني أنها كالشيء الذيي يبقى وراء ظهر الإنسان فلن يمكنه الانتفاع به وربما بقي معوج الرأس بسبب التفاته إليه ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم ﴾ أي ليسوا معكم حتى يروا، أو ليسوا معكم بالشفاعة والنصرة كما زعمتم بدليل قوله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ الآية.

من قرأ بالنصب على الظرف فمعناه وقع التقطع بينكم كقوله ﴿ وتقطعت بهم الأسباب  ﴾ يقال: جمع بين الشيئين أي وقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره.

وقيل: المراد لقد تقطع وصلكم بينكم كقولهم إذا كان غداً فأتني أي إذا كان الرجاء أو البلاء غداً فأتني فأضمر لدلالة الحال، ومن قرأ بالرفع فلأنه أسند الفعل إلى الظرف اتساعاً كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم، أو لأن المراد بالبين الوصل وإنما حسن استعماله في معنى الوصلة مع أن أصله الافتراق والتباين لأنه يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه كقولهم: بيني وبينه مشاركة وبيني وبينه رحم.

والمعنى لقد تقطع وصلكم.

قلت: ويحتمل أن يكون البين بمعنى الافتراق ويفيد المبالغة كقولهم: جد جده.

فإذن العاقل من يكسب الزاد ليوم المعاد حتى لا يوبخ بقوله ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ ويصرف المال في وجوه التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله حتى لا يخاطب بقوله ﴿ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ﴾ بل يكون من زمرة ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله  ﴾ كيلا تطول حسرته يوم ينقطع بين النفس والجسد وصله.

ثم إنه  لما فرغ من تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال قدرته لتعلم أن حال المباحث العقلية والنقلية إنما هو معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله فقال ﴿ أن الله فالق الحب والنوى ﴾ أي بالنبات والشجر.

وعن مجاهد أراد الشقين اللذين في الحنطة والنواة، والفلق هو الشق.

وعن ابن عباس والضحاك: الفلق هو الخلق.

ووجه بأن العقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انشقاق، فإخراج الشيء من العدم إلى الوجود شق لذلك العدم وفلق بحسب التخيل والتعقل.

واعلم أنه إذا وقعت الحبة والنواة في الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله في أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً، أما العالي فيخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما السافل فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وههنا عجائب منها: أن طبيعة الشجرة إن كانت تقتضي الهويّ في الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء وبالعكس.

فاتصال الشجرتين على التبادل ليس بمقتضى الطبع والخاصية بل بمقتضى إرادة الموجد المختار.

ومنها أن باطن الأرض جسم صلب كثيف لا تنفذ فيه المسلة ولا السكين، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق مع غاية نعومتها تقوى على النفوذ والغوص في جرم الأرض، فحصول هذه القوّة الشديدة للجرم الضعيف ليس إلا بتقدير العزيز العليم.

ومنها أنه يتولد من النواة شجرة ويحصل من الشجرة أغصان وأوراق وأزهار وأثمار، وللثمر قشر أعلى وقشر أسفل وفيه اللب، وفي اللب الدهن الذي هو المقصود الأصلي فتولد هذه الأجرام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وطعومها وأشكالها مع تساوي تأثيرات النجوم والطبائع في المادة الواحدة يدل على وجود الفاعل المختار.

ومنها أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس وماؤه ولحمه حار رطب.

ومنها أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة، فبعضها يكون لبه في الداخل وقشره في الخارج كالجوز واللوز، وبعضها يكون فاكهته المطلوبة في الخارج والخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها يكون لنواها لب كالخوخ وقد لا يكون كالتمر، وبعض الفواكه يكون كله مطلوباً كالتين.

فهذه الأحوال المختلفة والأشكال المتخالفة.

تتضمن حكماً وفوائد لا يعلمها إلا مبدعها.

ومنها أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت في وسطها خطاً واحدا ًمستقيماً يشبه النخاع في بدن الإنسان ولا يزال يستدق حتى يخرج عن إدراك الحس، ثم ينفصل عن ذلك الخط خطوط دقائق أصغر من الأول، فكأنه  أوجد ذلك لتقوى به الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة.

فإذا وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في إيجاد جملة تلك الشجرة أكثر، وعلمت أن عنايته بتخليق الحيوان الذي خلق النبات لأجله يكون أكمل، وكذا عنايته بحال الإنسان الذي خلق لأجله النبات والحيوان ويصير ذلك مرقاة لك إلى وجود الصانع الخبير الحكيم القدير.

ثم بين كونه فالق الحب والنوى بقوله ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان ولهذا قال ﴿ يحيي الأرض بعد موتها  ﴾ ثم عطف على قوله ﴿ فالق الحب ﴾ قوله ﴿ ومخرج الميت من الحي ﴾ قال ابن عباس: أخرج من النطفة بشراً حياً ثم يخرج من البشر الحي نطفة، أو يخرج من البيض دجاجة ومن الدجاجة بيضاً، أو يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كنوح وابنه، أو المطيع من العاصي والعاصي من المطيع، أو العالم من الجاهل والجاهل من العالم، أو الكامل من الناقص والناقص من الكامل، وقد يجعل الضار نافعاً وبالعكس.

يحكى أن إنساناً سقى الأفيون في الشراب ليموت فلما تناوله ظن القوم أنه سموت فرفعوه وجعلوه في بيت مظلم فلدغته حية وصارت تلك اللدغة لقوّة حرارة سم الحية سبباً لدفع ضرر برد الأفيون.

ونقل عن عبد القاهر الجرجاني أن قوله ﴿ ومخرج الميت ﴾ معطوف على قوله ﴿ يخرج ﴾ وإنما حسن عطف الاسم على الفعل ههنا، لأن لفظ الفعل يدل على اعتناء الفعل بذلك الفعل في كل وقت بخلاف لفظ الاسم ولهذا قال ﴿ هل من خالق غير الله يرزقكم  ﴾ ليفيد أنه يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة إذا ثبت هذا فنقول الحي أشرف من الميت، فذكره بلفظ الفعل فيدل على أن الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من العكس ﴿ ذلكم الله ﴾ المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، أم كيف تستبعدون البعث والنشور لأن الإعادة أهون من الإبداء؟

ثم عدل عن الأحوال الأرضية إلى الاستدلال بما فوقها وهي الأحوال الفلكية فقال ﴿ فالق الإصباح ﴾ وهو مصدر سمي بهالصبح، المراد فالق ظلمة الإصباح وهو الغبش في آخر الليل وكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة.

ثم إنه  شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى فيه جدولاً من النور.

فالمعنى فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح، وحسن الحذف للعلم به.

أو المراد فالق الإصباح ببياض النهار وإسفاره ومنه قولهم "انشق عمود الفجر وانصدع الفجر" أو المراد مظهر الإصباح بواسطة فلق الظلمة، فذكر السبب وأراد المسبب، أو الفالق بمعنى الخالق كما مر وقد سلف لنا تقرير الصبح في البقرة في تفسير قوله عز من قائل ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار  ﴾ ثم إن كون الصبح بسبب وقوع ضوء الشمس على ضلع مخروط ظل الأرض في جانبه الشرقي لا ينافي كون الله  فالق الإصباح بالحقيقة، كما أن وجود النهار بسبب طلوع جرم الشمس عن الأفق لا ينافي ذلك، والإمام فخر الدين الرازي أراد أن يبين أن ذلك بقدرة الفاعل المختار فنفى كونه بسبب ضوء الشمس بحجج اخترعها من عنده وكلها خلاف المعقول والمنقول من علم الرياضة فلذلك أسقطناها عن درجة الاعتبار.

النوع الثاني من الدلائل الفلكية الدالة على التوحيد قوله ﴿ وجاعل الليل سكناً ﴾ حجة من قرأ باسم الفاعل أن المعطوف عليه اسم فاعل، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله بعد ذلك ﴿ والشمس والقمر ﴾ منصوبان ولا بد من عامل وما ذلك إلا أن يقدر "جاعل" بمعنى "جعل".

والسكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار: سكن كما سموها المؤنسة لأنها يستأنس بها، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه.

ويحتمل أن يراد: وجعل الليل مسكوناً فيه كما قال ﴿ لتسكنوا فيه  ﴾ فالليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، فهما نعمتان من الله  وآيتان على وحدته وقدرته.

النوع الثالث قوله ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ أي سببي حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بسيرهما ودورهما.

والحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر.

وقيل: إنه جمع حساب مثل "شهاب" وشهبان".

قال في الكشاف: الشمس والقمر قرئا بالحركات الثلاث.

فالنصب على إضمار فعل دل عليه ﴿ جاعل الليل ﴾ أو يعطفان على محل الليل لأن اسم الفاعل أريد به ههنا الاستمرار كما تقول: الله عالم قادر.

فلا تقصد زماناً دون زمان فتكون الإضافة غير حقيقة ويكون لليل محل.

قلت: وهذا مناقض لما ذكره في ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ من أنه يجوز أن يراد به زمان مستمر حتى تكون الإضافة حقيقية، ويصح وقوعه صفة للمعرفة.

وأما وجه الجر فظاهر.

ووجه الرفع كونهما مبتدأين محذوفي الخبر أي والشمس والقمر مجعولان أو محسوبان حسباناً ﴿ وذلك ﴾ الجعل ﴿ تقدير العزيز ﴾ الذي قهرهما ﴿ العليم ﴾ الذي دبرهما.

وذلك أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيآتها المحدودة وأوضاعها المعينة لا يتم إلا بقدرة شاملة لجميع الممكنات وعلم نافذ في الكليات والجزيئات.

النوع الرابع قوله ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ عد ههنا من منافع النجوم كونها سبباً للاهتداء إلى الطرق والمسالك ﴿ في ظلمات البر والبحر ﴾ حيث لا يرون شمساً ولا قمراً.

والتقدير في ظلمات الليل بالبر والبحر فأضافها إليهما لملابستها لهما.

وقيل: المراد ظلمات بر التعطيل وبحر التشبيه فإن اختصاص كل من هذه الكواكب بحال وصفة أخرى مع تشاركها في الجسمية دليل ظاهر على مختار قادر.

وأيضاً اتصافها بالأعضاء والأبعاض والحدود والأحياء مع أنها لا تصلح للإلهية بالاتفاق دليل على تنزيه الله  من هذه السمات ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾ فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب.

ثم عدل عن الآيات الآفاقية إلى آيات الأنفس فقال ﴿ وهو الذي أنشأكم ﴾ أي خلقكم بطريق النشؤ والنماء ﴿ من نفس واحدة ﴾ هي آدم وحوّاء مخلوقة من ضلع من أضلاعه، وكذا عيسى لأنه من مريم وإن كان يتوسط كلمة "كن" أبو بالنفخ وهي من آدم ﴿ فمستقر ﴾ من قرأ بكسر القاف فالتقدير فمنكم مستقر ﴿ و ﴾ منكم ﴿ مستودع ﴾ الأول اسم فاعل والثاني اسممفعول.

ومن قرأ بفتح القاف فالتقدير: فلكم مستقر ولكم مستودع.

فيكون كلاهما اسمي مكان أو مصدراً.

وذلك أن استقر لازم فلا يجيء منه المفعول به بلا واسطة فينبغي تفسير مستودع أيضاً بما يشاكله استحساناً.

وعن ابن عباس: أن المستودع الصلب والمستقر الرحم لقوله ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء  ﴾ ولأن اللبث في الرحم أكثر فيكون لفظ القرار بذلك أنسب بخلاف المستودع فإنه في معرض الاسترداد ساعة فساعة، وهذا شأن المني في الأصلاب فإنه بصدد الإراقة في كل حين وأوان.

وقيل: المستقر صلب الأب والمستودع الرحم، لأن النطفة قد حصلت في صلب الأب أوّلاً واستقرت هناك، ثم حصلت في الرحم على سبيل الوديعة، ولأن هذا الترتيب يناسب تقديم المستقر على المستودع.

وعن الحسن: المستقر حاله بعد الموت لأن سعادته وشقاوته تبقى وتستقر على حالة واحدة والمستودع حاله قبل الموت، لأن الكافر قد ينقلب مؤمناً والفاسق صالحاً والوديعة على شرف الزوال والذهاب.

وقال الأصم: المستقر الذي خلق من النفس الأولى وحصل في الوجود والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق.

وعنه أيضاً المستقر من في قرار الدنيا، والمستودع من في القبور إلى يوم البعث.

وعن قتادة بالعكس.

وعن أبي مسلم الأصفهاني: المستقر الذكر لأن النطفة إنما تستقر في صلبه، والمستودع الأنثى لأنها تستودع النطفة.

وحاصل الكلام أن الإنسان خلق من نفس واحدة ثم إنه يتقلب في الأطوار ويتردد في الأحوال، وليس هذا بمقتضى الطبع والخاصية وإلا لتساوى الكل في الأخلاق والأمزجة فذلك إذن بتدبير فاعل قدير مختار خبير.

ولهذا قال ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ ميزنا بعضها عن بعض ﴿ لقوم يفقهون ﴾ لأن الفائدة تعود إليهم وإن كان الإرشاد عاماً، ولأن آيات الأنفس أقرب إلى الاعتبار وأهون لدى الاستبصار ختم هذه الآية بالفقه، وخصص خاتمة الآية الأولى بالعلم ليعلم أن الغافل عن هذه لا فطنة له ولا ذكاء أصلاً فضلاً عن العلم.

ثم عدد ما كونه نعمة أبين فيه من كونه آية فقال ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ قيل: أي من جانب السماء وقيل: أي من السحاب لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت.

وقال أكثر أهل الظاهر: أي من السماء نفسها لأنه  فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد.

ونحن قد حكينا في أول سورة البقرة مذهب الحكماء في هذا الباب والله  أعلم.

قال ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر، ولا تنزل قطرة من السماء إلا ومعها ملك.

والفلاسفة يحملون ذلك على الطبيعة الحالة فيها الموجبة للنزول إلى مركزها.

﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة ذلك الماء وذلك يوجب الطبع والمتكلمون ينكرونه ﴿ نبات كل شيء ﴾ قال الفراء: أي نبات كل شيء له نبات فيخصص بنبت كل صنف من أصناف النامي ويخرج ما عدا ذلك.

وفي الآية التفاتان: الأول من الحكاية إلى الغيبة حيث لم يقل "نحن الذين أنزلنا" والثاني من الغيبة إلى الحكاية وأنت خبير أن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب باب من أبواب البلاغة، وصيغة الجمع لأجل التعظيم كما هو ديدن الملوك.

ثم لما بين أن السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف كثيرة فصل ذلك بعض التفصيل حسب ما ذكر في قوله ﴿ إن الله فالق الحب والنوى ﴾ فقال ﴿ فأخرجنا منه ﴾ أي من النبات ﴿ خضراً ﴾ شيئاً أخضر طرياً وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة.

﴿ نخرج منه ﴾ أي من ذلك الخضر ﴿ حباً متراكباً ﴾ بعضه على بعض.

قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة، فأصل ذلك هو العود الأخضر وتكون السنبلة راكبة عليه من فوقه والحبات متراكبة وفوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كالإبر.

والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة.

ولما ذكر ما نبت من الحب أتبعه ذكر ما ينبت من النوى فقال ﴿ ومن النخل ﴾ وهو خبر وقوله ﴿ من طلعها ﴾ بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل ﴿ قنوان ﴾ أو الخبر محذوف لدلالة أخرجنا عليه.

والتقدير: ومخرجة من طلع النخل قنوان وهو جمع قنو كصنوان وصنو.

والقنو العذق وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب، والطلع أول ما يبدو من غذق النخلة.

قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية من تحتها.

وعنه أيضاً أنه أراد عذوق النخلة اللاصقة بالأرض.

قال الزجاج: ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن أحد القسمين يغني عن الآخر كما قال ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ ويحتمل أن يقال: ترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأتم.

وقيل: أراد بكونها دانية أنها سهلة المجتنى متعرضة للقاطف كالشيء الداني القريب المتناول، وأن النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها بالثمر لا تنتظر الطول ﴿ وجنات من أعناب ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ خضراً ﴾ أي وأخرجنا به جنات من أعناب.

ومن قرأ بالرفع فعلى أنها مبتدأ محذوف الخبر أي وثم جنات من أعناب، أو وجنات من أعناب مخرجة، ولا يجوز أن يكون عطفاً على قنوان وإن جوّزه في الكشاف، إذا يصير المعنى وحاصلة أو مخرجة من النخل من طلعها جنات حصلت من أعناب.

أما قوله ﴿ والزيتون والرمان ﴾ بالنصب فللعطف على منصوبات قبلها أو للاختصاص لفضل هذين الصنفين.

قال الفراء: أراد شجر الزيتون وشجر الرمان فحذف المضاف.

واعلم أنه  قدم الزرع على الأشجار لأنه غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه، ثم قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يقوم مقام الغذاء ولا سيما للعرب.

ومن فضائلها أن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوانات مشابهات كثرة ولهذا قال  "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من بقية طينة آدم" ثم ذكر العنب عقيب النخل لأنه أشرف أنواع الفواكه وأنه ينتفع به من أوّل ظهوره إلى آخر حاله.

فأوّله خيوط دقيقة حامضة الطعم لذيذة وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم يظهر الحصرم وهو طعام شريف للأصحاء وللمرضى من أصحاب الصفراء، ثم يتم العنب فيؤكل كما هو ويدخر ويتخذ منه الزبيب والدبس والخمر والخل ومنافع كل منها لا تحصى، إلا أن الخمر حرمها الشرع لإسكارها.

وأخس ما في العنب عجمه والأطباء يتخذون منه جوارشنات نافعة للمعدة الضعيفة الرطبة.

ويتلو العنب في المنفعة الزيتون لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل منه الزيت الذي يعظم غناؤه، وأما الرمان فحاله عجيبة جداً لأنه قشر وشحم وعجم وماء.

والثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة، وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات وأنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف وهو غذاء من وجه ودواء من وجه، وكأنه  جمع فيه بين المتضادين فيكون دلالة القدرة والرحمة والحكمة فيه أكمل وأنواع النبات أكثر من أن يفي بشرحها المجلدات فاكتفى بذكر هذه الأنواع الخمسة تنبيهاً على البواقي.

وأما قوله ﴿ مشتبهاً وغير متشابه ﴾ ففي تفسيره وجوه الأوّل أن هذه الفواكه تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذّة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس.

الثاني أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية، وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنها تكون مختلفة، ومنهم من يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة.

ومنهم من قال: بعض حبات العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه وذلك أنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة فإنها بقيت على أوّل حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة، ومعنى اشتبه وتشابه واحد يقال: اشتبه الشيئان وتشابها كقولك: استويا وتساويا.

وإنما قال ﴿ مشتبهاً ﴾ ولم يقل "مشتبهين" إما اكتفاء بوصف أحدهما، أو على تقدير والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك كقوله: رماني بأمر كنت ووالدي *** بريئا ومن أجل الطويّ رماني ﴿ انظروا إلى ثمره ﴾ من قرأ بفتحتين فلأنه جمع ثمرة مثل: بقر وبقرة، وشجر وشجرة.

ومن قرأ بضمتين فعلى أنه جمع ثمرة أيضاً مثل: خشبة وخسب.

قال  ﴿ كأنهم خشب مسندة  ﴾ أو على أن ثمرة جمعت على ثمار ثم جمع ثمار على ثمر ﴿ إذا أثمر ﴾ إذا أخرج ثمره ﴿ وينعه ﴾ يقال: ينعت الثمرة ينعاً وينعاً بالفتح والضم إذا أدركت ونضجت.

أمر بالنظر في حال ثمر كل شجرة أوّل حدوثها وفي آخر حالها فإنها قد تكون موصوفة بالخضرة والحموضة ثم تصير إلى السواد والحلاوة، وربما كانت أوّل الأمر باردة بحسب الطبيعة ثم تصير حارة الطبع وقد يخرج ضيئلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به، ثم يؤول إلى كمال اللذة والمنفعة فحصول هذه الانتقالات والتغيرات لا بد له من سبب مستقل في التأثير سوى الطبائع والفصول والأفلاك والنجوم وما ذاك إلا السبب الأوّل ومبدع الكل، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ قال القاضي: المراد لمن يطلب بالإيمان بالله لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن، ويحتمل أن يقال: خص المؤمنين لأنهم المنتفعون بذلك دون غيرهم، أو المراد أن هذه الدلالة على قوّتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله  في حقه بالإيمان وإلا فلا ينتفع به ألبتة ويكون من زمرة من قال في حقهم ﴿ وجعلوا الله شركاء الجن ﴾ قال الكلبي: عن ابن عباس نزلت في الزنادقة قالوا إن الله  وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب.

قال في التفسير الكبير: هذا مذهب المجوس فإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله يسمى بالزند والمنسوب إليه زندي، ثم عرّب فقيل زنديق، ثم جمع فقيل زنادقة، ثم إنهم قالوا كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة كقولهم إنه  فكر في مملكة نفسه واستعظمها ففعل نوعاً من العجب فتولد الشيطان من ذلك العجب، وكقولهم شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان.

والأقلون منهم قالوا إنه قديم أزلي والحاصل أنهم يقولون: عسكر الله  هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة وهم أرواح طاهرة مقدسة تلهم الأرواح البشرية الطاعات، والشياطين فيهم أيضاً كثرة عظيمة يلقون الوساوس إلى الأرواح البشرية، والله  مع عسكره يحاربون إبليس مع عسكره فلهذا السبب حكى الله  عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن بلفظ الجمع وإن كان شريكه عندهم بالحقيقة واحداً وهو أهرمن.

وانتصاب ﴿ الجن ﴾ على أنه بدل أو بيان لشركاء أو على أنه مفعول أول لـ ﴿ جعلوا ﴾ و ﴿ شركاء ﴾ ثانيه ويكون ﴿ لله ﴾ طرفاً لغواً.

وفائدة تقديم المفعول الثاني على هذا القول استعظام أن يتخذ لله شريك كائناً من كان، ملكاً أو جنياً أو إنسياً، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء.

وقرىء ﴿ الجن ﴾ بالرفع كأنه قيل: من هم؟

فقيل: الجن.

وبالجر على الإضافة التي للتبيين.

وقيل: إن الآية نزلت في الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله.

وحسن إطلاق الجن على الملائكة لاستتارهم عن العيون.

ومعنى كونهم شركاء أنها مدبرة لأحوال هذا العالم ومعينة لله إعانة الولد للوالد.

وعن الحسن وطائفة من المفسرين: أن المراد أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام وإلى القول بالشركة فأطاعوهم كما يطاع الله.

أما قوله ﴿ وخلقهم ﴾ فإشارة إلى الدليل القاطع على إبطال الشريك.

والضمير فيه إما أن يعود إلى الجن أو إلى الجاعلين فإن عاد إلى الجن فإن قلنا إن الآية نزلت في المجوس فتقريره أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس محدث ولو لم يعترفوا بذلك والبرهان العقلي قائم على أن ما سوى الحق الواحد ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محدث، فنقول حينئذ، كل محدث مخلوق وله خالق وما ذاك إلا الله  ، وحينئذ يلزمهم نقض قولهم لأنه ثبت أن إله الخير قد فعل أعظم الشرور وهو خلق إبليس الذي هو مادة كل شر.

وإن قلنا.

إنها نزلت في كفار العرب القائلين الملائكة بنات الله، فظاهر لأنهم يسلمون أن الملائكة مخلوقون وأنهم تولدوا منه تولد الولد من الوالد.

وإن عاد الضمير إلى الجاعلين فالمعنى.

وعلموا أن الله خلقهم دون الجن كقوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ ولم يمنعهم علمهم أن يتّخذوا من لا يخلق شريكاً للخالق.

والجملة في موضع الحال أي وقد خلقهم.

وقرىء ﴿ وخلقهم ﴾ بسكون اللام أي اختلاقهم للإفك يعني جعلوا لله خلقهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم ﴿ والله أمرنا بها  ﴾ ثم حكي عن قوم آخرين نوعاً آخر من الإشراك فقال ﴿ وخرقوا له بنين وبنات ﴾ وذلك قول أهل الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في الملائكة، ومن هنا يعلم ضعف قول من قال ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ نزل في كفار قريش لأنه لزم التكرار من غير فائدة ظاهرة، يقال: خرق الإفك وخلقه واخترقه واختلقه بمعنى.

قال الحسن: كلمة عربية كان الرجل، إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله أعلم.

ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له بنين وبنات.

أما قوله ﴿ بغير علم ﴾ فكالتنبيه على إبطال قولهم، فإن من عرف الإله حق معرفته استحال أن يثبت له ولداً لأن ذلك الولد إن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخرة تعلق الفرعية، وإن كان ممكن الوجود لذاته كان موجوداً بإيجاد الواجب وكان عبداً له لا ولداً.

وأيضاً الولد إنما يحتاج إليه ليقوم مقام الوالد بعد فنائه ومن تقدس عن الفناء لم يحتج إلى الولد.

وأيضاً الولد جزء من أجزاء الوالد ومن لم يكن مركباً استحال أن ينفصل منه جزء يتولد منه الولد.

ثم نزه نفسه عما لا يليق به فقال {  } وهذا على لسان المسبحين ﴿ وتعالى عما يصفون ﴾ وهذا له في نفسه سواء سبحه مسبح أم لا.

والمراد بالتعالي العو بالشرف والرفعة بدليل قوله عما يصفون.

التأويل: ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ حين أنكروا إنزال الكتب والبعثة على أنهم لو اعترفوا بذلك أيضاً لم يعرفوه حق معرفته لأن المحاط لا يحيط بالمحيط.

نعم تزداد معرفته بازدياد معرفة أوصافه ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ أي في القراطيس، وما يجعلونه في قلوبهم بالتخلق بأخلاقه ﴿ وعلمتم ﴾ بتعليم محمد  ﴿ ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ﴾ كقوله ﴿ ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون  ﴾ ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سراً بسر وإضماراً بإضمار، والذي علم النبي هو الله وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بأخلاقه، وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب ﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ لأنه يصدق حقائق جميع ما في الكتب ﴿ ولتنذر أم القرى ﴾ وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وقد دحيت جميع أرض القلب من تحتها ﴿ ومن حولها ﴾ من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوّروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه.

﴿ والذين يؤمنون بالآخرة ﴾ فيستعملون الأدوات والآلات في أمور الدنيا والآخرة لا في الدنيا الفانية وشهوات النفس وهواها ﴿ يؤمنون ﴾ بالقرآن ﴿ وهم على صلاتهم ﴾ بالترقي في صفاتهم إلى التخلق بأخلاق القرآن يداومون، فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ بإظهار المواجد والحالات رياء ومراء من غير أن يكون له منها نصيب، ﴿ أو قال أوحي إليّ ﴾ الإشارات ولم يلهم نفسه شيئاً منها، ومن قال متشدّقاً متفيهقاً سأتكلم بمثل كلام الله من الحقائق والأسرار فتظهر مضرة ظلمة وافترائه عند سكرات الموت، وانقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس عن القالب كرهاً لتعلقها بالشهوات واللذات وطلب الرياسات، ويكون شدة النزع والهوان بحسب التعلقات ﴿ ولقد جئتمونا فرادى ﴾ عن الدنيا وما يتعلق بها، أو فرادى عن تعلقات الكونين ﴿ كما خلقناكم أوّل مرة ﴾ في أوّل خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب.

﴿ وتركتم ﴾ بالتجريد عن الدنيا وبالتفريد عن الدنيا والآخرة ﴿ ما خولناكم ﴾ من تعلق الكونين ﴿ وراء ظهوركم وما نرى معكم ﴾ الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ وبينها عند انتهاء سيركم كما انتهى سير جبريل عند سدرة المنتهى، وحينئذ لا يصل إلى الوحدة إلا بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله بالله ونفى السدرة وهو يقول ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ ﴿ إن الله فالق ﴾ حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحق في الدارين.

وأيضاً يخرج نخل الإيمان الحق من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله ﴿ فالق الإصباح ﴾ فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات.

وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل البشرية ستراً عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية ﴿ والشمس والقمر حسباناً ﴾ يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب.

وأيضاً تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة "أنا الحق وسبحاني" وفي تفريطه آفة أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى.

﴿ ذلك تقدير العزيز ﴾ الذي لا يهتدى إليه إلا به ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق الاهتداء إليه ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم ﴾ نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب ﴿ لتهتدوا بها في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية.

﴿ وهو الذي أنشأ ﴾ أرواحكم من روح واحد هو روح محمد  "أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي البشر" فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح.

وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو مستقر ببقاء الحق باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء ﴿ قد فصلنا ﴾ دلالات الوصول في الوصال ﴿ لقوم يفقهون ﴾ إشارات القلوب ﴿ وهو الذي أنزل ﴾ من سماء العناية ﴿ ماء ﴾ الهداية ﴿ فأخرجنا به نبات كل شيء ﴾ من أنواع المعارف ﴿ فأخرجنا منه خضراً ﴾ طرياً من المعاني والأسرار ﴿ يخرج به ﴾ من الحقائق ما تركب بعضها فترتب بعضها على بعض ﴿ ومن النخل ﴾ يعني أصحاب الولايات من طلعها} من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين أي منهم من يكون مريئاً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المريدين.

﴿ وجنات ﴾ يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوّة الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع ﴿ مشتبهاً ﴾ أي متفقاً في الأصول والفروع ﴿ وغير متشابه ﴾ أي مختلفاً فيما بين العلماء ﴿ انظروا ﴾ إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام ﴿ وينعه ﴾ أي الكامل منها.

﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ بأحوالهم وينتفعون بأموالهم وأحوالهم.

﴿ وجعلوا لله ﴾ إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ﴾ .

قيل: فالق الحب والنوى كما قال الله -  -: ﴿ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ؛ وكقوله  : ﴿ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ  ﴾ أي: خلقكم يخبر أنه خالق الحب والنوى، خص الحب [والنوى] بالذكر لما منهما خلق جميع ما في الدنيا من الأنزال والحبوب؛ كقوله  : ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ منذ ما خلق ما في الدنيا من البشر، فأضاف ذلك إليه؛ فعلى ذلك لما خلق هذه الأنزال كلها من الحب والنوى، ومنها أخرج، أضاف إليها ذلك، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون ليس بإخبار عن ابتداء إنشاء، ولكن إخبار عن لطفه.

والفلق: هو الشق، يخبر أنه يشق النواة مع شدتها وصلابتها، ويخرج منها نبتاً أخضر ليناً، ما لو اجتمع كل الخلائق على إنفاذه وإخراج مثله من غير أذى يصيب ذلك النبت ما قدروا عليه، يخبر عن لطفه وقدرته، أي: من قدر على هذا لقادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد إماتتهم وإفنائهم، وإن لم يبق لهم أثر؛ كما قدر على هذا، يعرفهم قدرته أنها غير مقدرة بقدرة الخلق وبقوتهم، بل خارجة عن قوتهم؛ لأن قوته وقدرته ذاتية أزلية بلا سبب، وقوتهم وقدرتهم بأسباب؛ وكذلك ما يشق من الورق الضعيف اللين الشجر والنخل مع شدته وصلابته، ما لو اجتمع الخلائق كلهم على شق ذلك الشجر بذلك الورق مع لينه ما قدروا عليه، يعرفهم لطفه وقدرته أنه لا يعجزه شيء.

وفيه أن ذلك فعل واحد؛ لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أراد هذا شقه منع الآخر عن ذلك.

وفيه أنه على تدبير خرج لا جزافاً؛ حيث اتفق ذلك في كل عام على قدر واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ .

إن الحب والنوى التي ذكر ميت، فيخرج منهما النبات الأخضر حيّاً، ثم يميت ذلك ويخرج منه حباً ونوى.

وفيه دلالة البعث بعد الموت؛ يقول: إن الذي قدر على إخراج النبات الأخضر الحي من حبة ميتة أو نواة ميتة، وليس فيها من أثر ذلك الحي شيء - لقادر أن يبعثهم ويحييهم بعد الموت، وإن لم يبق من أثر الحياة شيء، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .

أي: ذلكم الذي يفعل ذلك هو الله -  - لا الأصنام التي تعبدونها وأشركتم في عبادتكم لله وألوهيته [أي]، أيُّ حجة تصرفكم عما ذكر؟

أي: لا حجة لكم في صرف الألوهية عنه إلى غيره، ولا صرف العبادة إلى الأصنام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .

قيل: فأني تصرفون عما ذكر من دلالات وحدانيته وألوهيته وربوبيته.

والإفك: هو الصرف في اللغة؛ كقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا  ﴾ [أي:] لتصرفنا.

وقيل: تؤفكون: تكذبون، أي: ما الذي حملكم على الكذب؟

والكذب والصرف واحد في الحقيقة؛ لأن الكذب هو صرف قول الحق إلى الباطل، وهما واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ ﴾ .

هو يحتمل الوجهين اللذين ذكرتهما في قوله: ﴿ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ﴾ : خبر عن ابتداء خلقه.

ويحتمل الشق، أي: يشق النهار من الليل، والليل من النهار بعد ما تلف كل واحد منهما [حتى] لم يبق له أثر، ففيه دليل البعث والإحياء بعد الموت، أي: أن الذي قدر على إنشاء النهار من الليل والليل من النهار بعد ما تلف وذهب أثره - لقادر على إنشاء الخلق، وبعثهم بعد الموت وذهاب آثارهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ .

جعل الله الليل سكناً وراحة للخلق، والنهار معاشاً لهم يعيشون فيه، وجعلهما آيتين من آيات ربوبيته ووحدانيته مسخرين، يغلبان الخلائق ويقهرانهم، ويكونون تحت سلطانهما ويجريان على سنن واحد؛ [ومجرى واحد] دل أن لهما مدبراً خالقاً عليما، ولو كانا يجريان بطباعهما لكان يختلف جريانهما، ولم يتسق، فدل اتساقهما وجريانهما مجرى واحداً أن لغير فيهما تدبيرا؛ وكذلك الشمس والقمر جعلهما مسخرين لمنافع الخلق؛ لنضج الأنزال وينعها، ولمعرفة عدد الأيام والشهور والسنين، ويجريان مجرى واحداً ومسلكاً واحداً غير مختلف؛ دلّ ذلك أنهما كانا بمدبر عليم حكيم.

وفي قوله: ﴿ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن الإصباح هو فعل الخلق؛ لأنه مصدر أصبح، وكذلك السكن هو فعل الخلق، ثم أضاف ذلك كله إلى نفسه؛ دل أنه خالق أفعالهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ﴾ اختلف فيه؛ قال أبو عبيد: هو من الحساب، وهو جمع حساب، [يقال: حساب وحسبان]؛ مثل: شهاب وشهبان؛ وهو كقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ  ﴾ .

وقيل: حسباناً، أي: جريانا، يجريان ويدوران أبداً لا يستريحان؛ دل أنهما كانا بغير مسخرين للخلق؛ لأنهما لو كانا بطباعهما لكانا يستريحان.

وقيل: حسباناً، أي: ضياء؛ كقوله: ﴿ جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً  ﴾ ، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .

أي: ذلك الجريان الذي ذكر، أو تلك المنافع التي جعلت فيها تقدير العزيز [العليم].

قال الحسن: العزيز: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز: هو الذي [به] يعز كل عزيز.

وقال بعض أهل التأويل: العزيز: المنيع في سلطانه، المنتقم من أعدائه، العليم بمصالح الخلق وبما كان ويكون وبحوائجهم، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .

والمراد منه: الظلمات، وذكر في قوله: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ وأراد بالظلمات: الشدائد والأهوال التي تصيبهم.

ألا ترى أنه قال: ﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً  ﴾ عند الشدائد والأهوال كانوا يدعون ربهم تضرعاً وخفية، على ما ذكرهم هاهنا عظيم سلطانه وقدرته لما يدفع عنهم الشدائد [وينجيهم من] الأهوال التي تنزل بهم، فالدافع عنهم ذلك هو لا الأصنام التي يعبدون [من] دون الله ويشركونها في عبادته.

ويذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ عظيم ما أنعم عليهم بما جعل لهم من السماء نجوماً ليهتدوا بها للطرق والمسالك في البحار والبراري عند اشتباهها عليهم.

وفيه دليل وحدانية الرب وتدبيره وحكمته؛ لأنه جعل في السماء أدلة يهتدون بها، ويستدلون على معرفة الطرق مع بعد ما بينهما من المسافة، وتسوية أسباب الأرض بأسباب السماء، وتعلق منافع بعضها ببعض؛ ليعلموا أنه كان بواحد مدبر عليم حكيم؛ إذ لو كان بعدد أو بمن لا تدبير له ولا حكمة، لم يحتمل ذلك، ولم يتسق ما ذكرنا؛ دل أنه كان بالواحد العليم الحكيم، مع علمهم أن الأصنام التي يعبدونها وأشركوها في عبادته لا يقدرون على ذلك، لكنهم يعبدونها ويشركونها في ألوهيته سفهاً منهم وعناداً، وبالله العصمة والتوفيق.

وفي قوله: ﴿ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي ذكر تذكير نعمه وإحسانه إليهم ليتأدى بذلك شكرهم ويجعل السعي له.

وجائز أن يستدل به على تذكير قدرته وسلطانه: أن من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يعجزه شيء.

و [فيه] تذكير تدبيره وعلمه وحكمه على ما ذكرنا من اتساق الأمور والحال على أمر واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ ﴾ : [قيل: صرفنا الآيات]، أي: صرفنا كل آية إلى موضعها الذي يكون لهم دليلا عند الحاجة إليها.

وقيل: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ ﴾ \[قد\] بينا الآيات ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ، أي: لقوم ينتفعون بعلمهم وإذا انتفعوا بها صارت الآيات لهم؛ لأن من انتفع بشيء يصير ذلك له؛ لذلك ذكر لقوم يعلمون؛ لأنهم إذا لم ينتفعوا بها لم تصر الآيات لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ  ﴾ .

فيه دلالة أنه يبدئ ويعيد من غير شيء؛ لأنه أخبر أنه خلق البشر كله من نفس واحدة، والخلائق كلهم لو اجتمعوا ما احتملت الأرض، ولم تكن الخلائق بأجمعهم في تلك النفس الواحدة، دل أنه قادر على الابتداء والإعادة لا من شيء؛ إذ لم يكن لتلك النفس التي خلق الخلائق منها تقدمة شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ  ﴾ .

قال الحسن: مستقر في الآخرة بعمله الذي ختم به: إن ختم بعمل الخير يبقى أبداً في الخير، وإن ختم بشر يبقى أبداً في شر، ومستودع في أجله، ينتقل من وقت إلى وقت ومن حال إلى حال.

وقيل: مستقر في الدنيا.

ويشبه أن يكون مستقر ومستودع في كل حال وكل وقت مستقر (في) [أرحام النساء ومستودع في أصلاب الرجال، وهو قول عامة أهل التأويل، وقيل مستقر في القبر، ومستودع في الدنيا، ويشبه أن يكون ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾ ] في حال القيام حتى ينتقل إلى حال أخرى، ﴿ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ [لما هو على شرف الانتقال إلى أخرى.

وجائز أن يكون قوله ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ : مستقر] في الآخرة بالجزاء لأعمالهم التي عملوا، ومستودع في الدنيا.

ويحتمل: مستقر بالليالي، ومستودع بالنهار، والأول لبني آدم خاصة.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ، ﴿ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، والعلم ما يعرف نفسه؛ ولهذا لا يقال: الله فقيه، ويقال: عالم؛ لأنه عالم بالأشياء [بذاته لا] بأغيارها ونظائرها، [والفقيه: هو الذي يعرف الأشياء بأغيارها ونظائرها ودلائلها].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ .

يذكرهم عز وجل عظيم منته بما ينزل من السماء من الماء، ويخرج به نبات كل شيء؛ كما ذكرهم من النعم بما جعل لهم من [الشمس والنجوم؛ ليهتدوا] بها في الظلمات واشتباه الطريق، وما جعل الليل للسكون والراحة، والنهار للمعاش والتقلب، وما جعل لهم من الشمس والقمر، وجعل لهم فيهما من المنافع من نضج الأنزال والزروع وينعهما ومعرفة عدد السنين والحساب والآجال التي يجعلون للعقود، وغير ذلك من النعم التي أنعمها عليهم؛ لئلا يرجعوا شكر هذه النعم إلى غيره، ولا يتخذوا إلهاً سواه، وقد ذكرنا أن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك في إثبات الوحدانية له والألوهية لله، وإثبات الرسالة والنبوة، وإثبات البعث بعد الموت؛ لأنهم كانوا ينكرون ذلك كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ] ما بالخلق حاجة إليه؛ ليعلم أن كل ما يخرج في الأرض أصله من الماء به ينبت [مما يكون غذاء] البشر وغذاء الحيوان كلهم والطيور؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ يذكرهم عظيم ما جعل لهم في الماء من المنافع، على ما أخبر أنه به يخرج نبات كل شيء، وبه حياة كل شيء، [ثم] من الأوقات ما لو نزل من السماء ماء لم يُنبت؛ دل أنه إنما ينبت بتدبير غير لا بالماء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً ﴾ .

قيل: به يخرج أول ما يخرج خضرا يكون ابتداء كل نبت أخضر، ثم يتحول إلى لون آخر، ومنهم من قال: به يعني بالماء وهو ما يبقى أخضر لولا الماء وإلا يبس وتغير عن حال ابتدائه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً ﴾ يخبر عن لطفه وصنعه بما يخرج من الحب متراكباً بعضه على بعض، ما لو اجتمع الخلائق كلهم لم يقدروا على تركيب مثله؛ ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعا.

وفيه دلالة أنه قد ينشيء الأشياء من لا شيء ولا سبب، وإن كان قد أنشأ بعضها بأسباب؛ نحو أن أخرج [من الحبة والنواة نباتاً أخضر، ولم يكن في الحب نبات ثم أخرج] من ذلك النبات الأخضر حبوباً، ولم تكن الحبوب في النبات؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الأشياء لا من شيء ولا سبب.

وفيه نقض قول الدهرية في كون الأشياء في شيء واحد كما هي؛ لأنه لا يحتمل [أن يكون] عشرة آلاف نواة أو حبة [في] نواة واحدة أو في حبّة واحدة، أو تكون الشجرة مع طولها وغلظها وعظمها في نواة أو حبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّخْلِ ﴾ .

أي: يخرج من النخل طلعها بالماء، وفيه من عظيم لطفه وتدبيره أن جعل النخيل والأشجار تتشرب بعروقها الماء، ثم ينتشر [ذلك] في أصلها إلى أغصانها، ثم يخرج منه ويظهر خضراً؛ ليعلم عظيم تدبيره ولطفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ﴾ .

قيل: القنوان: العروق يكون فيها التمر والثمار، واحدها: قنو.

وقوله - عز وجل -: ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ : قال الحسن: دانية بعضها إلى بعض مجتمعة غير متفرقة، على ما يكون من الأعناب والثمر والحبوب، فإن كان هذا فهو في الكل.

وقال بعضهم: دانية: قريبة ملتزقة بالأرض، يناله القائم والقاعد جميعاً.

وعن ابن عباس: ﴿ قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ﴾ : قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .

أي: أخرج بالماء جنات وكروما.

﴿ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ ﴾ قيل: أخرج بالماء - أيضاً - الزيتون والرمان [وقال بعضهم: (الزيتون والرمان)] ﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ أي: يشبه ورق الزيتون في المنظر ورق الرمان.

﴿ وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ﴾ : ثمرتها في اللون والطعم، ولكن هو على الكل على كل الثمار، ولا يشبه بعضها بعضاً: منها ما يشبه ساق هذا بساق آخر والثمار والحبوب مختلف.

ومنها ما يشبه في اللون، والطعم مختلف.

ومنها ما يشبه في الطعم، واللون مختلف.

ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعاً لطيفاً لم يكن كذلك بالماء؛ لأنه لو كان كذلك بالماء لكان لا يختلف كل هذا الاختلاف في اللون والطعم والساق والورق؛ دل أنه كان كذلك لغير - عليم مدبر حكيم - أنشأه على ما أراد بلطفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ﴾ : يحتمل الأمر بالنظر وجوهاً؛ أي [يحتمل]: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أي: كيف يقلبها، ويحولها من حال إلى حال، ومن لون إلى لون، وأنه يخرج في ساعة لطيفة ما لو اجتمع الخلائق على تقديره ومعرفته أي كم خرج [وأي مقدار] خرج لم يقدروا عليه؛ ليعلموا أنه قادر على إحياء الخلق بمرة واحدة.

وفي إنزال المطر من السماء مع بعدها آية عجيبة وحكمة بالغة، وهو أن ينزله واحداً [واحداً] حتى لا يختلط بعضه ببعض مع كثرة المطر وازدحامه وبعد السماء ما لو اجتمع الخلائق على حفظ مثله ما قدروا عليه [دل] أنه كان بمدبر عليم حكيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  ﴾ .

قد ذكرنا أنها تصير آيات لمن صدق بها وآمن، وأما من عاند وكابر ولم يتأمل فيها لم يفهم [ما فيها] من عجيب آياته وعظيم منته.

وفي قوله: ﴿ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ ﴾ وجهان آخران من الحكمة: [أحدهما]: أن انظروا إلى ثمره إذا أثمر أنه أول ما يخرج يخرج على لون واحد وعلى قدر واحد وعلى طعم واحد، ثم يختلف ألوانها وطعمها وتتفاوت أقدارها؛ ليعلموا أنه كان بتدبير واحد عليم حكيم قادر على خلق الأشياء بلا سبب؛ لأنه لو كان كذلك بسبب لا بتدبير فيه كان سبب هذا كله واحداً، فيجيء أن يخرج كله على سنن واحد؛ دل أنه خالق بذاته لا بسبب.

والثاني: أن انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أنه جعل ما يطيب منه للبشر، وعلمهم أسبابا يتخذون بها الطيبات من ذلك من نحو النضج والطبخ وغيره، وجعل لغيرهم من الحيوان كما هو خارج من الأرض؛ ليعلموا أن غيرهم من الحيوان والدواب إنما جعلهم لمنافع البشر مسخرين لهم، وأن البشر هم المقصودون في خلق الأشياء كلها، وبالله الحول والقوة، وله المنة والفضل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهو سبحانه وتعالى الذي يشق ضوء الصباح من ظلمة الليل، وهو الذي جعل الليل سكنًا للناس يسكنون فيه عن الحركة لطلب المعاش؛ ليستريحوا من تعبهم في طلبه في النهار، وهو الذي جعل الشمس والقمر يجريان بحساب مُقَدَّر، ذلك المذكور من بديع الصنْع هو تقدير العزيز الذي لا يغالبه أحد، العليم بخلقه وما يصلح لهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.nAOMY"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله