الإسلام > القرآن > سور > سورة 62 الجمعة > الآية ٨ من سورة الجمعة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 53 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨ من سورة الجمعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) كقوله تعالى في سورة النساء : ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) [ النساء : 78 ] وفي معجم الطبراني من حديث معاذ محمد بن محمد الهذلي ، عن يونس ، عن الحسن ، عن سمرة مرفوعا : " مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين ، فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره ، فقالت له الأرض : يا ثعلب ديني .
فخرج له حصاص ، فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه ، فمات " .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (قُلْ ) يا محمد لليهود (إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ) فتكرهونه، وتأبون أن تتمنوه (فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ) ونازل بكم (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) ثم يردّكم ربكم من بعد مماتكم إلى عالم الغيب والشهادة، عالم غيب السموات والأرض؛ والشهادة: يعني وما شهد فظهر لرأي العين، ولم يغب عن أبصار الناظرين.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: تلا قتادة: (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) فقال: إن الله أذّل ابن آدم بالموت، لا أعلمه إلا رفعه (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) يقول: فيخبركم حينئذ ما كنتم في الدنيا تعملون من الأعمال، سيئها وحسنها، لأنه محيط بجميعها، ثم يجازيكم على ذلك المحسن بإحسانه، والمسيء بما هو أهله.
قوله تعالى : قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون قال الزجاج : لا يقال : إن زيدا فمنطلق ، وهاهنا قال : فإنه ملاقيكم لما في معنى الذي من الشرط والجزاء ، أي إن فررتم منه فإنه ملاقيكم ، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه .
قال زهير :ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلمقلت : ويجوز أن يتم الكلام عند قوله : " الذي تفرون منه " ثم يبتدئ " فإنه ملاقيكم " .
وقال طرفة :وكفى بالموت فاعلم واعظا لمن الموت عليه قد قدرفاذكر الموت وحاذر ذكره إن في الموت لذي اللب عبركل شيء سوف يلقى حتفه في مقام أو على ظهر سفروالمنايا حوله ترصده ليس ينجيه من الموت الحذر
هذا وإن كانوا لا يتمنون الموت بما قدمت أيديهم، و يفرون منه [غاية الفرار]، فإن ذلك لا ينجيهم، بل لا بد أن يلاقيهم الموت الذي قد حتمه الله على العباد وكتبه عليهم.ثم بعد الموت واستكمال الآجال، يرد الخلق كلهم يوم القيامة إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئهم بما كانوا يعملون، من خير وشر، قليل وكثير.
"قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون".
«قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه» الفاء زائدة «ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة» السر والعلانية «فينبئكم بما كنتم تعملون» فيجازيكم به.
قل: إن الموت الذي تهربون منه لا مفرَّ منه، فإنه آتٍ إليكم عند مجيء آجالكم، ثم ترجعون يوم البعث إلى الله العالم بما غاب وما حضر، فيخبركم بأعمالكم، وسيجازيكم عليها.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يخبرهم بأنهم لا مفر لهم من الموت ، مهما حرصوا على الهروب منه .
فقال - تعالى - : ( قُلْ إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ .
.
.
) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء اليهود الذين يكرهون الموت ، ويزعمون أنهم أحباب الله؟قل لهم على سبيل التوبيخ والتبكيت : إن الموت الذى تكرهونه ، وتحرصون على الفرار منه ، لا مهرب لكم منه ، ولا محيص لكم عنه ، فهو نازل بكم إن عاجلا أو آجلا كما قال - سبحانه - ( أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ .
.
.
) فالمقصود بهذه الآية الكريمة إخبارهم بأن هلعهم من الموت مهما اشتد لن يفيدهم شيئا ، لأن الموت نازل بهم لا محالة .ثم بين - سبحانه - أنهم بعد الموت ، سيجدون الجزاء العادل فقال : ( ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) .أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - : إن الموت نازل بكم لا محالة .
ثم بعد هلاككم سترجعون إلى الله - تعالى - الذى يعلم السر والعلانية ، والجهر والخفاء ، فيجازيكم على أعمالكم السيئة ، بما تستحقونه من عقاب .فالمراد بالإنباء عما كانوا يعملونه ، الحساب على ذلك ، والمجازاة عليه .وشبيه بهذه الآيات قوله - تعالى - فى سورة البقرة : ( قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة عِندَ الله خَالِصَةً مِّن دُونِ الناس فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ والله عَلِيمٌ بالظالمين وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ).
يعني أن الموت الذي تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف الآيات وغيره ملاقيكم لا محالة، ولا ينفعكم الفرار ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة يعني ما أشهدتم الخلق من التوراة والإنجيل وعالم بما غيبتم عن الخلق من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وما أسررتم في أنفسكم من تكذيبكم رسالته، وقوله تعالى: ﴿ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ إما عياناً مقروناً بلقائكم يوم القيامة، أو بالجزاء إن كان خيراً فخير.
وإن كان شراً فشر، فقوله: ﴿ إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ ﴾ هو التنبيه على السعي فيما ينفعهم في الآخرة وقوله: ﴿ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ هو الوعيد البليغ والتهديد الشديد.
ثم في الآية مباحث: البحث الأول: أدخل الفاء لما أنه في معنى الشرط والجزاء، وفي قراءة ابن مسعود ﴿ ملاقيكم ﴾ من غير ﴿ فَإِنَّهُ ﴾ .
الثاني: أن يقال: الموت ملاقيهم على كل حال، فروا أو لم يفروا، فما معنى الشرط والجزاء؟
قيل: إن هذا على جهة الرد عليهم إذ ظنوا أن الفرار ينجيهم، وقد صرح بهذا المعنى، وأفصح عنه بالشرط الحقيقي في قوله: ومن هاب أسباب المنايا تناله *** ولو نال أسباب السماء بسلم <div class="verse-tafsir"
هاد يهود: إذا تهود ﴿ أَوْلِيَاء لِلَّهِ ﴾ كانوا يقولون.
نحن أبناء الله وأحباؤه، أي: إن كان قولكم حقاً وكنتم على ثقة ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ﴾ على الله أن يميتكم وينقلكم سريعاً إلى دار كرامته التي أعدّها لأوليائه، ثم قال: ﴿ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً ﴾ بسبب ما قدّموا من الكفر، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه» فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمنوا، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد، فما تمالك أحد منهم أن يتمنى؛ وهي إحدى المعجزات.
وقرئ: ﴿ فتمنوا الموت ﴾ بكسر الواو، تشبيهاً بلو استطعنا.
ولا فرق بين (لا) و (لن) في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل، إلا أن في (لن) تأكيداً وتشديداً ليس في (لا) فأتى مرّة بلفظ التأكيد ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ ﴾ [البقرة: 95] ومرّة بغير لفظه ﴿ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ ﴾ [الجمعة: 7] ثم قيل لهم ﴿ إِنَّ الموت الذى تَفِرُّونَ مِنْهُ ﴾ ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم؛ لا تفوتونه وهو ملاقيكم لا محالة ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ ﴾ إلى الله فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب.
وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه: إنه ملاقيكم.
وفي قراءة ابن مسعود: تفرون منه ملاقيكم، وهي ظاهرة.
وأما التي بالفاء، فلتضمن الذي معنى الشرط، وقد جعل ﴿ إِنَّ الموت الذى تَفِرُّونَ مِنْهُ ﴾ كلاماً برأسه في قراءة زيد، أي: إن الموت هو الشيء الذي تفرّون منه، ثم استؤنف: إنه ملاقيكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا ﴾ تَهَوَّدُوا.
﴿ إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ ﴾ إذْ كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ.
﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ فَتَمَنَّوْا مِنَ اللَّهِ أنْ يُمِيتَكم ويَنْقُلَكم مِن دارِ البَلِيَّةِ إلى مَحَلِّ الكَرامَةِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في زَعْمِكم.
﴿ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ بِسَبَبِ ما قَدَّمُوا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ.
﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ ﴾ وتَخافُونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ بِلِسانِكم مَخافَةَ أنْ يُصِيبَكم فَتُؤْخَذُوا بِأعْمالِكم.
﴿ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ لاحِقٌ بِكم لا تُفَوَّتُونَهُ، والفاءُ لِتُضَمِّنِ الِاسْمَ مَعْنى الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ الوَصْفِ، وكَأنَّ فِرارَهم يُسْرِعُ لِحَوْقَهُ بِهِمْ.
وقَدْ قُرِئَ بِغَيْرِ فاءٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ خَبَرًا والفاءُ عاطِفَةً.
ثُمَّ ﴿ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بِأنْ يُجازِيَكم عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
{قُلْ إِنَّ الموت الذى تَفِرُّونَ مِنْهُ} ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تأخذوا بوبال كفركم {فَإِنَّهُ ملاقيكم} لا محالة والجملة خبران ودخلت الفاء لتضمن الذي معنى الشرط {ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب
﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ ﴾ ولا تَجْسُرُونَ عَلى أنْ تَمَنَّوْهُ مَخافَةَ أنْ تُؤْخَذُوا بِوَبالِ أفْعالِكم ﴿ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفِ يَلْوِيهِ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ والجُمْلَةُ خَبَرُ ”إنَّ“ والفاءُ لِتَضَمُّنِ الِاسْمِ مَعْنى الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ وصْفِهِ بِالمَوْصُولِ، فَإنَّ الصِّفَةَ والمَوْصُوفَ كالشَّيْءِ الواحِدِ، فَلا يُقالُ: إنَّ الفاءَ إنَّما تَدْخُلُ الخَبَرَ إذا تَضَمَّنَ المُبْتَدَأُ مَعْنى الشَّرْطِ، والمُتَضَمِّنُ لَهُ المَوْصُولُ ولَيْسَ بِمُبْتَدَأٍ، ودُخُولُها في مِثْلِ ذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ كَدُخُولِها في الجَوابِ الحَقِيقِيِّ، وإنَّما يَكُونُ لِنُكْتَةٍ تَلِيقُ بِالمَقامِ وهي ها هُنا المُبالَغَةُ في عَدَمِ الفَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ الفِرارَ مِنَ الشَّيْءِ في مَجْرى العادَةِ سَبَبُ الفَوْتِ عَلَيْهِ فَجِيءَ بِالفاءِ لِإفادَةِ أنَّ الفِرارَ سَبَبُ المُلاقاةِ مُبالَغَةً فِيما ذُكِرَ وتَعْكِيسًا لِلْحالِ، وقِيلَ: ما في حَيِّزِها جَوابٌ مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى مَعْنى الإعْلامِ فَتُفِيدُ أنَّ الفِرارَ المَظْنُونَ سَبَبًا لِلنَّجاةِ سَبَبٌ لِلْإعْلامِ بِمُلاقاتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ وهو وجْهٌ ضَعِيفٌ فِيما نَحْنُ فِيهِ لا مُبالَغَةَ فِيهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، ومَنَعَ قَوْمٌ مِنهُمُ الفَرّاءُ دُخُولَ الفاءِ في نَحْوِ هَذا، وقالُوا: هي ها هُنا زائِدَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ خَبَرَ ”إنَّ“ والفاءُ عاطِفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَوْتَ هو الشَّيْءُ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَيُلاقِيكم.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «إنَّهُ مُلاقِيكم» بِدُونِ فاءٍ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ الخَبَرَ هو المَوْصُولُ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ هي الخَبَرُ والمَوْصُولُ صِفَةٌ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿ مُلاقِيكُمْ ﴾ و- إنَّهُ - تَوْكِيدًا لِأنَّ المَوْتَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا طالَ الكَلامُ أكَّدَ الحَرْفَ مَصْحُوبًا بِضَمِيرِ الِاسْمِ الَّذِي لِأنَّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكم» بِدُونِ الفاءِ ولا - إنَّهُ -وهِيَ ظاهِرَةٌ ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِأنْ يُجازِيَكم بِها، واسْتَشْعَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الآيَةِ ذَمَّ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ، والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، فَمِنهم مَن حَرَّمَهُ - كابْنِ خُزَيْمَةَ -فَإنَّهُ تَرْجَمَ في صَحِيحِهِ - بابَ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ مِنَ الكَبائِرِ - وأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعاقِبُ مَن وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ ما لَمْ يَعْفُ عَنْهُ، واسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عائِشَةَ ««الفِرارُ مِنَ الطّاعُونِ كالفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ»» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وغَيْرُهم، وسَنَدُهُ حَسَنٌ.
وذَكَرَ التّاجُ السُّبْكِيُّ أنَّ الأكْثَرَ عَلى تَحْرِيمِهِ، ومِنهم مَن قالَ بِكَراهَتِهِ كالإمامِ مالِكٍ، ونَقَلَ القاضِي عِياضٌ وغَيْرُهُ جَوازَ الخُرُوجِ عَنِ الأرْضِ الَّتِي يَقَعُ بِها عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وعَنِ التّابِعِينَ مِنهُمُ الأسْوَدُ بْنُ هِلالٍ ومَسْرُوقٌ، ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ أنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ قالَ في الطّاعُونِ في آخِرِ خُطْبَتِهِ: إنَّ هَذا رِجْزٌ مِثْلُ السَّيْلِ مَن تَنَكَّبَهُ أخْطَأهُ ومِثْلُ النّارِ مَن تَنَكَّبَها أخْطَأها ومَن أقامَ أحْرَقَتْهُ، وفي لَفْظٍ إنَّ هَذا الطّاعُونَ رِجْسٌ فَتَفَرَّقُوا مِنهُ في الشِّعابِ وهَذِهِ الأوْدِيَةِ فَتَفَرَّقُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ يُنْكِرْهُ ولَمْ يَكْرَهْهُ، وعَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: كُنّا نَتَحَدَّثُ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وهو في دارِهِ بِالكُوفَةِ فَقالَ لَنا وقَدْ وقَعَ الطّاعُونُ: لا عَلَيْكم أنْ تَنْزَحُوا عَنْ هَذِهِ القَرْيَةِ فَتَخْرُجُوا في فَسِيحِ بِلادِكم حَتّى يُرْفَعَ هَذا الوَباءُ فَإنِّي سَأُخْبِرُكم بِما يُكْرَهُ مِن ذَلِكَ، أنْ يَظُنَّ مَن خَرَجَ أنَّهُ لَوْ أقامَ فَأصابَهُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يُصِبْهُ فَإذا لَمْ يَظُنَّ هَذا فَلا عَلَيْهِ أنْ يَخْرُجَ ويَتَنَزَّهَ عَنْهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْهُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا الطّاعُونَ قَدْ وقَعَ فَمَن أرادَ أنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ واحْذَرُوا اثْنَتَيْنِ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: خَرَجَ خارِجٌ فَسَلِمَ وجَلَسَ جالِسٌ فَأُصِيبَ، فَلَوْ كُنْتُ خَرَجْتُ لَسَلِمْتُ كَما سَلِمَ فُلانٌ ولَوْ كُنْتُ جَلَسْتُ أُصِبْتُ كَما أُصِيبَ فُلانٌ، ويُفْهَمُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِالخُرُوجِ مَعَ اعْتِقادِ أنَّ كُلَّ مُقَدَّرٍ كائِنٌ، وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ ذَلِكَ، لَكِنْ في فَتاوى العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ أنَّ مَحَلَّ النِّزاعِ فِيما إذا خَرَجَ فارًّا مِنهُ مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَأصابَهُ وأنَّ فِرارَهُ لا يُنْجِيهِ لَكِنْ يَخْرُجُ مُؤَمِّلًا أنْ يَنْجُوَ أمّا الخُرُوجُ مِن مَحَلِّهِ بِقَصْدِ أنَّ لَهُ قُدْرَةَ عَلى التَّخَلُّصِ مِن قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ فِعْلَهُ هو المُنَجِّي لَهُ فَواضِحٌ أنَّهُ حَرامٌ بَلْ كُفْرٌ اتِّفاقًا.
وأمّا الخُرُوجُ لِعارِضِ شُغْلٍ أوْ لِلتَّداوِي مِن عِلَّةٍ طُعِنَ فِيهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في جَوازِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ومِن ذَلِكَ فِيما أرى عُرُوضُ وسْوَسَةٍ طَبِيعِيَّةٍ لَهُ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِها تَضُرُّ بِهِ ضَرَرًا بَيِّنًا وغَلَبَةُ ظَنِّ عَدَمِ دَفْنِهِ أوْ تَغْسِيلِهِ إذا ماتَ في ذَلِكَ المَحَلِّ قِيلَ: ولا يُقاسُ عَلى الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ الفِرارُ مِن غَيْرِهِ مِنَ المَهالِكِ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وقَدْ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: الفِرارُ مِنَ الوَباءِ كالحُمّى ومِن سائِرِ أسْبابِ الهَلاكِ جائِزٌ بِالإجْماعِ، والطّاعُونُ مُسْتَثْنى مِن عُمُومِ المَهالِكِ المَأْمُورِ بِالفِرارِ مِنها لِلنَّهْيِ التَّحْرِيمِيِّ أوِ التَّنْزِيهِيِّ عَنِ الفِرارِ مِنهُ واخْتَلَفُوا في عِلَّةِ النَّهْيِ فَقِيلَ: هي أنَّ الطّاعُونَ إذا وقَعَ في بَلَدٍ مَثَلًا عَمَّ جَمِيعَ مَن فِيهِ بِمُداخَلَةِ سَبَبِهِ فَلا يُفِيدُ الفِرارُ مِنهُ بَلْ إنْ كانَ أجَلُهُ قَدْ حَضَرَ فَهو مَيِّتٌ وإنْ رَحَلَ وإلّا فَلا، وإنْ أقامَ فَتَعَيَّنَتِ الإقامَةُ لِما في الخُرُوجِ مِنَ العَبَثِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ، واعْتُرِضَ بِمَنعِ عُمُومِهِ إذا وقَعَ في بَلَدٍ جَمِيعُ مَن فِيهِ بِمُداخَلَةِ سَبَبِهِ ولَوْ سُلِّمَ فالوَباءُ مِثْلُهُ في أنَّ الشَّخْصَ الَّذِي في بَلَدِهِ إنْ كانَ أجَلُهُ قَدْ حَضَرَ فَهو مَيِّتٌ وإنْ رَحَلَ وإلّا فَلا وإنْ أقامَ مَعَ أنَّهم جَوَّزُوا الفِرارَ مِنهُ، وقِيلَ: هي أنَّ النّاسَ لَوْ تَوارَدُوا عَلى الخُرُوجِ لَضاعَتِ المَرْضى العاجِزُونَ عَنِ الخُرُوجِ لِفَقْدِ مَن يَتَعَهَّدُهم والمَوْتى لِفَقْدِ مَن يُجَهِّزُهم، وأيْضًا في خُرُوجِ الأقْوِياءِ كَسْرًا لِقُلُوبِ الضُّعَفاءِ عَنِ الخُرُوجِ، وأيْضًا إنَّ الخارِجَ يَقُولُ: لَوْ لَمْ أخْرُجْ لَمُتُّ، والمُقِيمُ: لَوْ خَرَجْتُ لَسَلِمْتُ فَيَقَعانِ في اللَّوِّ المَنهِيِّ عَنْهُ، واعْتُرِضَ كُلُّ ذَلِكَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في الفِرارِ عَنِ الوَباءِ أيْضًا، وكَذا الدّاءُ الحادِثُ ظُهُورُهُ المَعْرُوفُ بَيْنَ النّاسِ بِأبِي زَوْعَةٍ الَّذِي أعْيا الأطِبّاءَ عِلاجُهُ ولَمْ يَنْفَعْ فِيهِ التَّحَفُّظُ والعُزْلَةُ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ في الطّاعُونِ، وقِيلَ: هي إنَّ لِلْمَيِّتِ بِهِ وكَذا لِلصّابِرِ المُحْتَسِبِ المُقِيمِ في مَحَلِّهِ وإنْ لَمْ يَمُتْ بِهِ أجْرُ شَهِيدٍ، وفي الفِرارِ إعْراضٌ عَنِ الشَّهادَةِ وهو مَحَلُّ التَّشْبِيهِ في حَدِيثِ عائِشَةَ عِنْدَ بَعْضٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ قَدْ صَحَّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ بِحائِطٍ مائِلٍ فَأسْرَعَ ولَمْ يُمْنَعْ أحَدٌ مِن ذَلِكَ» .
وكَذا مِنَ الفِرارِ مِنَ الحَرِيقِ مَعَ أنَّ المَيِّتَ بِذَلِكَ شَهِيدٌ أيْضًا، وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ النَّهْيَ تَعْبُدِيٌّ وكَأنَّهُ لَمّا رَأى أنَّهُ لا تَسْلَمُ عِلَّةٌ لَهُ عَنِ الطَّعْنِ قالَ ذَلِكَ، ولَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ رَسائِلُ عَدِيدَةٌ فَمَن أرادَ اسْتِيفاءَ الكَلامِ فِيها فَلْيَرْجِعْ إلَيْها.
<div class="verse-tafsir"
إحدى عشرة آية مدنية قوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وقد ذكرناه.
الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ يعني: الملك الذي يملك كل شيء، ولا يزال ملكه القدوس يعني: الطاهر عن الشريك والولد.
قرئ في الشاذ: الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ بالضم ومعناه هو الملك القدوس وقرأه العامة بالكسر، فيكون نعتاً لله تعالى: الْعَزِيزِ في ملكه، الْحَكِيمِ في أمره.
ثم قال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ يعني: في العرب.
والأميون الذين لا يكتبون، وهو ما خلقت عليه الأمة قبل تعلم الكتابة.
رَسُولًا مِنْهُمْ يعني: من قومهم العرب.
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ يعني: يقرأ عليهم آياتِهِ يعني: القرآن، وَيُزَكِّيهِمْ يعني: يدعوهم إلى التوحيد، ويطهرهم به من عبادة الأوثان ويقال: يُزَكِّيهِمْ يعني: يصلحهم، ويقال: يأمرهم بالزكاة.
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يعني: القرآن وَالْحِكْمَةَ يعني: الحلال والحرام.
وَإِنْ كانُوا يعني: وقد كانوا مِنْ قَبْلُ أن يبعث إليهم محمدا ، لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: لفي خطأ بيِّن يعني: الشرك.
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ يعني: التابعين من هذه الأمة ممن بقي، لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ يعني: لم يكونوا بعد فسيكونون.
وروى جويبر، عن الضحاك في قوله: آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال: يعني: من أسلم من الناس، وعمل صالحاً إلى يوم القيامة من عربي وعجمي.
ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يعني: العزيز في ملكه، الحكيم في أمره.
قوله تعالى: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ يعني: الإسلام فضل الله يؤتيه مَنْ يَشاءُ يعني: يعطيه من يشاء، ويكرم به من يشاء من كان أهلاً لذلك.
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني: ذو المنّ العظيم لمن اختصه بالإسلام.
ثم قال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ يعني: صفة الذين علموا التوراة، وأمروا بأن يعملوا بما فيها.
ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، أي: لم يعملوا بما أمروا فيها من الأمر والنهي وبيان صفة محمد .
ويقال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ وأمروا بأن يحملوا تفسيرها، ثم لم يحملوها يعني: لم يعلموا تفسيرها، فمثلهم كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً يعني: يحمل كتباً ولا يدري ما فيها، كما لا يدري اليهود ما حملوا من التوراة.
ثم قال: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني: بئس مثل القوم ضربنا لهم الأمثال، ويقال: بئس صفة القوم الذين كَذَّبُواْ بآيات الله، يعني: جحدوا بالقرآن وبمحمد .
وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: إلى طريق الجنة اليهود الذين لا يرغبون في الحق.
وقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا يعني: مالوا عن الإسلام والحق إلى اليهودية.
إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ يعني: إن ادعيتم وقلتم إنكم أَوْلِياءُ لِلَّهِ يعني: أحباباً لِلَّهِ.
مِنْ دُونِ النَّاسِ يعني: من دون المؤمنين، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ يعني: سلوا الموت، فقولوا: اللهم أمتنا.
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنكم أولياء الله من دون المؤمنين.
وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً يعني: لا يسألون أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني: بما عملت وأسلفت أيديهم.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ يعني: عليماً بحالهم بأنهم لا يتمنون الموت.
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ أي: تكرهون الموت، يعني: نازل بكم لا محالة.
ثُمَّ تُرَدُّونَ يعني: ترجعون في الآخرة.
إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، وقد ذكرناه فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: يخبركم ويجازيكم بما كنتم تعملون في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
تنطقُ بنبوتهِ، فكان كلُّ حَبْرٍ لم ينتَفِعْ بما حُمِّلَ كَمَثَلِ حِمَارٍ عليه أسفارٌ، وفي مصحف ابن مسعود «١» «كَمَثَلِ حِمَارٍ» بِغَيْرِ تعريفٍ، والسِّفْرُ الكتَابُ المجتمعُ الأوراقِ منضدة.
وقوله: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ التقدير: بِئْسَ المثلُ مثلُ القومِ الذين كذبوا بآياتِ اللَّه، - ص-: وَرُدَّ بأَنَّ فيه حذف الفاعلِ ولا يجوزُ، والظاهرُ أنَّ مَثَلُ الْقَوْمِ فاعل بِئْسَ، والَّذِينَ كَذَّبُوا هو المخصوصُ بالذَّمِّ على حذف مضافٍ أي: مثل الذين كذّبوا، انتهى.
وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ ...
الآية، رُوِيَ أنها نزلتْ بسبب أنَّ يهودَ المدينةِ لَمَّا ظَهَرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، خَاطَبُوا يهودَ خيبرَ في أمره، وذكرُوا لهم نبوَّتَه، وقالوا إن رأيتم اتَّبَاعَهُ أطَعْنَاكُمْ وإنْ رأيتم خِلاَفَه خَالَفْنَاه معكم، فجاءهَم جوابُ أهْلِ خيبرَ يقولونَ: نحن أبناءُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن وأبناءُ عزيرِ بنُ اللَّهِ ومنا الأنبياءُ، ومتى كَانَتْ النبوةُ في العرب؟، نحن أحقُّ بالنبوةِ من محمدِ، ولا سبيلَ إلى اتباعهِ، فنزلتِ الآيةَ بمعنى:
أنكم إذا كنتم منَ اللَّهِ بهذه المنزلةِ فَقُرْبُهُ وفراقُ هذه الحياةِ الخسيسةِ أحبُّ إليكم، فَتَمَنَّوْا الموتَ إن كنتم تَعْتَقِدُون في أنفسِكم هذه المنزلة، ثم أخبر تعالى أنهم لا يتمنونه أبداً لعلمِهم بسوءِ حالِهم، ورَوَى كثيرٌ من المفسرينَ أن اللَّه- جَلَّتْ قُدْرَتُه- جَعَلَ هذه الآيةَ معجزةً لمحمدٍ نبيِّه صلّى الله عليه وسلّم فِيهم، فَهِيَ آيةٌ باهرةٌ وأعلَمَه أنه إن تمنى أحدٌ منهمُ الموتَ في أيام معدوداتٍ مات وفارق الدنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تَمَنّوُا الموتَ، على جهةِ التعجيزِ وإظهار الآيةِ، فما تَمَنَّاهُ أحد منهم خَوْفاً/ من الموتِ وثقة بصدق نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ الآية، النداء: الأذانُ، وكان على الجِدَارِ في مسجدِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي «مصنف أبي داودَ» : كَانَ بَيْنَ يَدَي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم
وهو عَلى المنبر أذَانُ، ثم زادَ عثمانُ النداءَ عَلَى الزوراء ليسمعَ الناسُ.
ت: وفي البخاريّ والترمذيِّ وصححه عن السائبِ بن يزيد قَالَ: كَانَ النداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلُه إذا جَلَسَ الإمام على المنبر على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكرٍ وعمرَ، فلما تَوَلَّى عثمانُ وكثرَ الناسُ، زَادَ الأذَانَ الثالثَ فأَذَّنَ به على الزَّورَاءِ «١» ، فَثَبَتَ الأَمْرُ على ذلك «٢» ، قِيل: فقوله «الثالثَ» يَقْتَضِي أنَّهمُ كَانُوا ثلاثةً، وفي طريقٍ آخرَ «الثاني» بدَلَ «الثالث» وهو يَقْتَضِي أَنَّهُمَا اثنانِ، انتهى، وخرَّجَ مسلم عن أبي هريرةَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من اغتسل، ثمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فصلى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثم أَنْصَتَ لِلإمَامِ حتى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخرى، وَفَضَلُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ» «٣» انتهى، وخرَّجَهُ البخاريُّ من طريقِ سُلَيْمَان.
وقوله: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قال ابن هشام: «من» مرادفةِ «في» ، انتهى.
وقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ...
الآية، السعِيُ في الآيةِ لاَ يُرَادُ به الإسْرَاعُ في المشي، وإنما هو بمعنى قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى [النجم: ٣٩] فالسَّعْيُ هو بالنِّيةِ والإرَادَةِ والعَمَلِ مِنْ وُضُوءٍ، وغُسْلٍ، وَمَشْيٍ، ولُبْسِ ثوبٍ كُلُّ ذلكَ سَعْيٌ، وَقَدْ قَالَ مالكٌ وغيره: إنما تُؤْتَى الصلاةُ بالسَّكِينَةِ، ت: وهو نصُّ الحديثِ الصحيحِ، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة: / «فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا [و] عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ» ، ت:
والظاهرُ أنَّ المرادَ بالسعيِ هُنا المُضِيُّ إلى الجمعةِ، كما فسَّره الثعلبيُّ، ويدلُّ على ذلكَ إطلاقُ العلماءِ لفظَ الوجوبِ عَلَيْهِ، فيقولونَ السَّعْيُ إلَى الجمعةِ واجبٌ، ويدلُّ عَلَى ذلك قراءةُ عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابن عمر وابنِ عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين «٤» :
«فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» وقال ابن مسعود: لَوْ قَرَأْتُ: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ لأَسْرَعْتُ حَتَّى يَقَع رِدَائي، وقال العِرَاقِيُّ: فَاسْعَوْا معناه بَادِروا، انتهى، وقوله: إِلى ذِكْرِ اللَّهِ هو وعظُ الخطبةِ قاله ابن المسيب، ويؤيدُه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إذَا كَانَ يومُ الجمعةِ، كَانَ على كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ ملائكة يكتبون الأوّل فالأوّل، فإذا جلس [الإما] م طَوُوُا الصُّحُفَ، وجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» الحديثُ خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلم، واللفظُ لمسلمٍ، والخُطْبَةُ عِنْدَ الجمهورِ شَرْطٌ في انعقادِ الجمعةِ» «١» ، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ- عزَّ وجلَّ- يَبْعَثُ الأيَّامَ يومَ القيامةِ على هَيْئَتِهَا، وَيْبَعَثُ الجُمُعَةَ زَهْرَاءَ مُنِيرَةً، أَهْلُهَا مُحِفُّونَ بِهَا كالْعَرُوسِ تهدى إلَى كرِيمَها، تُضِيءُ لهم يَمْشُونَ في ضَوْئِهَا أَلْوَانُهُمْ كالثَّلْجِ بَيَاضاً، وَرِيحُهُمْ يَسْطَعُ كَالْمِسْكِ، يَخُوضُونَ في جِبَالِ الكَافُورِ، يَنْظُرُ إلَيْهِمُ الثَّقَلاَنِ، مَا يَطْرِفُونَ تَعَجُّباً، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لاَ يُخَالِطُهُمْ إلاَّ المُؤَذِّنُونَ المُحْتَسِبُونَ» خَرَّجَهُ القاضِي الشريفُ أبو الحسنِ علي بن عبد اللَّهِ بن إبراهيمَ الهاشميّ، قال صاحبُ «التذكرة» «٢» : وإسنادهُ صحيح، انتهى.
وقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارةٌ إلى السعي وتَرْكِ/ البَيْعِ.
وقوله: فَانْتَشِرُوا أجمعَ الناسُ على أنَّ مُقْتَضَى هذا الأمْرِ الإباحةُ، وكذلك قوله:
«وابتَغُوا من فضل اللَّه» أنَّه الإبَاحَة في طلب المعاش، مثلَ قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ذلكَ الفضْلُ المُبْتَغى هو عيادةُ مريضٍ، أو صِلَةُ صديقٍ، أو اتِّباعُ جنازةٍ» ، قال ع «٣» : وفي هذا ينبغي أنْ يكونَ المرءُ بقيةَ يومِ الجمعةِ، ونحوه عن جعفر بن محمد، وقال مكحول: الفضلُ المبْتَغَى: العلمُ فينبغي أن يطلب إثر الجمعة.
وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ...
الآية، قال معاذ بن جبل: مَا شَيْءٌ أنجى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «١» : رواه الترمذيُّ واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك» وقال صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .
وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً ...
الآية، نزلت بسبب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانَ قائِماً على المنبرِ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فأقبلت عِيرٌ مِنَ الشَامِ تحملُ مِيرةً، وصاحبُ أمْرِهَا دِحْيَةُ بن خليفةَ الكلبي، قال مجاهد: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أن تَدْخُلَ عِيرُ المدينةِ بالطَّبْلِ والمعازفِ، والصياحِ سروراً بها، فدخلتْ العيرُ بمثلِ ذلكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المسجدِ إلى رؤيةِ ذلك وسماعه وتركوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائماً عَلَى المنبرِ، ولم يَبْقَ معه غَيْر اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً «٢» ، قال جابر بن عبد اللَّه: أنا أحَدُهُم، قال ع «٣» : ولم تَمُرَّ بِي تَسْمِيتُهم في ديوانٍ فيما أذْكُرُ الآنَ، إلا أنِّي سمعتُ أبي- رحمه اللَّه- يقولُ: همُ العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، واخْتُلِفَ في الحادِيَ عَشَرَ، فقيل: عمارُ بن ياسر، وقيل: ابن مسعودٍ، ت: وفي تقييد أبي الحسنِ الصغير: والاثْنَا عَشَر الباقون «٤» همُ الصحابةُ العَشَرَةُ، والحادِيَ عَشَرَ: بلالٌ، واخْتُلِفَ في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل:
ابن مسعود، انتهى، قال السهيلي: وجَاءَتْ تسميةُ الاثْنَي عَشَرَ في حديثِ مُرْسَلٍ رواه أسد بن عمرو والدُ موسى بن أسد، وفيه: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لَمْ يَبْقَ معه إلا أبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ حتى العشرةِ، وقَال: وبلالٌ وابن مسعود، وفي روايةٍ: عمارُ بَدلَ ابنِ مسعودٍ، وفي «مَرَاسِيلِ أبي داودَ» ذكر السببَ الذي من أجله تَرَخَّصُوا، فقال: إن الخطبةَ يوم الجمعةِ كَانَتْ بعدَ الصلاةِ فَتَأَوَّلُوا- رضي اللَّه عنهم- أنهم قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ، فَحوِّلَتْ الخطبةُ بعد
ذلك قبلَ الصلاةِ، فهذا الحديثُ وإن كانَ مرسلا فالظن الجميل بأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يُوجِبُ أنْ يكونَ صحيحاً، واللَّه أعلم انتهى، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَال: «لَوْلاَ هؤلاءِ لَقَدْ كَانَتِ الحِجَارَةُ سُوِّمَتْ على المُنَفضِّينَ من السماءِ» ، وفي حديثٍ آخر: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حتى لاَ يبقى أَحَدٌ لسَالَ بِكُمُ الوَادِي نَاراً «١» ، قَالَ البخاريُّ: انْفَضُّوا معناه تَفَرَّقُوا، انتهى، وقرأ ابن مسعود «٢» : «وَمِنَ التِّجَارَةِ لِلَّذِينَ اتقوا وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» وإنما أعاد الضميرَ في قوله: إِلَيْها على التجارةِ وَحْدَهَا لأنَّهَا أهَمُّ، وهي كَانَتْ سَبَبَ اللَّهوِ، - ص-: وقرىء «٣» «إلَيْهِمَا» بالتثنيةِ.
ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ تَرَكُوا العَمَلَ بِالتَّوْراةِ مَثَلًا، فَقالَ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ﴾ أيْ: كُلِّفُوا العَمَلَ بِما فِيها ﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ﴾ أيْ: لَمْ يَعْمَلُوا بِمُوجِبِها، ولَمْ يُؤَدُّوا حَقَّها ﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا ﴾ وهي جَمْعُ سِفْرٍ.
والسِّفْرُ: الكِتابُ، فَشَبَّهَهم بِالحِمارِ لا يَعْقِلُ ما يَحْمِلُ، إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما في التَّوْراةِ، وهي دالَّةٌ عَلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ [وَهَذا المَثَلُ يَلْحَقُ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِالقُرْآنِ ولَمْ يَفْهَمْ مَعانِيَهُ ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ ﴾ ذَمَّ مَثَلَهُمْ، والمُرادُ ذَمُّهُمْ، واليَهُودُ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ وبِالتَّوْراةِ حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ] ﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ ﴾ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ، قالُوا: نَحْنُ ولَدُ إسْرائِيلِ اللَّهِ بْنِ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ خَلِيلِ اللَّهِ، ونَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن سائِرِ النّاسِ، وإنَّما تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِينا.
فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ "قُلْ" لَهم إنْ كُنْتُمْ أوْلِياء لِلَّهِ فَتَمَنَّوْا المَوْت لِأنَّ المَوْتَ خَيْرٌ لِأوْلِياءِ اللَّهِ مِنَ الدُّنْيا.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا وما بَعْدَهُ في [البَقَرَةِ: ٩٤] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ ﴾ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ عَلِمُوا أنَّهم أفْسَدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أمْرَ الآخِرَةِ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا، وكانُوا يَكْرَهُونَ المَوْتَ، فَقِيلَ لَهُمْ: لا بُدَّ مِن نُزُولِهِ [بِكُمْ] بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الفاءَ في كُلِّ خَبَرٍ كانَ اسْمُهُ مِمّا يُوصَلُ، مِثْلُ: "مَن" و"الَّذِي" فَمَن أدْخَلَ الفاءَ ها هُنا ذَهَبَ "بِالَّذِي" إلى تَأْوِيلِ الجَزاءِ.
وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكم وهَذا عَلى القِياسِ، لِأنَّكَ تَقُولُ: إنَّ أخاكَ قائِمٌ، ولا تَقُولُ: فَقائِمٌ، ولَوْ قُلْتَ: إنَّ ضارِبَكَ فَظالِمٌ، لَجازَ، لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: إنَّ مَن يَضْرِبُكَ فَظالِمٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما جازَ دُخُولُ الفاءِ، لِأنَّ في الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَفِرُّونَ مِنهُ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرَرْتُمْ مِن أيِّ مَوْتٍ كانَ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ وتَكُونُ "فَإنَّهُ" اسْتِئْنافًا بَعْدَ الخَبَرِ الأوَّلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أولِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ هم بَنُو إسْرائِيلَ والأحْبارُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللهِ ، و"حُمِّلُوا" مَعْناهُ: كُلِّفُوا القِيامَ بِأوامِرِها ونَواهِيها، فَهَذا كَمالُ حَمْلِ الإنْسانِ الأمانَةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَهْرِ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِنهُ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَحْمِلُوها، أيْ: لَمْ يُطِيعُوا أمْرَها ويَقِفُوا عِنْدَ حَدِّها حِينَ كَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ والتَوْراةُ تَنْطِقُ بِنُبُوَّتِهِ، فَكانَ كُلُّ خَيْرٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِن حَمْلِهِ، كَمَثَلِ حِمارٍ عَلَيْهِ أسْفارٌ، فَهي عِنْدَهُ والزُبُلُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "حَمَلُوا" بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ المَأْمُونُ العَبّاسِيُّ: "يُحَمِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كَمَثَلِ حِمارٍ" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، و"السِفْرُ": الكِتابُ المُجْتَمِعُ الأوراقِ مُنَضَّدَةً، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ مِثْلِهِمْ وفَسادَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ ﴾ والتَقْدِيرُ: بِئْسَ المَثَلُ مَثَلُ القَوْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ ﴾ الآيَةُ.
رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللهِ خاطَبُوا يَهُودَ خَيْبَرَ في أمْرِهِ، فَذَكَرُوا لِنُبُوَّتِهِ، هم نُبُوَّتُهُ، وقالُوا لَهُمْ: إنْ رَأيْتُمُ أتْباعَهُ أطَعْناكُمْ، وإنْ رَأيْتُمْ خِلافَهُ خالَفْناهُ مَعَكُمْ، فَجاءَهم جَوابُ أهْلِ خَيْبَرَ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، وأبْناءُ عُزَيْرٍ ابْنِ اللهِ، ومِنّا الأنْبِياءُ، ومَتّى كانَتِ النُبُوَّةُ في العَرَبِ؟
نَحْنُ أحَقُّ بِالنُبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ولا سَبِيلَ إلى اتِّباعِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِمَعْنى: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ اللهِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَقَرِّبْهُ وفِراقُ هَذِهِ الحَياةِ الخَسِيَّةِ أحَبُّ إلَيْكم فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم هَذِهِ المَنزِلَةَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ ولا يُلْقُونَهُ إلّا كُرْهًا لِعِلْمِهِمْ بِسُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ اللهِ وبُعْدِهِمْ عنهُ، هَذا هو اللازِمُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ، ورَوى كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مُعْجِزَةً لِمُحَمَّدٍ ، وآيَةٌ باهِرَةٌ، وأعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ تَمَنّى أحَدٌ مِنهُمُ المَوْتَ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ ماتَ وفارَقَ الدُنْيا، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ : « "تَمَنَّوُا المَوْتَ"» في جِهَةِ التَعْجِيزِ وإظْهارِ الآيَةِ، فَما تَمَنّاهُ أحَدٌ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وثِقَةً بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ .
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِالمَوْتِ الَّذِي لا مَحِيدَ لَهم عنهُ، ثُمَّ بِما بَعْدَهُ مِنَ الرَدِّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكُمْ" بِإسْقاطِ "فَإنَّهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُنَبِّئُكُمْ" أيْ" إنْباءُ مُعاقِبٍ مُجازٍ عَلَيْهِ بِالتَعْذِيبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "فَتُمَنُّوُا المَوْتَ" بِكَسْرِ الواوِ، وكَذَلِكَ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.
<div class="verse-tafsir"
تصريح بما اقتضاه التذييل من الوعيد وعدم الانفلات من الجزاء عن أعمالهم ولو بَعُد زمان وقوعها لأن طول الزمان لا يؤثر في علم الله نسياناً، إذ هو عالم الغيب والشهادة.
وموقع هذه الجملة موقع بدل الاشتمال من جملة ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ﴾ [الجمعة: 6]، وإعادة فعل ﴿ قل ﴾ من قبيل إعادة العامل في المبدل منه كقوله تعالى: ﴿ تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا ﴾ في سورة [العقود: 114].
ووصف الموت } ب ﴿ الذي تفرون منه ﴾ للتنبيه على أن هلعهم من الموت خطأ كقول علقمة: إن الذين ترونهم إخوانكم يشفي غليل صدورهم أن تُصرعوا وأطلق الفرار على شدة الحذر على وجه الاستعارة.
واقتران خبر (إن) بالفاء في قوله: ﴿ فإنه ملاقيكم ﴾ لأن اسم (إن) نُعِت باسم الموصول والموصول كثيراً ما يعامل معاملة الشرط فعومل اسم (إن) المنعوت بالموصول معاملة نعته.
وإعادة ﴿ إِنّ ﴾ الأولى لزيادة التأكيد كقول جرير: إن الخليفةَ إن الله سربله سِربال مُلْككٍ به تُزْجى الخَواتِيم وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً ﴾ في سورة [الكهف: 30].
وفي سورة الحج أيضاً.
والإِنباء بما كانوا يعملون كناية عن الحساب عليه، وهو تعريض بالوعيد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ تَفِرُّونَ مِنَ الدّاءِ بِالدَّواءِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِانْقِضاءِ الأجَلِ.
الثّانِي: تَفِرُّونَ مِنَ الجِهادِ بِالقُعُودِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالوَعِيدِ.
الثّالِثُ: تَفِرُّونَ مِنهُ بِالطِّيرَةِ مِن ذِكْرِهِ حَذَرًا مِن حُلُولِهِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالكُرْهِ والرِّضا.
الرّابِعُ: إنَّهُ المَوْتُ الَّذِي تَفِرُّونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ حِينَ قالَ تَعالى: ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ﴾ قال: اليهود.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ﴾ قال: أمرهم أن يأخذوا بما فيها فلم يعملوا به.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ قال: كتباً لا يدري ما فيها ولا يدري ما هي يضرب الله لهذه الأمة أي وأنتم إن لم تعملوا بهذا الكتاب كان مثلكم كمثلهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يحمل أسفاراً ﴾ قال: كتباً لا يعلم ما فيها ولا يعقلها.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ قال: يحمل كتباً على ظهره لا يدري ماذا عليه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أسفاراً ﴾ قال: كتباً.
وأخرج الخطيب عن عطاء بن أبي رباح مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ أسفاراً ﴾ قال: كتباً والكتاب بالنبطية يسمى سفراً.
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تكلم يوم الجمعة والإِمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له أنصت ليست له جمعة» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ﴾ قال أبو إسحاق: دخلت الفاء في خبر إن، ولا يجوز إن زيدًا فمنطلق، لأن ﴿ الَّذِي ﴾ فيه معنى الشرط والجزاء (١) وقال الفراء: العرب تدخل الفاء في كل خبر كان اسمه مما يوصل، مثل من والذي وإلقاؤها جائز وهي في قراءة عبد الله (تفرون منه ملاقيكم) بغير فاء (٢) ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ﴾ ثم قال: ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ (٣) (٤) ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ...
ولو رام أسباب السماء بسلم (٥) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 171.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 156.
(٣) عند تفسيره الآية (274) من سورة البقرة.
(٤) انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 267، والبيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في "ديوانه" بشرح ثعلب ص 30، و"شرح القصائد العشر" ص 194، و"الخصائص" 3/ 324.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 155 أ، وهو قول مجاهد، والضحاك، والسائب بن يزيد.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 291، و"جامع البيان" 28/ 66، و"زاد المسير" 8/ 261.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ﴾ يعني اليهود ومعنى حملوا التوراة كلفوا العمل بها والقيام بأوامرها ونواهيها ﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ لم يطيعوا أمرها ولم يعملوا بها، شبههم الله بالحمار الذي يحمل الأسفار على ظهره، ولم يدر ما فيها ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله ﴾ يعني اليهود الذين كذبوا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم وهم الذين حملوا التوراة ولم يحملوها؛ لأن التوراة تنطق بنبوته صلى الله عليه وسلم، فكل من قرأها ولم يؤمن به فقد خالف التوراة ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت ﴾ ذكر في [البقرة: 94].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كمثل الحمار ﴾ و ﴿ التوراة ﴾ بالإمالة قد سبق ذكرهما.
الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ لا ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف أي وفي آخرين ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أسفاراً ﴾ ط ﴿ بآيات الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ البيع ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ للتجارة ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه.
التفسير: في الأميين منسوب إلى أمة العرب أو إلى أم القرى.
وقد مر سائر الوجوه في " الأعراف " في قوله ﴿ النبيّ الأميّ ﴾ وباقي الآية مذكورة في " البقرة " و " آل عمران ".
والمراد بآخرين التابعون وحدهم أو مع تبع التابعين إلى يوم القيامة.
ثمّ شبه اليهود الطاعنين في نبوّة محمد مع أنهم حاملوا التوراة وحفاظها العارفون بما فيها من نعت نبيّ آخر الزمان بالحمار الحامل للأسفار أي الكتب الكبار لأنه لا يدري منها إلا ما مر بجنبيه من الكدّ والتعب.
ومعنى ﴿ حملوا ﴾ كلفوا العمل بما فيها.
ومحل ﴿ يحمل ﴾ جر صفة للحمار كما في قوله " على اللئيم يسبني " وهذا مثل كل من علم علماً يتعلق بعمل صالح ثم لم يعمل به.
ثم قبح مثلهم بقوله ﴿ بئس ﴾ مثلاً ﴿ مثل القوم الذين ﴾ وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه فقيل لهم: إن كان قولكم حقاً ﴿ فتمنوا الموت ﴾ ليكون وصولكم إلى دار الكرامة أسرع وقد مر مثله في أول " البقرة " إلا أنه قال ههنا ﴿ ولا يتمنونه ﴾ وهناك ولن يتمنوه وذلك أن كليهما للنفي إلا أن " لن" أبلغ في نفي الاستقبال وكانت دعواهم هناك قاطعة بالغة وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص فخص الأبلغ بتلك السورة.
ثم بين أن الموت الذي لا يجترؤن على تمنيه خيفة أن يؤاخذوا بوبال كفرهم فإنه ملاقيهم لا محالة.
قال أهل النظم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث: زعموا أنهم أولياء لله فكذبهم بقوله ﴿ فتمنوا الموت ﴾ وافتخروا بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وباهوا بالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع لنا الجمعة.
قال جار الله: يوم الجمعة بالسكون الفوج المجموع كضحكة للمضحوك منه، وضمَّ الميم تثقيل لها كما قيل في عسرة عسرة.
قلت: ومما يدل على أن أصلها الكسون جمعها على جمع كقدرة وقدر.
وفي الكشاف أن ﴿ من يوم الجمعة ﴾ بيان " إذا " وتفسير له.
وأقوال: إن اليوم أعم من وقت النداء والعام.
لإبهامه لا يصير بياناً ظاهراً فالأولى أن تكون " من " للتبعيض.
والنداء الأذان في أول وقت الظهر، وقد كان لرسول الله مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس زاد مؤذناً آخر، مؤذن على داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة.
وعن ابن عباس: إن أول جمعة في الإسلام بعد جمعة رسول الله لجمعة أجتمعت بجواثى قرية من قرى البحرين من قرى عبد القيس وروي أن الأنصار بالمدينة اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة.
وكنيته أبو إمامة وقالوا: هلموا نجعل لنا يوماًنجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فإن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العروبة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتمعاهم فيه، وأنزل الله آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام قبل مقدم النبي وأول جمعة جمعها رسول الله أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلّى الجمعة.
وفضيلة صلاة الجمعة كثيرة منها ما ورد في الصحاح عن أبي هريرة " إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول" و " "مثل المبكر كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة ثم كبشاً ثم دجاجة ثم بيضة فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر" وعنه " "من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر" وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.
وقيل: أول بدعة أحدثت مع الإسلام ترك البكور إلى الجمعة.
ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة إلا في مصر جامع وهو ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام.
وقد يقال: ما يكون فيه نهر جار وسوق قائم وملك قاهر وطبيب حاذق.
وعنده تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي لا تنعقد إلاّ بأربعين متوطنين.
وأعذار الجمعة مشهورة في كتب الفقه.
ومعنى السعي القصد دون العدو ومنه قول الحسن: ليس السعي على الأقدام ولكنه على النيات والقلوب.
وعن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي.
قال العلماء: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه.
قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ أي إلى الخطبة والصلاة وهي تسمية الشيء بأشرف أجزائه.
ومذهب أبي حنيفة أنه لو اقتصر على كل ما يسمى ذكراً مثل الحمد لله أو سبحان الله جاز.
وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة.
وعن جابر كان رسول الله يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعنه أن النبي كان صلاته قصداً وخطبته قصداً.
وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قال: إني سمعت رسول الله يقول " إن طول الصلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأقصر الخطبة وأطل الصلاة " وإن من البيان لسحراً.
قوله ﴿ وذروا البيع ﴾ خاص ولكنه عام في الحقيقة لكل ما يذهل عن ذكر الله.
وسبب التخصيص أن أهل القرى وقتئذ يجتمعون من كل أوب في السوق وأغلب اجتماعهم على البيع والشراء.
ولا خلاف بين العلماء في تحريم البيع وقت النداء.
وهل يصح ذلك البيع إن وقع الأكثرون؟
نعم لأن المنع غير متوجه نحو خصوص البيع.
وإنما هو متوجه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب النهي ولو باع في غير تلك الحالة لم يصادفه نهي.
قوله ﴿ فانتشروا ﴾ وابتغوا إباحة بعد حظر.
وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا امتثالاً للآية.
وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله.
وعن الحسن وسعيد بن المسيب: الطلب طلب العلم.
وقيل: صلاة التطوع.
وفي قوله ﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يغفل عن ذكر ربه في كل حال كما قال ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ عن جابر قال: بينا نحن نصلي مع النبي إذا قيل: عير تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي إلا اثنا عشر رجلاً فنزلت ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ أي تفرقوا إليها ﴿ وتركوك قائماً ﴾ في الصلاة أو في الخطبة أو في الزاوية، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهذا هو المراد باللهو والتقدير إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.
يروى أنه وآله قال: والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً.
ثم حث على تجارة الآخرة وعلى تيقن أن لا رازق بالحقيقة إلا هو وقد مر مراراً.
قوله: - عز وجل -: ﴿ مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ .
له أوجه من التأويل: أحدها: يحتمل أن يكون هذا كناية عن العمل، يعني: حملوا ما في التوراة فلم يعملوا بها.
والثاني: أن يقول: ﴿ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ ، يعني: لم يحملوها إلى من أمروا بحملها إليهم على ما أمروا؛ لأنهم حرفوا وبدلوا.
أو يجوز أن يكون تأويله - والله أعلم - أنهم كذبوا التوراة وتلقوها بالعناد والتكذيب فلم ينتفعوا بها، فمثلهم كمثل الحمار [يحمل] كتبا لا يعلم قدرها وخطرها كما قال: ﴿ كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾ ؛ لأنهم وإن عرفوا التوراة فحين لم يعظموها حق تعظيمها، وكذبوا بما فيها، كانوا كأنهم لا يعرفون قدرها وخطرها، فصار مثلهم كمثل الحمار يحمل الكتب، لا يعلم ما قدرها وخطرها؟
وهذا التأويل أقرب؛ لأنه قال في سياق هذه الآية: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ ، فثبت أن المعنى من الأول التكذيب، والله أعلم.
قال: ثم معلوم أن هذا التكذيب والتحريف إنما كان من عمل كبرائهم ورؤسائهم، فأخبر أنهم كذبوا ولم يعرفوا قدرها حين كذبوا؛ ليزجر متبعيهم عن اتباعهم، ويبين أن رؤساءهم ليسوا ممن يستحقون الاتباع.
وفيه - أيضاً - زجر للمسلمين أن يستخفوا كتاب الله والعمل بما فيه، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقول: بئس النعت والصفة صفة الذين بلغ كذبهم مبلغا كذبوا على الله؛ لأن الكاذب في العباد موصوف بالشر، فإذا بلغ كذبه مبلغا يكذب على الله ، علم أنه في النهاية في الشر، فكأنه يقول: صفة الذين كذبوا على الله في الغاية من الشر والقبح.
أو يقول: بئس مثل الذين كذبوا بآيات الله؛ لأن الله ضرب أمثال المشركين بكل ما يستخبث ويستقبح، وضرب أمثال المؤمنين بكل حسن وطيب، فقال: المثل يعني الشبه الذي شبه الله به المكذبين بآياته شبه قبيح.
ثم في هذه الآية دلالة أن الله يخلق القبيح والحسن والخبيث والطيب جميعاً؛ لأن قوله: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ﴾ ، وذلك المثل الذي شبههم به ما خلقه وقد سماه: بئسا، فثبت أن الله قد خلق الخبيث والطيب والقبيح والحسن، وعند المعتزلة لم يخلق إلا الحسن، فتكون الآية حجة عليهم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: أنه لا يهدي القوم الظالمين لوقت اختيارهم الظلم والفسق، أو لا يهديهم بظلمهم الآيات ومكابرتهم وعنادهم إياها؛ فهو لا يهدي هؤلاء، وأما من ظلم عن جهل أو فسق ثم استرشد، فإنه يهديه ويرشده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ؛ وقال في موضع آخر: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ؛ فكان في هذا بيان أن من كان من أوليائه فله الدار الآخرة عند الله خالصة، ومن كانت له الدار الآخرة فهو من أوليائه.
ويجوز أن يكون مآلهما جميعاً، والله أعلم.
ثم المباهلة في المتعارف إنما هي المحاجة في بلوغ العناد والتمرد غايته، فكأنه لما قررت عندهم جميع الحجج فلم يقبلوها أمره بالمباهلة؛ فلم يباهله اليهود والنصارى؛ لأنه يجوز أن قد كان في كتابهم هذا أن المباهلة من غاية المحاجة وأن من باهل، نزل عليه العذاب واللعنة إن لم يكن محقّاً؛ فذلك امتنعوا من المباهلة، وأما العرب من المشركين فلم يكن لهم كتاب يعرفون به حكم المباهلة فباهلوا، وذلك أنه روي أن أبا جهل كان يقول: "اللهم انصر أحبنا إليك وأقرانا للضيف وأوصلنا للرحم" فنصر الله نبيه ، فأبو جهل باهله؛ لأنه لم يكن له كتاب، ولم يباهله اليهود والنصارى؛ لما كانت لهم كتب عرفوا فيها حكم المباهلة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ ﴾ .
هذه الآية تدل على رسالة رسولنا لأنه لو كان يقوله من نفسه، لكانوا يبادرون فيتمنون الموت للحال؛ ليظهر كذبه فيه، فلما أخبر أنه لا يتمنونه أبداً، ولم يتمنوا، تبين أنه قال من الوحي، وأنهم علموا ذلك حتى امتنعوا عن التمني؛ خوفا للهلاك على أنفسهم؛ لعلمهم أنهم لو تمنوا لماتوا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ ﴾ .
أي: من تحريف التوراة والإنجيل؛ لأن قول النصارى: ﴿ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ ﴾ لم يكن في الإنجيل، وقول اليهود: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً ﴾ لم يكن في التوراة، ولكنهم غيروا وبدلوا؛ فلا يتمنون الموت بما قدمت أيديهم من تحريف هذه الآيات وتبديلها وتغيير نعت محمد، عليه الصلاة والسلام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
يعني: بظلمهم الآيات، وعنادهم لها، ومكابرتهم إياها.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ﴾ .
أي: الموت الذي تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف التوراة والإنجيل يلقاكم لا محالة وإن فررتم منه؛ فيكون فيه تذكيرهم إن رجعوا عما يهربون منه، يعني: الموت.
وقوله: ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
يعني: إلى عالم ما أشهدتم الخلق من التوراة والإنجيل، وعالم ما غيبتم عن الخلق من نعت محمد وغير ذلك.
أو عالم ما غيبتم في أنفسكم وأسررتم من تكذيبكم بمحمد وما أشهدتم عليه ضعفتكم وأتباعكم من نهيكم إياهم عن اتباعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
إما عيانا تقرءونه في كتابكم يوم القيامة، أو ينبئكم بما كنتم تعملون بالجزاء إن خيرا فخير وإن شرّاً فشر، والله المستعان.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- لهؤلاء اليهود: إن الموت الَّذي تهربون منه ملاقيكم لا محالة إن عاجلًا أو آجلًا، ثم ترجعون يوم القيامة إلى الله عالم ما غاب وما حضر، لا يخفى عليه شيء منهما، فيخبركم بما كنتم تعملونه في الدنيا، ويجازيكم عليه.
من فوائد الآيات عظم منة النبي على البشرية عامة وعلى العرب خصوصًا، حيث كانوا في جاهلية وضياع.
الهداية فضل من الله وحده، تطلب منه وتستجلب بطاعته.
تكذيب دعوى اليهود أنهم أولياء الله؛ بتحدّيهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين في دعواهم لأن الولي يشتاق لحبيبه.
<div class="verse-tafsir" id="91.W9azA"