تفسير الآية ٣٩ من سورة القلم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ٣٩ من سورة القلم

أَمْ لَكُمْ أَيْمَـٰنٌ عَلَيْنَا بَـٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ٣٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 52 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٩ من سورة القلم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة القلم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون ) أي : أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة ، ( إن لكم لما تحكمون ) أي : إنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( أَمْ لَكُمْ ) فيه ( أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) يقول: هل لكم أيمان علينا تنتهي بكم إلى يوم القيامة، بأن لكم ما تحكمون أي: بأن لكم حكمكم، ولكن الألف كسرت من " إن " لما دخل في الخبر اللام: أي هل لكم أيمان علينا بأن لكم حكمكم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم زاد في التوبيخ فقال : أم لكم أيمان أي عهود ومواثيق ." علينا بالغة " مؤكدة .

والبالغة المؤكدة بالله تعالى .

أي أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة .إن لكم لما تحكمون كسرت " إن " لدخول اللام في الخبر .

وهي من صلة " أيمان " ، والموضع النصب ولكن كسرت لأجل اللام ; تقول : حلفت إن لك لكذا .

وقيل : تم الكلام عند قوله : إلى يوم القيامة ثم قال : إن لكم لما تحكمون إذا ; أي ليس الأمر كذلك .

وقرأ ابن هرمز " أين لكم فيه لما تخيرون " " أين لكم لما تحكمون " ; بالاستفهام فيهما جميعا .

وقرأ الحسن البصري " بالغة " بالنصب على الحال ; إما من الضمير في " لكم " لأنه خبر عن " أيمان " ففيه ضمير منه .

وإما من الضمير في " علينا " إن قدرت " علينا " وصفا للأيمان لا متعلقا بنفس الأيمان ; لأن فيه ضميرا منه ، كما يكون إذا كان خبرا عنه .

ويجوز أن يكون حالا من " أيمان " وإن كانت نكرة ، كما أجازوا نصب حقا على الحال من متاع في قوله تعالى : متاع بالمعروف حقا على المتقين .

وقرأ العامة " بالغة " بالرفع نعت ل " أيمان " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وليس لهم عند الله عهد ويمين بالغة إلى يوم القيامة أن لهم ما يحكمون، وليس لهم شركاء وأعوان على إدراك ما طلبوا، فإن كان لهم شركاء وأعوان فليأتوا بهم إن كانوا صادقين، ومن المعلوم أن جميع ذلك منتف، فليس لهم كتاب، ولا لهم عهد عند الله في النجاة، ولا لهم شركاء يعينونهم، فعلم أن دعواهم باطلة فاسدة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أم لكم أيمان ) عهود ومواثيق ( علينا بالغة ) مؤكدة عاهدناكم عليها فاستوثقتم بها منا فلا ينقطع عهدكم ( إلى يوم القيامة إن لكم ) في ذلك العهد ( لما تحكمون ) لأنفسكم من الخير والكرامة عند الله .

وكسر " إن " في الآيتين لدخول اللام في خبرهما .

ثم قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أم لكم أَيمان» عهود «علينا بالغة» واثقة «إلى يوم القيامة» متعلق معنى بعلينا، وفي هذا الكلام معنى القسم، أي أقسمنا لكم وجوابه «إن لكم لما تحكمون» به لأنفسكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أم لكم عهود ومواثيق علينا في أنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على لون آخر من مزاعمهم فقال : ( أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إلى يَوْمِ القيامة إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ .أى : وقل لهم - يا محمد - على سبيل إلزامم الحجة : بل ألكم ( أَيْمَانٌ ) أى : عهود ومواثيق مؤكدة ( عَلَيْنَا ) وهذه العهود ( بَالِغَة ) أقصى مداها فى التوكيد ، وثابتة لكم علينا ( إلى يَوْمِ القيامة ) بأنا قد سوينا بين المسلمين والمجرمين فى أحكامنا ، كما زعمتم أنتم؟

إن كانت لكم علينا هذه الإيمان والعهود ، فأظهروها للناس ، وفى هذه الحالة يكون من حقكم أن تحكموا بما حكمتم به .ومما لا شك فيه ، أنهم ليست لهم عهود عند الله بما زعموه من أحكام ، وإنما المقصود من الآية الكريمة ، بيان كذبهم فى أقوالهم ، وبيان أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بجواب يثبتون به مدعاهم .وقوله : ( إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ) جواب القسم ، لأن قوله : ( أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا ) بمعنى : أم أقسمنا لكم إيمانا موثقة بأننا رضينا بأحكامكم التى تسوون فيها بين المسلمين والمجرمين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: لفلان على يمين بكذا إذا ضمنته منه وخلقت له على الوقاء به يعني أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد.

فإن قيل: إلى في قوله: ﴿ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ بم يتعلق؟

قلنا: فيه وجهان الأول: أنها متعلقة بقوله: ﴿ بالغة ﴾ أي هذه الأيمان في قوتها وكمالها بحيث تبلغ إلى يوم القيامة والثاني: أن يكون التقدير.

أيمان ثابتة إلى يوم القيامة.

ويكون معنى بالغة مؤكدة كما تقول جيدة بالغة، وكل شيء متناه في الصحة والجودة فهو بالغ، وأما قوله: ﴿ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴾ فهو جواب القسم لأن معنى: ﴿ أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا ﴾ أم أقسمنا لكم.

المسألة الثانية: قرأ الحسن بالغة بالنصب وهو نصب على الحال من الضمير في الظرف.

ثم قال للرسول عليه الصلاة والسلام: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها، فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المسلمين قالوا: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم تكن حالهم وحالنا إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا، فقيل: أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين.

ثم قيل لهم على طريقة الالتفات ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾ هذا الحكم الأعوج؟

كأنّ أمر الجزاء مفوّض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم ﴿ أَمْ لَكُمْ كتاب ﴾ من السماء ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ في ذلك الكتاب أنّ ما تختارونه وتشتهونه لكم، كقوله تعالى: ﴿ أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ (156) ﴾ فأتوا بكتابكم والأصل تدرسون أنّ لكم ما تخيرون، بفتح أنّ؛ لأنه مدروس؛ فلما جاءت اللام كسرت.

ويجوز أن تكون حكاية للدروس، كما هو، كقوله: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأخرين (78) سلام على نُوحٍ فِي العالمين (79) ﴾ [الصافات: 78- 79].

وتخير الشيء واختاره: أخذ خيره، ونحوه: تنخله وانتخله: إذا أخذ منخوله.

لفلان عليّ يمين بكذا: إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به، يعني: أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد فإن قلت: بم يتعلق ﴿ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ ؟

قلت: بالقدر في الظرف، أي: هي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها إلا يومئذٍ إذا حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون.

ويجوز أن يتعلق ببالغة، على أنها تبلغ ذلكم اليوم وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من التحكيم.

وقرأ الحسن ﴿ بالغة ﴾ بالنصب على الحال من الضمير في الظرف ﴿ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴾ جواب القسم؛ لأنّ معنى ﴿ أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا ﴾ أم أقسمنا لكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أمْ لَكم كِتابٌ ﴾ مِنَ السَّماءِ.

﴿ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴾ تَقْرَؤُونَ.

﴿ إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ﴾ إنَّ لَكم ما تَخْتارُونَهُ وتَشْتَهُونَهُ، وأصْلُهُ «أنَّ لَكُمْ» بِالفَتْحِ لِأنَّهُ المَدْرُوسُ فَلَمّا جِيءَ بِاللّامِ كُسِرَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِلْمَدْرُوسِ أوِ اسْتِئْنافًا وتَخَيَّرَ الشَّيْءَ واخْتارَهُ أخْذَ خَيْرَهُ.

﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا ﴾ عُهُودٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالأيْمانِ.

﴿ بالِغَةٌ ﴾ مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ، وقُرِئَتْ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ والعامِلُ فِيها أحَدُ الظَّرْفَيْنِ.

﴿ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُقَدَّرِ في لَكم أيْ ثابِتَةٌ لَكم عَلَيْنا إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِها حَتّى نُحَكِّمَكم في ذَلِكَ اليَوْمِ، أوْ بِ بالِغَةٌ أيْ أيْمانٌ تَبْلُغُ ذَلِكَ اليَوْمَ.

﴿ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ ﴾ جَوابُ القَسَمِ لِأنَّ مَعْنى أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا أمْ أقْسَمْنا لَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا} عهود مؤكدة بالأيمان {بالغة} نعت أيمان ويتعلق {إلى يَوْمِ القيامة} ببالغة أي أنها تبلغ ذلك لايوم وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منه يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من التحيكم أو بالمقدر في الظرف أي هي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها إلا يومئذ إذا حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} به لأنفسكم وهو جواب القسم لأن معنى أَمْ لَكُمْ أيمان علينا أم أفسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا ﴾ أيْ إقْسامٌ، وفُسِّرَتْ بِالعُهُودِ وإطْلاقُ الإيمانِ عَلَيْها مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ أوِ اللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ ﴿ بالِغَةٌ ﴾ أيْ أقْصى ما يُمْكِنُ، والمُرادُ مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «بالِغَةً» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( عَلَيْنا ) أوْ ( لَكم ) وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن إيمانٍ لِتَخْصِيصِها بِالوَصْفِ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُقَدَّرِ في ( لَكم ) أيْ ثابِتَةٌ لَكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِها إلّا يَوْمَئِذٍ إذا حَكَمْناكم وأعْطَيْناكم ما تَحْكُمُونَ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِبالِغَةٍ أيْ إيمانٍ تَبْلُغُ ذَلِكَ اليَوْمَ وتَنْتَهِي إلَيْهِ وافِرَةٍ لَمْ يَبْطُلْ مِنها يَمِينٌ فَإلى عَلى الأوَّلِ لِغايَةِ الثُّبُوتِ المُقَدَّرِ في الظَّرْفِ فَهو كَأجَلِ الدَّيْنِ وعَلى الثّانِي لِغايَةِ البُلُوغِ فَهي قَيْدُ اليَمِينِ أيْ يَمِينًا مُؤَكَّدًا لا يَنْحَلُّ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ ولَيْسَ مِن تَأْجِيلِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ في شَيْءٍ إذْ لا مَدْخَلَ لِبالِغَةٍ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ ﴾ جَوابُ القَسَمِ لِأنَّ مَعْنى أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا أمْ أقْسَمْنا لَكم وهو جارٍ عَلى تَفْسِيرِ الأيْمانِ بِمَعْنى العُهُودِ لِأنَّ العَهْدَ كاليَمِينِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ فَيُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ وقَرَأ الأعْرَجُ «آنَ لَكُمْ» بِالِاسْتِفْهامِ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: إِنَّا بَلَوْناهُمْ يعني: اختبرنا أهل مكة بترك الاستثناء ويقال: ابتليناهم بالجوع والشدة.

ثم قال: كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ يعني: أهل ضيروان، وهي قبيلة باليمن.

وروى أسباط، عن السدي قال: كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلاً صالحاً، وكان إذا بلغ ثماره فأتاه المساكين، فلم يمنعهم من دخولها، وأن يأكلوا منها، وأن يتزودوا فيها.

فلما مات أبوهم، قال بنوه بعضهم لبعض: على ما نعطي أموالنا هؤلاء المساكين؟

فقالوا: فلندع من يصرفها قبل أن يعلم المساكين.

ولم يستثنوا فانطلقوا وهم يتخافتون، ويقول بعضهم لبعض خفياً: أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين فذلك قوله: إِذْ أَقْسَمُوا يعني: حلفوا فيما بينهم.

لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ يعني: ليُجدنَّها وقت الصبح، أي: ليقطعنها قبل أن يخرج المساكين.

وَلا يَسْتَثْنُونَ يعني: لم يقولوا: إن شاء الله تعالى.

وروي في الخبر: أن أباهم كان إذا أراد أن يصرم النخل، اجتمع هناك مساكين كثيرة.

وقد جعل له علامة، فكل ثمرة تسقط وراء العلامات، كانت للمساكين.

فكانوا يأخذون الثمر قدر ما يتزودون به أياماً كثيرة.

فلما مات الرجل، قال بنوه فيما بينهم: إن أبانا كان عياله أقل، وحاجته أقل فصار عيالنا أكثر.

وحاجتنا أكثر فخرجوا بالليل، كي لا يشعر بهم المساكين، فاحترقت نخيلهم في تلك الليلة، فذلك قوله: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ يعني: بعث الله تعالى ناراً على حديقتهم بالليل.

والطائف: الذي أتاك ليلاً فأحرقها وهم نائمون.

مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ يعني: صارت الحديقة كالليل المظلم.

وقال القتبي: الصريم: من أسماء الأضداد.

يسمى الليل صريماً، والصبح صريماً، لأن الليل ينصرم عن النهار، والنهار ينصرم عن الليل.

ويقال: الصريم يعني: ذهب ما فيها، فكأنه صرم أي قطع وجز.

ثم قال: فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ يعني: نادى بعضهم لبعض أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ يعني: اخرجوا بالغداة جذوا زروعكم وصرام نخيلكم.

إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ يعني: إن أردتم أن تصرموها قبل أن يحضرها المساكين.

فَانْطَلَقُوا يعني: ذهبوا إِلى نخيلهم، وَهُمْ يَتَخافَتُونَ يعني: يتشاورون فيما بينهم بكلام خفي: أَنْ لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قال مقاتل: يعني: على جد في أنفسهم.

قادِرِينَ على جنتهم وقال الزجاج: معناه على قصد، وقال القتبي: الحرد المنع، ويقال: الحرد القصد قادرين واجدين ويقال: على قوة ونشاط، ويقال: على طريق جنتهم، ويقال: الحرد اسم تلك الجنة.

فَلَمَّا رَأَوْها يعني: أتوها ورأوها مسودة، أنكروها.

قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ يعني: أخطأنا الطريق، وليست هذه جنتنا.

فلما تفحصوا وعملوا أنها جنتهم وأنها عقوبة لهم، فقالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ يعني: حُرِمْنا منفعتها.

قالَ أَوْسَطُهُمْ يعني: أعدلهم وأعقلهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ يعني: هلا تستثنون في أيمانكم.

ويقال: كان استثناؤهم التسبيح يعني: لولا قلتم سبحان الله.

فندموا على فعلهم.

قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا يعني: نزهوه وعظموه تائبين عن ذنوبهم، ويقال: نستغفر ربنا.

إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ يعني: ضارين بأنفسنا بمنعنا المساكين.

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ يعني: جعل يلوم بعضهم بعضاً لصنيعهم ذلك، ثم قالُوا بأجمعهم: يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ يعني: عاصين بمنعنا المساكين.

ثم قالوا: عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها يعني: يعوضنا خيراً منها في الجنة.

إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ يعني: راجين مما عنده.

قال الله تعالى: كَذلِكَ الْعَذابُ يعني: هكذا عذاب الدنيا لمن منع حق الله تعالى.

وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لمن لم يتب ولم يرجع عن ذنبه.

ويقال: هكذا العذاب في الدنيا لأهل مكة بالجوع، ولعذاب الآخرة أعظم.

لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يعني: لو كانوا يفقهون.

ويقال: لو كانوا يصدقون، ثم ذكر ما للمتقين من الثواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقيل هو: الأخْنَسُ بن شريق، ويؤيد ذلكَ أنه كانَتْ له زَنَمَةٌ في حَلْقِه كَزَنَمَةِ «١» الشَّاةِ، وأيضاً فكانَ من ثَقِيفٍ مُلْصَقاً في قُرَيْشٍ، وقيل: هو أبو جهلٍ، وقيل: هو الأسودُ بن عَبْدِ يَغُوثَ، قال ع «٢» : وظاهرُ اللفظ عمومُ مَنِ اتَّصَفَ بهذهِ الصفاتِ، والمخاطبَةُ بهذا المعنى مستمرة بَاقِيَ الزَّمانِ، لا سيما لولاة الأمور.

وقوله تعالى: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ قَالَ كثيرٌ مِنَ المفسرينَ: الخيرُ هُنَا المالُ فَوَصَفه بالشُّحِّ، وقال آخرونَ: بل هُوَ عَلى عُمُومهِ في الأموالِ والأَعْمَالِ الصالحاتِ، والمُعْتَدِي المتجاوِزُ لحدودِ الأَشْيَاءِ، والأثِيمُ فَعِيلٌ مِن الإثْمِ، والعُتُلُّ: القويُّ البنيةِ، الغَليظُ الأَعْضَاءِ، القَاسِي القَلْبِ، البَعيدُ الفَهْمِ، الأَكُولُ الشَّرُوبُ، الذي هو بالليلِ جِيفَةٌ وَبِالنَّهارِ حِمَارُ، وكلُّ ما عبر به المفسرونَ عَنه مِنْ خِلاَلِ النقصِ، فَعَنْ هذه الَّتِي ذَكَرْتُ/ تَصْدُرُ، وقد ذكر النقاش أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم فَسَّر العتلَّ بِنَحْوِ هذا، وهذهِ الصفاتُ كثيرةُ التَّلازُمِ، والزَّنِيمُ في كلام العرب:

المُلْصَقُ في القومِ ولَيْسَ منهم ومنه قول حَسَّان: [الطويل]

وَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هَاشِمٍ ...

كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ

فَقَالَ كثيرٌ من المفسرينَ: هو الأخْنَسُ بن شريقٍ، وقال ابن عباس: أرادَ بالزنيم أنَّ له زَنَمَةً في عُنُقِهِ «٣» ، وكان الأَخنسُ بهذه الصفةِ، وقيل: الزّنيم: المريب القبيح الأفعال.

وقوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ معناه: على الأَنْفِ.

قال ابن عبّاس: هو الضّرب

بالسَّيْفِ في وَجْهِهِ وعَلَى أنْفِه «١» ، وَقَدْ حَلَّ ذَلِكَ به يومَ بَدْرٍ، وقيل: ذلك الوَسْمُ هو في الآخرةِ، وقال قتادة وغيره: معناه سَنَفْعَلُ به في الدنيا مِنَ الذَّمِّ لهُ والمَقْتِ والاشْتِهَارِ بالشر، ما يَبْقَى فِيه وَلاَ يَخْفَى به، فيكونُ ذلكَ كالْوَسِمِ عَلَى الأنف «٢» .

وقوله سبحانه: إِنَّا بَلَوْناهُمْ يريد: قريشاً، أي: امتحنّاهم، وأَصْحابَ الْجَنَّةِ فيما ذُكِرَ كانوا إخوةً، وكانَ لأَبِيهم جَنَّةٌ وحَرْثٌ يَغْتَلُّه، فَكَان يُمْسِكُ منه قُوتَه، وَيَتَصَدَّقُ على المساكين بِبَاقِيهِ، وقيل: بلْ كَانَ يَحْمِلُ المساكِينَ مَعَه في وَقْتِ حَصَادِهِ وجَذِّه فَيُجْدِيهم منه، فماتَ الشيخُ، فقال ولدُه: نَحْنُ جَماعَةٌ وفِعْلُ أبينَا كَانَ خطأً فَلْنَذْهَبْ إلى جنَّتِنَا، ولا يَدْخُلَنَّها عَلَيْنَا مِسْكِينٌ، ولا نُعْطِي منها شيئاً، قَال: فَبَيَّتُوا أمْرَهُمْ وَعَزْمَهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا طائفاً من نارِ أو غيرِ ذلكَ، فاحْتَرَقَتْ، فقيلَ: فأصْبَحَتْ سَودَاء، وقيل: بَيْضَاء كالزَّرْعِ اليَابِسِ المَحْصُودِ، فلما أصْبَحوا إلى جنتهم لم يَرَوْهَا فَحسبوا أنهم قَد أَخْطَؤُوا الطريقَ، ثم تَبَيَّنُوها فعلموا أنَّ اللَّهَ/ أَصَابَهُم فِيها، فتَابوا حينئذٍ فَكَانُوا «٣» مُؤمنِينَ أهْلَ كِتَابٍ، فَشَبَّه اللَّهُ قُرَيْشاً بهم في أنّه امتحنهم بالمصَائِبِ، في دنياهم لعدم اتّباعهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم، ثُمَّ التوبةُ مُعَرَّضَةٌ لِمَنْ بَقِيَ منهم.

وقوله تعالى: لَيَصْرِمُنَّها أي: ليجذّنّها، ومُصْبِحِينَ معناه: دَاخِلينَ في الصباح.

وقوله تعالى: وَلا يَسْتَثْنُونَ [أي: لا يَنْثَنُونَ] «٤» عن رأْيِ مَنْعِ المساكين، وقَالَ مجاهد: معناه ولاَ يَقُولُونَ إنْ شَاءَ اللَّه «٥» .

والصَّرِيمُ، قال جماعة: أرادَ بهِ اللَّيْلَ مِنْ حيثُ اسْوَدَّتْ جَنَّتُهم، وقَالَ ابن عباس: الصَّرِيمُ: الرَّمَادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ، وقولهم: إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ يَحْتَمِلُ أنْ يكُونَ مِنْ صرام النخلِ، ويحتملُ أنْ يريدَ إنْ كُنْتُمْ أهْلَ عزم وإقْدَامٍ على رأيكم، من قولك سيف صارم «٦» ، ويَتَخافَتُونَ: معناه يَتَكَلَّمُونَ كَلاَماً خَفِيًّا، وكان هذا التخافتُ خَوْفاً مِنْ أنْ يَشْعُرَ بهمُ المساكينُ، وكان لفظُهم الذي يتخافتون به: أَنْ لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم "وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ" فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَوْ تُرَخِّصُ فَيُرَخِّصُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَ في دِينِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُونَ لَكَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ، لَوْ تُنافِقُ وتُرائِي فَيُنافِقُونَ ويُراؤُونَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسّادِسُ: ودُّوا لَوْ تُداهِنُ في دِينِكَ فَيُداهِنُونَ في أدْيانِهِمْ.

وكانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِنَ المُداهَنَةِ.

والسّابِعُ: لَوْ تُقارِبُهم فَيُقارِبُونَكَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ ﴾ وهو كَثِيرُ الحَلِفِ بِالباطِلِ ﴿ مَهِينٍ ﴾ وهو الحَقِيرُ.

الدَّنِيءُ ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهِينُ: الكَذّابُ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَ هَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَمّازٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُغْتابُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو العَيّابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ أيْ: يَمْشِي بَيْنَ النّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلُ الكَلامِ السَّيِّئِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم "مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ" فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَنَعَ ولَدَهُ وعَشِيرَتَهُ الإسْلامَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَنّاعٌ لِلْحُقُوقِ في مالِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ أيْ: ظَلُومٍ ﴿ أثِيمٍ ﴾ "فاجِرٍ" ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: مَعَ ما وصَفْناهُ بِهِ.

وفي "العُتُلِّ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العاتِي الشَّدِيدُ المُنافِقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المُتَوَفِّرُ الجِسْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الشَّدِيدُ الأشِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: القَوِيُّ في كُفْرِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: الأكُولُ الشَّرُوبُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والسّادِسُ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ الغَلِيظُ الجافِي، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي "الزَّنِيمِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الدَّعِيُّ في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِنهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ أنَّ الزَّنِيمَ: هو المُلْتَصِقُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهُمْ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ حَسّانُ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمِ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُعِتَ فَلَمْ يَعْرِفْ حَتّى قِيلَ: زَنِيمٌ، فَعَرَفَ، وكانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها.

ولا نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَلَغَ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ أحَدٍ ما بَلَغَهُ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ الوَلِيدِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِالحَلِفِ، والمَهانَةِ، والعَيْبِ لِلنّاسِ، والمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ، والبُخْلِ، والظُّلْمِ، والإثْمِ، والجَفاءِ، والدِّعْوَةِ، فَألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والزَّنَمَتانِ: المُعَلَّقَتانِ عِنْدَ حُلُوقِ المَعْزى.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: يَعْنِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ مِن أُذُنِها.

والرّابِعُ: أنَّهُ الظَّلُومُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أنْ كانَ" عَلى الخَبَرِ، أيْ: لِأنْ كانَ.

والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِهَمْزَتَيْنِ، الأُولى: مُخَفَّفَةٌ.

والثّانِيَةُ: مُلَيَّنَةٌ، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو جَعْفَرٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "أأنْ كانَ" بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، ولَهُ وجْهانِ.

أحَدُهُما: لِأنْ كانَ ذا مالٍ تُطِيعُهُ؟!

والثّانِي: ألِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ؟!

"إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا" يَكْفُرُ بِها؟

فَيَقُولُ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ كانَ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَقْصُورَةٍ.

ثُمَّ أوْعَدَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ الخُرْطُومُ: الأنْفُ.

وفي هَذِهِ السِّمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَنَسِمُهُ بِالسَّيْفِ، فَنَجْعَلُ ذَلِكَ عَلامَةً عَلى أنْفِهِ ما عاشَ، فَقاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَخُطِمَ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: سَنُسَوِّدُ وجْهَهُ.

قالَ الفَرّاءُ: و"الخُرْطُومُ" وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ، فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ، لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنِ البَعْضِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: سَنَجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العَلَمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ.

وجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يُفْرَدَ بِسِمَةٍ لِمُبالَغَتِهِ في عَداوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَتَبَيَّنُ بِها عَنْ غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ﴾ ﴿ قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ ﴾ ﴿ عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبُّنا راغِبُونَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ العَذابُ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴾ ﴿ إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ﴾ "يَتَلاوَمُونَ" مَعْناهُ: يَجْعَلُ كُلُّ واحِدٍ اللَوْمَ في حَيِّزِ صاحِبِهِ ويُبَرِّئُ نَفْسَهُ، ثُمَّ أجْمَعُوا عَلى أنَّهم طَغَوْا، أيْ تَعُدُّوا ما يَلْزَمُ مِن مُواساةِ المَساكِينِ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى رَجاءِ اللهِ تَعالى وانْتِظارِ الفَرَجِ مِن لَدُنْهُ في أنْ يُبَدِّلَهم بِسَبَبِ تَوْبَتِهِمْ خَيْرًا مِن تِلْكَ الجَنَّةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "يُبْدِلَنا" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِّ، وكَذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَثْقِيلِ وفَتْحِ الباءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَلِكَ العَذابُ" ابْتِداءُ مُخاطَبَةِ لِلنَّبِيِّ  في أمْرِ قُرَيْشٍ، والإشارَةُ بـ "ذَلِكَ" إلى العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِالجَنَّةِ أيْ: كذَلِكَ العَذابُ هو العَذابُ الَّذِي يَنْزِلُ بِقُرَيْشٍ بَغْتَةً، ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُنْيا، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ النازِلُ بِقُرَيْشٍ المُماثِلُ لِأمْرِ الجَنَّةِ هو الجَدْبُ الَّذِي أصابَهم سَبْعَ سِنِينَ حَتّى رَأوُا الدُخانَ وأكَلُوا الجُلُودَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى: أنّ المُتَّقِينَ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَعِيمِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَتْ قُرَيْشٌ: إنْ كانَتْ ثُمَّ جَنّاتُ نَعِيمٍ فَلَنا فِيها أكْبَرُ الحَظِّ، فَنَزَلَتْ: ﴿ أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ﴾ ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكُمْ ﴾ تَوْبِيخٌ آخَرُ، ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، جُمْلَةٌ مُنْحازَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ جُمْلَةٌ مُنْحازَةٌ كَذَلِكَ، و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـ "تَحْكُمُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "أمْ" هي المَقَدَّرَةُ بِـ "بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ"، و"كِتابٌ" مَعْناهُ: مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ﴾ ، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو اسْتِئْنافُ قَوْلٍ عَلى مَعْنى: إنْ كانَ لَكم كِتابٌ فَلَكم فِيهِ مُتَخَيِّرٌ، وقالَ آخَرُونَ: "إنَّ" مَعْمُولَةٌ لـِ "تَدْرُسُونَ"، أيْ: في الكِتابِ: إنَّ لَكم ما تَخْتارُونَ مِنَ النَعِيمِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّ" لِدُخُولِ اللامِ في الخَبَرِ، وهي في مَعْنى: "أنْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ طَلْحَةُ، والضَحّاكُ: "أنَّ لَكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "أئِنَّ لَكُمْ" عَلى الِاسْتِفْهامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أم ﴾ للانتقال إلى دليل آخر وهو نفي أن يكون مستند زعمهم عهداً أخذوه على الله لأنفسهم أن يعاملهم يوم القيامة بما يحكمون به لأنفسهم، فالاستفهام اللازم تقديره بعد ﴿ أم ﴾ إنكاري و ﴿ بالغة ﴾ مؤكَّدة.

وأصل البالغة: الواصلة إلى ما يُطلب بها، وذلك استعارة لمعنى مغلظة، شبهت بالشيء البالغ إلى نهاية سيره وذلك كقوله تعالى: ﴿ قل فللَّه الحجة البالغة ﴾ [الأنعام: 149].

وقوله: ﴿ علينا ﴾ صفة ثانية ل ﴿ أيمان ﴾ أي أقسمناها لكم لإِثبات حقكم علينا.

و ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ صفة ثالثة ل ﴿ أيمان، ﴾ أي أيمان مُؤبدة لا تَحلَّة منها فحصل من الوصفين أنها عهود مؤكدة ومستمرة طول الدّهر، فليس يومُ القيامة منتهى الأخذ بتلك الأيمان بل هو تنصيص على التأييد كما في قوله تعالى: ﴿ ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ﴾ في سورة الأحقاف (5).

ويتعلق إلى يوم القيامة } بالاستقرار الذي في الخبر في قوله: ﴿ لكم أيمان ﴾ ولا يحسن تعلقه ب ﴿ بالغة ﴾ تعلق الظرف اللغو لأنه يصير ﴿ بالغة ﴾ مستعملاً في معنى مشهور قريب من الحقيقة، ومحملُ ﴿ بالغة ﴾ على الاستعارة التي ذكرنا أجزل وجملة ﴿ إن لكم لَما تحكمون ﴾ بيان ل ﴿ أيمان، ﴾ أي أيمان بهذا اللفظ.

ومعنى (ما تحكمون) تأمرون به دون مراجَعة، يقال: نزلوا على حكم فلان، أي لم يعينوا طِلبة خاصة ولكنهم وكلوا تعيين حقهم إلى فلان، قال خَطاب أو حطان بن المُعلَّى: أنزلني الدّهر على حكمه *** من شامخخٍ عاللٍ إلى خفض أي دون اختيار لي ولا عمل عملته فكأنني حكمت الدّهر فأنزلني من معاقلي وتصرف فيَّ كما شاء.

ومن أقوالهم السائرة مسرى الأمثال «حُكْمُكَ مُسَمَّطاً» (بضم الميم وفتح السين وفتح الميم الثانية مشددة) أي لك حكمك نافذاً لا اعتراض عليك فيه.

وقال ابن عَثمة: لك المِرباع منها والصفايا *** وحكْمُك والنشيطةُ والفُضول <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ بَلَوْناهم أهْلُ مَكَّةَ بَلَوْناهم بِالجُوعِ كَرَّتَيْنِ، كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ حَتّى عادَتْ رَمادًا.

الثّانِي: أنَّهم قُرَيْشٌ بِبَدْرٍ.

حَكى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ خُذُوهم أخْذًا وارْبُطُوهم في الحِبالِ، ولا تَقْتُلُوا مِنهم أحَدًا، فَضَرَبَ اللَّهُ بِهِمْ عِنْدَ العَدْوِ مَثَلًا بِأصْحابِ الجَنَّةِ.

﴿ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ حَدِيقَةٌ كانَتْ بِاليَمَنِ بِقَرْيَةٍ يُقالُ لَها ضَرَوانَ، بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ اليَمَنِ اثْنا عَشَرَ مِيلًا، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ لِقَوْمٍ مِنَ الحَبَشَةِ.

الثّانِي: قالَهُ قَتادَةُ أنَّها كانَتْ لِشَيْخٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ بَنُونَ، فَكانَ يُمْسِكُ مِنها قَدْرَ كِفايَتِهِ وكِفايَةِ أهْلِهِ، ويَتَصَدَّقُ بِالباقِي، فَجَعَلَ بَنُوهُ يَلُومُونَهُ ويَقُولُونَ: لَئِنْ وُلِّينا لَنَفْعَلَنَّ، وهو لا يُطِيعُهم حَتّى ماتَ فَوَرِثُوها، فَقالُوا: نَحْنُ أحْوَجُ بِكَثْرَةِ عِيالِنا مِنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ ( فَأقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ) أيْ حَلَفُوا أنْ يَقْطَعُوا ثَمَرَها حِينَ يُصْبِحُونَ.

﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَسْتَثْنُونَ مِنَ المَساكِينِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: اسْتِثْناؤُهم قَوْلُ سُبْحانَ رَبِّنا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّالِثُ: قَوْلُ إنْ شاءَ اللَّهُ.

﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أمْرٌ مِن رَبِّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عَذابٌ مِن رَبِّكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ عُنُقٌ مِنَ النّارِ خَرَجَ مِن وادِي جَنَّتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ وَهم نائِمُونَ ﴾ أيْ لَيْلًا وقْتَ النَّوْمِ، قالَ الفَرّاءُ: الطّائِفُ لا يَكُونُ إلّا لَيْلًا.

﴿ فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كالرَّمادِ الأسْوَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ الشّاعِرُ تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجُونُ البَهِيمُ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ، صَرِيمُ.

الثّالِثُ: كالمَصْرُومِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ فِيهِ ثَمَرٌ.

رَوى أسْباطٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إيّاكم والمَعاصِيَ، إنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ فَيُحْرَمُ بِهِ رِزْقًا قَدْ كانَ هُيِّئَ لَهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ ﴾ الآيَتَيْنِ قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ)» .

﴿ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ﴾ أيْ دَعا بُعْضُهم بَعْضًا عِنْدَ الصُّبْحِ.

﴿ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كانَ الحَرْثُ عِنَبًا.

﴿ إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ﴾ أيْ عازِمِينَ عَلى صَرْمِ حَرْثِكم في هَذا اليَوْمِ.

﴿ فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَتَكَلَّمُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: يُخْفُونَ كَلامَهم ويُسِرُّونَهُ لِئَلّا يَعْلَمَ بِهِمْ أحَدٌ، قالَهُ عَطاءٌ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: يُخْفُونَ أنْفُسَهم مِنَ النّاسِ حَتّى لا يَرَوْهم.

الرّابِعُ: لا يَتَشاوَرُونَ بَيْنَهم.

﴿ أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ ﴾ قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى غَيْظٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: عَلى جِدٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: عَلى مَنعٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الرّابِعُ: عَلى قَصْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةِ ايْ يَقْصِدُ قَصْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةِ.

الخامِسُ: عَلى فَقْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

السّادِسُ: عَلى حِرْصٍ، قالَهُ سُفْيانُ.

السّابِعُ: عَلى قُدْرَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّامِنُ: عَلى غَضَبٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

التّاسِعُ: أنَّ القَرْيَةَ تُسَمّى حَرْدًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَفي قَوْلِهِ: (قادِرِينَ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّ مُوافاتَهم إلى جَنَّتِهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرُوهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ القادِرَ المُطاعُ بِالمالِ والأعْوانِ، فَإذا ذَهَبَ مالُهُ تَفَرَّقَ أعْوانُهُ فَعُصِيَ وعَجَزَ.

﴿ فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ ﴾ أيْ أنَّهم لَمّا رَأوْا أرْضَ الجَنَّةِ لا ثَمَرَةَ فِيها ولا شَجَرَ قالُوا إنّا ضالُّونَ الطَّرِيقَ وأخْطَأنا مَكانَ جَنَّتِنا، ثُمَّ اسْتَرْجَعُوا فَقالُوا: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ أيْ حُرِمْنا خَيْرَ جَنَّتِنا، قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ جُوزِينا فَحُرِمْنا.

﴿ قالَ أوْسَطُهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أعْدَلَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: خَيْرُهم، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أعْقَلُهم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَوْلا تَسْتَثْنُونَ عِنْدَ قَوْلِهِمْ ( ﴿ لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ )، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّ التَّسْبِيحَ هو الِاسْتِثْناءُ، لِأنَّ المُرادَ بِالِاسْتِثْناءِ ذِكْرُ اللَّهِ، وهو مَوْجُودٌ مِنَ التَّسْبِيحِ.

الثّالِثُ: أنْ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم فَتُؤَدُّوا حَقَّهُ مِن أمْوالِكم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق الله القلم، فقال له اكتب، فقال: يا رب وما أكتب؟

قال: اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوي الكتاب وارتفع القلم، وكان عرشه على الماء، فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات ثم خلق النور فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما خلق الله القلم والحوت قال: اكتب قال: ما أكتب؟

قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ فالنون الحوت والقلم القلم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن مردويه عن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد» .

وأخرج ابن جرير عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتب قال: ما أكتب؟

قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

وأخرج الرافعي في تاريخ قزوين من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون اللوح المحفوظ والقلم من نور ساطع» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول شيء خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب قال: وما أكتب؟

قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل أو أثر أو رزق، فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وذلك قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ ثم ختم على في القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق الله العقل، فقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ن والقلم ﴾ قال: ن الدواة والقلم القلم.

وأخرج عن ابن عباس قوله: ﴿ ن ﴾ أشباه هذا قسم الله، وهي من أسماء الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ ن ﴾ قالا: الدواة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ن ﴾ قال: هو الحوت الذي عليه الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الحوت الذي تحت الأرض السابعة، والقلم الذي كتب به الذكر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، وخلق النون، وهي الدواة، وخلق اللوح، فكتب فيه، ثم خلق السموات، فكتب ما يكون من حينئذ في الدنيا إلى أن تكون الساعة من خلق مخلوق أو عمل معمول بر أو فجور، وكل رزق حلال أو حرام رطب أو يابس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: القلم نعمة من الله عظيمة لولا القلم ما قام دين ولم يصلح عيش، والله أعلم بما يصلح خلقه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: خلق الله القلم فقال: أجره فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق الحوت وهو النون، فكبس عليها الأرض ثم قال: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون السمكة التي عليها قرار الأرضين، والقلم الذي خط به ربنا عز وجل القدر خيره وشره ونفعه وضره ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: الكرام الكاتبون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يكتبون.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يعملون.

قوله تعالى: ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ الآية.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إنه لمجنون به شيطان، فنزلت ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن لك لأجراً غير ممنون ﴾ قال: غير محسوب.

قوله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والواحدي عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، فلذلك أنزل الله تعالى ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت يا أم المؤمنين: أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي الدرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه.

وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن شقيق العقيلي قال: أتيت عائشة فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان أحسن الناس خلقاً، كان خلقه القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي عبدالله الجدلي قال: قلت لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالت: لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً ولا سخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.

وأخرج ابن مردويه عن زينب بنت يزيد بن وسق قالت: كنت عند عائشة إذ جاءها نساء أهل الشام، فقلن يا أم المؤمنين: أخبرينا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان خلقه القرآن وكان أشد الناس حياء من العواتق في خدرها.

وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عطية العوفي في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: على أدب القرآن.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الدين.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الإِسلام.

واخرج عبد بن حميد عن ابن ابزى وسعيد بن جبير قالا: على دين عظيم.

وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثابت عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سنة ما قال لي قط ألا فعلت هذا أو لم فعلت هذا.

قال ثابت: فقلت يا أبا حمزة إنه كما قال الله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج الخرائطي عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثمان سنين فما لامني على شيء يوماً من الأيام فإن لامني لائم قال: دعوه فإنه لو قضى شيء لكان.

وأخرج ابن سعد عن ميمونة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من عندي فأغلقت دونه الباب، فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن أفتح له، فقال: أقسمت عليك إلا فتحت ليفقلت له: تذهب إلى أزواجك في ليلتي قال: ما فعلت، ولكن وجدت حقناً من بولي» .

قوله تعالى: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ الآيات.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ قال: تعلم ويعلمون يوم القيامة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان كانوا يقولون: إنه شيطان إنه مجنون.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: يتبين لكم المفتون.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير وابن أبزى ﴿ بأيكم المفتون ﴾ بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان فكانوا أولى بالشيطان منه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو ترخص لهم فيرخصون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ يقول: لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: ودوا لو يدهن نبي الله عن هذا الأمر فيدهنوا عنه.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو تكفر فيكفرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ ﴾ قال مقاتل: يقول: ألكم عهود على الله بالغة ﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ استوثقتم بها منه فلا تنقطع.

أعهدكم (١) (٢) وقال عطاء: يريد ألكم عهد مني ألا أصيبكم بعذاب ولا عقوبة (٣) ومعنى ﴿ بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ أي: متناهية في التأكيد تنتهي إلى يوم القيامة.

فتكون (إلى) من صلة (بالغة).

هذا قول الكسائي (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١) (س): (عهدكم).

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب.

(٣) لم أجده.

(٤) انظر: "التفسير الكبير" 35/ 93.

(٥) (ك): (فهو في)، والتصحيح من "الوسيط".

(٦) انظر: "الوسيط" 4/ 338، و"التفسير الكبير" 30/ 93، و"زاد المسير" 8/ 339.

(٧) قرأ الجمهور ﴿ بَالِغَةٌ ﴾ .

وقرأ الحسن، وزيد بن علي (بالغة) بالنصب على الحال.

انظر: "معانى الفراء" 3/ 176، و"البحر المحيط" 8/ 315، و"الإتحاف" (421).

(٨) (س): (هذا كله معنى قول الفراء) زيادة.

وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 176.

(٩) انظر: "معاني القرآن" 5/ 209.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إلى يَوْمِ القيامة إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴾ المعنى هل حلفنا لكم إيماناً أن لكم ما تحكمون؟

ومعنى بالغة ثابتة واصلة إلى يوم القيامة، وقوله: ﴿ إِنَّ لَكُمْ ﴾ هو جواب القسم الذي يقتضيه الأيمان، ولذلك أكده بإن واللام و ﴿ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴾ هو اسم إن دخلت عليه اللام المؤكدة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ﴾ ، فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أهل مكة ابتلوا بالإحسان إلى أتباع رسول الله  كما ابتُلي أصحاب الجنة بالإحسان إلى المساكين ثم أخبر أن أولئك امتنعوا عن الإحسان إلى المساكين فحل بهم من البلاء ما ذكر؛ لامتناعهم عن الائتمار، فيذكر أهل مكة: أنهم إن امتنعوا عن الإحسان إلى أتباع محمد  ، حل بهم ما حل بأولئك، وقد وجد منهم الامتناع فابتلوا بسنين كسني يوسف -  - حتى اضطروا إلى أكل الجيف والأقذار.

ثم إن أصحاب الجنة لما مسهم العذاب، وأيقنوا به أنابوا إلى الله  ، وانقلعوا عن مساويهم، فتاب الله عليهم ورفع البلاء عنهم، وأهل مكة تمادوا في غيهم ولم يتوبوا فانتقم الله منهم بالقتل يوم بدر في الدنيا، وسيردهم إلى العذاب في الآخرة.

وجائز أن يكون الله  لما أعزهم وشرفهم وصرف وجوه الخلق إليهم، امتحنهم في الدنيا بتبجيل رسول الله  وتعظيمه، فلما أساءوا صحبته عاقبهم بما ذكرنا، ووسع على أصحاب الجنة فامتحنهم بما وسع عليهم بأن يوسعوا على غيرهم، فلما امتنعوا عن ذلك عوقبوا بزوال النعمة عنهم، وعوقب هؤلاء بزوال العز عنهم، وأذاقهم الله لباس الجوع والخوف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾ .

فقوله: ﴿ مُصْبِحِينَ ﴾ أي: لأول وقت ينسب إلى الصباح، وذلك يكون في آخر الليل، كما يقال: مُمْسِين، لأول وقت ينسب إلى المساء، وإذا كان كذلك فالانصرام يقع بالليل؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ ﴾ ، وهم لا يملكون بعد مضي الليل منع المساكين عن الدخول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ ﴾ .

قيل: أي: لا يقولون: إن شاء الله، وقيل: لا يقولون: سبحان الله، فإن كان على هذا، ففيه أن التسبيح كان مستعملا في موضع الاستثناء، وقد يجوز أن يؤدي معنى الاستثناء؛ لأن في التسبيح تنزيه الرب  ، وفي الاستثناء معنى التنزيه؛ لأن فيه إقرارا أن الله  هو المغير للأشياء والمبدل لها.

ثم أصحاب الجنة بقسمهم قصدوا قصدا يلحقهم العصيان فيه، وكان عهدهم الذي عاهدوا عليه معصية وعوتبوا بتركهم الاستثناء، ففيه دلالة أن الله  يوصف بالمشيئة، لفعل المعاصي ممن يعلم أنه يختارها؛ لأنه لو لم يوصف به، لم يكن لمعاتبته إياهم بتركهم الاستثناء معنى؛ إذ لا يجوز استعمال الاستثناء فيما لا يجوز أن يوصف به الرب جل وعز، ألا ترى [أنه] لا يستقيم أن يقال: إن شاء الله جار وإن لم يشأ لم يجر، وإن شاء ضل وإن شاء لم يضل، وإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، فلو لم يوصف أيضاً بإضلال من يعلم منه أنه يؤثر الضلالة، لم يجز أن يلاموا على ترك الاستثناء، ولا مدخل للاستثناء فيه، والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله: ﴿ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ ؛ فتبين أنه يشاء إضلال من ذكرنا.

وفيه دلالة أن خلق الشيء غير ذلك الشيء؛ لأنه يستقيم أن يوصف الله  بالإضلال، ولا [يجوز أن] يوصف بالضلال وإن كان الإضلال خلقاً له، ويوصف أنه المحيي والمميت، ولا يستقيم أن يقال: إن شاء حيا وإن شاء مات، وإن كان هو الذي خلقهما.

ثم ليس في قوله: ﴿ إِذْ أَقْسَمُواْ ﴾ : إبانة أن قسمهم كان بماذا: فإن كان بغير الله  ، ففيه إبانة أن القسم قد يكون بغير الله  ، وإن كان قسمهم بالله  ، ففيه حجة لأبي يوسف على أبي حنيفة - رحمهما الله - أن اليمين إذا كانت مؤقتة فإن هلاك الشيء المحلوف بها قبل مضي وقتها لا يسقط اليمين، بل تبقى بحالها، ويلزم على صاحبها حكم الحنث إذا مضى وقتها؛ لأن الثمر الذي حلفوا على صرمه قد هلك قبل الوقت الذي أوجب فيه الصرم، فلو كانت اليمين تسقط عنهم بهلاك الثمر، لم يكونوا يحتاجون إلى الاستثناء؛ لأن الحاجة إلى الاستثناء لإسقاط المؤنة التي تلزمهم بالحنث في اليمين، فلو كان هلاك الثمر مسقطا لليمين ومؤنة الحنث لاستغنوا عن الاستثناء، فلما لحقتهم اللائمة؛ لتركهم الاستثناء، دل أن المؤنة تبقى عليهم إذا عَرِيَتْ عن الاستثناء وإن كانت مؤقتة.

ولكنْ أبو حنيفة - رحمه الله - يسقِط عنه اليمينَ بهلاك الشيء المحلوف عليه إذا كانت يمينه بالله  ، ولا يسقطها إذا كانت بشيء من القرب والطاعات - أعني: الندب -، وليس في الآية إبانة أن يمينهم كانت بالله  ؛ فجائز أن يكون يمينهم بشيء من القرب؛ فبقيت عليهم؛ ولأنه عاتبهم على ترك الاستثناء؛ لعزمهم على المعصية، والاستثناء يسقط العزيمة؛ لأن من عزم على المعصية، وقال فيه: إن شاء الله - لم يصر آثما بمقالته، ولا صار عازما على المعصية، وأبو حنيفة - رحمه الله - ليس يخرجه عن المعصية في اليمين المؤقتة إذا عقدت على أمر من أمور المعصية.

والذي يدل على أن العتاب [في ترك] الاستثناء؛ للوجه الذي ذكرنا: أنه لم يذكر في شيء من الأخبار، ولا ذكر في الكتاب أن أحدا منهم أمر بالتكفير، ولو كان الحنث لازما، لكانوا يلامون على ترك التكفير أيضاً، كما [لحقتهم اللائمة] بترك الاستثناء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ ﴾ .

طائف من ربك: قيل: عذاب ربك، وسمي: طائفا لأنه أتاهم بالليل، وكل آت بالليل [فهو] طائف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ ﴾ .

قيل: أي: الجنة كأنها صرمت، وهم أصبحوا ليصرموها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴾ .

قيل: يتسارُّون فيما بينهم؛ فيجوز أن تكون مسارتهم كانت في الأمر بالإسراع في المشي؛ لئلا يشعر بهم أحد من المساكين.

أو يتعجلوا في الخروج [والمشي] قبل الوقت الذي يصبح فيه المساكين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ .

فمنهم من ذكر أن اسم جنتهم كان حردا.

وقيل: غدوا على أمر قد استثنوه فيما بينهم.

وقال الزجاج: الحرد له أوجه ثلاثة: أحدها: القصد، واستدل عليه بقول الشاعر: أقبلَ سيلٌ كان من أمر اللهْ *** يحرد حردَ الحيةِ المُغِلَّهْ أي: بقصد قصدها.

والثاني: هو المنع، يقال: أحردت السنة؛ إذا قحطت وذهبت بركتها.

والثالث: الغضب، فغدوا على حرد قادرين، أي: على غضب على الفقراء.

وقوله: ﴿ قَادِرِينَ ﴾ .

أي: قادرون عليها في أنفسهم.

ولقائل أن يقول بأن في هذه الآية دلالة تقدم القدرة على الفعل؛ لأنه أثبت لهم القدرة قبل الفعل، ولكن هذه القدرة ليست هذه قدرة الأفعال، وإنما هي قدرة الأسباب والأحوال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ ﴾ .

أي: قد ضللنا الطريق، فكان عندهم أنهم قد ضلوا الطريق لذلك لم يتوصلوا إلى ثمارها ثم ظهر لهم أنهم لم يضلوا الطريق، بل حرموا بركة الثمار بجنايتهم التي جنوها، فتذكروا صنيعهم، وندموا على ذلك، فأقبلوا بالاستكانة والتضرع إلى الله  ، فتاب عليهم، فلعل الذي قال: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ﴾ يخرج على هذا، وهو أنا بلونا أصحاب الجنة، فتذكروا؛ فرفع عنهم العذاب، ولم يتذكر أهل مكة فحل بهم العذاب يوم بدر، كما قال: ﴿ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 76\].

وقوله: ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ ﴾ .

أي: أعدلهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ ﴾ .

جائز أن يكون معناه: لولا تصلون الفجر، ثم تخرجون.

وجائز أن يكون معناه: لولا تستثنون.

وقد ذكرنا أن في الاستثناء معنى التسبيح؛ لأن فيه إقرارا بأن الأمور كلها تنفذ بمشيئة الله  ، وأنه هو المغير والمبدل دون أحد سواه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ ﴾ .

فهذا منهم توحيد وتنزيه.

وفي قوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ اعتراف بما ارتكبوا من الذنوب وإنابة إلى الله  ، وتمام التوبة منهم في قوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ * قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴾ .

فذكر المفسرون في قوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ ﴾ ، أي: أقبل بعضهم على بعض باللوم يقول: أنت أمرتنا أن نصرمها ليلاً، وقال هذا لهذا: بل هو عملك أنت.

وهذا لا معنى له؛ لأن هذا يوجب تبرئة كل واحد منهم عن ارتكاب الذنوب، وقد سبق منهم الإقرار بالذنب بقولهم: ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ ، وبقولهم ﴿ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴾ ، فكيف يبرئون أنفسهم عن الذنوب وقد اعترفوا بها؟!

فهذا تأويل لا معنى له، بل معناه - والله أعلم - فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون على إدخال كل منهم نفسه في ذلك [القول، فأقبل] كل واحد منهم باللائمة على نفسه حتى يكون [هذا] موافقا لقوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴾ .

ففي هذا إتمام التوبة، ففيه أنهم أظهروا الندامة على ما سبق منهم من أوجه ثلاثة: مرة بما وصفوا أنفسهم بالظلم.

ومرة بما لاموا أنفسهم.

ومرة بما وصفوا أنفسهم بالطغيان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ ﴾ .

أي: يبدلنا خيرا منها إذا تبنا، وأنبنا إلى ربنا؛ لأنه لا يجوز أن يتوقعوا خيراً منها وهم مصرون على ذنوبهم؛ إذ قد عرفوا أنهم إنما حرموا بركة الثمار بما ارتكبوا من الذنوب؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا.

ويحتمل أن يكون هذا في الآخرة يقولون: ﴿ عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ ﴾ في الآخرة إذا تبنا وأنبنا إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ ﴾ .

إلى ما عند ربنا من العطايا والمنن لراغبون.

أو إلى ما وعد ربنا للتائبين من الذنوب لراغبون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ ﴾ .

كأنه يخاطب أهل مكة أن كذلك العذاب في الدنيا في أن يأخذ أهله آمن ما كانوا، أو أغفل ما كانوا، كما أخذ أصحاب الجنة عند الأمن؛ إذ كان عندهم أنهم يقدرون على صرم تلك الثمار ولا يأخذهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

ففي هذا إيجاب العذاب على من لم يعلم بالعذاب ولم يؤمن به؛ لأنهم لم يؤمنوا بعذاب الآخرة ولا علموا به، ثم أوجب لهم العذاب وإن لم يعلموا ولم يعذروا بالجهل؛ لأنهم قد وقفوا على السبب الذي لو تفكروا لعلموا بالعذاب ولأيقنوا به، وفيه هذا حجة لأن لا عذر لمن تخلف عن التوحيد والإيمان بالله  وإن جهل، إلا أن يكون جهله جهل خلقة؛ لأن الذي أفضى به إلى الجهل هو التقصير في الطلب، وإلا لو لم يقصر في الطلب لوجد من يدله على معرفة الصانع ووحدانية الرب -  -.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أم لكم علينا عهود مؤكدة بالأيمان مقتضاها أن لكم ما تحكمون به لأنفسكم؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.4NEv3"

مزيد من التفاسير لسورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده