الآية ٥٦ من سورة المدثر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 74 المدثر > الآية ٥٦ من سورة المدثر

وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ ٥٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٦ من سورة المدثر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٦ من سورة المدثر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله ) كقوله ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) [ الإنسان : 30 ] .

وقوله : ( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) أي : هو أهل أن يخاف منه ، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب .

قاله قتادة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا زيد بن الحباب ، أخبرني سهيل - أخو حزم - حدثنا ثابت البناني ، عن أنس بن مالك قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) وقال : " قال ربكم : أنا أهل أن أتقى ، فلا يجعل معي إله ، فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له " .

ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب ، والنسائي من حديث المعافى بن عمران ، كلاهما عن سهيل بن عبد الله القطعي ، به ، وقال الترمذي : حسن غريب وسهيل ليس بالقوي .

ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه ، عن هدبة بن خالد ، عن سهيل ، به .

وهكذا رواه أبو يعلى والبزار والبغوي ، وغيرهم ، من حديث سهيل القطعي ، به .

آخر تفسير سورة " المدثر " ولله الحمد والمنة [ وحسبنا الله ونعم الوكيل ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) يقول تعالى ذكره: وما يذكرون هذا القرآن فيتعظون به، ويستعملون ما فيه، إلا أن يشاء الله أن يذكروه؛ لأنه لا أحد يقدر على شيء إلا بأن يشاء الله يقدره عليه، ويعطيه القدرة عليه.

وقوله: ( هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) يقول تعالى ذكره: الله أهل أن يتقي عباده عقابه على معصيتهم إياه، فيجتنبوا معاصيه، ويُسارعوا إلى طاعته، ( وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) يقول: هو أهل أن يغفر ذنوبهم إذا هم فعلوا ذلك، ولا يعاقبهم عليها مع توبتهم منها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) ربنا محقوق أن تتقى محارمه، وهو أهل المغفرة يغفر الذنوب.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) قال: أهل أن تتقى محارمه، ( وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ): أهل أن يغفر الذنوب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وما يذكرون أي وما يتعظون إلا أن يشاء الله أي ليس يقدرون على الاتعاظ والتذكر إلا [ ص: 83 ] بمشيئة الله ذلك لهم .وقراءة العامة يذكرون بالياء واختاره أبو عبيد ; لقوله تعالى : كلا بل لا يخافون الآخرة .

وقرأ نافع ويعقوب بالتاء ، واختاره أبو حاتم ، لأنه أعم واتفقوا على تخفيفها .هو أهل التقوى وأهل المغفرة في الترمذي وسنن ابن ماجه عن أنس بن مالك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في هذه الآية : هو أهل التقوى وأهل المغفرة قال : " قال الله تبارك وتعالى : أنا أهل أن أتقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له " لفظ الترمذي ، وقال فيه : حديث حسن غريب .وفي بعض التفسير : هو أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبار ، وأهل المغفرة أيضا للذنوب الصغار ، باجتناب الذنوب الكبار .

وقال محمد بن نصر : أنا أهل أن يتقيني عبدي ، فإن لم يفعل كنت أهلا أن أغفر له وأرحمه وأنا الغفور الرحيم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } فإن مشيئته نافذة عامة، لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير، ففيها رد على القدرية، الذين لا يدخلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبرية الذين يزعمون أنه ليس للعبد مشيئة، ولا فعل حقيقة، وإنما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئة حقيقة وفعلا، وجعل ذلك تابعا لمشيئته، { هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ } أي: هو أهل أن يتقى ويعبد، لأنه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأهل أن يغفر لمن اتقاه واتبع رضاه.

تم تفسير سورة المدثر ولله الحمد

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما يذكرون ) قرأ نافع ويعقوب [ تذكرون ] بالتاء والآخرون بالياء ( إلا أن يشاء الله ) قال مقاتل : إلا أن يشاء الله لهم الهدى .

( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) أي أهل أن يتقى محارمه وأهل أن يغفر لمن اتقاه .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا ابن فنجويه ، حدثنا عمر بن الخطاب ، حدثنا عبد الله بن الفضل ، حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا سهيل بن أبي حزم ، عن ثابت ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في هذه الآية : ( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) قال : قال ربكم - عز وجل - : " أنا أهل أن أتقى ولا يشرك بي غيري ، وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي أن أغفر له " وسهيل هو ابن عبد الرحمن القطعي ، أخو حزم القطعي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما يذكرون» بالياء والتاء «إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى» بأن يتقى «وأهل المغفرة» بأن يغفر لمن اتقاه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حقًّا أنَّ القرآن موعظة بليغة كافية لاتِّعاظهم، فمن أراد الاتعاظ اتعظ بما فيه وانتفع بهداه، وما يتعظون به إلا أن يشاء الله لهم الهدى.

هو سبحانه أهلٌ لأن يُتقى ويطاع، وأهلٌ لأن يغفر لمن آمن به وأطاعه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما يدل على نفاذ مشيئته وإرادته فقال : ( وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة ) .أى : فمن شاء أن يذكر القرآن وما فيه من مواعظ ذكر ذلك ، ولكن هذا التذكر والاعتبار والاتعاظ .

لا يتم بمجرد مشيئتكم ، وإنما يتم فى حال مشيئة الله - تعالى - وإرادته ، فهو - سبحانه - أهل التقوى ، أى : هو الحقيق بأن يتقى ويخاف عذابه ، وهو - عز وجل - " أهل المغفرة " أى : هو - وحده - صاحب المغفرة لذنوب عباده ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .فالمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن هذا التذكر لمواعظ القرآن ، لا يتم إلا بعد إرادة الله - تعالى - ومشيئة ، لأنه هو الخالق لكل شئ ، وبيان أن مشيئة العباد لا أثر لها إلا إذا كانت موافقة لمشيئة الله ، التى لا يعلمها أحد سواه .أخرج الإِمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجة عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ( هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة ) فقال : قد قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معى إله ، فمن اتقانى فلم يجعل معى إلها آخر ، فأنا أهل أن أغفر له " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ .

قالت المعتزلة: يعني إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه والجواب: أنه تعالى نفى الذكر مطلقاً، واستثنى عنه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئة أن يحصل الذكر فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصل المشيئة، وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهرية ترك للظاهر، وقرئ يذكرون بالياء والتاء مخففاً ومشدداً.

ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة ﴾ أي هو حقيق بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا ويطيعوا وحقيق بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا، والله سبحانه وتعالى أعلم.

والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ عَنِ التذكرة ﴾ عن التذكير وهو العظة، يريد: القرآن أو غيره من المواعظ و ﴿ مُعْرِضِينَ ﴾ نصب على الحال، كقولك: مالك قائماً ﴿ والمستنفرة ﴾ الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها في جمعها له وحملها عليه.

وقرئ بالفتح: وهي المنفرة المحمولة على النفار: والقسورة: جماعة الرماة الذين يتصيدونها.

وقيل: الأسد يقال: ليوث قساور وهي فعولة من القسر: وهو القهر والغلبة، وفي وزنه (الحيدرة) من أسماء الأسد.

وعن ابن عباس: ركز الناس وأصواتهم.

وعن عكرمة: ظلمة الليل، شبههم في إعراضهم عن القرآن واستماع الذكر والموعظة وشرادهم عنه، بحمر جدّت في نفارها مما أفزعها.

وفي تشبيههم بالحمر: مذمة ظاهرة وتهجين لحالهم بيّن.

كما في قوله: ﴿ كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾ [الجمعة: 5] ، وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل.

ولا ترى مثل نفار حمير الوحش واطرادها في العدو إذا رأبها رائب؛ ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل وشدّة سيرها بالحمر، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص ﴿ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً ﴾ قراطيس تنشر وتقرأ كالكتب التي يتكاتب بها أو كتباً كتبت في السماء ونزلت بها الملائكة ساعة كتبت منشرة على أيديها غضة رطبة لم تطو بعد؛ وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لن نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتب من السماء عنوانها من رب العالمين إلى فلان بن فلان، نؤمر فيها باتباعك ونحوه قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءهُ ﴾ [الإسراء: 93] ، وقال: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ...

﴾ الآية [الأنعام: 7] .

وقيل: قالوا إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار.

وقيل: كانوا يقولون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوباً على رأسه ذنبه وكفارته، فأتنا بمثل ذلك؛ وهذا من الصحف المنشرة بمعزل.

إلا أن يراد بالصحف المنشرة: الكتابات الظاهرة المكشوفة.

وقرأ سعيد بن جبير: ﴿ صحفا منشرة ﴾ بتخفيفهما، على أن أنشر الصحف ونشرها: واحد، كأنزله ونزله.

ردعهم بقوله ﴿ كَلاَّ ﴾ عن تلك الإرادة، وزجرهم عن اقتراح الآيات، ثم قال: ﴿ بَل لاَّ يَخَافُونَ الأخرة ﴾ فلذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف، ثم ردعهم عن إعراضهم عن التذكرة وقال: ﴿ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴾ يعني تذكرة بليغة كافية، مبهم أمرها في الكفاية ﴿ فَمَن شَآءَ ﴾ أن يذكره ولا ينساه ويجعله عينه فعل، فإنّ نفع ذلك راجع إليه.

والضمير في ﴿ إِنَّهُ ﴾ و ﴿ ذَكَرَهُ ﴾ للتذكرة في قوله ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ ﴾ [المدثر: 49] وإنما ذكر لأنها في معنى الذكر أو القرآن ﴿ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ يعني: إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه.

لأنهم مطبوع على قلوبهم.

معلوم أنهم لا يؤمنون اختياراً ﴿ هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة ﴾ هو حقيق بأن يتقيه عباده، ويخافوا عقابه، فيؤمنوا ويطيعوا، وحقيق بأن يغفر لهم إذا آمنوا وأطاعوا وروى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو أهل أن يتقي، وأهل أن يغفر لمن اتقاه» وقرئ ﴿ يذكرون ﴾ بالياء والتاء مخففاً ومشدداً.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة المدثر أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وكذب به بمكة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لَهم عَنِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ.

﴿ بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ ﴾ فَلِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنِ التَّذْكِرَةِ لا لِامْتِناعِ إيتاءِ الصُّحُفِ.

﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ عَنْ إعْراضِهِمْ.

﴿ إنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴾ وأيُّ تَذْكِرَةٍ.

﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَهُ.

﴿ وَما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ ذِكْرُهم أوْ مَشِيئَتُهم كَقَوْلِهِ: ﴿ وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ وهو تَصْرِيحٌ بِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ نافِعٌ: تَذْكُرُونَ بِالتّاءِ وقُرِئَ بِهِما مُشَدَّدًا.

﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى ﴾ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عِقابُهُ.

﴿ وَأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ لِعِبادِهِ سِيَّما المُتَّقِينَ مِنهم.

وَعَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ المُدَّثِّرِ أعْطاهُ اللَّهُ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَذَّبَ بِهِ بِمَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا يَذْكُرُونَ} وبالتاء نافع ويعقوب {إِلاَّ أَن يشاء الله} إلا وقت مشيئة الله أو إلا بمشيئة الله {هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة} في الحديث هو أهل أن يتقي وأهل ان يغفر لمن اتقاه والله اعلم

سورة القيامة مكي وهي أربعون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما يَذْكُرُونَ ﴾ أيْ بِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِمْ لِلذِّكْرِ كَما هو المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ إذْ لا تَأْثِيرَ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ في أفْعالِهِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أوْ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ وما يَذْكُرُونَ بِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ أوْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ( إلّا ) بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى أوْ حالَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ فِيهِ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ وحَمْلُهُمُ المَشِيئَةَ عَلى مَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ خُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ قَسْرٍ وإلْجاءٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ «تَذْكُرُونَ» بِتاءِ الخِطابِ التِفاتًا مَعَ إسْكانِ الذّالِ ورُوِيَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ «يَذَّكَرُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ وشَدِّ الذّالِ وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ «تَذَّكَرُونَ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وإدْغامِها في الذّالِ ﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى ﴾ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى عَذابُهُ ويُؤْمَنَ بِهِ ويُطاعَ فالتَّقْوى مَصْدَرُ المَبْنِي لِلْمَفْعُولِ ﴿ وأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ حَقِيقٌ بِأنْ يَغْفِرَ جَلَّ وعَلا لِمَن آمَنَ بِهِ وأطاعَهُ فالمَغْفِرَةُ مَصْدَرُ المَبْنِي لِلْفاعِلِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَّةَ وخَلْقٌ آخَرُونَ «عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ فَقالَ: «قَدْ قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنَّ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا آخَرَ فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ»» .

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ.

وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ الحَسَنِ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««يَقُولُ اللَّهُ تَعالى إنِّي لَأجِدُنِي أسْتَحِي مِن عَبْدِي يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَيَّ ثُمَّ يَرُدُّهُما مِن غَيْرِ مَغْفِرَةٍ، قالَتِ المَلائِكَةُ: إلَهُنا لَيْسَ لِذَلِكَ بِأهْلٍ قالَ اللَّهُ تَعالى لَكِنِّي أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ»» .

وكَأنَّ الجُمْلَةَ لِتَحْقِيقِ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ اللَّذَيْنِ أشْعَرَ بِهِما الكَلامُ السّابِقُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَذَكِّرِ وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ قالَ: «اَللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أهْلِ التَّقْوى وأهْلِ المَغْفِرَةِ عَلى أنَّ أوَّلَ الثّانِي كَثانِي الأوَّلِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وثانِي الثّانِي كَأوَّلِ الأوَّلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وإلّا فَلا يَحْسُنُ الدُّعاءُ وإنْ تُكُلِّفَ لِتَصْحِيحِهِ فافْهَمْ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال: كَلَّا رداً عليهم وَالْقَمَرِ يعني: وخالق القمر وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ يعني: ذهب أقسم بخالق الليل وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ أقسم بخالق الصبح إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ يعني: سقر إحدى الكبر العظام وباب من أبواب النار قرأ نافع وحمزة وعاصم في رواية حفص والليل إذ بغير ألف أدبر بالألف والباقون إذا بالألف دبر بغير ألف وهما لغتان ومعناهما واحد دبر وأدبر ويقال دبر النهار وأدبر ودبر الليل وأدبر وقال مجاهد: سألت ابن عباس عن قوله وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ فسكت حتى إذا كان آخر الليل قال يا مجاهد هذا حين دبر الليل ويقال: الليل إذا أدبر يعني: إذا جاء بعد النهار والصبح.

إذا أسفر يعني: استضاء بأنها أي: سقر لإحدى الكبر يعني: أن سقر لأعظم درجات في النار نَذِيراً لِلْبَشَرِ يعني: محمداً  نذيراً للخلق وإنما صار نعتاً لأنه معناه تم نذيراً للبشر، ويقال: إن العذاب الذي ذكر نذيراً للبشر قوله تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ يعني: يتقدم في الخير أو يتأخر إلى المعصية فبينا لكم فهذا وعيد لكم لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الطاعة أو يتأخر إلى المعصية كقوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29] ويقال: معناه: لمن شاء منكم أن يتقدم إلى التوبة فليوحد أو يتأخر عن التوبة فليقم على الكفر يعني: نذيراً لمن شاء.

ثم قال: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ يعني: كل كافر مرتهن بعمله إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ يعني: لكن أصحاب اليمين فإنهم ليسوا مرتهنين بعملهم يعني: الذين أعطوا كتابهم بأيمانهم ويقال: هم الذين عن يمين العرش، ويقال: كل نفس بما كسبت رهينة عند المحاسبة إلا أصحاب اليمين قال علي بن أبي طالب  : هم أطفال المسلمين يعني: ليس عليهم حساب لأنهم لم يعملوا شيئاً ثم قال: فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ يعني: إنهم في بساتين يتساءلون عَنِ الْمُجْرِمِينَ يعني: يرون أهل النار يسألونهم مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ يعني: ما الذي أدخلكم في سقر فأجابهم أهل النار: قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ يعني: لم نك نقر بالصلاة ولم نؤدها وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ يعني: كنا لا نقر بالفرائض والزكاة ولا نؤديها.

وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ يعني: كنا نستهزئ بالمسلمين ونخوض بالباطل ونرد الحق مع المبطلين المستهزئين وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ يعني: بيوم الحساب حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ يعني: الموت والقيامة قوله تعالى: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ يعني: لا يسألهم شفاعة الأنبياء وشفاعة الملائكة فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ فما للمشركين يعرضون عن القرآن والتوحيد كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ يشبههم بالحمر الوحشية المذعورة حين فروا من القرآن وكذبوا به قرأ نافع وابن عامر مستنفرة بنصب الفاء والباقون بالكسر فمن قرأ بالنصب فمعناه منفرة فإن الصائد نفرها ومن قرأ بالكسر ومعناه نافرة ويقال: نفر واستنفر بمعنى واحد ثم قال: فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ فقال أبو هريرة  : يعني: الأسد وقال سعيد بن جبير  م القناص يعني: الصيادين وقال قتادة: القسورة النبل يعني: الرمي بالسهام وهو حس الناس وأصواتهم ثم قال عز وجل: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني: أهل مكة أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً وذلك أن كفار مكة قالوا إن الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب ذنباً يصبح وذنبه وكفارته مكتوب عند رأسه فهل ترينا مثل ذلك إن كنت رسولا فنزل بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً يعني: صحفاً مكتوب فيها جرمه وتوبته ويقال: نزلت في شأن عبد الله بن أمية المخزومي حين قال: لن نؤمن حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قال الله تعالى: كَلَّا يعني: هذا لا يكون لهم أبداً ثم ابتداء فقال: بَلْ لاَّ يَخافُونَ الْآخِرَةَ يعني: البعث يعني: لكن لا يخافون عذاب الآخرة كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ يعني: حقاً إن القرآن عظة للخلق فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ يعني: من شاء أن يتعظ به فليتعظ وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ يعني: إلا أن يشاء اللَّهُ لهم، ويقال إلا أن يشاء الله منهم قرأ نافع وما تَذَكَّرُونَ بالتاء على معنى المخاطبة والباقون بالياء على معنى الخبر عنهم ثم قال عز وجل: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ يعني: هو أهل أن يتقي ولا يشرك به ويوحد ولا يعصى وأهل المغفرة يعني: هو أهل أن يغفر لمن أطاعه ولا يشرك ويقال: هو أهل أن يتقي وأهل المغفرة لمن اتقى والله الموفق.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وعندي: أَنَّ اليقين صِحَّةُ ما كانوا يكذبون به من الرجوع إلى اللَّه والدار الآخرة، وقد تقدم ذكر أحاديث الشفاعة قال الفخر «٢» : واحتجَّ أصحابنا بهذه الآية على أَنَّ الكفار يُعَذَّبُونَ بترك فروع الشريعة، والاستقصاء فيه قد ذكرناه في المحصول، انتهى.

وقوله تعالى في صفة الكفار/ المعرضين: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ إثبات لجهلهم لأَنَّ الحمر من جاهل الحيوان جدًّا، وفي حَرْفِ ابن مسعود «٣» : «حُمُرٌ نَافِرَةٌ» قال ابن عباس وأبو هريرة وجمهور من اللغويين: القسورة: الأسد «٤» ، وقيل غير هذا، بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أي: من هؤلاء أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً أي: يريد كل إنسان منهم أنْ ينزل عليه كتاب من اللَّه، ومنشرة، أي: منشورة غير مطوية.

وقوله: كَلَّا رَدٌّ على إرادتهم، أي: ليس الأمر كذلك، ثم قال: بَلْ لاَّ يَخافُونَ الْآخِرَةَ المعنى: هذه هي العلة والسبب في إعراضهم، فكان جهلهم بالآخرة سَبَبَ امتناعهم من الهدى حتى هلكوا، ثم أعاد تعالى الرد والزجر بقوله: كَلَّا وأخبر أنَّ هذا القولَ والبيانَ وهذه المحاورة بجملتها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ: ووفقه اللَّه لذلك، ذَكَرَ معادَه فعمل له، ثم أخبر سبحانه أنَّ ذكر الإنسان مَعَادَهُ وجريَه إلى فلاحه إنَّما هو كله بمشيئة اللَّه تعالى، وليس يكون شيء إلاَّ بها، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن كثير: «يَذْكُرُونَ» بالياء من تحت «٥» .

وقوله سبحانه: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ خبر جزم معناه: أنّ الله عز وجل

أَهْلٌ بصفاته العُلَى ونِعَمِهِ التي لا تحصى لأَنْ يتقى ويُطَاعَ أمره، ويُحْذَرَ عصيانه، وأَنَّه بفضله وكرمه أَهْلٌ أنْ يَغْفِرَ لعبادِهِ إذا اتقوه رَوَى ابْنُ مَاجَه عن أنَسٍ: «أَنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَرَأَ هَذِهِ الآية: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أتقى، فَلاَ يُجْعَلَ مَعِيَ إله آخَرُ، فَمَنِ اتَّقَانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِيَ إلَهاً آخَرَ، فَأَنَا أَهْلٌ أنْ أَغْفِرَ لَهُ» وأخرجه أبو عيسى الترمذي بمعناه، وقال: حديث حسن «١» ، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: كُلُّ نَفْسٍ بالِغَةٍ مُرْتَهَنَةٌ بِعَمَلِها لِتُحاسَبَ عَلَيْهِ ﴿ إلا أصْحابَ اليَمِينِ ﴾ وهم أطْفالُ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لا ذُنُوبَ لَهُمْ، قالَهُ عَلِيٌّ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: كُلُّ نَفْسٍ مِن أهْلِ النّارِ مُرْتَهَنَةٌ في النّارِ، إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّهم في الجَنَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: كُلُّ نَفْسٍ مُرْتَهَنَةٌ بِعَمَلِها لَتُحاسَبَ عَلَيْهِ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، فَإنَّهم لا يُحاسَبُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ المُجْرِمِينَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إذا خَرَجَ أهْلُ التَّوْحِيدِ مِنَ النّارِ قالَ المُؤْمِنُونَ لِمَن بَقِيَ في النّارِ: ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ؟

﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَلَكَكم بِمَعْنى: أدْخَلَكم.

وقالَ مُقاتِلٌ: ما حَبَسَكم فِيها؟

﴿ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ﴾ لِلَّهِ في دارِ الدُّنْيا ﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ ﴾ أيْ: لَمْ نَتَصَدَّقْ لِلَّهِ ﴿ وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ ﴾ أهْلِ الباطِلِ والتَّكْذِيبِ ﴿ وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ أيْ" بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ ﴿ حَتّى أتانا اليَقِينُ ﴾ وهو المَوْتُ.

يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ ﴾ وهَذا إنَّما جَرى بَعْدَ شَفاعَةِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ والشُّهَداءِ والمُؤْمِنِينَ.

وهَذا يَدُلُّ عَلى نَفْعِ الشَّفاعَةِ لِمَن آمَنَ ﴿ فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ؟

﴾ يَعْنِي: كَفّارَ قُرَيْشٍ حِينَ نَفَرُوا مِنَ القُرْآنِ والتَّذْكِيرِ بِمَواعِظِهِ.

والمَعْنى: لا شَيْءَ لَهم في الآخِرَةِ إذْ أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ثُمَّ شَبَّهَهم في نُفُورِهِمْ عَنْهُ بِالحُمُرِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ الفاءِ.

والباقُونَ بِكَسْرِها.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ بِفَتْحِ الفاءِ أرادَ: مَذْعُورَةً، اسْتُنْفِرَتْ فَنَفَرَتْ.

ومَن قَرَأ بِكَسْرِ الفاءِ أرادَ: نافِرَةً.

قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: حُمُرٌ مُسْتَنْفَرَةٌ.

وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَكْسِرُونَ الفاءَ.

والفَتْحُ أكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ.

وقِراءَتُنا بِالكَسْرِ.

أنْشَدَنِي الكِسائِيُّ: احْبِسْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ "وَغُرَّبٌ" مَوْضِعٌ.

وَفِي "القَسْوَرَةِ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأسَدُ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وبِهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ إذا عايَنَتِ الأسَدَ هَرَبَتْ مِنهُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ إذا سَمِعُوا النَّبِيَّ  هَرَبُوا مِنهُ، وَإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّهُ مِنَ القَسْرِ والقَهْرِ.

فالأسَدُ يَقْهَرُ السِّباعَ.

والثّانِي: أنَّ القَسْوَرَةَ: الرُّماةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ كَيْسانَ.

والثّالِثُ: أنَّ القَسْوَرَةَ: حِبالُ الصَّيّادِينَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم عُصَبُ الرِّجالِ، رَواهُ أبُو حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

واسْمُ أبِي حَمْزَةَ: نَصْرُ بْنُ عِمْرانَ الضَّبْعِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهُ رِكْزُ النّاسِ، وهَذا في رِوايَةِ عَطاءٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورِكْزُ النّاسِ: حِسُّهم وأصْواتُهم.

والسّادِسُ: أنَّهُ الظُّلْمَةُ واللَّيْلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ النَّبْلُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنْ سَرَّكَ أنْ نَتَّبِعَكَ، فَلْيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ يُؤْمَرُ فِيهِ بِاتِّباعِكَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهم أرادُوا بَراءَةً مِنَ النّارِ أنْ لا يُعَذَّبُوا بِها، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: كانَ الرَّجُلُ إذا أذْنَبَ في بَنِي إسْرائِيلَ وجَدَهُ مَكْتُوبًا إذا أصْبَحَ في رُقْعَةٍ.

فَما بالُنا لا نَرى ذَلِكَ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا يُؤْتَوْنَ الصُّحُفَ ﴿ بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ ﴾ أيْ: لا يَخْشَوْنَ عَذابَها.

والمَعْنى: أنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ بَعْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ "كَلّا" أيْ: حَقًّا.

وقِيلَ: مَعْنى ﴿ كَلا ﴾ : لَيْسَ الأمْرُ كَما يُرِيدُونَ ويَقُولُونَ ﴿ إنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴾ أيْ: تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى القُرْآنِ فالمَعْنى: فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ القُرْآنَ ويَتَّعِظَ بِهِ ويَفْهَمَهُ، ذَكَرَهُ.

ثُمَّ رَدَّ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ أيْ: إلّا أنْ يُرِيدَ لَهُمُ الهُدى ﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى ﴾ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ﴿ وَأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ أيْ: أهْلُ أنْ يَغْفِرَ لِمَن تابَ.

رَوى أنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  «أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: قالَ رَبُّكم عَزَّ وجَلَّ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُشْرِكُ بِي غَيْرِي.

وأنا أهْلٌ لِمَنِ اتَّقى أنْ يُشْرِكَ بِي غَيْرِي أنْ أغْفِرَ لَهُ.»

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ﴾ ﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ ﴾ ﴿ وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ ﴾ ﴿ وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِينِ ﴾ ﴿ حَتّى أتانا اليَقِينُ ﴾ ﴿ فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشافِعِينَ ﴾ ﴿ فَما لَهم عَنِ التَذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾ ﴿ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ﴾ ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾ ﴿ كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ ﴾ ﴿ كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴾ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ ﴿ وَما يَذْكُرُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ هو أهْلُ التَقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ هَذا هو اعْتِرافُ الكَفّارِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وفي نَفْيِ الصَلاةِ يَدْخُلُ الإيمانُ بِالإيمانِ بِاللهِ تَعالى والمَعْرِفَةِ بِهِ، والخُشُوعِ لَهُ والعِبادَةِ.

والصَلاةُ تَنْتَظِمُ مُعْظَمَ الدِينِ وأوامِرِ اللهِ تَعالى وواجِباتِ العَقائِدِ.

وإطْعامُ المَساكِينِ يَنْتَظِمُ الصَدَقَةَ فَرْضًا وطَواعِيَةً وكَلُّ احْتِمالٍ تَنْدُبُ إلَيْهِ الشَرِيعَةُ بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ.

والخَوْضُ مَعَ الخائِضِينَ عُرْفُهُ في الباطِلِ، قالَ قَتادَةُ: المَعْنى كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَوْا مَعَهُ، والتَكْذِيبُ بِيَوْمِ الدِينِ كُفْرٌ صَراحٌ بِاللهِ تَعالى.

و"اليَقِينُ" مَعْناهُ عِنْدِي: صِحَّةُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ الرُجُوعِ إلى اللهِ تَعالى والدارِ الآخِرَةِ، وقالَ المُفَسِّرُونَ: اليَقِينُ المَوْتُ، وذَلِكَ عِنْدِي -هُنا- مُتَعَقِّبٌ؛ لِأنَّ نَفْسَ المَوْتِ يَقِينٌ عِنْدَ الكافِرِ وهو حَيٌّ، فَإنَّما اليَقِينُ الَّذِي عَنَوْا في هَذِهِ الآيَةِ الشَيْءَ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وهم أحْياءٌ في الدُنْيا فَتَيَقَّنُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، وإنَّما يُفَسِّرُ اليَقِينَ بِالمَوْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ  ﴾ .

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ شَفاعَةَ الشافِعِينَ لا تَنْفَعُهُمْ، فَتَقَرَّرَ مِن ذَلِكَ أنَّ ثَمَّ شافِعِينَ، وفي صِحَّةِ هَذا المَعْنى أحادِيثٌ، قالَ  : « "يَشْفَعُ المَلائِكَةُ ثُمَّ النَبِيُّونَ ثُمَّ العُلَماءُ ثُمَّ الشُهَداءُ ثُمَّ الصالِحُونَ يَشْفَعُونَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعالى: شَفَّعَ عِبادِي وبَقِيَتْ شَفاعَةُ أرْحَمِ الراحِمِينَ، فَلا يَبْقى في النارِ مَن كانَ لَهُ إيمانٌ"،» ورَوى الحَسَنُ أنَّ اللهَ تَعالى يُدْخِلُ بِشَفاعَةِ رَجُلٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الأُمَّةَ إلى الجَنَّةِ مِثْلَ رَبِيعَةُ ومُضَرٌ، وفي رِوايَةِ أبِي قُلابَةَ: أكْثَرُ مِن بَنِي تَمِيمٍ.

وقالَ الحَسَنُ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ الشَهِيدَ يَشْفَعُ في سَبْعِينَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى وجَلَّ: ﴿ فَما لَهم عَنِ التَذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ ، أيْ والحالُ المُنْتَظَرَةُ هي هَذِهِ المَوْصُوفَةُ؟

وقَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ المُعْرِضِينَ في تَوَلٍّ واجْتِهادٍ في نُفُورٍ ﴿ كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾ إثْباتٌ لِجَهالَتِهِمْ، لِأنَّ الحُمُرَ مِن جاهِلِ الحَيَوانِ جِدًّا، وقَرَأ الأعْمَشُ: "حُمْرٌ" بِإسْكانِ المِيمِ، وفي حِرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "حُمْرٌ نافِرَةُ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "مُسْتَنْفَرَةً" بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الفاءِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ، وعَنِ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، ومُجاهِدٍ، فَأمّا فَتْحُ الفاءِ فَمَعْناهُ: اسْتَنْفَرَها فَزَعَها مِنَ القَسْوَرَةِ، وأمّا كَسْرُ الفاءِ فَعَلى أنَّ "نَفَرَ" و"اسْتَنْفَرَ" بِمَعْنًى واحِدٍ، بِمَنزِلَةِ "عَجِبَ" و"اسْتَعْجَبَ" و"سَخِرَ" و"اسْتَسْخَرَ"، فَكَأنَّها نَفَرَتْ هِيَ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَرَّتْ"، وبِذَلِكَ رَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ الكَسْرِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى "القَسْوَرَةِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ: القَسْوَرَةُ: الرُماةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجُمْهُورٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ، وقَوْلُ الشاعِرِ: مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ كَأنَّهُ القَسْوَرَةُ الرِئْبالُ وَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: "القَسْوَرَةُ": رِجالُ القَنْصِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وقِيلَ: "القَسْوَرَةُ": رَكَزُ الناسِ، وقِيلَ: القَسْوَرَةُ: الرِجالُ الشِدادُ، قالَ لَبِيدُ: إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدَّيْنا ∗∗∗ أتانًا الرِجالُ العانِدُونَ القَساوِرُ وقالَ ثَعْلَبٌ: القَسْوَرَةُ: سَوادُ أوَّلِ اللَيْلِ خاصَّةً لِآخِرِهِ.

أوِ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَسْرِ الَّذِي هو الغَلَبَةُ والقَهْرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾ مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ المُعْرِضِينَ، أيْ يُرِيدُ كُلَّ إنْسانٍ مِنهم أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ مِنَ اللهِ، وكانَ هَذا مِن قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمِّيَّةَ وغَيْرِهِ، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنْ كانَ يَكْتُبُ في صُحُفٍ ما يَعْمَلُ فَلْتَعْرِضْ ذَلِكَ الصُحُفَ عَلَيْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

و"مُنَشَّرَةً" مَعْناهُ: غَيْرُ مَطْوِيَّةٍ، مَنشُورَةً وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "صُحُفًا" بِسُكُونِ الحاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمَةَ، وقَرَأ: "مُنْشَرَةٍ" بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وهَذا عَلى أنْ يُشْبِهَ "نَشَرْتُ الثَوْبَ" بِـ "أنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ"؛ إذا لَطى كالمَوْتِ، وقَدْ عَكَسَ التَيْمِيُّ التَشْبِيهَ في قَوْلِهِ: رَدَّتْ صَنائِعُهُ عَلَيْهِ حَياتَهُ ∗∗∗ فَكَأنَّهُ مِن نَشْرِها مَنشُورُ ولا يُقالُ في المَيِّتِ يَحْيا: مَنشُورٌ إلّا عَلى التَشْبِيهِ بِالثَوْبِ، وأمّا مَحْفُوظُ اللُغَةِ فَهو "نَشَرَتِ الصَحِيفَةُ" و"أنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ"، وقَدْ جاءَ عنهم "نَشَرَ اللهُ المَيِّتَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" رَدٌّ عَلى إرادَتِهِمْ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ ﴾ ، المَعْنى: هَذِهِ العِلَّةُ والسَبَبُ في إعْراضِهِمْ، فَكانَ جَهْلُهم بِالآخِرَةِ سَبَبَ امْتِناعِهِمْ مِنَ الهُدى حَتّى هَلَكُوا.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَخافُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ.

ثُمَّ أعادَ تَعالى الرَدَّ والزَجْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا"، وأخْبَرَ أنَّ هَذا القَوْلَ والبَيانَ وهَذِهِ المُحاوَرَةَ بِجُمْلَتِها تَذْكِرَةٌ، فَمَن شاءَ وفَّقَهُ لِذِكْرِ مَعادِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ذِكْرَ الإنْسانِ مَعادَهُ، وجَرْيَهُ إلى فَلاحِهِ إنَّما هو كُلُّهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعالى، ولَيْسَ يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِها.

وقَرَأ نافِعٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وسَلامٌ، ويَعْقُوبُ: "تُذَكِّرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعِيسى، والأعْرَجُ: "يَذَكَّرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ورُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وشَدِّ الذالِ، كَأنَّهُ "تَتَذَكَّرُونَ" فَأدْغَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أهْلُ التَقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ خَبَرُ جَزْمٍ، مَعْناهُ أنَّ اللهَ تَعالى أهْلٌ بِصِفاتِهِ العُلى، ونِعَمِهِ الَّتِي لا تُحْصى، ونِقَمِهِ الَّتِي لا تَدْفَعُ، لِأنْ يُتَّقى ويُطاعُ، ويُحْذَرَ عِصْيانُهُ وخِلافُ أمْرِهِ، وأنَّهُ تَعالى بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ أهْلٌ لِأنْ يَغْفِرُ لِعِبادِهِ إذا اتَّقَوْهُ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ النَبِيَّ  فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام: « "يَقُولُ رَبُّكم جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: أنا أهْلٌ أنَّ أتْقِي فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَه غَيْرِي، ومَنِ اتَّقى أنْ يُجْعَلَ مَعِي إلَهًا غَيْرِي فَأنا أغْفِرُ لَهُ"،» وقالَ قَتادَةُ: هو أهْلٌ لِأنَّ تُتَّقى مَحارِمُهُ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ الذُنُوبَ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُدَّثِّرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ كلا ﴾ ردع ثان مؤكِّد للردع الذي قبله، أي لا يُؤتون صحفاً منشورة ولا يُوزَعون إلاّ بالقرآن.

وجملة ﴿ إنه تذكرة ﴾ تعليل للردع عن سؤالهم أنْ تنزل عليهم صحف منشَّرة، بأن هذا القرآن تذكرة عظيمة، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ءايات من ربّه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إنَّ في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ﴾ [العنكبوت: 50، 51].

فضمير ﴿ إنه ﴾ للقرآن، وهو معلوم من المقام، ونظائر ذلك كثيرة في القرآن.

وتنكير ﴿ تذكرة ﴾ للتعظيم.

وقوله: ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ تفريع على أنه تذكرة ونظيره قوله تعالى: ﴿ إنّ هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلاً ﴾ في سورة المزمل (19).

وهذا تعريض بالترغيب في التذكر، أي التذكر طوعُ مشيئتكم فإن شئتم فتذكروا.

والضمير الظاهر في ذكره } يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ إِنه ﴾ وهو القرآن فيكون على الحذف والإِيصال وأصله: ذَكَر به.

ويجوز أن يعود إلى الله تعالى وإن لم يتقدم لاسمه ذكر في هذه الآيات لأنه مستحضَر من المقام على نحو قوله: ﴿ إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلاً ﴾ [المزمل: 19].

وضمير ﴿ شاء ﴾ راجع إلى (مَنْ)، أي من أراد أن يتذكر ذَكَر بالقرآن وهو مثل قوله آنفاً ﴿ لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ﴾ [المدثر: 37] وقوله في سورة المزمل (19) ﴿ فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلاً ﴾ وهو إنذار للناس بأن التذكر بالقرآن يحصلُ إذا شاؤوا التذكر به.

والمشيئة تستدعي التأمل فيما يخلصهم من المؤاخذة على التقصير وهم لا عذر لهم في إهمال ذلك، وقد تقدم في سورة المزمل.

وجملة ﴿ وما تذْكُرون إلاّ أن يشاء الله ﴾ معترضة في آخر الكلام لإِفادة تعلمهم بهذه الحقيقة، والواو اعتراضية.

والمعنى: أن تذكُّر من شَاءوا أن يتذكروا لا يقع إلاّ مشروطاً بمشيئة الله أن يتذكروا، وقد تكرر هذا في القرآن تكرراً ينبه على أنه حقيقة واقعة كقوله: ﴿ وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله ﴾ [التكوير: 29] وقال هنا ﴿ كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره ﴾ فعلمنا أن للناس مشيئة هي مناط التكاليف الشرعية والجزاءِ في الدنيا والآخرة وهي المعبر عنها عند أهل التحقيق من المتكلمين بالكسب كما حققه الأشعري، وعند المعتزلة بالقدرة الحادثة، وهما عبارتان متقاربتان، وأن لله تعالى المشيئة العظمى التي لا يمانعها مانع ولا يقسرها قاسر، فإذا لم يتوجه تعلقها إلى إرادة أحد عباده لم يحصل له مراد.

وهذه المشيئة هي المعبر عنها بالتوفيق إذا تعلقت بإقدار العبد على الداعية إلى الطاعة وامتثال الوصايا الربانية، وبالخِذلان إذا تعلقت بتركه في ضلاله الذي أوْبَقَتْهُ فيه آراؤه الضالة وشهواته الخبيثة الموبقة له في الإِعراض عن شرائع الله ودعوة رسله، وإذا تعلقت بانتشال العبد من أوْحَال الضلال وبإنارَة سبيل الخير لبصيرته سميت لُطفاً مثل تعلقها بإيمان عُمر بن الخطاب وصلاحه بعد أن كان في عناد، وهذا تأويل قوله تعالى: ﴿ فمن يُرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام ومن يُرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يَصَّعَّدُ في السماء ﴾ [الأنعام: 125].

هذا حاصل ما يتمخض من الجمع بين أدلة الشريعة المقتضية أن الأمر لله، والأدلةِ التي اقتضت المؤاخذة على الضلال، وتأويلُها الأكبرُ في قوله تعالى: ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كلّ من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ [النساء: 78، 79] وَلله في خلقه سرّ جَعل بينهم وبين كنهه حجاباً، ورَمَزَ إليه بالوعد والوعيد ثواباً وعقاباً.

وقرأ نافع ويعقوب ﴿ وما تذكُرون ﴾ بمثناة فوقية على الالتفات، وقرأه الجمهور بتحتية على الغيبة، فالمعنى أنهم يغلب عليهم الاستمرار على عدم الذكرى بهذه التذكرة إلاّ أن يشاء الله التوفيق لهم ويلطف بهم فيخلق انقلاباً في سجيّة من يشاء توفيقه واللطفَ به.

وقد شاء الله ذلك فيمن آمنوا قبل نزول هذه الآية ومَن آمنوا بعد نزولها.

جملة واقعة موقع التعليل لمضمون جملة ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ تقويةً للتعريض بالترغيب في التذكر والتذكر يفضي إلى التقوى.

فالمعنى: فعليكم بالتذكر واتقوا الله تعالى لأن الله هو أهل للتقوى.

وتعريف جزأي الجملة في قوله: ﴿ هو أهل التقوى ﴾ يفيد قصر مستحق اتقاء العِبادِ إياه على الله تعالى وأن غيره لا يستحق أن يُتَّقى.

ويتجنب غضبه كما قال: ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ [الأحزاب: 37].

فإما أن يكون القصر قصراً إضافياً للرد على المشركين الذين يخشون غضب الأصنام ويطلبون رضاها أو يكون قصراً ادعائياً لتخصيصه تعالى بالتقوى الكاملة الحق وإلاّ فإن بعض التقوَى مأمور بها كتقوى حقوق ذوي الأرحام في قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله الذي تسَّاءَلون به والأرحامَ ﴾ [النساء: 1] وقد يقال: إن ما ورد الأمر به من التقوى في الشريعة راجع إلى تقوى الله، وهذا من متممات القصر الادعائي.

وأهل الشيء: مستحقه.

وأصله: أنه ملازم الشيء وخاصته وقرابته وزوجُه ومنه ﴿ فأسرِ بأهلك ﴾ [هود: 81].

ومعنى ﴿ أهل المغفرة ﴾ : أن المغفرة من خصائصه وأنه حقيق بأن يَغفر لفرط رحمته وسعة كرمه وإحسامه ومنه بيت «الكشاف» في سورة المؤمنين: أَلا يَا ارْحَمُونِي يَا إله مُحَمَّد فإن لم أكُنْ أهْلاً فأنت له أهل وهذا تعريض بالتحريض للمشركين أن يقلعوا عن كفرهم بأن الله يغفر لهم ما أسلفوه قال تعالى: ﴿ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴾ [الأنفال: 38]، وبالتحريض للعصاة أن يقلعوا عن الذنوب قال تعالى ﴿ قل يا عباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنَطُوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ﴾ [الزمر: 53].

روى الترمذي عن سهيل عن ثابت عن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: قال الله تعالى: «أنا أهل أن أُتقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له» قال الترمذي: حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي، وقد انفرد بهذا الحديث عن ثابت.

وأعيدت كلمة ﴿ أهل ﴾ في الجملة المعطوفة دون أن يقال: والمغفرة، للإِشارة إلى اختلاف المعنى بين أهل الأول وأهل الثاني على طريقة إعادة فعل وأطيعوا في قوله تعالى: ﴿ يا أيّها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ [النساء: 59].

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ كُلَّ نَفْسٍ مُرْتَهِنَةٌ مُحْتَسِبَةٌ بِعَمَلِها لِتَحاسَبِ عَلَيْهِ، إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، وهم أطْفالُ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ لا ذُنُوبَ لَهم، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّانِي: كُلُّ نَفْسٍ مِن أهْلِ النّارِ مُرْتَهِنَةٌ في النّارِ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَإنَّهم لا يُرْتَهَنُونَ، وهم إلى الجَنَّةِ يُسارِعُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: كُلُّ نَفْسٍ بِعَمَلِها مُحاسَبَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ وهم أهْلُ الجَنَّةِ، فَإنَّهم لا يُحاسِبُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: قَوْلُهم مُحَمَّدٌ كاهِنٌ، مُحَمَّدٌ ساحِرٌ، مُحَمَّدٌ شاعِرٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا، وكُنّا أتْباعًا ولَمْ نَكُنْ مَبْتُوعِينِ.

﴿ وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الجَزاءِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

﴿ حَتّى أتانا اليَقِينُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَوْتُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: البَعْثُ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: عَنِ القُرْآنِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: عَنِ الِاعْتِبارِ بِعُقُولِهِمْ.

﴿ كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الفاءِ، يَعْنِي مَذْعُورَةً وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، يَعْنِي هارِبَةً، وأنْشَدَ الفَرّاءُ أمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لغُرَّبِ.

﴿ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ القَسْوَرَةَ الرُّماةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ القَنّاصُ أيِ الصَّيّادُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ يا ناسُ إنِّي مِثْلُ قَسْوَرَةٍ ∗∗∗ وإنَّهم لَعُداةٌ طالَما نَفَرُوا.

الثّالِثُ: أنَّهُ الأسَدُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، رَوى يُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الأسَدُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، قالَ الفَرَزْدَقُ إلى هادِياتٍ صِعابِ الرُّؤُوسِ ∗∗∗ فَسارُوا لِلْقَسْوَرِ الأصِيدِ.

الرّابِعُ: أنَّهم عَصَبٌ مِنَ الرِّجالِ وجَماعَةٌ، رَواهُ أبُو حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ أصْواتُ النّاسِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

السّادِسُ: أنَّهُ النَّبِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾ يَعْنِي كُتُبًا مَنشُورَةً وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يُؤْتى كِتابًا مِنَ اللَّهِ أنْ يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنْ يُؤْتى بَراءَةً مِنَ النّارِ أنَّهُ لا يُقْذَفُ بِها، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّالِثُ: أنْ يُؤْتى كِتابًا مِنَ اللَّهِ بِما أحَلَّ لَهُ وحَرَّمَ عَلَيْهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الرّابِعُ: أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أذْنَبَ الواحِدُ ذَنْبًا وجَدَهُ مَكْتُوبًا في رُقْعَةٍ، فَما بالُنا لا نَرى ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو أهْلٌ أنْ تُتَّقى مَحارِمُهُ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ الذُّنُوبَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: هو أهْلٌ أنْ يُتَّقى أنْ يُجْعَلَ مَعَهُ إلَهٌ غَيْرُهُ، وأهْلٌ لِمَنِ اتَّقاهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلٍ رَواهُ أنَسٌ مَرْفُوعًا.

الثّالِثُ: هو أهْلٌ أنْ يُتَّقى عَذابُهُ وأهْلٌ أنْ يُعْمَلَ بِما يُؤَدِّي إلى مَغْفِرَتِهِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أهْلُ الِانْتِقامِ والإنْعامِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كل نفس بما كسبت رهينة ﴾ قال: مأخوذة بعملها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين ﴾ قال: علق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين ﴾ قال: لا يحاسبون.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا أصحاب اليمين ﴾ قال: هم المسلمون.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ إلا أصحاب اليمين ﴾ قال: هم أطفال المسلمين.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عمر في قوله: ﴿ إلا أصحاب اليمين ﴾ قال: هم أطفال المسلمين.

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار قال: سمعت عبدالله بن الزبير يقرأ ﴿ في جنات يتساءلون عن المجرمين ﴾ يا فلان ﴿ ما سلككم في سقر ﴾ قال عمرو: وأخبرني لقيط قال: سمعت ابن الزبير قال: سمعت عمر بن الخطاب يقرؤها كذلك.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ يا أيها الكفار ما سلككم في سقر ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وكنا نخوض مع الخائضين ﴾ قال: يقولون: كلما غوى غاو غوينا معه، وفي قوله: ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ قال: تعلموا أن الله يشفّع المؤمنين يوم القيامة بعضهم في بعض.

قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في أمتي رجلاً ليدخلن الله الجنة بشفاعته أكثر من بني تميم» وقال الحسن: أكثر من ربيعة ومضر.

قال: وكنا نحدث أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ حتى أتانا اليقين ﴾ قال: الموت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ قال: لا تنالهم شفاعة من يشفع.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليخرجن بشفاعتي من أهل الإِيمان من النار حتى لا يبقى فيها أحد إلا أهل هذه الآية ﴿ ما سلككم في سقر ﴾ إلى قوله: ﴿ شفاعة الشافعين ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن ميمون أن كعباً دخل يوماً على عمر بن الخطاب فقال له عمر: حدثني إلى ما تنتهي شفاعة محمد يوم القيامة؟

فقال كعب: قد أخبرك الله في القرآن، إن الله يقول: ﴿ ما سلككم في سقر ﴾ إلى قوله: ﴿ اليقين ﴾ قال كعب: فيشفع يومئذ حتى يبلغ من لم يصل صلاة قط، ويطعم مسكيناً قط، ومن لم يؤمن ببعث قط، فإذا بلغت هؤلاء لم يبق أحد فيه خير.

وأخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بأدنى أهل النار منزلة يوم القيامة فيقول الله له: تفتدى بملء الأرض ذهباً وفضة؟

فيقول: نعم إن قدرت عليه، فيقول: كذبت، قد كنت أسألك ما هو أيسر عليك من أن تسألني فأعطيك وتستغفرني فأغفر لك وتدعوني فأستجيب لك، فلم تخفني ساعة قطّ من ليل ونهار، ولم ترج ما عندي قط، ولم تخش عقابي ساعة قط، وليس وراءه أحد إلا وهو شر منه، فيقال له: ﴿ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى أتانا اليقين ﴾ يقول الله: ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن صهيب الفقير قال: كنا بمكة ومعي طلق بن حبيب وكنا نرى رأي الخوارج فبلغنا أن جابر بن عبدالله يقول في الشفاعة فأتيناه فقلنا له: بلغنا عنك في الشفاعة قول الله مخالف لك فيها في كتابه، فنظر في وجوهنا فقال: من أهل العراق أنتم؟

قلنا: نعم.

فتبسم وقال: وأين تجدون في كتاب الله؟

قلت: حيث يقول: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ [ آل عمران: 192] و ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ﴾ [ المائدة: 37] و ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ [ السجدة: 20] وأشباه هذا من القرآن فقال: أنتم أعلم بكتاب الله أم أنا؟

قلنا: بل أنت أعلم به منا.

قال: فوالله لقد شهدت تنزيل هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشفاعة الشافعين، ولقد سمعت تأويله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الشفاعة لنبيه في كتاب الله قال في السورة التي تذكر فيها المدثر: ﴿ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ﴾ الآية، ألا ترون أنها حلت لمن مات لم يشرك بالله شيئاً؟

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله خلق خلقاً ولم يستعن على ذلك، ولم يشاور فيه أحداً، فأدخل من شاء الجنة برحمته، وأدخل من شاء النار، ثم إن الله تحنن على الموحدين فبعث الملك من قبله بماء ونور فدخل النار، فنضح فلم يصب إلا من شاء، ولم يصب إلا من خرج من الدنيا لم يشرك بالله شيئاً فأخرجهم حتى جعلهم بفناء الجنة، ثم رجع إلى ربه فأمده بماء ونور، ثم دخل فنضح فلم يصب إلا من شاء الله، ثم لم يصب إلا من خرج من الدنيا لم يشرك بالله شيئاً فأخرجهم حتى جعلهم بفناء الجنة، ثم أذن الله للشفعاء فشفعوا لهم فأدخلهم الله الجنة برحمته وشفاعة الشافعين» .

وأخرج البيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: يعذب الله قوماً من أهل الإِيمان، ثم يخرجهم بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم حتى لا يبقى إلا من ذكر الله ﴿ ما سلككم في سقر ﴾ إلى قوله: ﴿ شفاعة الشافعين ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ فما لهم عن التذكرة معرضين ﴾ قال: عن القرآن.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ كأنهم حمر ﴾ مثقلة ﴿ مستنفرة ﴾ بخفض الفاء.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن الحسن وأبي رجاء أنهما قرآ ﴿ مستنفرة ﴾ يعني بنصب الفاء.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي موسى الأشعري في قوله: ﴿ فرت من قسورة ﴾ قال: هم الرماة رجال القنص.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: القسورة الرجال الرماة رجال القنص.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس قال: القسورة الأسد.

فقال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب الأسد هم عصبة الرجال.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ﴾ قال: وحشية فرت من رماتها.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ فرت من قسورة ﴾ قال: القناص.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ فرت من قسورة ﴾ قال: القناص الرماة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال: القسورة الرماة.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن عطاء بن أبي رباح مثله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: القسورة النبل.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ من قسورة ﴾ قال: من حبال الصيادين.

وأخرج سفيان بن عيينة في تفسيره وعبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ من قسورة ﴾ قال: هو ركز الناس يعني أصواتهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ من قسورة ﴾ قال: هو بلسان العرب الأسد وبلسان الحبشة قسورة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة في قوله: ﴿ فرت من قسورة ﴾ قال: الأسد.

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن السدي عن أبي صالح قال: قالوا: إن كان محمد صادقاً فليصبح تحت رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنته من النار، فنزلت ﴿ بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة ﴾ قال: إلى فلان ابن فلان من رب العالمين يصبح عند رأس كل رجل صحيفة موضوعة يقرؤها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة ﴾ قال: قد قال قائلون من الناس لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتابعك فائتنا بكتاب خاصة يأمرنا باتباعك وفي قوله: ﴿ كلا بل لا يخافون الآخرة ﴾ قال: ذلك الذي أضحك بالقوم وأفسدهم أنهم كانوا لا يخافون الآخرة ولا يصدقون بها وفي قوله: ﴿ كلا إنها تذكرة ﴾ قال: هذا القرآن، وفي قوله: ﴿ هو أهل التقوى وأهل المغفرة ﴾ قال: إن ربنا محقوق أن تتقى محارمه، وهو أهل أن يغفر الذنوب الكثيرة لعباده.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه ﴿ كلا بلا لا يخافون الآخرة ﴾ قال: هذا الذي فضحهم.

وأخرج أحمد والدارمي والترمذي والنسائي وابن ماجة والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي والحاكم وصححه وابن مردويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ هو أهل التقوى وأهل المغفرة ﴾ فقال: قد قال ربكم أنا أهل أن أُتَّقَى فمن لم يجعل معي إلهاً فأنا أهل أن أغفر له.

وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن دينار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقولون: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: ﴿ هو أهل التقوى وأهل المغفرة ﴾ قال: «يقول الله أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل معي شريك، فإذا اتقيت ولم يجعل معي شريك فأنا أهل أن أغفر ما سوى ذلك» .

وأخرج الحكيم والترمذي في نوادر الأصول عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله أنا أكرم وأعظم عفواً من أن أستر على عبد لي في الدنيا ثم أفضحه بعد أن سترته، ولا أزال أغفر لعبدي ما استغفرني» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: إني لأجدني استحي من عبدي يرفع يديه إليّ ثم أردهما.

قالت الملائكة: إلهنا ليس لذلك بأهل.

قال الله: لكني أهل التقوى وأهل المغفرة أشهدكم أني قد غفرت له» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويقول الله: إني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإِسلام ثم أعذبهما بعد ذلك في النار» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ ﴾ يعني كفار قريش ﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ﴾ المستنفرة بفتح الفاء التي استنفرها الفزع، وبالكسر بمعنى النافرة، شبه الكفار بالحمر النافرة في جهلهم ونفورهم عن الإسلام ويعني حمر الوحش.

﴿ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ﴾ قال ابن عباس: القسورة الرماة وقال أيضاً هو: الأسد، وقيل: أصوات الناس، وقيل: الرجال الشداد، وقيل: سواد أول الليل ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً ﴾ المعنى: يطمع كل إنسان منهم أن ينزل عليه كتاباً من الله، ومعنى منتشرة: منشورة غير مطوية أي طرية كما كتبت لم تطو بعد، وذلك أنهم قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: لا نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء فيه من رب العالمين إلى فلان بن فلان نؤمر بتباعك ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع عما أرادوه ﴿ بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة ﴾ أي هذه هي اللعة والسبب في إعراضهم ﴿ كَلاَّ ﴾ تأكيد للردع الأول أو ردع عن عدم خوفهم الآخرة ﴿ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴾ الضمير لما تقدم من الكلام أو للقرآن بجملته ﴿ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ﴾ فاعل شاء ضمير يعود على من، وفي ذلك حض وترغيب وقيل: الفاعل هو الله ثم قيد فعل العبد بمشيئة الله ﴿ هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة ﴾ أي هو أهل لأن يُتَّقَى لشدة عقابه، وهو أهل لأن يغفر الذنوب لكرمه وسعة رحمته وفضله.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ الرجز ﴾ بضم الراء: يزيد وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والآخرون: بالكسر ﴿ تسعة عشر ﴾ بسكون العين لتوالي الحركات: يزيد والخراز عن هبيرة ﴿ إذا ﴾ بسكون الذال ﴿ أدبر ﴾ من الإدبار: نافع ويعقوب وحمزة وخلف وحفص والمفضل.

الباقون ﴿ إذا ﴾ بالألف ﴿ دبر ﴾ من الدبور.

﴿ مستنفرة ﴾ بفتح الفاء: أبوجعفر ونافع وابن عامر والمفضل ﴿ تخافون ﴾ بتاء الخطاب: ابن مجاهد والنقاش عن أبي ذكوان ﴿ وما تذكرون ﴾ على الخطاب: نافع ويعقوب.

الوقوف: ﴿ المدثر ﴾ ه لا ﴿ فأنذر ﴾ ه لا ﴿ فكبر ﴾ ه ك ﴿ فطهر ﴾ ه ك ﴿ فاهجر ﴾ ه ك ﴿ تستكثر ﴾ ه ك ﴿ فاصبر ﴾ ه ط وقد يجوز الوقوف على الآيات قبلها إلا على الأولى ﴿ الناقور ﴾ ه لا ﴿ عسير ﴾ ه ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وحيداً ﴾ ه لا ﴿ ممدوداً ﴾ ه ك ﴿ شهوداً ﴾ ه ك ﴿ تمهيداً ﴾ ه ك ﴿ أن أزيد ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ عنيداً ﴾ ه ط للإبتداء بالتهديد ﴿ صعوداً ﴾ ه ك للإبتداء بأن ﴿ وقدر ﴾ ه لا ﴿ قدر ﴾ ه لا ﴿ نظر ﴾ ه لا ﴿ وبسر ﴾ ه ك ﴿ واستكبر ﴾ ه ك ﴿ يؤثر ﴾ ه ك ﴿ البشر ﴾ ه ﴿ سقر ﴾ ه لا ﴿ ما سقر ﴾ ه ط لتناهي الإستفهام ﴿ ولا تذر ﴾ ه م لأن التقدير هي لواحة مع اتحاد المقصود ﴿ للبشر ﴾ ط للآية ولأن ما بعده من تمام المقصود ﴿ عشر ﴾ ه ط ﴿ ملائكة ﴾ ص لاتفاق الجملتين مع استقلال كل منهما بنفي واستثناء ﴿ كفروا ﴾ لا لتعلق اللام ﴿ والمؤمنون ﴾ لا لذلك ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ للبشر ﴾ ه قد يوصل على جعل ﴿ كلا ﴾ ردعاً والوقف على ﴿ البشر ﴾ دون ﴿ كلا ﴾ صواب لأنه تأكيد القسم بعدها ﴿ والقمر ﴾ ه ﴿ إذ أدبر ﴾ ه لا ﴿ أسفر ﴾ ه لا ﴿ الكبر ﴾ ه ﴿ للبشر ﴾ ه ﴿ يتأخر ﴾ ه ط ﴿ رهينة ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط على تقديرهم في جنات يتساءلون فيها.

والوقف على ﴿ جنات ﴾ أولى لعدم الإضمار ﴿ سقر ﴾ ه ﴿ المصلين ﴾ ه ﴿ المسكين ﴾ ه ﴿ الخائضين ﴾ ه ك ﴿ الدين ﴾ ه لا ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ الشافعين ﴾ ه ج للإبتداء بالاستفهام به ﴿ معرضين ﴾ ه لا لأن ما بعده صفتهم ﴿ مستنفرة ﴾ ه ط ﴿ قسورة ﴾ ه ط ﴿ منشرة ﴾ ه ط ﴿ كلا ﴾ للردع عن الإرادة ﴿ الآخرة ﴾ لا على جعل ﴿ كلا ﴾ بمعنى حقاً تذكرة} ج للشرط مع الفاء ﴿ ذكره ﴾ ه ﴿ الله ﴾ ه ﴿ المغفرة ﴾ ه.

التفسير: "روى جابر بن عبد الله أن النبي  قال: كنت على جبل حراء فنوديت يا محمد إنك رسول الله، فنظرت عن يميني ويساري فلم أر شيئاً، فنظرت فوقي فرأيت الملك قاعداً على عرش بين السماء والأرض فخفت ورجعت إلى خديجة فقلت: دثروني وصبوا عليّ ماء بارداً، ونزل جبرائيل وقال ﴿ يا أيها المدثر ﴾ " وروى الزهري مثله، وقريب منه ما قيل: إنه تحنث في غار حراء فقيل له ﴿ يا أيها المدثر ﴾ المغطى بدثار اشتغل بدعوة الخلق، فالسورة على هذا من أوائل ما نزل.

وقيل: سمع من قريش ما كرهه كما يجيء حكايته عن الوليد فاغتنم فتغطى بثوبه مفكراً فأمر أن لا تدع إنذارهم وتصبر على أذاهم.

وقيل: أراد يا أيها المدثر بدثار النبوة مثل لباس التقوى.

والدثار ما فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي الجسد قال  " الأنصار شعار والنار دثار " قوله ﴿ قم ﴾ أي من مضجعك أو قيام عزم وتصمم.

وقوله ﴿ فأنذر ﴾ متروك المفعول لئلا يختص بأحد نحو " فلان يعطي " أي فافعل الإنذار وأوجده وقيل: أراد فحذر قومك من عذاب الله إن لم تؤمنوا.

قوله ﴿ وربك فكبر ﴾ أي عظم ربك مما يقول عبدة الأوثان، أو من أن يأمرك بالإنذار من غير حكمة وصلاح عام.

وعن مقاتل: وهو نفس التكبير.

يروى أنه لما نزل قال النبي  : الله أكبر فكبرت خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي وقد يحمل على تكبير الصلوات ولا يبعد أن يكون للنبي  في أول الأمر صلوات مخصوصة والفاآت في ﴿ فكبر ﴾ وما يتلوها لتلازم ما قبلها وما بعدها كأنه قيل: مهما كان من شيء فلا تدع تكبيره.

وقوله ﴿ وثيابك فطهر ﴾ في تفسيره وجوه أربعة: أحدها أن يترك كل من لفظي الثياب والتطهير على ظاهره.

فعن الشافعي أن المراد الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس والأقذار ولا ريب أن هذا هو الأصل إلا أن في غير حال الصلاة أيضاً لا يحل إستعمال النجس أولا يحسن فقبح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثاً.

وروي أنهم ألقوا على رسول الله  سلى شاة فرجع إلى بيته حزيناً وتدثر ثيابه فقيل ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾ ولا تمنعك تلك الناهية عن الإنذار.

﴿ وربك فكبر ﴾ عن أن لا ينتقم منهم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات الثاني: الثياب حقيقة والتطهير كناية عن التقصير لان العرب كانوا يطولون ثيابهم ويجرون أذيالهم.

وقال علي  : قصر ثيابك فإنه أتقى وأبقى وأنقى.

وقيل: تطهيرها أن لا تكون مغصوبة ولا محرمة بل تكون مكتبسة من وجه حلال.

الثالث: عكسه فعبر عن الجسد بالثياب لاشتماله على النفس.

وكان العرب لا يتنظفون وقت الإستنجاء فأمر النبي  بالتنظيف.

الرابع: أن يكون كل من اللفظين مجازاً قال القفال: إنهم لما لقبوه بالساحر شق عليه ذلك فرجع إلى بيته وتدثر فكان ذلك إظهار جزع وقلة صبر فأمر بحسن الخلق وتهذيب الأخلاق أي طهر قلبك عن الصفات الذميمة كقطع الرحم وعزم الإنتقام والسآمة من الدعوة إلى دين الله لأجل أذى القوم.

وهذا بعد منا سبته لخطابه بالمدثر مجاز مستعمل يقال: فلان طاهر الجيب نقي الذيل إذا كان بريئاً من المثالب.

ويقال: المجد في ثوبيه والكرم في برديه وذلك أن الثواب كالشيء الملازم للإنسان فجعل طهارته كطهارته، ولأن الغالب أن من طهر باطنه طهر ظاهرة.

وقيل: هو أمر بالإحتراز عن الآثام والأوزار التي كان يقدم عليها قبل النبوة.

وهذا تأويل من حمل قوله ﴿ ووضعنا عنك وزرك  ﴾ على آثام الجاهلية: وقيل: معناه نساءك طهرهن.

وقد يكنى عن النساء بالثياب هن لباس لكم.

قوله ﴿ والرجز فاهجر ﴾ هو بالكسر والضم العذاب والمراد اهجر ما يؤدي إليه من عبادة الأوثان وغيرها أي أثبت على هجره مثل أهدنا، وهذا يؤكد تأويل من حمل قوله ﴿ وثيابك فطهر ﴾ على تحسين الأخلاق والإجتناب عن المعاصي ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ لا تعط مستكثراً رائياً لما أعطيته كثيراً بل يجب أن تستحقرها وترى أن للأخذ حرمة عليك بقبول ذلك الإنعام، وهذا نهاية الكرم على أن الإستكثار ينبيء على المنة وهي مبطلة للعمل كما قال ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى  ﴾ فقوله ﴿ تستكثر ﴾ مرفوع والجملة في موضع الحال منصوباً، ويجوز أن يكون الأصل لأن تستكثر فحذف اللام ثم " أن " وأبطل عملها كما روي " ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى" بالرفع.

واختار أبو علي الفارسي الوجه الأول إلا أنه قال: تأويله لا تمنن مقدراً الإستكثار كما في قول القائل: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً.

وأقول: هذا التأويل مما لا حاجة إليه لأن طلب الكثرة مقرون بالإعطاء بخلاف الصيد غداً.

وذهب جم غفير من المفسرين إلى أنه نهى عن الإستقراض وهو أن يهب شيئاً طامعاً في أن يأخذ أكثر منه فيكون نهى تنزيه لأنه جاء في الحديث " "المستغزر يثاب من هبته" " ويجوز أن يكون نهي تحريم خاصاً برسول الله لأن منصبه يجل عن طلب الدنيا خصوصاً بهذا الوجه، ومنهم من حمله على الرياء فيكون نهي تحريم للكل والمن معنى.

وقال القفال: يحتمل أن يكون المقصود النهي عن طلب العوض زائداً أو مساوياً أو ناقصاً.

أما الزائدة فطاهر.

وأما المساوي والناقص فلأن طالب العوض كاره أن ينتقص المال بسبب العطاء فكأنه يطلب الكثرة.

ويجوز أن يقال: إنما حسنت هذه الإستعارة لأن الغالب أن الثواب يكون زائداً على العطاء فسمي طلب الثواب إستكثاراً حملاً للشيء على أغلب أحواله، وكما أن الأغلب أن المرأة ذات الولد إنما تتزوج للحاجة إلى من يربى ولدها فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع ولد المرأة ربيباً.

وإن كان كبيراً خارجاً عن حد التربية أمر  أن يكون عطاؤه خالياً عن انتظار العوض والتفات النفس إليه كيف كان حتى يقع خالصاً لوجه الله ويكون صابراً محتسباً.

وعن الحسن وغيره أنه لما أمره الله بإنذار القوم وتكبير الرب وتطهير الثياب وهجران الرجز قال ﴿ ولا تمنن ﴾ على ربك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما تفعله بل اصبر على ذلك كله ويؤكده قوله بعد ذلك ﴿ ولربك فاصبر ﴾ أي استعمل الصبر في مظانه خالصاً لوجه ربك وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي كالمستكثر لذلك بأمر الله.

وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك لتستكثر أي لتأخذ منهم على ذلك أجراً فيكثر مالك.

وقال مجاهد: لا تمنن أي لا تضعف من قولك " حبل من " أي ضعيف ومنه " منّه السير " أي أضعفه.

والمعنى لا تضعف أن تستكثر من هذه الأوامر ووجه الرفع ما مر في قوله " أحضر الوغى" قوله ﴿ فإذا نقر ﴾ الفاء للتسبيب كأنه قال: اصبر على التكاليف المعدودة وعلى أذى المشركين فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى عاقبة صبرك والفاء في ﴿ فذلك ﴾ للجزاء.

وانتصب ﴿ إذا ﴾ بما دل عليه الجزاء لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين " فاعول " من النقر كالهاضوم من الهضم، يشبه أن يكون البناء للآلة لأن الهاضوم ما به يهضم.

فالناقور ما ينقر به وهو الصور باتفاق المفسرين، فكأنه آلة النقر أي النفخ وذلك أن النفخ سبب حدوث الصوت في المزامير كما أن النقر سبب الحدوث في الآلات ذوات الأوتار.

قال الجوهري في الصحاح ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ أي نفخ في الصور.

وقد يلوح من كلام الإمام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير أن النقر غير النفخ.

وهكذا من كلام الحليمي في كتاب " المنهاج " وذلك أنه قال: جاء في الأخبار أن في الصور ثقباً بعدد الأرواح كلها فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر و" النفخ " لتكون الصيحة أهول وأعظم.

وإذا نفخ فيه للإحياء لم ينقر فيه.

واقتصر على النفخ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها ويظهر من فحوى كلامه أنه حمل هذا النقر على أنه مقرون بالنفخة الأولى بعد أن أثبت المغايرة.

ومن المفسرين من ذهب إلى أن النفخة الثانية أهول لأنه  أخبر أن ذلك الوقت شديد على الكافرين، والإصعاق ليس بشديد عليهم ولذلك يقولون ﴿ يا ليتها كانت القاضية  ﴾ أي يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى.

قلت: لا دليل في هذا لأن الإصعاق شديد عليهم لا محالة، ثم إذا جاءت النفخة الثانية رأوا من الأهوال ما تمنوا حالة الإصعاق.

أو نقول: مبدأ الشدة من حين الإصعاق ثم يصير الأمر بعد ذلك أشد لأنهم يناقشون في الحساب وتسود وجوههم وتتكلم جوارحهم إلى غير ذلك من القبائح والأهوال، فلذلك يحتمل أن يكون إشارة إلى النقر ويتم الكلام بتقدير مضاف أي ﴿ فذلك ﴾ النقر ﴿ يومئذ ﴾ نقر ﴿ يوم عسير ﴾ فالعامل في ﴿ يومئذ ﴾ هو النقر.

ويجوز أن يكون إشارة إلى اليوم و ﴿ يومئذ ﴾ مبني على الفتح ولكنه مرفوع المحل بدلاً منه كأنّه قيل: فيوم النقر يوم عسير وقوله ﴿ غير يسير ﴾ تأكيد كقولك " أنا محب لك غير مبغض" وفائدته أن يعلم أن عسرة على الكافرين ولا يرجى زواله كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا، أو يراد أنه عسير على الكل لأن أكثر الأنبياء يقول: نفسي نفسي والولدان يشيبون إلا أن الكافر يختص بمزيد العسر بحيث يكون اليسر منفياً عنه رأساً ويعلم هذا من تقديم الظرف.

روى المفسرون أن الوليد بن المغيرة الخزومي وجماعة من صناديد قريش كأبي جهل وأبي لهب وأبي سفيان والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاصي بن وائل اجتمعوا وقالوا: إن وفود العرب يجتمعون في أيام الحج ويسألوننا عن أمر محمد فكل منا يجيب بجواب آخر؛ فواحد يقول مجنون.

وآخر يقول: كاهن وآخر يقول: شاعر فتستدل العرب باختلاف الأجوبة على كون هذه الأجوبة باطلة، فهلموا نجتمع على تسمية محمد باسم واحد.

فقال واحد: إنه شاعر فقال الوليد: سمعن كلام عبيد بن الأبرص وكلام أمية بن أبي الصلت وكلامه ما يشبه كلامهما.

فقال الآخر.

وهو كاهن.

فقال الوليد: إن الكاهن يصدق تارة ويكذب أخرى ومحمد ما كذب قط.

فقال آخر: إنه مجنون فقال الوليد: المجنون يخيف الناس وما يخيف محمد أحداً قط فقام الوليد وانصرف إلى بيته فقال الناس: صبأ الوليد فدخل أبو جهل وقال: مالك يا أبا عبد شمس؟

هذه قريش تجمع لك شيئاً زعموا أنك احتجت وصبأت فقال الوليد: مالي إليه حاجة ولكني فكرت في أمر محمد فقلت: إنه ساحر لأنه يفرق بين الرجل ووالده ومواليه وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل.

فأجمعوا على تلقيب محمد  بهذا اللقب وفرحوا بذلك وعجبوا عن كياسته وفكره ونظره ثم إنهم خرجوا ونادوا بمكة إن محمداً لساحر، فلما سمع رسول الله  ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته حزيناً فتدثر بقطيفة وأنزل الله  ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾ الآية.

ثم إنه هدد الوليد وسلى نبيه بقوله ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ وهو كقوله في المزمل ﴿ فذرني والمكذبين  ﴾ وقوله ﴿ وحيداً ﴾ من غير شكة أحد أو من " مفعول " خلقت المحذوف أي خلقته وهو وحيد فريد لا مال له ولا ولد.

ويجوز أن يكون نصباً على الذم والمراد أذم وحيداً بناء على أن الوليد كان يلقب بالوحيد فإن كان علماً فلا إشكال، وإن كان صفة على ما روى أنه كان يقول أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لأبي نظير، وهو إستهزاء به وتهكم بحسب ظنه واعتقاده نحو ﴿ ذق أنك أنت العزيز الكريم  ﴾ فيفيد أنه ليس وحيداً في العلو والشرف ولكنه وحيد في الخبث والدناءة والكفر.

وقيل: إن ﴿ وحيداً ﴾ مفعول ثان قال أبو سعيد الضرير: الوحيد الذي لا أب لهفيكون طعناً في نسبه كما في قوله ﴿ عتل بعد ذلك زنيم  ﴾ وفي المال الممدود وجوه أظهرها أنه المال الذي يكون له مدد يأتي منه الخير بعد الخير على الدوام كالزرع والضرع وأنواع التجارات، ولهذا فسره عمر بن الخطاب بغلة شهر بشهر.

وقال ابن عباس: هو ما كان له بين مكة والطائف من صنوف الأموال.وعلى هذا يكون المال الممدود إما بمعنى المدد كما قلنا، أو بمعنى امتداد مكانه.

وقريب منه ما روى مقاتل أنه كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره صيفاً ولا شتاءً.

ومن المفسرين من قدر المال الممدود فقال: ألف دينار أو أربعة آلاف أو تسعة آلاف أو ألف ألف فهذه تحكمات لا أصل لها إلا أن تكون رواية صحيحة أن مال الوليد على أحد هذه الأعداد وحينئذ يمكن أن يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وفي قوله ﴿ وبنين شهوداً ﴾ وجوه: أحدها أنهم حضور معه بمكة لا يفارقونه لاستغنائهم عن الكسب وطلب المعاش فهو مستأنس بهم يغر محزون بفراقهم.

الثاني أنهم رجال يشهدون معهم بمكة في المجامع والمحافل.

الثالث أنهم من أهل الشهادات في الحكومات يسمع قولهم ويعتد بهم.

وأما عددهم فعن مجاهد: عشرة وقيل: ثلاثة عشر وقيل: سبعة كلهم رجال: الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس.

قال جار الله: أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام وعمارة.

قلت: إنه أبقى الوليد بن الوليد في حوزة الكفرة وهو مسلم حسن الإسلام مشهور الصحبة كما ذكره رشيد الدين الوطواط في رسالته، وصاحب سر السلف سيد الحفاظ أبو القاسم فيه أن الوليد بن الوليد ابن المغيرة كان من المستضعفين حبسه المشركون فدعا النبي  في قنوته: اللهم أنج الوليد ابن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام.

ثم قدم المدينة فتوفى بها فكفنه رسول الله  في قميصه وكانت أم سلمة تندبه.

أبكى الوليد بن الوليد بن المغيرة *** أبكى الوليد بن الوليد أخا العشيرة وقال ابن الأثير في أحاديث رسول الله  مؤلف كتاب " جامع الأصول ": هو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي أخو خالد بن الوليد، أسر يوم بدر كافراً وفداه أخواه خالد وهشام، فلما فدى أسلم فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي؟

فقال: كرهت أن تظنوا أني أسلمت جزعاً من الإسار فحبسوه بمكة وكان النبي  يدعو له في القنوت مع من يدعو له من المستضعفين بمكة ثم أفلت من أيديهم ولحق بالمدينة.

والعجب من جار أنه ذكر في سورة الزمر في تفسيره قوله ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ أن الوليد أسلم وأسلم معه نفر هاجروا ثم إنه أبقاه ههنا في بقية الكفار.

قوله ﴿ ومهدت له تمهيداً ﴾ أي وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه فأتممت عليه نعمتي المال والجاه، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا حتى جعلوه دعاء الخير فيما بينهم قائلين " أدام الله تأييدك وتمهيدك " أي بسطتك وتصرفك في الأمور.

وكان الوليد من وجهاء قريش وصناديدهم ولذلك لقب بالوحيد وريحانة قريش.

ومعنى " ثم " في قوله ﴿ ثم يطمع أن أزيد ﴾ استبعاد وتعجب من طمعه وحرصه على الزيادة بعد أن لم يعرف حق بعض ما أوتي.

قال الكلبي ومقاتل: ثم يرجو أن أزيد في ماله وولده وقد كفر بي.

وقيل: إن تلك الزيادة في الآخرة كأن يقول إن كان محمد صادقاً فما خلقت الجنة إلا لي.

ثم قال الله  ﴿ كلا ﴾ حتى افقتر ومات فقيراً.

ثم علل الرجع على وجه الاستئناف كأن قائلاً قال: لم لا يزداد؟

فقال: لأنه ﴿ كان لآياتنا عنيداً ﴾ معانداً والكافر لا يستحق المزيد ولا سيما إذا كان كفره أفحش أنواعه وهو كفر العناد، ومما يدل على أن كفره كفر عناد بعدما حكينا عنه ما روي أن الوليد مر برسول الله  وهو يقرأ حم السجدة فرجع وقال لبني مخزوم: والله لقد سمعت آنفاً من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن.

إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى، ولا ريب أن من عرف هذا القدر ثم زعم أن القرآن سحر فإنه يكون معانداً، والعنيد هو الذي كان العناد خلقه وديدنه فلشدة عناده وصفه الله  به.

وتقديم الظرف يدل على أن عناده كان مختصاً بآيات الله وإن كان تاركاً للعناد في سائر الأمور.

وفي جمع الآيات إشارة إلى أنه كان منكراً للتوحيد والنبوة والبعث وغير ذلك من دلائل الدين ومعجزاته ولهذا أوعده الله  أشد الوعيد قائلاً ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ أي سأصعده عقبة شاقة المصعد وفيه قولان: أحدهما الظاهر وهو ما روي عن النبي " الصعود جبل من نار يصعد فيه خمسين خريفاً ثم يهوي فيه كذلك أبداً " وعنه  " يكلف أن يصعد عقبة من النار كلما وضع عليها يده ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت فإذا رفعها عادت " الثاني إنه مثل لما سيلقى من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق كما مر في قوله ﴿ يسلكه عذاباً صعداً  ﴾ ثم فسر كيفية عناده بقوله ﴿ إنه فكر ﴾ ماذا يقول في القرآن ﴿ وقدر ﴾ في نفسه كلاماً ﴿ فقتل كيف قدر ﴾ وهذا الكلام مما ينطق به العرب عند التعجب والإستعظام يقولون: قتله الله ما أشجعه.

وقاتله ما أشعره، وأخزاه ما أظرفه.

والمراد أنه قد بلغ المبلغ الذي حق له أن يحسد فيدعى عليه والمعنى في الآية التعجب من قوة خاطره.

أنه كيف استنبط هذه الشبهة في أمر محمد  بحيث وافق غرض قريش كما حكينا وهي بالحقيقة ثناء على طريق الإستهزاء.

ومعنى ﴿ ثم ﴾ الداخلة في تكرير الدعاء الدلالة على أن التعجب في الكرة الثانية أبلغ من الأولى، أو هي حكاية لما كرره من قوله تعالى ﴿ قتل كيف قدر ﴾ ويجوز أن يكون التقدير الأخير تقديراً للتقدير أي ينظر فيه بتمام الإحتياط فهذا ما يتعلق بأحوال قلبه.

ثم وصفه بأحوال ظاهره قائلاً ﴿ ثم نظر ﴾ في وجوه القوم ﴿ ثم عبس وبسر ﴾ قال الليث: عبس عبوساً إذا قطب ما بين عينينه فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل: كلح ﴿ واستكبر ﴾ عن الإيمان ويحتمل أن يقال: قدر ما يقوله ثم نظر فيه احتياطاً والدعاء بينهما اعتراض، ثم قطب في وجه النبي ثم أدبر عن الحق واستكبر عنه.

ومعنى " ثم " في هذه الأفعال سوى فعل الدعاء الثاني المهلة.

والفاء في قوله  ﴿ فقال ﴾ للدلالة على أنه كما تولى واستكبر ذكر هذه الشبهة، أو أن الكلمة لما خطرت بباله بعد التفكر لم يتمالك أن نطق بها من غير تراخ.

وقوله ﴿ يؤثر ﴾ من الأثر بالسكون الرواية كما مر أو من الإيثار أي هو مختار على جميع أنواع السحر.

قوله ﴿ إن هذا إلا قول البشر ﴾ جار مجرى التوكيد من الجملة الأولى ولهذا لم يتوسط العاطف بينهما.

أراد بذلك أنه ملفوظ من كلام غيره.

ومن تأمل في هاتين الجملتين عرف أنه حكاية كلام مفتخر غير خاف عليه وجوه الحيل ودفع الحق الصريح ولذلك جازاه الله بقوله ﴿ سأصليه سقر ﴾ ولعله بدل من قوله ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ ثم قال ﴿ وما أدراك ما سقر ﴾ والمراد التهويل: ثم بينه بقوله ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ قال بعضهم: معناهما واحد والتكرير للمبالغة.

وقال آخرون: لا بد من الفرق: فروى عطاء عن ابن عباس أنها لا تبقي من الدم واللحم والعظم شيئاً فإذا أعيدوا خلقاً جديداً فلا تترك إحراقهم وهكذا أبداً.

وقيل: لا تبقي من المستحقين للعذاب إلا عذبتهم، ثم لا تذر من أبدان أولئك المعذبين شيئاً إلاّ أحرقته.

وقيل: لا تبقى على شيء ولا تذر من قوتها شيئاً إلا استعملته والتقدير هي لا تبقى بدليل قوله خبراً بعد خبر ﴿ لواحة ﴾ ويجوز أن يكون هذا خبراً لمبتدأ آخر.

قال أكثر المفسرين: هي من لاحه العطش ولوحه أي غيره وذلك أنها تسود البشرة وهي أعلى الجلود بإحراقها.

واعتراض الحسن والأصم بأن وصفها بالتغيير لا يناسب بعد قوله ﴿ لا تبقى ولا تذر ﴾ نعم لو عكس الترتيب لاتجه لأنها تغير البشرة أولاً ثم تفنيها، فمعنى لواحة لماعة من لاح البرق ونحوه يلوح إذا لمع والبشر بمعنى الإنسان وذلك أنها تظهر لهم من مسيرة خمسمائة عام.

ثم بين أن عدد الخزنة الموكلين عليها ﴿ تسعة عشر ﴾ فترك المميز فقيل صنفاً.

والأكثرون شخصاً مالك وثمانية عشر أعينهم كالبرق وأنيابهم كالصياصي يجرون أشعارهم يخرج اللهب والنار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر، نزعت الرأفة والرحمة منهم يأخذ أحدهم سبعين ألفاً في كفه ويرميهم حيث أراد من جهنم.

وذكر العلماء في تخصيص هذا العدد وجوها فقال المتشرعون: هذا مما لا يصل إليه عقول البشر كأعداد السموات والأرضين والكواكب وأيام السنة والشهور.وكأعداد الزكاة والكفارات والصلوات.

وقيل: إن العدد على وجهين: قليل وهو من الواحد إلى التسعة، وكثير وهو من العشرة إلى ما لا نهاية، فجمع بين نهاية القليل وبداية الكثير.

وقيل: إن ساعات اليوم بليلته أربع وعشرون، خمس منها تركت لأجل الصلوات الخمس والباقية لكل منها يعذب من يضيعها في غير حق الله.

وقيل: إن أبواب جهنم سبعة، وله للفساق زبانية زبانية واحدة بسبب ترك العمل، ولكل من الأبواب الباقية ثلاثة أملاك لأن الكفار يعذبون لأجل أمور ثلاثة: ترك الاعتقاد وترك الإقرار وترك العمل.

قال الحكيم: إن فساد النفس الإنسانية في قوتها النظرية والعملية هو بسبب استعماله القوى الحيوانية والطبيعية لا على وجهها.

والقوى الحيوانية الشهوة والغضب.

والحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة.

والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، فلما كان منشأ الإفادة هذه القوى التسع عشر لا جرم كان عدد الزبانية كذلك.

يروى أنه لما نزلت الآية قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟

فقال المسلمون: ويحكم أتقاس الملائكة بالحدادين أي السجانين؟

وجرى هذا مثلاً في كل شيئين لا يسوىّ بينهما وأنزل الله  ﴿ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ﴾ أي وما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون ويرحمون فإن الجنسية مظنة الرأفة ولذلك جعل النبي  من جنس الأمة ليكون بهم رؤفاً رحيماً.

ولا استبعاد في كون الملائكة في النار غير معذبين بناء على القول بالفاعل المختار، ولعلهم غلبت عليهم النارية فصارت لهم طبعاً كالحيوانات المائية.

وقوله ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ﴾ الآية.

هو على مذهب أهل السنة ظاهر، وأما على أصول المعتزلة فقال الجبائي: المراد بالفتنة تشديد التعبد، استدلوا به على كمال قدرة الله  وقال الكعبي: هي الإمتحان فيؤمن المؤمن بالمتشابه ويفوض حكمة التخصيص بهذا العدد إلى الخالق، والكافر يعترض عليه.

وقال: بعضهم: أراد ما وقعوا فيه من الكفر بسبب إنكارهم والتقدير إلا فتنة على الذين كفروا، وحاصله يرجع إلى ترك الألطاف.

وأجيب عن هذه التأويلات بأن تنزيل المتشابهات لا بد أن يكون له أثر في تقوية داعية الكفر وإلا كان إنزالها كلا إنزال.

ومع هذا الترجيح لا يحصل الإيمان ألبتة وهو المعنى بالإضلال.

واعلم أن في الآية دلالة على أنه  جعل افتتان الكافر بعدد الزبانية سبباً لأمور أربعة: أولها ﴿ ليستيقن ﴾ ثانيها ﴿ ويزداد ﴾ ثالثها ﴿ ولا يرتاب ﴾ رابعها ﴿ وليقول ﴾ وفيه إشكال.

قال جار الله: ما جعل افتتانهم بالعدد سبباً ولكنه وضع ﴿ فتنة ﴾ موضع ﴿ تسعة عشر ﴾ تعبيراً عن المؤثر باللفظ الدال على الأثر تنبيهاً على أن هذا الأثر من لوازم ذلك المأثر.

وقال آخرون: تقديره وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للكافرين وإلا ليستيقن كما يقال: فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك.

قالوا: والعاطف يذكر في هذا الموضع تارة ويحذف أخرى.

وأما سبب إستيقان أهل الكتاب فهو أنهم قرؤا هذا العدد في كتابهم ولكنهم ما كانوا واثقين لتطرق التحريف إلى كتابهم.

فلما سمعوا ذلك في القرآن تيقنوا بصحة نبوة محمد  لأنه أخبرهم بما في كتابهم من غير سابقة دراسة وتعلم.

ولأنه أخبر كفار قريش بهذا الأمر الغريب من غير مبالاة باستهزائهم وتكذيبهم فعرفوا أنه من قبيل الوحي وإلا لم يجترىء على التكلم به خوفاً من السخرية.

وأما زيادة إيمان المؤمنين فحمل على آثاره ولوازمه ونتائجه.

وأما نفي الارتياب عن أهل الكتاب والمؤمنين بعد إثبات الاستيقان وزيادة الإيمان لهم فمن باب التوكيد كأنه قيل: حصل لهم يقين جازم بحيث لا يحصل بعده شك وريب.

فإن الذي حصل له اليقين قد يغفل عن مقدمة من مقدمات الدليل فيعود له الشك.

وفيه أيضاً تعريض بحال من عداهم كأنه قيل: وليخالف حالهم حال المرتابين من أهل الزيغ ولكفران، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم أهل النفاق الذين أحدثوا بعد ذلك لأن السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق وإنما حدث بالمدينة، ففي الآية إخبار بالغيب وقد وقع مطابقاً فكان معجزاً.

واللامات في الأمور الأربعة للغاية عند الأشاعرة، والمعتزلة يسمونها لام العاقبة وقد مر في مواضع.

وقوله ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ إلى قوله ﴿ من يشاء ﴾ قد مر في " البقرة".

وجعل مثل هذا العدد مثلاً لغرابته حيث لم يقل عشرين وسواه والمعنى أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب مع أنهم منكرون له من أصله.

والكاف في ﴿ كذلك ﴾ منصوب المحل أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل ويهدي.

قوله ﴿ وما يعلم جنود ربك ﴾ إشارة إلى أن ما عليه عدد الخزنة لا يعلم حكمته ولا حكمة ما عليه كل جند من العدد إلى حين الأبد إلا الله  كما يقوله أهل الحق وقد مر.

وقيل: إن القوم قد استقلوا ذلك العدد فقال  في جوابهم: هبوا أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن لكل واحد من الأعوان والجنود ما لا يحصيهم إلا الله ﴿ وما يعلم جنود ربك ﴾ لفرظ كثرتها ﴿ إلا هو ﴾ فلا يعسر عليه تتميم الخزنة عشرين وأزيد ولكن له في هذا العدد حكمة اختص هو بمعرفتها.

قوله ﴿ وما هي إلا ذكرى ﴾ متصل بوصف سقر.

وقوله ﴿ وما جعلنا أصحاب النار ﴾ إلى ههنا اعتراض أي وما سقر وصفتها إلا موعظة للناس.

ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابهات وهي ذكرى لجميع العالمين وإن لم ينتفع بها إلا أهل الإيمان وقوله ﴿ كلا ﴾ قيل: إنكار لأن يكون للكفار ذكرى لأنهم لا يتذكرون أو ردع لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيراً، أو ردع لقول أبي جهل وأصحابه أنهم يقدرون على مقاومة خزنة النار، أو ردع لهم عن الإستهزاء بالعدة المخصوصة.

وقد مر أنه يجوز أن يكون بمعنى حقاً تأكيداً للقسم بعده.

قال الفراء: دبر وأدبر بمعنى واحد كقبل وأقبل.

روى بعضهم أن ابن عباس كان يعيب قراءة الثلاثي ويقول: إنما يدبر ظهر البعير.

وفي صحة الرواية نظر لأن القراآت السبع كلها متواترة.

قال الواحدي: والقراءتان عند أهل اللغة سواء ومنه أمس الدابر.

وعلى هذا يكون دبور الليل وإدباره وإسفار الصبح أي إضاءته كشيء واحد.

قال أبو عبيدة وابن قتيبة: هو من دبر الليل النهار إذا خلفه.

ثم قال ﴿ إنها ﴾ أي إن سقر التي جرى ذكرها ﴿ لإحدى ﴾ البلايا أو الدواهي ﴿ الكبر ﴾ جمع الكبرى.

قال جار الله: جعلت ألف التأنيث كتائها فكما جمعت " فعلة " على " فعل " جمعت " فعلى " عليه.

ونظير ذلك" السوافي " في جمع " السافياء " وهو التراب الذي يسفيه الريح.

" والقواصع " في جمع " القاصعاء " كأنها فاعلة.

وقال المفسرون: المراد من الكبر دركات جهنم وهي سبع: جهنم ولظى والحطمة وسعير وسقر والجحيم والهاوية.

فعلى هذا معنى كون سقر إحداهن ظاهر.

وقال أهل المعاني: أراد أنها من بين الدواهي واحدة في العظم لا نظير لها ﴿ ونذيراً ﴾ تمييز من إحدى أي إنها لإحدى الدواهي إنذاراً كما تقول: هي إحدى النساء عفافاً وقيل ﴿ نذيراً ﴾ حال ومن غريب التفسير أن ﴿ نذيراً ﴾ متصل بأول السورة أي قم فأنذر نذيراً.

ثم قال ﴿ لمن شاء ﴾ السبق أو هو خبر وما بعده وهو ﴿ أن يتقدم أو يتأخر ﴾ مبتدأ كقولك لمن توضأ أن يصلي أنه مطلق لمن شاء السعي إلى الخير أو التخلف عنه.

" أو " للتهديد كقوله ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ لمن شاء ﴾ بدلاً من قوله ﴿ للبشر ﴾ أي إنها منذرة للذين إن شاؤا تقدموا ففازوا وإن شاؤا تأخروا فهلكو.

واستدلال المعتزلة على أن العبد مختار ظاهر، والأشاعرة يحملونه على التهديد أو على أن فاعل شاء هو الله  أي لمن شاء الله منه التقدم أو التأخر.

سلمنا أن الفاعل ضمير عائد إلى من لكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله لقوله ﴿ وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ﴾ .

ثم أكد المعنى المتقدم بقوله ﴿ كل نفس بما كسبت رهينة ﴾ أي ليس لامرىء إلا جزاء عمله كما مر نظيره في " الطور " قال النحويون: التاء في رهينة ليست للتأنيث لأن " فعيلاً " بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي إسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم.

وأقول أيضاً: يحتمل أن تكون التاء للمبالغة ﴿ إلا أصحاب اليمين ﴾ فإنهم فكوا رقابهم عن الرهب بسبب أعمالهم الحسن كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق.

قال الكلبي: هم الذين كانوا على يمين آدم.

وقال ابن عباس: هم الملائكة.

وعن علي  وابن عمر: هم الأطفال.

قال الفراء: هذا القول أشبه بالصواب لأن الولدان لم يكتسبوا إثماً يرتهنون به، ولأنه  ذكر فيهم أنهم يتساءلون عن حال المجرمين وهذا إنما يليق بالولدان الذين لايعرفون موجب دخول النار والأولون حملوا السؤال على التوبيخ والتخجيل.

قال في الكشاف: معنى التساؤل عنهم أنهم يسأل بعضهم بعضاً عن حالهم.

أو يتساءلون غيرهم عنهم كقولك " دعوته أنا وتداعيناه نحن ".

ثم زعم أن الوجه في قوله ﴿ ما سلككم ﴾ على الخطاب مع أن سياق الكلام يقتضي الغيبة هو أنه حكاية قول المسؤلين لأن المسؤلين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون قلنا لهم ما سلككم ﴿ في سقر ﴾ وقال غيره: المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم، فلما رأوهم قالوا لهم ما سلككم؟

وأقول: ولو فرض التكلم مع المجرمين زال الإشكال أي يتساءلون عن حال المجرمين أي عن حال أنفسهم وليس فيه إلا وضع المظهر مكان الضمير.

وهذا التكرار مما جاء في القرآن وغيره من فصيح الكلام شائعاً ذائعاً كقوله ﴿ فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا  ﴾ " أن يسألوا الحق يعطي الحق سائله".

وإذا جاز ذلك مع التصريح بهما فكيف لم يجز وأحدهما محذوف؟

وهذا من غرائب نظم القرآن وفصاحته غير بعيد، والمعنى ما أدخلكم في هذه الدركة من النار؟

فأجابوا بأن ذلك لأمور أربعة: أحدها ترك الصلاة، والثاني ترك إطعام المسكين.

قال العلماء: يجب أن يحمل هذان على الصلاة والصدقة الواجبتين وإلا لم يجز العذاب على تركهما.

الثالث الشروع في الأباطيل مع أهلها كإيذاء أهل الحق وكل ما لا يعني المسلم.

الرابع التكذيب بالبعث والجزاء إلى حين عيان الموت وأمارات ظهور نتائج أعمال المكلف عليه، وقد يستدل بالآية على أن الكفار معذبون بفروع الشرائع كما يعذبون بأصولهما كالتكذيب بيوم الدين.

وإنما أخر لأنه أعظم الذنوب أي إنهم بعد ذلك كله يكذبون بهذا الأصل كقوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا  ﴾ ويجوز أن يكون سبب التأخير أنه آخر الأصول فأوّلها المبدأ وآخرها المعاد.

وأيضاً أراد أن يرتب عليه قوله ﴿ حتى أتانا اليقين ﴾ وهو آخر حالات المكلف فلو قدم لم يحسن معنى ولا لفظاً لوقوع الفصل بين المعطوفات.

قال في الكشاف: يحتمل أن كل واحد منهم دخل النار لمجموع هذه الأربع، أو دخلها بعضهم ببعضها والباقون بسائرها أو بكلها.

قلت: إنهم جميعاً مستوون في الدركة والظاهر أنهم دخلوها بمجموع الأمور، ثم بين غاية خسرانهم بقوله ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ وفيه دليل على أن غيرهم تنفعهم الشفاعة وذلك لغير الفساق عند المعتزلة، وفائدة الشفاعة زيادة درجاتهم أو العفو عن صغائرهم، ثم وبخهم بقوله ﴿ فمالهم عن التذكرة ﴾ أي عن القرآن الذي هو سبب الموعظة ﴿ معرضين ﴾ حال نحو مالك قائماً ﴿ كأنهم حمر مستنفرة ﴾ من قرأ بكسر الفاء فمعناه الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها، وفي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة ونداء عليهم بالبلادة والغباوة وعدم التأثر من مواعظ القرآن بل صار ما هو سبب لاطمئنان القلوب موجباً لنفرتهم، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ولا سيما إذا رابها ريب ولهذا وصف الحمر بقوله ﴿ فرت من قسورة ﴾ وهى إسم جمع للرماة أو إسم جنس للأسد وهو القهر والغلبة، وقال ابن عباس: هي ركز الناس وأصواتهم.

وعن عكرمة: ظلمة الليل.

ومن قرأ بفتح الفاء فهي المحمولة على النفار.

ورجح بعضهم قراءة الكسر بناء على أن الفرار يناسب النفار.

ذكر المفسرون أنهم قالوا لرسول الله: لا نتبعك حتى تأتي لكل واحد منا بكتب من السماء بصحف عنوانها من رب العالمين.

إلى فلان ابن فلان نؤمر فيها باتباعك.

وروى بعضهم أنهم قالوا: إن كان محمداً صادقاً فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة وأمنة من النار فأنكر الله  فقال: ﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتي صحفاً منشرة ﴾ أي قراطيس منتشرة تقرأ كسائر الصحف، أو منتشرة على أيدي الملائكة أنزلت ساعة كتبت قبل أن تطوى.

وقيل: كانوا يقولون: بلغنا أن بني إسرائيل كان الرجل منهم يصبح مكتوباً على رأسه ذنبه وكفارته فائتنا بمثل ذلك.

فعلى هذا المراد بالصحف الكتابات الظاهرة المكشوفة.

ثم زجرهم عن اقتراح الآيات فقال ﴿ كلا بل لا يخافون الآخرة ﴾ فلذلك أعرضوا عن التذكرة.

ثم وصف القرآن بأنه موعظة بليغة وتذكر شاف ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ وتذكير الضمير ههنا وفي إنه بتأويل الذكر أوالقرآن.

ثم بين السبب الأصلي في عدم التذكرة قائلاً ﴿ وما يذكرون إلا أن يشاء الله ﴾ واستدلال الأشعري به ظاهر، والمعتزلة حملوه على مشيئة القسر والإلجاء.

ثم ختم السورة بذكر ما ينبىء عن كمال الهيبة وهو صفة القهر الذي بسببه يجب أن يتقى، وصفه اللطف الذي به يجب أن يرجى، والله الموفق للصواب وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ : جائز أن يكون تأويله: ما لهم معرضين عن ذكر ما لهم، و[ما] عليهم، وعما إليه مآلهم ومنقلبهم؛ وذلك يكون في الرسول وفي القرآن؛ لأن كل واحد منهما يذكر للمرء ما له وعليه، والله أعلم.

وجائز أن يكون تأويله: فما لهم عما به يشرف قدرهم، ويصيرون به مذكورين في الملأ الأعلى - معرضين؛ وذلك يكون في طاعته، والإقبال على عبادته، وهو كقوله  : ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ  ﴾ معناه: أنكم تصيرون به مذكورين، ويعظم قدركم لو ابتعتموه، ولم تضيعوا حرمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ﴾ .

بنصب الفاء وخفضه.

فمن قرأ بخفض الفاء صرف الفعل إليها، كأنه يقول: حمر نافرة، ونفر واستنفر واحد؛ كما يقال: استرقد القوم، أي: رقدوا.

ومن قرأ بنصب الفاء، فتأويله: أنه فعل بها ما يحملها على النفار، وذلك يكون بالرمي وبالقانص من الأسد، كما ذكره أهل التفسير في تأويل القسورة هي الأسد، أو الرماة، أو الصيادون.

ويقال: هي النفرة، وكان هذا تشبيها بالحمر الوحشية التي في طبعها النفار.

ووجه التقريب هو أن هؤلاء أعرضوا عما في الإقبال عليه نجاتهم وتخلصهم من العطب، ونفروا كنفار الحمر المستنفرة من العطب والهلاك.

وفي هذه الآية تبين شدة سفههم وغاية جهلهم؛ لأن الحمر تنفر عن القانص والرامي والأسد؛ لتسلم من الهلاك والعطب، وهؤلاء الكفرة نفروا عما فيه نجاتهم إلى ما فيه هلاكهم وعطبهم؛ فهم أشر من الحمير وأضل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إن المشركين قالوا: يا محمد، بلغنا أن الرجل في بني إسرائيل كان إذا أذنب ذنبا، فيصبح، وجد صحيفة معلقة على باب داره أو مكتوبا عند رأسه: إنك أذنبت كذا.

وزاد بعضهم: إنك أذنبت كذا، وتوبتك كذا.

وسالوا النبي  أن يجعلهم كذلك؛ فأخبر الله  ذلك عنهم، ثم آيسهم عن ذلك، فقال: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، أي: لا تنالون ما تأملون.

وقال قتادة: قالوا: يا محمد إنْ سَرَّك أن نتبعك فائت كل واحد منا بصحيفة خاصة: إلى فلان بن فلان، تأمرنا فيها باتباعك.

وقيل: سألوا أن يؤتوا ببراءة بغير عمل.

ولكن لا يجب قطع الأمر على واحد من هذه التأويلات، بل يقال بها على جهة الإمكان والاحتمال؛ لأن هؤلاء المفسرين لم يشاهدوا أولئك القوم الذين صدرت منهم هذه الإرادة؛ ليخبروهم ماذا أرادوا به؟

حتى يثبت ما ذكروا من القصة والأخبار، ولا تواترت الأخبار من عند ذي الحُجَّة النبي  : أنهم سألوه ذلك؛ لذلك لم يستقم قطع الأمر على ما ذكروا.

وجائز أن تكون هذه الإرادة تحققت في بعض الكفرة وهم الرؤساء منهم والأكابر، لا أن أراد كلٌّ في ذات نفسه أن يؤتى صحفا منشرة.

والإرادة هاهنا عبارة عن الطلب، ثم طلبهم ما ذكر يتوجه إلى أوجه ثلاثة: أحدها: أن يكون كل واحد من عظمائهم ود أن يكون [هو] المخصوص بإنزال الكتاب عليه؛ كما قال في آية أخرى: ﴿ وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ ٱللَّهُ  ﴾ ؛ فيكون في هذا إظهار استكبارهم على رسول الله  ، على جهة التعنت والعناد؛ ليصير ذلك آية لهم في تحقيق رسالة النبي  ، كما قال الله  حكاية عنهم: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً...

﴾ إلى قوله: ﴿ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ  ﴾ ، ففي هذه الآية إبانة أنهم كانوا يطلبون إنزال الكتاب عليهم؛ ليتقرر لديهم رسالة [ببينا] محمد  ، وكان ذلك على جهة التعنت والعناد؛ وإلا لو تفكروا في حاله أداهم ذلك إلى العلم برسالته من غير أن يحتاجوا إلى تثبيت رسالته بكتاب ينزل عليهم، والله أعلم.

وجائز أن يكونوا رأوا أكابرهم أحق بالرسالة من رسول الله  ، وأولى بإنزال الكتاب عليهم؛ لما رأوهم أفضل من رسول الله  ، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا  ﴾ ، فأرادوا أن يؤتوا صحفا منشرة لهذا المعنى؛ إذ هم أولى أن يخصوا بهذه الفضيلة.

وإنما ذكرنا هذه التأويلات في هذه الآية؛ لأن هذه المعاني التي ذكرناها قد ظهرت منهم بمتلو القرآن، والتأويلات التي ذكرها أهل التفسير لا يتهيأ تثبيتها من جهة الكتاب ولا من جهة الإخبار عن رسول الله  ؛ فصارت هذه التأويلات أمكن وأملك بالآية من غيرها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلآخِرَةَ ﴾ : إن الذي حملهم على الطلب بأن يؤتى كل منهم صحفا منشرة إعراضهم عن الإيمان بالآخرة؛ وإلا لو آمنوا بها، لكان إيمانهم بها يحملهم على ترك العناد والتعنت، وعلى ترك الجسر على رسول الله  ويدعوهم إلى الإذعان للحق.

وقوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ﴾ سنذكر معنى هذه الآية في سورة "عبس وتولى"، وسنذكر معنى قولخ: ﴿ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ في سورة "إذا الشمس كورت".

وقوله: ﴿ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ ﴾ : فأهل التأويل صرفوا قوله ﴿ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ إلى الله  .

وجائز أن يصرف إلى البشر.

فإن كان المراد من قوله - عز وجل - ﴿ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ : البشر؛ فيكون معنى قوله: ﴿ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ ، أي: الذي يقوم بالذكر؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا  ﴾ ، فجعل الذين ألزمهم كلمة التقوى من أهل التقوى، وإن كان المراد من قوله: ﴿ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ ، أي: الله -  وتعالى - فتأويله أنه أهل أن يتقي الزلة والعثرة في حقوقه  .

والوجه فيه أن المرء في الشاهد إنما يتقي الزلة والعثرة إلى آخر؛ لإحدى خصال ثلاث: إحداها: لما يرى من افتقاره وحاجته إليه؛ فيتقي العثرة إليه؛ تبجيلات وتعظيما.

أو يتقي زلته؛ ذلك لما يرى من قدرته وسلطانه على الانتقام منه.

أو يتقي زلته؛ لكثرة نعمه وأياديه؛ استحياء منه.

وإذا كانت هذه الأشياء هي الداعية إلى الاتقاء، فإن الخلائق بأجمعهم مفتقرون ومحتاجون إلى الله  ، وله القدرة والسطان عليهم، وهو المنعم المتفضل على كل أحد، فهو أهل أن يعظم ويوقر، وأن يخاف نقمته، ويستحيا منه، ومن اتقى صار أهل لأن يغفر [له].

وجائز أن يكون معنى قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ ، أي: هو أ هل لأن يسأله منه ما يتقي [به] من النار بقوله  : ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ ، ثم علمنا وجه الاتقاء بقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ  ﴾ ، فبين أن الاتقاء أن يفزع إلى الله  ، ويتضرع إليه، ليتقي بفضله ورحمته، وقال: ﴿ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً  ﴾ ، فأمرنا  - بالمناصبة مع الشيطان؛ للمحاربة، وأخبر أن محاربته أن نفزع إلى الله -  - بالاستعاذة بقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ ، وقال فقي آية أخرى: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ...

﴾ الآية [المؤمنون: 97]، فهو أهل أن يطلب منه ما يقتي به، وأهل أن يستعاذ به؛ لدفع كيف العدو.

﴿ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ ﴾ ، أي: أهل أن يطلب منه المغفرة، جعلنا الله -  - من أ هل التقوى والذين من عليهم بالمغفرة.

وقال بعضهم: ﴿ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ ﴾ ، أي: هو أهل أن يتقي عنه، وأهل أن يغفر لمن اتقاه، والله المستعان.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما يتعظون إلا أن يشاء الله أن يتعظوا، هو سبحانه أهل لأن يُتَّقى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأهل لأن يغفر ذنوب عباده إذا تابوا إليه.

مزيد من التفاسير لسورة المدثر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله