الآية ٢٤ من سورة النبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 78 النبأ > الآية ٢٤ من سورة النبأ

لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًۭا وَلَا شَرَابًا ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 114 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة النبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة النبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي لا يجدون في جهنم بردا لقلوبهم ولا شرابا طيبا يتغذون به.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا) يقول: لا يطعمون فيها بردا يبرد حرّ السعير عنهم، إلا الغساق، ولا شرابا يرويهم من شدّة العطش الذي بهم، إلا الحميم.

وقد زعم بعض أهل العلم بكلام العرب أن البرد في هذا الموضع النوم، وأن معنى الكلام: لا يذوقون فيها نوما ولا شرابا، واستشهد لقيله ذلك بقول الكنديّ: بَــرَدَتْ مَرَاشِــفُها عَـليَّ فَصَـدَّني عَنْهــا وَعَــنْ قُبُلاتِهــا الــبَرْدُ (8) يعني بالبرد: النُّعاس، والنوم إن كان يُبرِد غليلَ العطش، فقيل له من أجل ذلك البرد فليس هو باسمه المعروف، وتأويل كتاب الله على الأغلب من معروف كلام العرب، دون غيره.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع (لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا) فاستثنى من الشراب الحميم، ومن البَرْد: الغَسَّاق.

---------------------- الهوامش : (8) نسبه المؤلف للكندي .

( وقال : إن المراد بالبرد ، هو النعاس ، على ما قاله بعض العارفين بكلام العرب .

وفي اللسان : برد ) قال الأصمعي : قلت لأعرابي : ما يحملكم على نومة الضحى ؟

قال : إنها مبردة في الصيف .

مسخنة في الشتاء .

ا هـ .

وقال الأزهري في قوله تعالى : { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا } روى عن ابن عباس قال : لا يذوقون فيها برد الشراب ولا الشراب .

قال : وقال بعضهم : " لا يذوقون فيها برداً " ، يريد نوما ، وإن النوم ليبرد صاحبه ، وإن العطشان لينام فيبرد بالنوم " .

ا هـ .

والقول الأخير هو قول الفراء في ( معاني القرآن 355 ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا يذوقون فيها أي في الأحقاب بردا ولا شرابا البرد : النوم في قول أبي عبيدة وغيره ; قال الشاعر :ولو شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا برداوقاله مجاهد والسدي والكسائي والفضل بن خالد وأبو معاذ النحوي ; وأنشدوا قول الكندي :بردت مراشفها علي فصدني عنها وعن تقبيلها البرديعني النوم .

والعرب تقول : منع البرد البرد ، يعني : أذهب البرد النوم .قلت : وقد جاء الحديث أنه عليه الصلاة والسلام سئل هل في الجنة نوم .

فقال : " لا ; النوم أخو الموت ، والجنة لا موت فيها " فكذلك النار ; وقد قال تعالى : لا يقضى عليهم فيموتوا وقال ابن عباس : البرد : برد الشراب .

وعنه أيضا : البرد النوم : والشراب الماء .

وقال الزجاج : أي لا يذوقون فيها برد ريح ، ولا ظل ، ولا نوم .

فجعل البرد برد كل شيء له راحة ، وهذا برد ينفعهم ، فأما الزمهرير فهو برد يتأذون به ، فلا ينفعهم ، فلهم منه من العذاب [ ص: 157 ] ما الله أعلم به .

وقال الحسن وعطاء وابن زيد : بردا : أي روحا وراحة ; قال الشاعر [ حميد بن ثور ] :فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء أوقات العشي تذوقلا يذوقون فيها بردا ولا شرابا جملة في موضع الحال من الطاغين ، أو نعت للأحقاب ; فالأحقاب ظرف زمان ، والعامل فيه لابثين أو ( لبثين ) على تعدية فعل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهم إذا وردوها { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا } أي: لا ما يبرد جلودهم، ولا ما يدفع ظمأهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ) روي عن ابن عباس : أن البرد النوم ، ومثله قال الكسائي و [ قال ] أبو عبيدة ، تقول العرب : منع البرد البرد أي أذهب البرد النوم .

وقال الحسن وعطاء : " لا يذوقون فيها بردا " أي : روحا وراحة .

وقال مقاتل : " لا يذوقون فيها بردا " ينفعهم من حر ، " ولا شرابا " ينفعهم من عطش .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا يذوقون فيها بردا» نوما فإنهم لا يذوقونه «ولا شرابا» ما يشرب تلذذا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن جهنم كانت يومئذ ترصد أهل الكفر الذين أُعِدَّت لهم، للكافرين مرجعًا، ماكثين فيها دهورًا متعاقبة لا تنقطع، لا يَطْعَمون فيها ما يُبْرد حرَّ السعير عنهم، ولا شرابًا يرويهم، إلا ماءً حارًا، وصديد أهل النار، يجازَون بذلك جزاء عادلا موافقًا لأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا ) أى : فى جهنم ( بَرْداً ) أى : شيئا يخفف عنهم حرها ، من هواء بارد ، أو نسيم عليل ( وَلاَ شَرَاباً ) أى : شيئا من الشراب الذى يطفئ عطشهم ، ويخفف من عذابهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وثامنها: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ﴾ كلام أهل اللغة مضطرب في تفسير الوهاج، فمنهم من قال الوهج مجمع النور والحرارة، فبين الله تعالى أن الشمس بالغة إلى أقصى الغايات في هذين الوصفين، وهو المراد بكونها وهاجاً، وروى الكلبي عن ابن عباس أن الوهاج مبالغة في النور فقط، يقال للجوهر إذا تلألأ توهج، وهذا يدل على أن الوهاج يفيد الكمال في النور، ومنه قول الشاعر يصف النور: نوارها متباهج يتوهج *** وفي كتاب الخليل: الوهج، حر النار والشمس، وهذا يقتضي أن الوهاج هو البالغ في الحر واعلم أن أي هذه الوجود إذا ثبت فالمقصود حاصل.

أما المعصرات ففيها قولان: الأول: وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وقول مجاهد، ومقاتل والكلبي وقتادة إنها الرياح التي تثير السحاب ودليله قوله تعالى: ﴿ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً  ﴾ فإن قيل على هذا التأويل كان ينبغي أن يقال وأنزلنا بالمعصرات، قلنا: الجواب: من وجهين: الأول: أن المطر إنما ينزل من السحاب، والسحاب إنما يثيره الرياح، فصح أن يقال هذا المطر إنما حصل من تلك الرياح، كما يقال هذا من فلان، أي من جهته وبسببه الثاني: أن من هاهنا بمعنى الباء والتقدير، وأنزلنا بالمعصرات أي بالرياح المثيرة للسحاب ويروى عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعكرمة أنهم قرأوا (وأنزلنا بالمعصرات) وطعن الأزهري في هذا القول، وقال الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر، وقد وصف الله تعالى المعصرات بالماء الشجاج وجوابه: أن الإعصار ليست من رياح المطر، فلم لا يجوز أن تكون المعصرات من رياح المطر؟

القول الثاني: وهو الرواية الثانية عن ابن عباس واختيار أبي العالية والربيع والضحاك أنها السحاب، وذكروا في تسمية السحاب بالمعصرات وجوهاً أحدها: قال المؤرخ: المعصرات السحائب بلغة قريش.

وثانيها: قال المازني يجوز أن تكون المعصرات هي السحائب ذوات الأعاصير فإن السحائب إذا عصرتها الأعاصير لابد وأن ينزل المطر منها.

وثالثها: أن المعصرات هي السحائب التي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك: أجز الزرع إذا حان له أن يجز، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض، وأما الثجاج فاعلم أن الثج شدة الانصباب يقال: مطر ثجاج ودم ثجاج أي شديد الانصباب.

واعلم أن الثج قد يكون لازماً، وهو بمعنى الانصباب كما ذكرنا، وقد يكون متعدياً بمعنى الصب وفي الحديث أفضل الحج العج والثج أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدى، وكان ابن عباس مثجاً أي يثج الكلام ثجاً في خطبته وقد فسروا الثجاج في هذه الآية على الوجهين، وقال الكلبي ومقاتل وقتادة الثجاج هاهنا المتدفق المنصب، وقال الزجاج معناه الصباب كأنه يثج نفسه أي يصب.

وبالجملة فالمراد تتابع القطر حتى يكثر الماء فيعظم النفع به.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: كل شيء نبت من الأرض فإما أن لا يكون له ساق وإما أن يكون، فإن لم يكن له ساق فإما أن يكون له أكمام وهو الحب وإما أن لا يكون له أكمام وهو الحشيش وهو المراد هاهنا بقوله: ﴿ ونباتاً ﴾ وإلى هذين القسمين الإشارة بقوله تعالى: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم  ﴾ وأما الذي له ساق فهو الشجر فإذا اجتمع منها شيء كثير سميت جنة، فثبت بالدليل العقلي انحصار ما ينبت في الأرض في هذه الأقسام الثلاثة، وإنما قدم الله تعالى الحب لأنه هو الأصل في الغذاء، وإنما ثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات إليه، وإنما أخر الجنات في الذكر لأن الحاجة إلى الفواكه ليست ضرورية.

المسألة الثانية: اختلفوا في ألفافاً، فذكر صاحب الكشاف أنه لا واحد له كالأوزاع والأخياف، والأوزاع الجماعات المتفرقة والأخياف الجماعات المختلطة.

وكثير من اللغويين أثبتوا له واحداً، ثم اختلفوا فيه، فقال الأخفش والكسائي: واحدها لف بالكسر، وزاد الكسائي: لف بالضم، وأنكر المبرد الضم، وقال: بل واحدها لفاء.

وجمعها لف، وجمع لف ألفاف، وقيل يحتمل أن يكون لفيف كشريف وأشراف نقله القفال رحمه الله، إذا عرفت هذا فنقول قوله: ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ أي ملتفة، والمعنى أن كل جنة فإن ما فيها من الشجر تكون مجتمعة متقاربة، ألا تراهم يقولون امرأة لفاء إذا كانت غليظة الساق مجتمعة اللحم يبلغ من تقاربه أن يتلاصق.

المسألة الثالثة: كان الكعبي من القائلين بالطبائع، فاحتج بقوله تعالى: ﴿ لنخرج به حباً ونباتاً ﴾ وقال: إنه يدل على بطلان قول من قال إن الله تعالى لا يفعل شيئاً بواسطة شيء آخر.

اعلم أن التسعة التي عددها الله تعالى نظراً إلى حدوثها في ذواتها وصفاتها، ونظراً إلى إمكانها في ذواتها وصفاتها تدل على القادر المختار، ونظراً إلى ما فيها من الإحكام والإتقان تدل على أن فاعلها عالم، ثم أن ذلك الفاعل القديم يجب أن يكون علمه وقدرته واجبين، إذ لو كانا جائزين لافتقر إلى فاعل آخر ويلزم التسلسل وهو محال، وإذا كان العلم والقدرة واجبين وجب تعلقهما بكل ما صح أن يكون مقدوراً ومعلوماً وإلا لافتقر إلى المخصص وهو محال، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قادراً على جميع الممكنات عالماً بجميع المعلومات، وقد ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة في الجسمية فكل ما صح على واحد منها صح على الآخر، فكما يصح على الأجسام السلفية الانشقاق والانفطار والظلمة وجب أن يصح ذلك على الأجسام، وإذا ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة والعلم، ثبت أنه تعالى قادر على تخريب الدنيا، وقادر على إيجاد عالم آخر، وعند ذلك ثبت أن القول بقيام القيامة ممكن عقلاً وإلى هنا يمكن إثباته بالعقل، فأما ما وراء ذلك من وقت حدوثها وكيفية حدوثها فلا سبيل إليه إلا بالسمع، ثم إنه تعالى تكلم في هذه الأشياء بقوله: ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ ثم إنه تعالى ذكر بعض أحوال القيامة فأولها: قوله: ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ والمعنى أن هذا اليوم كان في تقدير الله، وحكمه جداً تؤقت به الدنيا، أو حداً للخلائق ينتهون إليه، أو كان ميقاتاً لما وعد الله من الثواب والعقاب، أو كان ميقاتاً لاجتماع كل الخلائق في فصل الحكومات وقطع الخصومات.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴾ .

اعلم أن ﴿ يوم ينفخ ﴾ بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان، وهذا النفخ هو النفخة التي عندها يكون الحشر، والنفخ في الصور فيه قولان: أحدهما: أن الصور جمع الصور، فالنفخ في الصور عبارة عن نفخ الأرواح في الأجساد والثاني: أن الصور عبارة عن قرن ينفخ فيه.

وتمام الكلام في الصور وما قيل فيه قد تقدم في سورة الزمر، وقوله: ﴿ فتأتون أفواجاً ﴾ معناه أنهم يأتون ذلك المقام فوجاً فوجاً حتى يتكامل اجتماعهم.

قال عطاء كل نبي يأتي مع أمته، ونظيره قوله تعالى: ﴿ يوم ندعوا كل أناس بإمامهم  ﴾ وقيل جماعات مختلفة، روى صاحب الكشاف عن معاذ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فقال عليه السلام: «يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور»، ثم أرسل عينيه وقال: «يحشر عشرة أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمى، وبعضهم صم بكم، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم.

فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس.

وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت.

وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا، وأما العمى فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران وأما المصلبون على جذوع من النار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هم أشد نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله تعالى من أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء».

وثالثها قوله تعالى: ﴿ وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴾ .

قرأ عاصم وحمزة والكسائي فتحت خفيفة والباقون بالتثقيل والمعنى كثرت أبوابها المفتحة لنزول الملائكة قال القاضي: وهذا الفتح هو معنى قوله: ﴿ إذا السماء انشقت  ﴾ ﴿ وإذا السماء انفطرت  ﴾ إذ الفتح والتشقق والتفطر، تتقارب، وأقول: هذا ليس بقوي لأن المفهوم من فتح الباب غير المفهوم من التشقق والتفطر، فربما كانت السماء أبواباً، ثم تفتح تلك الأبواب مع أنه لا يحصل في جرم السماء تشقق ولا تفطر، بل الدلائل السمعية دلت على أن عند حصول فتح هذه الأبواب يحصل التشقق والتفطر والفناء بالكلية، فإن قيل قوله: ﴿ وفتحت السماء فكانت أبواباً ﴾ يفيد أن السماء بكليتها تصير أبواباً، فكيف يعقل ذلك؟

قلنا فيه وجوه: أحدها: أن تلك الأبواب لما كثرت جداف صارت كأنها ليست إلا أبواباً مفتحة كقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ أي كأن كلها صارت عيوناً تتفجر.

وثانيها: قال الواحدي هذا من باب تقدير حذف المضاف، والتقدير فكانت ذات أبواب.

وثالثها: أن الضمير في قوله: ﴿ فكانت أبواباً ﴾ عائد إلى مضمر والتقدير فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً لنزول الملائكة، كما قال تعالى: ﴿ وجاء ربك والملك صفاً صفاً  ﴾ .

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴾ اعلم أن الله تعالى ذكر في مواضع من كتابه أحوال هذه الجبال على وجوه مختلفة، ويمكن الجمع بينها على الوجه الذي نقوله: وهو أن أول أحوالها الاندكاك وهو قوله: ﴿ وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة  ﴾ .

والحالة الثانية لها: أن تصير ﴿ كالعهن المنفوش  ﴾ وذكر الله تعالى ذلك في قوله: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ  وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ  وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ  ﴾ .

والحالة الثالثة: أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن وهو قوله: ﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّا  وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسًّا  فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنۢبَثًّا  ﴾ .

والحالة الرابعة: أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها وهو المراد من قوله: ﴿ فقل ينسفها ربي نسفاً  ﴾ .

والحالة الخامسة: أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعاً في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساماً جامدة وهي الحقيقة مارة إلى أن مرورها بسبب مرور الرياح بها (صيرها) مندكة متفتتة، وهي قوله: ﴿ تمر مر السحاب  ﴾ ثم بين أن تلك الحركة حصلت بقهره وتسخيره، فقال: ﴿ ويوم نسير الجبال  ﴾ ﴿ وترى الأرض بارزة  ﴾ .

الحالة السادسة: أن تصير سراباً، بمعنى لا شيء، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئاً، كما أن من يرى السراب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه فيه لم يجده شيئاً، والله أعلم.

واعلم أن الأحوال المذكورة إلى هاهنا هي: أحوال عامة، ومن هاهنا يصف أهوال جهنم وأحوالها.

المسألة الأولى: قرأ ابن يعمر: أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة، بأن جهنم كانت مرصاداً للطاغين، كأنه قيل كان كذلك لإقامة الجزاء.

المسألة الثانية: كانت مرصاداً، أي في علم الله تعالى، وقيل صارت، وهذان القولان نقلهما القفال رحمه الله تعالى، وفيه وجه ثالث ذكره القاضي، فإنا إذا فسرنا المرصاد بالمرتقب، أفاد ذلك أن جهنم كانت كالمنتظرة لمقدومهم من قديم الزمان، وكالمستدعية والطالبة لهم.

المسألة الثالثة: في المرصاد قولان: أحدهما: أن المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه، كالمضمار اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل، والمنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه، وعلى هذا الوجه فيه احتمالان: أحدهما: أن خزنة جهنم يرصدون الكفار والثاني: أن مجاز المؤمنين وممرهم كان على جهنم، لقوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها  ﴾ فخزنة الجنة يستقبلون المؤمنين عند جهنم، ويرصدونهم عندها.

القول الثاني: أن المرصاد مفعال من الرصد، وهو الترقب، بمعنى أن ذلك يكثر منه، والمفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمعمار والمطعان، قيل إنها ترصد أعداء الله وتشق عليهم، كما قال تعالى: ﴿ تكاد تميز من الغيظ  ﴾ قيل ترصد كل كافرة ومنافق، والقائلون بالقول الأول.

استدلوا على صحة قولهم بقوله تعالى: ﴿ إن ربك لبالمرصاد  ﴾ ولو كان المرصاد نعتاً لوجب أن يقال: إن ربك لمرصاد.

المسألة الرابعة: دلت الآية على أن جهنم كانت مخلوفة لقوله تعالى: ﴿ إن جهنم كان مرصاداً ﴾ أي معدة، وإذا كان كذلك كانت الجنة أيضاً كذلك، لأنه لا قائل بالفرق.

وفيه وجهان: إن قلنا إنه مرصاد للكفار فقط كان قوله: ﴿ للطاغين ﴾ من تمام ما قبله، والتقدير إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين، ثم قوله: ﴿ مآباً ﴾ بدل من قوله: ﴿ مرصاداً ﴾ وإن قلنا بأنها كانت مرصاداً مطلقاً للكفار وللمؤمنين، كان قوله: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ كلاماً تاماً، وقوله: ﴿ للطاغين مآباً ﴾ كلام مبتدأ كأنه قيل إن جهنم مرصاد للكل، ومآب للطاغين خاصة، ومن ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله مرصاداً أما من ذهب إلى القول الثاني وقف عليه، ثم يقول المراد بالطاغين من تكبر على ربه وطغى في مخالفته ومعارضته، وقوله: ﴿ مآباً ﴾ أي مصيراً ومقراً.

اعلم أنه تعالى لما بين أن جهنم مآب للطاغين، وبين كمية استقرارهم هناك، فقال: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قرأ الجمهور: ﴿ لابثين ﴾ وقرأ حمزة لبثين وفيه وجهان قال الفراء هما بمعنى واحد يقال لابث ولبث، مثل ثامع، وطمع، وفاره، وفره، وهو كثير، وقال صاحب الكشاف: واللبث أقوى لأن اللابث من وجد منه اللبث، ولا يقال: لبث إلا لمن شأنه اللبث، وهو أن يستقر في المكان، ولا يكاد ينفك عنه.

المسألة الثانية: قال الفراء أصل الحقب من الترادف، والتتابع يقال أحقب، إذا أردف ومنه الحقيبة ومنه كل من حمل وزراً، فقد احتقب، فيجوز على هذا المعنى: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ أي دهوراً متتابعة يتبع بعضها بعضاً، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً  ﴾ يحتمل سنين متتابعة إلى أن أبلغ أو آنس، واعلم أن الأحقاب، واحدها حقب وهو ثمانون سنة عند أهل اللغة، والحقب السنون واحدتها حقبة وهي زمان من الدهر لا وقت له ثم نقل عن المفسرين فيه وجوه: أحدها: قال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس في قوله: ﴿ أحقاباً ﴾ الحقب الواحد بضع وثمانون سنة، والسنة ثلثمائة وستون يوماً، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا، ونحو هذا روى ابن عمر مرفوعاً.

وثانيها: سأل هلال الهجري علياً عليه السلام.

فقال الحقب مائة سنة، والسنة اثنا عشر شهراً، والشهر ثلاثون يوماً، واليوم ألف سنة.

وثالثها: وقال الحسن الأحقاب لا يدري أحد ما هي، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون: فإن قيل قوله أحقاباً وإن طالت إلا أنها متناهية، وعذاب أهل النار غير متناه، بل لو قال لابثين فيها الأحقاب لم يكن هذا السؤال وارداً، ونظير هذا السؤال قوله في أهل القبلة: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ قلنا: الجواب من وجوه: الأول: أن لفظ الأحقاب لا يدل على مضي حقب له نهاية وإنما الحقب الواحد متناه، والمعنى أنهم يلبثون فيها أحقاباً كلما مضى حقب تبعه حقب آخر، وهكذا إلى الأبد والثاني: قال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيها أحقاباً لا يذوقوق في الأحقاب برداً ولا شراباً، فهذه الأحقاب توقيت لنوع من العذاب.

وهو أن لا يذوقوا برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم يبدلون بعد الأحقاب عن الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب.

وثالثها: هب أن قوله: ﴿ أحقاباً ﴾ يفيد التناهي، لكن دلالة هذا على الخروج دلالة المفهوم، والمنطوق دل على أنهم لا يخرجون.

قال تعالى: ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم  ﴾ ولا شك أن المنطوق راجح، وذكر صاحب الكشاف في الآية وجهاً آخر، وهو أن يكون أحقاباً من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب.

فينتصب حالاً عنهم بمعنى لابثين فيها حقبين مجدبين، وقوله: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً ﴾ تفسير له.

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيَها بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا ﴾ .

﴿ إلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾ .

﴿ جَزَآءً وِفَاقًا ﴾ .

المسألة الأولى: إن اخترنا قول الزجاج كان قوله: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً ﴾ متصلاً بما قبله، والضمير في قوله: ﴿ فيها ﴾ عائداً إلى الأحقاب، وإن لم نقل به كان هذا كلاماً مستأنفاً مبتدأ، والضمير في قوله عائداً إلى جهنم.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ برداً ﴾ وجهان الأول: أنه البرد المعروف، والمراد أنهم لا يذوقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة، أو ظل يمنع من نار، ولا يجدون شراباً يسكن عطشهم، ويزيل الحرقة عن بواطنهم، والحاصل أنه لا يجدون هواء بارداً، ولا ماء بارداً والثاني: البرد هاهنا النوم، وهو قول الأخفش والكسائي والفراء وقطرب والعتبي، قال الفراء: وإنما سمى النوم برداً لأنه يبرد صاحبه، فإن العطشان ينام فيبرد بالنوم، وأنشد أبو عبيدة والمبرد في بيان أن المراد النوم قول الشاعر: بردت مراشفها علي فصدني *** عنها وعن رشفاتها البرد يعني النوم، قال المبرد: ومن أمثال العرب: منع البرد البرد أي أصابني من البرد ما منعني من النوم، واعلم أن القول الأول أولى لأنه إذا أمكن حمل اللفظ على الحقيقة المشهورة، فلا معنى لحمله على المجاز النادر الغريب، والقائلون بالقول الثاني تمسكوا في إثباته بوجهين: الأول: أنه لا يقال ذقت البرد ويقال ذقت النوم.

الثاني: أنهم يذوقون برد الزمهرير، فلا يصح أن يقال إنهم ما ذاوا برداً، وهب أن ذلك البرد برد تأذوا به، ولكن كيف كان، فقد ذاقوا البرد والجواب عن الأول: كما أن ذوق البرد مجاز فكذا ذوق النوم أيضاً مجاز، ولأن المراد من قوله: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ﴾ أي لا يستنشقونه فيها نفساً بارداً، ولا هواء بارداً، والهواء المستنشق ممره الفم والألف فجاز إطلاق لفظ الذوق عليه والجواب عن الثاني: أنه لم يقل لا يذوقون فيها البرد بل قال يذوقون فيها برداً واحداً، وهو البرد الذي ينتفعون به ويستريحون إليه.

المسألة الثالثة: ذكروا في الحميم أنه الصفر المذاب وهو باطل بل الحميم الماء الحار المغلي جداً.

المسألة الرابعة: ذكروا في الغساق وجوهاً: أحدها: قال أبو معاذ كنت أسمع مشايخنا يقولون الغساق فارسية معربة يقولون للشيء الذي يتقذرونه خاشاك.

وثانيها: أن الغساق هو الشيء البارد الذي لا يطاق، وهو الذي يسمى بالزمهرير.

وثالثها: الغساق ما يسيل من أعين أهل النار وجلودهم من الصديد والقيح والعرق وسائر الرطوبات المستقذرة، وفي كتاب الخليل غسقت عينه، تغسق غسقاً وغساقاً.

ورابعها: الغساق هو المنتن، ودليله ما روي أنه عليه السلام قال: «لو أن دلواً من الغساق يهراق على الدنيا لأنتن أهل الدنيا».

وخامسها: أن الغاسق هو المظلوم قال تعالى: ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب  ﴾ فيكون الغساق شراباً أسود مكروهاً يستوحش كما يستوحش الشيء المظلم، إذا عرفت هذا فنقول إن فسرنا الغساق بالبارد كان التقدير: لا يذوقون فيها برداً إلا غساقاً ولا شراباً إلا حميماً، إلا أنهما جمعاً لأجل انتظام الآى، ومثله من الشعر قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً *** لدي وكرها العناب والحشف البالي والمعنى كأن قلوب الطير رطباً العناب ويابساً الحشف البالي.

أما إن فسرنا الغساق بالصديد أو بالنتن احتمل أن يكون الاستنثاء بالحمي والغساق راجعاً إلى البرد والشراب معاً، وأن يكون مختصاً بالشراب فقط.

أما الاحتمال الأول: فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شراباً إلا الحميم البالغ في الحميم والصديد المنتن.

وأما الاحتمال الثاني: فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شراباً إلا الحميم البالغ في السخونة أو الصديد المنتن والله أعلم بمراده، فإن قيل الصديد لا يشرب فكيف استثنى من الشراب؟

قلنا: إنه مائع فأمكن أن يشرب في الجملة فإن ثبت أنه غير ممكن كان ذلك استثناء من غير الجنس ووجهه معلوم.

المسألة الخامسة: قرأ حمزة والكسائي وعاصم من رواية حفص عنه غساقاً بالتشديد فكأنه فعال بمعنى سيال، وقرأ الباقون بالتخفيف مثل شراب والأول نعت والثاني اسم.

واعلم أنه تعالى لما شرح أنواع عقوبة الكفار بين فيما بعده أنه: ﴿ جَزَاء وفاقا ﴾ وفي المعنى وجهان: الأول: أنه تعالى أنزل بهم عقوبة شديدة بسبب أنهم أتوا بمعصية شديدة فيكون العقاب ﴿ وفاقا ﴾ للذنب، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ والثاني: أنه ﴿ وفاقا ﴾ من حيث لم يزد على قدر الاستحقاق، ولم ينقص عنه وذكر النحوين فيه وجوهاً: أحدها: أن يكون الوفاق والموافق واحداً في اللغة والتقدير جزاء موافقاً.

وثانيها: أن يكون نصباً على المصدر والتقدير جزاء وافق أعمالهم ﴿ وفاقا ﴾ .

وثالثها: أن يكون وصف بالمصدر كما يقال فلان فضل وكرم لكونه كاملاً في ذلك المعنى، كذلك هاهنا لما كان ذلك الجزاء كاملاً في كونه على وفق الاستحقاق وصف الجزاء بكونه ﴿ وفاقا ﴾ .

ورابعها: أن يكون بحذف المضاف والتقدير جزاء ذا وفاق وقرأ أبو حيوة ﴿ وفاقا ﴾ فعال من الوفق، فإن قيل كيف يكون هذا العذاب البالغ في الشدة الغير المتناهي بحسب المدة ﴿ وفاقا ﴾ للإتيان بالكفر لحظة واحدة، وأيضاً فعلى قول أهل السنة إذا كان الكفر واقعاً بخلق الله وإيجاده فكيف يكون هذا وفاقاً له؟

وأما على مذهب المعتزلة فكان علم الله بعدم إيمانهم حاصلاً ووجود إيمانهم مناف بالذات لذلك العلم فمع قيام أحد المتنافيين كان التكليف بإدخال المنافي الثاني في الوجود ممتنعاً لذاته وعينه، ويكون تكليفاً بالجمع بين المتنافيين، فكيف يكون مثل هذا العذاب الشديد الدائم وفاقاً لمثل هذا الجرم؟

قلنا يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد.

واعلم أنه تعالى لما بين على الإجمال أن ذلك الجزاء كان على وفق جرمهم شرح أنواع جرائمهم، وهي بعد ذلك نوعان: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المرصاد: الحدّ الذي يكون فيه الرصد.

والمعنى: أن جهنم هي حدّ الطاغين الذي يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم.

أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها، لأن مجازهم عليها، وهي مآب للطاغين.

وعن الحسن وقتادة نحوه، قالا: طريقاً وممرّاً لأهل الجنة.

وقرأ ابن يعمر ﴿ أنّ جهنم ﴾ بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة بأنّ جهنم كانت مرصاداً للطاغين، كأنه قيل: كان ذلك لإقامة الجزاء.

قرئ ﴿ لابثين ﴾ ﴿ ولبثين ﴾ واللبث أقوى، لأنّ اللابث من وجد منه اللبث، ولا يقال (لبث) إلا لمن شأنه اللبث، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه ﴿ أَحْقَاباً ﴾ حقباً بعد حقب، كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها، والاشتقاق يشهد لذلك.

ألا ترى إلى حقيبة الراكب، والحقب الذي وراء التصدير وقيل: الحقب ثمانون سنة، ويجوز أن يراد: لابثين فيها أحقاباً غير ذائقين فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب.

وفيه وجه آخر: وهو أن يكون من: (حقب عامنا) إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان: إذا أخطأه الرزق، فهو حقب، وجمعه أحقاب، فينتصب حالا عنهم، يعني لابثين فيها حِقبين جحدين.

وقوله: ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً (24) ﴾ تفسير له والاستثناء منقطع، يعني: لا يذوقون فيها برداً وروحاً ينفس عنهم حرّ النار، ولا شراباً يسكن من عطشهم، ولكن يذوقون فيها حميماً وغساقاً وقيل (البرد) النوم، وأنشد: فَلَوْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ ** وَإنْ شِئْتُ لَمْ أَطْعَمْ تَقَاخاً وَلاَ بَرْدَا وعن بعض العرب: منع البرد البرد.

وقرئ ﴿ غساقاً ﴾ بالتخفيف والتشديد: وهو ما يغسق، أي: يسيل من صديدهم ﴿ وِفَاقاً ﴾ وصف بالمصدر.

أو ذا وفاق.

وقرأ أبو حيوة: ﴿ وفاقاً ﴾ فعال من وفقه كذا ﴿ كذاباً ﴾ تكذيباً؛ وفعال في باب فعل كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره؛ وسمعنى بعضهم أفسر آية فقال لقد فسرتها فساراً ما سمع بمثله.

وقرئ بالتخفيف، وهو مصدر كذب، بدليل قوله: فَصَدَقْتُهَا وَكَذَبْتُهَا ** وَالمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُهْ وهو مثل قوله: ﴿ أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً ﴾ [نوح: 17] يعني: وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً.

أو تنصبه بكذبوا، لأنه يتضمن معنى كذبوا، لأنّ كل مكذب بالحق كاذب، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه: وكذبوا بآياتنا، فكاذبوا مكاذبة.

أو كذبوا بها مكاذبين، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر، فيبلغ فيه أقصى جهده.

وقرئ ﴿ كذاباً ﴾ وهو جمع كاذب، أي: كذبوا بآياتنا كاذبين؛ وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب، يقال: رجل كذاب، كقولك: حسان، وبخال؛ فيجعل صفة لمصدر كذبوا، أي: تكذيباً كذاباً مفرطاً كذبه، وقرأ أبو السمال: وكل شيء أحصيناه، بالرفع على الابتداء ﴿ كتابا ﴾ مصدر في موضع إحصاء وأحصينا في معنى كتبنا، لانتفاء الإحصاء، والكتبة في معنى الضبط والتحصيل.

أو يكون حالا في معنى: مكتوباً في اللوح وفي صحف الحفظة.

والمعنى: إحصاء معاصيهم، كقوله: ﴿ أحصاه الله وَنَسُوهُ ﴾ [المجادلة: 6] وهو اعتراض.

وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ﴾ مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات، وهي آية في غاية الشدّة، وناهيك بلن نزيدكم، وبدلالته على أن ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة.

وبمجيئها على طريقة الالتفات شاهداً على أنّ الغضب قد تبالغ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «هذه الآية أشدّ ما في القرآن على أهل النار» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِ في لابِثِينَ أوْ نُصِبَ أحْقابًا بِ لا يَذُوقُونَ احْتَمَلَ أنْ يَلْبَثُوا فِيها أحْقابًا غَيْرَ ذائِقِينَ إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ثُمَّ يُبَدَّلُونَ جِنْسًا آخَرَ مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حُقَبٍ مِن حَقِبَ الرَّجُلُ إذا أخْطَأهُ الرِّزْقُ، وحَقِبَ العامُ إذا قَلَّ مَطَرُهُ وخَيْرُهُ فَيَكُونُ حالًا بِمَعْنى لابِثِينَ فِيها حُقْبَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَذُوقُونَ ﴾ تَفْسِيرٌ لَهُ والمُرادُ بِالبَرْدِ ما يُرَوِّحُهم ويُنَفِّسُ عَنْهم حَرَّ النّارِ، أوِ النَّوْمَ وبِالغَسّاقِ ما يَغْسِقُ أيْ يَسِيلُ مِن صَدِيدِهِمْ، وقِيلَ: الزَّمْهَرِيرُ وهو مُسْتَثْنًى مِنَ البَرْدِ إلّا أنَّهُ أُخِّرَ لِيَتَوافَقَ رُؤُوسُ الآيِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ أيْ جُوزُوا بِذَلِكَ جَزاءً ذا وِفاقٍ لِأعْمالِهِمْ، أوْ مُوافِقًا لَها أوْ وافَقَها وفاقًا، وقُرِئَ «وَفّاقًا» فَعّالٌ مِن وفَّقَهُ كَذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً} أي غير ذائقين حال من ضمير لابثين فإذا انقضت هذه الأحقاب الذي عذ بوافيها بمنع البرد والشرب بدلوابأحقاب أخر فيها عذاب آخر وهي أحقاب بعد أحقاب لا انقطاع لها وقيل هو من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره وحقب فلان إذا أخطأ الرزق فهو حقب وجمعه

أحقاب فينتصب حالاً عنهم أي لابثين فيها حقبين جهدين ولا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً تفسير له وقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ حالًا مِنَ المُسْتَكِنَّ في ﴿ لابِثِينَ ﴾ فَيَكُونُ قَيْدًا لِلُّبْثِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَلْبَثُوا فِيها أحْقابًا غَيْرَ ذائِقِينَ إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ثُمَّ يَكُونُ لَهم بَعْدَ الأحْقابِ لُبْثٌ عَلى حالٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ، وكَذا إنْ جُعِلَ ﴿ أحْقابًا ﴾ مَنصُوبًا بِ: ﴿ لا يَذُوقُونَ ﴾ قَيْدًا لَهُ إلّا أنَّ فِيهِ بُعْدًا، ومِثْلُهُ لَوْ جُعِلَ: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها ﴾ إلَخْ صِفَةً لِ ﴿ أحْقابًا ﴾ وضَمِيرُ ( فِيها ) لَها لا لِجَهَنَّمَ لَكِنَّهُ أبْعَدُ مِن سابِقِهِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالطّاغِينَ ما يُقابِلُ المُتَّقِينَ فَيَشْمَلُ العُصاةَ والتَّناهِيَ بِالنَّظَرِ إلى المَجْمُوعِ وهو كَما تَرى.

وقَوْلُ مُقاتِلٍ: إنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ فاسِدٌ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ أحْقابًا ﴾ جَمْعَ حَقِبٍ كَحَذِرٍ مِن حَقِبَ الرَّجُلُ إذا أخْطَأهُ الرِّزْقُ، وحَقِبَ العامُ إذا قَلَّ مَطَرُهُ وخَيْرُهُ، والمُرادُ: مَحْرُومِينَ مِنَ النَّعِيمِ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ مُعاقَبِينَ فَيَكُونُ حالًا مِن ضَمِيرِ: ﴿ لابِثِينَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَذُوقُونَ ﴾ صِفَةٌ كاشِفَةٌ أوْ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وهو عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرٌ عَنْهُمْ، والمُرادُ بِالبَرْدِ ما يُرَوِّحُهم ويُنَفِّسُ عَنْهم حَرَّ النّارِ فَلا يُنافِي أنَّهم قَدْ يُعَذَّبُونَ بِالزَّمْهَرِيرِ، والشَّرابُ مَعْرُوفٌ، والحَمِيمُ الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ، والغَسّاقُ ما يَقْطُرُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ مِنَ الصَّدِيدِ؛ أيْ: لا يَذُوقُونَ فِيهِ شَيْئًا ما مِن رُوحٍ يُنَفَّسُ عَنْهم حَرُّ النّارِ، ولا مِن شَرابٍ يُسَكِّنُ عَطَشَهم لَكِنْ يَذُوقُونَ ماءً حارًّا وصَدِيدًا.

وفِي الحَدِيثِ: ««إنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا أدْنى ذَلِكَ مِن فِيهِ سَقَطَ فَرْوَةُ وجْهِهِ حَتّى يَبْقى عِظامًا تَقَعْقَعُ»».

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ البَرْدَ الشَّرابُ البارِدُ المُسْتَلَذُّ.

ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ بَرْدًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ وقَوْلُ الآخَرِ: أمانِيَّ مِن سُعْدى حِسانٌ كَأنَّما ∗∗∗ سَقَتْكَ بِها سُعْدى عَلى ظَمًا بَرْدا فَيَكُونُ ﴿ ولا شَرابًا ﴾ مِن نَفْيِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ والفَضْلُ بْنُ خالِدٍ ومُعاذٌ النَّحْوِيُّ: البَرْدُ: النَّوْمُ، والعَرَبُ تُسَمِّيهِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُبَرِّدُ سَوْرَةَ العَطَشِ، ومِن كَلامِهِمْ: مَنَعَ البَرْدُ، وقالَ الشّاعِرُ: فَلَوْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكم ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا أيْ: وهو مَجازٌ في ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضٍ، ونَقَلَ في البَحْرِ عَنْ كِتابِ اللُّغاتِ في القُرْآنِ أنَّ البَرْدَ هو النَّوْمُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ: الغَسّاقُ الزَّمْهَرِيرُ، وهو عَلى ما قِيلَ مُسْتَثْنًى مِن ﴿ بَرْدًا ﴾ إلّا أنَّهُ أُخِّرَ لِتَوافُقِ رُؤُوسِ الآيِ فَلا تَغْفُلْ.

وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ: «غَساقًا» بِالتَّخْفِيفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: لاَّ يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً يعني: لا يكون فيها برد يمنعهم من حرها.

وقال القتبي: البرد النوم.

وقال الزجاج: يجوز أن يكون البرد نوماً، ويجوز أن يكون معناه: لا يذوقون فيها برد ريح، ولا ظل وَلا شَراباً يعني: شراباً ينفعهم إِلَّا حَمِيماً يعني: ماءً حاراً قد انتهى حره وَغَسَّاقاً يعني: زمهريراً.

وقال الزجاج: الغساق ما يغسق من جلودهم، أي: ما يسيل وقد قيل الشديد البرد.

قرأ حمزة، والكسائي وعاصم في رواية حفص، وغساقاً بالتشديد.

والباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد.

ثم قال: جَزاءً وِفاقاً يعني: العقوبة موافقة لأعمالهم، لأن أعظم الذنوب الشرك نعوذ بالله، وأعظم العذاب النار، ووافق الجزاء العمل.

ثم قال: إِنَّهُمْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ حِساباً يعني: لا يخافون البعث بعد الموت.

ويقال: كانوا لا يرجون ثواب الآخرة، أنهم كانوا ينكرون البعث.

قوله تعالى: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً يعني: جحدوا بمحمد  ، وبالقرآن كذاباً يعني: تكذيباً وجحوداً.

ثم قال: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً يعني: أثبتناه في اللوح المحفوظ فَذُوقُوا يعني: يقال لهم: فذوقوا العذاب فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً.

ثم بين حال المؤمنين فقال عز وجل: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً يعني: نجاة من النار إلى الجنة.

ويقال: المفاز بمعنى الفوز.

يعني: موضع النجاة حَدائِقَ وَأَعْناباً يعني: لهم حدائق في الجنة، والحدائق ما أحيط بالجدار، وفيه من النخيل والثمار، وأعناباً يعني: كروماً وَكَواعِبَ أَتْراباً والكواعب، الجواري مفلكات الثديين أَتْراباً مستويات في الميلاد والسن.

وقال أهل اللغة: الكواعب النساء، قد كعب ثديهن وَكَأْساً دِهاقاً كل إناء فيه شراب فهو كأس، فإذا لم يكن فيه شراب فليس بكأس، كما يقال للمائدة إذا كان عليها طعام مائدة، وإذا لم يكن فيها طعام خوان يقال دِهاقاً يعني: سائغاً.

وقال الكلبي: وَكَأْساً دِهاقاً يعني: إناء فيه خمر ملآن متتابعاً.

وهذا قول عطية وسعيد، والعباس بن عبد المطلب، -  م-، ومجاهد، وإبراهيم النخعي.

لاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً يعني: حلفاً وباطلاً.

ويقال: ولا يسمعون في مشربها فحشاً خبثا وَلا كِذَّاباً يعني: تكذيباً في شربها.

يعني: لا يكذبون فيها.

قرأ الكسائي كذاباً بالتخفيف، يعني: لا يكذب بعضهم بعضاً.

وقرأ الباقون بالتشديد فهو من التكذيب ثم قال: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ يعني: ثواباً من ربك عَطاءً حِساباً يعني: كثيراً وقال مجاهد: عطاء من الله، حساباً بما عملوا.

وقال أهل اللغة: حساباً أي: كثيراً.

كما يقال: أعطينا فلاناً عطاء حساباً، أي: كثيراً.

وأصله أن يعطيه حتى يقول حسبي.

وقال الزجاج: حساباً.

أي: ما يكفيهم، يعني: فيه ما يشتهون.

ثم قال: رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خالق السموات والأرض.

قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو، رب السموات والأرض بضم الباء والباقون بالكسر فمن قرأ بالضم فمعناه هو رب السموات والأرض ومن قرأ بالكسر فهو على معنى الصفة أي: جزاء من ربك رب السموات والأرض وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ يعني: الرحمن هو رب السموات والأرض لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً يعني: لا يملكون الكلام بالشفاعة، إلا بإذنه يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ قال الضحاك: هو جبريل.

وقال قتادة عن ابن عباس، وخلق على صورة بني آدم.

ويقال: هو خلق واحد، يقوم صفاً واحداً وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا يعني: صفوفاً.

ويقال: الروح لا يعلمه إلا الله، كما قال قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: 85] .

ثم قال عز وجل: لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ يعني: لا يتكلمون بالشفاعة، إلا من أذن له الرحمن بالشفاعة وَقالَ صَواباً يعني: لا إله إِلاَّ الله يعني: من كان معه من التوحيد، وهو من أهل الشفاعة.

ثم قال عز وجل: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ يعني: القيامة كائنة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ يعني: من شاء وجد واتخذ بذلك التوحيد إِلى رَبِّهِ مَآباً يعني: مرجعاً.

ويقال: من شاء اتخذ بالطاعة إلى ربه مرجعاً.

ثم خوفهم فقال: نَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يعني: خوفناكم بعذاب قريب، وهو يوم القيامة.

ثم خوف المؤمنين، ووصف ذلك اليوم وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ يعني: ما عملوا من الخير والشر يعني: ينظر المؤمن إلى عمله، وينظر الكافر إلى عمله يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً يعني: لو كنت بهماً منها فأكون تراباً، أستوي بالأرض.

وذلك، إن الله تعالى يقول للسباع والبهائم، كوني تراباً فعند ذلك، يتمنى الكافرا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً.

وروى عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة-  -، أنه قال: إن الله يحشر البهائم والدواب والناس، ثم يقتص لبعضهم من بعض، حتى يقتص للشاة.

الجماء من الشاة القرناء.

ثم إن الله تعالى يقول لها: كوني تراباً، فيراها الكافر ويتمنى أن يكون مثلها تراباً.

ويقول: الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً يعني: يا ليتني لم أبعث كقوله: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ [الحاقة: 25] إلى قوله: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ [الحاقة: 27] والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الجهير، وذبح الهدي، وأَلْفافاً أي: ملتفّة الأغصان والأوراق، ويَوْمَ الْفَصْلِ هُو يوم القيامةِ، والأفواجُ: الجماعاتُ، يتلو بعضُها بعضاً، «وفُتِحَتِ السماء» بتشديد التَّاء قراءةُ نافعٍ وأبي عمرٍو وابن كثير وابن عامر، والباقون دون تشديد «١» .

وقوله تعالى: فَكانَتْ أَبْواباً قيل معناه: تَتَشَقَّقُ حتَى يكونَ فيها فُتُوحٌ كالأَبوابِ في الجدرات، وقيل: إنها تتقطعُ السماء قِطَعاً صغاراً حتى تكونَ كألواح الأَبواب، والقولُ الأول أحسَنُ، وقد قال بعض أهل العلم: تَنْفَتِح في السماء أبواب للملائِكَةِ من حيثُ ينزلونَ ويصعَدون.

وقوله تعالى: فَكانَتْ سَراباً عبارةٌ عن تلاشيها بعد كونها هباء منبثّا، ومِرْصاداً: مَوْضع الرصدِ، وقيل: مِرْصاداً بمعنى رَاصِدٍ، والأحقاب: جمع حُقُبٍ وهي المدةُ الطويلةُ من الدهر غيرَ محدودة، وقال ابن عباس وابن عمر الحُقْبُ: ثمانونَ سنةٍ «٢» .

وقال أبو أمامة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه ثلاثون ألفَ سَنَة، وقد أكثر الناسُ في هذا، واللازمُ أنّ اللَّه تعالى أخبرَ عن الكفارِ أنهم يلبثُونَ أحْقَاباً، كلما مَرَّ حُقْبٌ جَاءَ غيره إلى غير نهاية، نجانا اللَّه من سَخَطِه، قال الحسنُ: ليسَ للأحْقَابِ عدّة إلا الخلود في النار «٣» .

وقوله سبحانه: لاَّ يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً ...

الآية، قال الجمهورُ: البَرْدُ في الآية مَسُّ الهَوَاءِ البَاردِ، أي: لا يمسُّهم منه مَا يُسْتَلَذُّ، وقال أبو عبيدة وغيره: البردُ في الآية النوم «٤» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النَّبَإ وَيُقالُ لَها: سُورَةُ التَّساؤُلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ أصْلُهُ " عَنْ ما " فَأُدْغِمَتِ النُّونُ في المِيمِ، وحُذِفَتْ ألِفُ " ما " كَقَوْلِهِمْ: فِيمَ، وبِمَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ  جَعَلَ المُشْرِكُونَ يَتَساءَلُونَ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُونَ: ما الَّذِي أتى بِهِ؟

ويَتَجادَلُونَ، ويَخْتَصِمُونَ فِيما بُعِثَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

واللَّفْظُ لَفْظُ اسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: تَفْخِيمُ القِصَّةِ، كَما يَقُولُونَ: أيُّ شَيْءٍ زَيْدٌ؟

إذا أرَدْتَ تَعْظِيمَ شَأْنِهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ ما الَّذِي يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ يَعْنِي: عَنِ الخَبَرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ.

وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.

قالَ الفَرّاءُ: فَلَمّا أجابَ صارَتْ " عَمَّ " كَأنَّها في مَعْنى: لِأيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ القُرْآنِ.

والثّانِي: البَعْثُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أمْرُ النَّبِيِّ  ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ مَن قالَ: إنَّهُ القُرْآنُ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وكَذَلِكَ مَن قالَ: هو أمْرُ النَّبِيِّ  ، فَأمّا مَن قالَ: إنَّهُ البَعْثُ والقِيامَةُ، فَفي اخْتِلافِهِمْ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَمّا سَمِعُوا بِهِ، فَمِنهم مَن صَدَّقَ وآمَنَ، ومِنهم مَن كَذَّبَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَصَدَّقَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وكَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: هي رَدْعٌ وزَجْرٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: هي نَفْيٌ لِاخْتِلافِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا ﴿ سَيَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ حِينَ يَنْكَشِفُ الأمْرُ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ وعِيدٌ عَلى إثْرِ وعِيدٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " سَتَعْلَمُونَ " في الحَرْفَيْنِ بِالتّاءِ.

ثُمَّ ذَكَرَ صُنْعَهُ لِيَعْرِفُوا تَوْحِيدَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ أيْ: فِراشًا وبِساطًا ﴿ والجِبالَ أوْتادًا ﴾ لِلْأرْضِ لِئَلّا تَمِيدَ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا، وأضْدادًا، ذُكُورًا، وإناثًا، سُودًا، وبِيضًا، وحُمْرًا.

﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: راحَةٌ لِأبْدانِكم.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الفُرْقانِ: ٤٧] وشَرَحْنا هُناكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ أيْ: سَبَبًا لِمَعاشِكم.

والمَعاشُ: العَيْشُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُعاشُ بِهِ، فَهو مَعاشٌ.

والمَعْنى: جَعَلْنا النَّهارَ مَطْلَبًا لِلْمَعاشِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعاشًا، أيْ: عَيْشًا، وهو مَصْدَرٌ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي السَّمَواتُ، غِلْظُ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ مِثْلُ ذَلِكَ، وهي فَوْقَكم يا بَنِي آدَمَ.

فاحْذَرُوا أنْ تَعْصُوا فَتَخِرَّ عَلَيْكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا ﴾ يَعْنِي: الشَّمْسَ ﴿ وَهّاجًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُضِيءُ.

وقالَ اللُّغَوِيُّونَ: الوَهّاجُ: الوَقّادُ.

وقِيلَ: الوَهّاجُ يَجْمَعُ النُّورَ والحَرارَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها السَّمَواتُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّها الرِّياحُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هي الجَنُوبَ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ " مِن " بِمَعْنى " الباءِ " فَتَقْدِيرُهُ: بِالمُعْصِراتِ.

وإنَّما قِيلَ لِلرِّياحِ: مُعْصِراتٌ، لِأنَّها تَسْتَدِرُّ المَطَرَ.

والثّالِثُ: أنَّها السَّحابُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ.

والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ.

قالَ الفَرّاءُ: السَّحابَةُ المُعْصِرُ: الَّتِي تَتَحَلَّبُ بِالمَطَرِ ولَمّا يَجْتَمِعْ، مِثْلُ الجارِيَةِ المُعْصِرِ، قَدْ كادَتْ تَحِيضُ، ولَمّا تَحِضْ.

وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: شُبِّهَتِ السَّحابُ بِمَعاصِيرِ الجَوارِي، والمُعْصِرُ: الجارِيَةُ الَّتِي قَدْ دَنَتْ مِنَ الحَيْضِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لِلسَّحابِ: مُعْصِراتٌ، كَما قِيلَ: أجَزَّ الزَّرْعُ، فَهو مُجَزٌّ، أيْ: صارَ إلى أنْ يُجَزَّ، فَكَذَلِكَ السَّحابُ إذا صارَ إلى أنْ يُمْطِرَ، فَقَدْ أعْصَرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماءً ثَجّاجًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: مَطَرًا كَثِيرًا مُنْصَبًّا يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ: ثَجَّ الماءُ يَثُجُّ: إذا انْصَبَّ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ ﴿ حَبًّا ونَباتًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الحَبَّ: ما يَأْكُلُهُ النّاسُ، والنَّباتَ: ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما حُصِدَ حَبٌّ، وكُلُّ ما أكَلَتْهُ الماشِيَةُ مِنَ الكَلَإ، فَهو نَباتٌ.

والثّانِي: أنَّ الحَبَّ: اللُّؤْلُؤُ، والنَّباتُ: العُشْبُ.

قالَ عِكْرِمَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرًا، إلّا أنْبَتَ بِهِ في البَحْرِ لُؤْلُؤًا، وفي الأرْضِ عُشْبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَنّاتٍ ﴾ يَعْنِي: بَساتِينَ ﴿ ألْفافًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: مُلْتَفَّةٌ مِنَ الشَّجَرِ لَيْسَ بَيْنَها خِلالٌ، الواحِدَةُ: لَفّاءٌ، وجَنّاتٌ لُفٌّ، وجَمْعُ الجَمْعِ: ألْفافٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَدَلَّ بِذِكْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى البَعْثِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ ﴾ أيْ: يَوْمَ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿ كانَ مِيقاتًا ﴾ لِما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.

﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ ﴾ مِن قُبُورِكم ﴿ أفْواجًا ﴾ أيْ: زُمَرًا زُمَرًا مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿ وَفُتِحَتِ السَّماءُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " وفُتِّحَتْ " بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ، وإنَّما تُفْتَحُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ ﴿ فَكانَتْ أبْوابًا ﴾ أيْ: ذاتُ أبْوابٍ ﴿ وَسُيِّرَتِ الجِبالُ ﴾ عَنْ أماكِنِها ﴿ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ أيْ: كالسَّرابِ، لِأنَّها تَصِيرُ هَباءً مُنْبَثًّا فَيَراها النّاظِرُ كالسَّرابِ بَعْدَ شِدَّتِها وصَلابَتِها ﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: مِرْصادًا يَرْصُدُونَ بِهِ، أيْ: هو مُعَدٌّ لَهم يَرْصُدُ بِها خَزَنَتُها الكُفّارَ.

وقالَ الأزْهَرِيُّ: المِرْصادُ: المَكانُ الَّذِي يَرْصُدُ فِيهِ الرّاصِدُ العَدُوَّ.

ثُمَّ بَيَّنَ لِمَن هي مِرْصادٌ فَقالَ تَعالى: ﴿ لِلطّاغِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ مَآبًا ﴾ أيْ: مَرْجِعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لابِثِينَ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ " لَبِثِينَ " والمَعْنى: فِيهِما واحِدٌ.

يُقالُ: هو لابِثٌ بِالمَكانِ، ولَبِثٌ.

ومِثْلُهُ طامِعٌ، وطَمِعٌ، وفارِهٌ، وفَرِهٌ.

وأمّا الأحْقابُ فَجَمْعَ حِقْبٍ، وقَدْ ذَكَرْنا الِاخْتِلافَ فِيهِ في [الكَهْفِ: ٦٠] .

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ذِكْرِ الأحْقابِ، وخُلُودُهم في النّارِ لا نَفادَ لَهُ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى غايَةٍ، لِأنَّهُ كُلَّما مَضى حِقْبٌ تَبِعَهُ حِقْبٌ.

ولَوْ أنَّهُ قالَ " لابِثِينَ فِيها عَشْرَةَ أحْقابٍ أوْ خَمْسَةً " دَلَّ عَلى غايَةٍ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والجُمْهُورِ.

وبَيانُهُ أنَّ زَمانَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ يُتَصَوَّرُ دُخُولُهُ تَحْتَ العَدَدِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها نِهايَةٌ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا ﴿ لا يَذُوقُونَ ﴾ في الأحْقابِ ﴿ بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ فَأمّا خُلُودُهم في النّارِ فَدائِمٌ.

هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وبَيانُهُ أنَّ الأحْقابَ حَدٌّ لِعَذابِهِمْ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ، فَإذا انْقَضَتِ الأحْقابُ عُذِّبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ.

وفي المُرادِ " بِالبَرْدِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ بَرْدُ الشَّرابِ.

رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدَ الشَّرابِ، ولا الشَّرابَ.

والثّانِي: أنَّهُ الرُّوحُ والرّاحَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ النَّوْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وأنْشَدُوا: فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النُّقاخُ: الماءُ، والبَرْدُ: النَّوْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَبْرُدُ فِيهِ الحَرارَةُ.

وَقالَ مُقاتِلٌ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا يَنْفَعُهم مِن حَرِّها، ولا شَرابًا يَنْفَعُهم مِن عَطَشٍ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " غَساقًا " بِالتَّخْفِيفِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّشْدِيدِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَمِيمِ، والغَسّاقِ [ص: ٥٧] ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: وِفْقًا لِأعْمالِهِمْ.

وقالَ غَيْرُهُ: جُوزُوا جَزاءً وِفاقًا لِأعْمالِهِمْ عَلى مِقْدارِها فَلا ذَنْبَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، ولا عَذابَ أعْظَمُ مِنَ النّارِ.

﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَخافُونَ أنْ يُحاسَبُوا، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: لا يَرْجُونَ ثَوابَ حِسابٍ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الكِذّابُ بِالتَّشْدِيدِ لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ، يَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ كِذّابًا، وخَرَقْتُ القَمِيصَ خِرّاقًا، وكُّلُّ " فَعَلْتُ " فَمَصْدَرُهُ في لُغَتِهِمْ مُشَدَّدٌ.

قالَ لِي أعْرابِيٌّ مِنهم عَلى المَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ، أمِ القِصّارُ؟

وأنْشَدَنِي بَعْضُ بَنِي كِلابٍ: لَقَدْ طالَ ما ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحابَتِي ∗∗∗ وعَنْ حِوَجٍ قِضّاؤُها مِن شِفائِيا وَأمّا أهْلُ نَجْدٍ، فَيَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ تَكْذِيبًا.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِذّابُ أشَدُّ مِنَ الكِذابِ، وهُما مَصْدَرُ المُكاذَبَةِ.

قالَ الأعْشى: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " كُلَّ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ: أحْصَيْناهُ، والمَعْنى: أحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ، و ﴿ كِتابًا ﴾ تَوْكِيدٌ ِلـِ " أحْصَيْناهُ "، لِأنَّ مَعْنى " أحْصَيْناهُ " و " كَتَبْناهُ " فِيما يَحْصُلُ ويَثْبُتُ واحِدٌ.

فالمَعْنى: كَتَبْناهُ كِتابًا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ أثْبَتْناهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿ فَذُوقُوا ﴾ أيْ: فَيُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا جَزاءَ فِعالِكم ﴿ فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا ﴿ مَفازًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُتَنَزَّهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: فازُوا بِأنْ نَجَوْا مِنَ النّارِ بِالجَنَّةِ، ومِنَ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " مَفازًا " في مَوْضِعِ " فَوْزٍ " ﴿ حَدائِقَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَدائِقُ: بَساتِينُ نَخْلٍ، واحِدُها: حَدِيقَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَواعِبَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَواعِبُ: النَّواهِدُ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: كَعَبَتِ المَرْأةُ كَعابَةً، فَهي كاعِبٌ: إذا نَتَأ ثَدْيُها.

وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " الأتْرابِ " في [ص: ٥٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلْأى، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ.

رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّها الصّافِيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها ﴾ أيْ: في الجَنَّةِ إذا شَرِبُوها ﴿ لَغْوًا ﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [الطَّوْرِ: ٢٣] وغَيْرِها ﴿ وَلا كِذّابًا ﴾ أيْ: لا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا، لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ تَكَلَّمُوا بِالباطِلِ، وأهْلُ الجَنَّةِ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ.

قالَ الفَرّاءُ: وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " كِذابًا " بِالتَّخْفِيفِ، كَأنَّهُ -واللَّهُ أعْلَمُ- لا يَتَكاذَبُونَ فِيها.

وكانَ الكِسائِيُّ يُخَفِّفُ هَذِهِ ويُشَدِّدُ، " وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا " لِأنَّ " كَذَّبُوا " يُقَيِّدُ " الكِذّابَ " بِالمَصْدَرِ، وهَذِهِ لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِفِعْلٍ يُصَيِّرُها مَصْدَرًا.

وقَدْ ذَكَرْنا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ الكِذّابَ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ المُكاذَبَةِ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: " الكِذابُ " بِالتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ " كَذَبَ "، مِثْلُ " الكِتابِ " مَصْدَرُ " كَتَبَ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: جازاهم بِذَلِكَ جَزاءً، وكَذَلِكَ " عَطاءً "، لِأنَّ مَعْنًى أعْطاهم وجازاهم واحِدٌ.

و ﴿ حِسابًا ﴾ مَعْناهُ: ما يَكْفِيهِمْ، أيْ: فِيهِ كُلُّ ما يَشْتَهُونَ.

يُقالُ: أحْسَبَنِي كَذا بِمَعْنى كَفانِي.

﴿ رَبِّ السَّماواتِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والمُفَضَّلُ: " رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنُ " بِرَفْعِ الباءِ مِن " رَبِّ " والنُّونِ مِنَ " الرَّحْمَنِ " عَلى مَعْنى: هو رَبُّ السَّمَواتِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِخَفْضِ الباءِ والنُّونِ عَلى الصِّفَةِ مِن " رَبِّكَ " .

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ ورَفْعِ النُّونِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، ووافَقَهُ عَلى هَذا جَماعَةٌ، وعَلَّلُوا بِأنَّ الرَّبَّ قَرِيبٌ مِنَ المَخْفُوضِ، والرَّحْمَنَ بَعِيدٌ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا بِإذْنِهِ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: لا يَقْدِرُ الخَلْقُ أنْ يُكَلِّمُوا الرَّبَّ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جُنْدٌ مِن جُنْدِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسُوا بِمَلائِكَةٍ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقالَ مُجاهِدٌ: هم خَلْقٌ عَلى صُورَةِ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَلَكٌ أعْظَمُ مِنَ السَّمَواتِ والجِبالِ، والمَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرُّوحُ: مَلَكٌ ما خَلَقَ اللَّهُ أعْظَمَ مِنهُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قامَ هو وحْدَهُ صَفًّا، وقامَتِ المَلائِكَةُ كُلُّهم صَفًّا واحِدًا، فَيَكُونُ عِظَمُ خَلْقِهِ مِثْلَ صُفُوفِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّها أرْواحُ النّاسِ تَقُومُ مَعَ المَلائِكَةِ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تُرَدَّ إلى الأجْسامِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّهم بَنُو آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسّابِعُ: أنَّهم أشْرَفُ المَلائِكَةِ، قالَهُ َمُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ صَفًّا ﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: هُما سِماطانِ، سِماطٌ مِنَ الرُّوحِ، وسِماطٌ مِنَ المَلائِكَةِ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ صَفًّا، والمَلائِكَةُ صَفًّا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صَفًّا ﴾ صُفُوفًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ ﴾ يَعْنِي: الخَلْقَ كُلَّهم ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ في الكَلامِ ﴿ وَقالَ صَوابًا ﴾ أيْ: قالَ في الدُّنْيا صَوابًا، وهو الشَّهادَةُ بِالتَّوْحِيدِ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ حَقًّا في الدُّنْيا، وعَمِلَ بِهِ ﴿ ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ ﴾ الكائِنُ الواقِعُ بِلا شَكٍّ ﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ أيْ: مَرْجِعًا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ.

ثُمَّ خَوَّفَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ أيْ: يَرى عَمَلَهُ مُثْبَتًا في صَحِيفَتِهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ يا لَيْتَنِي لَمْ أُبْعَثْ.

وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ بَعْضِ أشْياخِهِ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ الكافِرَ هاهُنا: إبْلِيسُ، وذَلِكَ أنَّهُ عابَ آدَمَ، لِأنَّهُ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ، فَتَمَنّى يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ بِمَكانِ آدَمَ، فَقالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ ﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ كِتابًا ﴾ ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا ﴾ ﴿ حَدائِقَ وأعْنابًا ﴾ ﴿ وَكَواعِبَ أتْرابًا ﴾ ﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا ﴾ ﴿ جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا ﴾ ﴿ رَبِّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ، والفَضْلُ بْنُ خالِدٍ، ومُعاذٌ النَحْوِيُّ: البَرْدُ في هَذِهِ الآيَةِ النُوَّمُ، والعَرَبُ تَسِمُهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَبْرِدُ سُورَةَ العَطَشِ، ومِن كَلامِهِمْ: "مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ"، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: "البَرْدُ في الآيَةِ: مَسُّ الهَواءِ البارِدِ، وهو القَرُّ، أيْ: لا يَمَسُّهم مِنهُ ما يَسْتَلِذُّ ويَكْسِرُ عَذابَ الحَررِّ، فالذَوْقُ -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ- مُسْتَعارٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: البَرْدُ الشَرابُ البارِدُ المُسْتَلَذُّ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: يَسْقُونَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمْ بِرَدى يُصَفِّقُ بِالرَحِيقِ السَلْسَلِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أمانِي مِن سُعْدى حِسانٌ كَأنَّما ∗∗∗ سَقَتْكَ بِها سُعْدى عَلى ظَمَأٍ بَرْدا ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا ﴾ ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، و"الحَمِيمُ": الحارُّ الذائِبُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الماءِ السُخْنِ والعَرَقِ، ومِنهُ الحَمّامُ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الحَمِيمُ دُمُوعُ أعْيُنِهِمْ، وقالَ النَقّاشُ: الحَمِيمُ الصُفْرُ المُذابُ المُتَناهِي الحَرِّ، واخْتَلَفَ الناسُ في "الغَسّاقِ"، فَقالَ قَتادَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسامِ أهْلِ النارِ مِن صَدِيدٍ ونَحْوِهِ، يُقالُ: غَسَقَ الجُرْحُ: إذا سالَ مِنهُ قَيْحٌ ودَمٌ، وغَسَقَتِ العَيْنُ: إذا دَمَعَتْ وإذا خَرَجَ قَذاها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الغَسّاقُ مَشْرُوبٌ لَهم مُفْرِطُ الزَمْهَرِيرِ، كَأنَّهُ في الطَرَفِ الثانِي مِنَ الحَمِيمِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِبَرْدِهِ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بِرِيدَةَ: "الغَسّاقُ" المُنْتِنُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الجُمْهُورِ: "غَساقًا" مُخَفَّفَةَ السِينِ، وهو اسْمٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والشَعْبِيُّ، والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "غَسّاقًا" مُشَدَّدَةَ السِينِ، وهي صِفَةٌ أُقِيمَتْ مَقامَ المَوْصُوفِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومَشْرُوبًا غَسّاقًا، أيْ سائِلٌ مِن أبْدانِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ مَعْناهُ: لِأعْمالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، أيْ: هو جَزاؤُهُمُ الجَدِيرُ بِهِمْ، المُوافِقُ مَعَ التَحْذِيرِ لِأعْمالِهِمْ، فَهي كُفْرٌ والجَزاءُ نارٌ.

و"يَرْجُونَ" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَخافُونَ، وقالَ غَيْرُهُ: الرَجاءُ هُنا عَلى بابِهِ، ولا رَجاءَ إلّا وهو مُقْتَرِنٌ بِخَوْفٍ، ولا خَوْفَ إلّا وهو مُقْتَرِنٌ بِرَجاءٍ، فَذَكَرَ أحَدَ القِسْمَيْنِ لِأنَّ المَقْصِدَ العِبارَةُ عن تَكْذِيبِهِمْ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهم كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ، فَهم لِذَلِكَ لا يَرْجُونَهُ ولا يَخافُونَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَذّابًا" بِشَدِّ الذالِ وكَسْرِ الكافِ، وهو مَصْدَرٌ بِلُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ، وهي يَمانِيَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ أحَدِهِمْ وهو يَسْتَفْتِي: "الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ القِصّارُ"؟

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَقَدْ طالَما ثَبَّطَتْنِي عن صَحابَتَيْ ∗∗∗ وعن حِوَجٍ قَضاؤُها مِن شِفائِيا وهَذا عِنْدَهم مَصْدَرٌ مَن فَعَّلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في "كِذّابًا"، وأراهُ أرادَ السَبْعَةَ، وأمّا في الشاذِّ فَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَوْفُ الأعْرابِيُّ، وعِيسى -بِخِلافٍ- والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ: "كِذّابًا" بِكَسْرِ الكافِ وبِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "كُذّابًا" بِضَمِّ الكافِ وشَدِّ الذالِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كاذِبٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ﴾ يُرِيدُ كُلَّ شَيْءٍ شَأْنُهُ أنْ يُحْصى، وفي هَذا الخَبَرِ رَبْطٌ لِأجْزاءِ القِصَّةِ بِأوَّلِها أيْ: هم مُكَذِّبُونَ وكافِرُونَ ونَحْنُ قَدْ أحْصَيْنا فالقَوْلُ لَهم في الآخِرَةِ: "ذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا"، وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ما نَزَلَتْ في أهْلِ النارِ آيَةٌ أشَدُّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  .

وَلَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ أهْلِ النارِ عَقَّبَ بِذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"المَفازُ" مَوْضِعُ الفَوْزِ؛ لِأنَّهم زُحْزِحُوا عَنِ النارِ، وأُدْخِلُوا الجَنَّةَ، و"الحَدائِقُ" البَساتِينُ الَّتِي عَلَيْها جِدْراتٌ أوَ حَظائِرُ، و"أتْرابًا" مَعْناهُ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ، والتُرْبانُ هُما اللَذانِ مَسّا التُرابَ في وقْتٍ واحِدٍ، و"الدِهاقُ" المُتْرَعَةُ فِيما قالَ الجُمْهُورُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ مَعْناهُ: المُتابَعَةُ، وهي مِنَ الدَهْقِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الصافِيَةُ، وفي البُخارِيِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ أُبَيَّ في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ لِلسّاقِي: اسْقِنا كَأْسًا دِهاقًا.

و"اللَغْوُ" سَقْطُ الكَلامُ، وهو ضُرُوبٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "كِذّابًا" إلّا أنَّ الكِسائِيَّ مِنَ السَبْعَةِ قَرَأ في هَذا المَوْضِعِ "كَذابًا" بِالتَخْفِيفِ، وهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "حِسابًا"، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ واللُغَوِيِّينَ: مَعْناهُ: مُحْسِبًا، أيْ كافِيًا، مِن قَوْلِهِمْ: أحْسَبُنِي هَذا الأمْرَ، أيْ كَفانِي، ومِنهُ، حَسْبِيَ اللهُ، وقالَ مُجاهِدٌ مَعْناهُ: إنَّ "حِسابًا" مَعْناهُ: مُقْسِطًا عَلى الأعْمالِ، لِأنَّ نَفْسَ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهِ وتَفَضُّلِهِ لا بِعَمَلٍ، والدَرَجاتُ فِيها والنِعَمُ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، فَإذا ضاعَفَ اللهُ تَعالى لِقَوْمٍ حَسَناتِهِمْ بِسَبْعِمائَةٍ مَثَلًا ومِنهُمُ المُكْثِرُ مِنَ الأعْمالِ والمُقِلُّ أخَذَ كُلَّ واحِدٍ سَبْعَمِائَةٍ بِحَسَبِ عَمَلِهِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ تَضْعِيفٍ، فالحِسابُ ها هو بِمُوازَنَةِ أعْمالِ القَوْمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "حِسابًا" بِكَسْرِ الحاءِ وتَخْفِيفِ السِين مَفْتُوحَةً، وقَرَأ ابْنُ قَطِيبٍ "حِسابًا" بِفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: جاءَ بِالِاسْمِ مِن أفْعَلَ عَلى فِعالٍ كَما قالُوا: أدْرَكَ فَهُوَ: دِراكٌ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسِراجٌ: " عَطاءً حَسَنًا" بِالنُونِ مِنَ الحُسْنِ، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ قَرَأ: "حَسِبا" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ وبِالباءِ، وقَرَأ شُرَيْحُ بْنُ يَزِيدَ الحِمْصِيُّ: "حِسّابًا" بِكَسْرِ الحاءِ وشَدِّ السِينِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأهْلُ الحَرَمَيْنِ: "رَبُّ" بِالرَفْعِ، وكَذَلِكَ "الرَحْمَنُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ: "رَبِّ" بِالخَفْضِ، وكَذَلِكَ "الرَحْمَنِ".

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "رَبِّ": بِالخَفْضِ، و"الرَحْمَنُ" بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ- بِخِلافٍ عنهُما ووُجُوهُ هَذِهِ القِراءاتِ بَيِّنَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا" الضَمِيرُ لِلْكُفّارِ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ مِن أفْضالِهِ وإجْمالِهِ أنْ يُخاطِبُوهُ بِمَعْذِرَةٍ ولا غَيْرِها، وهَذا في مَوْطِنٍ خاصٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً ثانية من ﴿ الطاغين ﴾ [النبأ: 22] أو حالاً أولى من الضمير في ﴿ لابثين ﴾ [النبأ: 23] وأن تكون خبراً ثالثاً: ل ﴿ كانت مرصاداً ﴾ [النبأ: 21].

وضمير ﴿ فيها ﴾ على هذه الوجوه عائد إلى ﴿ جهنم ﴾ [النبأ: 21].

ويجوز أن تكون صفة ل ﴿ أحقاباً ﴾ [النبأ: 23]، أي لا يذوقون في تلك الأحقاب برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً.

فضمير ﴿ فيها ﴾ على هذا الوجه عائد إلى الأحقاب.

وحقيقة الذوق: إدراك طعم الطعام والشراب.

ويطلق على الإِحساس بغير الطعوم إطلاقاً مجازياً.

وشاع في كلامهم، يقال: ذاق الألم، وعلى وجدان النفس كقوله تعالى: ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ [المائدة: 95].

وقد استعمل هنا في معنييه حيث نَصَب ﴿ برداً ﴾ و ﴿ شراباً ﴾ .

والبَرْد: ضد الحرّ، وهو تنفيس للذين عذابهم الحر، أي لا يغاثون بنسيم بارد، والبرد ألذُّ ما يطلبه المحرور.

وعن مجاهد والسدّي وأبي عبيدة ونفر قليل تفسير البَرْد بالنوم وأنشدوا شاهديْن غير واضحين، وأيًّا مَّا كان فحمل الآية عليه تكلف لا داعي إليه، وعطف ﴿ ولا شراباً ﴾ يناكده.

والشراب: ما يُشرب والمراد به الماء الذي يزيل العطش.

والحميم: الماء الشديد الحرارة.

والغساق: قرأه الجمهور بتخفيف السين: وقرأه حمزة والكسائي وحفص بتشديد السين وهما لغتان فيه.

ومعناه الصديد الذي يسيل من جروح الحرق وهو المُهْل، وتقدما في سورة (ص).

واستثناء ﴿ حميماً وغساقاً ﴾ من ﴿ برداً ﴾ أو ﴿ شراباً ﴾ على طريقة اللف والنشر المرتب، وهو استثناء منقطع لأن الحميم ليس من جنس البرد في شيء إذ هو شديد الحرّ، ولأن الغساق ليس من جنس الشراب، إذ ليس المُهل من جنس الشراب.

والمعنى: يذوقون الحميم إذ يُراق على أجسادهم، والغَساق إذ يسيل على مواضع الحرق فيزيد ألمهم.

وصورة الاستثناء هنا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده في الصورة.

و ﴿ جزاء ﴾ منصوب على الحال من ضمير ﴿ يذوقون ﴾ ، أي حالة كون ذلك جزاء، أي مُجازًى به، فالحال هنا مصدر مؤول بمعنى الوصف وهو أبلغ من الوصف.

والوفاق: مصدر وَافق وهو مُؤول بالوصف، أي موافقاً للعمل الذي جوزوا عليه، وهو التكذيب بالبعث وتكذيبُ القرآن كما دل عليه التعليل بعده بقوله: ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً وكذبوا بآياتنا كذاباً ﴾ [النبأ: 27، 28].

فإن ذلك أصل إصرارهم على الكفر، وهما أصلان: أحدهما عدميّ وهو إنكار البعث، والآخر وجوديّ وهو نسبتهم الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن للكذب، فعوقبوا على الأصل العدمي بعقاب عدمي وهو حِرمانهم من البرد والشراب، وعلى الأصل الوجودي بجزاء وجودي وهو الحميم يراق على أجسادهم والغساق يمرّ على جراحهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَفْصِلُ فِيهِ الحَكَمُ بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ والمُثابِينَ والمُعاقَبِينَ.

﴿ كانَ مِيقاتًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِيعادًا لِلِاجْتِماعِ.

والثّانِي: وقْتًا لِلثَّوابِ والعِقابِ.

﴿ وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سُيِّرَتْ أيْ أُزِيلَتْ عَنْ مَواضِعِها.

الثّانِي: نُسِفَتْ مِن أُصُولِها.

﴿ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَكانَتْ هَباءً.

الثّانِي: كالسَّرابِ لا يَحْصُلُ مِنهُ شَيْءٌ كاَلَّذِي يَرى السَّرابَ يَظُنُّهُ ماءً ولَيْسَ بِماءٍ.

﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي أنَّها راصِدَةٌ فَجازَتْهم بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ أبُو سِنانُ.

الثّانِي: أنْ عَلى النّارِ رَصَدًا، لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ حَتّى يَجْتازَ عَلَيْهِ، فَمَن جاءَ بِجَوازٍ جازَ، ومَن لَمْ يَجِئْ بِجَوازٍ لَمْ يَجُزْ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّ المِرْصادَ وعِيدٌ أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ لِلطّاغِينَ مَآبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَرْجِعًا ومُنْقَلَبًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مَأْوًى ومَنزِلًا، قالَهُ قَتادَةُ.

والمُرادُ بِالطّاغِينَ مَن طَغى في دِينِهِ بِالكُفْرِ أوْ في دُنْياهُ بِالظُّلْمِ.

﴿ لابِثِينَ فِيها أحْقابًا ﴾ يَعْنِي كُلَّما مَضى حِقَبٌ جاءَ حِقَبٌ وكَذَلِكَ إلى الأبَدِ واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ الحِقَبِ عَلى سَبْعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

الثّانِي: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

الثّالِثُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ألْفُ شَهْرٍ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ مَرْفُوعًا.

الخامِسُ: ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ، قالَهُ بَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ.

السّادِسُ: سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

السّابِعُ: أنَّهُ دَهْرٌ طَوِيلٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

وَفي تَعْلِيقِ لُبْثِهِمْ بِالأحْقابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى وجْهِ التَّكْثِيرِ، كُلَّما مَضَتْ أحْقابٌ جاءَتْ بَعْدَها أحْقابٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَدٍّ لِخُلُودِهِمْ في النّارِ.

الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ حَدٌّ لِعَذابِهِمْ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ، فَإذا انْقَضَتِ الأحْقابُ عُذِّبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ.

﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ في البَرْدِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بَرْدُ الماءِ، وبَرْدُ الهَواءِ، وهو قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

الثّانِي: أنَّهُ الرّاحَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النَّوْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ.

وَأنْشَدَ قَوْلَ الكِنْدِيِّ بَرَدَتْ مَراشِفُها عَلَيَّ فَصَدَّنِي عَنْها وعَنْ تَقْبِيلِها البَرْدُ يَعْنِي النَّوْمَ.

والشَّرابُ ها هُنا: العَذابُ.

وَيَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالشَّرابِ الرِّيَّ، لِأنَّ الشَّرابَ يَرْوِي وهم فِيها عِطاشٌ أبَدًا.

﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ أمّا الحَمِيمُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الحارُّ الَّذِي يَحْرُقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: دُمُوعُ أعْيُنِهِمْ في النّارِ تَجْتَمِعُ في حِياضٍ في النّارِ فَيُسْقَوْنَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الشَّرابِ لِأهْلِ النّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَأمّا الغَسّاقُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها أنَّهُ القَيْحُ الغَلِيظُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

الثّانِي: أنَّهُ الزَّمْهَرِيرُ البارِدُ الَّذِي يَحْرُقُ مِن بَرْدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُنْتِنُ بِاللُّغَةِ الطَّحاوِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ وهو جَمْعُ وفْقٍ، قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: وافَقَ سُوءُ الجَزاءِ سُوءَ العَمَلِ.

﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا يَخافُونَ وعِيدَ اللَّهِ بِحِسابِهِمْ ومُجازاتِهِمْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ يَعْنِي بِآياتِ القُرْآنِ، وفي ﴿ كِذّابًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكَذِبُ الكَثِيرُ.

الثّانِي: تَكْذِيبُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذّابُهُ وَهِيَ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وفتحت ﴾ خفيفة.

وأخرج ابن المنذر عن أبي الجوزاء في قوله: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: صارت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: لا يدخل الجنة أحد حتى يجتاز النار.

وأخرج ابن جرير عن سفيان ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: عليهم ثلاث قناطر لا يدخل الجنة أحد حتى يجتاز النار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ قال: تعلموا أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وقال في آية أخرى: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ [ مريم: 71] ﴿ للطاغين مآباً ﴾ قال: مأوى ومنزلاً ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الأحقاب ما لا انقطاع له، كلما مضى حقب جاء بعده حقب آخر، قال وذكر لنا أن الحقب ثمانون سنة من سني يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: سنين.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: ليس لها أجل كلما مضى حقب دخلنا في الأخرى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن قال: الحقب الواحد سبعون سنة كل يوم منها ألف سنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: لا يدري أحدكم تلك الأحقاب إلا أن الحقب الواحد ثمانون سنة السنة ثلاثمائة وستون يوماً، اليوم الواحد مقدار ألف سنة، والحقب الواحد ثمانية عشر ألف سنة.

وأخرج ابن جرير عن بشير بن كعب في قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: بلغني أن الحقب ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سالم بن أبي الجعد قال: سأل عليّ بن أبي طالب هلالاً الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب الله؟

قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة منها اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة.

وأخرج سعيد بن منصور والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون سنة.

وأخرج البزار عن أبي هريرة رفعه ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون سنة.

وأخرج هناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوماً، واليوم كألف سنة مما تعدون.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب ثمانون عاماً اليوم منها كسدس الدنيا.

وأخرج ابن عمر العدي في مسنده وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: «الحقب ألف شهر والشهر ثلاثون يوماً والسنة اثنا عشر شهر والشهر ثلاثمائة وستون يوماً كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثمانون ألف سنة» .

وأخرج البزار وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقاباً، والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، واليوم ألف سنة مما تعدون.

قال ابن عمر: فلا يتكلن أحد على أنه يخرج من النار» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الحقب ثمانون سنة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عبدالله بن عمرو وفي قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ قال: الحقب الواحد ثمانون سنة.

وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحقب أربعون سنة» .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ بالألف.

وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ميمون أنه قرأ ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ بغير ألف.

وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان في قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ وقوله: ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ [ هود: 107] أنهما في أهل الجنة والتوحيد من أهل القبلة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: زمهرير جهنم يكون لهم من العذاب لأن الله يقول: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً ﴾ .

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً ﴾ قال: فاستثنى من الشراب الحميم، ومن البارد الغساق، وهو الزمهرير.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إلا حميماً وغساقاً ﴾ قال: الحميم الحار الذي يحرق، والغساق الزمهرير البارد.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إلا حميماً وغساقاً ﴾ قال: لا يستطيعونه من برده.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً ﴾ قال: لقد انتهى حره.

﴿ وغساقاً ﴾ قال: لقد انتهى برده، وإن الرجل، إذا أدنى الإِناء من فيه سقط فروة وجهه حتى يبقى عظاماً تقعقع» .

وأخرج ابن المنذر عن مرة ﴿ لا يذوقون فيها برداً ﴾ قال: نوماً الممتلئة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ قال: وافق أعمالهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ قال: جزاء وافق أعمال القوم أعمال السوء.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ يقول: وافق الجزاء العمل ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً ﴾ قال: لا يخافونه، وفي لفظ: لا يبالون، فيصدقون بالبعث.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً ﴾ قال: لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبدالله بن عمرو قال: ما نزلت على أهل النار آية قط أشد منها ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ فهم في مزيد من عذاب الله أبداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن الحسن بن دينار قال: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار فقال: قول الله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن الحسن قال: سئل أبو برزة الأسلمي عن أشد آية في القرآن فقال: قول الله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ قال: فهو مقدار ساعة بساعة، ويوم بيوم، وشهر بشهر، وسنة بسنة أشد عذاباً حتى لو أن رجلاً من أهل النار أخرج من المشرق لمات أهل المغرب، ولو أخرج من المغرب مات أهل المشرق من نتن ريحه.

قال أبو برزة: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تلاها فقال: «هلك القوم بمعاصيهم ربهم، وغضب عليهم فأبى إذ غضب عليهم إلا أن ينتقم منهم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24)﴾ يجوز أن يكون الضمير في قوله: (فيها) لجهنم (١) ويجوز أن يكون للأحقاب (٢) (٣) وأما (البرد) فقال عطاء عن ابن عباس: يريد النوم، و (لا شراباً) يريد الماء (٤) وقال مقاتل: لا يذوقون في جهنم برداً ينفعهم من حرها ، ولا شراباً ينفعهم من عطشها (٥) وذكر الكلبي القولين في البرد (٦) قال الفراء: وإن النوم ليبرد صاحبه، وإن العطشان لينام فيبرد بالنوم (٧) (٨) (٩) (١٠) بردت مَراشِفُها عليَّ فصدني ...

عنها وعن رشفاتها البرد (١١) يعني النوم.

قال المبرد: ومن أمثال العرب: يمنع البرد البرد (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) قال (١٦) (١٧) وجعل أبو إسحاق البرد برد كل شيء له راحة، فقال: لا يذوقون فيها برد ريح، ولا ظل، ولا نوم (١٨) (١) وعليه يكون الكلام مستأنفاً مبتدأ.

انظر: "التفسير الكبير" 31/ 15.

(٢) عن الكرماني: عود الضمير إلى الأحقاب من غريب التفسير.

"غرائب التفسير" 2/ 1297.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 273.

(٤) "معالم التنزيل" 4/ 483 مختصرًا، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 178.

(٥) وبمعناه في "تفسير مقاتل" 225/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 438، "زاد المسير" 8/ 165.

(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٧) "معاني القرآن" 3/ 228 بنصه.

(٨) "مجاز القرآن" 2/ 282.

(٩) "التفسير الكبير" 31/ 15.

(١٠) امرؤ القيس.

(١١) ورد البيت في "النكت والعيون" 6/ 187 برواية: تقبيلها بدلاً من: رشفاتها.

"التفسير الكبير" 31/ 15، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 187 برواية تقبيلها بدلاً من: رشفاتها.

ولم أعثر عليه في ديوانه.

(١٢) انظر: "الكشف والبيان" ج: 13/ 29/ أ.

(١٣) "التفسير الكبير" 31/ 15.

(١٤) العَرْجي هو: عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بموضع قِبل الطائف يقال له: العرج، فنسب إليه، وهو أشعر بني أمية، حبسه محمد بن هشام، فمات في حبسه.

انظر: "ديوانه" (7)، "خزانة الأدب" 1/ 98، "الشعر والشعراء" 381، العرجي وشعر الغزل في العصر الأموي: لوليم نقولا (103)، "الأغاني" 1/ 147.

(١٥) ورد البيت في "ديوانه" 109 برواية: أحرمت، وأطعم.

وانظر: "تهذيب اللغة" 14، 15 (برد)، "لسان العرب" 3/ 85.

(١٦) أي الزهري.

(١٧) "تهذيب اللغة" المرجع السابق.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 273 بتصرف يسير.

والقول: إن البرد هو النوم قد رده النحاس، قال: لأن البرد ليس باسم من أسماء النوم، وإنما يحتال فيه، فيقال للنوم برد؛ لأنه يهدئ العطش، ثم قال: والواجب أن يحمل تفسير كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ على الظاهر والمعروف من المعاني، إلا أن يقع دليل على غير ذلك.

ثم قال في معنى الآية: أي لا يذوقون فيها بردًا يبرد عنهم السعير.

"إعراب القرآن" 5/ 131 - 132.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور ﴾ يعني نفخة القيام من القبور ﴿ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ أي جماعات ﴿ فَكَانَتْ أَبْوَاباً ﴾ أي تنفخ فتكون فيها شقاق كالأبواب ﴿ وَسُيِّرَتِ الجبال ﴾ أي حملت ﴿ فَكَانَتْ سَرَاباً ﴾ عبارة عن تلاشيها وفنائها، والسراب في اللغة: ما ظهر على البعد أنه ماء، وليس ذلك المراد هنا وإنما هو تشبيه في أنه لا شيء ﴿ مِرْصَاداً ﴾ أي موضع المرصاد والرصد هو الارتقاب والانتظار، أي تنتظر الكفار ليدخلوها، وقيل: معناه طريقاً للمؤمنين يمرون عليه إلى الجنة لأن الصراط منصوب على جهنم ﴿ مَآباً ﴾ أي مرجعاً ﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً ﴾ جمع حقبة أو حقب وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدود، وقيل: إنها محدودة ثم اختلف في مقدارها، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ثمانون ألف سنة، وقال ابن عباس: ثلاثون سنة وقيل ثلثمائة سنة، وعلى القول بالتحديد فالمعنى أنهم يبقون فيها أحقاباً، كلما انقضى حقب جاء إلى آخر غير نهاية وقيل: إنه كان يقتضي أن مدة العذاب تنقضي، ثم نسخ بقوله: ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ وهذا خطاب لأن الأخبار لا تنسخ، وقيل: هي في غُصاة المؤمنين الذين يخرجون من النار، وهذا خطأ لأنها في الكفار لقوله: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ ، وقيل: معناه أنهم يبقون أحياناً لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً، ثم يبدل لهم نوع آخر من العذاب ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً ﴾ أي لا يذوقون برودة تخفف عنهم حر النار.

وقيل: لا يذوقون ماء بارداً وقيل: البرد هنا النوم والأول أظهر ﴿ إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ﴾ استثناء من الشراب وهو متصل، والحميم: الماء الحار.

والغساق: صديد أهل النار، وقد ذكر في سورة داود [ص: 57] ﴿ جَزَآءً وِفَاقاً ﴾ أي موافقاً أعمالهم لأن أعمالهم كفر وجزاؤهم النار، ووفاقاً مصدر وصف به أو هو على حذف مضاف تقديره ذو وفاق ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً ﴾ هذا مثل ﴿ لا يرجون لقاءنا ﴾ وذكر ذكر ﴿ كِذَّاباً ﴾ بالتشديد مصدر بمعنى تكذيب وبالتخفيف بمعنى الكذب أو المكاذبة، وهي تكذيب بعضهم لبعض ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نزل في أهل النار من هذه الآية» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ كلا ستعلمون ﴾ بتاء الخطاب في الموضعين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ وفتحت ﴾ بالتخفيف: عاصم وحمزة وعليّ وخلف ﴿ لبثين ﴾ مقصوراً: حمزة ﴿ ولا كذاباً ﴾ مخففاً.

عليّ ﴿ رب ﴾ بالرفع بتقدير هو رب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبوعمرو والمفضل.الباقون: بالجر على البدل ﴿ الرحمن ﴾ باجر على البدل أو البيان: ابن عامر وسهل ويعقوب وعاصم غير المفضل.

الآخرون: بالرفع على" هو الرحمن " أو على أنه خير آخر.

الوقوف ﴿ يتساءلون ﴾ ه ج لاحتمال أن الجار متصل بالفعل المذكور والمراد التهديد.

قال الفراء: " عن " بمعنى اللام أي لأي شيء، أو متصل بمحذوف كأن سائلاً سأل عن أي شيء يتساءلون فأجيب عن النبأ.

﴿ العظيم ﴾ ه لا ﴿ مختلفون ﴾ ه ط بناء على أن معنى كلا حقاً ﴿ سيعلمون ﴾ لا ه ﴿ سيعلمون ﴾ ه ج ﴿ مهاداً ﴾ ه لا ﴿ أوتاداً ﴾ ه ص ﴿ أزوجاً ﴾ ه ﴿ سباتاً ﴾ ه لا ﴿ لباساً ﴾ ه لا ﴿ معاشاً ﴾ ه ص ﴿ شداداً ﴾ ه لا ﴿ وهاجاً ﴾ ه ص ﴿ ثجاجاً ﴾ ه لا ﴿ ونباتاً ﴾ ه ك ﴿ ألفافاً ﴾ ه ط ﴿ ميقاتاً ﴾ ه ط لأن ما بعده بدل ﴿ أفواجاً ﴾ ه ك ﴿ أبواباً ﴾ ه ك ﴿ سراباً ﴾ ه ط ﴿ مرصاداً ﴾ ه لا ﴿ مآباً ﴾ ه لا ﴿ أحقاباً ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً، ويجوز أن يكون صفة لـ ﴿ أحقاباً ﴾ لمكان عود الضمير في ﴿ فيها ﴾ إليها ﴿ شراباً ﴾ ه لا ﴿ غساقاً ﴾ ه ك ﴿ وفاقاً ﴾ ه ﴿ حساباً ﴾ ه ﴿ كذاباً ﴾ ه م لأن التقدير أحصينا كل شيء أحصيناه ﴿ كتاباً ﴾ ه لا ﴿ عذاباً ﴾ ه ﴿ مفازاً ﴾ ه ﴿ وأعناباً ﴾ ه ﴿ أتراباً ﴾ ه ك ﴿ دهاقاً ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بالصفة وللموصوف وجه كما يجيء في التفسير.

﴿ كذاباً ﴾ ه ط لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مصدراً ومفعولاً له ﴿ حساباً ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ رب ﴾ بالرفع وقف على ﴿ بينهما ﴾ إلا لمن قرأ ﴿ الرحمن ﴾ بالرفع ﴿ رب ﴾ بالجر على الرحمن وقف على الوجوه إلا إن جعله مبتدأ ﴿ لا يملكون ﴾ خبره ﴿ خطاباً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ لا يملكون ﴾ ﴿ صفاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ لا يتكلمون ﴾ ﴿ صواباً ﴾ ه لحق الشرط مع الفاء ﴿ مآباً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه ج لأن ﴿ يوم ﴾ متعلق باذكر أو بـ ﴿ عذاباً ﴾ ﴿ تراباً ﴾ ه.

التفسير: حرف الجر إذا دخل على " ما " الإستفهامية تحذف ألفها نحو " بم " و " عم " و " علام " و " لم " ه لشدّة الإتصال وكثرة الإستعمال.

ثم إن كان الكلام مبنياً على السؤال والجواب فالسائل والمجيب واحد وهو الله، والفائدة في هذا الأسلوب أن يكون إلى التفهيم أقرب.

ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما وقع فيه التساؤل وبيان أن مطلب ما وضع للسؤال عن حقائق الأشياء المجهولة والشيء العظيم الذي تعجز العقول عن إدراكه أو يدعي فيه العجز يكون مجهولاً، فوقع بين المسؤول بما وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه، والمشابهة أحد أسباب المجاز.

والنبأ العظيم القيامة بدليل الردع عن الاختلاف وللتهديد بعده.

وتقديم الضمير وبناء الكلام عليه لتقوى الكلام لا لا للاختصاص فإن غير قريش أيضاً مختلفون في أمر بالبعث فمنهم من يثبت الروحاني في المعاد فقط، ومنهم من يشك فيه كقوله ﴿ وما أظن الساعة قائمة  ﴾ ومنهم من يقطع بعدم البعث ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ \[المؤمنون: 37\] كان يسأل بعضهم بعضاً عن القيامة ويتحدثون عنها متعجبين من وقوعها.

ويجوزأن يكون المفعول محذوفاً أي يتساءلون النبي والمؤمنون نحو تراءينا الهلال فيكون التساؤل بطريق الاستهزاء ويحتمل أن يكون الضمير للمسلمين والكافرين جميعاً فقد كانوا جميعاً يتساءلون عنه، أما المؤمن فليزداد خشية واستعداد، وأما الكافر فلأجل الاستهزاء.

وقيل: النبأ العظيم القرآن، واختلافهم فيه أن بعضهم جعلوه سحراً.

وبعضهم شعراً وكهانة.

وقيل: نبوّة محمد كانوا يقولون ما هذا الذي حدث ﴿ بل عجبوا إن جاءهم منذر منهم  ﴾ وقالت الشيعة: هو عليّ قال القائل في حقه هو النبأ العظيم وفلك نوح وباب الله وانقطع الخطاب.

قال أهل المعاني: تكرير الردع مع الوعيد دليل على غاية التهديد.

وفي " ثم " إشارة إلى أن الوعيد الثاني أبلغ، ويجوز أن يكون الأول في الدنيا والثاني في الآخرة، أو الأول للكفار والثاني للمؤمنين.

وقيل: الأول ردع عن الاختلاف والثاني عن الكفر.

وحذف المفعول به أي سيعلمون أن ما يتساءلون عنه مختلفين فيه حق وصدق وذلك إذا اتصل العيان بالخبر.

ومن قرأ الخطاب فقد سلك سبيل الالتفات.

ثم عدد دلائل القدرة على البعث ودلائل الحكمة في الجزاء على أن كلاً منهما نعمة يجب أن تشكر بالتوفر على الطاقة ولا تكفر بالإقدام على المعصية.

والمهاد الفراش، والأوتاد ما يشدّ بها أطناب الخمية، شبهت الجبال الراسيات بها لأنها تحفظ الأرض أن تميد بما عليها وقد سبق تقريره.

والأزواج الأصناف المتقابلات القبيح بإزاء الحسن والطويل بحذاء القصير وغير ذلك من الأضداد.

والسبات الراحة.

والتركيب يدل على القطع والإزالة ومنه سبت الرجل رأسه إذا حلقه، والنوم يزيل التعب عن الإنسان فيستعقب الراحة قاله ابن الأعرابي والمبرد.

وقال الزجاج وغيره: هو الموت وهذا التفسير لا يناسبه مقام تعداد النعم.

واللباس ما يتغطى به والليل أخفى للويل.

والمعاش مصدر أو اسم زمان لأن الناس يتقبلون فيه لوجوه تعيشهم.

والشداد المحكمة التي لا تقبل الشق والخرق إلا ما شاء الله.

والوهاج المتلألىء الوقاد.

وفي كتاب الخليل: الوهج النار.

ولا شك أن الشمس جامعة للنور والحرارة.

والمعصرات السحاب بلغة قريش من أعصرت إذا شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك " أحصد الزرع " أي حان أن يحصد، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض وهذا القول مروي عن ابن عباس واختاره أبو العالية والربيع والضحاك.

وقال مجاهد والكلبي ومقاتل وقتادة: هي الرياح التي تنشىء السحاب وتدرّ أخلافه فكأنها مبادىء الإنزال.

الثجاج المنصب بكثرة يقال " ثجة وثج بنفسه " وفي الحديث " أفضل الحج العج والثج " فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج صب دماء الهدي.

ثم بين غاية الإنزال وهي إخراج الحب للإنسان، والنبات للأنعام غالباً، والجنات الملتفة لأجل التلذذ والتفكه.

قال الكسائي والأخفش: والألفاف جمع لف بالكسر ويحتمل أن يكون جمع لفيف كشريف وأشراف.

وقال في الكشاف: إنه لا واحد له كالأوزاع للجماعات المتفرقة ومنه قولهم " أخوة أخياف " أي مختلفة.

واعلم أن هذه التسعة نظراً إلى حدوثها وإمكانها تدل على الفاعل المختار، ونظراً إلى ما فيها من الإتقان والإحكام تدل على كمال علمه وحكمته الذاتية.

وبعد ثبوت كماله في هذه الأوصاف لم يبق للمتأمل شك في إمكان الحشر وقد أخبر الصادق عن وقوع هذا الممكن فوجب الجزم به على أن في إخراج النبات بعد جفافه ويبسه دليلاً ظاهراً على إمكان إخراج الموتى من القبور وبعثهم فلهذا رتب على هذه البيانات قوله ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ أي حداً توقت به الدنيا أو حداً لفصل الحكومات تنتهي الخلائق إليه.

والنفخة ههنا هي الثانية التي تكون عندها الحياة بدليل قوله ﴿ فتأتون أفواجاً ﴾ أي طائفة طائفة إلى أن يتكامل اجتماعهم.

وقال عطاء: كل نبي يأتي مع أمته.

وروى صاحب الكشاف عن معاذ أنه سأل رسول الله  عنه فقال  : " "يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمتيّ بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي، وبعضهم صم بكم، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم.

فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فآكل السحت، وأما المنكسون فأكلة الربا، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعملاهلم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هو أشد نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء " وفتح السماء شقها وانفطارها أو معنى آخر مغاير لهما.

والضمير في ﴿ فكانت ﴾ للسماء كأنها لكثرة أبوابها المفتوحة لنزول الملائكة صارت بكليتها أبواباً كقوله ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ ويحتمل أن يعود إلى مقدر دل عليه الكلام أي فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً.

وقال الواحدي: المضاف محذوف أي فكانت ذات أبواب.

وأما الجبال فإنه  ذكر حالها بعبارات مختلفة، ويمكن الجمع بينها بأن تدرك أوّلاً ﴿ وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة  ﴾ ثم تصير كالعهن ثم تصير كالهباء ﴿ وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً ﴾ وهي في كل هذه الأحوال باقية في مواضعها ثم تنسف بإرسال الرياح عليها ﴿ وإذا الجبال نسفت  ﴾ ثم تطير ههنا أحوال إذا برزت من تحتها ﴿ ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة  ﴾ والثاني للجبال فتطيره في الهواء كالهباء فمن نظر إليها حسبها لتكاثفها أجساماً جامدة وهي بالحقيقة مارة بتحريك الهواء كما قال ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب  ﴾ والثالث لها باعتبار أماكنها الأصلية فمن نظر إلى المواضع من بعيد ظن أن الجبال هناك حتى إذا دنا منها لم يجد فيها شيئاً ﴿ كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً  ﴾ وقد أشار إلى هذه الحالة بقوله ﴿ وسيرت الجبال فكانت سراباً ﴾ .

ثم أخبر عن أحوال السعداء والأشقياء يومئذ.

وقدم ذكر هذا المقام غير محرر فلينظر الأشقياء لأن الكلام في السورة بني على التهديد فقال ﴿ إن جهنم كانت ﴾ أي في علم الله أو هي مسلوبة الدلالة على المضي.

والمرصاد إما اسم للمكان الذي يرصد فيه كالضمار للذي تضمر فيه الخيل، والمنهاج إسم للمكان الذي ينهج فيه.

والمعنى أن خزنة جهنم يرصدون الكفار هناك، أو أن خزنتها يستقبلون المؤمنين عندها لأن جوازهم عليه بدليل قوله ﴿ وإن منكم إلا واردها  ﴾ ولهذا قال الحسن وقتادة: يعني طريقاً إلى الجنة.

وإما صفة نحو " مقدام " بمعنى أنها ترصد أعداء الله.

وقوله ﴿ للطاغين ﴾ متعلق بما بعده أو بما قبله، وعلى التقديرين لا بد من إضمار وهو لفظة لهم أو لأهل الجنة.

ثم ذكر كيفية استقرارهم هناك فقال ﴿ لابثين ﴾ ومن قرأ بغير ألف فهو أدل على الثبات.

قال جار الله: اللابث من وجد منه اللبث فقط، واللبث من لا يكاد يبرح المكان أما الأحقاب فزعم الفراء أن أصله الترادف والتتابع أي دهوراً مترادفة لا تكاد تتناهى كلما مضى حقب تبعه آخر.

وقال الحسن: الأحقاب لا يدري أحد ما هي ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدّون.

وسأل هلال الهجري علياً فقال: الحقب مائة سنة السنة اثنا عشر شهراً والشهر ثلاثون يوماً واليوم ألف سنة.

وقال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس: الحقب الواحد بضع وثمانون سنة والسنة ثلثمائة وستون يوماً واليوم ألف سنة من أيام الدنيا.

ونحو هذا يروى عن ابن عباس وقطرب مرفوعاً.

فإن قيل: عذاب أهل النار ولا سيما الطاغين غير متناه والأحقاب بالتفاسير المذكورة وإن كثر مبلغها متناهية، فلما وجه الجمع بينهما؟

قلنا: الحق متناه ولكن الأحقاب لا نسلم أنها متناهية فإن الجمع لا يلزم تناهي آحاده فيجوز أن يكون المعنى كلما مضى حقب تبعه آخر.

قال الفراء: سلمنا أن الأحقاب تفيد التناهي لكن بالمفهوم والنصوص الدالة على التأبيد كقوله ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وماهم بخارجين منها  ﴾ تدل بالمنطوق ولا شك أن المنطوق راجح.

وقال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيه أحقاباً غير ذائقين برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم ينقلون إلى جنس آخر غير الحميم والغساق.

وذكر في الكشاف وجهاً آخر وهو أن يكون أحقاباً من حق بعامنا هذا إذا قل خيره.

وحقب فلان ذا أخطأ الرزق فهو حقب كحذر وجمعه أحقاب فينتصب حالاً منهم أي لابثين في أسوأ حال.

والبرد معروف أي لا يجدون هواء بارداً ولا ماء بارداً.

وقال الأخفش والفراء: هو النوم ولذلك أن البرد لازم للنوم ولهذا يسكن العطش.

وسببه توجه الحرارة الغريزية إلى الباطن عند فتور الحواس الظاهرة والحركات الاختيارية وفي أمثالهم " منع البرد البرد " أي أصابني من البرد ما منعني من النوم.

وقد يضعف هذا القول أنهم لا يقولون ذقت البرد ويقولون " ذقت الكرى " وبأنهم يجدون الزمهرير فكيف يصح نفي البرد عنهم.

وقد يجاب عن الأول بأن الذوق في الصورتين مجاز فأي ترجيح لأحدهما على الآخر.

وعن الثاني بأن المراد برد له روح لا الذي فيه عذاب.

والحميم الماء البالغ في الحرارة، والغساق صديد أهل النار.

قوله ﴿ جزاء ﴾ نصب على المصدر أي جزاهم جزءا.

وانتصب ﴿ وفاقاً ﴾ على الوصف أي ذا وفاق أو موافقاً لعملهم في القبح والفظاعة والدوام.

ثم ذكر علة التأبيد فقال ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً ﴾ لا يخافون أو لا يتوقوعن حساباً وهذه إشارة إلى نقصانهم بحسب القوة العلمية فإن الذي اعتقد أنه لا حشر ولا حساب ولا يبالي بأي شيء ترك من القبائح والمظالم أو أي شيء ترك من الخيرات والفضائل.

قوله ﴿ وكذبوا بآياتنا كذاباً ﴾ إشارة إلى فساد عقائدهم حتى جحدوا الحق وكذبوا الرسل.

ومصدر " فعل " مشدد العين يجيء على " فعال " بالتشديد وهو الأكثر، وبالتخفيف عند بعضهم ولهذا لم يقرأ به إلا في الشواذ.

قال جار الله: هو مصدر كذب بدليل قوله: فصدّقتها وكذبتها *** والمرء ينفعه كذابه وهو مثل قوله ﴿ أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ يعني وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً أو تنصبه بـ ﴿ كذبوا ﴾ لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب.

وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة أو كذبوا بها مكاذبين، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يبالغ في أمر فبلغ فيه أقصى جهده.

أقول: أراد بهذا الوجه الأخير أن باب المغالبة يبنى على المفاعلة فيمكن أن يستدل بالمفاعلة على المبالغة بطريق العكس الجزئي ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ من باب الإضمار على شريطة التفسير.

قوله ﴿ كتاباً ﴾ مصدر لأنه والإحصاء يتلاقيان في معنى الضبط والتحصيل، ويجوز أن يكون حالاً أي مكتوباً في اللوح أو في صحف الأعمال.

قال جار الله: هذه جملة معترضة.

أقول: إنها من تمام التعليل المذكور أي فعلوا كذا وكذا ونحن عالمون بجميع الكليات والجزيئات فلهذا كتبنا جزاء العاصين على وفق أعمالهم.

ثم أظهر غاية السخط بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والتعقيب بفاء الجزاء الدال على أن المذكور سبب عن كفرهم بالحسنات وتكذيبهم بالآيات.

وزيادة العذاب يحتمل أن تكون لأجل أن المؤثر إذا استمرَّ ودام ازداد الإحساس بأثره، ويحتمل أن يكون لازدياد كفرهم وعتوّهم حيناً بعد حين كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ ويحتمل أن تكون زيادة العذاب عبارة عن نفس استمراره لأنه يتزايد بمرور الزمان، والمراد انا لن نخلصكم من العذاب إلى خلافه.

ثم شرع في شرح أحوال السعداء قائلاً ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ فوزاً وظفراً بالمطالب والأماني أو موضع فوز ثم فسره بقوله ﴿ حدائق ﴾ الخ.

والحدائق البساتين فيها أنواع الشجر وقد مرّ في قوله ﴿ حدائق ذات بهجة  ﴾ وخص منها الأعناب لشأن مزيته على سائر الفواكه.

والكواعب النواهد واحدها كاعب كطالق وطامث وهي التي ظهر ثديها كالكعب لها نتوّ قليل.

والأتراب اللذات.

والدهاق المترعة المملوءة وهذا قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة والزجاج والكسائي والمبرد.

يروى أن ابن عباس دعا غلاماً له فقال: اسقنا دهاقاً فجاء الغلام بها ملآنة فقال ابن عباس: هذا هو الدهاق.

وعن أبي هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد: هي المتتابعة.

قال الواحدي: وأصل هذا من قول العرب أدهقت الحجارة إدهاقاً وهو شدّة تلازمها ودخولها بعضها في بعض.

وعن عكرمة: دهاقاً أي صافية.

والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع دهق وهي خشبتان يعصر بهما.

والكأس الخمر أي خمراً ذات دهاق وهي التي عصرت وصفيت بالدهاق.

﴿ ولا يسمعون فيها ﴾ أي في الجنة وهو الأظهر أو في الكأس وشربها ﴿ لغواً ﴾ كلاماً باطلاً ﴿ ولا كذاباً ﴾ أي لا يكذب بعضهم بعضاً لأنهم إخوان الصفاء أخذان الوفاء.

ومن قرأ بالتخفيف فمعناه أنه لا يجري بينهم كذاب أو مكاذبة.

قال جار الله: ﴿ جزاء ﴾ مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ كأنه قال: جازى المتقين بمفاوز ﴿ عطاء ﴾ نصب بـ ﴿ جزاء ﴾ نصب المفعول به أي جزاهم عطاء.

وقال الزجاج: المعنى جازاهم بذلك جزاء وأعطاهم عطاء.

ومعنى ﴿ حساباً ﴾ كافياً من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال: حسبي.

وقيل: أي على حسب أعمالهم فمعنى الحساب العدّو والتقدير لبعضهم عشرة ولبعضهم سبعمائة وأكثر.

وقال ابن قتيبة: هو من أحسبت فلاناً أي أكثرت له يعني عطاء كثيراً.

وإنما قال في الأول ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ لأن جزاء السيئة سيئة مثلها أي موافقة لها.

وأما ههنا فالمراد ثواب المؤمنين وليس ذلك بتقدير العمل فقط ولكن بمقدار ما يكفيه.

ثم مدح نفسه بقوله ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن ﴾ وقد تقدّم إعرابه في الوقوف.

والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ قيل للكافرين نقله عطاء عن ابن عباس، يريد لا يخاطب المشركون الله، وأما المؤمنون فيشفعون ويقبل الله ذلك منهم.

وقيل للمؤمنين لأن ذكرهم أقرب من ذكر الكفار، والمراد أنه ما تحيف حقهم فبأي سبب يخاطبونه.

والأكثرون على أن الضمير لأهل السموات والأرض فإن أحداً من المخلوقين لا يملك خطاباً من جهة الله إذ كل من هو سواه فهو مملوكه، والمملوك لا يملك من جهة مالكه شيئاً وإلا لم يكن للمالك كمال الملك.

وقالت المعتزلة: إنه عالم بقبح القبيح غني عن فعله وعالم بغناه فلا يفعل إلا الحسن وحينئذ لا وجه للمطالبة والمخاطبة.

ثم أكد المعنى المذكور بقوله ﴿ يوم يقوم الروح ﴾ وهو أعظم المخلوقات قدراً كما مرّ في سورة سبحان في تفسير قوله  ﴿ ويسألونك عن الروح  ﴾ والصف مصدر في الأصل لا يثنى ولا يجمع غالباً فلهذا جاز أن يكون المراد أنهم يقومون صف من الروح وحده ومن الملائكة بأسرهم صف، وجاز أن يكون يراد يقوم الكل صفاً واحداً أو يقومون صفوفاً لقوله ﴿ وجاء ربك والملك صفاً صفاً  ﴾ ثم بين أنهم مع جلالة قدرهم لا يتكلمون إلا بشرطين: أحدهما الإذن من الله، والضمير في ﴿ له ﴾ إما للشافع أو للمشفوع.

والثاني أن يقول ﴿ صواباً ﴾ والضمير في ﴿ قال ﴾ أيضاً إما للشافع فالمراد أنهم لا ينطقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام، ثم بعد الإذن يجتهدون حتى لا يتكلمون إلا بما هو حق وصواب.

وإما للمشفوع.

والقول الصواب على هذا التفسير شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ وذلك اليوم الحق ﴾ أي لا باطل فيه ولا ظلم أو هو الكائن لا محالة ﴿ فمن شاء اتخذ ﴾ بالطاعة ﴿ إلى ربه مآباً ﴾ ومرجعاً.

والظاهر أن الضمير عائد في ﴿ شاء ﴾ إلى ﴿ من ﴾ وفيه دليل للمعتزلة.

ويروى عن الخدري وابن عباس أن الضمير لله ﴿ عذاباً قريباً ﴾ هو عذاب الآخرة لأن ما هو آت قريب.

وفي المرء أقوال: فعن عطاء أنه الكافر لتقدّم ذكر الإنذار وقوله الكافر ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم.

وعن الحسن وقتادة: إنه المؤمن لمجيء ذكر الكافر بعده، ولأن المؤمن لما قدّم الخير والشر فهو منتظر لأمر الله كيف يحدث، وأما الكافر فإنه قاطع بالعذاب ومع القطع لا يحصل الانتظار.

والأظهر أنه عام في كل مكلف.

و " ما " استفهامية منصوبة بـ ﴿ قدّمت ﴾ أو موصولة منصوبة بـ ﴿ ينظر ﴾ فيلزم إضمار " إن " حذف العائد من قدّمته، وحذف الجار لأن الأصل أن يقال ينظر إليه.

قوله ﴿ كنت تراباً ﴾ فيه وجوه أحدها: ليتني لم أبعث غير محشور.

الثاني ما ورد في الأخبار أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرناء ثم تردّ تراباً فيودّ الكافر حالها ليتخلص من العذاب.

وأنكر بعض المعتزلة ذلك لأنه  إذا أعادها فهي بين معوّض وبين متفضل عليه، وعلى التقديرين لا يجوز أن يقطعها عن المنافع لأن ذلك كالإضرار بها.

قال القاضي: إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة العقل لم يبعد أن يزيل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ضرراً.

وقال بعضهم: إن الحيوانات إذا انتهت مدّة أعواضها جعل الله  كل ما كان منها حسن الصورة ثواباً لأهل الجنة، وما كان قبيح الصورة عقاباً لأهل النار.

الثالث قال بعض الصوفية: أراد يا ليتني كنت متواضعاً في طاعة الله كالتراب لا مرتفعاً كالنار.

الرابع قيل: الكافر إبليس يرى آدم وثواب أولاده فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين  ﴾ .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ﴾ المقيات: الميعاد؛ أي: وعد فيها جميع الأولين والآخرين، صالحهم وطالحهم، صغيرهم وكبيرهم.

وسمي: يوم الفصل؛ لما يفصل فيه بين الأولياء وبين الأعداء، ويتبين [فيه مثوى] الفريقين جميعا، واليوم ليس بيوم فصل في الظاهر؛ لأن الدنيا تمر على الفريقين على حالة واحدة، وإن كان قد فصل بينهما بالتوفيق والخذلان.

وقيل: يوم الفصل: يوم الحكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ ، قيل: أمة فأمة، تأتى أمة كل رسول بحيالها.

وقيل: يقرن كل أحد بشيعته؛ على ما نذكره في قوله -  -: ﴿ وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً ﴾ : منهم من ذكر أنها تفتح لإنزال من شاء الله  من الملائكة، وتنشق وتنفطر؛ لشدة هول القيامة.

ومنهم من قال: إن الشق والفتح والانفطار كله واحد، فذكر الفتح؛ لشدة هول ذلك اليوم.

وجائز أن يكون الكل يقتضي معنى واحدا؛ لأنه فيما ذكر فيه الانشقاق قد ذكر فيه نزول الملائكة بقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً ﴾ : جائز أن يكون شبهها بالسراب؛ لما أنها إذا سيرت لم توجد في المكان الذي رآها فيه الناظر كالسراب الذي يرى من بعد إذا رآه الناظر، فأتاه لم يجده شيئا، لا أن تكون الجبال في الحقيقة سرابا؛ لأن السراب هو الذي يتراءى من البعد أنه شيء، ولا شيء في الحقيقة، وأما الجبال وإن سيرت فهي في نفسها شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً ﴾ : منهم من ذكر أنها كانت في عالم الله -  - أنها ترصد على من حقت عليه كلمة العذاب فتعذبه، ولا يمكنه الفرار عنها.

وقيل: ترصد بشهيقها وزفيرها من استوجب العذاب؛ فتعذبه وتتقرب به إلى ربها بطواعيتها له، وسخطها على من سخط الله عليه.

وقيل: معنى المرصاد: أن يكون ممر كل كافر ومؤمن عليها، لكن الكافر يقع فيها، والمؤمن ينجو عنها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلطَّاغِينَ مَآباً ﴾ ، أي: مرجعا، والطاغي هو الذي تعدى حدود الله  ، وضيع حقوقه، وكفر بأنعمه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً ﴾ ، ذكر الأحقاب، ولم يبين منتهى العدد، ولو كان اللبث فيها يرجع إلى أمد في حق الكفرة، لكان يأتي عليه البيان؛ ما أتى البيان على منتهى يوم القيامة بقوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ  ﴾ ، فلما لميبين، ثبت أنه لا يرجع إلى أحد، وإلى هذا ذهب الحسن.

ومنهم من ذكر أن معناه: أنهم يلبثون ثلاثة أحقاب، والحقب ثمانون سنة، يعذبون بلون من العذاب، ثم يعذبون بلون آخر من العذاب بعد ذلك، لا أن ينقطع عنهم العذاب بعد مضي الأحقاب، والأحقاب هي النهاية في الأوقات، فذكر النهاية في الأوقات، وما يكبر فيها؛ ليعلم أنهم أبداً فيها؛ كما قال: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ  ﴾ ؛ لأنهما هما اللذان عرفا بالدوام؛ فاقتضى ذلك معنى الدوام، فكذلك ذكر ما هو الهاية في الأوقات يعرف أنهم أبدا فيها مقيمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً ﴾ ، فذكر بعضهم أن البرد هو النوم.

ومنهم من ذكر أن معناه: الروح، والراحة.

وقال بعضهم: ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً ﴾ يقطع عنهم الحر، ﴿ وَلاَ شَرَاباً ﴾ يقطع عشطهم، ﴿ إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ﴾ فالحميم: هو الماء الذي قد انتهى في الحر نهايته، والغساق: الزمهرير.

وقال بعضهمه: هو ما ينفصل عن أبدانهم من الصديد والزهومة، وهو الودك؛ فمعناه - والله أعلم -: أن الذي يتطعم به أهل النار لا يعذبهم، ولا يجدزن به مستمتعا، بل يصير ذلك سبب إهلاكهم، لا أن يقع لهم بذلك البرد راحة وشفاؤهم؛ كما وصفهم الله -  -: ﴿ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ  ﴾ ، فيبقون أبدا في الهلاك لا يقضى عليهم فيستريحوا، ولا ينقطع عنهم العذاب فيتلذذوا بالحياة.

وقيل: الغساق: لون من العذاب، لم يطلع الله  عليه عباده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً وِفَاقاً ﴾ ، أي: وافق جزاؤهم أعمالهم، لا ينقصون، ولا يزدادون على قدر ما استوجبوا، بل يجزون مثل أعمالهم.

وجائز أن يكون معناه: أن جزاءهم وافق أعمالهم في الخبث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً ﴾ : منهم من ذكر أنهم لا يخافونه.

ومنهم من حمله على حقيقة الرجاء، أي: لم يكونوا يرجون الثواب.

والوجه في: أنهم كانوا قوما لا يؤمنون بالبعث ولا بالجزاء والعذاب حتى يخافوا العقاب، ويرجوا الثواب.

فإن حملته على الخوف، فهم لم يخافوه؛ لما لم يؤمنوا به، وكذلك إن حملته على حقيقة الرجاء، فهم لم يكونوا يرجونه؛ لما كذبوا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً ﴾ ، فالكذاب والتكذيب في لغة العرب واحد؛ والآيات: جائز أن يراد بالآيات آيات البعث، ويراد بها آيات الوحدانية، وآيات الرسالة، ونحوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً ﴾ : جائز أن يكون الإحصاء والكتاب واحداً.

وجائز أن يكون أريد بالإحصاء ما أثبت في الكتاب؛ كقوله  : ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ الزيادة في العذاب هي دوامه وبقاؤه، لا أن يزادوا على القدر الذي كان أعد لهم من العذاب؛ لأنه أخبر أنهم لا يجزون إلا مثلها، فإذا كان الذي عذبوا قبله جزاء لهم، لم يجز [أن] يزادوا عليه فثبت أن الزيادة انصرفت على الدوام والبقاء، وبهذا قال أصحابنا في تأويل قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ ، وفي كل ما ذكرت فيه الزيادة -: إنه على الثبات والدوام عليه، لا أنه يزيد وينقص.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا يذوقون فيها هواءً باردًا يبرد حر السعير عنهم، ولا يذوقون فيها شرابًا يُتَلذَّذ به.

<div class="verse-tafsir" id="91.RkvR2"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان غير المؤمنين يسأل بعضهم بعضًا عن رسالة النبي  ، ويسألون غيرهم فيقولون: هل هو رسول؟

وما هذا الخبر الذي جاء به من دعوى أنه مرسل من قِبَل الله يدعوه إلى توحيده وإلى الاعتقاد باليوم الآخر وهو يوم القيامة، يوم يسأل كل عامل عما عمل؟

فبكتهم الله بقوله: عن أي شيء يتساءلون؟

ثم قال: عن الخبر العظيم الذي هم فيه مختلفون، بعضهم ينكره، وبعضهم يتردد في صحته، ثم رد عليهم الانكار بقوله: كلا سيعملون، ثم كلا سيعملون -أي ستنكشف لهم الحقيقة، ويرون صحة الخبر، وتنقطع الريبة فيه يوم تقوم الساعة ويفصل بينهم.

ثم ذكرهم بدلائل قدرته وآيات رحمته فقال: ألم نجعل الأرض مهادًا إلخ، أي أن من ينعم على الناس هذه النعم العظيمة لا يهملهم من إرسال داع إلى توحيده بعد ما ضلوا عنه، وهاد إلى طريقة المستقيم، ومذكر بيوم الحساب، وليس بعظيم على صاحب هذا الاحسان أن يرسل ذلك الرسول، ولا أن يحقق ما يدعو إلى الاعتقاد به من شؤون اليوم الآخر، وهي ما ذكر في قوله: إن يوم الفصل إلخ.

(عم) أصله عما، أي عن أي شيء، والإبهام للتعظيم، و(النبأ) الخبر الذي يُهْتَمّ له.

و(كلا) للردع ونفي الزعم الباطل.

(المهاد) الفراش، وقد جعل الله الأرض موطئًا للناس والدواب يقيمون عليها، فهي فراش لهم.

و(الأوتاد) جمع وتد، بسكون التاء وكسرها وهو معروف، وإنما كانت الجبال أوتادًا لأن بروزها في الأرض كبروز الأوتاد المغروزة فيها، ولأنها في تثبيت الأرض ومنعها من الَميدان والاضطراب كالأوتاد في حفظ الخيمة من مثل ذلك، كأن أقطار الأرض قد شدت إليها، ولولا الجبال لكانت الأرض دائمة الاضطراب بما في جوفها من المواد الدائمة الجيشان.

و(أزواجًا) ذكرًا وأنثى ليتم الائتناس والتعاون على سعادة المعيشة وحفظ النسل وتكميله بالتربية، و (السبات) بضم السين الموت، والسبوت الميت، من السبت وهو القطع.

والنوم أحد الموتين، ونعمة الله فيه كبيرة، فإن موت بضع ساعات في اليوم يريح القوى من تعبها، وينشطها من كسلها، ويعيد إليها ما فقد منها، ولو لم يكن النوم موتًا واليقظة بعثًا لم يتم هذا التجديد للقوى.

(لباس) الجسم ما يستره، والليل شبيه باللباس لأنه يستر الأشخاص بظلمته.

وللناس في هذا الستر فوائد اللباس، فكما أن اللباس يقي من الحر والبرد ويستر العورات عن النظر كذلك يستتر فيه الفار من العدو أو الحيوان المفترس المطارد له، ويختفي فيه الكامن للوثوب على ما يريد التخلص منه والنجاة من شر مساورته.

وكم لظلال الليل عنك من يد تخبر أن المانوية تكذب( ) و(المعاني) الحياة فكما جعل النوم موتًا جعل اليقظة حياة.

والنهار زمن هذه الحياة، أي جعل النهار وقت معاش يستيقظون فيه وينقلبون في حوائجهم ومكاسبهم.

و(السبع الشداد) الطرائق السبع، وهي ما فيه الكواكب السبعة السيارة المشهورة.

وخصها بالذكر لظهورها ومعرفة العامة لها، وإلا فقد بنى ما هو أعظم منها وهو ما وراءها من عوالم السموات ووصفها بالشدة لأنها محكمة متينة لا يؤثر فيها مرور الزمان.

و (الوهاج) المتلألئ الوقاد.

والسراج الوهاج هو الشمس.

و (المعصرات) السحائب والغيوم إذا أعصرت، أي جاء وقت أن تعصر الماء فيسقط منها المطر.

و (الثجاج) المنصب بكثرة.

و (الحب) يعني به ما يقتات به الناس من نحو الحنطة والشعير.

و (النبات) ما يقتات به الدواب من التبن والحشيش "كلوا وارعوا أنعامكم" "متاعًا لكم ولأنعامكم".

و (الجنات) جمع جنة، وهي الحديقة والبستان فيه الشجر أو النخل.

و (ألفافًا) أي ملتفة الشجر لتقارب أغصانه وطول أفنانه.

و (يوم الفصل) هو يوم القيامة، يظهر فيه الحق، وينكشف الستار عن القلوب، والالتباس عن العيون فيفصل بين الحق والباطل.

و (كان ميقاتًا) أي ينتهي إليه الناس فيجتمعون فيه ليرى كُلُّ عاقبة عمله.

وكان كذلك أي قضاه الله وقدره.

(يوم ينفخ في الصور) بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان له، والنفخ في الصور تمثيل لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا يمثلها إلا نفخة في بوق، فإذا هم قيام ينظرون.

وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور وليس علينا أن نعلم ما هي حقيقة ذلك الصور، والبحث وراء هذا عبث لا يسوغ للمسلم.

و (الافواج) الأمم والطوائف، أي تأتون أممًا وطوائف مختلفة.

(وفتحت السماء) أي أنه يتغير في ذلك اليوم نظام الكون، فلا تبقى أرض على أنها تُقِلّ ولا سماء على أنها تظل -بل تكون السماء بالنسبة إلى الأرواح مفتحة الأبواب، بل تكون أبوابًا فلا يبقى علو ولا سفل، ولا يكون مانع يمنع الأرواح من السير حيث تشاء.

والآخرة عالم آخر غير عالم الدنيا التي نحن فيها، فنؤمن بما ورد به الخبر في وصفه ولا نبحث عن حقائقه ما دام الوارد غير محال.

ولا شك أن امتناع السماء علينا إنما هو لطبيعة أجسامنا في هذه الحياة الدنيا.

أما النشأة الأخرى فقد تكون على غير ذلك، فتكون السماء بالنسبة إلينا أبوابًا ندخل من أيها شئنا بإذن الله.

وقد يكون معنى تفتح السماء ما عنى بقوله: إذا السماء انشقت..

إذا السماء انفطرت..

يوم تشقق السماء بالغمام، أي انه يقع الاضطراب في نظام الكواكب، فيذهب التماسك بينها، ولا يكون فيما يسمى سماء إلا مسالك وأبواب لا يلتقي فيها شيء بشيء، وذلك هو خراب الكون العلوي كما يخرب الكون السفلي.

(وسيرت الجبال) تمثيل لمور الأرض في ذلك اليوم، وأن جبالها لا تكون على رسوخها المعروف اليوم، بل يذهب ما كان لها من قرار وتعود كأنها سراب يرى من بعيد، فإذا لمسته لم تجد شيئًا، وذلك لتفرق أجزائها وانبثاث جواهرها.

بعد أن عدد وجوه إحسانه ودلائل قدرته على إرسال رسوله وتأييده، وذكر أن الفصل بين الرسول وبين معانديه سيكون يوم القيامة، وذكر هوله وامتياز شؤونه عن شؤونه أيام الدنيا جاء إلى وعيد المكذبين وبيان ما يلاقونه، وأخبر أن جهنم -وهي دار العذاب- قد قدرها الله مرصادًا واحدًا يرصدون فيه للعذاب، وهي مرجعهم الذي ينتهون إليه، وأنهم سيقيمون فيها مددًا طوالًا، مجدبين معدمين لا يجدون شيئًا من النعيم والراحة، ولا يذوقون فيها روحًا ينفس عنهم حر النار، ولا يذوقون من الشراب إلا الماء الحار والصديد الذي يسيل من أبدانهم جزاء يوافق أعمالهم، لأنهم كانوا لا ينتظرون يوم الحساب، ولذلك اقترفوا السيئات، وأتوا قبائح الأعمال، وكذبوا بالدلائل التي أقامها الله على صدق رسله تكذيبًا أشد تكذيب، وقد أحصى الله كل شيء في كتاب علمه، فلم يغب عنه شيء مما صدر منهم، وسيوفيهم جزاء ما صنعوا، وستكون كلمته العالية أن يقول لهم ذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابًا.

(المآب) المرجع.

(لابثين) مقيمين.

(الاحقاب) جمع حقب بضمتين، قيل هو ثمانون سنة، وقيل أكثر من ذلك.

والمراد المدد المتطاولة، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها، أي يلبثون فيها مددًا إلى غير النهاية.

(البرد) برد الهواء، أو هو النوم، ورد عن بعض العرب "منع البرد البرد".

(الغساق) من غسق يغسق إذا انصب وسال، وهو القبح والصديد الدائم السيلان من أجساد أهل النار.

(الوفاق) مصدر وافق، وصف به الجزاء مبالغة.

(كذابًا) أي تكذيبًا.

وهذه الصيغة فاشية في كلام فصحاء العرب في باب فعل، فيقال فسر فسارًا مثلًا.

(كتابًا) مصدر كتب، وهو في موضع إحصاء، كأنه قيل أحصيناه إحصاء، أو أن أحصيناه في معنى كتبناه، لأن الإحصاء بالكتابة والكتابة هنا على النحو الذي يليق بتنزيه الله تعالى، وهو أعلى من كتابتنا التي نعرفها، واشد منها ضبطًا، لكنا لا نُكَلَّف بالبحث عنها، فذلك مما نؤمن به ونكل علم حقيقته إلى الله.

(إن للمتقين إلخ).

بعد ما بين حال المكذبين جاء بما يناله المتقون، وأنهم سيفوزون بالأجر العظيم في الجنان التي وصفها ووصف ما فيها، وأن ذلك عطاء لهم من مالك السموات والأرض، عظيم الرحمة والإنعام الذي لا يملك أحد من أهل السموات والأرض أن يخاطبه في شأن الثواب والعقاب، بل هو المتصرف فيه وحده في ذلك اليوم الذي يقوم فيه الروح والخلق المقدس من عالم الغيب والملائكة صفًا، ولا يمكن لأحد أن يتكلم إلا من أذن له الرحمن ونطق بالصواب.

(المفاز): الفوز بالنعيم والثواب أو مكان ذلك.

(والحدائق): البساتين فيها أنواع الشجر المثمر.

و(الاعناب) معروفة، جمع عنب، خصها بالذكر لأهميتها.

و (الكواعب) البنات اللاتي استدارت ثديهن.

و(الاتراب) اللاتي من سن واحدة.

والتمتع بهذه البنات في الجنة مما يتمثله الانسان في هذه الدنيا على نحو من اللذة ولكن لا تعلم حقيقته في الجنة، وغاية ما يجب أن نصدق به أنه تمتع فائق اللذة على حسب ما يناسب ذلك العالم الأخروي.

(كأس) إناء من بلور يشرب فيه.

و (الدهاق) المملؤة المترعة، وأدهق الحوض ملأه.

و (اللغو) ما لا يعتد به من الكلام.

و (الكِذّاب) التكذيب كما سبق، واللغو والتكذيب مما تألم له أنفس الصادقين بل هو من أشد الأذى لقلوبهم، فأراد الله إزاحة ذلك عنهم، و (الحساب) الكافي.

و (الروح والملائكة) من مخلوقات الله المغيبة عنا التي لا نُكلَّف بالبحث عن حقائقها، وقيامها واصطفافها على النحو الذي يليق بها.

والذي تفيده هذه الآية الكريمة أنهم -مع قربهم من الله- لا يستطيع أحد منهم أن يشفع لأحد أو يستمنح منحة إلا إذا أذن الله له، ولا يأذن إلا لمن علم أنه سيجاب، وإنما يكون الكلام ضربًا من التكريم لمن يأذن الله له به، يختص به من يشاء ولا أثر له فيما أراد البتة.

(ذلك اليوم الحق إلخ) بعد أن ذكر في قوله: إن يوم الفصل كان ميقاتًا إلخ - أن يوم القيامة موعد يفصل فيه بين الحق والباطل، وترفع فيه ستر الشبهة عن القلوب، وبيّن كيف يتحول العالم فيه من حال إلى حال، وكيف ينشر الموتى ويحشرون.

ثم ذكر أن دار العذاب حد ينتهي إليه أهل الجهالة والجحود في ذلك اليوم الموعود، وأن الفوز موعد لأهل الجنة وهم المتقون.

وأنهى الكلام في تعداد ما أعد لهم بأن ذلك سيكون لهم في ذلك اليوم، ووصفة بوصف آخر لم يسبق، وهو أنه يقوم فيه الروح والملائكة صفًا إلخ، عقب ذلك كله بتأكيد أن هذا اليوم حق لا ريب في أنه يأتي لا محالة.

فإذا كان هذا اليوم يوم الجزاء حقًا لا ريب فيه، ومرجعًا لا مفر منه، والناس فيه فريقان، فريق بعيد عن الله مدحور مآبه النار، ودار العذاب، وفريق مآبه القرب من الله ومنازل الكرامة، فمن كانت له مشيئة صادقة فليتخذ مآبًا إلى ربه، فليعمل عملًا صالحًا يقربه منه ويحله مَحالّ كرامته.

ثم رجع إلى تهديد المخاطبين من المعاندين وتحذيرهم عاقبة عنادهم فقال: (إنا أنذرناكم عذابًا قريبًا) وهو ما وصفه فيما سبق، وقربه لأنهم يجدون منه عقب موتهم، فإن الروح متى فارقت البدن انكشف لها ما ينتظرها، ولا تزال في ألم منه إلى أن تلاقيه يوم ينظر المرء أعماله حاضرة لديه معروضة عليه، وعند ذلك يقول الكافر، من شدة ما يلقى وهول ما يرى: يا ليتني كنت ترابًا، ويتمنى أن كان جمادًا لم يصب حظًا من الحياة.

(الإنذار) الأخبار بالمكروه قبل وقوعه.

(والمرء) الإنسان ذكرًا كان أو أنثى.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده