الإسلام > القرآن > سور > سورة 78 النبأ > الآية ٤٠ من سورة النبأ
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 111 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٠ من سورة النبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إنا أنذرناكم عذابا قريبا ) يعني : يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبا ، لأن كل ما هو آت آت .
( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ) أي : يعرض عليه جميع أعماله ، خيرها وشرها ، قديمها وحديثها ، كقوله : ( ووجدوا ما عملوا حاضرا ) [ الكهف : 49 ] ، وكقوله : ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) [ القيامة : 13 ] .
( ويقول الكافر ياليتني كنت ترابا ) أي : يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابا ، ولم يكن خلق ، ولا خرج إلى الوجود .
وذلك حين عاين عذاب الله ، ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سطرت عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة ، وقيل : إنما يود ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا ، فيفصل بينها بحكمه العدل الذي لا يجور ، حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء .
فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها : كوني ترابا ، فتصير ترابا .
فعند ذلك يقول الكافر : ( ياليتني كنت ترابا ) أي : كنت حيوانا فأرجع إلى التراب .
وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور وورد فيه آثار عن أبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو ، وغيرهما .
[ آخر تفسير سورة " عم " ]
وقوله: ( إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ) يقول: إنا حذّرناكم أيها الناس عذابًا قد دنا منكم وقرُب، وذلك ( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ) المؤمن ( مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) من خير اكتسبه في الدنيا، أو شرّ سَلَفَهُ، فيرجو ثواب الله على صالح أعماله، ويخاف عقابه على سيئها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) قال: المرء المؤمن يحذَر الصغيرة، ويخاف الكبيرة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن محمد بن جحَّادة، عن الحسن ( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) قال: المرء المؤمن.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن جحادة، عن الحسن، في قوله: ( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) قال: المرء المؤمن.
وقوله: ( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ) يقول تعالى ذكره: ويقول الكافر يومئذ تمنيا لما يلقى من عذاب الله الذي أعدّه لأصحابه الكافرين به، يا ليتني كنت ترابًا كالبهائم التي جُعِلت ترابًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر وابن أبي عديّ، قالا ثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو، قال: " إذا كان يوم القيامة، مُدّ الأديم، وحُشِر الدوابّ والبهائم والوحش، ثم يحصل القصاص بين الدوابّ، يقتصّ للشاة الجمَّاء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين الدوابّ، قال لها: كوني ترابا، قال: فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا ".
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر؛ قال: وحدثني جعفر بن بُرْقَان، عن يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، قال: " إن الله يحشر الخلق كلهم، كل دابة وطائر وإنسان، يقول للبهائم والطير: كونوا ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا ".
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرظيِّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يَقْضِي اللهُ بَينَ خَلْقِهِ الجِنِّ والإنْسِ والبَهائم، وإنَّه لَيَقِيدُ يَوْمَئِذٍ الجَمَّاءَ مِنَ القَرْناءِ، حتى إذَا لَمْ يَبْقَ تَبِعَةٌ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لأخْرَى، قالَ اللهُ: كُونُوا تُرَابًا، فَعِنْدَ ذلكَ يَقُولُ الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا " .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ) وهو الهالك المفرط العاجز، وما يمنعه أن يقول ذلك وقد راج عليه عَوْرَاتُ عمله، وقد استَقبل الرحمن وهو عليه غضبان، فتمنى الموت يومئذ، ولم يكن في الدنيا شيء أكرهَ عنده من الموت.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، قال: إذا قُضِيَ بين الناس، وأمر بأهل النار إلى النار قيل لمؤمني الجنّ ولسائر الأمم سوى ولد آدم: عُودُوا ترابًا، فإذا نظر الكفار إليهم قد عادوا ترابًا، قال الكافر: يا ليتني يا ليتني كنت ترابًا.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، في قوله: ( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ) قال: إذا قيل للبهائم: كونوا ترابًا، قال الكافر: يا ليتني كنت ترابًا.
آخر تفسير سورة عم يتساءلون.
قوله تعالى : إنا أنذرناكم عذابا قريبا يخاطب كفار قريش ومشركي العرب ; لأنهم قالوا : لا نبعث .
والعذاب عذاب الآخرة ، وكل ما هو آت فهو قريب ، وقد قال تعالى : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها قال معناه الكلبي وغيره .
وقال قتادة : عقوبة الدنيا ; لأنها أقرب العذابين .
قال مقاتل : هي قتل قريش ببدر .
والأظهر أنه عذاب الآخرة ، وهو الموت والقيامة ; لأن من مات فقد قامت قيامته ، فإن كان من أهل الجنة رأى مقعده من الجنة ، وإن كان من أهل النار رأى الخزي والهوان ; ولهذا قال تعالى : يوم ينظر المرء ما قدمت يداهيوم ينظر المرء ما قدمت يداه [ بين وقت ذلك العذاب ; أي أنذرناكم عذابا قريبا في ذلك اليوم ، وهو يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ، أي يراه ] ، وقيل : ينظر إلى ما قدمت فحذف إلى .
والمرء هاهنا المؤمن في قول الحسن ; أي يجد لنفسه عملا ، فأما الكافر فلا يجد لنفسه عملا ، فيتمنى أن يكون ترابا .
ولما قال : ويقول الكافر علم أنه أراد بالمرء المؤمن .
وقيل : المرء هاهنا : أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط .ويقول الكافر أبو جهل .
وقيل : هو عام في كل أحد وإنسان يرى في ذلك اليوم جزاء ما كسب .
وقال مقاتل : نزلت قوله : يوم ينظر المرء ما قدمت يداه في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي : ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا : في أخيه الأسود بن عبد الأسد .وقال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول : الكافر : هاهنا إبليس وذلك أنه عاب آدم بأنه خلق من تراب ، وافتخر بأنه خلق من نار ، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه من الثواب والراحة ، والرحمة ، ورأى ما هو فيه من الشدة والعذاب ، تمنى أنه يكون بمكان آدم ، فيقول : ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا قال : ورأيته في بعض التفاسير للقشيري أبي نصر .
وقيل : أي يقول إبليس يا ليتني خلقت من التراب ولم أقل أنا خير من آدم .
وعن ابن عمر : إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم ، وحشر الدواب والبهائم والوحوش ، ثم يوضع القصاص بين البهائم ، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء بنطحتها ، فإذا فرغ من القصاص بينها قيل لها : كوني ترابا ، فعند ذلك يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا .
ونحوه عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - .
وقد ذكرناه في كتاب ( التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ) ، مجودا والحمد لله .
ذكر أبو جعفر النحاس : حدثنا أحمد بن محمد بن نافع ، قال حدثنا سلمة بن شبيب ، قال حدثنا عبد الرازق ، قال حدثنا معمر ، قال أخبرني جعفر بن برقان الجزري ، عن يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، قال : إن الله تعالى يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان ، ثم يقال للبهائم والطير كوني ترابا ، فعند ذلك ( يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ) .
[ ص: 164 ] وقال قوم : يا ليتني كنت ترابا : أي لم أبعث ، كما قال : يا ليتني لم أوت كتابيه .
وقال أبو الزناد : إذا قضي بين الناس ، وأمر بأهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار ، قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن : عودوا ترابا ، فيعودون ترابا ، فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم يا ليتني كنت ترابا .وقال ليث بن أبي سليم : مؤمنو الجن يعودون ترابا .
وقال عمر بن عبد العزيز والزهري والكلبي ومجاهد : مؤمنو الجنة حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها .
وهذا أصح ، وقد مضى في سورة ( الرحمن ) بيان هذا ، وأنهم مكلفون : يثابون ويعاقبون ، فهم كبني آدم ، والله أعلم بالصواب .
{ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا } لأنه قد أزف مقبلا، وكل ما هو آت فهو قريب.{ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } أي: هذا الذي يهمه ويفزع إليه، فلينظر في هذه الدنيا إليه ، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } الآيات.فإن وجد خيرا فليحمد الله، وإن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ولهذا كان الكفار يتمنون الموت من شدة الحسرة والندم.نسأل الله أن يعافينا من الكفر والشر كله، إنه جواد كريم.تم تفسير سورة عم، والحمد لله رب العالمين
( إنا أنذرناكم عذابا قريبا ) يعني العذاب في الآخرة ، وكل ما هو آت قريب .
( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ) أي كل امرئ يرى في ذلك اليوم ما قدم من العمل مثبتا في صحيفته ، ( ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ) قال عبد الله بن عمرو : إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم ، وحشرت الدواب والبهائم والوحوش ، ثم يجعل القصاص بين البهائم حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء تنطحها ، فإذا فرغ من القصاص قيل لها : كوني ترابا ، فعند ذلك يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا ومثله عن مجاهد .
وقال مقاتل : يجمع الله الوحوش والهوام والطير فيقضي بينهم حتى يقتص للجماء من القرناء ، ثم يقول لهم : أنا خلقتكم وسخرتكم لبني آدم وكنتم مطيعين إياهم أيام حياتكم ، فارجعوا إلى الذي كنتم ، كونوا ترابا ، فإذا التفت الكافر إلى شيء صار ترابا ، يتمنى فيقول : يا ليتني كنت في الدنيا في صورة خنزير ، وكنت اليوم ترابا .
وعن [ أبي الزناد عبد الله بن ذكوان ] قال : إذا قضى الله بين الناس وأمر أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار ، وقيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن عودوا ترابا فيعودون ترابا ، فحينئذ يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا وبه قال ليث بن [ أبي ] سليم ، مؤمنو الجن يعودون ترابا وقيل : إن الكافر هاهنا إبليس وذلك أنه عاب آدم وأنه خلق من التراب وافتخر بأنه خلق من النار ، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه المؤمنون من الثواب والرحمة ، وما هو فيه من الشدة والعذاب ، قال : يا ليتني كنت ترابا قال أبو هريرة فيقول : التراب لا ولا كرامة لك ، من جعلك مثلي ؟
«إنا أنذرناكم» يا كفار مكة «عذابا قريبا» عذاب يوم القيامة الآتي، وكل آت قريب «يوم» ظرف لعذابا بصفته «ينظر المرء» كل امرئ «ما قدمت يداه» من خير وشر «ويقول الكافر يا» حرف تنبيه «ليتني كنت ترابا» يعني فلا أعذب يقول ذلك عندما يقول الله تعالى للبهائم بعد الاقتصاص من بعضها لبعض: كوني ترابا.
إنَّا حذَّرناكم عذاب يوم الآخرة القريب الذي يرى فيه كل امرئ ما عمل من خير أو اكتسب من إثم، ويقول الكافر من هول الحساب: يا ليتني كنت ترابًا فلم أُبعث.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا الإِنذار البليغ فقال : ( إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً ) .والإنذار : الإِخبار بحصول شئ تسوء عاقبته ، فى وقت يستطيع المنذر فيه أن يجنب نفسه الوقوع فى ذلك الشئ .
أى : إنا أخبرناكم - أيها الناس - بأن هناك عذابا قريبا ، سيحل بمن يستحقه عما قريب .وذلك العذاب سيكون أشد هولا ، وأبقى أثرا ، يوم القيامة ، ( يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) أى : يوم يرى كل إنسان عمله حاضرا أمامه ، ومسجلا عليه .
.( وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً ) أى : ويقول الإِنسان الكافر فى هذا اليوم على سبيل الحسرة والندامة ، يا ليتنى كنت فى الدنيا ترابا ، ولم أخلق بشرا ، ولم أكلف بشئ من التكاليف ، ولم أبعث ولم أحاسب .فالمقصود بالآية قطع أعذار المعتذرين بأبلغ وجه ، من قبل أن يأتى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم إنه تعالى زاد في تخويف الكفار فقال: ﴿ إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً ﴾ يعني العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت قريب، و(هو) كقوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضحاها ﴾ وإنما سماه إنذاراً، لأنه تعالى بهذا الوصف قد خوف منه نهاية التخويف وهو معنى الإنذار.
ثم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما في قوله: ﴿ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ فيه وجهان الأول: أنها استفهامية منصوبة بقدمت، أي ينظر أي شيء قدمت يداه الثاني: أن تكون بمعنى الذي وتكون منصوبة ينتظر، والتقدير: ينظر إلى الذي قدمت يداه، إلا أن على هذا التقدير حصل فيه حذفان أحدهما: أنه لم يقل: قدمته، بل قال: ﴿ قَدَّمْتُ ﴾ فحذف الضمير الراجع الثاني: أنه لم يقل: ينظر إلى ما قدمت، بل قال: ينظر ما قدمت، يقام نظرته بمعنى نظرت إليه.
المسألة الثانية: في الآية ثلاثة أقوال: الأول: وهو الأظهر أن المرء عام في كل أحد، لأن المكلف إن كان قدم عمل المتقين، فليس له إلا الثواب العظيم، وإن كان قدم عمل الكافرين، فليس له إلا العقاب الذي وصفه الله تعالى، فلا رجاء لمن ورد القيامة من المكلفين في أمر سوى هذين، فهذا هو المراد بقوله: ﴿ يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ فطوبى له إن قدم عمل الأبرار، وويل له إن قدم عمل الفجار والقول الثاني: وهو قول عطاء: أن المر هاهنا هو الكافر، لأن المؤمن كما ينظر إلى ما قدمت يداه، فكذلك ينظر إلى عفو الله ورحمته وأما الكافر الذي لا يرى إلا العذاب، فهو لا يرى إلا ما قدمت يداه، لأن ما وصل إليه من العقاب ليس إلا من شؤم معاملته والقول الثالث: وهو قول الحسن، وقتادة أن المرء هاهنا هو المؤمن، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أنه تعالى قال بعد هذه الآية، ﴿ وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ ترابا ﴾ فلما كان هذا بياناً لحال الكافر، وجب أن يكون الأول بياناً لحال المؤمن والثاني: وهو أن المؤمن لما قدم الخير والشر فهو من الله تعالى على خوف ورجاء، فينتظر كيف يحدث الحال، أما الكافر فإنه قاطع بالعقاب، فلا يكون له انتظار أنه كيف يحدث الأمر، فإن مع القطع لا يحصل الانتظار.
المسألة الثالثة: القائلون: بأن الخير يوجب الثواب والشر يوجب العقاب تمسكوا بهذه الآية، فقالوا: لولا أن الأمر كذلك، وإلا لم يكن نظر الرجل في الثواب والعقاب على عمله بل على شيء آخر والجواب عنه: أن العمل يوجب الثواب والعقاب، لكن بحكم الوعد والجعل لا بحكم الذات.
أما قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ ترابا ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أن يوم القيامة ينظر المرء أي شيء قدمت يداه، أما المؤمن فإنه يجد الإيمان والعفو عن سائر المعاصي على ما قال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ وأما الكافر فلا يتوقع العفو على ما قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ فعند ذلك يقول الكافر: ﴿ ياليتني كُنتُ ترابا ﴾ أي لم يكن حياً مكلفاً.
وثانيها: أنه كان قبل البعث تراباً، فالمعنى على هذا.
يا ليتني لم أبعث للحساب، وبقيت كما كنت تراباً، كقوله تعالى: ﴿ ياليتها كَانَتِ القاضية ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ .
وثالثها: أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرناء ثم يقال لها بعد المحاسبة: كوني تراباً فيتمنى الكافر عند ذلك أن يكون هو مثل تلك البهائم في أن يصير تراباً، ويتخلص من عذاب الله وأنكر بعض المعتزلة ذلك.
وقال: إنه تعالى إذا أعادها فهي بين معوض وبين متفضل عليه، وإذا كان كذلك لم يجز أن يقطعها عن المنافع، لأن ذلك كالإضرار بها، ولا يجوز ذلك في الآخرة، ثم إن هؤلاء قالوا: إن هذه الحيوانات إذا انتهت مدة أعواضها جعل الله كل ما كان منها حسن الصورة ثواباً لأهل الجنة، وما كان قبيح الصورة عقاباً لأهل النار، قال القاضي: ولا يمتنع أيضاً إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة العقل أن يزيل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ذلك ضرراً.
ورابعها: ما ذكره بعض الصوفية فقال قوله: ﴿ ياليتني كُنتُ ترابا ﴾ معناه يا ليتني كنت متواضعاً في طاعة الله ولم أكن متكبراً متمرداً.
وخامسها: الكافر إبليس يرى آدم وولده وثوابهم، فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة.
﴿ المرء ﴾ هو الكافر لقوله تعالى: ﴿ إِنَّآ أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً ﴾ والكافر: ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم، ويعني ﴿ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ من الشر، كقوله: ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 50- 51]، ﴿ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ الحريق ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ [الحج: 9 10]، ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ والله عَلِيمٌ بالظالمين ﴾ [البقرة: 95]، و(ما) يجوز أن تكون استفهامية منصوبة بقدّمت، أي ينظر أي شيء قدّمت يداه، وموصلة منصوبة بينظر، يقال: نظرته بمعنى نظرت إليه، والراجع من الصلة محذوف، وقيل: المرء عام، وخصص منه الكافر.
وعن قتادة: هو المؤمن ﴿ ياليتنى كُنتُ ترابا ﴾ في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف.
أو ليتني كنت تراباً في هذا اليوم فلم أبعث.
وقيل: يحشر الله الحيوان غير المكلف حتى يقتص للجماء من القرناء، ثم يردّه تراباً، فيودّ الكافر حاله وقيل: الكافر إبليس، يرى آدم وولده وثوابهم، فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ [الأعراف: 12] .
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة عم يتساءلون سقاه الله برد الشراب يوم القيامة» .
﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ، وقُرْبَهُ لِتَحَقُّقِهِ فَإنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ ولِأنَّ مَبْدَأهُ المَوْتُ.
﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ يَرى ما قَدَّمَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وْمَرْءٌ عامٌّ.
وقِيلَ: هو الكافِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا أنْذَرْناكُمْ ﴾ فَيَكُونُ الكافِرُ ظاهِرًا وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ، وما مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ يَنْظُرُ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ قَدَّمَتْ ، أيْ يَنْظُرُ أيَّ شَيْءٍ قَدَّمَتْ يَداهُ.
﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ فِي الدُّنْيا فَلَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أُكَلَّفْ، أوْ في هَذا اليَوْمِ فَلَمْ أُبْعَثْ، وقِيلَ: يُحْشَرُ سائِرُ الحَيَواناتِ لِلِاقْتِصاصِ ثُمَّ تُرَدُّ تُرابًا فَيَوَدُّ الكافِرُ حالَها.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ عَمَّ سَقاهُ اللَّهُ بَرْدَ الشَّرابِ يَوْمَ القِيامَةِ».»
{إنا أنذرناكم} أيهما الكفار {عذاباً قريباً} في الآخرة لأن ما هو آتٍ
قريب {يَوْمَ ينظُرُ المرءُ} الكافر قوله إنا أنذرنا كم عذاباً قريباً {ما قدّمت يداه} من الشر لقوله وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وتخصيص الأيدي لأن أكثر الأعمال تقع بها وإن احتمل أن لا يكون للأيدي مدخل فيما ارتكب من الآثام {وَيقولُ الكَافِرُ} وضع الظاهر موضع المضمر لزيادة الذم أو المرء عالم وخص منه الكافر وما قدمت يداه ما عمل من خير وشرا وهو المرمن لذكر الكافر بعده وما قدم من خير
وما استفهامية منصوبة بقدمت أي ينظر أي شيء قدمت يداه أو موصولة منصوبة بينظر يقال نظرته يعني نظرت إليه والراجع من الصلة محذوف أي ما قدمته {يا ليتني كنت تراباً} في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف أو ليتنى كنت تراباً في هذا اليوم فلم أبعث وقيل يحشر الله الحيوان غير المكلف حتى يقتص للجماء من القرناء ثم يرده تراباً فيود الكافر حاله وقيل الكافر إبليس يتمنى أن يكون كآدم مخلوقاً من التراب ليثاب ثواب أولاده المؤمنين والله أعلم
سورة النازعات ست وأربعون آية مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ إنّا أنْذَرْناكُمْ ﴾ أيْ: بِما ذُكِرَ في السُّورَةِ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِالبَعْثِ بِما فِيهِ وما بَعْدَهُ مِنَ الدَّواهِي أوْ بِها وبِسائِرِ القَوارِعِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ العَظِيمِ.
﴿ عَذابًا قَرِيبًا ﴾ : هو عَذابُ الآخِرَةِ وقُرْبُهُ لِتَحَقُّقِ إتْيانِهِ؛ فَقَدْ قِيلَ: ما أبْعَدَ ما فاتَ وما أقْرَبَ ما هو آتٍ، أوْ لِأنَّهُ قَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ يُقالُ: البَرْزَخُ داخِلٌ في الآخِرَةِ ومَبْدَؤُهُ المَوْتُ، وهو قَرِيبُ حَقِيقَةً كَما لا يَخْفى عَلى مَن عَرَفَ القُرْبَ والبُعْدَ، وعَنْ قَتادَةَ هو عُقُوبَةُ الذَّنْبِ لِأنَّهُ أقْرَبُ العَذابَيْنِ، وعَنْ مُقاتِلٍ: هو قَتْلُ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ ؛ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ هو صِفَةُ عَذابًا؛ أيْ: عَذابًا كائِنًا يَوْمَ...
إلَخْ.
ولَيْسَ ذَلِكَ اليَوْمُ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ، وكَذا عَلى ما قِيلَ مِن أنَّهُ بَدَلٌ مِن عَذابًا، أوْ ظَرْفٌ لِ: ﴿ قَرِيبًا ﴾ .
وعَلى هَذا الأخِيرِ قِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَوْجِيهِ القُرْبِ؛ لِأنَّ العَذابَ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ لا فاصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَرْءِ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ الظّاهِرَ جَعْلُ المُنْذَرِ بِهِ قَرِيبًا في وقْتِ الإنْذارِ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ؛ إذْ لا فائِدَةَ في ذِكْرِ قُرْبِهِ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَإذا تَعَلَّقَ بِهِ فالمُرادُ بَيانُ قُرْبِ اليَوْمِ نَفْسِهِ.
فَتَأمَّلْ.
والظّاهِرُ أنَّ ﴿ المَرْءُ ﴾ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.
و«ما» مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ بِ ﴿ يَنْظُرُ ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والمُرادُ يَوْمَ يُشاهِدُ المُكَلَّفُ المُؤْمِنُ والكافِرُ ما قَدَّمَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةً بِ ﴿ قَدَّمَتْ ﴾ أيْ: يَنْظُرُ أيَّ شَيْءٍ قَدَّمَتْ يَداهُ، والجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها؛ لِأنَّ النَّظَرَ طَرِيقُ العِلْمِ، والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَنْظُرُ ﴾ جَوابُ: ما قَدَّمَتْ يَداهُ، وفي الكَلامِ عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ تَغْلِيبٌ ما وقَعَ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ عَلى ما وقَعَ بِغَيْرِ هَذا الوَجْهِ حَيْثُ ذُكِرَ اليَدانِ لِأنَّ أكْثَرَ الأعْمالِ تُزاوَلُ بِهِما، فَجُعِلَ الجَمِيعُ كالواقِعِ بِهِما تَغْلِيبًا، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: «المُرْءُ» بِضَمِّ المِيمِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ تُضَعَّفَ؛ لِأنَّها لُغَةُ بَعْضِ العَرَبِ يُتْبِعُونَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ فَيَقُولُونَ: مَرْءٌ، ومَرْأً ومَرْءٍ، عَلى حَسَبِ الإعْرابِ.
﴿ ويَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ تَخْصِيصٌ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ تَناوَلَهُما المَرْءُ فِيما قَبْلُ مِنهُ بِالذِّكْرِ وخُصَّ قَوْلُ الكافِرِ دُونَ المُؤْمِنِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ عَلى غايَةِ الخَيْبَةِ ونِهايَةِ التَّحَسُّرِ ودَلالَةِ حَذْفِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ عَلى غايَةِ التَّبَجُّحِ ونِهايَةِ الفَرَحِ والسُّرُورِ، وقالَ عَطاءٌ: ( المَرْءُ ) هُنا الكافِرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أنْذَرْناكُمْ ﴾ وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ فِيما بَعْدُ، إلّا أنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَهُ لِزِيادَةِ الذَّمِّ، وفِيهِ أنَّ تَناوُلَ الفَرِيقَيْنِ هو المُطابِقُ لِما سَبَقَ مِن صَفِّ يَوْمٍ مُفَصِّلٍ لِما اشْتَمَلَ عَلى حالِهِما وهو الوَجْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ و ﴿ إنّا أنْذَرْناكُمْ ﴾ .
لا يَخُصُّ الكافِرَ لِأنَّ الإنْذارَ عامٌّ لِلْفَرِيقَيْنِ أيْضًا، فَلا دَلالَةَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والحَسَنُ: المُرادُ بِهِ المُؤْمِنُ، قالَ الإمامُ: دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الكافِرِ فِيما كانَ هَذا بَيانًا لِحالِ الكافِرِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ بَيانًا لِحالِ المُؤْمِنِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ كاسْتِدْلالِ الرِّياشِيِّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَرْءَ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المُؤْمِنِ، وأرادَ الكافِرَ بِقَوْلِهِ هَذا ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ في الدُّنْيا فَلَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أُكَلَّفْ، أوْ لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا في هَذا اليَوْمِ فَلَمْ أُبْعَثْ.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْضِرُ البَهائِمَ فَيَقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ، ثُمَّ يَقُولُ سُبْحانَهُ لَها: كُونِي تُرابًا، فَيَعُودُ جَمِيعُها تُرابًا، فَإذا رَأى الكافِرُ ذَلِكَ تَمَنّى مِثْلَهُ.
وإلى حَشْرِ البَهائِمِ والِاقْتِصاصِ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: الكافِرُ في الآيَةِ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَمّا شاهَدَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَسْلَهُ المُؤْمِنِينَ وما لَهم مِنَ الثَّوابِ تَمَنّى أنْ يَكُونَ تُرابًا؛ لِأنَّهُ احْتَقَرَهُ لَمّا قالَ: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ وهو بَعِيدٌ عَنِ السِّياقِ وإنْ كانَ حَسَنًا، والتُّرابُ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ، والكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ، وجُوِّزَ لا سِيَّما عَلى الأخِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِ: لَيْتَنِي كُنْتُ في الدُّنْيا مُتَواضِعًا لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى لا جَبّارًا ولا مُتَكَبِّرًا، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ كَما لا يَخْفى.
ثم قال عز وجل: لاَّ يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً يعني: لا يكون فيها برد يمنعهم من حرها.
وقال القتبي: البرد النوم.
وقال الزجاج: يجوز أن يكون البرد نوماً، ويجوز أن يكون معناه: لا يذوقون فيها برد ريح، ولا ظل وَلا شَراباً يعني: شراباً ينفعهم إِلَّا حَمِيماً يعني: ماءً حاراً قد انتهى حره وَغَسَّاقاً يعني: زمهريراً.
وقال الزجاج: الغساق ما يغسق من جلودهم، أي: ما يسيل وقد قيل الشديد البرد.
قرأ حمزة، والكسائي وعاصم في رواية حفص، وغساقاً بالتشديد.
والباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد.
ثم قال: جَزاءً وِفاقاً يعني: العقوبة موافقة لأعمالهم، لأن أعظم الذنوب الشرك نعوذ بالله، وأعظم العذاب النار، ووافق الجزاء العمل.
ثم قال: إِنَّهُمْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ حِساباً يعني: لا يخافون البعث بعد الموت.
ويقال: كانوا لا يرجون ثواب الآخرة، أنهم كانوا ينكرون البعث.
قوله تعالى: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً يعني: جحدوا بمحمد ، وبالقرآن كذاباً يعني: تكذيباً وجحوداً.
ثم قال: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً يعني: أثبتناه في اللوح المحفوظ فَذُوقُوا يعني: يقال لهم: فذوقوا العذاب فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً.
ثم بين حال المؤمنين فقال عز وجل: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً يعني: نجاة من النار إلى الجنة.
ويقال: المفاز بمعنى الفوز.
يعني: موضع النجاة حَدائِقَ وَأَعْناباً يعني: لهم حدائق في الجنة، والحدائق ما أحيط بالجدار، وفيه من النخيل والثمار، وأعناباً يعني: كروماً وَكَواعِبَ أَتْراباً والكواعب، الجواري مفلكات الثديين أَتْراباً مستويات في الميلاد والسن.
وقال أهل اللغة: الكواعب النساء، قد كعب ثديهن وَكَأْساً دِهاقاً كل إناء فيه شراب فهو كأس، فإذا لم يكن فيه شراب فليس بكأس، كما يقال للمائدة إذا كان عليها طعام مائدة، وإذا لم يكن فيها طعام خوان يقال دِهاقاً يعني: سائغاً.
وقال الكلبي: وَكَأْساً دِهاقاً يعني: إناء فيه خمر ملآن متتابعاً.
وهذا قول عطية وسعيد، والعباس بن عبد المطلب، - م-، ومجاهد، وإبراهيم النخعي.
لاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً يعني: حلفاً وباطلاً.
ويقال: ولا يسمعون في مشربها فحشاً خبثا وَلا كِذَّاباً يعني: تكذيباً في شربها.
يعني: لا يكذبون فيها.
قرأ الكسائي كذاباً بالتخفيف، يعني: لا يكذب بعضهم بعضاً.
وقرأ الباقون بالتشديد فهو من التكذيب ثم قال: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ يعني: ثواباً من ربك عَطاءً حِساباً يعني: كثيراً وقال مجاهد: عطاء من الله، حساباً بما عملوا.
وقال أهل اللغة: حساباً أي: كثيراً.
كما يقال: أعطينا فلاناً عطاء حساباً، أي: كثيراً.
وأصله أن يعطيه حتى يقول حسبي.
وقال الزجاج: حساباً.
أي: ما يكفيهم، يعني: فيه ما يشتهون.
ثم قال: رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خالق السموات والأرض.
قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو، رب السموات والأرض بضم الباء والباقون بالكسر فمن قرأ بالضم فمعناه هو رب السموات والأرض ومن قرأ بالكسر فهو على معنى الصفة أي: جزاء من ربك رب السموات والأرض وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ يعني: الرحمن هو رب السموات والأرض لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً يعني: لا يملكون الكلام بالشفاعة، إلا بإذنه يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ قال الضحاك: هو جبريل.
وقال قتادة عن ابن عباس، وخلق على صورة بني آدم.
ويقال: هو خلق واحد، يقوم صفاً واحداً وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا يعني: صفوفاً.
ويقال: الروح لا يعلمه إلا الله، كما قال قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: 85] .
ثم قال عز وجل: لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ يعني: لا يتكلمون بالشفاعة، إلا من أذن له الرحمن بالشفاعة وَقالَ صَواباً يعني: لا إله إِلاَّ الله يعني: من كان معه من التوحيد، وهو من أهل الشفاعة.
ثم قال عز وجل: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ يعني: القيامة كائنة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ يعني: من شاء وجد واتخذ بذلك التوحيد إِلى رَبِّهِ مَآباً يعني: مرجعاً.
ويقال: من شاء اتخذ بالطاعة إلى ربه مرجعاً.
ثم خوفهم فقال: نَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يعني: خوفناكم بعذاب قريب، وهو يوم القيامة.
ثم خوف المؤمنين، ووصف ذلك اليوم وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ يعني: ما عملوا من الخير والشر يعني: ينظر المؤمن إلى عمله، وينظر الكافر إلى عمله يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً يعني: لو كنت بهماً منها فأكون تراباً، أستوي بالأرض.
وذلك، إن الله تعالى يقول للسباع والبهائم، كوني تراباً فعند ذلك، يتمنى الكافرا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً.
وروى عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة- -، أنه قال: إن الله يحشر البهائم والدواب والناس، ثم يقتص لبعضهم من بعض، حتى يقتص للشاة.
الجماء من الشاة القرناء.
ثم إن الله تعالى يقول لها: كوني تراباً، فيراها الكافر ويتمنى أن يكون مثلها تراباً.
ويقول: الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً يعني: يا ليتني لم أبعث كقوله: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ [الحاقة: 25] إلى قوله: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ [الحاقة: 27] والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وسلم.
والعَرَبُ تُسَمِّيه/ بذلكَ لأنَّه يُبَرِّدُ سورَةَ العَطَشِ، وقال ابن عباس: البردُ الشرابُ البارد المستلذّ «١» ، وقال قتادة وجماعة: الغَسَّاقُ: هو ما يسيل من أجْسَامِ أهل النارِ من صديدٍ ونحوِه «٢» .
وقوله تعالى: وِفاقاً معناه لأعمالهم وكفرهم، ولا يَرْجُونَ قال أبو عبيدَة وغيره معناه: لا يَخافُونَ، وقال غيره: الرجاء هنا على بابه «٣» ، وكِذَّاباً مصدرٌ، لغةٌ فصيحةٌ يَمَانِيَّة، وعن ابن عمرَ قال: ما نَزَلَتْ في أهل النار آية أشدَ مِن قوله تعالى: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً «٤» ورواه أبو هريرةَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، والحدائقُ: هي البساتينُ علَيها حَلَقٌ وحظائرُ وجدرات، في البخاريِّ: وَكَواعِبَ أي: نَوَاهد، انتهى، والدِّهَاقُ: المُتْرَعَة فيما قال الجمهورُ، وقيل: الصافيةُ، وقال مجاهد: متتابعةٌ «٥» ، وعبارة البخاريِّ وقال ابن عباس: دِهاقاً: ممتلئة، انتهى «٦» ، وكِذَّاباً: مصدرٌ وهو الكَذِبُ.
وقوله: عَطاءً حِساباً أي: كَافِياً قاله الجمهور من قولهم، أحْسَبَنِي هذَا الأمْرُ، أي: كَفَاني، ومنه حَسْبِي اللَّهُ، وقال مجاهد: حِساباً معناه: بتَقْسِيطٍ، فالحِسَابُ على هذا بمَوازنةِ أعمالِ القَومِ إذ منهم المُكْثِرُ مِنَ الأعمال، والمُقِلُّ ولكلٍ بحسْبِ عملهِ «٧» .
وقوله تعالى: لاَّ يَمْلِكُونَ الضميرُ للكفارِ، أي: لاَ يَمْلِكُونَ منْ أفضالهِ وإجماله سبحانه أنْ يخاطبوه بمعذرةٍ ولا غيرها وهذا أيضاً في موطنٍ خاصٍّ.
وقوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ اخْتُلِفَ في الرُّوحِ المذكورِ هنا فقال الشعبي والضحاك: هو جبريلُ- عليه السلام «١» - وقال ابن مسعودٍ: هو مَلَكٌ عظيم أكبرُ الملائكةِ خِلْقَةً يسمَى الرُّوح «٢» ، وقال ابن زيد «٣» : هو القرآن، وقال مجاهدٌ: الروحُ خَلْقٌ على صورة بني آدمَ يأكلُون ويشربون «٤» ، / وقال ابن عبّاس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الرُّوحُ خَلْقٌ غَيْرُ المَلاَئِكَةِ هُمْ حَفَظَةٌ لِلْمَلاَئِكَةِ كَمَا المَلاَئِكَةُ حَفَظَةٌ لَنَا» «٥» ، وقيلَ الرُّوح اسمُ جنسٍ لأرواحِ بني آدم، والمعنى: يوم تَقُوم الأرواحُ في أجسادها إثْرَ البَعْثِ، ويكونُ الجميعُ من الإنس والملائِكَةِ صفًّا ولاَ يتكلمُ أحدٌ منهم هَيْبَةً وفَزَعاً إلا مَنْ أذنَ له الرحمنُ مِنْ مَلَكٍ أو نبي وكان أهلاً أنْ يقولَ صواباً في ذلك الموطنِ، وقال البخاريُّ: صَواباً: حَقًّا في الدنيا وعَمِلَ به، انتهى،، وفي قوله: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً وعدٌ ووعيدٌ وتحريضٌ، والعذابُ القريبُ: هو عذاب الآخرةِ، إذ كلُّ آتٍ قريبٌ، وقال أبو هريرةَ وعبدُ اللَّه بن عمر: إن اللَّه تعالى يُحْضِرُ البهائم يَومَ القيامةِ فيقتصُّ لبعضها من بعضٍ، ثم يقول لَها بَعْدَ ذلكَ:
كوني تراباً فيعودُ جميعُها تراباً فعند ذلك يقول الكافر: الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
«٦»
قلت: وَاعْلَمْ رحمكَ اللَّه أَني لم أقفْ على حديثٍ صحيحٍ في عَوْدِها تراباً، وقدْ نَقَلَ الشيخُ [أبُو العباسِ القَسْطَلاَّنِيُّ عن] الشيخ أبي الحكم بن أبي الرَّجَّالِ إنكارَ هذا القولِ، وقال: ما نُفِثَ روحُ الحياةِ في شَيْءٍ فَفَنِيَ بَعْدَ وجودِه، وقد نقَلَ الفَخْرُ هنا عن قَوْم بقاءَها وأن هذه الحيواناتِ إذا انْتَهَتْ مدةُ إعراضِها جعلَ اللَّه كلَّ ما كانَ مِنْهَا حَسَنَ الصُّورَةِ ثواباً لأهلِ الجنةِ، وما كانَ قَبيحَ الصورةِ عقاباً لأَهْلِ النارِ، انتهى، والمُعَوَّلُ عليه في هذا: النقلُ فإن صحّ فيه شيء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وَجَبَ اعْتِقَادُه وصِيرَ إليه، وإلا فلا مدخلَ للعقل هنا، والله أعلم.
سُورَةُ النَّبَإ وَيُقالُ لَها: سُورَةُ التَّساؤُلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ أصْلُهُ " عَنْ ما " فَأُدْغِمَتِ النُّونُ في المِيمِ، وحُذِفَتْ ألِفُ " ما " كَقَوْلِهِمْ: فِيمَ، وبِمَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ جَعَلَ المُشْرِكُونَ يَتَساءَلُونَ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُونَ: ما الَّذِي أتى بِهِ؟
ويَتَجادَلُونَ، ويَخْتَصِمُونَ فِيما بُعِثَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
واللَّفْظُ لَفْظُ اسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: تَفْخِيمُ القِصَّةِ، كَما يَقُولُونَ: أيُّ شَيْءٍ زَيْدٌ؟
إذا أرَدْتَ تَعْظِيمَ شَأْنِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ ما الَّذِي يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ يَعْنِي: عَنِ الخَبَرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ.
وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: فَلَمّا أجابَ صارَتْ " عَمَّ " كَأنَّها في مَعْنى: لِأيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ القُرْآنِ.
والثّانِي: البَعْثُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أمْرُ النَّبِيِّ ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ مَن قالَ: إنَّهُ القُرْآنُ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وكَذَلِكَ مَن قالَ: هو أمْرُ النَّبِيِّ ، فَأمّا مَن قالَ: إنَّهُ البَعْثُ والقِيامَةُ، فَفي اخْتِلافِهِمْ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَمّا سَمِعُوا بِهِ، فَمِنهم مَن صَدَّقَ وآمَنَ، ومِنهم مَن كَذَّبَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَصَدَّقَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وكَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: هي رَدْعٌ وزَجْرٌ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: هي نَفْيٌ لِاخْتِلافِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا ﴿ سَيَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ حِينَ يَنْكَشِفُ الأمْرُ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ وعِيدٌ عَلى إثْرِ وعِيدٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " سَتَعْلَمُونَ " في الحَرْفَيْنِ بِالتّاءِ.
ثُمَّ ذَكَرَ صُنْعَهُ لِيَعْرِفُوا تَوْحِيدَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ أيْ: فِراشًا وبِساطًا ﴿ والجِبالَ أوْتادًا ﴾ لِلْأرْضِ لِئَلّا تَمِيدَ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا، وأضْدادًا، ذُكُورًا، وإناثًا، سُودًا، وبِيضًا، وحُمْرًا.
﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: راحَةٌ لِأبْدانِكم.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الفُرْقانِ: ٤٧] وشَرَحْنا هُناكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ أيْ: سَبَبًا لِمَعاشِكم.
والمَعاشُ: العَيْشُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُعاشُ بِهِ، فَهو مَعاشٌ.
والمَعْنى: جَعَلْنا النَّهارَ مَطْلَبًا لِلْمَعاشِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعاشًا، أيْ: عَيْشًا، وهو مَصْدَرٌ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي السَّمَواتُ، غِلْظُ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ مِثْلُ ذَلِكَ، وهي فَوْقَكم يا بَنِي آدَمَ.
فاحْذَرُوا أنْ تَعْصُوا فَتَخِرَّ عَلَيْكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا ﴾ يَعْنِي: الشَّمْسَ ﴿ وَهّاجًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُضِيءُ.
وقالَ اللُّغَوِيُّونَ: الوَهّاجُ: الوَقّادُ.
وقِيلَ: الوَهّاجُ يَجْمَعُ النُّورَ والحَرارَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها السَّمَواتُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّها الرِّياحُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هي الجَنُوبَ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ " مِن " بِمَعْنى " الباءِ " فَتَقْدِيرُهُ: بِالمُعْصِراتِ.
وإنَّما قِيلَ لِلرِّياحِ: مُعْصِراتٌ، لِأنَّها تَسْتَدِرُّ المَطَرَ.
والثّالِثُ: أنَّها السَّحابُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ.
والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ.
قالَ الفَرّاءُ: السَّحابَةُ المُعْصِرُ: الَّتِي تَتَحَلَّبُ بِالمَطَرِ ولَمّا يَجْتَمِعْ، مِثْلُ الجارِيَةِ المُعْصِرِ، قَدْ كادَتْ تَحِيضُ، ولَمّا تَحِضْ.
وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: شُبِّهَتِ السَّحابُ بِمَعاصِيرِ الجَوارِي، والمُعْصِرُ: الجارِيَةُ الَّتِي قَدْ دَنَتْ مِنَ الحَيْضِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لِلسَّحابِ: مُعْصِراتٌ، كَما قِيلَ: أجَزَّ الزَّرْعُ، فَهو مُجَزٌّ، أيْ: صارَ إلى أنْ يُجَزَّ، فَكَذَلِكَ السَّحابُ إذا صارَ إلى أنْ يُمْطِرَ، فَقَدْ أعْصَرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماءً ثَجّاجًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: مَطَرًا كَثِيرًا مُنْصَبًّا يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ: ثَجَّ الماءُ يَثُجُّ: إذا انْصَبَّ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ ﴿ حَبًّا ونَباتًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الحَبَّ: ما يَأْكُلُهُ النّاسُ، والنَّباتَ: ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما حُصِدَ حَبٌّ، وكُلُّ ما أكَلَتْهُ الماشِيَةُ مِنَ الكَلَإ، فَهو نَباتٌ.
والثّانِي: أنَّ الحَبَّ: اللُّؤْلُؤُ، والنَّباتُ: العُشْبُ.
قالَ عِكْرِمَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرًا، إلّا أنْبَتَ بِهِ في البَحْرِ لُؤْلُؤًا، وفي الأرْضِ عُشْبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَنّاتٍ ﴾ يَعْنِي: بَساتِينَ ﴿ ألْفافًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: مُلْتَفَّةٌ مِنَ الشَّجَرِ لَيْسَ بَيْنَها خِلالٌ، الواحِدَةُ: لَفّاءٌ، وجَنّاتٌ لُفٌّ، وجَمْعُ الجَمْعِ: ألْفافٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَدَلَّ بِذِكْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى البَعْثِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ ﴾ أيْ: يَوْمَ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿ كانَ مِيقاتًا ﴾ لِما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.
﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ ﴾ مِن قُبُورِكم ﴿ أفْواجًا ﴾ أيْ: زُمَرًا زُمَرًا مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿ وَفُتِحَتِ السَّماءُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " وفُتِّحَتْ " بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ، وإنَّما تُفْتَحُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ ﴿ فَكانَتْ أبْوابًا ﴾ أيْ: ذاتُ أبْوابٍ ﴿ وَسُيِّرَتِ الجِبالُ ﴾ عَنْ أماكِنِها ﴿ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ أيْ: كالسَّرابِ، لِأنَّها تَصِيرُ هَباءً مُنْبَثًّا فَيَراها النّاظِرُ كالسَّرابِ بَعْدَ شِدَّتِها وصَلابَتِها ﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: مِرْصادًا يَرْصُدُونَ بِهِ، أيْ: هو مُعَدٌّ لَهم يَرْصُدُ بِها خَزَنَتُها الكُفّارَ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: المِرْصادُ: المَكانُ الَّذِي يَرْصُدُ فِيهِ الرّاصِدُ العَدُوَّ.
ثُمَّ بَيَّنَ لِمَن هي مِرْصادٌ فَقالَ تَعالى: ﴿ لِلطّاغِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ مَآبًا ﴾ أيْ: مَرْجِعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لابِثِينَ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ " لَبِثِينَ " والمَعْنى: فِيهِما واحِدٌ.
يُقالُ: هو لابِثٌ بِالمَكانِ، ولَبِثٌ.
ومِثْلُهُ طامِعٌ، وطَمِعٌ، وفارِهٌ، وفَرِهٌ.
وأمّا الأحْقابُ فَجَمْعَ حِقْبٍ، وقَدْ ذَكَرْنا الِاخْتِلافَ فِيهِ في [الكَهْفِ: ٦٠] .
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ذِكْرِ الأحْقابِ، وخُلُودُهم في النّارِ لا نَفادَ لَهُ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى غايَةٍ، لِأنَّهُ كُلَّما مَضى حِقْبٌ تَبِعَهُ حِقْبٌ.
ولَوْ أنَّهُ قالَ " لابِثِينَ فِيها عَشْرَةَ أحْقابٍ أوْ خَمْسَةً " دَلَّ عَلى غايَةٍ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والجُمْهُورِ.
وبَيانُهُ أنَّ زَمانَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ يُتَصَوَّرُ دُخُولُهُ تَحْتَ العَدَدِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها نِهايَةٌ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا ﴿ لا يَذُوقُونَ ﴾ في الأحْقابِ ﴿ بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ فَأمّا خُلُودُهم في النّارِ فَدائِمٌ.
هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وبَيانُهُ أنَّ الأحْقابَ حَدٌّ لِعَذابِهِمْ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ، فَإذا انْقَضَتِ الأحْقابُ عُذِّبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ.
وفي المُرادِ " بِالبَرْدِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ بَرْدُ الشَّرابِ.
رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدَ الشَّرابِ، ولا الشَّرابَ.
والثّانِي: أنَّهُ الرُّوحُ والرّاحَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ النَّوْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وأنْشَدُوا: فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النُّقاخُ: الماءُ، والبَرْدُ: النَّوْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَبْرُدُ فِيهِ الحَرارَةُ.
وَقالَ مُقاتِلٌ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا يَنْفَعُهم مِن حَرِّها، ولا شَرابًا يَنْفَعُهم مِن عَطَشٍ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " غَساقًا " بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّشْدِيدِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَمِيمِ، والغَسّاقِ [ص: ٥٧] ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: وِفْقًا لِأعْمالِهِمْ.
وقالَ غَيْرُهُ: جُوزُوا جَزاءً وِفاقًا لِأعْمالِهِمْ عَلى مِقْدارِها فَلا ذَنْبَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، ولا عَذابَ أعْظَمُ مِنَ النّارِ.
﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَخافُونَ أنْ يُحاسَبُوا، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: لا يَرْجُونَ ثَوابَ حِسابٍ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الكِذّابُ بِالتَّشْدِيدِ لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ، يَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ كِذّابًا، وخَرَقْتُ القَمِيصَ خِرّاقًا، وكُّلُّ " فَعَلْتُ " فَمَصْدَرُهُ في لُغَتِهِمْ مُشَدَّدٌ.
قالَ لِي أعْرابِيٌّ مِنهم عَلى المَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ، أمِ القِصّارُ؟
وأنْشَدَنِي بَعْضُ بَنِي كِلابٍ: لَقَدْ طالَ ما ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحابَتِي ∗∗∗ وعَنْ حِوَجٍ قِضّاؤُها مِن شِفائِيا وَأمّا أهْلُ نَجْدٍ، فَيَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ تَكْذِيبًا.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِذّابُ أشَدُّ مِنَ الكِذابِ، وهُما مَصْدَرُ المُكاذَبَةِ.
قالَ الأعْشى: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " كُلَّ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ: أحْصَيْناهُ، والمَعْنى: أحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ، و ﴿ كِتابًا ﴾ تَوْكِيدٌ ِلـِ " أحْصَيْناهُ "، لِأنَّ مَعْنى " أحْصَيْناهُ " و " كَتَبْناهُ " فِيما يَحْصُلُ ويَثْبُتُ واحِدٌ.
فالمَعْنى: كَتَبْناهُ كِتابًا.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ أثْبَتْناهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿ فَذُوقُوا ﴾ أيْ: فَيُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا جَزاءَ فِعالِكم ﴿ فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا ﴿ مَفازًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مُتَنَزَّهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: فازُوا بِأنْ نَجَوْا مِنَ النّارِ بِالجَنَّةِ، ومِنَ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " مَفازًا " في مَوْضِعِ " فَوْزٍ " ﴿ حَدائِقَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَدائِقُ: بَساتِينُ نَخْلٍ، واحِدُها: حَدِيقَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَواعِبَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَواعِبُ: النَّواهِدُ.
قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: كَعَبَتِ المَرْأةُ كَعابَةً، فَهي كاعِبٌ: إذا نَتَأ ثَدْيُها.
وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " الأتْرابِ " في [ص: ٥٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَلْأى، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ.
رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: أنَّها الصّافِيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها ﴾ أيْ: في الجَنَّةِ إذا شَرِبُوها ﴿ لَغْوًا ﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [الطَّوْرِ: ٢٣] وغَيْرِها ﴿ وَلا كِذّابًا ﴾ أيْ: لا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا، لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ تَكَلَّمُوا بِالباطِلِ، وأهْلُ الجَنَّةِ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ.
قالَ الفَرّاءُ: وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " كِذابًا " بِالتَّخْفِيفِ، كَأنَّهُ -واللَّهُ أعْلَمُ- لا يَتَكاذَبُونَ فِيها.
وكانَ الكِسائِيُّ يُخَفِّفُ هَذِهِ ويُشَدِّدُ، " وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا " لِأنَّ " كَذَّبُوا " يُقَيِّدُ " الكِذّابَ " بِالمَصْدَرِ، وهَذِهِ لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِفِعْلٍ يُصَيِّرُها مَصْدَرًا.
وقَدْ ذَكَرْنا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ الكِذّابَ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ المُكاذَبَةِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: " الكِذابُ " بِالتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ " كَذَبَ "، مِثْلُ " الكِتابِ " مَصْدَرُ " كَتَبَ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: جازاهم بِذَلِكَ جَزاءً، وكَذَلِكَ " عَطاءً "، لِأنَّ مَعْنًى أعْطاهم وجازاهم واحِدٌ.
و ﴿ حِسابًا ﴾ مَعْناهُ: ما يَكْفِيهِمْ، أيْ: فِيهِ كُلُّ ما يَشْتَهُونَ.
يُقالُ: أحْسَبَنِي كَذا بِمَعْنى كَفانِي.
﴿ رَبِّ السَّماواتِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والمُفَضَّلُ: " رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنُ " بِرَفْعِ الباءِ مِن " رَبِّ " والنُّونِ مِنَ " الرَّحْمَنِ " عَلى مَعْنى: هو رَبُّ السَّمَواتِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِخَفْضِ الباءِ والنُّونِ عَلى الصِّفَةِ مِن " رَبِّكَ " .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ ورَفْعِ النُّونِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، ووافَقَهُ عَلى هَذا جَماعَةٌ، وعَلَّلُوا بِأنَّ الرَّبَّ قَرِيبٌ مِنَ المَخْفُوضِ، والرَّحْمَنَ بَعِيدٌ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا بِإذْنِهِ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: لا يَقْدِرُ الخَلْقُ أنْ يُكَلِّمُوا الرَّبَّ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جُنْدٌ مِن جُنْدِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسُوا بِمَلائِكَةٍ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
وقالَ مُجاهِدٌ: هم خَلْقٌ عَلى صُورَةِ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ مَلَكٌ أعْظَمُ مِنَ السَّمَواتِ والجِبالِ، والمَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرُّوحُ: مَلَكٌ ما خَلَقَ اللَّهُ أعْظَمَ مِنهُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قامَ هو وحْدَهُ صَفًّا، وقامَتِ المَلائِكَةُ كُلُّهم صَفًّا واحِدًا، فَيَكُونُ عِظَمُ خَلْقِهِ مِثْلَ صُفُوفِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّها أرْواحُ النّاسِ تَقُومُ مَعَ المَلائِكَةِ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تُرَدَّ إلى الأجْسامِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: أنَّهم بَنُو آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والسّابِعُ: أنَّهم أشْرَفُ المَلائِكَةِ، قالَهُ َمُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ صَفًّا ﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: هُما سِماطانِ، سِماطٌ مِنَ الرُّوحِ، وسِماطٌ مِنَ المَلائِكَةِ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ صَفًّا، والمَلائِكَةُ صَفًّا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صَفًّا ﴾ صُفُوفًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ ﴾ يَعْنِي: الخَلْقَ كُلَّهم ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ في الكَلامِ ﴿ وَقالَ صَوابًا ﴾ أيْ: قالَ في الدُّنْيا صَوابًا، وهو الشَّهادَةُ بِالتَّوْحِيدِ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ حَقًّا في الدُّنْيا، وعَمِلَ بِهِ ﴿ ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ ﴾ الكائِنُ الواقِعُ بِلا شَكٍّ ﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ أيْ: مَرْجِعًا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ.
ثُمَّ خَوَّفَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ أيْ: يَرى عَمَلَهُ مُثْبَتًا في صَحِيفَتِهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ يا لَيْتَنِي لَمْ أُبْعَثْ.
وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ بَعْضِ أشْياخِهِ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ الكافِرَ هاهُنا: إبْلِيسُ، وذَلِكَ أنَّهُ عابَ آدَمَ، لِأنَّهُ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ، فَتَمَنّى يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ بِمَكانِ آدَمَ، فَقالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ وقالَ صَوابًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ ﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ويَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في "الرُوحُ" المَذْكُورَةُ في هَذا المَوْضِعِ- فَقالَ الشَعْبِيُّ والضَحّاكُ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، ذَكَرَهُ خاصَّةً مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ تَشْرِيفًا، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو مَلِكٌ عَظِيمٌ، أكْبَرُ المَلائِكَةِ خِلْقَةً يُسَمّى "بِالرُوحِ"، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ أبِي يَقُولُ هو القُرْآنُ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالقِيامُ فِيهِ مُسْتَعارٌ يُرادُ بَيانُهُ وظُهُورُهُ وشِدَّةُ آثارِهِ، والأشْياءُ الكائِنَةُ عن تَصْدِيقِهِ أو تَكْذِيبِهِ، ومَعَ هَذا في القَوْلِ قَلَقٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ خَلْقٌ عَلى صُورَةِ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَبِيِّ : « "الرُوحُ خَلْقٌ غَيْرُ المَلائِكَةِ، وحَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ كَما المَلائِكَةُ حَفَظَةٌ لِلْأنْبِياءِ ولَنا"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: الرُوحُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ: يُرادُ بِهِ أرْواحُ بَنِي آدَمَ، والمَعْنى: يَوْمَ تَقُومُ الرُوحُ في أجْسادِها إثْرَ البَعْثِ والنَشْأةِ الآخِرَةِ، ويَكُونُ الجَمِيعُ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ صَفًّا، ولا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ هَيْبَةً وفَزَعًا، إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ مِن مَلَكٍ أو نَبِيٍّ، وكانَ أهْلًا أنْ يَقُولَ صَوابًا في ذَلِكَ المَوْطِنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الضَمِيرُ في "يَتَكَلَّمُونَ" عائِدٌ عَلى الناسِ خاصَّةً و"الصَوابُ" المُشارُ إلَيْهِ هو "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، قالَ عِكْرِمَةُ: أيْ قالَها في الدُنْيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ" أيْ: الحَقُّ كَوْنُهُ ووُجُودُهُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ وتَحْرِيضٌ، و"المَآبُ": المَرْجِعُ ومَوْضِعُ الأوبَةِ، والضَمِيرُ الَّذِي هو الكافُ والمِيمُ في "أنْذَرْتُكُمْ" هو لِجَمِيعِ العالَمِ وإنْ كانَتِ المُخاطَبَةُ لِمَن حَضَرَ النَبِيَّ مِنَ الكُفّارِ، و"العَذابُ القَرِيبُ" عَذابُ الآخِرَةِ، ووَصْفَهُ بِالقُرْبِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ آتٍ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، والجَمِيعُ داخِلٌ في النِذارَةِ مِنهُ، "وَنَظَرُ المَرْءِ إلى ما قَدَّمَتْ يَداهُ مَن عَمِلٍ" قِيامُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "المَرْءُ" هُنا المُؤْمِنُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "المُرْءُ" بِضَمِّ المِيمِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا تَمَنٍّ أنْ يَكُونَ شَيْئًا حَقِيرًا لا يُحاسَبُ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وهَذا قَدْ نَجِدُهُ في الخائِفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيْتَنِي كُنْتُ بَعْرَةً"، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ اللهَ تَعالى يُحْضِرُ البَهائِمَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ، ثُمَّ يَقُولُ لَها بَعْدِ ذَلِكَ: كُونِي تُرابًا، فَيَعُودُ جَمِيعُها تُرابًا، فَإذا رَأى الكُفّارُ ذَلِكَ تَمَنّى مِثْلَهُ، قالَ أبُو القاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ: رَأيْتُ في بَعْضِ التَفاسِيرِ أنَّ الكافِرَ هَنا إبْلِيسُ إذا رَأى ما حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن بَنِي آدَمَ مِنَ الثَوابِ قالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا، أيْ كَآدَمَ الَّذِي خُلِقَ مِن تُرابٍ واحْتَقَرَهُ هو أوَّلًا.
كَمُلَ تَفْسِيرُ [سُورَةِ النَبَإ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿ مَھَاباً * إِنَّآ أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ ﴾ .
اعتراض بين ﴿ مئاباً ﴾ [النبأ: 39] وبين ﴿ يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ﴾ كيفما كان موقع ذلك الظرف حسبما يأتي.
والمقصود من هذه الجملة الإِعذار للمخاطبين بقوارع هذه السورة بحيث لم يبق بينهم وبين العلم بأسباب النجاة وضدها شُبهةٌ ولا خفاء.
فالخبر وهو ﴿ إنا أنذرناكم عذاباً قريباً ﴾ مستعمل في قطع العذر وليس مستعملاً في إفادة الحكم لأن كون ما سبق إنذاراً أمر معلوم للمخاطبين.
وافتُتح الخبر بحرف التأكيد للمبالغة في الإِعذار بتنزيلهم منزلة من يتردد في ذلك.
وجُعل المسند فعلاً مسنداً إلى الضمير المنفصل لإفادة تقوّي الحكم، مع تمثيل المتكلم في مَثَل المتبرئ من تبعه ما عسى أن يلحق المخاطبين من ضرَ إن لم يأخذوا حذرهم مما أنذرهم به كما يقول النذير عند العرب بعد الإِنذار بالعدوّ «أنا النذير العريان».
والإِنذار: الإِخبار بحصول ما يسوء في مستقبل قريب.
وعُبر عنه بالمضي لأن أعظم الإِنذار قد حصل بما تقدم من قوله: ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مئاباً ﴾ إلى قوله: ﴿ فلن نزيدكم إلا عذاباً ﴾ [النبأ: 21 30].
وقرب العذاب مستعمل مجازاً في تحققه وإلا فإنه بحسب العرف بعيد، قال تعالى: ﴿ إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً ﴾ [المعارج: 6، 7]، أي لتحققه فهو كالقريب على أن العذاب يصدق بعذاب الآخرة وهو ما تقدم الإِنذار به، ويصدق بعذاب الدنيا من القتل والأسر في غزوات المسلمين لأهل الشرك.
وعن مقاتل: هو قَتْل قريش ببدر.
ويشمل عذاب يوم الفتح ويوم حنين كما ورد لفظ العذاب لذلك في قوله تعالى: ﴿ يعذبهم اللَّه بأيديكم ﴾ [التوبة: 14] وقوله: ﴿ وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ﴾ [الطور: 47].
﴿ قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الكافر ياليتنى كُنتُ ﴾ .
يجوز أن يتعلق بفعلِ: ﴿ اتخذ إلى ربه مئاباً ﴾ [النبأ: 39] فيكون ﴿ يوم ينظر ﴾ ظرفاً لغْواً متعلقاً ب ﴿ أنذرناكم ﴾ .
ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ [النبأ: 38] لأن قيام الملائكة صفّاً حضور لمحاسبة الناس وتنفيذ فصل القضاء عليهم وذلك حين ينظر المرء ما قدمت يداه، أي ما عمله سالفاً فهو بدل من الظرف تابع له في موقعه.
وعلى كلا الوجهين فجملة ﴿ إنا أنذرناكم عذاباً قريباً ﴾ معترضة بين الظرف ومتعلقه أو بينه وبين ما أبدل منه.
والمرء: اسم للرجل إذ هو اسم مؤنثُه امرأة.
والاقتصار على المرء جَريٌ على غالب استعمال العرب في كلامهم، فالكلام خرج مخرج الغالب في التخاطب لأن المرأة كانت بمعزل عن المشاركة في شؤون ما كان خارجَ البيت.
والمراد: ينظر الإِنسان من ذكر أو أنثى، ما قدمت يداه، وهذا يعلم من استقراء الشريعة الدال على عموم التكاليف للرجال والنساء إلا ما خُص منها بأحد الصنفين لأن الرجل هو المستحضَر في أذهان المتخاطبين عند التخاطب.
وتعريف ﴿ المرء ﴾ للاستغراق مثل ﴿ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [العصر: 2 3].
وفعل ﴿ ينظر ﴾ يجوز أن يكون من نظر العين أي البصر، والمعنى: يوم يرى المرء ما قدمته يداه.
ومعنى نظر المرء ما قدمت يداه: حصول جزاء عمله له، فعبر عنه بالنظر لأن الجزاء لا يخلو من أن يكون مرئياً لِصاحِبِه من خير أو شر، فإطلاق النظر هنا على الوجدان على وجه المجاز المرسل بعلاقة الإِطلاق ونظيره قوله تعالى: ﴿ ليروا أعمالهم ﴾ [الزلزلة: 6]، وقد جاءت الحقيقة في قوله تعالى: ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً ﴾ [آل عمران: 30] الآية، و(ما) موصولة صلتها جملة ﴿ قدمت يداه ﴾ .
ويجوز أن يكون مِن نظر الفكر، وأصله مجاز شاع حتى لحق بالمعاني الحقيقية كما يقال: هو بخير النظرين.
ومنه التَنظُّر: توقُع الشيء، أي يوم يترقب ويتأمل ما قدمت يداه، وتكون (ما) على هذا الوجه استفهامية وفعل ﴿ ينظر ﴾ معلقاً عن العمل بسبب الاستفهام، والمعنى: ينظر المرء جوابَ من يسأل: ما قدمت يداه؟
ويجوز أن يكون من الانتظار كقوله تعالى: ﴿ هل ينظرون إلاَّ تأويله ﴾ [الأعراف: 53].
وتعريف ﴿ المرء ﴾ تعريف الجنس المفيد للاستغراق.
والتقديم: تسبيق الشيء والابتداء به.
و ﴿ ما قدمت يداه ﴾ هو ما أسلفه من الأعمال في الدنيا من خير أو شر فلا يختص بما عمله من السيئات فقد قال تعالى: ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء ﴾ [آل عمران: 30] الآية.
وقوله: ﴿ ما قدمت يداه ﴾ إما مجاز مرسل بإطلاق اليدين على جميع آلات الأعمال وإما أن يَكون بطريقة التمثيل بتشبيه هيئة العامل لأعماله المختلفة بهيئة الصانع للمصنوعات بيديه كما قالوا في المثل: «يَداك أوْكَتا» ولو كان ذلك على قول بلسانه أو مشي برجليه.
ولا يحسن أن يجعل ذكر اليدين من التغليب لأن خصوصية التغليب دون خصوصية التمثيل.
وشمل ﴿ ما قدمت يداه ﴾ الخير والشر.
وخُص بالذكر من عموم المرء الإِنسانُ الكافر الذي يقول: ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ لأن السورة أقيمت على إنذار منكري البعث فكان ذلك وجه تخصيصه بالذكر، أي يوم يتمنى الكافر أنه لم يخلق من الأحياء فضلاً عن أصحاب العقول المكلفين بالشرائع، أي يتمنى أن يكون غير مدرك ولا حسّاس بأن يكون أقل شيء مما لا إدراك له وهو التراب، وذلك تلهف وتندم على ما قدمت يداه من الكفر.
وقد كانوا يقولون: ﴿ أئذا كنا عظاماً ورفاتاً إنا لمبعوثون ﴾ [الإسراء: 98] فجعل الله عقابهم بالتحسر وتمني أن يكونوا من جنس التراب.
وذكر وصف الكافر يفهم منه أن المؤمن ليس كذلك لأن المؤمن وإن عمل بعض السيئات وتوقع العقاب على سيئاته فهو يرجو أن تكون عاقبته إلى النعيم وقد قال الله تعالى: ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً ﴾ [آل عمران: 30] وقال: ﴿ ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ [الزلزلة: 6 8]، فالمؤمنون يرون ثواب الإيمان وهو أعظم ثواب، وثواب حسناتهم على تفاوتهم فيها ويرجون المصير إلى ذلك الثواب وما يرونه من سيئاتهم لا يطغى على ثواب حسناتهم، فهم كلهم يرجون المصير إلى النعيم، وقد ضرب الله لهم أو لمن يقاربهم مثلاً بقوله: ﴿ وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ [الأعراف: 46] على ما في تفسيرها من وجوه.
وهذه الآية جامعة لما جاء في السورة من أحوال الفريقين وفي آخرها رد العجز على الصدر من ذكر أحوال الكافرين الذين عُرِّفوا بالطاغين وبذلك كان ختام السورة بها براعة مقطع.
﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا ﴾ في الرُّوحِ ها هُنا ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الرُّوحُ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا أُناسًا، وهم جُنْدٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ أشْرَفُ المَلائِكَةِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
الثّالِثُ: أنَّهم حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّالِثُ: أنَّهم حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ خَلْقًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ مَلَكٌ مِن أعْظَمِ المَلائِكَةِ خَلْقًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الخامِسُ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
السّادِسُ: أنَّهم بَنُو آدَمَ، قالَهُ قَتادَةُ.
السّابِعُ: أنَّهم بَنُو آدَمَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّامِنُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَشْفَعُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في الشَّفاعَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: لا يَتَكَلَّمُونَ في شَيْءٍ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَقالَ صَوابًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي حَقًّا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الرُّوحَ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: لا تَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِالرَّحْمَةِ، ولا النّارَ إلّا بِالعَمَلِ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ وَقالَ صَوابًا ﴾ قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ سُؤالُ الطّالِبِ وجَوابُ المَطْلُوبِ، لِأنَّ كَلامَ الخَلْقِ في القِيامَةِ مَقْصُورٌ عَلى السُّؤالِ والجَوابِ.
﴿ ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وفي تَسْمِيَتِهِ الحَقَّ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ مَجِيئَهُ حَقٌّ وقَدْ كانُوا عَلى شَكٍّ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْكُمُ فِيهِ بِالحَقِّ بِالثَّوابِ والعِقابِ.
﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَبِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَرْجِعًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: اتَّخَذَ ثَوابًا لِاسْتِحْقاقِهِ بِالعَمَلِ لِأنَّ المَرْجِعَ يَسْتَحِقُّ عَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ.
﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عُقُوبَةُ الدُّنْيا، لِأنَّهُ أقْرَبُ العَذابَيْنِ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَهُ مُقاتِلٌ: هو قَتْلُ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ.
الثّانِي: عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّهُ آتٍ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَ مِن عَمَلِ خَيْرٍ، قالَ الحَسَنُ: قَدَّمَ فَقَدِمَ عَلى ما قَدَّمَ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عامًّا في نَظَرِ المُؤْمِنِ إلى ما قَدَّمَ مِن خَيْرٍ، ونَظَرِ الكافِرِ إلى ما قَدَّمَ مِن شَرٍّ.
﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ يُبْعَثُ الحَيَوانُ فَيُقادُ لِلْمَنقُورَةِ مِنَ النّاقِرَةِ، ولِلْمَرْكُوضَةِ مِنَ الرّاكِضَةِ، ولِلْمَنطُوحَةِ مِنَ النّاطِحَةِ، ثُمَّ يَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: كُونُوا تُرابًا بِلا جَنَّةٍ ولا نارٍ، فَيَقُولُ الكافِرُ حِينَئِذٍ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا وفي قَوْلِهِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يا لَيْتَنِي صِرْتُ اليَوْمَ مِثْلَها تُرابًا بِلا جَنَّةٍ ولا نارٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مِثْلَ هَذا الحَيَوانِ في الدُّنْيا وأكُونُ اليَوْمَ تُرابًا، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ: وهَذِهِ مِنَ الأمانِي الكاذِبَةِ كَما قالَ الشّاعِرُ ألا يا لَيْتَنِي والمَرْءُ مَيْتُ وما يُغْنِي مِنَ الحَدَثانِ لَيْتَ.
قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ المَخْزُومِيِّ، ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ في أخِيهِ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ قال: فازوا بأن: نجوا من النار.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ قال: مفازاً من النار إلى الجنة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ قال: منتزها ﴿ وكواعب ﴾ قال: نواهد ﴿ أتراباً ﴾ قال: مستويات ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: ممتلئاً.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ حدائق وأعناباً ﴾ قال: الحدائق البساتين.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: بلاد سقاها الله أما سهولها ** فقضب ودر مغدق وحدائق قال: أخبرني عن قوله: ﴿ كأساً دهاقاً ﴾ قال: الكأس الخمر والدهاق الملآن.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول الشاعر: أتانا عامر يرجو قرانا ** فأترعنا له كأساً دهاقاً وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ كواعب ﴾ قال: العذارى.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ كواعب ﴾ قال: نواهد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: هي الممتلئة المترعة المتتابعة، وربما سمعت العباس يقول: يا غلام اسقنا وادهق لنا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: ملأى.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وقتادة ومجاهد والضحاك والحسن مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: يتبع بعضها بعضاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: المتتابعة.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير والضحاك مثله.
وأخرج هناد عن عطية قي قوله: ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: ملأى متتابعة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي هريرة ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: دمادم.
قال: المؤلف فارسي بمعنى متتابعة.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ وكأساً دهاقاً ﴾ قال: متتابعة صافية.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: إذا كان فيها خمر فهي كأس، وإذا لم يكن فيها خمر فليس بكأس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً ﴾ قال: باطلاً ولا مأثماً، وفي قوله: ﴿ عطاء حساباً ﴾ قال: كثيراً وفي قوله: ﴿ لا يملكون منه خطاباً ﴾ قال: كلاماً.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ جزاء من ربك ﴾ قال: عطاء منه ﴿ حساباً ﴾ قال: لما عملوا وفي قوله: ﴿ لا يملكون منه خطاباً ﴾ قال: كلاماً.
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة لهم رؤوس وأيد وأرجل، ثم قرأ ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ قال: هؤلاء جند وهؤلاء جند.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد قال: الروح خلق على صورة بني آدم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد قال: الروح يأكلون ولهم أيد وأرجل ورؤوس وليسوا بملائكة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي صالح في قوله: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ قال: الروح خلق كالناس، وليسو بالناس، لهم أيد وأرجل.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن الشعبي في قوله: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ قال: هما سماطا رب العالمين يوم القيامة، سماط من الروح، وسماط من الملائكة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبدالله بن بريدة قال: ما يبلغ الجن والإِنس والملائكة والشياطين عشر الروح، ولقد قبض النبي وما يعلم الروح.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ قال: الروح أعظم خلقاً من الملائكة، ولا ينزل ملك إلا ومعه روح.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يقوم الروح ﴾ قال: هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود، قال: الروح في السماء السابعة، وهو أعظم من السموات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة يجيء يوم القيامة صفاً وحده.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الضحاك قال: الروح حاجب الله يقوم بين يدي الله يوم القيامة، وهو أعظم الملائكة لو فتح فاه لوسع جميع الملائكة، والخلق إليه ينظرون، فمن مخافته لا يرفعون طرفهم إلى من فوقه.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مقاتل بن حبان قال: الروح أشرف الملائكة، أقربهم من الرب، وهو صاحب الوحي.
وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن وهب بن منبه قال: الروح ملك من الملائكة، له عشرة آلاف جناح، ما بين كل جناحين منها ما بين المشرق والمغرب، له ألف وجه، لكل وجه ألف لسان، وشفتان وعينان يسبح الله تعالى.
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات «عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح» .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ يوم يقوم الروح ﴾ قال: جبريل.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن جبريل يوم القيامة القائم بين يدي الجبار ترعد فرائصه فرقاً من عذاب الله يقول: سبحانك لا إله إلا أنت، ما عبدناك حق عبادتك إن ما بين منكبيه كما بين المشرق إلى المغرب، أما سمعت قول الله: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يقوم الروح ﴾ قال: يعني حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الأرواح إلى الأجساد.
أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقال صواباً ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقال صواباً ﴾ قال: شهادة أن لا إله ألا الله.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وقال صواباً ﴾ قال: حقاً في الدنيا وعمل به.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن جابر بن عبدالله قال: «قال العباس بن عبد المطلب يا رسول الله: ما الجمال؟
قال: صواب القول بالحق.
قال: فما الكمال؟
قال: حسن الفعال بالصدق والله أعلم» .
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً ﴾ قال: سبيلاً.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ يوم ينظر المرء ﴾ قال: المؤمن.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه قرأ هذه الآية ﴿ يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ﴾ قال: هو المؤمن العامل بطاعة الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور عن أبي هريرة قال: يحشر الخلائق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً فذلك حين يقول الكافر: ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .
وأخرج الدينوري في المجالسة عن يحيى بن جعدة قال: إن أول خلق الله يحاسب يوم القيامة الدواب والهوام حتى يقضي بينها، حتى لا يذهب شيء بظلامته، ثم يجعلها تراباً، ثم يبعث الثقلين الجن والإِنس فيحاسبهم فيومئذ يتمنى الكافر ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: تقاد المنقورة من الناقرة، والمركوضة من الراكضة، والجلحاء من ذات القرون، والناس ينظرون، ثم يقول: كوني تراباً لا جنة ولا نار، فذلك حين يقول الكافر: ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن شاهين في كتاب العجائب والغرائب عن أبي الزناد قال: إذا قضى بين الناس وأمر بأهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن عودوا تراباً فيعودوا تراباً، فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم قد عادوا تراباً: ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: إذا حوسبت البهائم ثم صيرها الله تراباً، فعند ذلك قال الكافر: ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن ليث بن أبي سليم قال: الجن يعودون تراباً.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ثواب الجن أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا تراباً.
قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ يجوز أن يكون: ينظر إلى ما قدمت، فحذف (إلى).
قاله الأخفش (١) والظاهر أن (المرء) عام في كل أحد؛ لأن كل أحد يرى ذلك اليوم ما كسب، وقدم وأخر من خير وشر مثبتاً عليه في صحيفته.
وقال عطاء: هو أبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط (٢) وقال الحسن: هو المرء المؤمن (٣) ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾ .
قال جماعة المفسرين (٤) قال أبو إسحاق: وقيل إن معنى: (يا ليتني كنت تراباً): أي ليتني لم أبعث (٥) (١) "معاني القرآن" 2/ 727 بنصه، وقد حكاه الأخفش عن بعضهم.
(٢) ذكر في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 186 من غير نسبة، وكذا في "فتح القدير" 5/ 370.
(٣) "جامع البيان" 30/ 25، "التفسير الكبير" 31/ 27، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 186، "الدر المنثور" 8/ 401 وعزاه إلى ابن المنذر، "القطع والائتناف" 2/ 785، "فتح القدير" 5/ 370، "روح المعاني" 30/ 22.
وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 392.
(٤) ممن قال بمعنى هذه الرواية من غير تمنيه أن يكون خنزيراً: أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، ومجاهد، والحسن، وعن أحد المقاتلين.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 344، "جامع البيان" 30/ 26، "الكشف والبيان" ج 13، 31/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 440، "فتح القدير" 5/ 371، "تفسير الحسن البصري" 2/ 392، "روح المعاني" 30/ 22.
وبنحوه هذه الرواية وردت عن أحد المقاتلين في "معالم التنزيل" 4/ 440.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 276 بنصه.
﴿ مَفَازاً ﴾ أي موضع فوز يعني الجنة ﴿ حَدَآئِقَ ﴾ أي بساتين ﴿ وَكَوَاعِبَ ﴾ جمع كاعب وهي الجارية التي خرج ثديها ﴿ أَتْرَاباً ﴾ أي على سن واحد ﴿ وَكَأْساً دِهَاقاً ﴾ أي ملأى وقيل: صافية، والأول أشهر ﴿ عَطَآءً حِسَاباً ﴾ أي كافياً من أحسب الشيء إذا كفاه، وقيل: معناه على حسب أعمالهم ﴿ رَّبِّ السماوات ﴾ بالرفع مبتدأ أو خبر ابتداء مضمر وبالخفض صفة لربك، والرحمنُ بالخفض صفة، وبالرفع خبر المبتدأ أو خبر ابتداء مضمر ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً ﴾ قال ابن عطية: الضمير للكفار أي لا يملكون أن يخاطبوه بمقدرة ولا غيرها، وقيل: المعنى لا يقدرون أن يخاطبهم كقوله: ولا يكلمهم الله، وقال الزمخشري: الضمير لجميع الخلق أي ليس بأيديهم شيء من خطاب الله ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الروح ﴾ قيل هو جبريل، وقيل: ملك عظيم يكون هو وحده صفاً والملائكة صفاً، وقيل: يعني أرواح بني آدم فهو اسم جنس، ويوم يتعلق بلا يملكون أو بلا يتكلمون ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ ﴾ الضمير للملائكة والروح، أي تمنعهم الهيبة من الكلام إلا من بعد أن يأذن الله لهم.
وقول الصواب يكون في ذلك الموطن على هذا.
وقيل: الضمير للناس خاصة والصواب المشار إليه قول: إلا إله إلا الله أي من قالها في الدنيا ﴿ ذَلِكَ اليوم الحق ﴾ أي الحق وجوده ووقوعه ﴿ فَمَن شَآءَ ﴾ تخصيص وترغيب ﴿ عَذَاباً قَرِيباً ﴾ يعني عذاب الآخرة ووصفه بالقرب لأن كل آت قريب، أو لأن الدنيا على آخرها ﴿ يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ المرء هنا عموم في المؤمن والكافر، وقيل: هو المؤمن وقيل: هو الكافر، والعموم أحسن، لأن كل أحد يرى ما عمل لقوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [الزلزلة: 7] الآية ﴿ وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً ﴾ يتمنى أن يكون يوم القيامة تراباً فلا يحاسب ولا يجازى، وقيل: تمنى أن يكون في الدنيا تراباً أي لم يخلق، وروي أن البهائم تحشر ليقتص لبعضهم من بعض ثم ترد تراباً، فيتمنى الكافر أن يكون تراباً مثلها، وهذا يقوّي الأول، وقيل: الكافر هنا إبليس يتمنى أن يكون خلق من تراب، مثل آدم وذريته لما رأى ثوابهم، وقد كان احتقر التراب في قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ [الأعراف: 12].
القراءات ﴿ كلا ستعلمون ﴾ بتاء الخطاب في الموضعين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ وفتحت ﴾ بالتخفيف: عاصم وحمزة وعليّ وخلف ﴿ لبثين ﴾ مقصوراً: حمزة ﴿ ولا كذاباً ﴾ مخففاً.
عليّ ﴿ رب ﴾ بالرفع بتقدير هو رب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبوعمرو والمفضل.الباقون: بالجر على البدل ﴿ الرحمن ﴾ باجر على البدل أو البيان: ابن عامر وسهل ويعقوب وعاصم غير المفضل.
الآخرون: بالرفع على" هو الرحمن " أو على أنه خير آخر.
الوقوف ﴿ يتساءلون ﴾ ه ج لاحتمال أن الجار متصل بالفعل المذكور والمراد التهديد.
قال الفراء: " عن " بمعنى اللام أي لأي شيء، أو متصل بمحذوف كأن سائلاً سأل عن أي شيء يتساءلون فأجيب عن النبأ.
﴿ العظيم ﴾ ه لا ﴿ مختلفون ﴾ ه ط بناء على أن معنى كلا حقاً ﴿ سيعلمون ﴾ لا ه ﴿ سيعلمون ﴾ ه ج ﴿ مهاداً ﴾ ه لا ﴿ أوتاداً ﴾ ه ص ﴿ أزوجاً ﴾ ه ﴿ سباتاً ﴾ ه لا ﴿ لباساً ﴾ ه لا ﴿ معاشاً ﴾ ه ص ﴿ شداداً ﴾ ه لا ﴿ وهاجاً ﴾ ه ص ﴿ ثجاجاً ﴾ ه لا ﴿ ونباتاً ﴾ ه ك ﴿ ألفافاً ﴾ ه ط ﴿ ميقاتاً ﴾ ه ط لأن ما بعده بدل ﴿ أفواجاً ﴾ ه ك ﴿ أبواباً ﴾ ه ك ﴿ سراباً ﴾ ه ط ﴿ مرصاداً ﴾ ه لا ﴿ مآباً ﴾ ه لا ﴿ أحقاباً ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً، ويجوز أن يكون صفة لـ ﴿ أحقاباً ﴾ لمكان عود الضمير في ﴿ فيها ﴾ إليها ﴿ شراباً ﴾ ه لا ﴿ غساقاً ﴾ ه ك ﴿ وفاقاً ﴾ ه ﴿ حساباً ﴾ ه ﴿ كذاباً ﴾ ه م لأن التقدير أحصينا كل شيء أحصيناه ﴿ كتاباً ﴾ ه لا ﴿ عذاباً ﴾ ه ﴿ مفازاً ﴾ ه ﴿ وأعناباً ﴾ ه ﴿ أتراباً ﴾ ه ك ﴿ دهاقاً ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بالصفة وللموصوف وجه كما يجيء في التفسير.
﴿ كذاباً ﴾ ه ط لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مصدراً ومفعولاً له ﴿ حساباً ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ رب ﴾ بالرفع وقف على ﴿ بينهما ﴾ إلا لمن قرأ ﴿ الرحمن ﴾ بالرفع ﴿ رب ﴾ بالجر على الرحمن وقف على الوجوه إلا إن جعله مبتدأ ﴿ لا يملكون ﴾ خبره ﴿ خطاباً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ لا يملكون ﴾ ﴿ صفاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ لا يتكلمون ﴾ ﴿ صواباً ﴾ ه لحق الشرط مع الفاء ﴿ مآباً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه ج لأن ﴿ يوم ﴾ متعلق باذكر أو بـ ﴿ عذاباً ﴾ ﴿ تراباً ﴾ ه.
التفسير: حرف الجر إذا دخل على " ما " الإستفهامية تحذف ألفها نحو " بم " و " عم " و " علام " و " لم " ه لشدّة الإتصال وكثرة الإستعمال.
ثم إن كان الكلام مبنياً على السؤال والجواب فالسائل والمجيب واحد وهو الله، والفائدة في هذا الأسلوب أن يكون إلى التفهيم أقرب.
ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما وقع فيه التساؤل وبيان أن مطلب ما وضع للسؤال عن حقائق الأشياء المجهولة والشيء العظيم الذي تعجز العقول عن إدراكه أو يدعي فيه العجز يكون مجهولاً، فوقع بين المسؤول بما وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه، والمشابهة أحد أسباب المجاز.
والنبأ العظيم القيامة بدليل الردع عن الاختلاف وللتهديد بعده.
وتقديم الضمير وبناء الكلام عليه لتقوى الكلام لا لا للاختصاص فإن غير قريش أيضاً مختلفون في أمر بالبعث فمنهم من يثبت الروحاني في المعاد فقط، ومنهم من يشك فيه كقوله ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ومنهم من يقطع بعدم البعث ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ \[المؤمنون: 37\] كان يسأل بعضهم بعضاً عن القيامة ويتحدثون عنها متعجبين من وقوعها.
ويجوزأن يكون المفعول محذوفاً أي يتساءلون النبي والمؤمنون نحو تراءينا الهلال فيكون التساؤل بطريق الاستهزاء ويحتمل أن يكون الضمير للمسلمين والكافرين جميعاً فقد كانوا جميعاً يتساءلون عنه، أما المؤمن فليزداد خشية واستعداد، وأما الكافر فلأجل الاستهزاء.
وقيل: النبأ العظيم القرآن، واختلافهم فيه أن بعضهم جعلوه سحراً.
وبعضهم شعراً وكهانة.
وقيل: نبوّة محمد كانوا يقولون ما هذا الذي حدث ﴿ بل عجبوا إن جاءهم منذر منهم ﴾ وقالت الشيعة: هو عليّ قال القائل في حقه هو النبأ العظيم وفلك نوح وباب الله وانقطع الخطاب.
قال أهل المعاني: تكرير الردع مع الوعيد دليل على غاية التهديد.
وفي " ثم " إشارة إلى أن الوعيد الثاني أبلغ، ويجوز أن يكون الأول في الدنيا والثاني في الآخرة، أو الأول للكفار والثاني للمؤمنين.
وقيل: الأول ردع عن الاختلاف والثاني عن الكفر.
وحذف المفعول به أي سيعلمون أن ما يتساءلون عنه مختلفين فيه حق وصدق وذلك إذا اتصل العيان بالخبر.
ومن قرأ الخطاب فقد سلك سبيل الالتفات.
ثم عدد دلائل القدرة على البعث ودلائل الحكمة في الجزاء على أن كلاً منهما نعمة يجب أن تشكر بالتوفر على الطاقة ولا تكفر بالإقدام على المعصية.
والمهاد الفراش، والأوتاد ما يشدّ بها أطناب الخمية، شبهت الجبال الراسيات بها لأنها تحفظ الأرض أن تميد بما عليها وقد سبق تقريره.
والأزواج الأصناف المتقابلات القبيح بإزاء الحسن والطويل بحذاء القصير وغير ذلك من الأضداد.
والسبات الراحة.
والتركيب يدل على القطع والإزالة ومنه سبت الرجل رأسه إذا حلقه، والنوم يزيل التعب عن الإنسان فيستعقب الراحة قاله ابن الأعرابي والمبرد.
وقال الزجاج وغيره: هو الموت وهذا التفسير لا يناسبه مقام تعداد النعم.
واللباس ما يتغطى به والليل أخفى للويل.
والمعاش مصدر أو اسم زمان لأن الناس يتقبلون فيه لوجوه تعيشهم.
والشداد المحكمة التي لا تقبل الشق والخرق إلا ما شاء الله.
والوهاج المتلألىء الوقاد.
وفي كتاب الخليل: الوهج النار.
ولا شك أن الشمس جامعة للنور والحرارة.
والمعصرات السحاب بلغة قريش من أعصرت إذا شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك " أحصد الزرع " أي حان أن يحصد، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض وهذا القول مروي عن ابن عباس واختاره أبو العالية والربيع والضحاك.
وقال مجاهد والكلبي ومقاتل وقتادة: هي الرياح التي تنشىء السحاب وتدرّ أخلافه فكأنها مبادىء الإنزال.
الثجاج المنصب بكثرة يقال " ثجة وثج بنفسه " وفي الحديث " أفضل الحج العج والثج " فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج صب دماء الهدي.
ثم بين غاية الإنزال وهي إخراج الحب للإنسان، والنبات للأنعام غالباً، والجنات الملتفة لأجل التلذذ والتفكه.
قال الكسائي والأخفش: والألفاف جمع لف بالكسر ويحتمل أن يكون جمع لفيف كشريف وأشراف.
وقال في الكشاف: إنه لا واحد له كالأوزاع للجماعات المتفرقة ومنه قولهم " أخوة أخياف " أي مختلفة.
واعلم أن هذه التسعة نظراً إلى حدوثها وإمكانها تدل على الفاعل المختار، ونظراً إلى ما فيها من الإتقان والإحكام تدل على كمال علمه وحكمته الذاتية.
وبعد ثبوت كماله في هذه الأوصاف لم يبق للمتأمل شك في إمكان الحشر وقد أخبر الصادق عن وقوع هذا الممكن فوجب الجزم به على أن في إخراج النبات بعد جفافه ويبسه دليلاً ظاهراً على إمكان إخراج الموتى من القبور وبعثهم فلهذا رتب على هذه البيانات قوله ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ أي حداً توقت به الدنيا أو حداً لفصل الحكومات تنتهي الخلائق إليه.
والنفخة ههنا هي الثانية التي تكون عندها الحياة بدليل قوله ﴿ فتأتون أفواجاً ﴾ أي طائفة طائفة إلى أن يتكامل اجتماعهم.
وقال عطاء: كل نبي يأتي مع أمته.
وروى صاحب الكشاف عن معاذ أنه سأل رسول الله عنه فقال : " "يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمتيّ بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي، وبعضهم صم بكم، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم.
فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فآكل السحت، وأما المنكسون فأكلة الربا، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعملاهلم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هو أشد نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء " وفتح السماء شقها وانفطارها أو معنى آخر مغاير لهما.
والضمير في ﴿ فكانت ﴾ للسماء كأنها لكثرة أبوابها المفتوحة لنزول الملائكة صارت بكليتها أبواباً كقوله ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً ﴾ ويحتمل أن يعود إلى مقدر دل عليه الكلام أي فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً.
وقال الواحدي: المضاف محذوف أي فكانت ذات أبواب.
وأما الجبال فإنه ذكر حالها بعبارات مختلفة، ويمكن الجمع بينها بأن تدرك أوّلاً ﴿ وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ﴾ ثم تصير كالعهن ثم تصير كالهباء ﴿ وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً ﴾ وهي في كل هذه الأحوال باقية في مواضعها ثم تنسف بإرسال الرياح عليها ﴿ وإذا الجبال نسفت ﴾ ثم تطير ههنا أحوال إذا برزت من تحتها ﴿ ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ﴾ والثاني للجبال فتطيره في الهواء كالهباء فمن نظر إليها حسبها لتكاثفها أجساماً جامدة وهي بالحقيقة مارة بتحريك الهواء كما قال ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب ﴾ والثالث لها باعتبار أماكنها الأصلية فمن نظر إلى المواضع من بعيد ظن أن الجبال هناك حتى إذا دنا منها لم يجد فيها شيئاً ﴿ كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ﴾ وقد أشار إلى هذه الحالة بقوله ﴿ وسيرت الجبال فكانت سراباً ﴾ .
ثم أخبر عن أحوال السعداء والأشقياء يومئذ.
وقدم ذكر هذا المقام غير محرر فلينظر الأشقياء لأن الكلام في السورة بني على التهديد فقال ﴿ إن جهنم كانت ﴾ أي في علم الله أو هي مسلوبة الدلالة على المضي.
والمرصاد إما اسم للمكان الذي يرصد فيه كالضمار للذي تضمر فيه الخيل، والمنهاج إسم للمكان الذي ينهج فيه.
والمعنى أن خزنة جهنم يرصدون الكفار هناك، أو أن خزنتها يستقبلون المؤمنين عندها لأن جوازهم عليه بدليل قوله ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ ولهذا قال الحسن وقتادة: يعني طريقاً إلى الجنة.
وإما صفة نحو " مقدام " بمعنى أنها ترصد أعداء الله.
وقوله ﴿ للطاغين ﴾ متعلق بما بعده أو بما قبله، وعلى التقديرين لا بد من إضمار وهو لفظة لهم أو لأهل الجنة.
ثم ذكر كيفية استقرارهم هناك فقال ﴿ لابثين ﴾ ومن قرأ بغير ألف فهو أدل على الثبات.
قال جار الله: اللابث من وجد منه اللبث فقط، واللبث من لا يكاد يبرح المكان أما الأحقاب فزعم الفراء أن أصله الترادف والتتابع أي دهوراً مترادفة لا تكاد تتناهى كلما مضى حقب تبعه آخر.
وقال الحسن: الأحقاب لا يدري أحد ما هي ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدّون.
وسأل هلال الهجري علياً فقال: الحقب مائة سنة السنة اثنا عشر شهراً والشهر ثلاثون يوماً واليوم ألف سنة.
وقال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس: الحقب الواحد بضع وثمانون سنة والسنة ثلثمائة وستون يوماً واليوم ألف سنة من أيام الدنيا.
ونحو هذا يروى عن ابن عباس وقطرب مرفوعاً.
فإن قيل: عذاب أهل النار ولا سيما الطاغين غير متناه والأحقاب بالتفاسير المذكورة وإن كثر مبلغها متناهية، فلما وجه الجمع بينهما؟
قلنا: الحق متناه ولكن الأحقاب لا نسلم أنها متناهية فإن الجمع لا يلزم تناهي آحاده فيجوز أن يكون المعنى كلما مضى حقب تبعه آخر.
قال الفراء: سلمنا أن الأحقاب تفيد التناهي لكن بالمفهوم والنصوص الدالة على التأبيد كقوله ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وماهم بخارجين منها ﴾ تدل بالمنطوق ولا شك أن المنطوق راجح.
وقال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيه أحقاباً غير ذائقين برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم ينقلون إلى جنس آخر غير الحميم والغساق.
وذكر في الكشاف وجهاً آخر وهو أن يكون أحقاباً من حق بعامنا هذا إذا قل خيره.
وحقب فلان ذا أخطأ الرزق فهو حقب كحذر وجمعه أحقاب فينتصب حالاً منهم أي لابثين في أسوأ حال.
والبرد معروف أي لا يجدون هواء بارداً ولا ماء بارداً.
وقال الأخفش والفراء: هو النوم ولذلك أن البرد لازم للنوم ولهذا يسكن العطش.
وسببه توجه الحرارة الغريزية إلى الباطن عند فتور الحواس الظاهرة والحركات الاختيارية وفي أمثالهم " منع البرد البرد " أي أصابني من البرد ما منعني من النوم.
وقد يضعف هذا القول أنهم لا يقولون ذقت البرد ويقولون " ذقت الكرى " وبأنهم يجدون الزمهرير فكيف يصح نفي البرد عنهم.
وقد يجاب عن الأول بأن الذوق في الصورتين مجاز فأي ترجيح لأحدهما على الآخر.
وعن الثاني بأن المراد برد له روح لا الذي فيه عذاب.
والحميم الماء البالغ في الحرارة، والغساق صديد أهل النار.
قوله ﴿ جزاء ﴾ نصب على المصدر أي جزاهم جزءا.
وانتصب ﴿ وفاقاً ﴾ على الوصف أي ذا وفاق أو موافقاً لعملهم في القبح والفظاعة والدوام.
ثم ذكر علة التأبيد فقال ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً ﴾ لا يخافون أو لا يتوقوعن حساباً وهذه إشارة إلى نقصانهم بحسب القوة العلمية فإن الذي اعتقد أنه لا حشر ولا حساب ولا يبالي بأي شيء ترك من القبائح والمظالم أو أي شيء ترك من الخيرات والفضائل.
قوله ﴿ وكذبوا بآياتنا كذاباً ﴾ إشارة إلى فساد عقائدهم حتى جحدوا الحق وكذبوا الرسل.
ومصدر " فعل " مشدد العين يجيء على " فعال " بالتشديد وهو الأكثر، وبالتخفيف عند بعضهم ولهذا لم يقرأ به إلا في الشواذ.
قال جار الله: هو مصدر كذب بدليل قوله: فصدّقتها وكذبتها *** والمرء ينفعه كذابه وهو مثل قوله ﴿ أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ يعني وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً أو تنصبه بـ ﴿ كذبوا ﴾ لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب.
وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة أو كذبوا بها مكاذبين، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يبالغ في أمر فبلغ فيه أقصى جهده.
أقول: أراد بهذا الوجه الأخير أن باب المغالبة يبنى على المفاعلة فيمكن أن يستدل بالمفاعلة على المبالغة بطريق العكس الجزئي ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ من باب الإضمار على شريطة التفسير.
قوله ﴿ كتاباً ﴾ مصدر لأنه والإحصاء يتلاقيان في معنى الضبط والتحصيل، ويجوز أن يكون حالاً أي مكتوباً في اللوح أو في صحف الأعمال.
قال جار الله: هذه جملة معترضة.
أقول: إنها من تمام التعليل المذكور أي فعلوا كذا وكذا ونحن عالمون بجميع الكليات والجزيئات فلهذا كتبنا جزاء العاصين على وفق أعمالهم.
ثم أظهر غاية السخط بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والتعقيب بفاء الجزاء الدال على أن المذكور سبب عن كفرهم بالحسنات وتكذيبهم بالآيات.
وزيادة العذاب يحتمل أن تكون لأجل أن المؤثر إذا استمرَّ ودام ازداد الإحساس بأثره، ويحتمل أن يكون لازدياد كفرهم وعتوّهم حيناً بعد حين كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ ويحتمل أن تكون زيادة العذاب عبارة عن نفس استمراره لأنه يتزايد بمرور الزمان، والمراد انا لن نخلصكم من العذاب إلى خلافه.
ثم شرع في شرح أحوال السعداء قائلاً ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ فوزاً وظفراً بالمطالب والأماني أو موضع فوز ثم فسره بقوله ﴿ حدائق ﴾ الخ.
والحدائق البساتين فيها أنواع الشجر وقد مرّ في قوله ﴿ حدائق ذات بهجة ﴾ وخص منها الأعناب لشأن مزيته على سائر الفواكه.
والكواعب النواهد واحدها كاعب كطالق وطامث وهي التي ظهر ثديها كالكعب لها نتوّ قليل.
والأتراب اللذات.
والدهاق المترعة المملوءة وهذا قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة والزجاج والكسائي والمبرد.
يروى أن ابن عباس دعا غلاماً له فقال: اسقنا دهاقاً فجاء الغلام بها ملآنة فقال ابن عباس: هذا هو الدهاق.
وعن أبي هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد: هي المتتابعة.
قال الواحدي: وأصل هذا من قول العرب أدهقت الحجارة إدهاقاً وهو شدّة تلازمها ودخولها بعضها في بعض.
وعن عكرمة: دهاقاً أي صافية.
والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع دهق وهي خشبتان يعصر بهما.
والكأس الخمر أي خمراً ذات دهاق وهي التي عصرت وصفيت بالدهاق.
﴿ ولا يسمعون فيها ﴾ أي في الجنة وهو الأظهر أو في الكأس وشربها ﴿ لغواً ﴾ كلاماً باطلاً ﴿ ولا كذاباً ﴾ أي لا يكذب بعضهم بعضاً لأنهم إخوان الصفاء أخذان الوفاء.
ومن قرأ بالتخفيف فمعناه أنه لا يجري بينهم كذاب أو مكاذبة.
قال جار الله: ﴿ جزاء ﴾ مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ كأنه قال: جازى المتقين بمفاوز ﴿ عطاء ﴾ نصب بـ ﴿ جزاء ﴾ نصب المفعول به أي جزاهم عطاء.
وقال الزجاج: المعنى جازاهم بذلك جزاء وأعطاهم عطاء.
ومعنى ﴿ حساباً ﴾ كافياً من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال: حسبي.
وقيل: أي على حسب أعمالهم فمعنى الحساب العدّو والتقدير لبعضهم عشرة ولبعضهم سبعمائة وأكثر.
وقال ابن قتيبة: هو من أحسبت فلاناً أي أكثرت له يعني عطاء كثيراً.
وإنما قال في الأول ﴿ جزاء وفاقاً ﴾ لأن جزاء السيئة سيئة مثلها أي موافقة لها.
وأما ههنا فالمراد ثواب المؤمنين وليس ذلك بتقدير العمل فقط ولكن بمقدار ما يكفيه.
ثم مدح نفسه بقوله ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن ﴾ وقد تقدّم إعرابه في الوقوف.
والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ قيل للكافرين نقله عطاء عن ابن عباس، يريد لا يخاطب المشركون الله، وأما المؤمنون فيشفعون ويقبل الله ذلك منهم.
وقيل للمؤمنين لأن ذكرهم أقرب من ذكر الكفار، والمراد أنه ما تحيف حقهم فبأي سبب يخاطبونه.
والأكثرون على أن الضمير لأهل السموات والأرض فإن أحداً من المخلوقين لا يملك خطاباً من جهة الله إذ كل من هو سواه فهو مملوكه، والمملوك لا يملك من جهة مالكه شيئاً وإلا لم يكن للمالك كمال الملك.
وقالت المعتزلة: إنه عالم بقبح القبيح غني عن فعله وعالم بغناه فلا يفعل إلا الحسن وحينئذ لا وجه للمطالبة والمخاطبة.
ثم أكد المعنى المذكور بقوله ﴿ يوم يقوم الروح ﴾ وهو أعظم المخلوقات قدراً كما مرّ في سورة سبحان في تفسير قوله ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ والصف مصدر في الأصل لا يثنى ولا يجمع غالباً فلهذا جاز أن يكون المراد أنهم يقومون صف من الروح وحده ومن الملائكة بأسرهم صف، وجاز أن يكون يراد يقوم الكل صفاً واحداً أو يقومون صفوفاً لقوله ﴿ وجاء ربك والملك صفاً صفاً ﴾ ثم بين أنهم مع جلالة قدرهم لا يتكلمون إلا بشرطين: أحدهما الإذن من الله، والضمير في ﴿ له ﴾ إما للشافع أو للمشفوع.
والثاني أن يقول ﴿ صواباً ﴾ والضمير في ﴿ قال ﴾ أيضاً إما للشافع فالمراد أنهم لا ينطقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام، ثم بعد الإذن يجتهدون حتى لا يتكلمون إلا بما هو حق وصواب.
وإما للمشفوع.
والقول الصواب على هذا التفسير شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ وذلك اليوم الحق ﴾ أي لا باطل فيه ولا ظلم أو هو الكائن لا محالة ﴿ فمن شاء اتخذ ﴾ بالطاعة ﴿ إلى ربه مآباً ﴾ ومرجعاً.
والظاهر أن الضمير عائد في ﴿ شاء ﴾ إلى ﴿ من ﴾ وفيه دليل للمعتزلة.
ويروى عن الخدري وابن عباس أن الضمير لله ﴿ عذاباً قريباً ﴾ هو عذاب الآخرة لأن ما هو آت قريب.
وفي المرء أقوال: فعن عطاء أنه الكافر لتقدّم ذكر الإنذار وقوله الكافر ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم.
وعن الحسن وقتادة: إنه المؤمن لمجيء ذكر الكافر بعده، ولأن المؤمن لما قدّم الخير والشر فهو منتظر لأمر الله كيف يحدث، وأما الكافر فإنه قاطع بالعذاب ومع القطع لا يحصل الانتظار.
والأظهر أنه عام في كل مكلف.
و " ما " استفهامية منصوبة بـ ﴿ قدّمت ﴾ أو موصولة منصوبة بـ ﴿ ينظر ﴾ فيلزم إضمار " إن " حذف العائد من قدّمته، وحذف الجار لأن الأصل أن يقال ينظر إليه.
قوله ﴿ كنت تراباً ﴾ فيه وجوه أحدها: ليتني لم أبعث غير محشور.
الثاني ما ورد في الأخبار أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرناء ثم تردّ تراباً فيودّ الكافر حالها ليتخلص من العذاب.
وأنكر بعض المعتزلة ذلك لأنه إذا أعادها فهي بين معوّض وبين متفضل عليه، وعلى التقديرين لا يجوز أن يقطعها عن المنافع لأن ذلك كالإضرار بها.
قال القاضي: إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة العقل لم يبعد أن يزيل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ضرراً.
وقال بعضهم: إن الحيوانات إذا انتهت مدّة أعواضها جعل الله كل ما كان منها حسن الصورة ثواباً لأهل الجنة، وما كان قبيح الصورة عقاباً لأهل النار.
الثالث قال بعض الصوفية: أراد يا ليتني كنت متواضعاً في طاعة الله كالتراب لا مرتفعاً كالنار.
الرابع قيل: الكافر إبليس يرى آدم وثواب أولاده فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ .
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ﴾ ، أي: مفازا عن أنواع العذاب التي ذكرت في الطاغين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً ﴾ ، فالحدائق هي الأماكن التي أحاطت الأشجار بأطرافها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْنَاباً ﴾ ظاهر، وقد ذكرنا أنهم وعدوا في الآخرة بكل ما يقع لهم الرغبة في الدنيا.
ثم الأصل أن هذه السورة نزلت على إثر التساؤل بقوله : ﴿ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ ، فجائز أن يكون الذي حملهم على السؤال ما اعترض لهم من الشبه، أو خطر ببالهم، فسألوا؛ ليبين لهم، وتزول عنه الشبه، فذكرهم عظم نعمه وعجائب تدبيره وقوته وسلطانه، ووعد أن من أمعن النظر فيها دلهم ذلك على بعثهم وإزاحة الإشكال عنهم بقوله: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ ، وبين مآب من استقام على الصراط المستقيم، وسلك سبيله، وأخبر أنه من لم ينعم النظر فيها، ولم يعط النصفة من نفسه وضيعها، فمصيره إلى ما ذكر من قوله: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً لِّلطَّاغِينَ مَآباً ﴾ ، وسيعلم ذلك بقوله: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ إن حمل هذا على الوعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً ﴾ قيل: الكاعب: هي التي تكعب ثدياها، وذلك حين تبلغ أن تحيض، وهي ناهد، وهي أشهى ما يكون إلى الرجال.
والأتراب المستويات في السن؛ ففي هذا إنباء أنهن يكن أبدا على سن واحد، لا يتغيرن عن تلك الحال، ولا يهرمن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأْساً دِهَاقاً ﴾ ، قيل: ملآنا.
وقيل: صافيا.
وقيل: متتابعا.
فوصفه بالملآن؛ ليعلم أن ذلك الشراب لا ينقص ما داموا يشربون؛ خلافا لما عليه شراب أهل الدنيا.
ومن حمله على الصفاء، فمعناه: أنه صاف عن الآفات والمكروه التي تكون في شراب أهل أهل الدنيا من التصديع وإذهاب العقل، وغير ذلك.
ومن حمله على التتابع، فمعناه: أن ذلك الشراب لا ينقطع، ولا نفد ما داموا ي شربه، بل يتتابع عليهم، ولا يحدث فيهم حال تمنعهم عن الشرب من السكر وغيره؛ فيمتنعوا عن شربه؛ خلافا لشرب أهل الدنيا.
وروي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: "كنا إذا استحثثنا الساقي في الجاهلية، قلنا: داهق لنا"، أي: تابع لنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً ﴾ ، أي: لا يسمعون فيها ما يحق أن يلغى، بل يسمعون فيها كل خير، والذي يحق أن يلغى ما ذكروا من الحلف والباطل والكذب؛ فلا يسمعون شيئا من ذلك ما يسمع من أهلها في الدنيا إذا شربوها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كِذَّاباً ﴾ إن قرئ بالتخفيف فهو من الكذب؛ أي: لا يكذبون.
وإن قرئ بالتشديد فهو من التكذيب؛ أي: لا يكذب بعضهم بعضا؛ فكان معناه: أن ذلك الشراب لا يعمل فيهم هذا العمل؛ حتى يحملهم على الكذب والتكذيب؛ كما يوجد في شراب أهل الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا ﴾ أي: في الجنة.
ثم قوله: ﴿ كِذَّاباً ﴾ قرأه بعضهم بالتخفيف في الموضعين هانا وفي: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً ﴾ وقرئ بالتشديد في الموضعين، وقرأه بعض القراء بالتشديد في الأول ، وبالتخفيف في الثاني.
وعن الكسائي أنه قال: بالتخفيف لغة مضر، وبالتشديد لغة يمانية؛ يقولون: كذبه تكذيبا وكذابا، وخربه تخريبا وخرابا، ونحو ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً ﴾ ، قوله: ﴿ جَزَآءً ﴾ ، أي: جزاهم، و ﴿ عَطَآءً ﴾ : أعطاهم، و ﴿ حِسَاباً ﴾ حاسبهم.
وقال الحسن: جزاهم بأعمالهم، أي: زادهم على القدر الذي استوجبوا.
وقال بعضهم: أعطاهم عطاء كثيرا حتى قال كل واحد منهم: حسبي، حسبي.
والذي يؤيد هذا التأويل ما روي عن ابن عباس - ما - أنه كان يقرأ: (جواء من ربك عطاء حَسَناً).
وقال بعضهم: جزاء باعمالهم التي كتبت الحفظة، وأحصتها عليهم، وأعطى عطاء حسابا؛ أي: كثيرا؛ جزاء لما أخفوا من أعمالهم التي لم يطلع عليها ملائكة، فأعطاهم عطاء بينا ظاهرا يعرفه الناس.
وجائز أن يكون الجزاء عطاء من ربه، لا أنه يستوجب الجزاء؛ لما ذكرنا أنه لا أحد من هذا البشر إلا وقد سبقت له من الله - - نعم، لو أنفذ جميع عمره في أداء شكره منها، لم يصل إلى كنه ما عليه من الشكر؛ إذ من قام بالشكر، ووفق عليه، زيد له - أيضا - في النعم؛ لمكان الشكر، فإذا وصل إلى جزاء عمله في الدنيا، لم يستوجب به المزيد؛ فثبت أن الجزاء في الآخرة بحق الإفضال من الله والإنعام، لا بحق الاستيجاب؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ...
﴾ الآية [النساء: 69]، فسمى الكرامة: إنعاما، وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، فجعل ما آتاهم من النعيم فضلا منه؛ فثبت أن الذي جزاهم به عطاء من ربه حساب، أي: كثير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ ، فالرب: المالك، فذكر أنه مالك السماوات والأرض وما بينهما؛ ليعلموا أنه لم يمتحن أحدا بعبادته لحاجة تقع له، أو لمنفعة تصل إليه، بل هو الغني، وله ما في السماوات وما في الأرض، وأن منفعة ما امتحنوا به من العبادات راجعة إلى أنفسهم إذا وفوا بها، وإذا لم يقوموا بأدائها كان الضرر راجعا إليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ بين أنه رحمان؛ ليرغبوا في رحمته، ويتسارعوا إلى مغفرته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً ﴾ هيبة من الله ، وتعظيما لحقه؛ فلا يملكون من هيبته الخطاب بالشفاعة أو بالخصومة أو بأي شيء كان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً ﴾ ، اختلف في الروح: فمنهم من صرفه إلى أرواح المسلمين.
ومنهم من ذكر أنهم الحفظة على الملائكة يرون الملائكة ولا تراهم الملائكة.
وجائز أن يكون الروح الكتب المنزلة من السماء، كما قال: ﴿ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ ؛ فتكون الكتب مخاصمة مع من ضيع حقها وبنذها وراء ظهره، وشافعه لمن أدى حقها، وعمل بما فيها.
ومنهم من ذكر أن هذا من المكتوم الذي لا يفسر؛ قال الله : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً ﴾ ، جائز أن يكون هذا منصرفا إلى الشافع؛ أي: الشافع لا يقول فيما يشفع غير الصواب، وما حل به من الرهبة والخوف من هيبة الله لا يزيله عن التكلم بالحق؛ بل الله يثبته على الحق، ويجرى على لسانه الصواب.
وقال بعضهم: معناه: لا يشفع إلا من قال في الدنيا صوابا، وهو الحق.
وقيل: معناه: أنه لا ينال من الشافعة حظا إلا من قال في الدنيا الصواب، والصواب أن يكون مقيما فيما دان به من التوحيد.
وذكر علي بن أبي طالب - - أنه مر بعجوز وهي تدعو فتقول: "اللهم اجعلني من أهل شفاعة محمد " فقال لها: قولي: "اجعلني من رفقاء محمد في الجنة؛ فإن شفاعته لأهل الكبائر من أمته".
قال - -: وبهذا الفصل تعارضنا المعتزلة، فتقول: إذا قلتم: ا للهم [اجعل لنا] من شفاعة محمد نصيبا، فقد قلتم: اللهم اجعلنا ممن يرتكب الكبائر؛ إذ شفاعته في زعمكم لأهل الكبائر.
فالجواب عن هذا أن الذي ابتلي بارتكاب الكبائر دون الشرك إنما ينال الشفاعة بما سبق منه من الخيرات من التوحيد وتعظيمه ربه - عز وجل - فمحاسنه التي سبقت منه هي التي تجعله محلا للشفاعة، ولولاها ما نالها، فإذا قال: اللهم اجعل لي من شفاعة نبيك نصيبا، فهو يقول: اللهم وفقني على فعل الخيرات، واجعلني ممن يعظمك ويتقرب إليك بالطاعة حتى أنال بها الشفاعة، لا أن يقصد بدعائه جعله من أهل الكبائر، والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله: ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ فأخبر الله أن تسبيحه ما أنقذه من بطن الحوت، ولو لم يكن مسبحا لم يستوجب الخلاص، وكذلك صاحب الكبيرة يستوجب الشفاعة، ويرجى له الخلاص بما سبق منه من الحسنات دون أن يستوجبها لارتكاب الكبيرة.
ثم من قول المعتزلة: أنهم يرون الصغائر مغفورة لأربابها إذا اجتنبوا الكبائر؛ فيقال لهم: إن من دعا الله ، وسأله المغفرة، فكأنه يدعو، فيقول: اللهم ابتلني بالصغائر حتى تغفرها [لي]، فإن قلتم بأن دعاءه بالمغفرة لا يقتضي ما عارضناكم به، فقولوا كذلك فيمن يقول: "اللهم اجعل لي من شفاعة محمد نصيبا": إنه لا يقتضي أن يجعله من أهل الكبائر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ ﴾ قيل: معناه: ألا يقال في ذلك اليوم غير الحق.
وجائز أن يكون منصرفا إلى اليوم نفسه؛ فيكون معناه: أن كونه حقا يكون لا محالة.
وقوله: ﴿ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً ﴾ ، أي: مرجعا؛ تأويله: أن الله بين للخلق سبيل الضلال والهدى، ولم يصد أحدا عن سبيل [الضلال و] الهدى، وبين أن من سلك سبيل الضلال فمآبه إلى النار، ومن سلك سبيل الرشد والهدى، فمآبه إلى الجنة، وذلك مآبه إلى الله ، واتخاذ السبيل إليه .
وقوله: ﴿ إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً ﴾ ، أي: العذاب الذي أوعدهم به قريب مأتاه، وإن استبعدتموه في أوهامكم؛ قال الله - -: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ ، فجائز أن يكون هذا منصرفا إلى الخلائق أجمع مؤمنهم وكافرهم.
ثم تخصيص الأيدي بالذكر هو أن التقديم والتأخير في الشاهد يقع بالأيدي؛ فأضيف إليها؛ وإن احتمل ألا يكون للأيدي صنع فيما ارتكب من الآثام، أو فيما فعل من الخيرات، وهو كالمطر يسمى: رحمة الله، وإن لم يكن ذلك من أوصافه؛ لأنه برحمة الله ما ينزل من السماء، وسمي الكلام: لسانا وإن لم يكن هو لسانا؛ لأنه باللسان ما يتكلم؛ فكذلك التقديم أضيف إلى الأيدي؛ لما بها يقع التقديم في الشاهد وإن لم يكن للأيدي صنع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً ﴾ ، ذكر هذا التمني في الكافر دون المؤمن؛ لأن المؤمن يرى حسناته متقبلة وسيئاته مغفور؛ فيأمن من عقاب الله ا، والكافر يرى نفسه مؤاخذة بالسيئات، ولا يرى لها حسنات متقبلة؛ فيتمنى أن يكون ترابا؛ ليتخلص عن عذاب الله .
وقال بعضهم: إن الوحوش تحشر والطيور كلها، ثم يقول الله - -: "كوني ترابا"؛ فيتمنى الكافر في ذلك الوقت أن يكون ترابا، والله أعلم [بالصواب].
إنا حذرناكم -أيها الناس- عذابًا قريبًا يحصل، يوم ينظر المرء ما قدم من عمله في الدنيا، ويقول الكافر متمنيًا الخلاص من العذاب: يا ليتني صرت ترابًا مثل الحيوانات عندما يقال لها يوم القيامة: كوني ترابًا.
كان غير المؤمنين يسأل بعضهم بعضًا عن رسالة النبي ، ويسألون غيرهم فيقولون: هل هو رسول؟
وما هذا الخبر الذي جاء به من دعوى أنه مرسل من قِبَل الله يدعوه إلى توحيده وإلى الاعتقاد باليوم الآخر وهو يوم القيامة، يوم يسأل كل عامل عما عمل؟
فبكتهم الله بقوله: عن أي شيء يتساءلون؟
ثم قال: عن الخبر العظيم الذي هم فيه مختلفون، بعضهم ينكره، وبعضهم يتردد في صحته، ثم رد عليهم الانكار بقوله: كلا سيعملون، ثم كلا سيعملون -أي ستنكشف لهم الحقيقة، ويرون صحة الخبر، وتنقطع الريبة فيه يوم تقوم الساعة ويفصل بينهم.
ثم ذكرهم بدلائل قدرته وآيات رحمته فقال: ألم نجعل الأرض مهادًا إلخ، أي أن من ينعم على الناس هذه النعم العظيمة لا يهملهم من إرسال داع إلى توحيده بعد ما ضلوا عنه، وهاد إلى طريقة المستقيم، ومذكر بيوم الحساب، وليس بعظيم على صاحب هذا الاحسان أن يرسل ذلك الرسول، ولا أن يحقق ما يدعو إلى الاعتقاد به من شؤون اليوم الآخر، وهي ما ذكر في قوله: إن يوم الفصل إلخ.
(عم) أصله عما، أي عن أي شيء، والإبهام للتعظيم، و(النبأ) الخبر الذي يُهْتَمّ له.
و(كلا) للردع ونفي الزعم الباطل.
(المهاد) الفراش، وقد جعل الله الأرض موطئًا للناس والدواب يقيمون عليها، فهي فراش لهم.
و(الأوتاد) جمع وتد، بسكون التاء وكسرها وهو معروف، وإنما كانت الجبال أوتادًا لأن بروزها في الأرض كبروز الأوتاد المغروزة فيها، ولأنها في تثبيت الأرض ومنعها من الَميدان والاضطراب كالأوتاد في حفظ الخيمة من مثل ذلك، كأن أقطار الأرض قد شدت إليها، ولولا الجبال لكانت الأرض دائمة الاضطراب بما في جوفها من المواد الدائمة الجيشان.
و(أزواجًا) ذكرًا وأنثى ليتم الائتناس والتعاون على سعادة المعيشة وحفظ النسل وتكميله بالتربية، و (السبات) بضم السين الموت، والسبوت الميت، من السبت وهو القطع.
والنوم أحد الموتين، ونعمة الله فيه كبيرة، فإن موت بضع ساعات في اليوم يريح القوى من تعبها، وينشطها من كسلها، ويعيد إليها ما فقد منها، ولو لم يكن النوم موتًا واليقظة بعثًا لم يتم هذا التجديد للقوى.
(لباس) الجسم ما يستره، والليل شبيه باللباس لأنه يستر الأشخاص بظلمته.
وللناس في هذا الستر فوائد اللباس، فكما أن اللباس يقي من الحر والبرد ويستر العورات عن النظر كذلك يستتر فيه الفار من العدو أو الحيوان المفترس المطارد له، ويختفي فيه الكامن للوثوب على ما يريد التخلص منه والنجاة من شر مساورته.
وكم لظلال الليل عنك من يد تخبر أن المانوية تكذب( ) و(المعاني) الحياة فكما جعل النوم موتًا جعل اليقظة حياة.
والنهار زمن هذه الحياة، أي جعل النهار وقت معاش يستيقظون فيه وينقلبون في حوائجهم ومكاسبهم.
و(السبع الشداد) الطرائق السبع، وهي ما فيه الكواكب السبعة السيارة المشهورة.
وخصها بالذكر لظهورها ومعرفة العامة لها، وإلا فقد بنى ما هو أعظم منها وهو ما وراءها من عوالم السموات ووصفها بالشدة لأنها محكمة متينة لا يؤثر فيها مرور الزمان.
و (الوهاج) المتلألئ الوقاد.
والسراج الوهاج هو الشمس.
و (المعصرات) السحائب والغيوم إذا أعصرت، أي جاء وقت أن تعصر الماء فيسقط منها المطر.
و (الثجاج) المنصب بكثرة.
و (الحب) يعني به ما يقتات به الناس من نحو الحنطة والشعير.
و (النبات) ما يقتات به الدواب من التبن والحشيش "كلوا وارعوا أنعامكم" "متاعًا لكم ولأنعامكم".
و (الجنات) جمع جنة، وهي الحديقة والبستان فيه الشجر أو النخل.
و (ألفافًا) أي ملتفة الشجر لتقارب أغصانه وطول أفنانه.
و (يوم الفصل) هو يوم القيامة، يظهر فيه الحق، وينكشف الستار عن القلوب، والالتباس عن العيون فيفصل بين الحق والباطل.
و (كان ميقاتًا) أي ينتهي إليه الناس فيجتمعون فيه ليرى كُلُّ عاقبة عمله.
وكان كذلك أي قضاه الله وقدره.
(يوم ينفخ في الصور) بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان له، والنفخ في الصور تمثيل لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا يمثلها إلا نفخة في بوق، فإذا هم قيام ينظرون.
وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور وليس علينا أن نعلم ما هي حقيقة ذلك الصور، والبحث وراء هذا عبث لا يسوغ للمسلم.
و (الافواج) الأمم والطوائف، أي تأتون أممًا وطوائف مختلفة.
(وفتحت السماء) أي أنه يتغير في ذلك اليوم نظام الكون، فلا تبقى أرض على أنها تُقِلّ ولا سماء على أنها تظل -بل تكون السماء بالنسبة إلى الأرواح مفتحة الأبواب، بل تكون أبوابًا فلا يبقى علو ولا سفل، ولا يكون مانع يمنع الأرواح من السير حيث تشاء.
والآخرة عالم آخر غير عالم الدنيا التي نحن فيها، فنؤمن بما ورد به الخبر في وصفه ولا نبحث عن حقائقه ما دام الوارد غير محال.
ولا شك أن امتناع السماء علينا إنما هو لطبيعة أجسامنا في هذه الحياة الدنيا.
أما النشأة الأخرى فقد تكون على غير ذلك، فتكون السماء بالنسبة إلينا أبوابًا ندخل من أيها شئنا بإذن الله.
وقد يكون معنى تفتح السماء ما عنى بقوله: إذا السماء انشقت..
إذا السماء انفطرت..
يوم تشقق السماء بالغمام، أي انه يقع الاضطراب في نظام الكواكب، فيذهب التماسك بينها، ولا يكون فيما يسمى سماء إلا مسالك وأبواب لا يلتقي فيها شيء بشيء، وذلك هو خراب الكون العلوي كما يخرب الكون السفلي.
(وسيرت الجبال) تمثيل لمور الأرض في ذلك اليوم، وأن جبالها لا تكون على رسوخها المعروف اليوم، بل يذهب ما كان لها من قرار وتعود كأنها سراب يرى من بعيد، فإذا لمسته لم تجد شيئًا، وذلك لتفرق أجزائها وانبثاث جواهرها.
بعد أن عدد وجوه إحسانه ودلائل قدرته على إرسال رسوله وتأييده، وذكر أن الفصل بين الرسول وبين معانديه سيكون يوم القيامة، وذكر هوله وامتياز شؤونه عن شؤونه أيام الدنيا جاء إلى وعيد المكذبين وبيان ما يلاقونه، وأخبر أن جهنم -وهي دار العذاب- قد قدرها الله مرصادًا واحدًا يرصدون فيه للعذاب، وهي مرجعهم الذي ينتهون إليه، وأنهم سيقيمون فيها مددًا طوالًا، مجدبين معدمين لا يجدون شيئًا من النعيم والراحة، ولا يذوقون فيها روحًا ينفس عنهم حر النار، ولا يذوقون من الشراب إلا الماء الحار والصديد الذي يسيل من أبدانهم جزاء يوافق أعمالهم، لأنهم كانوا لا ينتظرون يوم الحساب، ولذلك اقترفوا السيئات، وأتوا قبائح الأعمال، وكذبوا بالدلائل التي أقامها الله على صدق رسله تكذيبًا أشد تكذيب، وقد أحصى الله كل شيء في كتاب علمه، فلم يغب عنه شيء مما صدر منهم، وسيوفيهم جزاء ما صنعوا، وستكون كلمته العالية أن يقول لهم ذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابًا.
(المآب) المرجع.
(لابثين) مقيمين.
(الاحقاب) جمع حقب بضمتين، قيل هو ثمانون سنة، وقيل أكثر من ذلك.
والمراد المدد المتطاولة، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها، أي يلبثون فيها مددًا إلى غير النهاية.
(البرد) برد الهواء، أو هو النوم، ورد عن بعض العرب "منع البرد البرد".
(الغساق) من غسق يغسق إذا انصب وسال، وهو القبح والصديد الدائم السيلان من أجساد أهل النار.
(الوفاق) مصدر وافق، وصف به الجزاء مبالغة.
(كذابًا) أي تكذيبًا.
وهذه الصيغة فاشية في كلام فصحاء العرب في باب فعل، فيقال فسر فسارًا مثلًا.
(كتابًا) مصدر كتب، وهو في موضع إحصاء، كأنه قيل أحصيناه إحصاء، أو أن أحصيناه في معنى كتبناه، لأن الإحصاء بالكتابة والكتابة هنا على النحو الذي يليق بتنزيه الله تعالى، وهو أعلى من كتابتنا التي نعرفها، واشد منها ضبطًا، لكنا لا نُكَلَّف بالبحث عنها، فذلك مما نؤمن به ونكل علم حقيقته إلى الله.
(إن للمتقين إلخ).
بعد ما بين حال المكذبين جاء بما يناله المتقون، وأنهم سيفوزون بالأجر العظيم في الجنان التي وصفها ووصف ما فيها، وأن ذلك عطاء لهم من مالك السموات والأرض، عظيم الرحمة والإنعام الذي لا يملك أحد من أهل السموات والأرض أن يخاطبه في شأن الثواب والعقاب، بل هو المتصرف فيه وحده في ذلك اليوم الذي يقوم فيه الروح والخلق المقدس من عالم الغيب والملائكة صفًا، ولا يمكن لأحد أن يتكلم إلا من أذن له الرحمن ونطق بالصواب.
(المفاز): الفوز بالنعيم والثواب أو مكان ذلك.
(والحدائق): البساتين فيها أنواع الشجر المثمر.
و(الاعناب) معروفة، جمع عنب، خصها بالذكر لأهميتها.
و (الكواعب) البنات اللاتي استدارت ثديهن.
و(الاتراب) اللاتي من سن واحدة.
والتمتع بهذه البنات في الجنة مما يتمثله الانسان في هذه الدنيا على نحو من اللذة ولكن لا تعلم حقيقته في الجنة، وغاية ما يجب أن نصدق به أنه تمتع فائق اللذة على حسب ما يناسب ذلك العالم الأخروي.
(كأس) إناء من بلور يشرب فيه.
و (الدهاق) المملؤة المترعة، وأدهق الحوض ملأه.
و (اللغو) ما لا يعتد به من الكلام.
و (الكِذّاب) التكذيب كما سبق، واللغو والتكذيب مما تألم له أنفس الصادقين بل هو من أشد الأذى لقلوبهم، فأراد الله إزاحة ذلك عنهم، و (الحساب) الكافي.
و (الروح والملائكة) من مخلوقات الله المغيبة عنا التي لا نُكلَّف بالبحث عن حقائقها، وقيامها واصطفافها على النحو الذي يليق بها.
والذي تفيده هذه الآية الكريمة أنهم -مع قربهم من الله- لا يستطيع أحد منهم أن يشفع لأحد أو يستمنح منحة إلا إذا أذن الله له، ولا يأذن إلا لمن علم أنه سيجاب، وإنما يكون الكلام ضربًا من التكريم لمن يأذن الله له به، يختص به من يشاء ولا أثر له فيما أراد البتة.
(ذلك اليوم الحق إلخ) بعد أن ذكر في قوله: إن يوم الفصل كان ميقاتًا إلخ - أن يوم القيامة موعد يفصل فيه بين الحق والباطل، وترفع فيه ستر الشبهة عن القلوب، وبيّن كيف يتحول العالم فيه من حال إلى حال، وكيف ينشر الموتى ويحشرون.
ثم ذكر أن دار العذاب حد ينتهي إليه أهل الجهالة والجحود في ذلك اليوم الموعود، وأن الفوز موعد لأهل الجنة وهم المتقون.
وأنهى الكلام في تعداد ما أعد لهم بأن ذلك سيكون لهم في ذلك اليوم، ووصفة بوصف آخر لم يسبق، وهو أنه يقوم فيه الروح والملائكة صفًا إلخ، عقب ذلك كله بتأكيد أن هذا اليوم حق لا ريب في أنه يأتي لا محالة.
فإذا كان هذا اليوم يوم الجزاء حقًا لا ريب فيه، ومرجعًا لا مفر منه، والناس فيه فريقان، فريق بعيد عن الله مدحور مآبه النار، ودار العذاب، وفريق مآبه القرب من الله ومنازل الكرامة، فمن كانت له مشيئة صادقة فليتخذ مآبًا إلى ربه، فليعمل عملًا صالحًا يقربه منه ويحله مَحالّ كرامته.
ثم رجع إلى تهديد المخاطبين من المعاندين وتحذيرهم عاقبة عنادهم فقال: (إنا أنذرناكم عذابًا قريبًا) وهو ما وصفه فيما سبق، وقربه لأنهم يجدون منه عقب موتهم، فإن الروح متى فارقت البدن انكشف لها ما ينتظرها، ولا تزال في ألم منه إلى أن تلاقيه يوم ينظر المرء أعماله حاضرة لديه معروضة عليه، وعند ذلك يقول الكافر، من شدة ما يلقى وهول ما يرى: يا ليتني كنت ترابًا، ويتمنى أن كان جمادًا لم يصب حظًا من الحياة.
(الإنذار) الأخبار بالمكروه قبل وقوعه.
(والمرء) الإنسان ذكرًا كان أو أنثى.