الإسلام > القرآن > سور > سورة 93 الضحى > الآية ٥ من سورة الضحى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 121 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة الضحى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) أي : في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته ، وفيما أعده له من الكرامة ، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف ، وطينه [ من ] مسك أذفر كما سيأتي .
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي ، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي ، عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال : عرض على رسول الله ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزا كنزا ، فسر بذلك ، فأنزل الله : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر ، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم .
رواه ابن جرير من طريقه ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس : ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف .
وقال السدي ، عن ابن عباس : من رضاء محمد - صلى الله عليه وسلم - ألا يدخل أحد من أهل بيته النار .
رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم .
وقال الحسن : يعني بذلك الشفاعة .
وهكذا قال أبو جعفر الباقر .
وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا معاوية بن هشام ، عن علي بن صالح ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) .
وقوله: ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) يقول تعالى ذكره: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه، حتى ترضى.
وقد اختلف أهل العلم في الذي وعده من العطاء، فقال بعضهم: هو ما حدثني به موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا عمرو بن هاشم، قال: سمعت الأوزاعيّ يحدّث، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده كَفْرا كَفْرا، فسرّ بذلك، فأنـزل الله ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) فأعطاه في الجنة ألف قصر، في كلّ قصر، ما ينبغي من الأزواج والخدم .
حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثني روّاد بن الجراح، عن الأوزاعيّ، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، في قوله: ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) قال: ألف قصر من لؤلؤ، ترابهنّ المسك، وفيهنّ ما يصلحهنّ.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) ، وذلك يوم القيامة.
وقال آخرون في ذلك ما حدثني به عباد بن يعقوب، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن السديّ، عن ابن عباس، في قوله: ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) قال: من رضا محمد صلى الله عليه وسلم ألا يدخل أحد من أهل بيته النار.
قال ابن إسحاق : الفلج في الدنيا ، والثواب في الآخرة .
وقيل : الحوض والشفاعة .
وعن ابن عباس : ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك .
رفعه الأوزاعي ، قال : حدثني إسماعيل بن عبيد الله ، عن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه قال : أري النبي - صلى الله عليه وسلم - ما هو مفتوح على أمته ، فسر بذلك فأنزل الله - عز وجل - ( والضحى - إلى قوله تعالى - ولسوف يعطيك ربك فترضى ) ، فأعطاه الله - جل ثناؤه - ألف قصر في الجنة ، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم .
وعنه قال : - رضي محمد ألا يدخل أحد من أهل بيته النار .
وقال السدي .
وقيل : هي الشفاعة في جميع المؤمنين .
وعن علي - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يشفعني الله في أمتي حتى يقول الله سبحانه لي : رضيت يا محمد ؟
فأقول يا رب رضيت .وفي صحيح مسلم عن ، عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا قول الله تعالى في إبراهيم : فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم وقول عيسى : إن تعذبهم فإنهم عبادك ، فرفع يديه وقال : " اللهم أمتي [ ص: 85 ] أمتي " وبكى .
فقال الله تعالى لجبريل : ( اذهب إلى محمد ، وربك أعلم ، فسله ما يبكيك ) فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل فأخبره .
فقال الله تعالى لجبريل : ( اذهب إلى محمد ، فقل له : إن الله يقول لك : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ) .وقال علي - رضي الله عنه - لأهل العراق : إنكم تقولون إن أرجى آية في كتاب الله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله قالوا : إنا نقول ذلك .
قال : ولكنا أهل البيت نقول : إن أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى : ولسوف يعطيك ربك فترضى .
وفي الحديث : لما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار " .
ثم بعد ذلك، لا تسأل عن حاله في الآخرة، من تفاصيل الإكرام، وأنواع الإنعام، ولهذا قال: { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة.
ثم امتن عليه بما يعلمه من أحواله [الخاصة] فقال:
( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) قال عطاء عن ابن عباس : هو الشفاعة في أمته حتى يرضى ، وهو قول علي والحسن .
وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " اللهم أمتي أمتي وبكى ، فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ، ولا نسوءك فيهم " .
وقال حرب بن شريح سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول : إنكم يا معشر أهل العراق تقولون : أرجى آية في القرآن : " قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " ، وإنا أهل البيت نقول : أرجى آية في كتاب الله " ولسوف يعطيك ربك فترضى " من الثواب .
وقيل : من النصر والتمكين وكثرة المؤمنين ، ( فترضى )
(ولسوف يعطيك ربك) في الآخرة من الخيرات عطاء جزيلا (فترضى) به فقال صلى الله عليه وسلم: "" إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار "" إلى هنا تم جواب القسم بمثبتين بعد منفيين.
ولَلدَّار الآخرة خير لك من دار الدنيا، ولسوف يعطيك ربك -أيها النبي- مِن أنواع الإنعام في الآخرة، فترضى بذلك.
وجئ بحرف الاستقبال فى قوله - تعالى - : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ) ، لإفادة أن هذا العطاء مستمر غير مقطوع ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَلَسَوْفَ يرضى ) وحذف المفعول الثانى فى قوله : ( يُعْطِيكَ ) ، ليعم كل وجوه العطاء التى يحبها صلى الله عليه وسلم أى : ولسوف يعطيك ربك عطاء يرضيك رضاء تاما .والتعبير بقوله ( فترضى ) ، ليعم كل وجوه العطاء التى يحبها الله صلى الله عليه وسلم أى : ولسوف يعطيك ربك عطاء يرضيك رضاء تاما .والتعبير بقوله ( فترضى ) المشتمل على فاء التعقيب ، للإِشعار بأنه عطاء عاجل النفع ، وأنه سيأتى إليه صلى الله عليه وسلم فى وقت قريب ، وقد أنجز - سبحانه - وعده .قال الجمل : وقوله - سبحانه - : ( وَلَلآخِرَةُ ) اللام فيه للابتداء مؤكدة لمضمون الجملة .
وإنما قيد بقوله - تعالى - ( لك ) لأنها ليست خيرا لكل واحد .
وقوله : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ .
.
.
) هذا وعد شامل لما أعطاه الله - تعالى - له من كمال النفس ، وظهور الأمر ، وإعلاء الدين .
.
واللام لام الابتداء ، والمبتدأ محذوف ، أى : ولأنت سوف يعطيك ربك ، وليست لام القسم ، لأنها لا تدخل على المضارع ، إلا مع نون التوكيد .
.
واعلم اتصاله بما تقدم من وجهين: الأول: هو أنه تعالى لما بين أن الآخرة: خير له من الأولى ولكنه لم يبين أن ذلك التفاوت إلى أي حد يكون.
فبين بهذه الآية مقدار ذلك التفاوت، وهو أنه ينتهي إلى غاية ما يتمناه الرسول ويرتضيه الوجه الثاني: كأنه تعالى لما قال: ﴿ وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى ﴾ فقيل ولم قلت إن الأمر كذلك، فقال: لأنه يعطيه كل ما يريده وذلك مما لا تتسع الدنيا له، فثبت أن الآخرة خير له من الأولى، واعلم أنه إن حملنا هذا الوعد على الآخرة فقد يمكن حمله على المنافع، وقد يمكن حمله على التعظيم، أما المنافع، فقال ابن عباس: ألف قصر في الجنة من لؤلؤ أبيض ترابه المسك وفيها ما يليق بها، وأما التعظيم فالمروى عن علي بن أبي طالب عليه السلام وابن عباس، أن هذا هو الشفاعة في الأمة، يروى أنه عليه السلام لما نزلت هذه الآية قال: إذاً لا أرضى وواحد من أمتي في النار، واعلم أن الحمل على الشفاعة متعين، ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه تعالى أمره في الدنيا بالاستغفار فقال: ﴿ أَسْتَغْفِرُ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات ﴾ فأمره بالاستغفار والاستغفار عبارة عن طلب المغفرة، ومن طلب شيئاً فلا شك أنه لا يريد الرد ولا يرضى به وإنما يرضى بالإجابة، وإذا ثبت أن الذي يرضاه الرسول صلى الله عليه وسلم هو الإجابة لا الرد، ودلت هذه الآية على أنه تعالى يعطيه كل ما يرتضيه.
علمنا أن هذه الآية دالة على الشفاعة في حق المذنبين والثاني: وهو أن مقدمة الآية مناسبة لذلك كأنه تعالى يقول لا أودعك ولا أبغضك بل لا أغضب على أحد من أصحابك وأتباعك وأشياعك طلباً لمرضاتك وتطييباً لقلبك، فهذا التفسير أوفق لمقدمة الآية والثالث: الأحاديث الكثيرة الواردة في الشفاعة دالة على أن رضا الرسول عليه الصلاة والسلام في العفو عن المذنبين، وهذه الآية دلت على أنه تعالى يفعل كل ما يرضاه الرسول فتحصل من مجموع الآية والخبر حصول الشفاعة، وعن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: رضاء جدي أن لا يدخل النار موحد، وعن الباقر، أهل القرآن يقولون: أرجى آية قوله: ﴿ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية قوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ والله إنها الشفاعة ليعطاها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول رضيت، هذا كله إذا حملنا الآية على أحوال الآخرة، أما لو حملنا هذا الوعد على أحوال الدنيا فهو إشارة إلى ما أعطاه الله تعالى من الظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجاً، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، و(ما) هدم بأيديهم من ممالك الجبابرة، وأنهبهم من كنوز الأكاسرة، وما قذف في أهل الشرق والغرب من الرعب وتهييب الإسلام وفشو الدعوة، واعلم أن الأولى حمل الآية على خيرات الدنيا والآخرة، وهاهنا سؤالات.
السؤال الأول: لم لم يقل: يعطيكم مع أن هذه السعادات حصلت للمؤمنين أيضاً؟
الجواب: لوجوه: أحدها: أنه المقصود وهم أتباع.
وثانيها: أني إذا أكرمت أصحابك فذاك في الحقيقة إكرام لك، لأني أعلم أنك بلغت في الشفقة عليهم إلى حيث تفرح بإكرامهم فوق ما تفرح بإكرام نفسك، ومن ذلك حيث تقول الأنبياء: نفسي نفسي، أي أبدأ بجزائي وثوابي قبل أمتي، لأن طاعتي كانت قبل طاعة أمتي، وأنت تقول: أمتي أمتي، أي أبدأ بهم، فإن سروري أن أراهم فائزين بثوابهم.
وثالثها: أنك عاملتني معاملة حسنة، فإنهم حين شجوا وجهك، قلت: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» وحين شغلوك يوم الخندق عن الصلاة، قلت: «اللهم املأ بطونهم ناراً» فتحملت الشجة الحاصلة في وجه جسدك، وما تحملت الشجة الحاصلة في وجه دينك، فإن وجه الدين هو الصلاة، فرجحت حقي على حقك، لا جرم فضلتك، فقلت من ترك الصلاة سنين، أو حبس غيره عن الصلاة سنين لا أكفره، ومن آذى شعرة من شعراتك، أو جزء من نعلك أكفره.
السؤال الثاني: ما الفائدة في قوله: ﴿ وَلَسَوْفَ ﴾ ولم لم يقل: وسيعطيك ربك؟
الجواب: فيه فوائد إحداها: أنه يدل على أنه ما قرب أجله، بل يعيش بعد ذلك زماناً.
وثانيها: أن المشركين لما قالوا: ودعه ربه وقلاه فالله تعالى رد عليهم بعين تلك اللفظة، فقال: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى ﴾ ثم قال المشركون: سوف يموت محمد، فرد الله عليهم ذلك بهذه اللفظة فقال: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ .
السؤال الثالث: كيف يقول الله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ ؟
الجواب: هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام جبريل عليه السلام معه، لأنه كان شديد الاشتياق إليه وإلى كلامه كما ذكرنا، فأراد الله تعالى أن يكون هو المخاطب له بهذه البشارات.
السؤال الرابع: ما هذه اللام الداخلة على سوف؟
الجواب: قال صاحب الكشاف: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره: ولأنت سوف يعطيك ربك والدليل على ما قلنا أنها إما أن تكون لام القسم، أو لام الابتداء، ولام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد، فبقي أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر، فلابد من تقدير مبتدأ وخبر، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك، فإن قيل ما معنى الجمع بين حرفي التوكيد والتأخير؟
قلنا معناه: أن العطاء كائن لا محالة، وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿ وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى (4) ﴾ بما قبله؟
قلت: لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي: أنّ الله مواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله ولا ترى كرامة أعظم من ذلك ولا نعمة أجلّ منه: أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك وأجل، وهو السبق والتقدّم على جميع أنبياء الله ورسله، وشهادة أمته على سائر الأمم، ورفع درجات المؤمنين وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ موعد شامل لما أعطاه الله في الدنيا من الفلج والظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجاً، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم، وبثّ عساكره وسراياه في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن وهدم بأيديهم من ممالك الجبابرة وأنهبهم من كنوز الأكاسرة، وما قذف في قلوب أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيب الإسلام، وفشوّ الدعوة واستيلاء المسلمين، ولما ادّخر له من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلاّ الله.
قال ابن عباس رضي لله عنهما: له في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك.
فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على سوف؟
قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف.
تقديره: ولأنت سوف يعطيك، كما ذكرنا في: لا أقسم، أن المعنى: لأنا أقسم؛ وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم أو ابتداء فلام القسم لا تدخل على المضارع إلاّ مع نون التأكيد، فبقي أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلاّ على الجملة من المبتدأ والخبر، فلا بد من تقدير مبتدإ وخبر، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين حرفي التوكيد والتأخير؟
قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخّر، لما في التأخير من المصلحة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ﴾ فَإنَّها باقِيَةٌ خالِصَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ وهَذِهِ فانِيَةٌ مَشُوبَةٌ بِالمَضارِّ، كَأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَزالُ يُواصِلُهُ بِالوَحْيِ والكَرامَةِ في الدُّنْيا وعَدَ لَهُ ما هو أعْلى وأجَلُّ مِن ذَلِكَ في الآخِرَةِ، أوْ لَنِهايَةُ أمْرِكَ خَيْرٌ مِن بِدايَتِهِ، فَإنَّهُ لا يَزالُ يَتَصاعَدُ في الرِّفْعَةِ والكَمالِ.
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ﴾ وعْدٌ شامِلٌ لِما أعْطاهُ مِن كَمالِ النَّفْسِ وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ، ولِما ادَّخَرَ لَهُ مِمّا لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ سِواهُ، واللّامُ لِلِابْتِلاءِ دَخَلَ الخَبَرُ بَعْدَ حَذْفِ المُبْتَدَأِ والتَّقْدِيرُ: ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ لا لِلْقَسَمِ فَإنَّها لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا مَعَ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ، وجَمْعُها مَعَ سَوْفَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإعْطاءَ كائِنٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ لِحِكْمَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ} في الآخرة من الثواب ومقام الشفاعة وغير ذلك {فترضى} ولما نزلت قال صلى الله عليه وسلم إذا لا أرضى قط وواحد من أمتي في النار واللام الداخلة على سوف لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة والمبتدأ محذوف تقديره ولأنت سوف يعطيك ونحوه لأقسم فيمن قرأ كذلك لان المعنى لانا أقسم وهذا لنها إن كانت لام قسم فلامه لا تدخل على المضارع الامع نون التوكيد فتعين أن تكون لام الابتداء ولامه لا تدخل الاعلى المبتدأ او الخبر فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر كما ذكرنا لأن النون إنما تدخل ليؤذن أن اللام لام القسم لالام الابتداء وقد علم أنه ليس للابتداء لدخولها على سوف لان لام الابتداء لا تدخله على سوف وذكر أن الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير يؤذن بأن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر ثم عدد عليه نعمه من أول حاله ليقيس المترقب من فضل الله على ما سلف منه لئلا يتوقع إلا الحسنى وزيادة الخير ولا يضيق صدره ولا يقل صبره فقال
وقَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ بِأنَّها كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ﴾ وقالُوا: فائِدَتُها تَأْكِيدُ مَضْمُونٍ لِجُمْلَةٍ وبَعْدَها مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ إلَخْ وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ التَّأْكِيدَ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ والحَذْفَ يُنافِيهِ؛ ولِذا قالَ ابْنُ الحاجِبِ: إنَّ المُبْتَدَأ المُؤَكَّدَ بِاللّامِ لا يُحْذَفُ، وإنَّ اللّامَ مَعَ المُبْتَدَأِ كَقَدْ مَعَ الفِعْلِ وإنَّ مَعَ الِاسْمِ، فَكَما لا يُحْذَفُ الفِعْلُ والِاسْمُ ويَبْقَيانِ بَعْدَ حَذْفِهِما كَذَلِكَ لا يُحْذَفُ المُبْتَدَأُ وتَبْقى اللّامُ وإنَّهُ يَلْزَمُ التَّقْدِيرُ والأصْلُ عَدَمُهُ، وأنَّ اللّامَ لِتَخَلُّصِ المُضارِعِ الَّذِي في حَيِّزِها لِلْحالِ كَتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وهو هُنا مَقْرُونٌ بِحَرْفِ التَّنْفِيسِ والتَّأْخِيرِ فَيَلْزَمُ التَّنافِي، ورُدَّ بِأنَّ المُؤَكِّدَ الجُمْلَةُ لا المُبْتَدَأُ وحْدَهُ حَتّى يُنافِيَ تَأْكِيدُهُ حَذْفَهُ، وكَلامُابْنِ الحاجِبِ لَيْسَ حُجَّةً عَلى الفارِسِيِّ وأمْثالِهِ، وأنْ يُحْذَفَ مَعَها الِاسْمُ كَثِيرًا كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ وكَذا قَدْ يُحْذَفُ بَعْدَها الفِعْلُ كَقَوْلِهِ: أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ مَعَ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ فَقَدْ يُفَرَّقُ كَما قالَ الطِّيبِيُّ بَيْنَ أنَّ وقَدْ وهَذِهِ اللّامِ؛ بِأنَّهُما يُؤَثِّرانِ في المَدْخُولِ عَلَيْهِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِخِلافِ هَذِهِ اللّامِ؛ فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ تُؤَكِّدَ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ لا غَيْرَ وهو باقٍ، وإنْ حُذِفَ المُبْتَدَأُ فالقِياسُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ، والنَّحْوِيُّونَ يُقَدِّرُونَ كَثِيرًا في الكَلامِ كَما قَدَّرُوا المُبْتَدَأ في نَحْوِ: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ.
وهو لِأجْلِ الصِّناعَةِ دُونَ المَعْنى كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ واللّامُ المُؤَكِّدَةُ لا نُسَلِّمُ أنَّها لِتَخْلِيصِ المُضارِعِ لِلْحالِ أيْضًا بَلْ هي لِمُطْلَقِ التَّأْكِيدِ فَقَطْ ويُفْهَمُ مَعَها الحالُ بِالقَرِينَةِ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالتَّأْكِيدِ.
وعَلى تَسْلِيمِ أنَّها لِتَخْلِيصِهِ لِلْحالِ أيْضًا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها تَجَرَّدَتْ لِلتَّأْكِيدِ هُنا بِقَرِينَةِ ذِكْرِ سَوْفَ بَعْدَها، والمُرادُ تَأْكِيدُ المُؤَخَّرِ؛ أعْنِي الإعْطاءَ لا تَأْكِيدَ التَّأْخِيرِ، فالمَعْنى أنَّ الإعْطاءَ كائِنٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ لِحِكْمَةٍ وعَلى تَسْلِيمِ أنَّها لِلْأمْرَيْنِ ولا تُجَرَّدُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: نُزِّلَ المُسْتَقْبَلُ أعْنِي الإعْطاءَ الَّذِي يَعْقُبُهُ الرِّضا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مَنزِلَةَ الواقِعِ الحالِيِّ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ وقِيلَ: يَحْسُنُ هَذا جِدًّا فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الإعْطاءَ قَدْ شُرِعَ فِيهِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِناءً عَلى أحَدِ أوْجُهِها الآتِيَةِ بَعْدَ أنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذَهَبَ بَعْضُهم بِأنَّ اللّامَ الأُولى لِلْقَسَمِ وكَذا هَذِهِ اللّامُ وبِقَسَمِيَّتِها جَزَمَ غَيْرُ واحِدٍ، فالواوُ عَلَيْهِ لِلْعَطْفِ فَكِلا الوَعْدَيْنِ داخِلٌ في المَقْسَمِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ اللَّهُ تَعالى قَدْ أقْسَمَ عَلى أرْبَعَةِ أشْياءَ؛ اثْنانِ مَنفَيانِ واثْنانِ مُثْبَتانِ وهو حَسَنٌ في نَظَرِي، واعْتُرِضَ بِأنَّ لامَ القَسَمِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا مَعَ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ، فَلَوْ كانَتْ لِلْقَسَمِ لَقِيلَ: «لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ» ولا يَخْفى أنَّ هَذا أحَدُ مَذْهَبَيْنِ لِلنُّحاةِ والآخَرُ أنَّهُ يُسْتَثْنى ما قُرِنَ بِحَرْفِ تَنْفِيسٍ كَما هُنا، فَفي المُغْنِي أنَّهُ تَجِبُ اللّامُ وتَمْتَنِعُ النُّونُ فِيهِ كَقَوْلِهِ: فَوَرَبِّي لَسَوْفَ يُجْزى الَّذِي ∗∗∗ أسْلَفَ المَرْءُ سَيِّئًا أوْ جَمِيلا وكَذا مَعَ فَصْلِ مَعْمُولٍ بَيْنَ اللّامِ والفِعْلِ نَحْوَ: ﴿ ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ومَعَ كَوْنِ الفِعْلِ لِلْحالِ نَحْوَ: «لا أُقْسِمُ» وقَدْ يَمْتَنِعانِ؛ وذَلِكَ مَعَ الفِعْلِ المَنفِيِّ نَحْوَ: ﴿ تاللَّهِ تَفْتَأُ ﴾ وقَدْ يَجِبانِ؛ وذَلِكَ فِيما بَقِيَ نَحْوَ: ﴿ وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ ﴾ وعَلَيْهِ لا يَتَّجِهُ الِاعْتِراضُ مَعَ أنَّ المَمْنُوعَ بِدُونِ النُّونِ في جَوابِ القَسَمِ لا في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَما هُنا فَإنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، وإنَّما ذُكِرَتِ اللّامُ تَأْكِيدًا لِلْقَسَمِ وتَذْكِيرًا بِهِ، وبِالجُمْلَةِ هَذا الوَجْهُ أقَلُّ دَغْدَغَةً مِنَ الوَجْهِ السّابِقِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى تَوْجِيهِ جَمِيعِ اللّامِ مَعَ سَوْفَ؛ إذْ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ بِأنَّ اللّامَ القَسَمِيَّةَ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَتَّبَعَ كُتُبَهُمْ، وظاهِرُ كَلامِ الفاضِلِ الكِلِنْبَوِيِّ أنَّ كُلًّا مِنَ اللّامَيْنِ مَوْضُوعٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الحالِ، ووَجْهُ الجَمْعِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها في الآيَةِ قَسَمِيَّةٌ بِأنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ، وسَوْفَ مَحْمُولَةٌ عَلى تَأْكِيدِ الحُكْمِ؛ ولِذا قامَتْ مَقامَ إحْدى النُّونَيْنِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وقَدْ أطالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى الكَلامَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ وأتى عَلى غَزارَةِ فَضْلِهِ بِما يُسْتَبْعَدُ صُدُورُهُ مِن مِثْلِهِ.
وقالَ عِصامُ الدِّينِ: الأظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ: ﴿ ما ودَّعَكَ ﴾ حالِيَّةٌ؛ أيْ: ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلاكَ، والحالُ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى وأنْتَ تَخْتارُها عَلَيْها، ومَن حالُهُ كَذَلِكَ لا يَتْرُكُهُ رَبُّهُ فَفِيهِ إرْشادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى ما هو مِلاكُ قُرْبِ العَبْدِ إلى الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ وتَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ التِزامِ أمْرِ الدُّنْيا والإعْراضِ عَنِ الآخِرَةِ، وحِينَئِذٍ مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ ﴾ أنَّهُ سَوْفَ يُعْطِيكَ الآخِرَةَ ولا يَخْفى حِينَئِذٍ كَمالُ اشْتِباكِ الجُمَلِ.
انْتَهى.
وفِيهِ أنَّ دُخُولَ اللّامِ عَلَيْها مَعَ دُخُولِهِ عَلى الجُمْلَةِ بَعْدَها وسَبْقَهُما بِالقَسَمِ يُبْعِدُ الحالِيَّةَ جِدًّا، وأيْضًا المَعْنى ذِكْرُهُ عَلى تَقْدِيرِها غَيْرُ ظاهِرٍ مِنَ الآيَةِ وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ عِنْدَكَ بَدَلٌ لَكَ كَما لا يَخْفى عَلَيْكَ.
واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَسَوْفَ ﴾ إلَخْ فَقِيلَ: هو عِدَةٌ كَرِيمَةٌ شامِلَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الدُّنْيا مِن كَمالِ النَّفْسِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ بِالفُتُوحِ الواقِعَةِ في عَصْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي أيّامِ خُلَفائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُلُوكِ الإسْلامِيَّةِ وفُشُوِّ الدَّعْوَةِ والإسْلامِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ولِما ادَّخَرَ جَلَّ وعَلا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الآخِرَةِ مِنَ الكَراماتِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هو جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نُوالُهُ وقِيلَ: عِدَةٌ بِما أعْطاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الدُّنْيا مِن فَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عِدَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هي الشَّفاعَةُ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ حَرْبِ بْنِ شُرَيْحٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَلى جَدِّهِمْ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أرَأيْتَ هَذِهِ الشَّفاعَةَ الَّتِي يَتَحَدَّثُ بِها أهْلُ العِراقِ أحَقٌّ هِيَ؟
قالَ: إي واللَّهِ؛ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أشْفَعُ لِأُمَّتِي حَتّى يُنادِيَ رَبِّي: أرَضِيتَ يا مُحَمَّدُ؟
فَأقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ رَضِيتُ».
ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيَّ فَقالَ: إنَّكم تَقُولُونَ يا مَعْشَرَ أهْلِ العِراقِ: إنَّ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهِ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ قُلْتُ: إنّا لَنَقُولُ ذَلِكَ.
قالَ: فَكُلُّنا أهْلَ البَيْتِ نَقُولُ: إنَّ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ﴾ وقالَ: هي الشَّفاعَةُ».
وقِيلَ: هي أعَمُّ مِنَ الشَّفاعَةِ وغَيْرِها ويُرْشِدُ إلَيْهِ ما أخْرَجَهُ العَسْكَرِيُّ في المَواعِظِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى فاطِمَةَ وهي تَطْحَنُ بِالرَّحا وعَلَيْها كِساءٌ مِن جِلْدِ الإبِلِ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها قالَ: «يا فاطِمَةُ تَعَجَّلِي مَرارَةَ الدُّنْيا بِنَعِيمِ الآخِرَةِ غَدًا».
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ﴾ » .
وقالَ أبُو حَيّانَ: الأوْلى العُمُومُ لِما في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، والخَبَرُ المَذْكُورُ لَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ لا يَأْبى ذَلِكَ.
نَعَمْ عَطايا الآخِرَةِ أعْظَمُ مِن عَطايا الدُّنْيا بِكَثِيرٍ، فَقَدْ رَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الجَنَّةِ ألْفَ قَصْرٍ مِن لُؤْلُؤٍ، تُرابُهُ المِسْكُ في كُلِّ قَصْرٍ ما يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الأزْواجِ والخَدَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ مِن رِضا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ لا يَدْخُلَ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ النّارَ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رِضاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُدْخِلَ أُمَّتَهُ كُلَّهُمُ الجَنَّةَ، وفي رِوايَةِ الخَطِيبِ في تَلْخِيصِ المُتَشابِهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ: لا يَرْضى مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأحَدٌ مِن أُمَّتِهِ في النّارِ، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ شَفَقَتُهُ العَظِيمَةُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أُمَّتِهِ؛ فَقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَرِيصًا عَلَيْهِمْ رَءُوفًا بِهِمْ مُهْتَمًّا بِأمْرِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَلا قَوْلَ اللَّهِ تَعالى في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى في عِيسى: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ ﴾ الآيَةَ.
فَرَفَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدَيْهِ وقالَ: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي» وبَكى فَقالَ اللَّهُ تَعالى: يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْ لَهُ: إنّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ ولا نَسُوؤُكَ».
وفِي إعادَةِ اسْمِ الرَّبِّ مَعَ إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى أيْضًا مِنَ اللُّطْفِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
وهي إحدى عشرة آية مكية قوله تبارك وتعالى: وَالضُّحى يعني: النهار كله، ويقال: الضحى ساعة من ساعات النهار، ويقال: الضحى حر الشمس وَاللَّيْلِ إِذا سَجى يعني: اسودّ وأظلم، ويقال: إذا يكن بالناس، ويقال: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى يعني: عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم، ويقال: وَالضُّحى نور الجنة إذا تنور وَاللَّيْلِ إِذا سَجى يعني: ظلمة النار إذا أظلم، ويقال: وَالضُّحى يعني: النور الذي في قلوب العارفين كهيئة النهار، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى يعني: السواد الذي في قلوب الكافرين، كهيئة الليل.
وأقسم الله تعالى بهذه الأشياء مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى يعني: ما تركك ربك يا محمد ، منذ أوحى إليك وَما قَلى يعني: ما أبغضك ربك، وذلك أن مشركي قريش، أرسلوا إلى يهود المدينة، وسألوهم عن أمر محمد ، فقالت لهم اليهود: فاسألوه عن أصحاب الكهف، وعن قصة ذي القرنين، وعن الروح، فإن أخبركم بقصة أهل الكهف، وعن قصة ذي القرنين، ولم يخبركم عن أمر الروح، فاعلموا أنه صادق.
فجاؤوه وسألوه فقال لهم: ارجعوا غداً حتى أخبركم، ونسي أن يقول إن شاء الله، فانقطع عنه جبريل خمسة عشرة يوماً في رواية الكلبي، وفي رواية الضحاك، أربعين يوماً.
فقال المشركون: قد ودّعه ربه وأبغضه، فنزل فيهم ذلك.
وروى أسباط عن السدي قال: فأبطأ جبريل ، على رسول الله أربعين ليلة، حتى شكا ذلك إلى خديجة، فقالت خديجة: لعل ربك قد قلاك أو نسيك، فأتاه جبريل بهذه الآية مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى يعني: ما أعطاك الله في الآخرة، خير لك مما أعطاك في الدنيا.
ويقال: معناه عن الآخرة، خير من عز الدنيا، لأن عز الدنيا يفنى، وعز الآخرة يبقى.
قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى يعني: يعطيك ثواب طاعتك، حتى ترضى.
وسوف من الله تعالى واجب.
ويقال: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ الحوض، والشفاعة حتى ترضى.
ثم ذكر له ما أنعم عليه في الدنيا وفي الآخرة.
فقال عز وجل: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى يعني: كنت يتيماً فضمك إلى عمك أبي طالب، فكفاك المؤنة حين كنت يتيماً مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ فكيف ودعك بعد ما أوحى إليك.
ثم قال عز وجل: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى يعني: وجدك جاهلاً بالنبوة، وبالحكمة وبالكتاب وقراءته، والدعوة إلى الإيمان، فهداك إلى هذه الأشياء.
وكقوله: مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب، ولا الإيمان.
ويقال: وَوَجَدَكَ ضَالًّا يعني: من بين قوم ضلال فَهَدى يعني: حفظك من أمرهم، وعن أخلاقهم.
ويقال: ووجدك بين قوم ضلال، فهداهم بك.
ثم قال عز وجل: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى يعني: وجدك فقيراً بلا مال، فأغناك بمال خديجة.
ويقال: وجدك فقيراً عن القرآن والعلم، فأغناك يعني: أغنى قلبك، وأرضاك بما أعطاك.
<div class="verse-tafsir"
السعادةِ في الدارين، انتهى، [ت: وفي «صحيح مسلم» من رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي: أنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم تلا قول الله- عز وجل- في إبراهيمَ عليه السلام: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:
٣٦] وقولُ عيسى عليه السلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، وبكى، فَقَالَ اللَّهُ- جَلَّ ثناؤُهُ- يَا جِبْرِيلُ اذهب إلى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ: إنَّا سَنُرْضِيكَ في أمّتك ولا نسؤوك، انتهى مختصراً] «١» ، ثُمَّ وَقَفَ تَعَالَى نبيَّه على المراتبِ التي دَرَجَه عَنْها بإنعَامِهِ فقال: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى.
وقوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى اخْتَلَفَ الناسُ في تأويلِهِ، والضلالُ يَخْتَلِفُ، فمنه البعيدُ ومنه القريبُ فالبعيدُ ضلالُ الكفَّارِ، وهذا قَدْ عَصَمَ الله منه نبيّه فلم يعبد/ صلّى الله عليه وسلّم صَنَماً قط، ولا تَابعَ الكفارَ على شيءٍ مما هم عليه من الباطلِ، وإنما ضلالُه صلّى الله عليه وسلّم هو كَوْنُهُ واقفاً لا يَميزُ المَهْيَعَ، بل يُدْبِرُ وَيَنْظُر، وقال الترمذي وعبد العزيز بن يحيى: ضَالًّا معناه: خاملُ الذِّكْرِ لا يعرفُك الناسُ فهداهُم إليكَ ربُّك، والصوابُ أنه ضلالُ من توقّف لا يدري، كما قال عز وجل: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: ٥٢] وقال الثعلبي: قال بعض المتكلمين: إذا وجَدَتِ العربُ شَجَرَةً مفردة في فلاةٍ سَمَوْها ضالةً فَيُهْتَدَى بها إلى الطريقِ، أي: فَوَجَدْتُكَ وَحيداً ليس معَك نبيٌّ غيرَك فهديتُ بك الخلقَ إليَّ، انتهى، قال عياض: وقال الجنيد: المَعْنَى: وَوَجَدَكَ متحيِّراً في بيانِ ما أُنْزِلَ إليكَ فهَدَاكَ لبيانِه، لقوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ...
[النحل: ٤٤] الآية، قال عياض: ولا أعلمُ أحداً من المفسرينَ قَال فيها ضالاًّ عَنْ الإيمانِ، وكذلك في قصةِ موسى- عليه السلام- قوله: فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء: ٢٠] أي المخطئينَ، وقال ابن عطاء: وَوَجَدَكَ ضَالًّا أي: مُحِبًّا لمعرفتِي، والضَّالُّ: المحِبُّ، كما قال تعالى: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [يوسف: ٩٥] أي: محبَّتِكَ القديمةِ، انتهى، والعَائِلُ: الفقيرُ فَأَغْنى أي: بالقناعَةِ والصَّبْرِ، ثم وصَّاه تَعالى بثلاثِ وصَايَا بإزاءِ هذه النعم الثلاث، والسَّائِلَ هنا قَال أبو الدرداء: هو السائلُ عن العلم «٢» ، وقيل: هو سائل المال، وقال
إبراهيم بن أدهم: نعم القومُ السؤال يحملنا زادنا إلى الآخرة.
وقوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ قال مجاهد وغيره: معناه بُثَّ القرآن وبلِّغْ ما أُرسلْتَ بهِ «١» ، قال عياض: / وهذا الأمرُ يَعُمَّ الأمة، انتهى، وقال آخرونَ: بل هُوَ عُمُوم في جميعِ النِّعم، وفي «سنن أبي داود» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أَعْطُوا الأَجِيرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ «٢» ، وَأَعْطُوا السَّائِلَ، وَإنْ جَاءَ على فَرَسٍ» «٣» قال البغويُّ في «المصابيحِ» : هذا حديثٌ مُرْسَلٌ انتهى.
سُورَةُ الضُّحى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ: عَلى أنَّ هَذِهِ [السُّورَةَ] نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ مُدَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْقِطاعِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، فَقالَ: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ.» والثّانِي: لِقِلَّةِ النَّظافَةِ في بَعْضِ أصْحابِهِ.
وقَدْ ذَكَرْنا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في سُورَةِ [مَرْيَمَ: ٦٥] .
والثّالِثُ: لِأجْلِ جَرْوٍ كانَ في بَيْتِهِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
وَفِي مُدَّةِ احْتِباسِهِ عَنْهُ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [مَرْيَمَ: ٦٦] .
وَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ : ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ ودَعَكَ، فَنَزَلَتْ ﴿ والضُّحى ﴾ ﴿ واللَّيْلِ إذا سَجى ﴾ ﴿ ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ﴾ » جُنْدُبٌ: هو ابْنُ سُفْيانَ.
والمَرْأةُ: يُقالُ لَها: أمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ.
وَفِي المُرادِ " بِالضُّحى " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضَوْءُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: النَّهارُ كُلُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَفِي مَعْنى " سَجى " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَ.
والثّانِي: ذَهَبَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: سَكَنَ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
فَعَلى هَذا: في مَعْنى " سَكَنَ " قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اسْتَقَرَّ ظَلامُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: " سَجى " بِمَعْنى أظْلَمَ ورَكَدَ في طُولِهِ.
كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، ولَيْلٌ ساجٍ: إذا رَكَدَ وأظْلَمَ.
ومَعْنى رَكَدَ: سَكَنَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ، وساكِنَةٌ، وشاكِرَةٌ.
قالَ الحادِي: يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سَجى " بِمَعْنى سَكَنَ، وذَلِكَ عِنْدَ تَناهِي ظَلامِهِ ورُكُودِهِ.
والثّانِي: سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: امْتَدَّ ظَلامُهُ، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى ": ﴿ ما ودَّعَكَ رَبُّكَ ﴾ وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأنَسٌ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ " ما ودَعَكَ " بِتَخْفِيفِ الدّالِ.
وهَذا جَوابُ القَسَمِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما ودَّعَكَ " مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُوَدَّعُ المُفارِقُ، و " ما ودَعَكَ " مُخَفَّفَةً مِن ودَعَهُ يَدَعُهُ ﴿ وَما قَلى ﴾ أيْ: أبْغَضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ﴾ قالَ عَطاءٌ: خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا.
وقالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ ﴾ في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ﴿ فَتَرْضى ﴾ بِما تُعْطى.
قالَ عَلِيٌّ والحَسَنُ: هو الشَّفاعَةُ في أُمَّتِهِ حَتّى يَرْضى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ما يُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى.
﴾ ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ﴾ » .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى إذْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَكَفاكَ المَؤُونَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِنَفْسِكَ أغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ضالًّا عَنْ مَعالِمِ النُّبُوَّةِ، وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَلَّ وهو صَبِيٌّ صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِ خَدِيجَةَ أخَذَ إبْلِيسُ بِزِمامِ ناقَتِهِ، فَعَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إبْلِيسُ نَفْخَةً وقْعَ مِنها إلى الحَبَشَةِ، ورَدَّهُ إلى القافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ووَجَدَكَ في قَوْمٍ ضُلّالٍ، فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: ووَجَدَكَ نِسْيًا، فَهَداكَ إلى الذِّكْرِ.
ومِثْلُهُ: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ﴾ ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
والسّادِسُ: ووَجَدَكَ خامِلًا لاتُذْكَرُ ولا تُعْرَفُ، فَهَدى النّاسَ إلَيْكَ حَتّى عَرَفُوكَ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ عائِلا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ذا فَقْرٍ.
وأنْشَدَ: وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ أيْ: يَفْتَقِرُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العائِلُ: الفَقِيرُ، كانَ لَهُ عِيالٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ.
يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ: إذا افْتَقَرَ.
وأعالَ: إذا كَثُرَ عِيالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأغْنى ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: رَضّاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
وَقالَ: لَمْ يَكُنْ غِناهُ عَنْ كَثْرَةِ المالِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَضّاهُ بِما آتاهُ.
والثّانِي: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ عَنْ أبِي طالِبٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَحْقِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿ وَأمّا السّائِلَ ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سائِلُ البِرِّ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والمَعْنى: إذا جاءَكَ السّائِلُ، فَإمّا أنْ تُعْطِيَهُ، وإمّا أنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا.
ومَعْنى ﴿ فَلا تَنْهَرْ ﴾ لا تَنْهَرْهُ، يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طالِبُ العِلْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ في النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: القُرْآنُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَيْراتِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ.
فَلَمّا بَلَغْتُ ﴿ والضُّحى ﴾ قالَ: كَبِّرْ إذا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتّى تَخْتِمَ.
وقَدْ قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَنِي بِذَلِكَ.
قالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: ويُقالُ: إنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ «لَمّا فَتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطانُهُ ووَدَعَهُ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَ ﴿ والضُّحى ﴾ كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنَّةً.»
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُحى وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والضُحى ﴾ ﴿ واللَيْلِ إذا سَجى ﴾ ﴿ ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ﴾ ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ﴾ ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ﴾ ﴿ ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ﴾ ﴿ وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى ﴾ ﴿ وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى ﴾ ﴿ فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ﴾ ﴿ وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ ﴾ ﴿ وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "الضُحى" بِأنَّهُ سُطُوعُ الضَوْءِ وعِظَمُهُ، وقالَ قَتادَةُ: الضُحى هُنا، النَهارُ كُلُّهُ، و"سَجى" مَعْناهُ سَكَنَ واسْتَقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ "سَجى" مَعْناهُ أقْبَلَ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ أدْبَرَ والأوَّلُ أصَحُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَيْلُ الساجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَسّاجْ ويُقالُ "بَحْرٌ ساجٍ" أيْ ساكِنٌ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بِحْرُ ابْنُ عَمِّكم ∗∗∗ وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَعامِصا "وَطَرَفٌ ساجٍ" إذا كانَ ساكِنًا غَيْرَ مُضْطَرِبِ النَظَرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَدَّعَكَ" بِشَدِّ الدالِ، مِنَ التَوْدِيعِ، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ: "وَدَعَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، بِمَعْنى تَرْكَكَ و"قَلى" مَعْناهُ أبْغَضَ واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: «أبْطَأ الوَحْيُ مَرَّةً عن رَسُولِ اللهِ وهو بِمَكَّةَ -اخْتَلَفَتْ في حَدِّها الرِواياتُ- حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الكُفّارِ، وهي أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.» وقالَ ابْنٌ وهْبٍ عن رِجالٍ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ «أنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: لَهُ ما أرى اللهَ إلّا قَدْ خَلّاكَ لِإفْراطِ جَزَعِكَ لِبُطْءِ الوَحْيِ عنكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ،» وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما احْتَبَسَ عنهُ جِبْرِيلُ لِجَرْوِ كَلْبٍ كانَ في بَيْتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الدارَيْنِ: الدُنْيا والآخِرَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ حالَيْهِ في الدُنْيا قَبْلَ نُزُولِ السُورَةِ وبَعْدَها، فَوَعَدَهُ اللهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِالنَصْرِ والظُهُورِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ﴾ ، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ البَيْتِ هَذِهِ أرْجى آيَةً في القُرْآنِ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ لا يَرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِضاهُ أنْ لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ في النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: رِضاهُ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِألْفِ قَصْرٍ في الجَنَّةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ النِعَمِ والخَدَمِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: رِضاهُ في الدُنْيا بِفَتْحِ مَكَّةَ وغَيْرِهِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَسَيُعْطِيكَ".
ثُمَّ وقَّفَهُ تَعالى عَلى المَراتِبِ الَّتِي دَرَجَهُ فِيها بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ﴾ والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ تَحَفِّي اللهُ وإنْعامُهُ، ويُتْمُهُ كانَ فَقْدَ أبِيهِ وكَوْنُهُ في كَنَفِ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ: لَمْ يُتِمَّ النَبِيُّ مِن أبَوَيْهِ؟
قالَ: لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "فَأوى" بِالقَصْرِ بِمَعْنى: رَحِمَ، يُقالُ: أوَيْتُ لِفُلانٍ، أيْ رَحِمْتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضالا ﴾ أيْ: وجَدَكَ إنْعامَهُ بِالنُبُوَّةِ والرِسالَةِ عَلى غَيْرِ الطَرِيقِ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها في نُبُوَّتِكَ، فَهَدى، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَحّاكِ وفِرْقَةٌ.
و"الضَلالُ" مُخْتَلِفٌ، فَمِنهُ البَعِيدُ ومِنهُ القَرِيبُ، فالبَعِيدُ ضَلالُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ بِهِ، وكانَ هَذا الضَلالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ أقْرَبَ ضَلالٍ، وهو الكَوْنُ واقِفًا لا يُمَيِّزُ المَهِيعَ، لا أنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرِيقِ أحَدٍ، بَلْ كانَ يَرْتادُ ويَنْظُرُ.
وقالَ السُدِّيُّ: أقامَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَعْنى "وَوَجَدَكَ ضالًّا": تُنْسَبُ إلى الضَلالِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ووَجَدَكَ في قَوْمِ ضَلالٍ، فَكَأنَّكَ واحِدٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَسُولُ اللهِ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، ولَكِنَّهُ أكَلَ ذَبائِحَهم حَسَبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو في أسْفَلِ بَلْدَحٍ، وجَرى عَلى يَسِيرٍ مِن أمْرِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ خَطَأ ما هم عَلَيْهِ، ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ وخالَفَهم في أشْياءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو ضَلالُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ تَعالى إلى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: هو ضَلالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرْضِعَتِهِ، وقالَ التِرْمِذِيُّ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: "ضالًا" خامِلَ الذِكْرِ لا يَعْرِفُكَ الناسُ، فَهُداهم إلَيْكَ رَبُّكَ، والصَوابُ أنَّهُ ضَلالٌ مِن تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: و ﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ﴾ .
وقالَ ثَعْلَبٌ: قالَ هو تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنْتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"العائِلُ": الفَقِيرُ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "عَيِّلًا" بِشَدِّ الياءِ المَكْسُورَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ، وعالَ: افْتَقَرَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْنى" ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: رِضاكَ بِما أعْطاكَ مِنَ الرِزْقِ، وقِيلَ: فَقِيرًا إلَيْهِ فَأغْناكَ بِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَقْرُ المالِ وغِناهُ، والمَعْنى في النَبِيِّ أنَّهُ أغْنى الأغْنِياءِ بِالصَبْرِ والقَناعَةِ وقَدْ حُبِّبا وقِيلَ أُغْنِيَ بِالكَفافِ لِتَصَرّفِهِ في مالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ قَطُّ كَثِيرَ المالِ، رَفَعَهُ اللهُ عن ذَلِكَ، وقالَ: « "لَيْسَ الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَفْسِ".» ولَمّا عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ النِعَمَ الثَلاثَ وصّاهُ بِثَلاثِ وصايا، في كُلِّ نِعْمَةٍ وصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لَها، فَبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ﴾ ، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَأمّا السائِلَ فَلا تَنْهَرْ ﴾ ، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ السائِلَ هُنا هو السائِلُ عَنِ العِلْمِ والدِينِ، ولَيْسَ بِسائِلِ المالِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي الدَرْداءِ وغَيْرِهِما، وبِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ ، وأمّا مَن قالَ إنَّ السائِلَ سائِلُ المالِ المُحْتاجِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وجَماعَةٌ فَقَدْ جَعَلَها بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى ﴾ ، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ بِإزاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى ﴾ .
وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: نِعْمَ القَوْمُ السُؤّالُ، يَحْمِلُونَ زادَنا إلى الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا تَنْهَرْ" مَعْناهُ: رَدَّ رَدًّا جَمِيلًا، إمّا بِعَطاءٍ وإمّا بِقَوْلٍ حَسَنٍ.
وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنى"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ التَيْمِيُّ: "فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ" بِالكافِ، قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى القَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقاكُمُ اللهُ سَطْوَةَ القادِرِ ومَلَكَةَ الكاهِرِ" وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا أظُنُّها بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قالَ الأعْرابِيُّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ: "فَما كَهَرَنِي النَبِيُّ ، فَإنَّما هي بِمَعْنى الِانْتِهارِ.
وأمَرَهُ الله تَعالى بِالتَحَدُّثِ بِنِعْمَتِهِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ: بِثَّ القُرْآنَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عُمُومٌ في جَمِيعِ النِعَمِ، وكانَ بَعْضُ الصالِحِينَ يَقُولُ: لَقَدْ أعْطانِي اللهُ كَذا وكَذا، ولَقَدْ صَلَّيْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وذَكَرْتُ اللهَ تَعالى كَذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، فَقالَ إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ وأنْتُمْ تَقُولُونَ لا تُحَدِّثْ، وقالَ النَبِيُّ : « "التَحَدُّثُ بِالنِعَمِ شُكْرٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "مَن أسْدَيْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، ومَن سَتَرَها فَقَدْ كَفَرَها"،» ونَصَبَ "اليَتِيمَ" بِـ "تَقْهَرُ"، والتَقْدِيرُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الضُحى] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
هو كذلك عطف على جملة القسم كلها وحرف الاستقبال لإفادة أن هذا العطاء الموعود به مستمر لا ينقطع كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربي ﴾ في سورة يوسف (98) وقوله: ﴿ ولسوف يرضى ﴾ في سورة الليل (21).
وحذف المفعول الثاني ليعطيك} ليعمّ كل ما يرجوه صلى الله عليه وسلم من خير لنفسه ولأمته فكان مفاد هذه الجملة تعميم العطاء كما أفادت الجملة قبلها تعميم الأزمنة.
وجيء بفاء التعقيب في ﴿ فترضى ﴾ لإفادة كون العطاءِ عاجلَ النفع بحيث يحصل به رضى المعطَى عند العطاء فَلا يترقب أن يحصل نفعه بعد تَربص.
وتعريف ﴿ ربك ﴾ بالإضافة دون اسم الله العَلَم لما يؤذن به لفظ (رب) من الرأفة واللطف، وللتوسل إلى إضافته إلى ضمير المخاطب لما في ذلك من الإِشعار بعنايته برسوله وتشريفه بإضافة رَب إلى ضميره.
وهو وعد واسع الشمول لما أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم من النصر والظَفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجاً وما فُتح على الخلفاء الراشدين ومَن بعدهم من أقطار الأرض شرقاً وغرباً.
واعلم أن اللام في ﴿ وللآخرة خير ﴾ [الضحى: 4] وفي ﴿ ولسوف يعطيك ﴾ جزَم صاحب «الكشاف» بأنه لام الابتداء وقدر مبتدأ محذوفاً.
والتقدير: ولأنت سوف يعطيك ربك.
وقال: إن لام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد وحيث تعين أن اللام لام الابتداء ولام الابتداء لا تدخل إلا على جملة من مبتدأ وخبر تعين تقدير المبتدأ.
واختار ابن الحاجب أن اللام في ﴿ ولسوف يعطيك ربك ﴾ لام التوكيد (يعني لام جواب القسم).
ووافقه ابن هشام في «مغني اللبيب» وأشعر كلامه أن وجود حرف التنفيس مانع من لحاق نون التَوكيد ولذلك تجب اللام في الجملة.
وأقول في كون وجود حرف التنفيس يوجب كون اللاّم لام جواب قسم محلّ نظر.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الضُّحى قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والضُّحى ﴾ هو قَسَمٌ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: هو طُلُوعُ الشَّمْسِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
الرّابِعُ: هو ضَوْءُ النَّهارِ في اليَوْمِ كُلِّهِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ ضَحى فُلانٌ الشَّمْسَ، إذا ظَهَرَ لَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والِاشْتِقاقُ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسى.
﴿ واللَّيْلِ إذا سَجى ﴾ وهو قَسَمٌ ثانٍ، وفِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: إذا أظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: إذا اسْتَوى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ ابْنُ حَنْطَلَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الخامِسُ: إذا سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وعَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ سَجى البَحْرُ إذا سَكَنَ، وقالَ الرّاجِزُ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجِ وطُرُقٌ مِثْلُ مِلاءِ النَّسّاجِ ﴿ ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها، فَرَوى الأسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ رُمِيَ بِحَجَرٍ في إصْبَعِهِ فَدَمِيَتْ، فَقالَ هَلْ أنْتِ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ قالَ فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا لا يَقُومُ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ يا مُحَمَّدُ ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ﴾ » ورَوى هُشامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «أبْطَأ جِبْرِيلُ عَنِ النَّبِيِّ فَجَزِعَ لِذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا، قالَتْ عائِشَةُ: فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: إنّا نَرى رَبَّكَ قَدْ قَلاكَ، مِمّا رَأوْا مِن جَزَعِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ﴾ »، ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّ جِبْرِيلَ لَبِثَ عَنِ النَّبِيِّ اثْنَتا عَشْرَةَ لَيْلَةً فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ ودَّعَ مُحَمَّدًا رَبُّهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ﴾ وفي ﴿ وَدَّعَكَ ﴾ قِراءَتانِ: أحَدُهُما: قِراءَةُ الجُمْهُورِ ودَّعَكَ، بِالتَّشْدِيدِ، ومَعْناها: ما انْقَطَعَ الوَحْيُ عَنْكَ تَوْدِيعًا لَكَ.
والثّانِيَةُ: بِالتَّخْفِيفِ، ومَعْناها: ما تَرَكَكَ إعْراضًا عَنْكَ.
﴿ وَما قَلى ﴾ أيْ ما أبْغَضَكَ، قالَ الأخْطَلُ: المَهْدِيّاتُ لِمَن هَوِينَ نَسِيئَةً ∗∗∗ والمُحْسِناتُ لِمَن قَلَيْنَ مَقِيلًا ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ﴾ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: «عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ما هو مَفْتُوحٌ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ﴾ الآيَةَ» .
وفي قَوْلِهِ ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِمّا أعْجَبَكَ في الدُّنْيا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: أنَّ مَآلَكَ في مَرْجِعِكَ إلى اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُعْطِيكَ مِنَ النَّصْرِ في الدُّنْيا، وما يُرْضِيكَ مِن إظْهارِ الدِّينِ.
الثّانِي: يُعْطِيكَ المَنزِلَةَ في الآخِرَةِ، وما يُرْضِيكَ مِنَ الكَرامَةِ.
﴿ ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ﴾ واليَتِيمُ بِمَوْتِ الأبِ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَدَ أبَوَيْهِ وهو صَغِيرٌ، فَكَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ، ثُمَّ ماتَ فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ يُتْمَ الأُبُوَّةِ بِمَوْتِ مَن فَقَدَهُ مِن أبَوَيْهِ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَآوى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِتَرْبِيَتِكَ، وقَيِّمًا يَحْنُو عَلَيْكَ ويَكْفُلُكَ وهو أبُو طالِبٍ بَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ اللَّهِ وعَبْدِ المُطَّلِبِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أيْ جَعَلَ لَكَ مَأْوى نَفْسِكَ، وأغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِاليَتِيمِ الَّذِي لا مَثِيلَ لَهُ ولا نَظِيرَ، مِن قَوْلِهِمْ دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ، إذا لَمْ يَكُنْ لَها مَثِيلٌ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ ﴿ فَآوى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَآواكَ إلى نَفْسِهِ واخْتَصَّكَ بِرِسالَتِهِ.
الثّانِي: أنْ جَعْلَكَ مَأْوى الأيْتامِ بَعْدَ أنْ كُنْتَ يَتِيمًا، وكَفِيلَ الأنامِ بَعْدَ أنْ كُنْتَ مَكْفُولًا، تَذْكِيرًا بِنِعَمِهِ عَلَيْهِ، وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿ وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وجَدَكَ لا تَعْرِفُ الحَقَّ فَهَداكَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: ووَجَدَكَ ضالًّا عَنِ النُّبُوَّةِ فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.
الثّالِثُ: ووَجَدَ قَوْمَكَ في ضَلالٍ فَهَداكَ إلى إرْشادِهِمْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
الرّابِعُ: ووَجَدَكَ ضالًّا عَنِ الهِجْرَةِ فَهَداكَ إلَيْها.
الخامِسُ: ووَجَدَكَ ناسِيًا فَأذْكَرَكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما ﴾ السّادِسُ: ووَجَدَكَ طالِبًا القِبْلَةَ فَهَداكَ إلَيْها، ويَكُونُ الضَّلالُ بِمَعْنى الطَّلَبِ، لِأنَّ الضّالَّ طالِبٌ.
السّابِعُ: ووَجَدَكَ مُتَحَيِّرًا في بَيانِ مَن نَزَلَ عَلَيْكَ فَهَداكَ إلَيْهِ، فَيَكُونُ الضَّلالُ بِمَعْنى التَّحَيُّرِ، لِأنَّ الضّالَّ مُتَحَيِّرٌ.
الثّامِنُ: ووَجَدَكَ ضائِعًا في قَوْمِكَ فَهَداكَ إلَيْهِ، ويَكُونُ الضَّلالُ بِمَعْنى الضَّياعِ، لِأنَّ الضّالَّ ضائِعٌ.
التّاسِعُ: ووَجَدَكَ مُحِبًّا لِلْهِدايَةِ فَهَداكَ إلَيْها، ويَكُونُ الضَّلالُ بِمَعْنى المَحَبَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ ﴾ أيْ في مَحَبَّتِكَ، قالَ الشّاعِرُ هَذا الضَّلالُ أشابَ مِنِّي المِفْرَقا ∗∗∗ والعارِضَيْنِ ولَمْ أكُنْ مُتَحَقِّقا ∗∗∗ عَجَبًا لِعَزَّةَ في اخْتِيارِ قَطِيعَتِي ∗∗∗ بَعُدَ الضَّلالُ فَحَبْلُها قَدْ أخْلَقا وَقَرَأ الحَسَنُ: ووَجَدَكَ ضالٌّ فَهُدِيَ، أيْ وجَدَكَ الضّالُّ فاهْتَدى بِكَ، ﴿ وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وجَدَكَ ذا عِيالٍ فَكَفاكَ، قالَهُ الأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ اللَّهُ أنْزَلَ في الكِتابِ فَرِيضَةً ∗∗∗ لِابْنِ السَّبِيلِ ولِلْفَقِيرِ العائِلِ الثّانِي: فَقِيرًا فَيَسَّرَ لَكَ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ الشّاعِرُ: وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتّى يَعِيلُ ايْ مَتى يَفْتَقِرُ.
الثّالِثُ: أيْ وجَدَكَ فَقِيرًا مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ، فَأغْناكَ بِها.
الرّابِعُ: ووَجَدَكَ العائِلُ الفَقِيرُ فَأغْناهُ اللَّهُ بِكَ، رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ بِصَوْتِهِ الأعْلى ثَلاثَ مَرّاتٍ: (يَمُنُّ رَبِّي عَلَيَّ وهو أهْلُ المَنِّ)» ﴿ فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَلا تُحَقِّرْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: فَلا تَظْلِمْ، رَواهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: فَلا تَسْتَذِلَّ، حَكاهُ ابْنُ سَلامٍ.
الرّابِعُ: فَلا تَمْنَعُهُ حَقَّهُ الَّذِي في يَدِكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الخامِسُ: ما قالَهُ قَتادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كالأبِ الرَّحِيمِ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَلا تَكْهَرْ، قالَهُ أبُو الحَجّاجِ: الكَهْرُ الزَّجْرُ.
رَوى أبُو عُمْرانَ الجُونِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقالَ: (إنْ أرَدْتَ أنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فامْسَحْ رَأْسَ اليَتِيمِ وأطْعِمِ المِسْكِينَ)» ﴿ وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ﴾ في رَدِّهِ إنْ مَنَعْتَهُ، ورُدَّهُ بِرَحْمَةٍ ولِينٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: السّائِلُ عَنِ الدِّينِ فَلا تَنْهَرْهُ بِالغِلْظَةِ والجَفْوَةِ، وأجِبْهُ بِرِفْقٍ ولِينٍ، قالَهُ سُفْيانُ.
﴿ وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ في هَذِهِ النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ فَحَدِّثْ أيِ ادْعُ قَوْمَكَ.
الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: فَحَدِّثْ أيْ فَبَلِّغَ أُمَّتَكَ.
الثّالِثُ: ما أصابَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، قالَهُ الحَسَنُ.
(فَحَدِّثْ) فِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: فَحَدِّثْ بِهِ الثِّقَةَ مِن إخْوانِكَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: فَحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ، ونَدَبَ إلى ذَلِكَ لِيَكُونَ ذِكْرُها شُكْرًا.
أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة ﴿ الضحى ﴾ بمكة.
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق أبي الحسن البزي المقري قال: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على اسماعيل بن قسطنطين، فلما بلغت ﴿ والضحى ﴾ قال: كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم فإني قرأت على عبد الله بن كثير، فلما بلغت ﴿ والضحى ﴾ قال: كبر حتى تختم وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أن ابن عباس رضي الله عنهما أمره بذلك، وأخبره ابن عباس أن أبيّ بن كعب أمره بذلك، وأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير والطبراني والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل عن جندب البجلي قال: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك لم تره قربك ليلتين أو ثلاثاً، فأنزل الله: ﴿ والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ﴾ .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن جندب رضي الله عنه قال: أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون: قد ودع محمد فأنزل الله: ﴿ ما ودعك ربك وما قلى ﴾ .
وأخرج الطبراني عن جندب رضي الله عنه قال: احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالت بعض بنات عمه: ما أرى صاحبك إلا قد قلاك.
فنزلت: ﴿ والضحى ﴾ إلى ﴿ وما قلى ﴾ .
وأخرج الترمذي وصححه وابن أبي حاتم واللفظ له عن جندب قال: رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر في أصبعه فقال: هل أنت إلا أصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت، فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت ﴿ والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ﴾ .
وأخرج الحاكم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: «لما نزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى ﴾ [ المسد: 1] إلى ﴿ وامرأته حمالة الحطب ﴾ [ المسد: 4] فقيل لامرأة أبي لهب: إن محمداً قد هجاك.
فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في الملأ، فقالت: يا محمد علام تهوجوني؟
قال: إني والله ما هجوتك، ما هجاك إلا الله.
فقالت: هل رأيتني أحمل حطباً أو رأيت في جيدي حبلاً من مسد؟
ثم انطلقت.
فمكثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً لا ينزل عليه، فأتته فقالت: ما أرى صاحبك إلا قد ودعك وقلاك، فأنزل الله: ﴿ والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه أن خديجة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله: ﴿ والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عروة رضي الله عنه قال: أبطأ جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم فجزع جزعاً شديداً فقالت خديجة: أرى ربك قد قلاك مما يرى من جزعك، فنزلت ﴿ والضحى ﴾ إلى آخرها.
وأخرج الحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق عروة عن خديجة قالت: لما أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي جزع من ذلك فقلت له مما رأيت من جزعه: لقد قلاك ربك مما يرى من جزعك، فأنزل الله: ﴿ ما ودعك ربك وما قلى ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن أبطأ عنه جبريل أياماً، فعير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله: ﴿ والضحى والليل إذا سجى ﴾ يعني أقبل ﴿ ما ودعك ربك وما قلى ﴾ .
وأخرج ابن جرير نحوه من مرسل قتادة والضحاك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والضحى ﴾ قال: ساعة من ساعات النهار ﴿ والليل إذا سجى ﴾ قال: سكن بالناس.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والليل إذا سجى ﴾ قال: إذا استوى.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن رضي الله عنه ﴿ إذا سجى ﴾ قال: إذا لبس الناس.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إذا سجى ﴾ قال: إذا أقبل.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ والليل إذا سجى ﴾ قال: إذا أقبل فغطى كل شيء.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إذا سجى ﴾ قال: إذا ذهب ﴿ ما ودعك ربك ﴾ قال: ما تركك ﴿ وما قلى ﴾ قال: ما أبغضك.
وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده والطبراني وابن مردويه عن أم حفص عن أمها وكانت خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن جرواً دخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل تحت السرير، فمات، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
جبريل لا يأتيني.
فقلت يا نبي الله ما أتى علينا يوم خير منا اليوم، فأخذ برده فلبسه وخرج، فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا بشيء ثقيل، فلم أزل حتى بدا لي الجرو ميتاً فأخذته بيدي فألقيته خلف الدار فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة فقال: يا خولة دثريني فأنزل الله عليه ﴿ والضحى والليل إذا سجى ﴾ إلى قوله: ﴿ فترضى ﴾ » .
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي فسرني، فأنزل الله: ﴿ وللآخرة خير لك من الأولى ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وابن مردويه وأبو نعيم كلاهما في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده كفراً كفراً، فسر بذلك، فأنزل الله: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ فأعطاه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابه المسك، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم.
وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ قال: من رضا محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ قال: رضاه أن تدخل أمته الجنة كلهم.
وأخرج الخطيب في تلخيص المتشابه من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ قال: لا يرضى محمد، واحد من أمته في النار.
وأخرج مسلم عن ابن عمرو رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله في إبراهيم ﴿ فمن تبعني فإنه مني ﴾ [ إبراهيم: 36] وقول عيسى ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك ﴾ [ النساء: 118] الآية.
فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق حرب بن شريح رضي الله عنه قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: أرأيت هذه الشفاعة التي يتحدث بها أهل العراق، أحق هي؟
قال: إي والله، حدثني عمي محمد بن الحنفيه عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أشفع لأمتي حتى يناديني ربي أرضيت يا محمد؟
فأقول: نعم يا رب رضيت» ثم أقبل علي فقال: إنكم تقولون يا معشر أهل العراق إن أرجى آية في كتاب الله ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ [ الزمر: 53] قلت: إنا لنقول ذلك.
قال فكلنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ وهي الشفاعة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ قال: هي الشفاعة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ » .
وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه وابن لال وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من حملة الإِبل، فلما نظر إليها قال: يا فاطمة تعجلي فتجرعي مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غداً فأنزل الله: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ وللآخرة خير لك من الأولى ﴾ قال العباس بن عبد المطلب: لا يدع الله نبيه فيكم إلا قليلاً لما هو خير له.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ قال: ذلك يوم القيامة هي الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل وابن عساكر من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه رضي الله عنه قال: كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبي طالب، فقال: لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم أن ابن أخيه سيد قد جاء بخير كثير، فقال عبد الله: ويومئذ قد كان سيداً كريماً قد جاء بخير كثير، فقال مسلمة: ألم يقل الله ﴿ ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى ﴾ فقال عبد الله: أما اليتيم فقد كان يتيماً من أبويه، وأما العيلة فكل ما كان بأيدي العرب إلى القلة.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: بعث عبد المطلب ابنه عبد الله يمتار له تمراً من يثرب فتوفي عبد الله وولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان في حجر جده عبد المطلب.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن مردويه وابن عساكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سألت ربي مسألة ووددت أني لم أكن سألته، فقلت: قد كانت قبلي الأنبياء منهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فقال تعالى: يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويتك؟
ألم أجدك ضالاً فهديتك؟
ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟
ألم أشرح لك صدرك؟
ألم أضع عنك وزرك؟
ألم أرفع لك ذكرك؟
قلت: بلى يا رب» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت ربي شيئاً وددت أني لم أكن سألته، قلت؛ يا رب كل الأنبياء فذكر سليمان بالريح وذكر موسى فأنزل الله: ﴿ ألم يجدك يتيماً فآوى ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ والضحى ﴾ على رسو ل الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمن عليّ ربي وأهل أن يمن ربي» والله أعلم.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ووجدك ضالاً فهدى ﴾ قال: وجدك بين ضالين فاستنقذك من ضلالتهم.
أخرج ابن جرير عن سفيان ﴿ ووجدك عائلاً ﴾ قال: فقير وذكر أنها في مصحف ابن مسعود ﴿ ووجدك عديماً فآوى ﴾ .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحب عن الأعمش قال: قراءة ابن مسعود ﴿ ووجدك عديماً فأغنى ﴾ .
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر ﴾ قال: لا تحقره، وذكر أن في مصحف عبد الله ﴿ فلا تكهر ﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فلا تقهر ﴾ قال: فلا تظلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر ﴾ يقول: لا تظلمه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر ﴾ قال: كن لليتيم كأب رحيم ﴿ وأما السائل فلا تنهر ﴾ قال: رد السائل برحمة ولين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان ﴿ وأما السائل فلا تنهر ﴾ قال: من جاء يسألك عن أمر دينه فلا تنهره والله أعلم.
أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث ﴾ قال: بالنبوّة التي أعطاك ربك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث ﴾ قال: بالقرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن مقسم قال: لقيت الحسن بن علي بن أبي طالب، فصافحته، فقال: التقابل مصافحة المؤمن.
قلت أخبرني عن قوله: ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث ﴾ قال: الرجل المؤمن يعمل عملاً صالحاً فيخبر به أهل بيته.
قلت أي الأجلين قضى موسى الأول أو الآخر؟
قال: الآخر.
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن الحسن بن علي في قوله: ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث ﴾ قال: إذا أصبت خيراً فحدث إخوانك.
وأخرج ابن جرير عن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعمة أن يحدث بها.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والبيهقي في شعب الإِيمان بسند ضعيف عن أنس بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة» .
وأخرج ابن داود عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط فإنه كلابس ثوب زور» .
وأخرج أحمد وأبو داود عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعطى عطاء فوجده فليخبر به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره» .
وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أولى معروفاً فليكافئ به فإن لم يستطع فليذكره، فإن من ذكره فقد شكره» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أولى معروفاً فليكافئ به فإن لم يستطع فليذكره، فإن من ذكره فقد شكره» .
وأخرج سعيد بن منصور عن عمر بن عبد العزيز قال: إن ذكر النعمة شكر.
وأخرج البيهقي عن الحسن قال: أكثر واذكر هذه النعمة فإن ذكرها شكر.
وأخرج البيهقي عن الجريري قال: كان يقال: إن تعداد النعم من الشكر.
وأخرج البيهقي عن يحيى بن سعيد قال: كان يقال: تعداد النعم من الشكر.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن قتادة قال: من شكر النعمة إفشاؤها.
وأخرج البيهقي عن فضيل بن عياض قال: كان يقال: من شكر النعمة أن يحدث بها.
وأخرج البيهقي عن ابن أبي الحواري قال: جلس فضيل بن عياض وسفيان بن عيينة ليلة إلي الصباح يتذاكران النعم، أنعم الله علينا في كذا، أنعم الله علينا في كذا.
وأخرج الطبراني عن أبي الأسود الدؤلي وزاذان الكندي قالا: قلنا لعلي: حدثنا عن أصحابك.
فذكر مناقبهم.
قلنا: فحدثنا عن نفسك.
قال: مهلاً نهى الله عن التزكية.
فقال له رجل: فإن الله يقول ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث ﴾ قال: فإني أحدث بنعمة ربي، كنت والله إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتدئت.
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ قال (١) (٢) وقال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما يُعطى (٣) وذكر آخرون أن هذا في الشفاعة.
وهو قول علي (٤) (٥) (٦) فيروى أنه - - قال لما نزلت هذه الآية: "إذًا لا أرضى وواحد من أمتي في النار" (٧) ثم ذكر منته عليه وأخبره عما كان عليه قبل الوحي فقال: (١) أي علي بن عبد الله بن عباس.
(٢) "جامع البيان" 30/ 232، و"الكشف والبيان" 13/ 107 أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 494 بمعناه، و"الكشاف" 4/ 219، و"القرطبي" 20/ 95، و"البحر المحيط" 8/ 486، و"ابن كثير" 4/ 558 عن علي بن عبد الله عن أبيه، و"الدر المنثور" 8/ 542، عن ابن عباس وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وعبد ابن حميد، وابن جرير، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل.
وانظر: "المستدرك" 2/ 526: وقال صحيح، وضعفه الذهبي.
(٣) "تفسير مقاتل" 243 أ، و"الوسيط" 4/ 509.
(٤) "الكشف والبيان" 13/ 107أمرفوعًا، و"معالم التنزيل" 4/ 498، و"التفسير الكبير" 31/ 213، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 95 مرفوعًا.
(٥) "معالم التنزيل" 4/ 498، و"زاد المسير" 8/ 268، و"ابن كثير" 4/ 559، و"الدر المنثور" 8/ 543، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 426.
(٦) "معالم التنزيل" 4/ 498، و"التفسير الكبير" 31/ 213، و"لباب التأويل" 4/ 386.
(٧) وردت الرواية في: "جامع البيان" 30/ 232 من طريق السدي عن ابن عباس، وذكرت مرفوعة في: "الكشف والبيان" 13/ 107/ ب - 108 أ، وانظر أيضًا == "التفسير الكبير" 31/ 213، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 96، و"البحر المحيط" 8/ 486، و"الدر المنثور" 8/ 542، بنحوه عن ابن عباس وعزاه إلى الخطيب في "تلخيص المتشابه" من وجه آخر عن ابن عباس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما نزلت إذاً لا أرضي أن يبقى واحد من أمتي في النار» قال بعضهم: هذه أرجى آية في القرآن، وقال ابن عباس: رضاه أن الله وعده بألف قصر في الجنة بما يحتاج إليه من النعم والخدم وقيل: رضاه في الدنيا بفتح مكة وغيره.
والصحيح أنه وعد يعمُّ كل ما أعطاه الله في الآخرة، وكل ما أعطاه في الدنيا من النصر والفتوح وكثرة المسلمين وغير ذلك ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى ﴾ عدد الله نعمه عليه فيما مضى من عمره، ليقيس عليه ما يستقبل فتطيب نفسه، ويقوي رجاؤه ووجد في هذه المواضع تتعدى إلى مفعولين وهي بمعنى علم؛ فالمعنى ألم تكن يتيماً فآواك.
وذلك أن والده عليه السلام توفي وتركه في بطن أمه، ثم ماتت أمه وهو ابن خمسة أعوام، وقيل: ثمانية فكفله جدّه عبد المطلب، ثم مات وتركه ابن اثني عشر عاماً فكفله عمه أبو طالب، وقيل لجعفر الصادق: لم نشأ النبي صلى الله عليه وسلم يتيماً؟
فقال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق.
﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى ﴾ فيه ستة أقوال: أحدها: وجدك ضالاً عن معرفة الشريعة فهداك إليها، فالضلال عبارة عن التوقيف في أمر الدين حتى جاءه الحق من عند الله، فهو كقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ﴾ [الشورى: 52] وهذا هو الأظهر وهو الذي اختاره ابن عطية وغيره ومعناه أنه لم يكن يعرف تفصيل الشريعة وفروعها حتى بعثه الله، ولكنه ما كفر بالله ولا أشرك به لأنه كان معصوماً من ذلك من قبل النبوة وبعدها.
والثاني: وجدك في قوم ضلاّل، فكأنك واحد منهم، وإن لم تكن تعبد ما يعبدون، وهذا قريب من الأول.
والثالث: وجدك ضالاً عن الهجرة فهداك إليها، وهذا ضعيف، لأن السورة نزلت قبل الهجرة، الرابع: وجد حامل الذكر لا تعرف فهدى الناس إليك وهداهم بك، وهذا بعيد عن المعنى المقصود.
الخامس: أنه من الضلال عن الطريق، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم ضلّ في بعض شعب مكة، وهو صغير فردّه الله إلى جده، وقيل: بل ضلّ من مرضعته حليمة فرده الله إليها، وقيل: بل ضل في طريق الشام حين خرج إليها مع أبي طالب.
السادس: أنه بمعنى الضلال من المحبة أي وجدك محباً لله فهداك إليه ومنه قول إخوة يوسف لأبيهم، ﴿ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم ﴾ [يوسف: 95] محبتك ليوسف، وبهذا كان يقول شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير ﴿ وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى ﴾ العائل: الفقير يقال: عال الرجل فهو عائل إذا كان محتاجاً، وأعال فهو معيل إذا كثر عياله وهذا الفقر والغنى هو في المال، وغناؤه صلى الله عليه وسلم هو أن أعطاه الله الكفاف، وقيل: هو رضاه بما أعطاه الله، وقيل: المعنى وجدك فقيراً إليه فأغناك به ﴿ فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ ﴾ أي لا تغلبه على ماله وحقه لأجل ضعفه أو لا تقهره بالمنع من مصالحه ووجوه القهر كثيرة والنهي يعمّ جميعها ﴿ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ ﴾ النهر هو الانتهار والزجر، والنهي عنه أمر بالقول الحسن والدعاء للسائل كما قال تعالى: ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾ [الإسراء: 28] ويحتمل السائل أن يريد به سائل الطعام والمال، وهذا هو الأظهر والسائل عن العلم والدين.
وفي قوله تقهر وتنهر لزوم ما لا يلزم من التزام الهاء قبل الراء.
﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ قيل: معناه بثّ القرآن وبلغ الرسالة والصحيح أنه عموم جميع النعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التحدث بالنعم شكر» ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا ولقد صليت البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا كان على وجه الشكر أو ليقتدى به، فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز، وانظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا فقابل قوله: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً ﴾ بقوله: ﴿ فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ ﴾ ، وقابل قوله: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ ﴾ بقوله: ﴿ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ ﴾ ، على قول من قال إنه السائل عن العلم وقابله بقوله: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ على القول الآخر، وقابل: قوله: ﴿ وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى ﴾ بقوله: ﴿ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ ﴾ على القول الأظهر، وقابله: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ على القول الآخر.
القراءات: ﴿ سجى ﴾ مثل ﴿ دحاها ﴾ في " النازعات ".
الوقوف: ﴿ والضحى ﴾ ه لا ﴿ سجى ﴾ ه لا ﴿ قلى ﴾ ه لا ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ فترضى ﴾ ه ط ﴿ فآوى ﴾ ه ص ﴿ فهدى ﴾ ه ك ﴿ فأغنى ﴾ ط ﴿ فلا تقهر ﴾ ه ط ﴿ فلا تنهر ﴾ ه ط ﴿ فحدّث ﴾ ه.
التفسير: الأكثرون على أن المراد بالضحى وقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس ويظهر سلطانها.
وقيل: هو النهار كله لإقرانه بالليل في القسم وهو ضعيف، لأن معنى سجى سكن واستقر ظلامه، أو سكون الناس فيه فيكون الإسناد مجازياً.
يقال: سجا البحر إذا سكنت أمواجه، وطرف ساج أي ساكن فاتر.
ولا ريب أن سجوّ الليل وقت استيلاء الظلام منه لا كله فهو بمنزلة الضحى من النهار.
وههنا لطائف: الأولى: قدم ذكر الليل في السورة المتقدمة وعكس ههنا لانفراد كل منهما بفضيلة مخصوصة، فالليل للراحة والنهار لانتظام أمر المعاش فقدّم هذا على ذلك تارة وبالعكس أخرى لئلا يخلو شيء من النوعين عن فضيلة التقديم.
وأيضاً تلك سورة أبي بكر وقد سبقه كفر يشبه الليل في الظلمة، وهذهسورة محمد ولم يسبقه كفر طرفة عين ولا أقل من ذلك، فبدأ النهار الذي هو يشابه الإيمان.
فإن ذكرت الليل أولاً وهو أبو بكر ثم صعدت وجدت بعده النهار وهو محمد ، وإن ذكرت الضحى أولاً وهو محمد ثم نزلت وجدت بعده الليل وهو أبو بكر من غير واسطة بينهما كما وقع في نفس الأمر، وكما ثبت من قصة الغار.
الثانية: ما الحكمة في تخصيص القسم في أول هذه السورة بالضحى والليل؟
والجواب لأن ساعات النهار كلما تنقص فإن ساعات الليل تزداد وبالعكس، فلا تلك الزيادة للهوى ولا ذاك النقصان للقلى بلى للحكمة، فكذا الرسالة وإنزال الوحي بحسب المصالح فمرة إنزال ومرة حبس لا عن الهوى ولا عن القلى.
وأما السبب في الأقسام نفسه فلأن الكفار لما ادّعوا أن ربه ودعه وقلاه وقد ثبت أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر قال لهم: هاتوا الحجة فعجزوا فلزمه اليمين بأنه ما ودعه ربه وما قلاه.
وفيه أن الليل والنهار لا يسلمان من الزيادة والنقصان فيكف تطمع أن تسلم عن الخلق؟
وفيه أن الليل زمان الاستيحاش والنهار وقت الاجتماع والمعاش فكأنه قال: استبشر فإن بعد الاستيحاش بسبب انقطاع الوحي يظهر ضحى نزول الوحي.
وفيه أن الضحى لما كان وقت موعد موسى لمعارضة السحرة كما قال ﴿ موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ﴾ شرفه الله بأن أقسم به فعلم منه أن فضيلة الإنسان لا تضيع ثمرتها.
وفيه بشارة للنبي أن الذي قلب قلوب السحرة حتى سجدوا يقلب قلوب أعدائك حتى يسلموا.
وفيه أن الضحى وهو ساعة من النهار يوازي جميع الليل كما أن محمداً وأمته يوازي جميع الأنبياء وأممهم.
وفيه أن النهار وقت السرور والاجتماع والليل وقت الغموم والوحشة، ففي الاقتصار على ذكر الضحى إشارة إلى أن غموم الدنيا أدوم من سرورها.
يروى أن الله حين خلق العرش أظلت غمامة سوداء عن يساره ونادت: ماذا أمطر؟
فأجيبت أن أمطري الهموم والأحزان مائة سنة.
ثم انكشف فأمرت مرة أخرى بذلك وهكذا إلى تمام ثلثمائة سنة، ثم بعد ذلك أظلت عن يمين العرش غمامة بيضاء ونادت: ماذا أمطر؟
فأجيبت أن أمطري السرور ساعة فلهذا السبب ترى الهموم دائمة والأفراح نادرة.
وفي تقديم الضحى على الليل إشارة إلى أن الحياة أولى للمؤمن من الموت إلى أن تحصل كمالاته الممكنة له.
وأيضاً إنه ذكر الضحى حتى لا يحصل اليأس من روحه، ثم عقبه بالليل حتى لا يحصل الأمن من مكره.
الثالثة: لا استعباد فيام يذكره الواعظ من تشبيه وجه محمد بالضحى وشعره بالليل.
ومنهم من قال: الضحى ذكور أهل بيته، والليل إناثهم.
أو الضحى رسالته، والليل زمان احتباس الوحي كما مرّ.
ويحتمل أن يقال: الضحى نور علمه الذي به يعرف المستور من الغيوب والليل عفوه الذي به يستر جميع العيوب.
أو الضحى إقبال الإسلام بعد أن كان غريباً، والليل إشارة إلى أنه سيعود غريباً.
أو الضحى كمال العقل، والليل وقت السكون في القبر.
أو أراد أقسم بعلانيتك التي لا يرى عليها الخلق عيباً وبسرك الذي لا يعلم عليه عالم الغيب عيباً.
قال المفسرون: أبطأ جبريل عن النبي اثني عشر يوماً عن ابن جريج، أو خمسة عشر عن الكلبي، أو خمسة وعشرين يوماً عن ابن عباس، أو أربعين عن السدّي ومقاتل.
والسبب فيه أن اليهود سألوه عن ثلاث مسائل كما مرّ في " الكهف " فقال؛ سأخبركم غداً ولم يقل " إن شاء الله " أو لأنّ جرواً للحسن والحسين كان في بيته أو لأنه كان فيهم من لا يقلم الأظفار، فزعم المشركون أن ربه ودعه وقلاه.
وروي أن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت السورة.
والتوديع مبالغة في الوداع لأن من ودعك فقد بالغ في تركك.
والقلى البغض وحذف المفعول من " قلاك " و " آواك " و " هداك " و " أغناك " للفاصلة مع دلالة قرينة الحال أو المقال.
والذي يقال إن النبي شكا إلى خديجة إن ربي ودعني وقلاني.
إن ثبت فمحمول على أنه أراد امتحان خديجة ليعلم بعد غورها في المعرفة والعلم كما روي أنها قالت: والذي بعثك بالحق ما أهداك الله بهذه الكرامة إلا وهو يريد أن يتمها لك.
ثم زاده تشريفاً بقوله ﴿ وللآخرة خير لك من الأولى ﴾ يعني هذا التشريف وهو إعلام أن ما ألقاه الحساد فيما بينهم من التوديع والقلى بهت محض وإن كان تشريفاً عظيماً إلا أن الذي أعدّ لأجلك في الآخرة أشرف وأسنى.
وعلى تقدير انقطاع الوحي لا يجوز أن يكون ذلك للعزل عن النبوة فإنه غير جائز لكنه يدل على قرب الوفاة المستتبعة للقرب من الله فلا يكون كما ظنه الأعداء.
ويحتمل أن يراد: وللأحوال الآتية خير لك من الماضية فيكون وعداً بإتمام نوره وإعلاء أمره.
وفي تخصيص الخطاب إشارة إلى أن في أمته من كانت الآخرة شر إليه إلا أن الله ستره عليهم ونظر قول موسى ﴿ إن معي ربي سهيدين ﴾ لأنه كان في قومه من لم يكن لائقاً بهذا المنصب، وحين لم يكن في الغار إلا نبي أو صدّيق قال نبينا ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ يروى أن موسى خرج للاستسقاء ومعه الألوف ثلاثة أيام فلم يجدوا الإجابة فسأل موسى عن سبب ذلك فقال: إن في قومك نماماً فقال موسى: من هو؟
فقال الله : إني أبغضه فكيف أعمل عمله؟
فما مضت مدة حتى نزل الوحي بأن ذلك النمام قد مات وهذه جنازته في الموضع الفلاني فذهب موسى إلى ذلك الموضع فإذا فيه سبعون من الجنائز فهذا ستره على أعدائه فكيف على أوليائه.
وههنا لطيفة وهي أنه ردّ ألوفاً من المطيعين لمذنب واحد ههنا يرحم ألوفاً من المذنبين لمطيع واحد ودليله قوله ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ فلعله حين بين أن الآخرة خير له عقبه ببيان تلك الخيرية وهي رتبة الشفاعة.
يروى عن علي أنه قال: قال " إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار" وعن جعفر الصادق رضا جدّي أن لا يدخل النار موّحد.
وقال ابن عباس: هو ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك وفيها ما يليق بها، واللام في و ﴿ لسوف ﴾ خالصة للتأكيد دون الحال كأنه قيل: الموعود كائن لا محالة وإن تأخر زمانه بحسب المصلحة.
وقال جار الله: تقديره ولأنت سوف يعطيك لأن اللام لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد وفيه نظر.
ثم عدد بعض نهمه التي أنعم بها عليه قبل إرساله وكأنه قال: ما تركناك وما قليناك قبل أن اخترناك واصطفيناك فتظن أنا بعد الرسالة نهجرك ونخذلك.
قال أهل الأخبار: إن عبد الله بن المطلب توفي وأم رسول الله حامل به، ثم ولد رسول الله فكان مع جده عبد المطلب ومع أمه آمنة، فهلكت وهو ابن ست سنين فكان مع جده، ثم هلك جده بعد سنتين فكفل أبو طالب رسول الله إلى أن ابتعثه الله للرسالة فقام بنصرته مدة مديدة، وعطفه الله عليه فأحسن تربيته وذلك قوله " فآواك " أي جعل لك من تأوي إليه وهو أبو طالب.
وفي تفسير تأويل الضلال قولان: الأول أنه الضلال عن الدين.
فقال السدي والكلبي: كان على دين قومه أربعين سنة.
الثاني وعليه الجمهور أنه ما كفر بالله طرفة عين والمراد عن معالم الشريعة الحنيفية كقوله ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة فأتى أبو جهل على ناقة محمد بين يديه وهو يقول: لا تدري ماذا نرى من ابنك.
فقال عبد المطلب: ولم.
قال: لأني أنخت الناقة وأركبته من خلفي فأبت الناقة أن تقوم فلما أركبته أمامي قامت الناقة فكانت الناقة تقول: يا أحمق هو الإمام فكيف يكون خلف المقتدي؟
قال ابن عباس: ردّه الله إلى جده بيد عدوّه كما فعل بموسى حين رباه بيد عدوّه.
وقيل: أضلته حليمة عند باب مكة حين فطمته وجاءت به لتردّه على عبد المطلب حتى دخلت هبل وشكت ذلك إليه فتساقطت الأصنام وسمعت صوتاً إنما هلاكنا بيد هذا الصبي.
وروي مرفوعاً أنه قال: "ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا صبي ضائع كاد الجوع يقتلني فهداني الله" يعني حديث أبي جهل المذكور.
وقيل: ضالاً أي مغموراً بين الكفار من ضل الماء في اللبن.
وقيل: مجاز في الإسناد والمعنى وجد قومك ضلالاً فهداهم بك.
وقيل: كنت منفرداً عن اختلاط أهل الضلال فهداك إلى الاختلاط بهم وإلى دعوتهم.
قيل: وعن الهجرة أو القبلة أو عن معرفة جبرائيل أول مرة، أو عن أمور الدنيا أو عن طريق السموات فهداك ليلة المعراج.
وقيل: الضلال المحبة لفي ضلالك القديم فهداك إلى وجه الوصول إلى المحبوب والمراد بالسلوك.
روي عن علي أنه قال: قال : ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد.
قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة: لو حفظت لي غنمتي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشبان.
فلما أتيت أول دار من دور مكة سمعت الدفوف والمزامير فقالوا: فلان تزوّج بفلانة.
فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مسّ الشمس.
ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك.
فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مسّ الشمس.
ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله برسالته.
والعائل في الأصل كثير العيال ثم طلق على الفقير وإن لم يكن له عيال لأن الفقر من لوازم العول.
أغناه الله بتربية أبي طالب أوّلاً، ولما اختلت أحوال أبي طالب أغناه بمال خديجة.
يروى أنه دخل على خديجة وهو مغموم فقالت له: ما لك؟
فقال: الزمان زمان قحط فإن أنا بذلت المال ينفذ مالك فأستحيي منك، وإن أنا لم أبذل أخاف الله.
فدعت قريشاً وفيهم الصدّيق.
قال الصدّيق: فأخرجت دنانير حتى وصبتها أبلغت مبلغاً لم يقع بصري على من كان جالساً قدامي ثم قالت: اشهدوا أن هذا المال ماله إن شاء فرقه وإن شاء أمسكه.
وأما في زمان الرسالة فأغناه لمال أبي بكر ثم أمره بالهجرة وأعانه بإعانة الأنصار حسبك الله ومن أتبعك من المؤمنين.
ثم أغناه بما أفاء عليه من الغنائم.
قال " "جعل رزقي تحت ظل رمحي" وبعض هذه الأمور وإن كان بعد نزول السورة إلا أن معلوم الله كالواقع فيكون من قبيل الإخبار بالغيب وقد وقع فيكون معجزاً.
وقيل: الغنى هو القناعة وغنى القلب كان يستوي عنده الحجر والذهب.
قال أهل التحقيق: الحكمة في يتم النبي أن يعرف قدر الأيتام فيقوم بأمرهم.
وأن يكرم اليتيم المشارك له في الاسم كما قال " إذا سميتم الولد محمداً فأكرموه وسعوا له في المجلس" وفيه أنه لا يعتمد من أول عمره إلى آخره على أحد سوى الله فيحصل له فضيلة التوكل كما قال جده إبراهيم" حسبي من سؤالي علمه بحالي".
وفيه أن اليتيم منقصة ومذلة فإذا صار أكرم الخلق كان من جنس المعجزات.
يروى أنه قال: "سألت ربي مسألة لوددت أني لم أسألها قلت: اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً، وسخرت مع داود الجبال، واعطيبت سليمان كذا وكذا.
يقال: ألم أجدك يتيماً فآويتك، ألم أجدك ضالاً فهديتك، ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟
قلت: بلى.قال ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ إلى آخره؟
قلت: بلى" .
أقول: إن صح إسناد هذا الحديث وجب حمله على الشكاية مع الله أن إلى الله لا من الله، فإن الأول قد يتفق للعارفين في مقام الإنبساط والقبض دون الثاني.
وحين أذكره الله نعمه حتى لا ينسى نفسه أوصاه بأن يتعامل مع الخلق مثل معاملة الله معه فقال ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر ﴾ أي فلا تغلبه على ماله وحقه لضعف حاله.
وانتصب اليتيم بالفعل بعده.
والفاء لتلازم ما بعدها لما قبلها.
وقرىء " فلا تكهر " أي فلا تعبس في وجهه.
يروى أنها نزلت حين صاح النبي على ولد خديجة.
وإذا كان هذا العتاب لمجرد الصياح أو العبوس فكيف إذا آذاه أو أكل ماله.
عن أنس مرفوعاً " إذا بكى التيم وقعت دموعه في كف الرحمن فيقول الله : من أبكى هذا التيم الذي واريتُ والده في التراب؟
من أسكته فله الجنة" "ويروى أنه كان جالساً فجاءه عثمان بعذق من تمر فوضعه بين يديه فأراد أن يأكل فوقف سائل بالباب فقال: يرحم الله عبداً يرحمنا.
فأمر بدفعه إلى السائل فكره عثمان ذلك وأراد أن يأكله النبي فخرج واشتراه من السائل، ثم رجع السائل ففعل ذلك ثلاث مرات إلى أن قال النبي : أسائل أنت أم بائع" ؟
فنزل ﴿ وأما السائل فلا تنهر ﴾ أي فلا تزجر.
وعن النبي " "إذا رددت السائل فلم يرجع فلا عليك أن تزجره " قال العلماء: أما إنه ليس بالسائل المستجدي ولكن طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره.
ثم أمره بأن يحدث الناس بما أنعم به عليه من الإيواء والهداية والإغناء وغيره.
واعلم أنه نهاه عن شيئين وأمره بواحد، نهاه عن قهر اليتيم جزاء لما أنعم به عليه في قوله ﴿ ألم يجدك يتيماً فآوى ﴾ ونهاه عن نهر السائل في مقابلة قوله ﴿ ووجدك عائلاً فأغنى ﴾ وأمره بتحديث نعمه ربه وهو في مقابلة قوله ﴿ ووجدك ضالاً فهدى ﴾ فالأنسب أن يكون المراد به التبليغ وأداء الرسالة وتكميل الناقصين بالدعاء إلى الدين كما قال مجاهد.
ولقد روعي في الترتيب نكتة لطيفة فقدّم في معرض المنة النعمة الدينية وهي الهداية على النعمة الدنيوية وهي الإغناء وإما في معرض الإرشاد فقدّم الإشفاق على الخلق، وأخر التحديث ليكون أدخل في الاستمالة وأجلب للدواعي فإنه ما لم ينتظم أمر المعاش لم تفرغ الخواطر لقبول التكاليف والتزام أمر المعاد.
قال المحققون: التحديث بنعم الله جائز مطلقاً بل مندوب إليه إذا كان الغرض أن يقتدي غيره به أو أن يشيع شكر ربه بلسانه، وإذا لم يأمن على نفسه الفتنة والإعجاب فالستر أفضل.
قالوا: إنما أخر التحديث تقديماً لحظ الخلق على حظ نفسه لأنه غني وهم المحتاجون ولهذا رضي نفسه بالقول فقط، ولأن الاستغراق في بحر الشكر ومعرفة المنعم غاية الغايات ونهاية الطاعات.
تنبيه: روي عن البزي أنه قال: قرأت على عكرمة بن سليمان قال: قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين فلما بلغت ﴿ والضحى ﴾ قال: كبر حتى تختم مع خاتمة كل سورة فإني قرأت على عبد الله بن كثير فأمرني بذلك، وأخبرني ابن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على عبد الله بن عباس تسع عشرة ختمة فأمره بذلك في كلها، وأخبر ابن عباس أنه قرأ على أبيّ بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أبيّ أنه قرأ على رسول الله فأمره بذلك.
وروي عن الشافعي أنه رأى التكبير سنة في خاتمة ﴿ والضحى ﴾ إلى آخر القرآن.
وهكذا روي عن قنبل.
والسبب فيه أنه حين انقطع الوحي على ما سبق ذكره وأنزل السورة قال رسول الله : الله أكبر تصديقاً لما أتى به وتكذيباً للكفار.
قال العلماء: لا نقول إنه لا بد لمن ختم أن يفعله ولكنه من فعل فقد أحسن ومن ترك فلا حرج.
واختلفوا في لفظ التكبير وكان بعضهم بقول: الله أكبر لا غير.
وآخرون يقولون: لا إله إلا الله والله أكبر فيهللون قبل التكبير.
وأما كيفية الأداء فاعلم أن القارىء إذا وصل التكبير بآخر السورة فإن كان آخرها ساكناً كسره لالتقاء الساكنين فإن همزة الوصل من أول اسم الله تسقط في الدرج وذلك ثلاثة مواضع ﴿ فحدث ﴾ الله أكبر ﴿ فأرغب ﴾ الله أكبر ﴿ واقترب ﴾ الله أكبر.
وإن كان منوناً كسره أيضاً سواء كان المنون مفتوحاً أو لا وهو ﴿ تواباً ﴾ الله أكبر أو مضموماً وهو ثلاثة ﴿ لخبير ﴾ الله أكبر ﴿ حامية ﴾ الله أكبر وأحد الله أكبر ومكسوراً وهو أربعة ﴿ ممدة ﴾ الله أكبر و ﴿ مأكول ﴾ الله أكبر و ﴿ خوف ﴾ الله أكبر و ﴿ مسد ﴾ الله أكبر.
وإن كان آخر السورة متحركاً غير منون تبقى الحركة بحالها فالمفتوح ثلاثة ﴿ الحاكمين ﴾ الله أكبر و ﴿ الماعون ﴾ الله أكبر و ﴿ حسد ﴾ الله أكبر والمضموم ثلاثة ﴿ ربه ﴾ الله أكبر و ﴿ يره ﴾ الله أكبر و ﴿ الأبتر ﴾ الله أكبر والمكسور خمسة ﴿ مطلع الفجر ﴾ الله أكبر و ﴿ عن النعيم ﴾ الله أكبر و ﴿ بالصبر ﴾ الله أكبر ﴿ ولي دين ﴾ الله أكبر ﴿ والناس ﴾ الله أكبر والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: الضحى: هو ضوء النهار، كقوله: ﴿ وَضُحَاهَا ﴾ ، أي: ضوءها.
وقال بعضهم: هو ساعة من النهار، وهي [من] أول النهار، ويقال: صلاة الضحى، وهي عند ضحوة النهار.
ومنهم من يقول: هو كناية عن الحر؛ كقوله: ﴿ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ تَضْحَىٰ ﴾ ، أي: لا يصيبك الحر، والله أعلم.
ومنهم من يقول: هو كناية عن النهار كله، أقسم به، وبالليل الذي ذكر.
فإن كان المراد من الضحى هو ضوء النهار، ومن ﴿ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾ : ظلمته؛ فيخرج القسم به على أن ظلمة الليل تستر الخلاق كلهم في طرفة عين، وكذلك ضوء النهار يكشف الستر، ويجلي بطرفة عين جميع الخلائق، من غير أن يعلم أحد ثقل ذل الستر أو خفة ذلك الضوء، فأقسم بذلك لعظيم ما فيهما من الآية.
وإن كان المراد منه نفس الليل والنهار؛ فالقسم بهما لما جعل فيهما من المنافع الكثيرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا سَجَىٰ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: إذا استوى.
وقال بعضهم: إذا سكن وركد.
وقال بعضهم: ﴿ إِذَا سَجَىٰ ﴾ : إذا غشي وأظلم، وغطى كل شيء وستر، وهو من التسجي والتستر؛ يقال: تسجى قبر المرأة؛ إذا تستر وتغطى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ﴾ على هذا وقع القسم، ثم اختلف في السبب الذي [لأجله] نزل هذا: قال بعضهم: إن النبي كان سئل عن شيء إذا طلبوا منه شيئا، فقال: أفعل ذلك غدا، أو أجيبكم عنه غدا، ولم يستثن؛ فاحتبس عنه الوحى أياما لذلك؛ فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه، أي: تركه وأبغضه.
ومنهم من قال: إنه أبطأ عليه الوحى، فجزع جزعا شديدا، فقالت له خديجة - -: "إني لأرى قلاك ربك ووعدك"؛ مما ترى من جزعه؛ فنزل قوله: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ﴾ .
ولسنا ندري كيف كان الأمر؟
فإن كان نزل ذلك لقول قريش، فالقسم يحتمل كذلك؛ ردا لقولهم.
والقول الثاني: أنه نزل لقول خديجة - ا - فهو غير محتمل؛ لأن خديجة تعلم أن الله - - لم يودعه ولا قلاه، وكذا كل مؤمن معتقد أن الله - - لا يودع أحدا من رسله.
ولأنها تصدق الرسول - - أنه لم يودعه ولا قلاه إذا أخبرها بغير قسم؛ فلا معنى للقسم؛ فدل أن هذا الوجه غير محتمل.
ثم صرف تأويل الآية إلى غير ما قالوا أشبه عندنا وأقرب مما قالوا، وهو أنه - - بعث إلى الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم قتل من خالفهم، وإهلاك من استقبلهم بالخلاف، ولم يكن معه فضل مال وسعة يستميل به قلوب الناس؛ فيقول أولئك الكفرة: إن ربه قد خذله وتركه وقلاه، حيث بعثه إلى من ذكرنا من الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم القتل وعادتهم إهلاك من خالفهم بلا أنصار ولا أعوان من الملائكة، ولا مالا وسعة يستميل به القلوب والأنفس؛ لأن من سلم إنسانا إلى أعدائه الذين يعلم أنهم أعداؤه، ويخلي بينه وبين الأعداء بلا أنصار وأعوان ولا مال وسعة من الدنيا - يقال: أنه قد خذهل وتركه وقلاه؛ إذ لا يفعل ذلك في الأصل إلا لذلك؛ فعند ذلك قالوا: إنه ودعه وقلاه، وهو ما قالوا: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ، ونحو ذلك مما قالوا، فلولا صرف أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ذكروان وإلا صرفه إلى ما ذكرنا أشبه.
وفي قولهم: "قد ودعه [ربه]" دلالة أنهم قد عرفوا أنه رسول [الله ] وأقروا بذلك حتى قالوا؛ فنزل قوله: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ﴾ .
والثاني: أنه لو كان يخترع على ما كانوا يقولون أولئك، لكان لا يحتبس عن الاختراع، ويكون يخترع أبداً؛ حتى لا يقولوا: "إنه ودعه"؛ فدل ظهور احتباس الوحي: أنه عن أمر يخبر، وأنه مأمور بذلك، ثم أخبر أنه لم يبعث إلى هؤلاء الفراعنة والجبابرة لما ذكر أولئك الكفرة أنه خذله وتركه وقلاه، ولكن بعثه وهو ينصره ويعينه على تبليغ ما أمر بتبليغه إلى من أمر بتبليغه، ولم يقله، ولكن اصطفاه واختاره؛ حتى يعلو أمره، ويكثر ذكره، وفي ذلك آية عظيمة على إثبات الرسالة، وهو ما ذكرنا أنه بعث إلى من همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم، فقهرهم جميعا، وغلب على الكل حتى أظهر الإسلام فيمن قرب منه ومن بعد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ ﴾ : يقول: مع ما أعطيت في الدنيا من الشرف والذكر والغلبة على الفراعنة، فالآخرة خير لك من الأولى؛ يرغبه في الآخرة، ويزهده في الدينا.
أو يقول: إن أولى لك أن يكون سعيك للآخرة؛ فهو خير لك من الأولى، وهو كقوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ﴾ .
أي: لتعطى في الآخرة ما ترضى من الكرامة والشرف.
وقال بعضهم: أي: ولسوف يعطيك ربك فترضى في الدنيا من الذكر والشرف والمنزلة والغلبة على الأعداء.
ويحتمل: يعطيك في أمتك ما ترجو وتأمل من الشفاعة لهم وترضى.
ويقول بعض الناس: إن أرجى آية هذه؛ حيث وعد له أن يعطيه ما يرضى، ولا يرضى أن يكون أمته في النار.
ومنهم من قال: أرجى آية قوله - -: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ، وهو قول ابن مسعود، .
وعندا أرجى الآيات هي التي أمر الله - - رسله بالاستغفار للمؤمنين، وكذلك ما أمر الملائكة بالاستغفار لهم؛ فاستغفروا لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ ﴾ الآية: ما ذكر من الأحوال التي ذكر فيه من قوله: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ ﴾ الآية، وقوله : ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ ، ونحو ذلك من الأحوال التي ذكر فيه [وهي] في الظاهر أحوال تذكر للشين فيمن تقال فيه، لكن في ذكر ما ذكر فيه من الأحوال: ذكر بشارة لرسول الله بالنصر له والعون؛ وآية له على رسالته ونبوته؛ لأن نقاذ القول وغلبة الأمر مع الأحوال التي ذكر - أعظم في الأعجوبة من نفاذه في حال السعة وحال قوة الأسباب وتأكيدها.
أو أن يكون قوله: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ * فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ ﴾ ، ونحوه؛ لأن أولئك الكفرة كانوا ينسبونه إلى الافتراء والاختراع من ذات نفسه، فأخبر أن اليتيم والفقير ليس يبلغ في العلم والمعرفة المبلغ الذي يقدر على الاختراع وإنشاء الشيء من نفسه على وجه يعجز عن مثله جميع الخلق؛ لما لا يجد ما ينفق في ذلك، ويتحمل من المؤن حتى يبلغ مبلغ الاختراع، وكذلك ما ذكر حيث قال: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ...
﴾ الآية [العنكبوت: 48]؛ لأنهم قالوا: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، والبشر إنما يتعلمون بالكتابة والخط، فإذا لم يكن لرسول الله - عليه الصلاة والسلام - شيء من ذلك؛ دلَّ أنه بالله - - عرف وحده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ ﴾ ، أي: وجدك يتيما فآواك.
ثم يحتمل قوله: ﴿ فَآوَىٰ ﴾ وجوها: أحدها: وجدك يتيما فآواك إلى [عمك حتى رباك] ودفع عنك كل أذى وآفة، وساق إليك كل خير وبر، إلى أن بلغت المبلغ الذي بلغت.
والثاني: يقول: قد وجدك يتيما فآواك إلى عدو من أعدائك حتى تولى تربيتك وبرك، وعطف عليك، وتولى عنك دفع المكروه والأذى، يكذر منته وعظيم نعمه عليه أنه كان ما ذكر، ثم صير عدوا من أعدائه أشفق الناس عليه وأعطف، والله أعلم.
والثالث: قد وجدك يتيما فآواك إلى نفسه، وعطف عليك حتى اختصك واصطفاك للرسالة والنبوة؛ حتى صرت مذكورا في الدنيا والأخرة، وحتى أحوج جميع الناس إليك، وليس ذلك من أمر اليتيم أنه يبلغ شأنه وأمره إلى ما بلغ من أمرك وشأنك حتى صرت مخصوصا من بين الناس جميعا، فيما ذكرنا من اختصاصه إياك بالرسالة، وأحوج جميع الناس إليك؛ يذكر عظيم مننه ونعمه عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: يقول - والله أعلم -: لولا أن الله هداك لدينه، ووفقك له، وإلا وجدك ضالا؛ إذ كان نشوءه بين قوم ضلال، لم يكن أحد يهديه ويدعوه إلى الله ، ولكنه هداك وأرشدك، فلم يجد ضالا، وهو كقوله - -: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا...
﴾ ، أي: لولا أنه أنقذكم منها، وإلا صرتم على شفا حفرة من النار لون لم ينقذكم منها، وكقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾ ؛ لأن البشر أنشئ وطبع على الركون والميل إلى النعم العاجلة، واختيار الأيسر والألذ، ولكنه بفضله ولطفه ثبتك وعصمك، ولم يكلك على ما طبعت وأنشئت في أصل الخلقة؛ فعلى ذلك نقول في قوله: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ ﴾ ، أي: لولا أنه هداك؛ وإلا وجدك ضالا لو لم يهدك، ففيه أنه هداه ولم يجده ضالا.
والثاني: يقول: ووجدك ضالا لا ضلال كسب واختيار، ولكن ضلال الخلقة التي أنشئ عليها الخلق، والضلال بمعنى الجهل؛ لأن الخلق في ابتداء أحوالهم يكونون جهالا، لا جهل كسب بذمون عليه، أو يكون لهم علم يحمدون عليه، ولكن جهل خلقة وضلال خلقة؛ لما ليس معهم آلة درك العلم؛ فلا صنع له في كسف الجهل، فأما بعد الظفر بآلة العلم يكون الجهل مكتسبا؛ فيذم عليه، وكذا العلم؛ فيترتب عليه الحمد والذم؛ فعلى هذا يكون قوله - -: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ ﴾ ، أي: وجدك جاهلا على ما يكون في أصل الخلقة وحالة الصغر فهداك، أي: علمك، وهو كقوله - -: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً...
﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ...
﴾ ، يذكر أنه لم يكن يدري شيئا حتى أدروه وعلَّمه.
والثالث: يقول: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ ﴾ ، أي: غافلا عن الأنباء المتقدمة وأخبارهم حتى أطلعك الله - - على ذلك، كقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ ﴾ .
أو يقول: ووجدك في أمر القرآن أو ما فيه جاهلا غافلا عن علم ذلك، فأعلمك.
وقال بعضهم: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ ﴾ ، أي: وجدك بين قوم ضلال فهداك، أي: أخرجك من بينهم ما لو لم يخرجك من بين أظهرهم، لدعوك إلى ما هم عليه، ويجبروك على ذلك، ولم يرضوا منك إلا ذلك، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ ﴾ من طريق مكة فهداك الطريق.
وقال بعضهم: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ ﴾ حقيقة الضلال، فهداك للتوحيد.
لكن هذا وحش من القول؛ إذ لا يليق به أن ينسب إلى ذلك.
وقال بعضهم: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ ﴾ عن النبوة أي: جاهلا، فهداك للنبوة، وهو قريب [مما ذكرناه].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ ﴾ ، أي: فقيرا فأغناك بما أراد من أمر الآخرة، وما يسوق إليك من نعيمها، أي: بما أعد له في الآخرة، وما وعد له من النعيم والكرامات هانت عليه الدنيا، حتى ذكر أن الدنيا لم تكن تعدل عنده - - جناح بعوضة؛ ولذلك روى أن الغنى غنى القلب.
ويحتمل أنه جعل فيه حالا بلطفه أغناه؛ كما روي عن النبي "أنه نهى عن الوصال، فقيل: أنت تواصل، يا رسول الله؟
فقال - -: أنا لست كأحدكم؛ إن ربي يطعمني ويسقيني" ؛ فجائز أن يكون لله - عز وجل - فيه لطف أغناه به، وإن لم يطلعنا عليه، والله أعلم.
وقال بعضهم: أغناك بمال خديجة، ا.
وقال بعضنم: فأغناك، أي: فأرضاك بما أعطاك من الرزق، وأقنعك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود - -: "فأما اليتيم فلا تكهر"، فالكهر: الزجر، كأنه قال: فلا تزجر.
[و]جائز أن يكون قوله: ﴿ فَلاَ تَقْهَرْ ﴾ ، أي: لا تمنع حقه، وادفع إليه حقه وماله.
أو يكون ذكر هذا، يقول: كنت يتيما ورأيت حال اليتيم؛ فلا تقهر اليتيم؛ فيكون على الصلة لقوله: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ ﴾ ، فلا تقهر اليتيم بعد ذلك.
﴿ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ ﴾ : أي: كنت محتاجا فقيرا، فعرفت محل الفقر والحاجة وشدة حاله؛ فلا تنهر السائل - أي: لا تزجره - ولكن أعطه.
وجائز أن يكون الأمر لا على النهي، ولكن على الأمر بالبر لهؤلاء الإعطاء لهم.
وجائز أن يراد من نفي شيء إثبات ضده، كقوله - -: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ ، أي: خسرت، وعلى هذا الحديث، وهو ما روي عن النبي أنه قال: "إذا أتاكم السائل فلا تقطعوا عليه مسألته، حتى يفرغ منها، ثم ردوا عليه برفق ولين، إما ببذل يسير، أو برد جميل؛ فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جن؛ يرى كيف صنيعكم فيما خولكم الله " وقال قوم: تزويج اليتيم قهره؛ لما فيه من الاستذلال والإضرار؛ فلم يجوزوه من ير الأب والجد، وأجازوا بيع ماله من وصيه إن كان وصي الأب أو وصي أمه في تركتها؛ فدل أن تزويج اليتيم ليس من قهره في شيء، وقد روي عن النبي أنه زوج بنت حمزة بن سلمة بن أبي سلمة، وهو صغير يتيم؛ وزوج ابن عمر بنت أخيه وهي صغيرة، وزوج عروة ابنته من مصعب وهي صغيرة.
وقهر اليتيم في ظلمه والاعتداء عليه، وليس في التزويج ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: حدثهم بنعم الله - - التي أنعم عليهم؛ ليعرفوا ويفوا بما فيه شكرها.
أو يقول: حدثهم بما أنعم الله عليك، وهو هذا القرآن؛ إذ القرآن من أعظم ما أنعم الله عليه، فأمر بتحديث ما عليه من النعم، ليعرفوا عظيم ما أنعم الله عليه من الاختصاص لهم؛ حيث جعلهم من أمته ومن قومه.
أو أمر بأن يقرأه ويحدث بما فيه.
وقد روي عن أبي رجاء العطاردي قال: "خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف خز، لم نره عليه قبل، ولا بعدن فقال: إن رسول الله قال: إن الله - - إذا أنعم على عبد نعمة يجب أن يرى أثر نعمته عليه" وعن عطية عن أبي سعيد عن رسول الله أنه قال: "إن الله - جميل يجب الجمال، ويجب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويبغض البؤس والتبؤس" وعن الأحوص عن ابن مسعود - - قال: قال رسول الله : "من أعطاه الله - - خيرا؛ فلْيُرَ عليه، وابدأ بمن تعول، وارضخ من الفضل، ولا تلام على كفاف، وتعجز عن نفسك" وعن يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة - - عن النبي أنه قال: "إذا بسط الله - - على عبد نعمه فلْتُرَ عليه" يعني به: الصدقة والمعروف.
وقول ابن مسعود - - "وابدأ بمن تعول" دليل عليه.
قال أهل الأدب: عال: افتقر، وأعال، أي: ك ثر عياله، ويقال: [أسجيته:] أسكنته، وقالوا: الانتهار الكلام الخشن.
[وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين].
ولسوف يعطيك من الثواب الجزيل لك ولأمتك حتَّى ترضى بما أعطاك وأعطى أمتك.
<div class="verse-tafsir" id="91.NoPjM"
(والضحى) هو ضوء الشمس في شباب النهار.
(والليل إذا سجى) أي سكن وسكون الليل هو ما تجده من سكون أهله، وانقطاع الأحياء عن الحركة فيه.
ولما كان السجو أو السجو من لوازم الظلمة جاء فيه بالماضي، كالتجلي في النهار بخلاف الغشيان في الليل، فإنه مما يعرض له في الأوقات القليلة يغشى فيها الضياء كما سبق.
أما الضياء فيملك أغلب أجزاء الزمن.
(ما ودعك ربك وما قلى) أي ما تركك ربك وما أبغضك.
وقرئ ودعك بالتخفيف، وهي كذلك بمعنى تركك.
يقال قلاه يقلاه، وقلاه يقليه، كرماه يرميه أي كرهه وأبغضه.
(وللآخرة خير لك من الأولى) أي ولنهاية أمرك خير لك من بدايته.
(ولسوف يعطيك ربك)، من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك، ومن ظهور دينك، وعلو كلمتك، وإسعاد قومك بما تشرع لهم، وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.
(فترضى) بما تراه من تلك النعم التي ليس وراءها مطلب لطالب.
اتفقت الروايات على أن سبب نزول هذه السورة هو حصول فترة في توالي الوحي على النبي ، فظن أو توهم أو قيل أن الله قد تركه وقلاه، ثم اختلفت فيمن ظن أو توهم أو قال.
ولا حاجة لنا بذكر ما اختلف فيه.
فإن من المحقق -وهو الذي يرشد إليه أسلوب السورة الشريفة- أن الله أراد أن يلقي الطمأنينة في نفسه بتأكيد تلك الأخبار التي ذكرها واحدًا بعد الآخر، وأن يتسدل له على أن هذه الأخبار لا ريب فيها بما سبق من فضل الله عليه.
فالذي يعطف عليه بعنايته فيما سبق لا يزال يؤيده بتلك العناية فيما يلحق.
ثم إنه رتب على سبوغ تلك النعم أمره لشخصه الكريم بتلك الأوامر التي جاءت في قوله ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ ﴾ إلخ.
وليس في نسق السورة ما يشير إلى أن المشركين أو غيرهم بغرض من الخطاب..
ومن أين كان للمشركين أن يعلموا فترة الوحي فيقولوا أو يطعنوا، ولكن ذلك كان شوق النبي إلى مثل ما رأى وما فهم عن الله، وما ذاق من حلاوة الاتصال بوحيه.
وكل شوق يصحبه قلق، وكل قلق يشوبه خوف.
وهو بشر يعلو به عن البشر الوحي وحده كما ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة من الكتاب نحو قوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾ إلخ.
وقد جاء في الصحيح أن النبي حزن لفترة الوحي حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، ولكن كان يمنعه تمثل الملك له وإخباره بأنه رسول الله حقًا، كما يأتي ذكره في سورة ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ ..
فذلك هو القلق والفزع الذي يحتاج إلى ما به تكون الطمأنينة، فآتاه الله ما كان في شوق إليه، وثبته بالوحي، وبشره أن تلك الفترة لم تكن عن ترك ولا عن قلى، وأقسم له على ذلك، وأشار في القسم إلى أن ما كان من سطوع الوحي على قلبه أول مرة بمنزلة الضحى، تقوى به الحياة وتنمو به الناميات، وما عرض بعد ذلك فهو بمنزلة الليل إذا سكن لتستريح فيه القوى وتستعد فيه النفوس لما يستقبلها من العمل.
ومن المعلوم أن النبي لاقى من الوحي شدة في أول أمره حتى جاء إلى خديجة رضي الله عنها ترجف بوادره كما هو معروف في حديث الصحيحين وغيره، فكانت فترة الوحي لتثبيته وتقوية نفسه على احتمال ما يتوالى منه حتى تتم به حكمة الله تعالى في إرساله إلى الخلق.
ولهذا قال له: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى ﴾ ، أي إن كرة الوحي ثانية سيكمل بها الدين، وتتم بها نعمة الله على أهله.
وأين بداية الوحي من نهايته؟
وأين الإجمال الذي جاء في قوله ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ إلخ، من تفصيل العقائد والأحكام الذي جاء في مثاني القرآن؟
ثم زاد الأمر تأكيدًا بقوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ على ما بيناه كأنه كان يجد في نفسه أن للأمر تتمة لم تأت بعد.
وكأن في الفترة إبطاء بتلك التتمة، وهو شغف بحصولها، فلم تكن نفسه راضية دون أن يبلغ ما اعده له من إكمال دينه، فأكد له الوعد بأنه سيعطيه مما تتطلع نفسه إليه، ولا يزال يعطيه حتى يرضى.
ويعلن عباده المؤمنين بقوله تعالى؛ ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ .
وقد كان ذلك في أكثر من عشرين سنة، فاستعمال حرف التسويف لذلك.
وللمفسرين هنا كلام في الشفاعة وفي تكريم آل بيت النبوة حشروه في التفسير حشرًا، وأكثره بعيد عن روح الدين الذي جاء به القرآن، والأليق به كتب المذاهب التي ساء بها حال المسلمين وتفرقت بسببها كلمتهم.
﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾ التعبير بلم يجدك ووجدك على متعارف الخطاب في لسان العرب: أي لم تكن كذلك وكنت كذلك.
وأصل المعنى في وجدت فلانًا كريمًا مثلًا إنني لم أكن أعرف منه الكرم فعرفته.
وذلك لا يكون في جانب الله تعالى لكنه استعمل في الإخبار بالكرم ونحوه.
أو المعنى: ألم يعلم يتمك وضلالك إلخ.
والاستفهام على كل حال للتقرير، أي أنك كنت كذلك، وكان يتيمًا لأن والده توفي في المدينة وهو حمل في بطن أمه، فلما وضعته عطف الله عليه قلب جده عبد المطلب وقلب مرضعته حليمة على يتمه، وكفله جده خير كفالة، ثم مات جده وهو في سن ثماني سنين فكفله عمه أبو طالب بوصية من أبيه عبد المطلب.
وكان شديد العناية به في صغره، عظيم المحبة له في كبره، وما زال يحميه وينصره بعد أن أكرمه الله بالنبوة حتى قبض.
وتجرأت قريش على النبي بعد موت عمه حتى اضطرته إلى الهجرة إلى المدينة، فذلك إيواء الله لنبيه وهو يتيم.
﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى ﴾ نشأ موحدًا لم يسجد لصنم، وطاهر الخلق لم يقترف فاحشة حتى عرف بين قومه بالأمين.
فضلال الشرك وضلال الهوى في العمل كانا بعيدين عن ذاته الكريمة، يرهبان الدنو من نفسه القويمة، نزهه الله عنهما من أول أمره، ليعلي منزلته عند من يرسل إليهم..
فيسمعوا قوله، ويهتدوا بهديه.
ولكن للضلال أنواع أخر: منها اشتباه المآخذ على النفس حتى تأخذها الحيرة فيما ينبغي أن تختار.
وقد عرف فساد دين قومه من مشركي العرب، ولكن كان بين يديه دين النصرانية على ما كان عليه أهله، ودين اليهودية، وكلاهما دين توحيد، وفي كليهما شريعة لنبي.
فهل في اختيار أحد الدينين مصلحة له ولقومه؟
وهل في الدعوة إلى ما يختار منهما فلاح لنفسه ولشعبه وهو أُمي لا يقرأ الكتب، ولا يعرف ما حوته تلك الأديان من الأحكام والشرائع؟
كيف كان يصلح ذلك وأهل كل من الدينين لم يكونوا في حالهم أرشد من قومه؟
فكان شيء من الشرك يشوب عقائدهم، وكثير من السيئات والجرائم تدنس أعمالهم، وحجتهم على الإقامة عليها ما ينسبونه إلى دينهم من نص أو تأويل.
وأعظم أنواع الضلال كانت الحيرة في أمر العرب أنفسهم، يراهم في سخافة عقائدهم وضعف بصائرهم باستيلاء الأوهام عليهم، وفساد أعمالهم، وشؤم تلك الأعمال في أحوالهم، وتفرق كلمتهم، وتفانيهم بتسافك الدماء، وإشرافهم على الهلاك باستبعاد الغرباء لهم، وتحكم الأجانب فيهم: الحبشة ثم الفرس من جانب، والرومان من جانب آخر، ثم هم في غفلة عن مصيرهم، ينفرون من الذل ويمدون أيديهم إلى أسبابه، ويفرون من الموت وهم يتدافعون على أبوابه.
فما العمل في تقويم عقائدهم وتخليصهم من تحكم عاداتهم فيهم؟
وأي طريق ينبغي أن تسلك في إيقاظهم من سباتهم؟
ومن أي الأبواب يمكن أن يدخل إلى قلوبهم؟
ما أشدها حيرة على الصديقين!!
وما أعظمها ظلمة تغشي السالكين من أهل الصدق واليقين، إلى أن يكشفها الله بالنور المبين!!
وهي حيرة لم يكمل الحظ من شرفها إلا للنبيين والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.
فهذا هو الذي عناه الله بالضلال في هذه الآية الكريمة.
وما أعظم الهداية في ذلك الضلال!
وما أجدره بالكُمَّل من الرجال!
وبعد هذا وهذا من اهتدى إلى الله وعرف أنه خالق الخلق كلهم، وأنه وحده المستحق للعبادة دون أحد منهم، هل يدري بنفسه بغير وحي إلهي كيف يعبده؟
وبأي وصف يصفه ويمجده؟
والناس من حوله قد شبهوه بخلقه، وقاسوه على ما يعرفون من صنعه.
أفلا يحار الموحد كيف يصف ربه، وبأي الوسائل يطلب قربه؟
كل هذه الضروب من الحيرة كانت من حظه قبل أن تطلع عليه شمس النبوة.
وللخلاص منها كان يطلب الخلوة بغار حراء، ويتلمس هداية ربه في جوانب قلبه إلى أن سطع عليه نور الوحي فانتشله من هذا كله، واختار له دينًا قويمًا، وعلمه كيف يرشد قومه، وسن له الطريق في تخليصهم وتخليص العالم مما كان فيه من فساد العقل وسوء العمل، وهداه إلى وصف ذاته بما يليق بذاته.
وأي نعمة أكبر وأجل من هذه النعمة؟!
هذا هو معنى قوله ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى ﴾ ، وهو معنى قوله في سورة الشورى ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمان وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ .
وليس في وصف النبي بالضال على هذا المعنى شين له أو حط من شأنه، بل هذا هو فخره وإكليل مجده: لم يكن عالمًا فعلمه الله، ولم يكن مطلعًا إلى الغيب فأطلعه الله.
وبهذا التفسير تستغني عن خلط المفسرين في التأويل.
﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ : العائل الفقير.
وقد كان فقيرًا لم يترك له والده من الميراث إلا ناقة وجارية، فأغناه الله بما ربحه في التجارة، وبما وهبته خديجة من مالها.
فمن آواك في يتمك، وهداك من ضلالك، وأغناك من فقرك-لا يتركك في مستقبل أمرك.
من ذاق مرارة الضيق في نفسه فأجدر به أن يستشعرها في غيره فيمنحه ما كان هو بصدد أن يستمنحه.
كان يتيمًا فباعد الله عنه ذل اليتيم وآواه.
فما أجدره بأن يكرم كل يتيم شكرًا لله على نعمته!
لهذا قال الله ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ﴾ أي فلا تذله، بل ارفع نفسه بالأدب، وهذبه بمكارم الأخلاق ليكون عضوًا في جماعتك ينفعها وتنتفع به، ولا يفسده التذليل والهوان فيكون جرثومة فساد يتعدى أذاها إلى كل من يخالطها من أمتك.
ولو علم الناس ما في إهمال تربية الأيتام من الفساد في الأمة لقدروا عناية الله بأمرهم في كتابه قدرها، ولبذلوا من سعيهم ومن مالهم في إصلاح حال الأيتام كل ما استطاعوا.
ولو أحس كل واحد بأن الموت قريب منه، وأنه هدف لنبله لا يدري متى يأخذه عن ولد فيتركه: إما غنيًا يأكل ماله الأوصياء، أو فقيرًا يستذله الأدنياء، لتسابقوا إلى تقويم أمر اليتيم تسابقهم إلى اللذة والنعيم.
كان حيران فأنقذه الله من حيرته.
فمن حق رعاية هذه النعمة أن يرأف بالحائرين.
لهذا قال الله له ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ﴾ .
والسائل هو المستفهم عما لا يعلم وليس هو طالب الصدقة، فإن هذا اللفظ لم يرد في كتاب الله عنوانًا للفقير والمسكين، بل جرت سنة الكتاب المبين على ذكرهما بوصفهما.
ثم إنه لا معنى لجعله مقابلًا لقوله ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًا ﴾ بل كان من حقه أن يكون مقابلًا لقوله ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا ﴾ على أنه لا يصح أن يكون مقابلًا لهذا أيضًا لأن النبي لم يكن سائلًا قط.
ومعنى (لا تنهر) لا تزجر، أي لا تزجر سائلًا مستفهمًا مسترشدًا، وإن ضعف عقله وعظم جهله، فقد ذقت من ألم الحيرة ما يعطفك على المتحيرين، طلاب الإرشاد في العلم والدين.
وقد اخترعوا أحاديث في السائل لا أصل لها ويتنزه عن أن تنسب إليه.
من عادة البخلاء أن يكتموا ما لهم لتقوم لهم الحجة في قبض أيديهم عن البذل، فلا تجدهم إلا شاكين من القل.
أما الكرماء فلا يزالون يظهرون بالبذل ما آتاهم الله من فضله، ويجهرون بالحمد لما أفاض عليهم من رزقه.
فلهذا صح أن يجعل التحديث بالنعمة كناية عن البذل وإطعام الفقراء وإعانة المحتاجين.
فهذا قوله ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ أي إنك لما عرفت بنفسك ما يكون فيه الفقير فأوسع في البذل على الفقراء.
وليس القصد هو مجرد ذكر الثروة، فإن هذا من الفخفخة التي يتنزه عنها النبي .
ولم يعرف عنه في امتثال هذا الأمر أنه كان يذكر ما عنده من نقود وعروض، ولكن الذي عرف أنه كان ينفق ما عنده ويبيت طاويًا.
وقد يقال إن المراد من النعمة النبوة.
ولكن سياق الآيات يدل على أن هذه الآية مقابلة لقوله ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا ﴾ ، فتكون النعمة بمعنى الغنى، ولو كانت بمعنى النبوة لكانت مقابلة لقوله ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًا ﴾ ، وقد علمت الحق في مقابله.
والله أعلم.
توضيح وكشف إبهام كنت أمس ضائق الصدر لمرض صديق أفقد بفقده معينًا على العلم، يذكرني إذا نسيت، ويلومني لوم المحب إن أخطأت وأصررت.
جاءني، وأنا على تلك الحال، صادق في مودتي، وذكر ما يقول قائل في كلام جاء في تفسير الضحى مما وضعته على جزء "عم"، وهو: "السائل هو المستفهم عما لا يعلم، وليس هو طالب الصدقة، فإن هذا اللفظ لم يرد في كتاب الله عنوانًا للفقير والمسكين، بل جرت سنة الكتاب المبين على ذكرهما بوصفهما".
يقول القائل: كيف هذا، وقد جاء (السائل) عنوانًا للفقير أو المسكين في سورتي الذاريات والمعارج..
في الأولى ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ ، وفي الثانية: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ .
ذكر الصادق ذلك من قول القائل فكأني ذكرت به ما كنت ناسيًا، وبادرت إلى نسخة الكتاب فأصلحت الخطأ وعولت على أن أعلن ذلك في الجرائد حتى لا يضل ضال، ولا يتطاول جاهل، وماذا علي في ذلك ولست أعلى كعبًا في استحضار الكتاب من الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، حين همّ بعقاب من يقول: إن نبينا محمدًا، قد مات.
حتى ذَكَّره الصديق، بقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ ، فقال: كأني لم أسمعها من قبل -أو كما قال- وحين شدد في أمر المغالات في المهور وهو على المنبر فقالت له امرأة: كيف ذلك والله يقول: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ﴾ ، فتنبه للصواب وقال: رجل أخطأ وامرأة أصابت.
ومن أنا من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في العلم بكتاب الله والإحاطة بما فيه.
لكني رجعت إليَّ بعد ذلك نفسي فراجعت الأصول التي كانت بين يدي يوم كتبت ما كتبت، فذكرت أنني قصدت من العنوان ما يدل على المعنى بنفسه بدون قرينة تبينه منه، وكنت حققت معنى السائل، خصوصًا في آية الذاريات، وهو المستجدي الذي يطلب من مال غيره، ولا يلزم أن يكون فقيرًا أو مسكينًا، وغاية أمره أن يظن فيه الفقر إذ أحسن الظن فيه ولم يعلم أنه طلب لحاجة عارضة، ولم يفهم منه معنى الفقر في الآيتين إلا بقرينة المال واقترانه بالمحروم، وقد أفادت القرينة مع ذلك أنه يملك شيئًا، ولولا هذا ما عطف عليه المحروم الذي لا شيء عنده.
وكذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ ﴾ ، فإن قرينة إعطاء المال هي التي دلتنا على أن السائلين هنا هم طلابه، والعطف على المساكين دليل على أن السائل لا يلزم أن يكون مسكينًا.
وقد نفى النبي ، عنه المسكنة فيما روي من قوله: "ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان واللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان."..
قالوا: فما هو؟
قال: "الذي لا يجد ولا يتصدق عليه".
وقد رووا عنه أنه قال: "للسائل حق وإن جاء على فرس"، وقالوا: إن السائل هو الطالب، وقد يسمى في عرف الناس الفقير بالسائل، ولكنه في الكتاب العزيز ليس عنوانًا للفقير والمسكين يفهمان منه بالنص كما تفهم المعاني الحقيقية من دوالها الوضعية أو الغالبة فيها، فإذا أطلق السؤال مفردًا عن القرائن المعينة لمعناه المراد منه لم يفهم منه الفقير على ما جرت سنة الكتاب العزيز في التعبير، فإن سنته جارية باستعمال السؤال في معنى الطلب لا في معنى الفقر الذي هو من اللوازم البعيدة لضرب منه، وهو طلب المال، كما هي جارية بأنه إذا أراد الحث على معاونة الفقراء والمساكين جاء في التعبير عنهم بما يحقق أوصافهم ويعين المراد منهم، ولهذا يبعد أن يراد من كلمة السائل في هذه السورة الفقير، لأنها ليست عنوانًا له، كما ذكرنا، ولا يفهم هذا المعنى منها إلا بقرينة، كما سبق.
وأبعد من هذا أن يراد منها طالب المال مطلقًا، فإن السياق يأباه أشد الإباء، لأن لفظ السائل لا بد أن يكون في الآية دالًا على معنى يقابل شيئًا مما ذكر في الآيات التي قبل ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ ﴾ إلخ..
لأن هذا التفصيل مفرع على ما قبله، فلو أريد منه طالب الصدقة لم يتوهم أن يكون مقابلًا إلا لمعنى "العائل" وهو الفقير، والسائل ليس عنوانًا له، وقد بينا أن الذي يقابل "العائل" فيها هو التحديث بالنعمة.
وإذا لم يصح مقابلًا لشيء مما سبق إلا بحمله على المستفهم طالب البيان الذي هو عنوان له يتبادر منه إلى الذهن عند الإطلاق تعين حمله عليه، ويكون ذلك مقابلًا لمعنى ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى ﴾ ، ويؤيد هذا المعنى ما ورد في أحوال الذين كانوا يسألونه بيان ما يشتبه عليهم، فمنهم أهل الكتاب الممارون، ومنهم الأعراب الجفاة، ومنهم من كان يسأل عمالا يُسْأل عنه الأنبياء، فلا غرو أن يأمره الله تعالى بالرفق بهم، وينهاه عن نهرهم، كما عاتبه على التولي عن الأعمى السائل في سورة عبس.
وعبارة التفسير فيها إجمال جر إلى تأليف حاشية كهذه، فأستغفر الله مما صنعت فيها، وأرجو أن لا أعود إلى مثلها.
في ٢٢ شوال سنة ١٣٢٢.
محمد عبده