الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٥
الحديث رقم ١١٥ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب العلم والعظة بالليل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١١٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
(تَنْبِيهٌ): قَدَّمَ حَدِيثَ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَتَبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَطْرُقُهُ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا كَتَبَ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، وَثَنَّى بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ الْأَمْرُ بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ بَعْدَ النَّهْيِ فَيَكُونُ نَاسِخًا، وَثَلَّثَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَدْ بَيَّنْتُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ إِذْنَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ أَقْوَى فِي الِاسْتِدْلَالِ لِلْجَوَازِ مِنَ الْأَمْرِ أَنْ يَكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِمَنْ يَكُونُ أُمِّيًّا أَوْ أَعْمَى، وَخَتَمَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ هَمَّ أَنْ يَكْتُبَ لِأُمَّتِهِ كِتَابًا يَحْصُلُ مَعَهُ الْأَمْنُ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَهُوَ لَا يَهُمُّ إِلَّا بِحَقٍّ.
٤٠ - بَاب الْعِلْمِ وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ
١١٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنْ الْخَزَائِنِ. أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ.
[الحديث ١١٥ - أطرافه في: ٧٠٦٩، ٦٢١٨، ٥٨٤٤، ٣٥٩٩، ١١٢٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْعِلْمِ) أَيْ: تَعْلِيمِ الْعِلْمِ بِاللَّيْلِ، وَالْعِظَةُ تَقَدَّمَ أَنَّهَا الْوَعْظُ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحَدِيثِ بَعْدَ الْعِشَاءِ مَخْصُوصٌ بِمَا لَا يَكُونُ فِي الْخَيْرِ.
قَوْلُهُ: (صَدَقَةُ) هُوَ ابْنُ الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِنْدٍ) هِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَدَلُهَا عَنِ امْرَأَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَمْرٌو) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَهُمْ عَنْ مَعْمَرٍ ثُمَّ قَالَ: وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى مَعْمَرٍ، وَعَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ يَكُونُ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِحَذْفِ صِيغَةِ الْأَدَاءِ وَقَدْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ عَنِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ هُوَ الْقَطَّانُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَلَا لَقِيَهُ. وَوَقَعَ فِي غَيْرِ رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ امْرَأَةٍ بَدَلَ قَوْلِهِ: عَنْ هِنْدٍ فِي الْإِسْنَادِ الثَّانِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ رُبَّمَا أَبْهَمَهَا وَرُبَّمَا سَمَّاهَا. وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ هِنْدًا وَلَا أُمَّ سَلَمَةَ.
قَوْلُهُ: (سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالتَّعْظِيمِ، وَعَبَّرَ عَنِ الرَّحْمَةِ بِالْخَزَائِنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ وَعَنِ الْعَذَابِ بِالْفِتَنِ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَابُهُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً.
قَوْلُهُ: (أُنْزِلَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْزَلَ اللَّهُ بِإِظْهَارِ الْفَاعِلِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِنْزَالِ إِعْلَامُ الْمَلَائِكَةِ بِالْأَمْرِ الْمَقْدُورِ، أَوْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي نَوْمِهِ ذَاكَ بِمَا سَيَقَعُ بَعْدَهُ مِنَ الْفِتَنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْإِنْزَالِ.
قَوْلُهُ: (وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ تَأْكِيدًا ; لِأَنَّ مَا يُفْتَحُ مِنَ الْخَزَائِنِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَزَائِنِ خَزَائِنُ فَارِسَ وَالرُّومِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا فُتِحَ عَلَى الصَّحَابَةِ ; لَكِنَّ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْخَزَائِنِ وَالْفِتَنِ أَوْضَحُ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَلَازِمَيْنِ، وَكَمْ مِنْ نَائِلٍ مِنْ تِلْكَ الْخَزَائِنِ سَالِمٌ مِنَ الْفِتَنِ.
قَوْلُهُ: (صَوَاحِبَاتُ الْحُجَرِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ حُجْرَةٍ وَهِيَ مَنَازِلُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا خَصَّهُنَّ بِالْإِيقَاظِ؛ لِأَنَّهُنَّ الْحَاضِرَاتُ حِينَئِذٍ، أَوْ مِنْ بَابِ ابْدَأْ بِنَفْسِكِ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ.
قَوْلُهُ: (فَرُبَّ كَاسِيَةٍ) اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ مَالِكٍ عَلَى أَنَّ رُبَّ فِي الْغَالِبِ لِلتَّكْثِيرِ ; لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لِلنِّسَاءِ، وَهُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١١٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين، وانفرد المؤلِّف به عن السِّتَّة (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العين بينهما، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ هِنْدٍ) بنت الحارث الفِراسيَّة؛ بكسر الفاء وبالسِّين المُهمَلَة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عنِ امرأةٍ» بدلها (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هندٍ، وقِيلَ: رملة، أمِّ المؤمنين بنت سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (١) بن مخزومٍ، وورثت (٢) عنِ النَّبيِّ ﷺ علمًا كثيرًا، لها في «البخاريِّ» أربعة أحاديث، وتُوفِّيت سنة تسعٍ وخمسين ﵂ (وَعَمْرٌٍو) بالرَّفع على الاستئناف، والمعنى: أنَّ ابن عُيَيْنَةَ حدَّث عن معمرٍ عن الزُّهريِّ، ثمَّ قال: «وعمرٌو»، وكأنَّه حدَّث بحذف صيغة الأداء، كما هي عادته، ويجوز الجرُّ في «عمرٍو» عطفًا على «معمرٍ» وهو الذي في الفرع كأصله مُصحَّحًا عليه، قال القاضي عياضٌ: والقائل: «وعمرٍو» هو ابن عُيَينة. و «عمرٌو» هذا هو ابن دينار (وَيَحْيَى بْنُِ سَعِيدٍ) هو الأنصاريُّ لا القطَّان؛ إذ هو لم يلقَ الزُّهريَّ حتَّى يكون سمع منه (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ) وفي رواية الأربعة «عط ٥ ص س ط» (٣): «عنِ امرأةٍ» بدل قوله في هذا الإسناد الثَّاني: «عن هندٍ»، وفي هامش فرع «اليونينيَّة»: «لَهي» ووقع عند الحَمُّويي والمُستملي في الطَّريق الثَّاني: «عن هندٍ عن أمِّ سلمة» كما في الحديث قبله، ولغيرهما: «عنِ امرأةٍ» قال: وفي نسخةٍ صحيحةٍ مرقوم على قوله: «عنِ امرأةٍ» علامة أبي الهيثم والأَصيليِّ وابن عساكر وابن السَّمعاني في أصل سماعه عن (٤) أبي الوقت
في خانقاه السُّمَيْسَاطيِّ. انتهى. والحاصل: أنَّ الزُّهريَّ ربَّما أبهمها وربُّما سمَّاها (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ) أي: تيقَّظ، والسِّين هنا ليس (١) للطَّلب، أي: انتبَهَ (النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «رسول الله» (ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: في ليلةٍ، ولفظ «ذاتَ» زِيدَت للتَّأكيد، وقال جار الله: هو من إضافة المُسمَّى إلى اسمه، وكان ﵊ في بيت أُمِّ سلمة لأنَّها كانت ليلتها (فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا) استفهامٌ متضمِّنٌ معنى التَّعجُّب لأنَّ «سبحان» تُستعمَل له (أُنْزِلَ) بضمِّ الهمزة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أَنْزَلَ الله» (اللَّيْلَةَ) بالنَّصب ظرفًا لـ «أُنزِل» (مِنَ الفِتَنِ؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ؟) عبَّر عنِ العذاب بـ «الفتن» لأنَّها أسبابه، وعن الرَّحمة بـ «الخزائن» لقوله تعالى: ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [ص: ٩] واستعمل المجاز في الإنزال، والمُرَاد به: إعلام الملائكة بالأمر المقدور (٢)، وكأنَّه ﷺ رأى في المنام أنَّه سيقع بعده فتنٌ، وتُفتَح لهمُ الخزائن، أو أوحى الله تعالى (٣) إليه ذلك قبل النَّوم، فعبَّر عنه بـ «الإنزال»، وهو من المعجزات، فقد فُتِحت خزائن فارسَ والرُّوم وغيرهما، كما أخبر ﵊ (أَيْقِظُوا) بفتح الهمزة، أي: نبِّهوا (صَوَاحِب) وفي روايةٍ: «صواحبات» (الحُجَرِ) بضمِّ الحاء وفتح الجيم، جمع حُجْرَةٍ؛ وهي منازل أزواجه ﵅ (٤)، وخصَّهنَّ لأنَّهنَّ الحاضرات حينئذٍ (فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا) أثوابًا رقيقةً لا تمنع إدراك البشرة، أو نفيسةً (عَارِيَةٍ) بتخفيف الياء والجرِّ، والرَّفع: للأَصيليِّ، أي مُعَاقَبَةٍ (فِي الآخِرَةِ) بفضيحة
التَّعرِّي، أو عاريةٍ من الحسنات في الآخرة، فندبهنَّ بذلك إلى الصَّدقة وترك السَّرف، ويجوز في «عاريةٍ» الجرُّ على النَّعت؛ لأنَّ «رُبَّ» عند سيبويه حرف جرٍّ يلزم صدر الكلام، والرَّفع بتقدير هي، والفعل الذي يتعلَّق به «رُبَّ» محذوفٌ، واختار الكسائيُّ أن يكون (١) «رُبَّ» اسمًا مُبتدَأً، والمرفوع خبرها، وهي هنا للتَّكثير، وفعلها الذي تتعلَّق به ينبغي أن يكون محذوفًا غالبًا، والتَّقدير: رُبَّ كاسيةٍ عاريةٍ عرفتها.
والحديث يأتي في «الفتن» [خ¦٧٠٦٩] إن شاء الله تعالى.
(٤١) هذا (بابُ السَّمَرِ) بفتح السِّين والميم؛ وهو الحديث في اللَّيل (فِي العِلْمِ) وللأربعة: «بالعلم» وفي «اليونينيَّة»: «في العلم» مضبَّب (٢) عليه، ومكتوبٌ على الهامش: «بالعلم» مُصحَّحٌ عليه، ولغير أبي ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «بابٌ» بالتَّنوين مقطوعًا عن الإضافة، أي: هذا بابٌ في (٣) بيان السَّمر بالعلم.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
(الْأَنْعَام: ٣٨) وَقَوله تَعَالَى: {تبيانا لكل شَيْء} (النَّحْل: ٨٩) وَلِهَذَا قَالَ عمر: رَضِي الله عَنهُ: حَسبنَا كتاب الله. وَظهر لطائفة أُخْرَى أَن الأولى أَن يكْتب، لما فِيهِ من امْتِثَال أمره وَمَا يتضمنه من زِيَادَة الْإِيضَاح، وَدلّ أمره لَهُم بِالْقيامِ على أَن أمره الأول كَانَ على الِاخْتِيَار، وَلِهَذَا عَاشَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة والسلامغ، بعد ذَلِك أَيَّامًا وَلم يعاود أَمرهم بذلك. وَلَو كَانَ وَاجِبا لم يتْركهُ لاختلافهم، لِأَنَّهُ لم يتْرك التَّكْلِيف لمُخَالفَة من خَالف. وَالله أعلم.
قَوْله: (عِنْدِي) . وَفِي بعض النّسخ: (عني) أَي: عَن جهتي. قَوْله: (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُع) فِيهِ إِشْعَار بِأَن الأولى كَانَ الْمُبَادرَة إِلَى امْتِثَال الْأَمر، وَإِن كَانَ مَا اخْتَارَهُ عمر، رَضِي الله عَنهُ، صَوَابا. قَوْله: (فَخرج ابْن عَبَّاس يَقُول) ظَاهره أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنهُ، كَانَ مَعَهم، وَأَنه فِي تِلْكَ الْحَالة خرج قَائِلا هَذِه الْمقَالة، وَلَيْسَ الْأَمر فِي الْوَاقِع على مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الظَّاهِر، بل قَول ابْن عَبَّاس إِنَّمَا كَانَ يَقُول عِنْد مَا يتحدث بِهَذَا الحَدِيث، فَفِي رِوَايَة معمر فِي البُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام وَغَيره، قَالَ عبيد الله: فَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول، وَكَذَا لِأَحْمَد من طَرِيق جرير بن حَازِم عَن يُونُس بن يزِيد، وَوجه رِوَايَة حَدِيث الْبَاب أَن ابْن عَبَّاس لما حدث عبيد الله بِهَذَا الحَدِيث، خرج من الْمَكَان الَّذِي كَانَ بِهِ، وَهُوَ يَقُول ذَلِك، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) ، قَالَ عبيد الله: فَسمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول ... الخ، وَإِنَّمَا تعين حمله على غير ظَاهره لِأَنَّهُ عبيد الله تَابِعِيّ من الطَّبَقَة الثَّانِيَة لم يدْرك الْقِصَّة فِي وَقتهَا، لِأَنَّهُ ولد بعد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِمدَّة طَوِيلَة، ثمَّ سَمعهَا من ابْن عَبَّاس بعد ذَلِك بِمدَّة أُخْرَى.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بطلَان مَا يَدعِيهِ الشِّيعَة من وصاية رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِالْإِمَامَةِ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ عِنْد عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، عهد من رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لأحال عَلَيْهَا. الثَّانِي: فِيهِ مَا يدل على فَضِيلَة عمر، رَضِي الله عَنهُ، وفقهه. الثَّالِث: فِي قَوْله: (ائْتُونِي بِكِتَاب أكتب لكم) دلَالَة على أَن للْإِمَام أَن يُوصي عِنْد مَوته بِمَا يرَاهُ نظرا للْأمة. الرَّابِع: فِي ترك الْكتاب إِبَاحَة الِاجْتِهَاد، لِأَنَّهُ وَكلهمْ إِلَى أنفسهم واجتهادهم. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز الْكِتَابَة، وَالْبَاب مَعْقُود عَلَيْهِ.
٤٠ - (بابُ العِلْمِ والعِظَةِ باللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْعلم، والعظة أَي: الْوَعْظ بِاللَّيْلِ، وَفِي بعض النّسخ: واليقظة، وَهَذَا أنسب للتَّرْجَمَة، وَفِي بعض النّسخ هَذَا الْبَاب مُتَأَخّر عَن الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول كِتَابَة الْعلم الدَّالَّة على الضَّبْط وَالِاجْتِهَاد، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ تَعْلِيم الْعلم وَالْمَوْعِظَة بِاللَّيْلِ، الدَّال كل مِنْهُمَا على قُوَّة الِاجْتِهَاد وَشدَّة التَّحْصِيل.
١١٥ - حدّثنا صَدَقَةُ قَالَ: أخبرنَا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِنْدٍ عنْ أمِّ سَلَمَة وعَمْرٍ وويَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ هِنْدٍ عنْ أمِّ سَلَمَةَ قَالَت: اسْتَيْقَظَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: (سُبْحانَ اللَّهِ {ماذَا أنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتن} وماذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِن {أَيْقَظُوا صَوَاحِبَ الحُجَرِ، فَرُبَّ كاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ) ..
الْبَاب لَهُ ترجمتان: الْعلم والعظة، أَو الْيَقَظَة بِاللَّيْلِ، فمطابقتة الحَدِيث للتَّرْجَمَة الأولى فِي قَوْله: (مَا أنزل اللَّيْلَة من الْفِتَن} وماذا فتح من الخزائن!) . وَقَوله: (فَرب كاسية فِي الدُّنْيَا عَارِية فِي الْآخِرَة) . ومطابقته للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة فِي قَوْله: (أيقظوا صَوَاحِب الْحجر) .
بَيَان رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة: الأول: صَدَقَة بن فضل الْمروزِي، أَبُو الْفضل، انْفَرد بِالْإِخْرَاجِ عَنهُ البُخَارِيّ عَن السِّتَّة، وَكَانَ حَافِظًا إِمَامًا، مَاتَ سنة ثَلَاث، وَقيل: سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: معمر بن رَاشد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عمر بن دِينَار. السَّادِس: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. وَأَخْطَأ من قَالَ: إِنَّه يحيى بن سعيد الْقطَّان. لِأَنَّهُ لم يسمع من الزُّهْرِيّ وَلَا لقِيه. السَّابِع: هِنْد بنت الْحَارِث الفراسية، وَيُقَال: القرشية، وَعند الدَّاودِيّ: الْقَادِسِيَّة، وَلَا وَجه لَهُ. كَانَت زَوْجَة لمعبد بن الْمِقْدَاد، وَفِي (التَّهْذِيب) أسقط معبدًا وَهُوَ وهم، روى لَهَا الْجَمَاعَة إلَاّ مُسلما. الثَّامِن: أم سَلمَة، هِنْد. وَقيل: رَملَة، زوج النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بنت أبي أُميَّة حُذَيْفَة. وَيُقَال: سهل بن الْمُغيرَة
بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم، كَانَت عِنْد أبي سَلمَة فَتوفي عَنْهَا، فَتَزَوجهَا النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رُوِيَ لَهَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثمِائَة وَثَمَانِية وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على ثَلَاثَة عشر حَدِيثا. هَاجَرت إِلَى الْحَبَشَة وَإِلَى الْمَدِينَة. وَقَالَ ابْن سعد: هَاجر بهَا أَبُو سَلمَة إِلَى الْحَبَشَة فِي الهجرتين جَمِيعًا. فَولدت لَهُ هُنَاكَ زَيْنَب، ثمَّ ولدت بعْدهَا سَلمَة وَعمر ودرة. تزَوجهَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي شَوَّال سنة أَربع، وَتوفيت سنة تسع وَخمسين، وَقيل: فِي خلَافَة يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَولي يزِيد فِي رَجَب سنة سِتِّينَ وَتُوفِّي فِي ربيع سنة أَربع وَسِتِّينَ وَكَانَ لَهَا حِين توفيت أَربع وَثَمَانُونَ سنة، فصلى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، فِي الْأَصَح، وَاتَّفَقُوا أَنَّهَا دفنت بِالبَقِيعِ، روى لَهَا الْجَمَاعَة.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة صحابية عَن صحابية على قَول من قَالَ: إِن هندا صحابية إِن صَحَّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الأقران فِي موضِعين: أَحدهمَا ابْن عُيَيْنَة عَن معمر، وَالثَّانِي: عَمْرو وَيحيى عَن الزُّهْرِيّ.
بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات: قَوْله: (عَن هِنْد) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عَن امْرَأَة) . وَقَوله: عَن امْرَأَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: عَن هِنْد، وَالْحَاصِل أَن الزُّهْرِيّ رُبمَا كَانَ سَمَّاهَا باسمها، رُبمَا أبهمها. قَوْله: (وَعَمْرو) بِالْجَرِّ عطف على معمر، يَعْنِي: ابْن عُيَيْنَة، يروي عَن معمر بن رَاشد وَعَن عَمْرو بن دِينَار وَعَن يحيى بن سعيد، ثَلَاثَتهمْ يروون عَن الزُّهْرِيّ، وَقد روى الْحميدِي هَذَا الحَدِيث فِي (مُسْنده) عَن ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: حَدثنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: حَدثنَا عَمْرو وَيحيى بن سعيد عَن الزُّهْرِيّ، فَصرحَ بِالتَّحْدِيثِ عَن الثَّلَاثَة، وَيجوز وَعَمْرو بِالرَّفْع، وَرُوِيَ بِهِ، وَوَجهه أَن يكون استئنافا. وَقد جرت عَادَة ابْن عُيَيْنَة يحدث بِحَذْف صِيغَة الْأَدَاء. قَوْله: (وَيحيى) عطف على عَمْرو فِي الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي السَّنَد الأول مُتَّصِلا، فَذكر فِيهِ هندا، وَفِي السَّنَد الثَّانِي عَن امْرَأَة لم يسمهَا، وَقد سَمَّاهَا فِي بَقِيَّة الْأَبْوَاب، والاعتماد فِيهِ على الْمُتَّصِل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون أَي الْإِسْنَاد الثَّانِي تَعْلِيقا من البُخَارِيّ عَن عَمْرو، ثمَّ قَالَ: وَالظَّاهِر الْأَصَح هُوَ الأول أَي الْإِسْنَاد الأول قلت: كِلَاهُمَا صَحِيحَانِ متصلان كَمَا ذكرنَا.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صَلَاة اللَّيْل عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر، وَفِي اللبَاس عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن هِشَام بن يُوسُف عَن معمر، وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة فِي موضِعين من (كتاب الْأَدَب) عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب وَفِي الْفِتَن عَن إِسْمَاعِيل عَن إخيه عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق، كلهم عَن الزُّهْرِيّ عَن هِنْد بِهِ. قَالَ الْحميدِي: هَذَا الحَدِيث مِمَّا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ، وَقَالَ: صَحِيح، وَأخرجه مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن شهَاب مُرْسلا.
بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (اسْتَيْقَظَ) بِمَعْنى تيقظ. وَلَيْسَ السِّين فِيهِ للطلب، كَمَا فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من مَنَامه) . وَمَعْنَاهُ انتبه من النّوم، وَهُوَ فعل، وفاعله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ذَات لَيْلَة) أَي: فِي لَيْلَة، وَلَفْظَة: ذَات، مقحمة للتَّأْكِيد. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أما قَوْلهم: ذَات مرّة، و: ذُو صباح، فَهُوَ من ظروف الزَّمَان الَّتِي لَا تتمكن تَقول: لَقيته ذَات يَوْم وَذَات لَيْلَة. قلت: إِنَّمَا لم يتَصَرَّف: ذَات مرّة. وَذَات يَوْم، و: ذُو صباح، و: ذُو مسَاء، لأمرين: أَحدهمَا: أَن إضافتها من قبيل إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى الِاسْم، لِأَن قَوْلك: لقيتك ذَات مرّة وَذَات يَوْم، قِطْعَة من الزَّمَان ذَات مرّة وَذَات يَوْم، أَي: صَاحِبَة هَذَا الِاسْم، وَكَذَا: ذُو صباح وَذُو مسَاء. أَي: وَقت ذُو صباح أَي صَاحب هَذَا الِاسْم، فحذفت الظروف وأقيمت صفاتها مقَامهَا فأعربت بإعرابها، وَإِضَافَة الْمُسَمّى للإسم قَليلَة لِأَنَّهَا تفيده بِدُونِ الْمُضَاف مَا تفِيد مَعَه. الثَّانِي: أَن ذَات وَذُو من ذَات مرّة وَأَخَوَاتهَا لَيْسَ لَهما تمكن من ظروف الزَّمَان لِأَنَّهُمَا ليسَا من أَسمَاء الزَّمَان. وَزعم السُّهيْلي أَن ذَات مرّة وَذَات يَوْم لَا يتصرفان فِي لُغَة خثعم وَلَا غَيرهَا. قَوْله: (فَقَالَ) عطف على: اسْتَيْقَظَ. قَوْله: (سُبْحَانَ الله) مقول القَوْل، وَسُبْحَان، علم للتسبيح: كعثمان، علم للرجل، وانتصابه على المصدرية، وَالتَّسْبِيح فِي اللُّغَة التَّنْزِيه، وَالْمعْنَى هُنَا: أنزه الله تَنْزِيها عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ، واستعماله هُنَا للتعجب، لِأَن الْعَرَب قد تستعمله فِي مقَام التَّعَجُّب. قَوْله: (مَاذَا) فِيهِ أوجه: الأول: أَن يكون مَا، استفهاما، و: ذَا، إِشَارَة، نَحْو: مَاذَا الْوُقُوف؟ ، الثَّانِي: أَن تكون مَا، استفهاما، وَذَا، مَوْصُولَة بِمَعْنى: الَّذِي. الثَّالِث: أَن تكون: مَاذَا كلمة اسْتِفْهَام على التَّرْكِيب، كَقَوْلِك: لماذا جِئْت؟ الرَّابِع: أَن تكون: مَا، نكرَة مَوْصُوفَة بِمَعْنى شَيْء. الْخَامِس: أَن تكون: مَا، زَائِدَة، و: ذَا للْإِشَارَة. السَّادِس: أَن تكون: مَا، استفهاما
وَذَا، زَائِدَة أجَازه جمَاعَة مِنْهُم ابْن مَالك. قَوْله: (أنزل) على صِيغَة الْمَجْهُول. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أنزل الله) ، والإنزال فِي اللُّغَة إِمَّا بِمَعْنى الإيواء كَمَا يُقَال: أنزل الْجَيْش بِالْبَلَدِ، وَنزل الْأَمِير بِالْقصرِ، وَإِمَّا بِمَعْنى تَحْرِيك الشَّيْء من علو إِلَى سفل، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وأنزلنا من السَّمَاء مَاء} (الْمُؤْمِنُونَ: ١٨، الْفرْقَان: ٤٨، لُقْمَان: ١٠) وَهَذَانِ المعنيان لَا يتحققان فِي: أنزل الله، فَهُوَ مُسْتَعْمل فِي معنى مجازي بِمَعْنى: أعلم الله الْمَلَائِكَة بِالْأَمر الْمُقدر، وَكَذَلِكَ الْمَعْنى فِي أنزل الله الْقُرْآن، فَمن قَالَ: إِن الْقُرْآن معنى قَائِم بِذَات الله تَعَالَى، فإنزاله أَن يُوجد الْكَلِمَات والحروف الدَّالَّة على ذَلِك الْمَعْنى، ويثبتها فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. وَمن قَالَ: الْقُرْآن هُوَ الْأَلْفَاظ، فإنزاله مُجَرّد إثْبَاته فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، لِأَن الْإِنْزَال إِنَّمَا يكون بعد الْوُجُود، وَالْمرَاد بإنزال الْكتب السماوية أَن يتلقاها الْملك من الله تلقيا روحانيا أَو يحفظها من اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَينزل بهَا فيلقيها على الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَكَأن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أُوحِي إِلَيْهِ فِي يَوْمه ذَلِك بِمَا سيقع بعده من الْفِتَن، فَعبر عَنهُ بالإنزال. قَوْله: (اللَّيْلَة) بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (وَمَا فتح من الخزائن) الْكَلَام فِيهِ من جِهَة الْإِعْرَاب مثل الْكَلَام فِيمَا أنزل، وَعبر عَن الرَّحْمَة بالخزائن، كَقَوْلِه: (خَزَائِن رَحْمَة رَبِّي) ، وَعَن الْعَذَاب بالفتن لِأَنَّهَا أَسبَاب مؤدية إِلَى الْعقَاب. وَقَالَ الْمُهلب: فِيهِ دَلِيل على أَن الْفِتَن تكون فِي المَال وَفِي غَيره لقَوْله: (مَاذَا أنزل من الْفِتَن {وماذا فتح من الخزائن} ) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَوْله: (مَاذَا أنزل اللَّيْلَة من الْفِتَن) وَهُوَ مَا فتح من الخزائن. قَالَ: وَقد يعْطف الشَّيْء على نَفسه تَأْكِيدًا، لِأَن مَا يفتح من الخزائن يكون سَببا للفتنة، وَاحْتج الأول بقول حُذَيْفَة، رَضِي الله عَنهُ: فتْنَة الرجل فِي أَهله وَمَاله يكفرهَا الصَّلَاة وَالصَّدَََقَة. قلت: الْمَعْنى أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رأى فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الْمَنَام، وَفِيه أَنه سيقع بعده فتن. وَأَنه يفتح لأمته الخزائن. وَعرف عِنْد الاستيقاظ حَقِيقَته إِمَّا بالتعبير أَو بِالْوَحْي إِلَيْهِ فِي الْيَقَظَة قبل النّوم أَو بعده. وَقد وَقعت الْفِتَن كَمَا هُوَ الْمَشْهُور، وَفتحت الخزائن حَيْثُ تسلطت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، على فَارس وَالروم وَغَيرهمَا، وَهَذَا من المعجزات حَيْثُ أخبر بِأَمْر قبل وُقُوعه فَوَقع مثل مَا أخبر. قَوْله: (أيقظوا) بِفَتْح الْهمزَة لِأَنَّهُ أَمر من الإيقاظ بِكَسْر الْهمزَة. قَوْله: (صَوَاحِب الْحجر) كَلَام إضافي مَفْعُوله، وَأَرَادَ بهَا زَوْجَاته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ جمع: صَاحِبَة. وَالْحجر، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم: جمع حجرَة، وَأَرَادَ بهَا منَازِل زَوْجَاته، وَإِنَّمَا خصهن بالإيقاظ لِأَنَّهُنَّ الحاضرات حِينَئِذٍ أخْبرت بذلك أم سَلمَة، رَضِي الله عَنْهَا. كَانَت تِلْكَ اللَّيْلَة لَيْلَتهَا وَهُوَ الظَّاهِر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يجوز أيقظوا، بِكَسْر الْهمزَة أَي: انتبهوا أَو الصواحب منادى لَو صحت الرِّوَايَة بِهِ. قلت: هَذَا مَمْنُوع من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: من جِهَة الرِّوَايَة حَيْثُ لم يَرْوُونَهُ هَكَذَا. وَالْآخر: من جِهَة اللَّفْظ، وَهُوَ أَنه لَو كَانَ كَذَلِك كَانَ يُقَال: أيقظن، لِأَن الْخطاب للنِّسَاء. قَوْله: (فَرب كاسية) أصل: رب، للتقليل، وَقد تسْتَعْمل للتكثير كَمَا فِي رب هَهُنَا، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَنه لَيْسَ مَعْنَاهُ التقليل دَائِما خلافًا للأكثرين، وَلَا التكثير دَائِما خلافًا لِابْنِ درسْتوَيْه وَجَمَاعَة، بل ترد للتكثير كثيرا، وللتقليل قَلِيلا. فَمن الأول: {رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين} (الْحجر: ٢) (وَرب كاسية فِي الدُّنْيَا عَارِية يَوْم الْقِيَامَة) . وَمن الثَّانِي: قَول الشَّاعِر:
(أَلا رب مَوْلُود وَلَيْسَ لَهُ أَب)
وفيهَا لُغَات قد ذَكرنَاهَا مرّة، وفعلها الَّذِي تتَعَلَّق هِيَ بِهِ يَنْبَغِي أَن يكون مَاضِيا ويحذف غَالِبا. وَالتَّقْدِير: رب كاسية عَارِية عرفتها، وَالْمرَاد: إِمَّا اللَّاتِي تلبس رَقِيق الثِّيَاب الَّتِي لَا تمنع من إِدْرَاك الْبشرَة معاقبات فِي الْآخِرَة بفضيحة التعري، وَإِمَّا اللابسات للثياب الرقيقة النفيسة عاريات من الْحَسَنَات فِي الْآخِرَة، فندبهن على الصَّدَقَة وحضهن على ترك السَّرف فِي الدُّنْيَا، يَأْخُذن مِنْهَا أقل الْكِفَايَة ويتصدقن بِمَا سوى ذَلِك، وَهَذِه الْبلوى عَامَّة فِي هَذَا الزَّمَان لَا سِيمَا فِي نسَاء مصر، فَإِن الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ تتغالى فِي ثمن قَمِيص إِمَّا من عِنْدهَا أَو بتكليفها زَوجهَا حَتَّى تفصل قَمِيصًا بأكمام هائلة وذيل سابلة جدا، منجرة وَرَاءَهَا أَكثر من ذراعين، وكل كم من كميها يصلح أَن يكون قَمِيصًا معتدلاً، وَمَعَ هَذَا إِذا مشت يرى مِنْهَا أَكثر بدنهَا من نفس كمها، فَلَا شكّ أَنَّهُنَّ مِمَّن يدخلن فِي هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من جملَة معجزات النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَيْثُ أخبر بذلك قبل وُقُوعه، لما علم باطلاع الله تَعَالَى إِيَّاه أَن مثل هَذَا سيقع فِي أمته من فتح الخزائن وَكَثْرَة الْأَمْوَال المؤدية إِلَى مثل هَذِه الجريمة وَغَيرهَا، وَلَكِن لما أَمر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بإيقاظ نِسَائِهِ خص تذكيره ووعظه لَهُنَّ بِهَذَا الْوَصْف تحذيرا لَهُنَّ عَن مُبَاشرَة الْإِسْرَاف الْمنْهِي عَنهُ، وَلِأَنَّهُ من الْأُمُور المؤدية إِلَى فَسَاد عَظِيم على مَا لَا يخفى. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: (رب كاسية) كالبيان لموجب استيقاظ الْأَرْوَاح، أَي: لَا يَنْبَغِي لَهُنَّ أَن يتغافلن ويعتمدن على كونهن أهالي رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَي: رب كاسية حلى الزَّوْجِيَّة
المشرفة بهَا وَهِي عَارِية عَنْهَا فِي الْآخِرَة لَا تنفعها إِذا لم تضمها مَعَ الْعَمَل. قَالَ تَعَالَى: {فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ وَلَا يتساءلون} (الْمُؤْمِنُونَ: ١٠١) قَوْله: (كاسية) على وزن: فاعلة، من: كسا، وَلَكِن بِمَعْنى مَكْسُورَة، كَمَا فِي قَول الحطيئة.
واقعد فَإنَّك أَنْت الطاعم الكاسي
قَالَ الْفراء: يَعْنِي المكسو. كَقَوْلِك: مَاء دافق، وعيشة راضية. لِأَنَّهُ يُقَال: كسي الْعُرْيَان، وَلَا يُقَال: كسا. قَوْله: (عَارِية) بتَخْفِيف الْيَاء. قَالَ القَاضِي: أَكثر الرِّوَايَات بخفض عَارِية على الْوَصْف. وَقَالَ السُّهيْلي: الْأَحْسَن عِنْد سِيبَوَيْهٍ الْخَفْض على النَّعْت لِأَن: رب، عِنْده حرف جر يلْزم صدر الْكَلَام، وَيجوز الرّفْع كَمَا تَقول: رب رجل عَاقل على إِضْمَار مُبْتَدأ، وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع النَّعْت أَي: هِيَ عَارِية، وَالْفِعْل الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ: رب، مَحْذُوف. وَاخْتَارَ الْكسَائي أَن يكون رب أسما مُبْتَدأ، وَالْمَرْفُوع خَبَرهَا. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث أَن للرجل أَن يوقظ أَهله بِاللَّيْلِ للصَّلَاة وَلذكر الله تَعَالَى، لَا سِيمَا عِنْد آيَة تحدث أَو رُؤْيا مخوفة، وَجَوَاز قَول: سُبْحَانَ الله، عِنْد التَّعَجُّب واستحباب ذكر الله بعد الاستيقاظ وَغير ذَلِك.
٤١ - (بابُ السَّمَر فِي العِلْمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السمر فِي الْعلم، هَذِه رِوَايَة أبي ذَر بِإِضَافَة الْبَاب إِلَى السمر، وَفِي رِوَايَة غَيره بَاب السمر فِي الْعلم بتنوين الْبَاب، وَقطع الْإِضَافَة، وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، كَمَا ذكرنَا. والسمر، مُبْتَدأ: وَفِي الْعلم، فِي مَحل الصّفة، وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِيهِ السمر بِالْعلمِ أَي: بَيَان السمر بِالْعلمِ، و: السمر، بِفَتْح الْمِيم، هُوَ الحَدِيث بِاللَّيْلِ، وَيُقَال: السمر بِإِسْكَان الْمِيم، وَقَالَ عِيَاض: الأول هُوَ الرِّوَايَة. قَالَ ابْن سراج: الإسكان أولى، وَضَبطه بَعضهم بِهِ، وَأَصله لون الْقَمَر، لأَنهم كَانُوا يتحدثون إِلَيْهِ، وَمِنْه الأسمر لشبهه بذلك اللَّوْن. وَقَالَ غَيره: السمر، بِالْفَتْح: الحَدِيث بِاللَّيْلِ، وَأَصله لَا ُأكَلِّمهُ السمر وَالْقَمَر، أَي: اللَّيْل وَالنَّهَار. وَفِي (الْعباب) السمر المسامرة أَي: الحَدِيث بِاللَّيْلِ، وَقد سمر يسمر وَهُوَ سامر والسامر أَيْضا السمار وهم الْقَوْم يسمرون، كَمَا يُقَال للحجاج: حَاج كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {سامراً تهجرون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٦٧) أَي: سمارا يتحدثون، والسمر اللَّيْل والسمير الَّذِي يسامرك، وابنا سمير: اللَّيْل وَالنَّهَار لِأَنَّهُ يسمر فيهمَا، وَيُقَال: أَفعلهُ مَا سمر ابْنا سمير أَي: أبدا. وَيُقَال: السمر الدَّهْر، وابناه اللَّيْل وَالنَّهَار. وَلَا أَفعلهُ سمير اللَّيَالِي، وسجين اللَّيَالِي، أَي مَا دَامَ النَّاس يسمرون فِي لَيْلَة قَمْرَاء.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول الْعلم والعظة بِاللَّيْلِ، وَقد كَانَ التحدث بعد الْعشَاء مَنْهِيّا، وَهُوَ السمر. وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ السمر بِالْعلمِ، وَنبهَ بهما على أَن السمر الْمنْهِي عَنهُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يكون من الْخَيْر، وَأما السمر بِالْخَيرِ فَلَيْسَ بمنهي بل مَرْغُوب. فَافْهَم.
١١٦ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ غُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني اللَّيْثُ قَالَ: حدّثني عَبْدُ الرَّحْمن بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سالِمٍ وَأبي بَكْرِ بن سُلَيْمَانَ بنِ أبي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ قالَ: صلَّى بنَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ فَقَالَ: (أرأيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فإنَّ رَأْسَ مائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلى ظَهْرِ الأرْض أحَدٌ) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حدث الصَّحَابَة بِهَذَا الحَدِيث بعد صَلَاة الْعشَاء وَهُوَ سمر بِالْعلمِ.
بَيَان رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء، وَقد مر. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر أَبُو خَالِد، وَيُقَال: أَبُو الْوَلِيد الفهمي، مولى اللَّيْث بن سعد أَمِير مصر لهشام بن عبد الْملك. قَالَ ابْن سعد: كَانَت ولَايَته على مصر سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة، وَقَالَ يحيى بن معِين: كَانَ عِنْده من الزُّهْرِيّ كتاب فِيهِ مِائَتَا حَدِيث أَو ثَلَاثمِائَة، كَانَ اللَّيْث يحدث بهَا عَنهُ، وَكَانَ جده شهد فتح بَيت الْمُقَدّس مَعَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح. وَقَالَ ابْن يُونُس: كَانَ ثبتا فِي الحَدِيث، توفّي سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَقد تقدم. السَّادِس: أَبُو بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، واسْمه عبد الله بن حُذَيْفَة، وَقيل: عدي بن كَعْب بن حُذَيْفَة بن غَانِم بن عبد الله بن عويج
بن عدي بن كَعْب القريشي الْعَدوي. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أَبُو بكر هَذَا لَيْسَ لَهُ اسْم، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث خَاصَّة مَقْرُونا بسالم كَمَا ترى، وَمُسلم غير مقرون، وَكَانَ من عُلَمَاء قُرَيْش، روى عَن سعيد بن زيد وَأبي هُرَيْرَة أَيْضا، وروى عَنهُ الزُّهْرِيّ وَغَيره. أخرجُوا لَهُ خلا ابْن مَاجَه. وَقَالَ ابْن حبَان: ثِقَة، وَلَيْسَ لَهُ حَدِيث عِنْد مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا سواهُ. السَّابِع: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُمَا.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ أَرْبَعَة من التَّابِعين، وهم: عبد الرَّحْمَن وَابْن شهَاب وَسَالم وَأَبُو بكر. وَمِنْهَا: أَن أَبَا بكر لَيْسَ لَهُ حَدِيث عِنْد البُخَارِيّ غير هَذَا، وَمَعَ هَذَا روى لَهُ مَقْرُونا بسالم.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد الله عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم، وَعَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم وَأبي بكر بن أبي حثْمَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب، وَعَن أبي رَافع وَعبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر، قَالَ: وَرَوَاهُ اللَّيْث عَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد.
بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (حَدثنِي اللَّيْث قَالَ: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (حَدثنِي اللَّيْث حَدثهُ عبد الرَّحْمَن) أَي: أَنه حَدثهُ عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (صلى لنا، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) وَفِي رِوَايَة: (صلى بِنَا) وَمعنى اللَّام: صلى إِمَامًا لنا وإلَاّ فَالصَّلَاة لله لَا لَهُم. قَوْله: (الْعشَاء) أَي: صَلَاة الْعشَاء، وَهِي الصَّلَاة الَّتِي وَقتهَا بعد غرُوب الشَّفق، وَهُوَ بِكَسْر الْعين وبالمد، وَالْعشَاء بِالْفَتْح وبالمد: الطَّعَام. قَوْله: (فِي آخر حَيَاته) ، وَجَاء فِي رِوَايَة جَابر أَن ذَلِك كَانَ قبل مَوته، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، بِشَهْر. قَوْله: (قَامَ) جَوَاب: لما. قَوْله: (أَرَأَيْتكُم؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَفتح الرَّاء وبالخطاب للْجمع وَالْكَاف ضمير ثَان وَلَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب، والرؤية بِمَعْنى الإبصار، و (ليلتكم) بِالنّصب مَفْعُوله، وَلَيْسَت الرُّؤْيَة هَهُنَا بِمَعْنى الْعلم لِأَنَّهَا إِذا كَانَت بِمَعْنى الْعلم تَقْتَضِي مفعولين، وَلَيْسَ هَهُنَا إلَاّ مفعول وَاحِد وَهُوَ اللَّيْلَة كَمَا ذكرنَا، و: كم، لَا تصلح أَن تكون مَفْعُولا آخر حَتَّى تكون بِمَعْنى الْعلم لِأَنَّهُ حرف لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب كَمَا ذكرنَا، وَلَو كَانَ اسْما لوَجَبَ أَن يُقَال: أرأيتموكم لِأَن الْخطاب لجَماعَة، فَإِذا كَانَ لجَماعَة يجب أَن يكون بِالتَّاءِ وَالْمِيم كَمَا فِي علمتموكم، رِعَايَة للمطابقة. فَإِن قلت: فَهَذَا يلزمك أَيْضا فِي التَّاء، فَإِن التَّاء اسْم فَيَنْبَغِي أَن يكون: أرأيتموكم. قلت: لما كَانَ الْكَاف وَالْمِيم لمُجَرّد الْخطاب اختصرت عَن التَّاء وَالْمِيم بِالتَّاءِ وَحدهَا للْعلم بِأَنَّهُ جمع، تَقول: كم، وَالْفرق بَين حرف الْخطاب وَاسم الْخطاب أَن الِاسْم يَقع مُسْندًا وَمُسْندًا إِلَيْهِ، والحرف عَلامَة تسْتَعْمل مَعَ اسْتِقْلَال الْكَلَام واستغنائه عَنْهَا بِاعْتِبَار الْمسند والمسند إِلَيْهِ، فوزانها وزان التَّنْوِين وياء النِّسْبَة، وَأَيْضًا اسْم الْخطاب يدل على عين وَمعنى الْخطاب، وحرفه لَا يدل إلَاّ على الثَّانِي. وَقَالَ بَعضهم: الرُّؤْيَة بِمَعْنى الْعلم أَو الْبَصَر، وَالْمعْنَى: أعلمتم، أَو أبصرتم ليلتكم؟ قلت: قد بَينا أَنه لَا يَصح أَن تكون من الرُّؤْيَة بِمَعْنى الْعلم، وَهَذَا تصرف من لَا يَد لَهُ فِي الْعَرَبيَّة، وَيُقَال: أَرَأَيْتكُم كلمة تَقُولهَا الْعَرَب إِذا أَرَادَت الاستخبار، وَهُوَ بِفَتْح التَّاء للمذكر والمؤنث وَالْجمع والمفرد، تَقول: أرأيتَكَ، أرأيتَكِ، وأرأيتَكُما وأرأيتَكُم. وَالْمعْنَى: أخبر وأخبري وأخبراني وأخبروني، فَإِن أردْت معنى الرُّؤْيَة أنثت وجمعت. وَقَالَ بَعضهم: الْجَواب مَحْذُوف تَقْدِيره: قَالُوا نعم، قَالَ: فاضبطوه. قلت: كَأَن هَذَا الْقَائِل أَخذ كَلَامه من الزَّرْكَشِيّ فِي حَوَاشِيه، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره: أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه احفظوها، أَو احْفَظُوا تاريخها، فَإِن بعد انْقِضَاء مائَة سنة لَا يبْقى مِمَّن هُوَ على ظهر الأَرْض أحد، انْتهى، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن الْمَعْنى: أبصرتم ليلتكم هَذِه، وَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى جَوَاب لِأَن هَذَا لَيْسَ باستفهام حَقِيقِيّ. قَوْله: (فَإِن رَأس) وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فَإِن على رَأس مائَة) . فَإِن قلت: مَا اسْم إِن؟ قلت: فِيهِ ضمير الشَّأْن. وَقَوله: (لَا يبْقى) خَبَرهَا. قَوْله: (مِنْهَا) أَي: من تِلْكَ اللَّيْلَة، وَقد اسْتدلَّ بعض اللغويين بقوله: مِنْهَا، أَن: من، تكون لابتداء الْغَايَة فِي الزَّمَان: كمنذ، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين. وَقَالَ البصريون: لَا تدخل: من إلَاّ على الْمَكَان ومنذ، فِي الزَّمَان نظيرة: من، فِي الْمَكَان، وتأولوا مَا جَاءَ بِخِلَافِهِ، وَاحْتج من نصر قَول الْكُوفِيّين بقوله تَعَالَى: {من أول يَوْم} (التَّوْبَة: ١٠٨) وَبقول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: (وَلم يجلس عِنْدِي من يَوْم قيل فيَّ مَا قيل) . وَقَول أنس، رَضِي الله عَنهُ: (وَمَا زلت أحب الدُّبَّاء من يَوْمئِذٍ) . وَقَول بعض الصَّحَابَة: (مُطِرْنَا من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة) . وَأجَاب أَبُو عَليّ الْفَارِسِي عَن قَوْله: {من أول يَوْم} (التَّوْبَة: ١٠٨) بِأَن
التَّقْدِير، من تأسيس أول يَوْم، وَضَعفه بَعضهم بِأَن التأسيس لَيْسَ بمَكَان. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: التَّقْدِير من أول يَوْم من أَيَّام وجوده. قلت: هَذَا جنوح إِلَى مَذْهَب الْكُوفِيّين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد أَن كل من كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة على الأَرْض لَا يعِيش بعْدهَا أَكثر من مائَة سنة، سَوَاء قل عمره قبل ذَلِك أم لَا، وَلَيْسَ فِيهِ نفي عَيْش أحد بعد تِلْكَ اللَّيْلَة فَوق مائَة سنة. وَيُقَال: معنى الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعظهم بقصر أعمارهم بِخِلَاف غَيرهم من سالف الْأُمَم، وَقد احْتج البُخَارِيّ وَمن قَالَ بقوله على موت الْخضر، وَالْجُمْهُور على خِلَافه. وَمن قَالَ بِهِ أجَاب عَن الحَدِيث بِأَنَّهُ من سَاكِني الْبَحْر فَلَا يدْخل فِي الحَدِيث. وَمن قَالَ: إِن معنى الحَدِيث: لَا يبْقى مِمَّن تَرَوْنَهُ وتعرفونه، فَالْحَدِيث عَام أُرِيد بِهِ الْخُصُوص. وَقيل: أَرَادَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْأَرْضِ الْبَلدة الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَقد قَالَ تَعَالَى: {ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة} (النِّسَاء: ٩٧) يُرِيد الْمَدِينَة. وَقَوله: مِمَّن هُوَ على وَجه الأَرْض احْتِرَاز عَن الْمَلَائِكَة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا تَقول فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام؟ قلت: فَهُوَ لَيْسَ على وَجه الأَرْض بل فِي السَّمَاء، أَو هُوَ من النَّوَادِر. فَإِن قلت: فَمَا قَوْلك فِي إِبْلِيس؟ قلت: هُوَ لَيْسَ على ظهر الأَرْض بل فِي الْهَوَاء أَو فِي النَّار، أَو المُرَاد من لفظ من هُوَ الْإِنْس وَالله أعلم. قلت: هَذِه كلهَا تعسفات، وَلَا يرد على هَذَا لَا بِعِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَا بإبليس. فَإِن مُرَاده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِمَّن هُوَ على ظهر الأَرْض أمته، والقرائن تدل على ذَلِك، مِنْهَا قَوْله: (أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه؟) ، وكل من على وَجه الأَرْض من الْمُسلمين وَالْكفَّار أمته، أما الْمُسلمُونَ فَإِنَّهُم أمة إِجَابَة، وَأما الْكفَّار فَإِنَّهُم أمة دَعْوَة. وَعِيسَى وَالْخضر، عَلَيْهِمَا السَّلَام، ليسَا داخلين فِي الْأمة. وَأما الشَّيْطَان فَإِنَّهُ لَيْسَ من بني آدم. وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا أَرَادَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن هَذِه الْمدَّة تخترم الجيل الَّذِي هم فِيهِ، فوعظهم بقصر أعمارهم، وأعلمهم أَن أعمارهم لَيست كأعمار من تقدم من الْأُمَم ليجتهدوا فِي الْعِبَادَة. وَقد أخرج البُخَارِيّ، فِيمَا انْفَرد بِهِ عَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ: أَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يكره النّوم قبل الْعشَاء والْحَدِيث بعْدهَا، فَهَذَا يدل على الْمَنْع مُطلقًا، والْحَدِيث الْمُتَقَدّم يدل على جَوَاز السمر فِي الْعلم وَالْخَيْر، فنخص الْعُمُوم فِيمَا عداهما. وَأما مَا عدا ذَلِك فَذهب الْأَكْثَر إِلَى كَرَاهَته، مِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس، وَكتب عمر، رَضِي الله عَنهُ، أَن لَا ينَام قبل أَن يُصليهَا فَمن نَام فَلَا نَامَتْ عينه. وَهُوَ قَول عَطاء وَطَاوُس وَإِبْرَاهِيم، وَقَول مُجَاهِد وَمَالك والكوفيين وَالشَّافِعِيّ، وَرخّص طَائِفَة فِيهِ، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، أَنه كَانَ رُبمَا غفى قبل الْعشَاء، وَكَانَ ابْن عمر ينَام ويوكل من يوقظه، وَعَن أبي مُوسَى مثله، وَعَن عُرْوَة وَابْن سِيرِين أَنَّهُمَا كَانَا ينامان نومَة قبل الْعشَاء، وَاحْتج لَهُم بِأَن الْكَرَاهَة إِنَّمَا كرهت لمن خشِي عَلَيْهِ تفويتها، أَو تَفْوِيت الْجَمَاعَة فِيهَا. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف قَول مَالك، فَقَالَ مرّة: الصَّلَاة أحب إِلَيّ من مذاكرة الْفِقْه. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الْعِنَايَة بِالْعلمِ، إِذا صحت النِّيَّة، أفضل. وَقَالَ سَحْنُون: يلْتَزم أثقلهما عَلَيْهِ.
١١٧ - حدّثنا آدمُ قَالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدثنَا الحَكَمُ قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحارِثِ زَوْجِ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وكانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَها فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم العِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلهِ فَصَلَّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قالَ: (نامَ الغُلَيِّمُ؟) أوْ كَلِمَةُ تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أوْ خَطِيطَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نَام الغليم) ، قَالَه ابْن الْمُنِير، وَيُقَال: ارتقاب ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، لأحوال النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذْ لَا فرق بَين التَّعَلُّم من القَوْل والتعلم من الْفِعْل، فقد سمر ابْن عَبَّاس ليلته فِي طلب الْعلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الَّذِي فِيهِ من الدّلَالَة على التَّرْجَمَة هُوَ مَا يفهم من جعله على يَمِينه كَأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: قف على يَمِيني. فَقَالَ: وقفت. وَيجْعَل الْفِعْل بِمَنْزِلَة القَوْل، أَو أَن الْغَالِب أَن الْأَقَارِب إِذا اجْتَمعُوا لَا بُد أَن يجْرِي بَينهمَا حَدِيث للمؤانسة، وَحَدِيث النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كُله فَائِدَة وَعلم، ويعد من مكارمه أَن يدْخل بَيته بعد صَلَاة الْعشَاء بِأَصْحَابِهِ، ويجد ابْن عَبَّاس مبايتا لَهُ وَلَا يكلمهُ أصلا. وَاعْترض بَعضهم على هَذَا كُله، فَقَالَ: كل مَا ذَكرُوهُ معترض، لِأَن من يتَكَلَّم بِكَلِمَة وَاحِدَة لَا يُسمى سامرا، وصنيع ابْن عَبَّاس
يُسمى سهرا لَا سمرا إِذْ السمر لَا يكون إِلَّا بتحدث وأبعدها الْأَخير لِأَن مَا يَقع بعد الانتباه من النّوم لَا يُسمى سمرا، ثمَّ قَالَ: وَالْأولَى من هَذَا كُله أَن مُنَاسبَة التَّرْجَمَة مستفادة من لفظ آخر فِي هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه من طَرِيق أُخْرَى، وَهَذَا يصنعه المُصَنّف كثيرا، يُرِيد بِهِ تَنْبِيه النَّاظر فِي كِتَابه على الاعتناء بتتبع طرق الحَدِيث، وَالنَّظَر فِي مواقع أَلْفَاظ الروَاة، لِأَن تَفْسِير الحَدِيث بِالْحَدِيثِ أولى من الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ هُنَا مَا وَقع فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث مِمَّا يدل صَرِيحًا على حَقِيقَة السمر بعد الْعشَاء وَهُوَ مَا أخرجه فِي التَّفْسِير وَغَيره من طَرِيق كريب عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (بت فِي بَيت مَيْمُونَة، فَتحدث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَهله سَاعَة ثمَّ رقد) فَصحت التَّرْجَمَة بِحَمْد الله تَعَالَى من غير حَاجَة إِلَى تعسف وَلَا رجم بِالظَّنِّ انْتهى. قلت: اعْتِرَاض هَذَا الْمُعْتَرض كُله معترض، أما قَوْله: لِأَن من يتَكَلَّم بِكَلِمَة وَاحِدَة لَا يُسمى سامرا، فَغير صَحِيح، لِأَن حَقِيقَة السمر التحدث بِاللَّيْلِ، وَيُطلق ذَلِك على التحدث بِكَلِمَة، وَقد بَين ذَلِك ابْن الْمُنِير بقوله: إِن أصل السمر ثَبت بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَهِي قَوْله: (نَام الغليم) . وَالَّذِي قَالَه صَحِيح، لِأَن أحدا لم يشْتَرط أَن لَا يكون السمر إلَاّ بِكَلِمَات مُتعَدِّدَة، وَأهل اللُّغَة قاطبة لم يَقُولُوا إلَاّ أَن السمر هُوَ التحدث بِاللَّيْلِ، وَهُوَ يُطلق على الْقَلِيل وَالْكثير. وَأما قَوْله: وصنيع ابْن عَبَّاس يُسمى سهرا لَا سمرا، فَنَقُول: إِن السمر كَمَا يُطلق على القَوْل يُطلق على الْفِعْل يُقَال: سمر الْقَوْم الْخمر إِذا شَرِبُوهَا. قَالَ الْقطَامِي:
(ومصرَّعين من الكلال وَإِنَّمَا ... سمروا الغبوق من الطلاء المعرق)
وسامر الْإِبِل مَا رعى مِنْهَا بِاللَّيْلِ، يُقَال: إِن إبلنا تسمر أَي ترعى لَيْلًا. وَأما قَوْله: وأبعدها الْأَخير، فَهُوَ أبعد اعتراضاته، بل هُوَ الْأَقْرَب، لِأَن قَوْله: لِأَن مَا يَقع بعد الانتباه من النّوم لَا يُسمى سمرا، مُخَالف لما قَالَه أهل اللُّغَة، وَبَيَان قرب الْأَخير الَّذِي ادّعى أَنه أبعدها أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ وَقت جعله ابْن عَبَّاس عَن يَمِينه فِي مقَام التَّعْلِيم لَهُ، وَلَا شكّ أَنه لم يكتف وقتئذ بِمُجَرَّد الْفِعْل، بل علمه أَيْضا بالْقَوْل لزِيَادَة الْبَيَان، وَلَا سِيمَا كَانَ ابْن عَبَّاس حِينَئِذٍ صَغِيرا وَلم يكن عَالما بموقف الْمُقْتَدِي من الإِمَام. وَأما قَوْله: وَالْأولَى من هَذَا كُله أَن مُنَاسبَة التَّرْجَمَة إِلَى آخِره ... فَكَلَام لَيْسَ لَهُ تَوْجِيه أصلا، فضلا عَن أَن يكون أولى من غَيره، لِأَن من يعْقد بَابا بترجمة وَيَضَع فِيهِ حَدِيثا، وَكَانَ قد وضع هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه فِي بَاب آخر، وَلَكِن بطرِيق أُخْرَى وألفاظ مُتَغَايِرَة، هَل يُقَال مُنَاسبَة التَّرْجَمَة فِي هَذَا الْبَاب يُسْتَفَاد من ذَلِك الحَدِيث الْمَوْضُوع فِي الْبَاب الآخر؟ فَمَا أبعد هَذَا الْكَلَام وَأبْعد من هَذَا الْبعيد أَنه علل مَا قَالَ بقوله: لِأَن تَفْسِير الحَدِيث بِالْحَدِيثِ أولى من الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ فسبحان الله، هَؤُلَاءِ مَا فسروا الحَدِيث هَهُنَا، بل ذكرُوا مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة بالتقارب، وَمَا ذكره هُوَ الرَّجْم بِالظَّنِّ.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. ذكرُوا مَا عدا الحكم بَين عتيبة، وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف المفتوحتين. وعتيبة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره هَاء، ابْن النهاس. واسْمه عبد الْكِنْدِيّ، يُقَال: كنيته أَبُو عبد الله، وَقيل: أَبُو عمر الْكُوفِي مولى عدي بن عدي الْكِنْدِيّ، وَيُقَال: مولى امْرَأَة من كِنْدَة. قَالَ يحيى بن معِين وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَكَانَ فَقِيه الْكُوفَة مَعَ حَمَّاد. روى عَن ابْن أبي أوفى وَأبي جُحَيْفَة، وَعنهُ شُعْبَة وَغَيره، وَكَانَ عابدا قَانِتًا ثِقَة صَاحب سنة، مَاتَ سنة أَربع عشرَة، وَقيل: خمس عشرَة وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث وَالسَّمَاع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، وَالْحكم الْمَذْكُور من التَّابِعين الصغار.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن آدم، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة عَن الحكم عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن ابْن الْمثنى عَن ابْن أبي عدي عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن مُحَمَّد بن قيس الْأَسدي عَنهُ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن يزِيد عَن بهز بن أَسد عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي مَوَاضِع فِي كِتَابه عَن كريب وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح وَأبي جَمْرَة وطاووس وَغَيرهم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا.
بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (بت) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من البيتوتة، أَصله: بيتت، بِفَتْح الْبَاء وَالْيَاء فقلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، فَصَارَ: باتت، فَالتقى ساكنان فحذفت الْألف فَصَارَ: بتت، فأدغمت التَّاء فِي التَّاء، ثمَّ أبدلت كسرة من فَتْحة الْبَاء ليدل على الْيَاء المحذوفة، فَصَارَ: بت على وزن: قلت. وَهَذِه جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (مَيْمُونَة) عطف بَيَان من قَوْله: (خَالَتِي) . قَوْله: (بنت الْحَارِث) مجرور لِأَنَّهُ صفة مَيْمُونَة، وَهُوَ مجرور، وَلكنه غير منصرف للعلمية والتأنيث. قَوْله: (زوح النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) مجرور أَيْضا لِأَنَّهُ صفة بعد صفة. قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَقَوله: (عِنْدهَا) خبر: كَانَ. قَوْله: (فصلى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) الْفَاء، فِيهِ هِيَ الْفَاء الَّتِي تدخل بَين الْمُجْمل والمفصل، لِأَن التَّفْصِيل إِنَّمَا هُوَ عقيب الْإِجْمَال، لِأَن صَلَاة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ومجيئه إِلَى منزله كَانَت قبل كَونه عِنْد مَيْمُونَة، وَلم يَكُونَا بعد الْكَوْن عِنْدهَا. قَوْله: (الْعشَاء) بِالنّصب، وَفِيه حذف الْمُضَاف تَقْدِيره: صَلَاة الْعشَاء. قَوْله: (فصلى أَربع رَكْعَات) الْفَاء فِيهِ للتعقيب، ثمَّ عطف عَلَيْهِ بقوله: (ثمَّ نَام) بِكَلِمَة: ثمَّ، ليدل على أَن نَومه لم يكن عقيب الصَّلَاة على الْفَوْر. قَوْله: (أَو كلمة) مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف أَي: أَو قَالَ كلمة، فَإِن قلت: مقول القَوْل يجب أَن يكون كلَاما لَا كلمة. قلت: قد تطلق الْكَلِمَة على الْكَلَام مجَازًا نَحْو: كلمة الشَّهَادَة. قَوْله: (فَقُمْت) . عطف على قَوْله: (ثمَّ قَامَ) . قَوْله: (عَن يسَاره) بِفَتْح الْيَاء وَكسرهَا. وَقَالَ ابْن عَرَبِيّ: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة أَولهَا يَاء مَكْسُورَة. وَفِي (الْعباب) قَالَ ابْن دُرَيْد: الْيَد الْيَسَار ضد الْيَمين بِفَتْح الْيَاء وَكسرهَا، قَالَ: وَزَعَمُوا أَن الْكسر أفْصح. قَالَ: وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة الْيَسَار بِكَسْر الْيَاء شبهوها بالشمال، إِذْ لَيْسَ فِي كَلَامهم كلمة مَكْسُورَة الْيَاء إلَاّ: يسَار، وَقَالَ ابْن عباد: الْيَسَار، بِالتَّشْدِيدِ لُغَة فِي الْيَسَار. قَوْله: (حَتَّى سَمِعت) حَتَّى هَهُنَا للغاية تَقْدِيره: إِلَى أَن سَمِعت. قَوْله: (غَطِيطه) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الطَّاء على وزن: فعيل، هُوَ صَوت يُخرجهُ النَّائِم مَعَ نَفسه عِنْد استثقاله. وَفِي (الْعباب) غطيط النَّائِم والمخنوق: نخيرهما. قلت: هَذَا يرد تَفْسِير بَعضهم الغطيط: نفس النَّائِم، والنخير: أقوى مِنْهُ، فَإِنَّهُ جعل النخير غير الغطيط، وَصَاحب (الْعباب) جعله عينه:
إِذا قَالَت حذام فصدقوها
وَأَيْضًا: فَإِن الغطيط لَا بُد فِيهِ من الصَّوْت، وَمَا فسره بِهِ بَعضهم لَيْسَ فِيهِ صَوت، لِأَن مُجَرّد النَّفس لَا صَوت فِيهِ. قَوْله: (أَو خطيطه) بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَكسر الطَّاء، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ بِمَعْنى الغطيط. وَقَالَ ابْن بطال: لم أَجِدهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة عِنْد أهل اللُّغَة، وَتَبعهُ القَاضِي عِيَاض، فَقَالَ: هُوَ هُنَا وهم. قلت: الصَّوَاب مَعَ الدَّاودِيّ، فَإِن صَاحب (الْعباب) قَالَ: وَخط فِي نَومه خطيطا أَي: غط. وَفِي حَدِيث النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (إِنَّه أوتر بِسبع أَو تسع ثمَّ اضْطجع حَتَّى سمع خطيطه) . ويروى: (غَطِيطه) ، ويروى: (فخيخه) ، ويروى: (ضفيزه) ، ويروى: (صفيره) . وَمعنى الْخَمْسَة وَاحِد وَهُوَ: نخير النَّائِم. قلت: الضفيز، بالضاد وَالزَّاي المعجمتين وبالفاء والصفير: بالصَّاد وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، والفخيخ، بِالْفَاءِ والخاءين المعجمتين.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (فِي لَيْلَتهَا) أَي: المختصة بهَا بِحَسب قسم النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بَين الْأزْوَاج. قَوْله: (ثمَّ جَاءَ) أَي من الْمَسْجِد إِلَى منزله فِي تِلْكَ اللَّيْلَة المُرَاد بِهِ: بَيت مَيْمُونَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة، أم الْمُؤمنِينَ، تزَوجهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنة سِتّ أَو سبع من الْهِجْرَة، وَتوفيت سنة إِحْدَى وَخمسين، وَقيل: سنة سِتّ وَسِتِّينَ بسرف، فِي الْمَكَان الَّذِي تزَوجهَا فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالفاء. وَصلى عَلَيْهَا عبد الله بن عَبَّاس قيل: إِنَّهَا آخر أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذْ لم يتَزَوَّج بعْدهَا. وَهِي أُخْت لبَابَة، بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى، بنت الْحَارِث زَوْجَة الْعَبَّاس وَأم أَوْلَاده عبد الله وَالْفضل وَغَيرهمَا، وَهِي أول امْرَأَة أسلمت بعد خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَكَانَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، يزورها، وَهِي لبَابَة الْكُبْرَى وَأُخْتهَا لبَابَة الصُّغْرَى أم خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (نَام الغليم) يتَحَمَّل الْإِخْبَار لميمونة، وَيحْتَمل الِاسْتِفْهَام عَن مَيْمُونَة، وَحذف الْهمزَة بِقَرِينَة الْمقَام، وَهَذَا أظهر. و (الغليم) بِضَم الْغَيْن وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء، تَصْغِير غُلَام، من بَاب تَصْغِير الشَّفَقَة، نَحْو: يَا بني، وَأَرَادَ بِهِ عبد الله بن عَبَّاس، وَرُوِيَ: يَا أم الغليم، بالنداء وَالْأول هُوَ الصَّوَاب، وَلم تثبت بِالثَّانِي الرِّوَايَة. قَوْله: (أَو كلمة) شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: شكّ من ابْن عَبَّاس. قلت: لَا يلْزم التَّعْيِين لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون من أحد مِمَّن دونه، أَي أَو قَالَ كلمة تشبه قَوْله: نَام الغليم، وَالثَّانيَِة بِاعْتِبَار الْكَلِمَة أَو بِاعْتِبَار كَونهَا جملَة، وَفِي رِوَايَة: (نَام الْغُلَام) . قَوْله: (فصلى أَربع رَكْعَات) ، الْجُمْلَة فِي هَذِه الطَّرِيق أَنه صلى إِحْدَى عشرَة رَكْعَة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
(تَنْبِيهٌ): قَدَّمَ حَدِيثَ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَتَبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَطْرُقُهُ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا كَتَبَ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، وَثَنَّى بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ الْأَمْرُ بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ بَعْدَ النَّهْيِ فَيَكُونُ نَاسِخًا، وَثَلَّثَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَدْ بَيَّنْتُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ إِذْنَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ أَقْوَى فِي الِاسْتِدْلَالِ لِلْجَوَازِ مِنَ الْأَمْرِ أَنْ يَكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِمَنْ يَكُونُ أُمِّيًّا أَوْ أَعْمَى، وَخَتَمَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ هَمَّ أَنْ يَكْتُبَ لِأُمَّتِهِ كِتَابًا يَحْصُلُ مَعَهُ الْأَمْنُ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَهُوَ لَا يَهُمُّ إِلَّا بِحَقٍّ.
٤٠ - بَاب الْعِلْمِ وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ
١١٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنْ الْخَزَائِنِ. أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ.
[الحديث ١١٥ - أطرافه في: ٧٠٦٩، ٦٢١٨، ٥٨٤٤، ٣٥٩٩، ١١٢٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْعِلْمِ) أَيْ: تَعْلِيمِ الْعِلْمِ بِاللَّيْلِ، وَالْعِظَةُ تَقَدَّمَ أَنَّهَا الْوَعْظُ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحَدِيثِ بَعْدَ الْعِشَاءِ مَخْصُوصٌ بِمَا لَا يَكُونُ فِي الْخَيْرِ.
قَوْلُهُ: (صَدَقَةُ) هُوَ ابْنُ الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِنْدٍ) هِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَدَلُهَا عَنِ امْرَأَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَمْرٌو) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَهُمْ عَنْ مَعْمَرٍ ثُمَّ قَالَ: وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى مَعْمَرٍ، وَعَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ يَكُونُ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِحَذْفِ صِيغَةِ الْأَدَاءِ وَقَدْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ عَنِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ هُوَ الْقَطَّانُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَلَا لَقِيَهُ. وَوَقَعَ فِي غَيْرِ رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ امْرَأَةٍ بَدَلَ قَوْلِهِ: عَنْ هِنْدٍ فِي الْإِسْنَادِ الثَّانِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ رُبَّمَا أَبْهَمَهَا وَرُبَّمَا سَمَّاهَا. وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ هِنْدًا وَلَا أُمَّ سَلَمَةَ.
قَوْلُهُ: (سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالتَّعْظِيمِ، وَعَبَّرَ عَنِ الرَّحْمَةِ بِالْخَزَائِنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ وَعَنِ الْعَذَابِ بِالْفِتَنِ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَابُهُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً.
قَوْلُهُ: (أُنْزِلَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْزَلَ اللَّهُ بِإِظْهَارِ الْفَاعِلِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِنْزَالِ إِعْلَامُ الْمَلَائِكَةِ بِالْأَمْرِ الْمَقْدُورِ، أَوْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي نَوْمِهِ ذَاكَ بِمَا سَيَقَعُ بَعْدَهُ مِنَ الْفِتَنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْإِنْزَالِ.
قَوْلُهُ: (وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ تَأْكِيدًا ; لِأَنَّ مَا يُفْتَحُ مِنَ الْخَزَائِنِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَزَائِنِ خَزَائِنُ فَارِسَ وَالرُّومِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا فُتِحَ عَلَى الصَّحَابَةِ ; لَكِنَّ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْخَزَائِنِ وَالْفِتَنِ أَوْضَحُ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَلَازِمَيْنِ، وَكَمْ مِنْ نَائِلٍ مِنْ تِلْكَ الْخَزَائِنِ سَالِمٌ مِنَ الْفِتَنِ.
قَوْلُهُ: (صَوَاحِبَاتُ الْحُجَرِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ حُجْرَةٍ وَهِيَ مَنَازِلُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا خَصَّهُنَّ بِالْإِيقَاظِ؛ لِأَنَّهُنَّ الْحَاضِرَاتُ حِينَئِذٍ، أَوْ مِنْ بَابِ ابْدَأْ بِنَفْسِكِ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ.
قَوْلُهُ: (فَرُبَّ كَاسِيَةٍ) اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ مَالِكٍ عَلَى أَنَّ رُبَّ فِي الْغَالِبِ لِلتَّكْثِيرِ ; لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لِلنِّسَاءِ، وَهُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١١٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين، وانفرد المؤلِّف به عن السِّتَّة (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العين بينهما، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ هِنْدٍ) بنت الحارث الفِراسيَّة؛ بكسر الفاء وبالسِّين المُهمَلَة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عنِ امرأةٍ» بدلها (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هندٍ، وقِيلَ: رملة، أمِّ المؤمنين بنت سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (١) بن مخزومٍ، وورثت (٢) عنِ النَّبيِّ ﷺ علمًا كثيرًا، لها في «البخاريِّ» أربعة أحاديث، وتُوفِّيت سنة تسعٍ وخمسين ﵂ (وَعَمْرٌٍو) بالرَّفع على الاستئناف، والمعنى: أنَّ ابن عُيَيْنَةَ حدَّث عن معمرٍ عن الزُّهريِّ، ثمَّ قال: «وعمرٌو»، وكأنَّه حدَّث بحذف صيغة الأداء، كما هي عادته، ويجوز الجرُّ في «عمرٍو» عطفًا على «معمرٍ» وهو الذي في الفرع كأصله مُصحَّحًا عليه، قال القاضي عياضٌ: والقائل: «وعمرٍو» هو ابن عُيَينة. و «عمرٌو» هذا هو ابن دينار (وَيَحْيَى بْنُِ سَعِيدٍ) هو الأنصاريُّ لا القطَّان؛ إذ هو لم يلقَ الزُّهريَّ حتَّى يكون سمع منه (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ) وفي رواية الأربعة «عط ٥ ص س ط» (٣): «عنِ امرأةٍ» بدل قوله في هذا الإسناد الثَّاني: «عن هندٍ»، وفي هامش فرع «اليونينيَّة»: «لَهي» ووقع عند الحَمُّويي والمُستملي في الطَّريق الثَّاني: «عن هندٍ عن أمِّ سلمة» كما في الحديث قبله، ولغيرهما: «عنِ امرأةٍ» قال: وفي نسخةٍ صحيحةٍ مرقوم على قوله: «عنِ امرأةٍ» علامة أبي الهيثم والأَصيليِّ وابن عساكر وابن السَّمعاني في أصل سماعه عن (٤) أبي الوقت
في خانقاه السُّمَيْسَاطيِّ. انتهى. والحاصل: أنَّ الزُّهريَّ ربَّما أبهمها وربُّما سمَّاها (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ) أي: تيقَّظ، والسِّين هنا ليس (١) للطَّلب، أي: انتبَهَ (النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «رسول الله» (ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: في ليلةٍ، ولفظ «ذاتَ» زِيدَت للتَّأكيد، وقال جار الله: هو من إضافة المُسمَّى إلى اسمه، وكان ﵊ في بيت أُمِّ سلمة لأنَّها كانت ليلتها (فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا) استفهامٌ متضمِّنٌ معنى التَّعجُّب لأنَّ «سبحان» تُستعمَل له (أُنْزِلَ) بضمِّ الهمزة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أَنْزَلَ الله» (اللَّيْلَةَ) بالنَّصب ظرفًا لـ «أُنزِل» (مِنَ الفِتَنِ؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ؟) عبَّر عنِ العذاب بـ «الفتن» لأنَّها أسبابه، وعن الرَّحمة بـ «الخزائن» لقوله تعالى: ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [ص: ٩] واستعمل المجاز في الإنزال، والمُرَاد به: إعلام الملائكة بالأمر المقدور (٢)، وكأنَّه ﷺ رأى في المنام أنَّه سيقع بعده فتنٌ، وتُفتَح لهمُ الخزائن، أو أوحى الله تعالى (٣) إليه ذلك قبل النَّوم، فعبَّر عنه بـ «الإنزال»، وهو من المعجزات، فقد فُتِحت خزائن فارسَ والرُّوم وغيرهما، كما أخبر ﵊ (أَيْقِظُوا) بفتح الهمزة، أي: نبِّهوا (صَوَاحِب) وفي روايةٍ: «صواحبات» (الحُجَرِ) بضمِّ الحاء وفتح الجيم، جمع حُجْرَةٍ؛ وهي منازل أزواجه ﵅ (٤)، وخصَّهنَّ لأنَّهنَّ الحاضرات حينئذٍ (فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا) أثوابًا رقيقةً لا تمنع إدراك البشرة، أو نفيسةً (عَارِيَةٍ) بتخفيف الياء والجرِّ، والرَّفع: للأَصيليِّ، أي مُعَاقَبَةٍ (فِي الآخِرَةِ) بفضيحة
التَّعرِّي، أو عاريةٍ من الحسنات في الآخرة، فندبهنَّ بذلك إلى الصَّدقة وترك السَّرف، ويجوز في «عاريةٍ» الجرُّ على النَّعت؛ لأنَّ «رُبَّ» عند سيبويه حرف جرٍّ يلزم صدر الكلام، والرَّفع بتقدير هي، والفعل الذي يتعلَّق به «رُبَّ» محذوفٌ، واختار الكسائيُّ أن يكون (١) «رُبَّ» اسمًا مُبتدَأً، والمرفوع خبرها، وهي هنا للتَّكثير، وفعلها الذي تتعلَّق به ينبغي أن يكون محذوفًا غالبًا، والتَّقدير: رُبَّ كاسيةٍ عاريةٍ عرفتها.
والحديث يأتي في «الفتن» [خ¦٧٠٦٩] إن شاء الله تعالى.
(٤١) هذا (بابُ السَّمَرِ) بفتح السِّين والميم؛ وهو الحديث في اللَّيل (فِي العِلْمِ) وللأربعة: «بالعلم» وفي «اليونينيَّة»: «في العلم» مضبَّب (٢) عليه، ومكتوبٌ على الهامش: «بالعلم» مُصحَّحٌ عليه، ولغير أبي ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «بابٌ» بالتَّنوين مقطوعًا عن الإضافة، أي: هذا بابٌ في (٣) بيان السَّمر بالعلم.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
(الْأَنْعَام: ٣٨) وَقَوله تَعَالَى: {تبيانا لكل شَيْء} (النَّحْل: ٨٩) وَلِهَذَا قَالَ عمر: رَضِي الله عَنهُ: حَسبنَا كتاب الله. وَظهر لطائفة أُخْرَى أَن الأولى أَن يكْتب، لما فِيهِ من امْتِثَال أمره وَمَا يتضمنه من زِيَادَة الْإِيضَاح، وَدلّ أمره لَهُم بِالْقيامِ على أَن أمره الأول كَانَ على الِاخْتِيَار، وَلِهَذَا عَاشَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة والسلامغ، بعد ذَلِك أَيَّامًا وَلم يعاود أَمرهم بذلك. وَلَو كَانَ وَاجِبا لم يتْركهُ لاختلافهم، لِأَنَّهُ لم يتْرك التَّكْلِيف لمُخَالفَة من خَالف. وَالله أعلم.
قَوْله: (عِنْدِي) . وَفِي بعض النّسخ: (عني) أَي: عَن جهتي. قَوْله: (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُع) فِيهِ إِشْعَار بِأَن الأولى كَانَ الْمُبَادرَة إِلَى امْتِثَال الْأَمر، وَإِن كَانَ مَا اخْتَارَهُ عمر، رَضِي الله عَنهُ، صَوَابا. قَوْله: (فَخرج ابْن عَبَّاس يَقُول) ظَاهره أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنهُ، كَانَ مَعَهم، وَأَنه فِي تِلْكَ الْحَالة خرج قَائِلا هَذِه الْمقَالة، وَلَيْسَ الْأَمر فِي الْوَاقِع على مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الظَّاهِر، بل قَول ابْن عَبَّاس إِنَّمَا كَانَ يَقُول عِنْد مَا يتحدث بِهَذَا الحَدِيث، فَفِي رِوَايَة معمر فِي البُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام وَغَيره، قَالَ عبيد الله: فَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول، وَكَذَا لِأَحْمَد من طَرِيق جرير بن حَازِم عَن يُونُس بن يزِيد، وَوجه رِوَايَة حَدِيث الْبَاب أَن ابْن عَبَّاس لما حدث عبيد الله بِهَذَا الحَدِيث، خرج من الْمَكَان الَّذِي كَانَ بِهِ، وَهُوَ يَقُول ذَلِك، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) ، قَالَ عبيد الله: فَسمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول ... الخ، وَإِنَّمَا تعين حمله على غير ظَاهره لِأَنَّهُ عبيد الله تَابِعِيّ من الطَّبَقَة الثَّانِيَة لم يدْرك الْقِصَّة فِي وَقتهَا، لِأَنَّهُ ولد بعد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِمدَّة طَوِيلَة، ثمَّ سَمعهَا من ابْن عَبَّاس بعد ذَلِك بِمدَّة أُخْرَى.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بطلَان مَا يَدعِيهِ الشِّيعَة من وصاية رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِالْإِمَامَةِ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ عِنْد عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، عهد من رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لأحال عَلَيْهَا. الثَّانِي: فِيهِ مَا يدل على فَضِيلَة عمر، رَضِي الله عَنهُ، وفقهه. الثَّالِث: فِي قَوْله: (ائْتُونِي بِكِتَاب أكتب لكم) دلَالَة على أَن للْإِمَام أَن يُوصي عِنْد مَوته بِمَا يرَاهُ نظرا للْأمة. الرَّابِع: فِي ترك الْكتاب إِبَاحَة الِاجْتِهَاد، لِأَنَّهُ وَكلهمْ إِلَى أنفسهم واجتهادهم. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز الْكِتَابَة، وَالْبَاب مَعْقُود عَلَيْهِ.
٤٠ - (بابُ العِلْمِ والعِظَةِ باللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْعلم، والعظة أَي: الْوَعْظ بِاللَّيْلِ، وَفِي بعض النّسخ: واليقظة، وَهَذَا أنسب للتَّرْجَمَة، وَفِي بعض النّسخ هَذَا الْبَاب مُتَأَخّر عَن الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول كِتَابَة الْعلم الدَّالَّة على الضَّبْط وَالِاجْتِهَاد، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ تَعْلِيم الْعلم وَالْمَوْعِظَة بِاللَّيْلِ، الدَّال كل مِنْهُمَا على قُوَّة الِاجْتِهَاد وَشدَّة التَّحْصِيل.
١١٥ - حدّثنا صَدَقَةُ قَالَ: أخبرنَا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِنْدٍ عنْ أمِّ سَلَمَة وعَمْرٍ وويَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ هِنْدٍ عنْ أمِّ سَلَمَةَ قَالَت: اسْتَيْقَظَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: (سُبْحانَ اللَّهِ {ماذَا أنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتن} وماذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِن {أَيْقَظُوا صَوَاحِبَ الحُجَرِ، فَرُبَّ كاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ) ..
الْبَاب لَهُ ترجمتان: الْعلم والعظة، أَو الْيَقَظَة بِاللَّيْلِ، فمطابقتة الحَدِيث للتَّرْجَمَة الأولى فِي قَوْله: (مَا أنزل اللَّيْلَة من الْفِتَن} وماذا فتح من الخزائن!) . وَقَوله: (فَرب كاسية فِي الدُّنْيَا عَارِية فِي الْآخِرَة) . ومطابقته للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة فِي قَوْله: (أيقظوا صَوَاحِب الْحجر) .
بَيَان رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة: الأول: صَدَقَة بن فضل الْمروزِي، أَبُو الْفضل، انْفَرد بِالْإِخْرَاجِ عَنهُ البُخَارِيّ عَن السِّتَّة، وَكَانَ حَافِظًا إِمَامًا، مَاتَ سنة ثَلَاث، وَقيل: سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: معمر بن رَاشد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عمر بن دِينَار. السَّادِس: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. وَأَخْطَأ من قَالَ: إِنَّه يحيى بن سعيد الْقطَّان. لِأَنَّهُ لم يسمع من الزُّهْرِيّ وَلَا لقِيه. السَّابِع: هِنْد بنت الْحَارِث الفراسية، وَيُقَال: القرشية، وَعند الدَّاودِيّ: الْقَادِسِيَّة، وَلَا وَجه لَهُ. كَانَت زَوْجَة لمعبد بن الْمِقْدَاد، وَفِي (التَّهْذِيب) أسقط معبدًا وَهُوَ وهم، روى لَهَا الْجَمَاعَة إلَاّ مُسلما. الثَّامِن: أم سَلمَة، هِنْد. وَقيل: رَملَة، زوج النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بنت أبي أُميَّة حُذَيْفَة. وَيُقَال: سهل بن الْمُغيرَة
بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم، كَانَت عِنْد أبي سَلمَة فَتوفي عَنْهَا، فَتَزَوجهَا النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رُوِيَ لَهَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثمِائَة وَثَمَانِية وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على ثَلَاثَة عشر حَدِيثا. هَاجَرت إِلَى الْحَبَشَة وَإِلَى الْمَدِينَة. وَقَالَ ابْن سعد: هَاجر بهَا أَبُو سَلمَة إِلَى الْحَبَشَة فِي الهجرتين جَمِيعًا. فَولدت لَهُ هُنَاكَ زَيْنَب، ثمَّ ولدت بعْدهَا سَلمَة وَعمر ودرة. تزَوجهَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي شَوَّال سنة أَربع، وَتوفيت سنة تسع وَخمسين، وَقيل: فِي خلَافَة يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَولي يزِيد فِي رَجَب سنة سِتِّينَ وَتُوفِّي فِي ربيع سنة أَربع وَسِتِّينَ وَكَانَ لَهَا حِين توفيت أَربع وَثَمَانُونَ سنة، فصلى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، فِي الْأَصَح، وَاتَّفَقُوا أَنَّهَا دفنت بِالبَقِيعِ، روى لَهَا الْجَمَاعَة.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة صحابية عَن صحابية على قَول من قَالَ: إِن هندا صحابية إِن صَحَّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الأقران فِي موضِعين: أَحدهمَا ابْن عُيَيْنَة عَن معمر، وَالثَّانِي: عَمْرو وَيحيى عَن الزُّهْرِيّ.
بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات: قَوْله: (عَن هِنْد) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عَن امْرَأَة) . وَقَوله: عَن امْرَأَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: عَن هِنْد، وَالْحَاصِل أَن الزُّهْرِيّ رُبمَا كَانَ سَمَّاهَا باسمها، رُبمَا أبهمها. قَوْله: (وَعَمْرو) بِالْجَرِّ عطف على معمر، يَعْنِي: ابْن عُيَيْنَة، يروي عَن معمر بن رَاشد وَعَن عَمْرو بن دِينَار وَعَن يحيى بن سعيد، ثَلَاثَتهمْ يروون عَن الزُّهْرِيّ، وَقد روى الْحميدِي هَذَا الحَدِيث فِي (مُسْنده) عَن ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: حَدثنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: حَدثنَا عَمْرو وَيحيى بن سعيد عَن الزُّهْرِيّ، فَصرحَ بِالتَّحْدِيثِ عَن الثَّلَاثَة، وَيجوز وَعَمْرو بِالرَّفْع، وَرُوِيَ بِهِ، وَوَجهه أَن يكون استئنافا. وَقد جرت عَادَة ابْن عُيَيْنَة يحدث بِحَذْف صِيغَة الْأَدَاء. قَوْله: (وَيحيى) عطف على عَمْرو فِي الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي السَّنَد الأول مُتَّصِلا، فَذكر فِيهِ هندا، وَفِي السَّنَد الثَّانِي عَن امْرَأَة لم يسمهَا، وَقد سَمَّاهَا فِي بَقِيَّة الْأَبْوَاب، والاعتماد فِيهِ على الْمُتَّصِل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون أَي الْإِسْنَاد الثَّانِي تَعْلِيقا من البُخَارِيّ عَن عَمْرو، ثمَّ قَالَ: وَالظَّاهِر الْأَصَح هُوَ الأول أَي الْإِسْنَاد الأول قلت: كِلَاهُمَا صَحِيحَانِ متصلان كَمَا ذكرنَا.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صَلَاة اللَّيْل عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر، وَفِي اللبَاس عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن هِشَام بن يُوسُف عَن معمر، وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة فِي موضِعين من (كتاب الْأَدَب) عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب وَفِي الْفِتَن عَن إِسْمَاعِيل عَن إخيه عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق، كلهم عَن الزُّهْرِيّ عَن هِنْد بِهِ. قَالَ الْحميدِي: هَذَا الحَدِيث مِمَّا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ، وَقَالَ: صَحِيح، وَأخرجه مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن شهَاب مُرْسلا.
بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (اسْتَيْقَظَ) بِمَعْنى تيقظ. وَلَيْسَ السِّين فِيهِ للطلب، كَمَا فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من مَنَامه) . وَمَعْنَاهُ انتبه من النّوم، وَهُوَ فعل، وفاعله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ذَات لَيْلَة) أَي: فِي لَيْلَة، وَلَفْظَة: ذَات، مقحمة للتَّأْكِيد. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أما قَوْلهم: ذَات مرّة، و: ذُو صباح، فَهُوَ من ظروف الزَّمَان الَّتِي لَا تتمكن تَقول: لَقيته ذَات يَوْم وَذَات لَيْلَة. قلت: إِنَّمَا لم يتَصَرَّف: ذَات مرّة. وَذَات يَوْم، و: ذُو صباح، و: ذُو مسَاء، لأمرين: أَحدهمَا: أَن إضافتها من قبيل إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى الِاسْم، لِأَن قَوْلك: لقيتك ذَات مرّة وَذَات يَوْم، قِطْعَة من الزَّمَان ذَات مرّة وَذَات يَوْم، أَي: صَاحِبَة هَذَا الِاسْم، وَكَذَا: ذُو صباح وَذُو مسَاء. أَي: وَقت ذُو صباح أَي صَاحب هَذَا الِاسْم، فحذفت الظروف وأقيمت صفاتها مقَامهَا فأعربت بإعرابها، وَإِضَافَة الْمُسَمّى للإسم قَليلَة لِأَنَّهَا تفيده بِدُونِ الْمُضَاف مَا تفِيد مَعَه. الثَّانِي: أَن ذَات وَذُو من ذَات مرّة وَأَخَوَاتهَا لَيْسَ لَهما تمكن من ظروف الزَّمَان لِأَنَّهُمَا ليسَا من أَسمَاء الزَّمَان. وَزعم السُّهيْلي أَن ذَات مرّة وَذَات يَوْم لَا يتصرفان فِي لُغَة خثعم وَلَا غَيرهَا. قَوْله: (فَقَالَ) عطف على: اسْتَيْقَظَ. قَوْله: (سُبْحَانَ الله) مقول القَوْل، وَسُبْحَان، علم للتسبيح: كعثمان، علم للرجل، وانتصابه على المصدرية، وَالتَّسْبِيح فِي اللُّغَة التَّنْزِيه، وَالْمعْنَى هُنَا: أنزه الله تَنْزِيها عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ، واستعماله هُنَا للتعجب، لِأَن الْعَرَب قد تستعمله فِي مقَام التَّعَجُّب. قَوْله: (مَاذَا) فِيهِ أوجه: الأول: أَن يكون مَا، استفهاما، و: ذَا، إِشَارَة، نَحْو: مَاذَا الْوُقُوف؟ ، الثَّانِي: أَن تكون مَا، استفهاما، وَذَا، مَوْصُولَة بِمَعْنى: الَّذِي. الثَّالِث: أَن تكون: مَاذَا كلمة اسْتِفْهَام على التَّرْكِيب، كَقَوْلِك: لماذا جِئْت؟ الرَّابِع: أَن تكون: مَا، نكرَة مَوْصُوفَة بِمَعْنى شَيْء. الْخَامِس: أَن تكون: مَا، زَائِدَة، و: ذَا للْإِشَارَة. السَّادِس: أَن تكون: مَا، استفهاما
وَذَا، زَائِدَة أجَازه جمَاعَة مِنْهُم ابْن مَالك. قَوْله: (أنزل) على صِيغَة الْمَجْهُول. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أنزل الله) ، والإنزال فِي اللُّغَة إِمَّا بِمَعْنى الإيواء كَمَا يُقَال: أنزل الْجَيْش بِالْبَلَدِ، وَنزل الْأَمِير بِالْقصرِ، وَإِمَّا بِمَعْنى تَحْرِيك الشَّيْء من علو إِلَى سفل، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وأنزلنا من السَّمَاء مَاء} (الْمُؤْمِنُونَ: ١٨، الْفرْقَان: ٤٨، لُقْمَان: ١٠) وَهَذَانِ المعنيان لَا يتحققان فِي: أنزل الله، فَهُوَ مُسْتَعْمل فِي معنى مجازي بِمَعْنى: أعلم الله الْمَلَائِكَة بِالْأَمر الْمُقدر، وَكَذَلِكَ الْمَعْنى فِي أنزل الله الْقُرْآن، فَمن قَالَ: إِن الْقُرْآن معنى قَائِم بِذَات الله تَعَالَى، فإنزاله أَن يُوجد الْكَلِمَات والحروف الدَّالَّة على ذَلِك الْمَعْنى، ويثبتها فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. وَمن قَالَ: الْقُرْآن هُوَ الْأَلْفَاظ، فإنزاله مُجَرّد إثْبَاته فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، لِأَن الْإِنْزَال إِنَّمَا يكون بعد الْوُجُود، وَالْمرَاد بإنزال الْكتب السماوية أَن يتلقاها الْملك من الله تلقيا روحانيا أَو يحفظها من اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَينزل بهَا فيلقيها على الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَكَأن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أُوحِي إِلَيْهِ فِي يَوْمه ذَلِك بِمَا سيقع بعده من الْفِتَن، فَعبر عَنهُ بالإنزال. قَوْله: (اللَّيْلَة) بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (وَمَا فتح من الخزائن) الْكَلَام فِيهِ من جِهَة الْإِعْرَاب مثل الْكَلَام فِيمَا أنزل، وَعبر عَن الرَّحْمَة بالخزائن، كَقَوْلِه: (خَزَائِن رَحْمَة رَبِّي) ، وَعَن الْعَذَاب بالفتن لِأَنَّهَا أَسبَاب مؤدية إِلَى الْعقَاب. وَقَالَ الْمُهلب: فِيهِ دَلِيل على أَن الْفِتَن تكون فِي المَال وَفِي غَيره لقَوْله: (مَاذَا أنزل من الْفِتَن {وماذا فتح من الخزائن} ) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَوْله: (مَاذَا أنزل اللَّيْلَة من الْفِتَن) وَهُوَ مَا فتح من الخزائن. قَالَ: وَقد يعْطف الشَّيْء على نَفسه تَأْكِيدًا، لِأَن مَا يفتح من الخزائن يكون سَببا للفتنة، وَاحْتج الأول بقول حُذَيْفَة، رَضِي الله عَنهُ: فتْنَة الرجل فِي أَهله وَمَاله يكفرهَا الصَّلَاة وَالصَّدَََقَة. قلت: الْمَعْنى أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رأى فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الْمَنَام، وَفِيه أَنه سيقع بعده فتن. وَأَنه يفتح لأمته الخزائن. وَعرف عِنْد الاستيقاظ حَقِيقَته إِمَّا بالتعبير أَو بِالْوَحْي إِلَيْهِ فِي الْيَقَظَة قبل النّوم أَو بعده. وَقد وَقعت الْفِتَن كَمَا هُوَ الْمَشْهُور، وَفتحت الخزائن حَيْثُ تسلطت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، على فَارس وَالروم وَغَيرهمَا، وَهَذَا من المعجزات حَيْثُ أخبر بِأَمْر قبل وُقُوعه فَوَقع مثل مَا أخبر. قَوْله: (أيقظوا) بِفَتْح الْهمزَة لِأَنَّهُ أَمر من الإيقاظ بِكَسْر الْهمزَة. قَوْله: (صَوَاحِب الْحجر) كَلَام إضافي مَفْعُوله، وَأَرَادَ بهَا زَوْجَاته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ جمع: صَاحِبَة. وَالْحجر، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم: جمع حجرَة، وَأَرَادَ بهَا منَازِل زَوْجَاته، وَإِنَّمَا خصهن بالإيقاظ لِأَنَّهُنَّ الحاضرات حِينَئِذٍ أخْبرت بذلك أم سَلمَة، رَضِي الله عَنْهَا. كَانَت تِلْكَ اللَّيْلَة لَيْلَتهَا وَهُوَ الظَّاهِر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يجوز أيقظوا، بِكَسْر الْهمزَة أَي: انتبهوا أَو الصواحب منادى لَو صحت الرِّوَايَة بِهِ. قلت: هَذَا مَمْنُوع من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: من جِهَة الرِّوَايَة حَيْثُ لم يَرْوُونَهُ هَكَذَا. وَالْآخر: من جِهَة اللَّفْظ، وَهُوَ أَنه لَو كَانَ كَذَلِك كَانَ يُقَال: أيقظن، لِأَن الْخطاب للنِّسَاء. قَوْله: (فَرب كاسية) أصل: رب، للتقليل، وَقد تسْتَعْمل للتكثير كَمَا فِي رب هَهُنَا، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَنه لَيْسَ مَعْنَاهُ التقليل دَائِما خلافًا للأكثرين، وَلَا التكثير دَائِما خلافًا لِابْنِ درسْتوَيْه وَجَمَاعَة، بل ترد للتكثير كثيرا، وللتقليل قَلِيلا. فَمن الأول: {رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين} (الْحجر: ٢) (وَرب كاسية فِي الدُّنْيَا عَارِية يَوْم الْقِيَامَة) . وَمن الثَّانِي: قَول الشَّاعِر:
(أَلا رب مَوْلُود وَلَيْسَ لَهُ أَب)
وفيهَا لُغَات قد ذَكرنَاهَا مرّة، وفعلها الَّذِي تتَعَلَّق هِيَ بِهِ يَنْبَغِي أَن يكون مَاضِيا ويحذف غَالِبا. وَالتَّقْدِير: رب كاسية عَارِية عرفتها، وَالْمرَاد: إِمَّا اللَّاتِي تلبس رَقِيق الثِّيَاب الَّتِي لَا تمنع من إِدْرَاك الْبشرَة معاقبات فِي الْآخِرَة بفضيحة التعري، وَإِمَّا اللابسات للثياب الرقيقة النفيسة عاريات من الْحَسَنَات فِي الْآخِرَة، فندبهن على الصَّدَقَة وحضهن على ترك السَّرف فِي الدُّنْيَا، يَأْخُذن مِنْهَا أقل الْكِفَايَة ويتصدقن بِمَا سوى ذَلِك، وَهَذِه الْبلوى عَامَّة فِي هَذَا الزَّمَان لَا سِيمَا فِي نسَاء مصر، فَإِن الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ تتغالى فِي ثمن قَمِيص إِمَّا من عِنْدهَا أَو بتكليفها زَوجهَا حَتَّى تفصل قَمِيصًا بأكمام هائلة وذيل سابلة جدا، منجرة وَرَاءَهَا أَكثر من ذراعين، وكل كم من كميها يصلح أَن يكون قَمِيصًا معتدلاً، وَمَعَ هَذَا إِذا مشت يرى مِنْهَا أَكثر بدنهَا من نفس كمها، فَلَا شكّ أَنَّهُنَّ مِمَّن يدخلن فِي هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من جملَة معجزات النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَيْثُ أخبر بذلك قبل وُقُوعه، لما علم باطلاع الله تَعَالَى إِيَّاه أَن مثل هَذَا سيقع فِي أمته من فتح الخزائن وَكَثْرَة الْأَمْوَال المؤدية إِلَى مثل هَذِه الجريمة وَغَيرهَا، وَلَكِن لما أَمر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بإيقاظ نِسَائِهِ خص تذكيره ووعظه لَهُنَّ بِهَذَا الْوَصْف تحذيرا لَهُنَّ عَن مُبَاشرَة الْإِسْرَاف الْمنْهِي عَنهُ، وَلِأَنَّهُ من الْأُمُور المؤدية إِلَى فَسَاد عَظِيم على مَا لَا يخفى. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: (رب كاسية) كالبيان لموجب استيقاظ الْأَرْوَاح، أَي: لَا يَنْبَغِي لَهُنَّ أَن يتغافلن ويعتمدن على كونهن أهالي رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَي: رب كاسية حلى الزَّوْجِيَّة
المشرفة بهَا وَهِي عَارِية عَنْهَا فِي الْآخِرَة لَا تنفعها إِذا لم تضمها مَعَ الْعَمَل. قَالَ تَعَالَى: {فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ وَلَا يتساءلون} (الْمُؤْمِنُونَ: ١٠١) قَوْله: (كاسية) على وزن: فاعلة، من: كسا، وَلَكِن بِمَعْنى مَكْسُورَة، كَمَا فِي قَول الحطيئة.
واقعد فَإنَّك أَنْت الطاعم الكاسي
قَالَ الْفراء: يَعْنِي المكسو. كَقَوْلِك: مَاء دافق، وعيشة راضية. لِأَنَّهُ يُقَال: كسي الْعُرْيَان، وَلَا يُقَال: كسا. قَوْله: (عَارِية) بتَخْفِيف الْيَاء. قَالَ القَاضِي: أَكثر الرِّوَايَات بخفض عَارِية على الْوَصْف. وَقَالَ السُّهيْلي: الْأَحْسَن عِنْد سِيبَوَيْهٍ الْخَفْض على النَّعْت لِأَن: رب، عِنْده حرف جر يلْزم صدر الْكَلَام، وَيجوز الرّفْع كَمَا تَقول: رب رجل عَاقل على إِضْمَار مُبْتَدأ، وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع النَّعْت أَي: هِيَ عَارِية، وَالْفِعْل الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ: رب، مَحْذُوف. وَاخْتَارَ الْكسَائي أَن يكون رب أسما مُبْتَدأ، وَالْمَرْفُوع خَبَرهَا. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث أَن للرجل أَن يوقظ أَهله بِاللَّيْلِ للصَّلَاة وَلذكر الله تَعَالَى، لَا سِيمَا عِنْد آيَة تحدث أَو رُؤْيا مخوفة، وَجَوَاز قَول: سُبْحَانَ الله، عِنْد التَّعَجُّب واستحباب ذكر الله بعد الاستيقاظ وَغير ذَلِك.
٤١ - (بابُ السَّمَر فِي العِلْمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السمر فِي الْعلم، هَذِه رِوَايَة أبي ذَر بِإِضَافَة الْبَاب إِلَى السمر، وَفِي رِوَايَة غَيره بَاب السمر فِي الْعلم بتنوين الْبَاب، وَقطع الْإِضَافَة، وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، كَمَا ذكرنَا. والسمر، مُبْتَدأ: وَفِي الْعلم، فِي مَحل الصّفة، وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِيهِ السمر بِالْعلمِ أَي: بَيَان السمر بِالْعلمِ، و: السمر، بِفَتْح الْمِيم، هُوَ الحَدِيث بِاللَّيْلِ، وَيُقَال: السمر بِإِسْكَان الْمِيم، وَقَالَ عِيَاض: الأول هُوَ الرِّوَايَة. قَالَ ابْن سراج: الإسكان أولى، وَضَبطه بَعضهم بِهِ، وَأَصله لون الْقَمَر، لأَنهم كَانُوا يتحدثون إِلَيْهِ، وَمِنْه الأسمر لشبهه بذلك اللَّوْن. وَقَالَ غَيره: السمر، بِالْفَتْح: الحَدِيث بِاللَّيْلِ، وَأَصله لَا ُأكَلِّمهُ السمر وَالْقَمَر، أَي: اللَّيْل وَالنَّهَار. وَفِي (الْعباب) السمر المسامرة أَي: الحَدِيث بِاللَّيْلِ، وَقد سمر يسمر وَهُوَ سامر والسامر أَيْضا السمار وهم الْقَوْم يسمرون، كَمَا يُقَال للحجاج: حَاج كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {سامراً تهجرون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٦٧) أَي: سمارا يتحدثون، والسمر اللَّيْل والسمير الَّذِي يسامرك، وابنا سمير: اللَّيْل وَالنَّهَار لِأَنَّهُ يسمر فيهمَا، وَيُقَال: أَفعلهُ مَا سمر ابْنا سمير أَي: أبدا. وَيُقَال: السمر الدَّهْر، وابناه اللَّيْل وَالنَّهَار. وَلَا أَفعلهُ سمير اللَّيَالِي، وسجين اللَّيَالِي، أَي مَا دَامَ النَّاس يسمرون فِي لَيْلَة قَمْرَاء.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول الْعلم والعظة بِاللَّيْلِ، وَقد كَانَ التحدث بعد الْعشَاء مَنْهِيّا، وَهُوَ السمر. وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ السمر بِالْعلمِ، وَنبهَ بهما على أَن السمر الْمنْهِي عَنهُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يكون من الْخَيْر، وَأما السمر بِالْخَيرِ فَلَيْسَ بمنهي بل مَرْغُوب. فَافْهَم.
١١٦ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ غُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني اللَّيْثُ قَالَ: حدّثني عَبْدُ الرَّحْمن بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سالِمٍ وَأبي بَكْرِ بن سُلَيْمَانَ بنِ أبي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ قالَ: صلَّى بنَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ فَقَالَ: (أرأيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فإنَّ رَأْسَ مائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلى ظَهْرِ الأرْض أحَدٌ) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حدث الصَّحَابَة بِهَذَا الحَدِيث بعد صَلَاة الْعشَاء وَهُوَ سمر بِالْعلمِ.
بَيَان رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء، وَقد مر. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر أَبُو خَالِد، وَيُقَال: أَبُو الْوَلِيد الفهمي، مولى اللَّيْث بن سعد أَمِير مصر لهشام بن عبد الْملك. قَالَ ابْن سعد: كَانَت ولَايَته على مصر سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة، وَقَالَ يحيى بن معِين: كَانَ عِنْده من الزُّهْرِيّ كتاب فِيهِ مِائَتَا حَدِيث أَو ثَلَاثمِائَة، كَانَ اللَّيْث يحدث بهَا عَنهُ، وَكَانَ جده شهد فتح بَيت الْمُقَدّس مَعَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح. وَقَالَ ابْن يُونُس: كَانَ ثبتا فِي الحَدِيث، توفّي سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَقد تقدم. السَّادِس: أَبُو بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، واسْمه عبد الله بن حُذَيْفَة، وَقيل: عدي بن كَعْب بن حُذَيْفَة بن غَانِم بن عبد الله بن عويج
بن عدي بن كَعْب القريشي الْعَدوي. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: أَبُو بكر هَذَا لَيْسَ لَهُ اسْم، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث خَاصَّة مَقْرُونا بسالم كَمَا ترى، وَمُسلم غير مقرون، وَكَانَ من عُلَمَاء قُرَيْش، روى عَن سعيد بن زيد وَأبي هُرَيْرَة أَيْضا، وروى عَنهُ الزُّهْرِيّ وَغَيره. أخرجُوا لَهُ خلا ابْن مَاجَه. وَقَالَ ابْن حبَان: ثِقَة، وَلَيْسَ لَهُ حَدِيث عِنْد مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا سواهُ. السَّابِع: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُمَا.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ أَرْبَعَة من التَّابِعين، وهم: عبد الرَّحْمَن وَابْن شهَاب وَسَالم وَأَبُو بكر. وَمِنْهَا: أَن أَبَا بكر لَيْسَ لَهُ حَدِيث عِنْد البُخَارِيّ غير هَذَا، وَمَعَ هَذَا روى لَهُ مَقْرُونا بسالم.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد الله عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم، وَعَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم وَأبي بكر بن أبي حثْمَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب، وَعَن أبي رَافع وَعبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر، قَالَ: وَرَوَاهُ اللَّيْث عَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد.
بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (حَدثنِي اللَّيْث قَالَ: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (حَدثنِي اللَّيْث حَدثهُ عبد الرَّحْمَن) أَي: أَنه حَدثهُ عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (صلى لنا، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) وَفِي رِوَايَة: (صلى بِنَا) وَمعنى اللَّام: صلى إِمَامًا لنا وإلَاّ فَالصَّلَاة لله لَا لَهُم. قَوْله: (الْعشَاء) أَي: صَلَاة الْعشَاء، وَهِي الصَّلَاة الَّتِي وَقتهَا بعد غرُوب الشَّفق، وَهُوَ بِكَسْر الْعين وبالمد، وَالْعشَاء بِالْفَتْح وبالمد: الطَّعَام. قَوْله: (فِي آخر حَيَاته) ، وَجَاء فِي رِوَايَة جَابر أَن ذَلِك كَانَ قبل مَوته، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، بِشَهْر. قَوْله: (قَامَ) جَوَاب: لما. قَوْله: (أَرَأَيْتكُم؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَفتح الرَّاء وبالخطاب للْجمع وَالْكَاف ضمير ثَان وَلَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب، والرؤية بِمَعْنى الإبصار، و (ليلتكم) بِالنّصب مَفْعُوله، وَلَيْسَت الرُّؤْيَة هَهُنَا بِمَعْنى الْعلم لِأَنَّهَا إِذا كَانَت بِمَعْنى الْعلم تَقْتَضِي مفعولين، وَلَيْسَ هَهُنَا إلَاّ مفعول وَاحِد وَهُوَ اللَّيْلَة كَمَا ذكرنَا، و: كم، لَا تصلح أَن تكون مَفْعُولا آخر حَتَّى تكون بِمَعْنى الْعلم لِأَنَّهُ حرف لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب كَمَا ذكرنَا، وَلَو كَانَ اسْما لوَجَبَ أَن يُقَال: أرأيتموكم لِأَن الْخطاب لجَماعَة، فَإِذا كَانَ لجَماعَة يجب أَن يكون بِالتَّاءِ وَالْمِيم كَمَا فِي علمتموكم، رِعَايَة للمطابقة. فَإِن قلت: فَهَذَا يلزمك أَيْضا فِي التَّاء، فَإِن التَّاء اسْم فَيَنْبَغِي أَن يكون: أرأيتموكم. قلت: لما كَانَ الْكَاف وَالْمِيم لمُجَرّد الْخطاب اختصرت عَن التَّاء وَالْمِيم بِالتَّاءِ وَحدهَا للْعلم بِأَنَّهُ جمع، تَقول: كم، وَالْفرق بَين حرف الْخطاب وَاسم الْخطاب أَن الِاسْم يَقع مُسْندًا وَمُسْندًا إِلَيْهِ، والحرف عَلامَة تسْتَعْمل مَعَ اسْتِقْلَال الْكَلَام واستغنائه عَنْهَا بِاعْتِبَار الْمسند والمسند إِلَيْهِ، فوزانها وزان التَّنْوِين وياء النِّسْبَة، وَأَيْضًا اسْم الْخطاب يدل على عين وَمعنى الْخطاب، وحرفه لَا يدل إلَاّ على الثَّانِي. وَقَالَ بَعضهم: الرُّؤْيَة بِمَعْنى الْعلم أَو الْبَصَر، وَالْمعْنَى: أعلمتم، أَو أبصرتم ليلتكم؟ قلت: قد بَينا أَنه لَا يَصح أَن تكون من الرُّؤْيَة بِمَعْنى الْعلم، وَهَذَا تصرف من لَا يَد لَهُ فِي الْعَرَبيَّة، وَيُقَال: أَرَأَيْتكُم كلمة تَقُولهَا الْعَرَب إِذا أَرَادَت الاستخبار، وَهُوَ بِفَتْح التَّاء للمذكر والمؤنث وَالْجمع والمفرد، تَقول: أرأيتَكَ، أرأيتَكِ، وأرأيتَكُما وأرأيتَكُم. وَالْمعْنَى: أخبر وأخبري وأخبراني وأخبروني، فَإِن أردْت معنى الرُّؤْيَة أنثت وجمعت. وَقَالَ بَعضهم: الْجَواب مَحْذُوف تَقْدِيره: قَالُوا نعم، قَالَ: فاضبطوه. قلت: كَأَن هَذَا الْقَائِل أَخذ كَلَامه من الزَّرْكَشِيّ فِي حَوَاشِيه، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره: أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه احفظوها، أَو احْفَظُوا تاريخها، فَإِن بعد انْقِضَاء مائَة سنة لَا يبْقى مِمَّن هُوَ على ظهر الأَرْض أحد، انْتهى، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن الْمَعْنى: أبصرتم ليلتكم هَذِه، وَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى جَوَاب لِأَن هَذَا لَيْسَ باستفهام حَقِيقِيّ. قَوْله: (فَإِن رَأس) وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فَإِن على رَأس مائَة) . فَإِن قلت: مَا اسْم إِن؟ قلت: فِيهِ ضمير الشَّأْن. وَقَوله: (لَا يبْقى) خَبَرهَا. قَوْله: (مِنْهَا) أَي: من تِلْكَ اللَّيْلَة، وَقد اسْتدلَّ بعض اللغويين بقوله: مِنْهَا، أَن: من، تكون لابتداء الْغَايَة فِي الزَّمَان: كمنذ، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين. وَقَالَ البصريون: لَا تدخل: من إلَاّ على الْمَكَان ومنذ، فِي الزَّمَان نظيرة: من، فِي الْمَكَان، وتأولوا مَا جَاءَ بِخِلَافِهِ، وَاحْتج من نصر قَول الْكُوفِيّين بقوله تَعَالَى: {من أول يَوْم} (التَّوْبَة: ١٠٨) وَبقول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: (وَلم يجلس عِنْدِي من يَوْم قيل فيَّ مَا قيل) . وَقَول أنس، رَضِي الله عَنهُ: (وَمَا زلت أحب الدُّبَّاء من يَوْمئِذٍ) . وَقَول بعض الصَّحَابَة: (مُطِرْنَا من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة) . وَأجَاب أَبُو عَليّ الْفَارِسِي عَن قَوْله: {من أول يَوْم} (التَّوْبَة: ١٠٨) بِأَن
التَّقْدِير، من تأسيس أول يَوْم، وَضَعفه بَعضهم بِأَن التأسيس لَيْسَ بمَكَان. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: التَّقْدِير من أول يَوْم من أَيَّام وجوده. قلت: هَذَا جنوح إِلَى مَذْهَب الْكُوفِيّين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد أَن كل من كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة على الأَرْض لَا يعِيش بعْدهَا أَكثر من مائَة سنة، سَوَاء قل عمره قبل ذَلِك أم لَا، وَلَيْسَ فِيهِ نفي عَيْش أحد بعد تِلْكَ اللَّيْلَة فَوق مائَة سنة. وَيُقَال: معنى الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعظهم بقصر أعمارهم بِخِلَاف غَيرهم من سالف الْأُمَم، وَقد احْتج البُخَارِيّ وَمن قَالَ بقوله على موت الْخضر، وَالْجُمْهُور على خِلَافه. وَمن قَالَ بِهِ أجَاب عَن الحَدِيث بِأَنَّهُ من سَاكِني الْبَحْر فَلَا يدْخل فِي الحَدِيث. وَمن قَالَ: إِن معنى الحَدِيث: لَا يبْقى مِمَّن تَرَوْنَهُ وتعرفونه، فَالْحَدِيث عَام أُرِيد بِهِ الْخُصُوص. وَقيل: أَرَادَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْأَرْضِ الْبَلدة الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَقد قَالَ تَعَالَى: {ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة} (النِّسَاء: ٩٧) يُرِيد الْمَدِينَة. وَقَوله: مِمَّن هُوَ على وَجه الأَرْض احْتِرَاز عَن الْمَلَائِكَة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا تَقول فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام؟ قلت: فَهُوَ لَيْسَ على وَجه الأَرْض بل فِي السَّمَاء، أَو هُوَ من النَّوَادِر. فَإِن قلت: فَمَا قَوْلك فِي إِبْلِيس؟ قلت: هُوَ لَيْسَ على ظهر الأَرْض بل فِي الْهَوَاء أَو فِي النَّار، أَو المُرَاد من لفظ من هُوَ الْإِنْس وَالله أعلم. قلت: هَذِه كلهَا تعسفات، وَلَا يرد على هَذَا لَا بِعِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَا بإبليس. فَإِن مُرَاده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِمَّن هُوَ على ظهر الأَرْض أمته، والقرائن تدل على ذَلِك، مِنْهَا قَوْله: (أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه؟) ، وكل من على وَجه الأَرْض من الْمُسلمين وَالْكفَّار أمته، أما الْمُسلمُونَ فَإِنَّهُم أمة إِجَابَة، وَأما الْكفَّار فَإِنَّهُم أمة دَعْوَة. وَعِيسَى وَالْخضر، عَلَيْهِمَا السَّلَام، ليسَا داخلين فِي الْأمة. وَأما الشَّيْطَان فَإِنَّهُ لَيْسَ من بني آدم. وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا أَرَادَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن هَذِه الْمدَّة تخترم الجيل الَّذِي هم فِيهِ، فوعظهم بقصر أعمارهم، وأعلمهم أَن أعمارهم لَيست كأعمار من تقدم من الْأُمَم ليجتهدوا فِي الْعِبَادَة. وَقد أخرج البُخَارِيّ، فِيمَا انْفَرد بِهِ عَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ: أَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يكره النّوم قبل الْعشَاء والْحَدِيث بعْدهَا، فَهَذَا يدل على الْمَنْع مُطلقًا، والْحَدِيث الْمُتَقَدّم يدل على جَوَاز السمر فِي الْعلم وَالْخَيْر، فنخص الْعُمُوم فِيمَا عداهما. وَأما مَا عدا ذَلِك فَذهب الْأَكْثَر إِلَى كَرَاهَته، مِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس، وَكتب عمر، رَضِي الله عَنهُ، أَن لَا ينَام قبل أَن يُصليهَا فَمن نَام فَلَا نَامَتْ عينه. وَهُوَ قَول عَطاء وَطَاوُس وَإِبْرَاهِيم، وَقَول مُجَاهِد وَمَالك والكوفيين وَالشَّافِعِيّ، وَرخّص طَائِفَة فِيهِ، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، أَنه كَانَ رُبمَا غفى قبل الْعشَاء، وَكَانَ ابْن عمر ينَام ويوكل من يوقظه، وَعَن أبي مُوسَى مثله، وَعَن عُرْوَة وَابْن سِيرِين أَنَّهُمَا كَانَا ينامان نومَة قبل الْعشَاء، وَاحْتج لَهُم بِأَن الْكَرَاهَة إِنَّمَا كرهت لمن خشِي عَلَيْهِ تفويتها، أَو تَفْوِيت الْجَمَاعَة فِيهَا. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف قَول مَالك، فَقَالَ مرّة: الصَّلَاة أحب إِلَيّ من مذاكرة الْفِقْه. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الْعِنَايَة بِالْعلمِ، إِذا صحت النِّيَّة، أفضل. وَقَالَ سَحْنُون: يلْتَزم أثقلهما عَلَيْهِ.
١١٧ - حدّثنا آدمُ قَالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدثنَا الحَكَمُ قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحارِثِ زَوْجِ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وكانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَها فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم العِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلهِ فَصَلَّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قالَ: (نامَ الغُلَيِّمُ؟) أوْ كَلِمَةُ تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أوْ خَطِيطَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نَام الغليم) ، قَالَه ابْن الْمُنِير، وَيُقَال: ارتقاب ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، لأحوال النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذْ لَا فرق بَين التَّعَلُّم من القَوْل والتعلم من الْفِعْل، فقد سمر ابْن عَبَّاس ليلته فِي طلب الْعلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الَّذِي فِيهِ من الدّلَالَة على التَّرْجَمَة هُوَ مَا يفهم من جعله على يَمِينه كَأَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: قف على يَمِيني. فَقَالَ: وقفت. وَيجْعَل الْفِعْل بِمَنْزِلَة القَوْل، أَو أَن الْغَالِب أَن الْأَقَارِب إِذا اجْتَمعُوا لَا بُد أَن يجْرِي بَينهمَا حَدِيث للمؤانسة، وَحَدِيث النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كُله فَائِدَة وَعلم، ويعد من مكارمه أَن يدْخل بَيته بعد صَلَاة الْعشَاء بِأَصْحَابِهِ، ويجد ابْن عَبَّاس مبايتا لَهُ وَلَا يكلمهُ أصلا. وَاعْترض بَعضهم على هَذَا كُله، فَقَالَ: كل مَا ذَكرُوهُ معترض، لِأَن من يتَكَلَّم بِكَلِمَة وَاحِدَة لَا يُسمى سامرا، وصنيع ابْن عَبَّاس
يُسمى سهرا لَا سمرا إِذْ السمر لَا يكون إِلَّا بتحدث وأبعدها الْأَخير لِأَن مَا يَقع بعد الانتباه من النّوم لَا يُسمى سمرا، ثمَّ قَالَ: وَالْأولَى من هَذَا كُله أَن مُنَاسبَة التَّرْجَمَة مستفادة من لفظ آخر فِي هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه من طَرِيق أُخْرَى، وَهَذَا يصنعه المُصَنّف كثيرا، يُرِيد بِهِ تَنْبِيه النَّاظر فِي كِتَابه على الاعتناء بتتبع طرق الحَدِيث، وَالنَّظَر فِي مواقع أَلْفَاظ الروَاة، لِأَن تَفْسِير الحَدِيث بِالْحَدِيثِ أولى من الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ هُنَا مَا وَقع فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث مِمَّا يدل صَرِيحًا على حَقِيقَة السمر بعد الْعشَاء وَهُوَ مَا أخرجه فِي التَّفْسِير وَغَيره من طَرِيق كريب عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (بت فِي بَيت مَيْمُونَة، فَتحدث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَهله سَاعَة ثمَّ رقد) فَصحت التَّرْجَمَة بِحَمْد الله تَعَالَى من غير حَاجَة إِلَى تعسف وَلَا رجم بِالظَّنِّ انْتهى. قلت: اعْتِرَاض هَذَا الْمُعْتَرض كُله معترض، أما قَوْله: لِأَن من يتَكَلَّم بِكَلِمَة وَاحِدَة لَا يُسمى سامرا، فَغير صَحِيح، لِأَن حَقِيقَة السمر التحدث بِاللَّيْلِ، وَيُطلق ذَلِك على التحدث بِكَلِمَة، وَقد بَين ذَلِك ابْن الْمُنِير بقوله: إِن أصل السمر ثَبت بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَهِي قَوْله: (نَام الغليم) . وَالَّذِي قَالَه صَحِيح، لِأَن أحدا لم يشْتَرط أَن لَا يكون السمر إلَاّ بِكَلِمَات مُتعَدِّدَة، وَأهل اللُّغَة قاطبة لم يَقُولُوا إلَاّ أَن السمر هُوَ التحدث بِاللَّيْلِ، وَهُوَ يُطلق على الْقَلِيل وَالْكثير. وَأما قَوْله: وصنيع ابْن عَبَّاس يُسمى سهرا لَا سمرا، فَنَقُول: إِن السمر كَمَا يُطلق على القَوْل يُطلق على الْفِعْل يُقَال: سمر الْقَوْم الْخمر إِذا شَرِبُوهَا. قَالَ الْقطَامِي:
(ومصرَّعين من الكلال وَإِنَّمَا ... سمروا الغبوق من الطلاء المعرق)
وسامر الْإِبِل مَا رعى مِنْهَا بِاللَّيْلِ، يُقَال: إِن إبلنا تسمر أَي ترعى لَيْلًا. وَأما قَوْله: وأبعدها الْأَخير، فَهُوَ أبعد اعتراضاته، بل هُوَ الْأَقْرَب، لِأَن قَوْله: لِأَن مَا يَقع بعد الانتباه من النّوم لَا يُسمى سمرا، مُخَالف لما قَالَه أهل اللُّغَة، وَبَيَان قرب الْأَخير الَّذِي ادّعى أَنه أبعدها أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ وَقت جعله ابْن عَبَّاس عَن يَمِينه فِي مقَام التَّعْلِيم لَهُ، وَلَا شكّ أَنه لم يكتف وقتئذ بِمُجَرَّد الْفِعْل، بل علمه أَيْضا بالْقَوْل لزِيَادَة الْبَيَان، وَلَا سِيمَا كَانَ ابْن عَبَّاس حِينَئِذٍ صَغِيرا وَلم يكن عَالما بموقف الْمُقْتَدِي من الإِمَام. وَأما قَوْله: وَالْأولَى من هَذَا كُله أَن مُنَاسبَة التَّرْجَمَة إِلَى آخِره ... فَكَلَام لَيْسَ لَهُ تَوْجِيه أصلا، فضلا عَن أَن يكون أولى من غَيره، لِأَن من يعْقد بَابا بترجمة وَيَضَع فِيهِ حَدِيثا، وَكَانَ قد وضع هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه فِي بَاب آخر، وَلَكِن بطرِيق أُخْرَى وألفاظ مُتَغَايِرَة، هَل يُقَال مُنَاسبَة التَّرْجَمَة فِي هَذَا الْبَاب يُسْتَفَاد من ذَلِك الحَدِيث الْمَوْضُوع فِي الْبَاب الآخر؟ فَمَا أبعد هَذَا الْكَلَام وَأبْعد من هَذَا الْبعيد أَنه علل مَا قَالَ بقوله: لِأَن تَفْسِير الحَدِيث بِالْحَدِيثِ أولى من الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ فسبحان الله، هَؤُلَاءِ مَا فسروا الحَدِيث هَهُنَا، بل ذكرُوا مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة بالتقارب، وَمَا ذكره هُوَ الرَّجْم بِالظَّنِّ.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. ذكرُوا مَا عدا الحكم بَين عتيبة، وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف المفتوحتين. وعتيبة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره هَاء، ابْن النهاس. واسْمه عبد الْكِنْدِيّ، يُقَال: كنيته أَبُو عبد الله، وَقيل: أَبُو عمر الْكُوفِي مولى عدي بن عدي الْكِنْدِيّ، وَيُقَال: مولى امْرَأَة من كِنْدَة. قَالَ يحيى بن معِين وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَكَانَ فَقِيه الْكُوفَة مَعَ حَمَّاد. روى عَن ابْن أبي أوفى وَأبي جُحَيْفَة، وَعنهُ شُعْبَة وَغَيره، وَكَانَ عابدا قَانِتًا ثِقَة صَاحب سنة، مَاتَ سنة أَربع عشرَة، وَقيل: خمس عشرَة وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث وَالسَّمَاع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، وَالْحكم الْمَذْكُور من التَّابِعين الصغار.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن آدم، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة عَن الحكم عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن ابْن الْمثنى عَن ابْن أبي عدي عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن مُحَمَّد بن قيس الْأَسدي عَنهُ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن يزِيد عَن بهز بن أَسد عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي مَوَاضِع فِي كِتَابه عَن كريب وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح وَأبي جَمْرَة وطاووس وَغَيرهم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا.
بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (بت) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من البيتوتة، أَصله: بيتت، بِفَتْح الْبَاء وَالْيَاء فقلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، فَصَارَ: باتت، فَالتقى ساكنان فحذفت الْألف فَصَارَ: بتت، فأدغمت التَّاء فِي التَّاء، ثمَّ أبدلت كسرة من فَتْحة الْبَاء ليدل على الْيَاء المحذوفة، فَصَارَ: بت على وزن: قلت. وَهَذِه جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (مَيْمُونَة) عطف بَيَان من قَوْله: (خَالَتِي) . قَوْله: (بنت الْحَارِث) مجرور لِأَنَّهُ صفة مَيْمُونَة، وَهُوَ مجرور، وَلكنه غير منصرف للعلمية والتأنيث. قَوْله: (زوح النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) مجرور أَيْضا لِأَنَّهُ صفة بعد صفة. قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَقَوله: (عِنْدهَا) خبر: كَانَ. قَوْله: (فصلى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) الْفَاء، فِيهِ هِيَ الْفَاء الَّتِي تدخل بَين الْمُجْمل والمفصل، لِأَن التَّفْصِيل إِنَّمَا هُوَ عقيب الْإِجْمَال، لِأَن صَلَاة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ومجيئه إِلَى منزله كَانَت قبل كَونه عِنْد مَيْمُونَة، وَلم يَكُونَا بعد الْكَوْن عِنْدهَا. قَوْله: (الْعشَاء) بِالنّصب، وَفِيه حذف الْمُضَاف تَقْدِيره: صَلَاة الْعشَاء. قَوْله: (فصلى أَربع رَكْعَات) الْفَاء فِيهِ للتعقيب، ثمَّ عطف عَلَيْهِ بقوله: (ثمَّ نَام) بِكَلِمَة: ثمَّ، ليدل على أَن نَومه لم يكن عقيب الصَّلَاة على الْفَوْر. قَوْله: (أَو كلمة) مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف أَي: أَو قَالَ كلمة، فَإِن قلت: مقول القَوْل يجب أَن يكون كلَاما لَا كلمة. قلت: قد تطلق الْكَلِمَة على الْكَلَام مجَازًا نَحْو: كلمة الشَّهَادَة. قَوْله: (فَقُمْت) . عطف على قَوْله: (ثمَّ قَامَ) . قَوْله: (عَن يسَاره) بِفَتْح الْيَاء وَكسرهَا. وَقَالَ ابْن عَرَبِيّ: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة أَولهَا يَاء مَكْسُورَة. وَفِي (الْعباب) قَالَ ابْن دُرَيْد: الْيَد الْيَسَار ضد الْيَمين بِفَتْح الْيَاء وَكسرهَا، قَالَ: وَزَعَمُوا أَن الْكسر أفْصح. قَالَ: وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة الْيَسَار بِكَسْر الْيَاء شبهوها بالشمال، إِذْ لَيْسَ فِي كَلَامهم كلمة مَكْسُورَة الْيَاء إلَاّ: يسَار، وَقَالَ ابْن عباد: الْيَسَار، بِالتَّشْدِيدِ لُغَة فِي الْيَسَار. قَوْله: (حَتَّى سَمِعت) حَتَّى هَهُنَا للغاية تَقْدِيره: إِلَى أَن سَمِعت. قَوْله: (غَطِيطه) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الطَّاء على وزن: فعيل، هُوَ صَوت يُخرجهُ النَّائِم مَعَ نَفسه عِنْد استثقاله. وَفِي (الْعباب) غطيط النَّائِم والمخنوق: نخيرهما. قلت: هَذَا يرد تَفْسِير بَعضهم الغطيط: نفس النَّائِم، والنخير: أقوى مِنْهُ، فَإِنَّهُ جعل النخير غير الغطيط، وَصَاحب (الْعباب) جعله عينه:
إِذا قَالَت حذام فصدقوها
وَأَيْضًا: فَإِن الغطيط لَا بُد فِيهِ من الصَّوْت، وَمَا فسره بِهِ بَعضهم لَيْسَ فِيهِ صَوت، لِأَن مُجَرّد النَّفس لَا صَوت فِيهِ. قَوْله: (أَو خطيطه) بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَكسر الطَّاء، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ بِمَعْنى الغطيط. وَقَالَ ابْن بطال: لم أَجِدهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة عِنْد أهل اللُّغَة، وَتَبعهُ القَاضِي عِيَاض، فَقَالَ: هُوَ هُنَا وهم. قلت: الصَّوَاب مَعَ الدَّاودِيّ، فَإِن صَاحب (الْعباب) قَالَ: وَخط فِي نَومه خطيطا أَي: غط. وَفِي حَدِيث النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (إِنَّه أوتر بِسبع أَو تسع ثمَّ اضْطجع حَتَّى سمع خطيطه) . ويروى: (غَطِيطه) ، ويروى: (فخيخه) ، ويروى: (ضفيزه) ، ويروى: (صفيره) . وَمعنى الْخَمْسَة وَاحِد وَهُوَ: نخير النَّائِم. قلت: الضفيز، بالضاد وَالزَّاي المعجمتين وبالفاء والصفير: بالصَّاد وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، والفخيخ، بِالْفَاءِ والخاءين المعجمتين.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (فِي لَيْلَتهَا) أَي: المختصة بهَا بِحَسب قسم النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بَين الْأزْوَاج. قَوْله: (ثمَّ جَاءَ) أَي من الْمَسْجِد إِلَى منزله فِي تِلْكَ اللَّيْلَة المُرَاد بِهِ: بَيت مَيْمُونَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة، أم الْمُؤمنِينَ، تزَوجهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنة سِتّ أَو سبع من الْهِجْرَة، وَتوفيت سنة إِحْدَى وَخمسين، وَقيل: سنة سِتّ وَسِتِّينَ بسرف، فِي الْمَكَان الَّذِي تزَوجهَا فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالفاء. وَصلى عَلَيْهَا عبد الله بن عَبَّاس قيل: إِنَّهَا آخر أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذْ لم يتَزَوَّج بعْدهَا. وَهِي أُخْت لبَابَة، بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى، بنت الْحَارِث زَوْجَة الْعَبَّاس وَأم أَوْلَاده عبد الله وَالْفضل وَغَيرهمَا، وَهِي أول امْرَأَة أسلمت بعد خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَكَانَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، يزورها، وَهِي لبَابَة الْكُبْرَى وَأُخْتهَا لبَابَة الصُّغْرَى أم خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (نَام الغليم) يتَحَمَّل الْإِخْبَار لميمونة، وَيحْتَمل الِاسْتِفْهَام عَن مَيْمُونَة، وَحذف الْهمزَة بِقَرِينَة الْمقَام، وَهَذَا أظهر. و (الغليم) بِضَم الْغَيْن وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء، تَصْغِير غُلَام، من بَاب تَصْغِير الشَّفَقَة، نَحْو: يَا بني، وَأَرَادَ بِهِ عبد الله بن عَبَّاس، وَرُوِيَ: يَا أم الغليم، بالنداء وَالْأول هُوَ الصَّوَاب، وَلم تثبت بِالثَّانِي الرِّوَايَة. قَوْله: (أَو كلمة) شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: شكّ من ابْن عَبَّاس. قلت: لَا يلْزم التَّعْيِين لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون من أحد مِمَّن دونه، أَي أَو قَالَ كلمة تشبه قَوْله: نَام الغليم، وَالثَّانيَِة بِاعْتِبَار الْكَلِمَة أَو بِاعْتِبَار كَونهَا جملَة، وَفِي رِوَايَة: (نَام الْغُلَام) . قَوْله: (فصلى أَربع رَكْعَات) ، الْجُمْلَة فِي هَذِه الطَّرِيق أَنه صلى إِحْدَى عشرَة رَكْعَة