الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٩٦
الحديث رقم ١٢٩٦ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ الْحَلْقِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ.
١٢٩٦ - وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ
⦗٨٢⦘
الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ.
حَكَى أبو بردة رضي الله عنه أنّ أباه أبا موسى الأشعري رضي الله عنه مَرض مرضًا شديدًا فأغمي عليه، وكانت رأسه في حِجْر امرأةٍ من أهله، فصاحت ونَدَبَتْه، فلم يستطع أن يَرُدَّ عليها شيئًا بسبب إغمائه.
فلما أفاق قال: إنه بريءٌ ممن بَرِئَ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه صلى الله عليه وسلم قد بَرِئَ من:
الصالقة: وهي الرافعة صوتها عند المصيبة.
والحالقة: وهي التي تَحلق شعرها عند المصيبة.
والشاقة: وهي التي تَشقُّ ثوبها عند المصيبة.
لأنها من أمور الجاهلية، بل أمر بالصبر عند المصائب، واحتساب أجرها على الله.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمَرَاثِي. وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ: نَهَانَا أَنْ نَتَرَاثَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ التَّوَجُّعُ وَالتَّحَزُّنُ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ: مُنَاسَبَةُ إِدْخَالِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي تَضَاعِيفِ التَّرَاجِمِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحَالِ مَنْ يُحَضِّرُ الْمَيِّتَ.
قَوْلُهُ: (أَنْ مَاتَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَلَا يَصِحُّ كَسْرُهَا لِأَنَّهَا تَكُونُ شَرْطِيَّةً، وَالشَّرْطُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ، وَهُوَ قَدْ كَانَ مَاتَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ، وَهُوَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الْإِقَامَةَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرُوا مِنْهَا، وَتَرَكُوهَا مَعَ حُبِّهِمْ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَمِنْ ثَمَّ خَشِيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَمُوتَ بِهَا، وَتَوَجَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِهَا، وَأَفَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْقَائِلَ يَرْثِي لَهُ. . . إِلَخْ هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ هَاشِمَ بْنَ هَاشِمٍ، وَسَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، فَلَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ فِيهِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا، كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْوَصَايَا مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَذِكْرِ الِاخْتِلَافِ فِي تَسْمِيَةِ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٧ - بَاب مَا يُنْهَى مِنْ الْحَلْقِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ
١٢٩٦ وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا، فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ الْحَلْقِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا التَّرْكِيبِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَعَلَى الْحِكْمَةِ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْحَلْقِ دُونَ مَا ذُكِرَ مَعَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ الْمُصِيبَةِ قَصْرٌ لِلْحُكْمِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) هُوَ الْقَنْطَرِيُّ بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ وَنُونٍ سَاكِنَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا رِجَالَ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ أَطْبَقُوا عَلَى تَرْكِ ذِكْرِهِ فِي شُيُوخِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ. وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى. وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فَقَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. وَمُخَيْمِرَةُ بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مُصَغَّرٌ.
قَوْلُهُ: (وَجِعَ) بِكَسْرِ الْجِيمِ.
قَوْلُهُ: (فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ) زَادَ مُسْلِمٌ: فَصَاحَتْ. وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَخْرَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ وَغَيْرِهِ: قَالُوا: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ. الْحَدِيثَ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ امْرَأَةِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ. وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ رِبْعِيٍّ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى فَصَاحَتِ امْرَأَتُهُ بِنْتُ أَبِي دَوْمَةَ. فَحَصَلْنَا عَلَى أَنَّهَا أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتُ أَبِي دَوْمَةَ، وَأَفَادَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي تَارِيخِ الْبَصْرَةِ أَنَّ اسْمَهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ دَمُونَ، وَأَنَّهَا وَالِدَةُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، وَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ حَيْثُ كَانَ أَبُو مُوسَى أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ مِنْ قِبَلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.
قَوْلُهُ: (إِنِّي بَرِيءٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنَا بَرِيءٌ. وَكَذَا لِمُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (الصَّالِقَةُ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ؛ أَيِ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالْبُكَاءِ، وَيُقَالُ فِيهِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الصَّادِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ورجوعهم عن مستقيم حالهم، فيخيب قصدهم، قال الزُّهريُّ فيما رواه أبو داود الطَّيالسيُّ، عن إبراهيم بن سعدٍ عنه: (لَكِنِ البَائِسُ) بالموحَّدة والهمزة، آخره سينٌ مهملةٌ: الَّذي عليه أثر البؤس، أي: شدَّة الفقر والحاجة (سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الرَّاء وبالمثلَّثة، مِنْ يَرْثي (١) (أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) بفتح الهمزة، أي: لأجل موته بالأرض الَّتي هاجر منها، ولا يجوز الكسر على إرادة الشَّرط؛ لأنَّه كان انقضى وتمَّ، وهذا موضع التَّرجمة، لكن نازع الإسماعيليُّ المؤلِّف بأنَّ هذا ليس من مراثي الموتى، وإنَّما هو من إشفاق النَّبيِّ ﷺ من موته بمكَّة بعد هجرته منها، وكان يهوى أن يموت بغيرها، وكراهة ما حدث عليه من ذلك؛ كقولك: أنا أرثي لك ممَّا (٢) جرى عليك، كأنَّه يتحزَّن عليه، قال الزَّركشيُّ: ثمَّ هو بتقدير تسليمه، فليس بمرفوعٍ، وإنَّما هو مدرَجٌ من قول الزُّهريِّ.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٤٠٩] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٧٣] و «الهجرة» [خ¦٣٩٣٦] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٥٩] و «الفرائض» [خ¦٦٧٣٣] و «الوصايا» [خ¦٢٧٤٢] و «النَّفقات» [خ¦٥٣٥٤]، ومسلمٌ في «الوصايا» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٣٧) (باب مَا يُنْهَى عن الحَلْقِ عِنْدَ المُصِيبَةِ).
١٢٩٦ - (وَقَالَ الحَكَمُ بْنُ مُوسَى) القَنْطريُّ، بفتح القاف وسكون النُّون، البغداديُّ، ممَّا وصله
مسلمٌ في «صحيحه»، وكذا ابن حِبَّان، ومثلُ هذا يكون على سبيل المذاكرة لا بقصد التَّحمل، ولأبوي ذرٍّ والوقت -كما في الفرع-: «حدَّثنا الحَكَم» لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه وهمٌ؛ لأنَّ الَّذين جمعوا رجال البخاريِّ في «صحيحه»، أطبقوا على ترك ذكره في شيوخه، فدلَّ على أنَّ الصَّواب رواية الجماعة بصيغة التَّعليق، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) قاضي دمشق (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ جَابِرٍ) الأزديِّ، ونسبه إلى جدِّه، واسم أبيه: يزيد: (أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ) بضمِّ الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون التَّحتيَّة، وبعد الميم المكسورة راءٌ مهملةٌ، مصغَّرًا، وهو كوفيٌّ سكن البصرة (حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، عامرٌ أو الحارث (بْنُ أَبِي مُوسَى) الأشعريُّ (﵁ قَالَ): (وَجِعَ) بكسر الجيم، أي: مرض أبي (أَبُو مُوسَى وَجَعًا) بفتح الجيم، زاد ابن عساكر: «شديدًا» (فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَُِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ) بتثليث حاء «حِجْر» كما في «القاموس» أي: حضنها، زاد مسلمٌ: فصاحت، وله من وجهٍ آخر: أُغمي على أبي موسى، فأقبلت امرأته أمُّ عبد الله تصيح برنَّةٍ، وفي النَّسائيِّ: هي أمُّ عبد الله بنت أبي دومة، وفي «تاريخ البصرة» لعمر بن شبَّة: أنَّ اسمها: صفيَّة بنت دمون، وأنَّ ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة من قِبَل عمر بن الخطَّاب ﵁، والواو في قوله: «ورأسه» للحال (فَلَمْ يَسْتَطِعْ) أبو موسى (أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: أَنَا)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَغَيره. وَفِيه: أَن الْإِنْفَاق إِنَّمَا يحصل فِيهِ الْأجر إِذا أُرِيد بِهِ وَجه الله، وَالنَّفقَة على الْعِيَال تحْتَمل وَجْهَيْن. الأول: أَن يكون الْمَعْنى يكْتب لَهُ بذلك أجر الصَّدَقَة. الثَّانِي: أَنه لما أَرَادَ أَن يتَصَدَّق بِمَالِه أخبرهُ أَن مَا يَنَالهُ الْعِيَال فِيهِ أجر كَمَا فِي الصَّدَقَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يُفِيد منطوقه أَن الْأجر فِي النَّفَقَات لَا يحصل إلَاّ بِقصد الْقرْبَة، وَإِن كَانَت وَاجِبَة، وَمَفْهُومه أَن من لم يقْصد الْقرْبَة لم يُؤجر على شَيْء مِنْهَا، والمعنيان صَحِيحَانِ، وَهل إِذا أنْفق نَفَقَة وَاجِبَة على الزَّوْجَة أَو الْوَلَد الْفَقِير، وَلم يقْصد التَّقَرُّب هَل تَبرأ ذمَّته أم لَا؟ فَالْجَوَاب أَنَّهَا تَبرأ ذمَّته من الْمُطَالبَة، لِأَن وجوب النَّفَقَة من الْعِبَادَات المعقولة الْمَعْنى، فتجزىء بِغَيْر نِيَّة: كالديون وَأَدَاء الْأَمَانَات وَغَيرهَا من الْعِبَادَات، لَكِن إِذا لم ينْو لم يحصل لَهُ أجر. وَفِيه: فَضِيلَة طول الْعُمر، للازدياد من الْخَيْر. وَفِيه: وجوب اسْتِدَامَة حكم الْهِجْرَة، وَلكنه ارْتَفع يَوْم الْفَتْح، واستبعد القَاضِي عِيَاض ارْتِفَاع حكم الْهِجْرَة بعد الْفَتْح، قَالَ: وَحكمه بَاقٍ بعد الْفَتْح لهَذَا الحَدِيث. وَقيل: إِنَّمَا لزم الْمُهَاجِرين الْمقَام بِالْمَدِينَةِ بعد الْهِجْرَة لنصرة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأخذ الشَّرِيعَة عَنهُ وَشبه ذَلِك، فَلَمَّا مَاتَ ارتحل أَكْثَرهم مِنْهَا. وَقَالَ عِيَاض: قيل لَا يحبط أجر هِجْرَة المُهَاجر بَقَاؤُهُ بِمَكَّة وَمَوته بهَا إِذا كَانَ لضَرُورَة، وَإِنَّمَا يحبطه مَا كَانَ بِالِاخْتِيَارِ، وَقَالَ قوم: المُهَاجر بِمَكَّة تحبط هجرته كَيفَ مَا كَانَ، وَقيل: لم تفرض الْهِجْرَة إلَاّ على أهل مَكَّة خَاصَّة. وَفِيه: أَن طلب الْغَنِيّ للْوَرَثَة أرجح على تَركهم عَالَة، وَمن هُنَا أَخذ تَرْجِيح الْغَنِيّ على الْفَقِير. وَفِيه: جَوَاز تَخْصِيص عُمُوم الْوَصِيَّة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن بِالسِّنِّ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَالله أعلم.
٧٣ - (بابُ مَا يُنْهى مِنَ الحَلْقِ عِنْدَ المُصِيبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ينْهَى من الْحلق، وَكلمَة: مَا، يجوز أَن تكون مَوْصُولَة، وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة.
٦٩٢١ - قالَ الحَكَمُ بنُ مُوسى احدَّثنا يَحْيى بنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ جابِرٍ أنَّ القَاسِمَ بنَ مخَيْمِرَةَ حدَّثَهُ. قَالَ حدَّثني أبُو بُرْدَةَ بنُ مُوسى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ وَجِعَ أبُو مُوسى وَجَعا فَغُشِيَ عليهِ وَرَأسُهُ فِي حجْرِ امْرَأةٍ مِنْ أهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئا فَلَمَّا أفَاقَ قَالَ أَنا بَرِىءٌ مِمَّنْ بَرِيءٌ مِنْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَرِيءٌ مِنَ الصَّالِقةِ وَالحالِقَةِ والشَّاقَّةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والحالقة) ، وَإِنَّمَا خص الْحلق بِالذكر، وَإِن كَانَ حَدِيث الْبَاب مُشْتَمِلًا على ثَلَاثَة أَشْيَاء لكَونه أبشعها فِي حق النِّسَاء.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: الحكم، بِفتْحَتَيْنِ: ابْن مُوسَى أَبُو صَالح الْقَنْطَرِي، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون النُّون الزَّاهِد، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن حَمْزَة أَبُو عبد الرَّحْمَن قَاضِي دمشق، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن جَابر هُوَ عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر الْأَزْدِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة. الرَّابِع: الْقَاسِم بن مخيمرة، بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء: أَبُو عُرْوَة. الْخَامِس: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه: عَامر. وَقيل: الْحَارِث. السَّادِس: أَبوهُ، أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: أَنه صدر الحَدِيث بقوله: قَالَ الحكم، بِدُونِ التحديث أَو الْإِخْبَار، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: حَدثنَا الحكم، قَالَ بَعضهم: هُوَ وهم فَإِن الَّذين جمعُوا رجال البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) أطبقوا على ترك ذكره فِي شُيُوخه، فَدلَّ على أَن الصَّوَاب رِوَايَة الْجَمَاعَة بِصِيغَة التَّعْلِيق. قلت: قيل: روى عَنهُ وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أبي الْوَقْت وَالدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا ذكر الحكم وَالقَاسِم ابْن مخيمرة فِيمَن خرج لَهما البُخَارِيّ، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا لم يسْندهُ البُخَارِيّ لِأَنَّهُ لَا يخرج للقاسم بن مخيمرة، وَزعم بَعضهم أَنه لَا يخرج للْحكم أَيْضا إلَاّ هَكَذَا غير مُحْتَج بهما. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع لِأَن فِي بعض النّسخ: قَالَ، وَقَالَ الحكم: أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ الحكم. وَفِيه: أَن الحكم بغدادي وَيحيى بن حَمْزَة شَامي بيتلهي من أهل بَيت لهيا، قَرْيَة بِالْقربِ من دمشق، كَانَ قَاضِيا بِدِمَشْق، وَعبد الرَّحْمَن أَيْضا شَامي، وَالقَاسِم كُوفِي سكن الشَّام وَأَبُو بردة كُوفِي. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب، وَفِيه: من هُوَ مَذْكُور باسم جده. وَفِيه: من هُوَ مَذْكُور بكنيته، مُخْتَلف فِي اسْمه.
وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي كتاب الْإِيمَان فَقَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمَرَاثِي. وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ: نَهَانَا أَنْ نَتَرَاثَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ التَّوَجُّعُ وَالتَّحَزُّنُ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ: مُنَاسَبَةُ إِدْخَالِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي تَضَاعِيفِ التَّرَاجِمِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحَالِ مَنْ يُحَضِّرُ الْمَيِّتَ.
قَوْلُهُ: (أَنْ مَاتَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَلَا يَصِحُّ كَسْرُهَا لِأَنَّهَا تَكُونُ شَرْطِيَّةً، وَالشَّرْطُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ، وَهُوَ قَدْ كَانَ مَاتَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ، وَهُوَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الْإِقَامَةَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرُوا مِنْهَا، وَتَرَكُوهَا مَعَ حُبِّهِمْ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَمِنْ ثَمَّ خَشِيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَمُوتَ بِهَا، وَتَوَجَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِهَا، وَأَفَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْقَائِلَ يَرْثِي لَهُ. . . إِلَخْ هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ هَاشِمَ بْنَ هَاشِمٍ، وَسَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، فَلَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ فِيهِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا، كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْوَصَايَا مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَذِكْرِ الِاخْتِلَافِ فِي تَسْمِيَةِ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٧ - بَاب مَا يُنْهَى مِنْ الْحَلْقِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ
١٢٩٦ وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا، فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ الْحَلْقِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا التَّرْكِيبِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَعَلَى الْحِكْمَةِ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْحَلْقِ دُونَ مَا ذُكِرَ مَعَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ الْمُصِيبَةِ قَصْرٌ لِلْحُكْمِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) هُوَ الْقَنْطَرِيُّ بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ وَنُونٍ سَاكِنَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا رِجَالَ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ أَطْبَقُوا عَلَى تَرْكِ ذِكْرِهِ فِي شُيُوخِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ. وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى. وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فَقَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. وَمُخَيْمِرَةُ بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مُصَغَّرٌ.
قَوْلُهُ: (وَجِعَ) بِكَسْرِ الْجِيمِ.
قَوْلُهُ: (فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ) زَادَ مُسْلِمٌ: فَصَاحَتْ. وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَخْرَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ وَغَيْرِهِ: قَالُوا: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ. الْحَدِيثَ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ امْرَأَةِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ. وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ رِبْعِيٍّ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى فَصَاحَتِ امْرَأَتُهُ بِنْتُ أَبِي دَوْمَةَ. فَحَصَلْنَا عَلَى أَنَّهَا أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتُ أَبِي دَوْمَةَ، وَأَفَادَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي تَارِيخِ الْبَصْرَةِ أَنَّ اسْمَهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ دَمُونَ، وَأَنَّهَا وَالِدَةُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، وَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ حَيْثُ كَانَ أَبُو مُوسَى أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ مِنْ قِبَلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.
قَوْلُهُ: (إِنِّي بَرِيءٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنَا بَرِيءٌ. وَكَذَا لِمُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (الصَّالِقَةُ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ؛ أَيِ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالْبُكَاءِ، وَيُقَالُ فِيهِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الصَّادِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ورجوعهم عن مستقيم حالهم، فيخيب قصدهم، قال الزُّهريُّ فيما رواه أبو داود الطَّيالسيُّ، عن إبراهيم بن سعدٍ عنه: (لَكِنِ البَائِسُ) بالموحَّدة والهمزة، آخره سينٌ مهملةٌ: الَّذي عليه أثر البؤس، أي: شدَّة الفقر والحاجة (سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الرَّاء وبالمثلَّثة، مِنْ يَرْثي (١) (أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) بفتح الهمزة، أي: لأجل موته بالأرض الَّتي هاجر منها، ولا يجوز الكسر على إرادة الشَّرط؛ لأنَّه كان انقضى وتمَّ، وهذا موضع التَّرجمة، لكن نازع الإسماعيليُّ المؤلِّف بأنَّ هذا ليس من مراثي الموتى، وإنَّما هو من إشفاق النَّبيِّ ﷺ من موته بمكَّة بعد هجرته منها، وكان يهوى أن يموت بغيرها، وكراهة ما حدث عليه من ذلك؛ كقولك: أنا أرثي لك ممَّا (٢) جرى عليك، كأنَّه يتحزَّن عليه، قال الزَّركشيُّ: ثمَّ هو بتقدير تسليمه، فليس بمرفوعٍ، وإنَّما هو مدرَجٌ من قول الزُّهريِّ.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٤٠٩] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٧٣] و «الهجرة» [خ¦٣٩٣٦] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٥٩] و «الفرائض» [خ¦٦٧٣٣] و «الوصايا» [خ¦٢٧٤٢] و «النَّفقات» [خ¦٥٣٥٤]، ومسلمٌ في «الوصايا» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٣٧) (باب مَا يُنْهَى عن الحَلْقِ عِنْدَ المُصِيبَةِ).
١٢٩٦ - (وَقَالَ الحَكَمُ بْنُ مُوسَى) القَنْطريُّ، بفتح القاف وسكون النُّون، البغداديُّ، ممَّا وصله
مسلمٌ في «صحيحه»، وكذا ابن حِبَّان، ومثلُ هذا يكون على سبيل المذاكرة لا بقصد التَّحمل، ولأبوي ذرٍّ والوقت -كما في الفرع-: «حدَّثنا الحَكَم» لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه وهمٌ؛ لأنَّ الَّذين جمعوا رجال البخاريِّ في «صحيحه»، أطبقوا على ترك ذكره في شيوخه، فدلَّ على أنَّ الصَّواب رواية الجماعة بصيغة التَّعليق، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) قاضي دمشق (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ جَابِرٍ) الأزديِّ، ونسبه إلى جدِّه، واسم أبيه: يزيد: (أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ) بضمِّ الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون التَّحتيَّة، وبعد الميم المكسورة راءٌ مهملةٌ، مصغَّرًا، وهو كوفيٌّ سكن البصرة (حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، عامرٌ أو الحارث (بْنُ أَبِي مُوسَى) الأشعريُّ (﵁ قَالَ): (وَجِعَ) بكسر الجيم، أي: مرض أبي (أَبُو مُوسَى وَجَعًا) بفتح الجيم، زاد ابن عساكر: «شديدًا» (فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَُِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ) بتثليث حاء «حِجْر» كما في «القاموس» أي: حضنها، زاد مسلمٌ: فصاحت، وله من وجهٍ آخر: أُغمي على أبي موسى، فأقبلت امرأته أمُّ عبد الله تصيح برنَّةٍ، وفي النَّسائيِّ: هي أمُّ عبد الله بنت أبي دومة، وفي «تاريخ البصرة» لعمر بن شبَّة: أنَّ اسمها: صفيَّة بنت دمون، وأنَّ ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة من قِبَل عمر بن الخطَّاب ﵁، والواو في قوله: «ورأسه» للحال (فَلَمْ يَسْتَطِعْ) أبو موسى (أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: أَنَا)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَغَيره. وَفِيه: أَن الْإِنْفَاق إِنَّمَا يحصل فِيهِ الْأجر إِذا أُرِيد بِهِ وَجه الله، وَالنَّفقَة على الْعِيَال تحْتَمل وَجْهَيْن. الأول: أَن يكون الْمَعْنى يكْتب لَهُ بذلك أجر الصَّدَقَة. الثَّانِي: أَنه لما أَرَادَ أَن يتَصَدَّق بِمَالِه أخبرهُ أَن مَا يَنَالهُ الْعِيَال فِيهِ أجر كَمَا فِي الصَّدَقَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يُفِيد منطوقه أَن الْأجر فِي النَّفَقَات لَا يحصل إلَاّ بِقصد الْقرْبَة، وَإِن كَانَت وَاجِبَة، وَمَفْهُومه أَن من لم يقْصد الْقرْبَة لم يُؤجر على شَيْء مِنْهَا، والمعنيان صَحِيحَانِ، وَهل إِذا أنْفق نَفَقَة وَاجِبَة على الزَّوْجَة أَو الْوَلَد الْفَقِير، وَلم يقْصد التَّقَرُّب هَل تَبرأ ذمَّته أم لَا؟ فَالْجَوَاب أَنَّهَا تَبرأ ذمَّته من الْمُطَالبَة، لِأَن وجوب النَّفَقَة من الْعِبَادَات المعقولة الْمَعْنى، فتجزىء بِغَيْر نِيَّة: كالديون وَأَدَاء الْأَمَانَات وَغَيرهَا من الْعِبَادَات، لَكِن إِذا لم ينْو لم يحصل لَهُ أجر. وَفِيه: فَضِيلَة طول الْعُمر، للازدياد من الْخَيْر. وَفِيه: وجوب اسْتِدَامَة حكم الْهِجْرَة، وَلكنه ارْتَفع يَوْم الْفَتْح، واستبعد القَاضِي عِيَاض ارْتِفَاع حكم الْهِجْرَة بعد الْفَتْح، قَالَ: وَحكمه بَاقٍ بعد الْفَتْح لهَذَا الحَدِيث. وَقيل: إِنَّمَا لزم الْمُهَاجِرين الْمقَام بِالْمَدِينَةِ بعد الْهِجْرَة لنصرة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأخذ الشَّرِيعَة عَنهُ وَشبه ذَلِك، فَلَمَّا مَاتَ ارتحل أَكْثَرهم مِنْهَا. وَقَالَ عِيَاض: قيل لَا يحبط أجر هِجْرَة المُهَاجر بَقَاؤُهُ بِمَكَّة وَمَوته بهَا إِذا كَانَ لضَرُورَة، وَإِنَّمَا يحبطه مَا كَانَ بِالِاخْتِيَارِ، وَقَالَ قوم: المُهَاجر بِمَكَّة تحبط هجرته كَيفَ مَا كَانَ، وَقيل: لم تفرض الْهِجْرَة إلَاّ على أهل مَكَّة خَاصَّة. وَفِيه: أَن طلب الْغَنِيّ للْوَرَثَة أرجح على تَركهم عَالَة، وَمن هُنَا أَخذ تَرْجِيح الْغَنِيّ على الْفَقِير. وَفِيه: جَوَاز تَخْصِيص عُمُوم الْوَصِيَّة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن بِالسِّنِّ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَالله أعلم.
٧٣ - (بابُ مَا يُنْهى مِنَ الحَلْقِ عِنْدَ المُصِيبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ينْهَى من الْحلق، وَكلمَة: مَا، يجوز أَن تكون مَوْصُولَة، وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة.
٦٩٢١ - قالَ الحَكَمُ بنُ مُوسى احدَّثنا يَحْيى بنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ جابِرٍ أنَّ القَاسِمَ بنَ مخَيْمِرَةَ حدَّثَهُ. قَالَ حدَّثني أبُو بُرْدَةَ بنُ مُوسى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ وَجِعَ أبُو مُوسى وَجَعا فَغُشِيَ عليهِ وَرَأسُهُ فِي حجْرِ امْرَأةٍ مِنْ أهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئا فَلَمَّا أفَاقَ قَالَ أَنا بَرِىءٌ مِمَّنْ بَرِيءٌ مِنْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَرِيءٌ مِنَ الصَّالِقةِ وَالحالِقَةِ والشَّاقَّةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والحالقة) ، وَإِنَّمَا خص الْحلق بِالذكر، وَإِن كَانَ حَدِيث الْبَاب مُشْتَمِلًا على ثَلَاثَة أَشْيَاء لكَونه أبشعها فِي حق النِّسَاء.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: الحكم، بِفتْحَتَيْنِ: ابْن مُوسَى أَبُو صَالح الْقَنْطَرِي، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون النُّون الزَّاهِد، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن حَمْزَة أَبُو عبد الرَّحْمَن قَاضِي دمشق، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن جَابر هُوَ عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر الْأَزْدِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة. الرَّابِع: الْقَاسِم بن مخيمرة، بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء: أَبُو عُرْوَة. الْخَامِس: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه: عَامر. وَقيل: الْحَارِث. السَّادِس: أَبوهُ، أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: أَنه صدر الحَدِيث بقوله: قَالَ الحكم، بِدُونِ التحديث أَو الْإِخْبَار، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: حَدثنَا الحكم، قَالَ بَعضهم: هُوَ وهم فَإِن الَّذين جمعُوا رجال البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) أطبقوا على ترك ذكره فِي شُيُوخه، فَدلَّ على أَن الصَّوَاب رِوَايَة الْجَمَاعَة بِصِيغَة التَّعْلِيق. قلت: قيل: روى عَنهُ وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أبي الْوَقْت وَالدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا ذكر الحكم وَالقَاسِم ابْن مخيمرة فِيمَن خرج لَهما البُخَارِيّ، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا لم يسْندهُ البُخَارِيّ لِأَنَّهُ لَا يخرج للقاسم بن مخيمرة، وَزعم بَعضهم أَنه لَا يخرج للْحكم أَيْضا إلَاّ هَكَذَا غير مُحْتَج بهما. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع لِأَن فِي بعض النّسخ: قَالَ، وَقَالَ الحكم: أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ الحكم. وَفِيه: أَن الحكم بغدادي وَيحيى بن حَمْزَة شَامي بيتلهي من أهل بَيت لهيا، قَرْيَة بِالْقربِ من دمشق، كَانَ قَاضِيا بِدِمَشْق، وَعبد الرَّحْمَن أَيْضا شَامي، وَالقَاسِم كُوفِي سكن الشَّام وَأَبُو بردة كُوفِي. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب، وَفِيه: من هُوَ مَذْكُور باسم جده. وَفِيه: من هُوَ مَذْكُور بكنيته، مُخْتَلف فِي اسْمه.
وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي كتاب الْإِيمَان فَقَالَ: