«الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى.» بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّا بِكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٠٢

الحديث رقم ١٣٠٢ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصبر عند الصدمة الأولى.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «الصبر عند الصدمة الأولى.» باب قول النبي ﷺ…

«الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى.»

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ

سند حديث: ١٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ…

١٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «الصبر عند الصدمة الأولى.» باب قول النبي ﷺ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

زَادَ حَمَّادٌ: فَاسْتَرْجَعَ.

قَوْلُهُ: (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: لَهُمَا فِي لَيْلَتِهِمَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا. وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا فَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ دَعَا بِذَلِكَ، وَرَجَا إِجَابَةَ دُعَائِهِ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ ثَابِتٍ، وَكَذَا عَنْ حُمَيْدٍ فِي أَنَّهُ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا. وَعُرِفَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ الدُّعَاءُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ. وَفِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ مِنَ الزِّيَادَةِ: فَوَلَدَتْ غُلَامًا. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: فَجَاءَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قِصَّةِ تَحْنِيكِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْعَقِيقَةِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. . . إِلَخْ) هُوَ عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ، لِمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُسَدَّدٌ، وَابْنُ سَعْدٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ أَنَسٍ تَحْتَ أَبِي طَلْحَةَ. فَذَكَرَ الْقِصَّةَ شَبِيهَةً بِسِيَاقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا، قَالَ عَبَايَةُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ لِذَلِكَ الْغُلَامِ سَبْعَ بَنِينَ كُلَّهُمْ قَدْ خَتَمَ الْقُرْآنَ. وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ تَجَوُّزًا فِي قَوْلِهِ: لَهُمَا لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِهِمَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْ أَوْلَادِ وَلَدِهِمَا الْمَدْعُوِّ لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ تِسْعَةٌ وَفِي هَذِهِ سَبْعَةٌ، فَلَعَلَّ فِي أَحَدِهِمَا تَصْحِيفًا، أَوِ الْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَبِالتِّسْعَةِ مَنْ قَرَأَ مُعْظَمَهُ، وَلَهُ مِنَ الْوَلَدِ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَنْسَابِ: إِسْحَاقُ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَيَعْقُوبُ، وَعُمَرُ، وَالْقَاسِمُ، وَعُمَارَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَعُمَيْرٌ، وَزَيْدٌ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَرْبَعٌ مِنَ الْبَنَاتِ.

وَفِي قِصَّةِ أُمِّ سُلَيْمٍ هَذِهِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا: جَوَازُ الْأَخ ذِ بِالشِّدَّةِ، وَتَرْكُ الرُّخْصَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَالتَّسْلِيَةُ عَنِ الْمَصَائِبِ، وَتَزَيُّنُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَتَعَرُّضُهَا لِطَلَبِ الْجِمَاعِ مِنْهُ، وَاجْتِهَادُهَا فِي عَمَلِ مَصَالِحِهِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْمَعَارِيضِ الْمُوهِمَةِ إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهَا، وَشَرْطُ جَوَازِهَا أَنْ لَا تُبْطِلَ حَقًّا لِمُسْلِمٍ. وَكَانَ الْحَامِلُ لِأُمِّ سُلَيْمٍ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي الصَّبْرِ وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَجَاءَ إِخْلَافِهِ عَلَيْهَا مَا فَاتَ مِنْهَا، إِذْ لَوْ أَعْلَمَتْ أَبَا طَلْحَةَ بِالْأَمْرِ فِي أَوَّلِ الْحَالِ تَنَكَّدَ عَلَيْهِ وَقْتُهُ، وَلَمْ تَبْلُغِ الْغَرَضَ الَّذِي أَرَادَتْهُ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ نِيَّتِهَا بَلَّغَهَا مُنَاهَا، وَأَصْلَحَ لَهَا ذُرِّيَّتَهَا. وَفِيهِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ، وَبَيَانُ حَالِ أُمِّ سُلَيْمٍ مِنَ التَّجَلُّدِ وَجَوْدَةِ الرَّأْيِ وَقُوَّةِ الْعَزْمِ، وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ وَالْمَغَازِي أَنَّهَا كَانَتْ تَشْهَدُ الْقِتَالَ وَتَقُومُ بِخِدْمَةِ الْمُجَاهِدِينَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا انْفَرَدَتْ بِهِ عَنْ مُعْظَمِ النِّسْوَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ حَدِيثِ: أَبِي عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَدَبِ، وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ سُمِّيَ بِهِ غَيْرُ الْكُنْيَةِ الَّتِي اشْتَهَرَ بِهَا.

٤٢ - بَاب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى. وَقَالَ عُمَرُ : نِعْمَ الْعِدْلَانِ وَنِعْمَ الْعِلَاوَةُ: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾

١٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بالقلب، ومجاهدة الشَّيطان، ومناجاة الحقِّ، وقراءة القرآن، والتَّكلم بالشَّهادتين، وكفِّ النَّفس عن الأطيبين، حتَّى تُجابوا إلى تحصيل المآرب (﴿وَإِنَّهَا﴾) أي: الاستعانة بهما، أو الصَّلاة، وتخصيصها بردِّ الضَّمير إليها؛ لِعِظَم (١) شأنها، واستجماعِها ضروبًا من الصبر (﴿لَكَبِيرَةٌ﴾) لثقيلةٌ شاقَّةٌ (﴿إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]) المخبتين، والخشوع: الإخبات، وأخرج أبو داود بإسنادٍ حسنٍ عن حذيفة قال: كان رسول الله إذا حَزَبَه أمرٌ صلَّى، ومن أسرار الصَّلاة: أنَّها تعين على الصَّبر؛ لما فيها من الذِّكر والدُّعاء والخضوع (٢).

١٣٠٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة والشِّين المعجمة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو لقب محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ ثَابِتٍ) البُنَانيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ () يقول (٣) (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: الصَّبْرُ) الكثير الثَّواب الصَّبرُ (عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) فإنَّ مفاجأة المصيبة بغتةً لها روعةٌ تزعزع القلب، وتزعجه بصدمتها، فإن صبر للصَّدمة الأولى انكسرت حدَّتها، وضعفت قوَّتها، فهان عليه استدامة الصَّبر، فأمَّا إذا طالت الأيَّام على المصاب وقع السُّلُوُّ وصار الصَّبر حينئذٍ طبعًا، فلا يؤجر عليه (٤) مثل ذلك، والصَّابر على الحقيقة (٥): مَن صبَّر نفسه، وحبسها عن شهواتها، وقهرها عن الحزن والجزع، والبكاء

الَّذي فيه راحة النَّفس، وإطفاء نار الحزن، فإذا قابل فيها سَوْرَة الحزن وهجومه بالصَّبر الجميل، وتحقَّق أنَّه لا خروج له عن قضائه تعالى، وأنَّه يرجع إليه، وعلم يقينًا أنَّ الآجال لا تقديم فيها ولا تأخير، وأنَّ المقادير بيده تعالى، ومنه استحقَّ حينئذٍ جزيل الثَّواب، فضلًا منه تعالى، وعُدَّ من الصَّابرين الَّذين وعدهم الله (١) بالرَّحمة والمغفرة، وإذا جزع ولم يصبر أَثِم وأتعب نفسه، ولم يردَّ من قضاء الله شيئًا، ولو لم يكن من فضل الصَّبر للعبد (٢) إلَّا الفوز بدرجة المعيَّة والمحبَّة ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) [آل عمران: ١٤٦] لكفى، فنسأل الله العافية والرِّضا، واعلم أنَّ المصيبة كير العبد الَّذي يُسبك فيها حاصلُه (٤)، فإمَّا أن يخرج ذهبًا أحمر، وإمَّا أن يخرج خبثًا كلَّه، كما قيل:

سبكناه ونحسبه لُجينًا … فأبدى الكير عن خبث الحديد

فإن (٥) لم ينفعه هذا الكير في الدُّنيا فبين يديه الكير الأعظم، فإذا علم العبد أنَّ إدخاله كير الدُّنيا ومسبكها خيرٌ له من ذلك الكير والمسبك، وأنَّه لا بدَّ له (٦) من أحد الكيرين؛ فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل، فالعبد إذا امتحنه الله بمصيبةٍ (٧) فصبر عند الصَّدمة الأولى فليحمد الله تعالى على (٨) أنْ أهَّلَه لذلك وثبَّته عليه، وقد اختُلِف: هل المصائب مكفِّراتٌ أو

مثيباتٌ؟ فذهب الشَّيخ عزُّ الدِّين (١) بن عبد السَّلام في طائفةٍ إلى أنَّه: إنَّما يثاب على الصَّبر عليها؛ لأنَّ الثَّواب إنَّما يكون على فعل العبد، والمصائب لا صنع له فيها، وقد يصيب الكافر مثل ما يصيب المسلم، وذهب آخرون إلى أنَّه يُثاب عليها؛ لآية ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] وحديث «الصَّحيحين»: «والَّذي نفسي بيده ما على الأرض مسلمٌ يصيبه أذًى من مرضٍ فما سواه إلَّا حطَّ الله عنه به خطاياه كما تحطُّ الشَّجرة اليابسة ورقها» [خ¦٥٦٦٧] وفيهما: «ما من مصيبة تصيب المسلم من نَصَبً ولا وَصَبٍ، ولا همٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أَذًى ولا غمٍّ، حتَّى الشَّوكة إلَّا كفَّر اللهُ ﷿ بها خطاياه» [خ¦٥٦٤١] فالغمُّ: على المستقبل، والحزن: على الماضي، والنَّصَب والوَصَب: المرض، وفيه: حلفه تقويةً لإيمان الضَّعيف، ومسمَّى «مسلم» وإن قلَّ ولو مذنبًا، ومسمَّى «أذًى» وإن قلَّ، وذكر «خطاياه»، ولم يقل: «منها»، طفح الكرم، حتَّى غفر بمجرَّد ألم، ولو لم يكن للمبتلى في الصَّبر قَدَم.

(٤٣) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ) لابنه إبراهيم: (إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين (، عَنِ النَّبِيِّ : تَدْمَعُ العَيْنُ، وَيَحْزَنُ القَلْبُ) وهذه الجملة كلُّها من «باب» إلى آخر قوله: «ويحزن القلب» ساقطةٌ عند الحَمُّويي وثابتةٌ لغيره.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أنس قَالَ: مَاتَ ابْن لأبي طَلْحَة من أم سليم، فَقَالَت لأَهْلهَا: لَا تحدثُوا أَبَا طَلْحَة بِابْنِهِ حَتَّى أكون أَنا أحدثه. قَالَ: فجَاء فقربت إِلَيْهِ عشَاء فَأكل وَشرب، قَالَ: ثمَّ تصنعت لَهُ أحسن مَا كَانَت تصنع قبل ذَلِك، فَوَقع بهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أَنه قد شبع وَأصَاب مِنْهَا قَالَت: يَا أَبَا طَلْحَة! أَرَأَيْت أَن قومآ أعاروا عاريتهم أهل بَيت فطلبوا عاريتهم ألهم أَن يمنعوهم؟ قَالَ: لَا، قَالَت: احتسب ابْنك. قَالَ: فَغَضب، وَقَالَ: تركتيني ثمَّ تلطخت ثمَّ اخبرتيني بِابْني؟ فَانْطَلق حَتَّى أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبرهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بَارك الله لَكمَا فِي غابر ليلتكما، قَالَ: فَحملت) الحَدِيث بِطُولِهِ. وَفِي رِوَايَة عبد الله؛ (فَقَالَت: يَا أَبَا طَلْحَة أَرَأَيْت قوما أعاروا مَتَاعهمْ ثمَّ بدا لَهُم فِيهِ فَأَخَذُوهُ فكأنهم وجدوا فِي أنفسهم) زَاد حَمَّاد فِي رِوَايَته عَن ثَابت: (فَأَبَوا أَن يردوها، فَقَالَ أَبُو طَلْحَة: لَيْسَ لَهُم ذَلِك، إِن الْعَارِية مُؤَدَّاة إِلَى أَهلهَا. ثمَّ اتفقَا، فَقَالَت: إِن الله أعارنا فلَانا ثمَّ أَخذه منا) . زَاد حَمَّاد: (فَاسْتَرْجع) . قَوْله: (لَعَلَّ الله أَن يُبَارك لَهما فِي ليلتهما) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره (يُبَارك لَكمَا فِي ليلتكما) وَفِي رِوَايَة عبد الله بن عبد الله: (فَجَاءَت بِعَبْد الله بن أبي طَلْحَة) . قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الْمَذْكُور فِي السَّنَد. قَوْله: (فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار) هُوَ عَبَايَة بن رِفَاعَة، وَهُوَ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) وَغَيره من طَرِيق سعيد بن مَسْرُوق عَن عَبَايَة بن رِفَاعَة قَالَ: (كَانَت أم أنس تحب أَبَا طَلْحَة) ، فَذكر الْقِصَّة شَبيهَة بسياق ثَابت عَن أنس، وَقَالَ فِي آخِره: (فَولدت لَهُ غُلَاما، قَالَ عَبَايَة: فَلَقَد رَأَيْت لذَلِك الْغُلَام سبع بَنِينَ كلهم قد ختم الْقُرْآن) ، قَالَ بَعضهم: أفادت هَذِه الرِّوَايَة أَن فِي رِوَايَة سُفْيَان تجوزا فِي قَوْله لَهما، لِأَن ظَاهره أَنه من ولدهما بِغَيْر وَاسِطَة، وَإِنَّمَا المُرَاد من أَوْلَاد ولدهما الْمَدْعُو لَهُ بِالْبركَةِ، وَهُوَ عبد الله بن أبي طَلْحَة. قلت: لَا نسلم التَّجَوُّز فِي رِوَايَة سُفْيَان لِأَنَّهُ مَا صرح فِي قَوْله: قَالَ رجل من الْأَنْصَار: فَرَأَيْت تِسْعَة أَوْلَاد كلهم قد قرأوا الْقُرْآن، وَلم يقل: رَأَيْت مِنْهُمَا، أَو لَهما تِسْعَة أَوْلَاد. وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يُبَارك لَهما) لَا يسْتَلْزم أَن يكون التِّسْعَة مِنْهُمَا. فَإِن قلت: قد وَقع فِي رِوَايَة عَبَايَة: (سبع بَنِينَ) ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: (تِسْعَة أَوْلَاد) ؟ قلت: الظَّاهِر أَن المُرَاد بالسبعة من ختم الْقُرْآن كُله، وبالتسعة من قَرَأَ معظمه. فَإِن قلت: ذكر ابْن سعد وَغَيره من أهل الْعلم بالأنساب أَن لَهُ من الْوَلَد: إِسْحَاق وَإِسْمَاعِيل وَعبد الله وَيَعْقُوب وَعمر وَالقَاسِم وَعمارَة وَإِبْرَاهِيم وَعُمَيْر وَزيد وَمُحَمّد، وَأَرْبع من الْبَنَات؟ قلت: قَول عَبَايَة: رَأَيْت سَبْعَة، أَو تِسْعَة فِي رِوَايَة سُفْيَان، لَا يُنَافِي الزِّيَادَة لِأَنَّهُ مَا أخبر إلَاّ عَمَّن رَآهُ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: عدم إِظْهَار الْحزن عِنْد الْمُصِيبَة، وَهُوَ فقه الْبَاب، كَمَا فعلت أم سليم فَإِنَّهَا اخْتَارَتْ الصَّبْر وقهرت نَفسهَا. وَفِيه: منقبة عَظِيمَة لأم سليم بصبرها ورضائها بِقَضَاء الله تَعَالَى. وَفِيه: جَوَاز الْأَخْذ بالشدة وَترك الرُّخْصَة لمن قدر عَلَيْهَا، وَأَن ذَلِك مِمَّا ينَال بِهِ العَبْد رفيع الدَّرَجَات وجزيل الْأجر. وَفِيه: أَن الْمَرْأَة تتزين لزَوجهَا تعرضا للجماع. وَفِيه: أَن من ترك شَيْئا لله تَعَالَى وآثر مَا ندب إِلَيْهِ وحض عَلَيْهِ من جميل الصَّبْر أَنه يعوض خيرا مِمَّا فَاتَهُ، أَلا ترى قَوْله: (فَرَأَيْت تِسْعَة أَوْلَاد كلهم قد قرأوا الْقُرْآن) ؟ وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة المعاريض الموهمة إِذا دعت الضَّرُورَة إِلَيْهَا، وَشرط جَوَازهَا أَن لَا تبطل حَقًا لمُسلم. وَفِيه: إِجَابَة دَعْوَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٢٤ - (بابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى)

يجوز فِي: بَاب، التَّنْوِين، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى الصَّبْر، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ارْتِفَاع بَاب على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب، وَلَفظ الصَّبْر عِنْد إِضَافَة الْبَاب إِلَيْهِ يكون مجرورا بِالْإِضَافَة، وَعند كَون الْبَاب منونا يكون لفظ الصَّبْر مَرْفُوعا على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله: عِنْد الصدمة الأولى.

وَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ نِعْمَ العِدْلَانِ ونِعْمَ العِلَاوَةُ الَّذِينَ إذَا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إنَّا لله وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ (الْبَقَرَة: ٦٥١، ٧٥١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الله تَعَالَى أخبر عَن الصابرين الَّذين يَقُولُونَ عِنْد الْمُصِيبَة: {إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون} (الْبَقَرَة: ٦٥١، ٧٥١) . وَأخْبر

أَنهم هم الَّذين {عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَأخْبر أَنهم: {هم المهتدون} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَإِنَّمَا استحقوا هَذِه الْفَضَائِل الجزيلة بصبرهم المبشر عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْبشَارَة، وَهُوَ الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى، وَهُوَ الصَّبْر الْمَحْمُود الَّذِي يكون عِنْد مفاجأة الْمُصِيبَة فَإِنَّهُ إِذا طَالَتْ الْأَيَّام عَلَيْهَا وَقع السلو وَصَارَ الصَّبْر حِينَئِذٍ طبعا. قَوْله: (نعم العدلان) بِكَسْر الْعين أَي المثلان، وَقَالَ الْمُهلب: العدلان الصَّلَوَات وَالرَّحْمَة والعلاوة: {أُولَئِكَ هم المهتدون} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَقيل: {إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون} (الْبَقَرَة: ٦٥١) . والعلاوة الَّتِي يُثَاب عَلَيْهَا. وَقَالَ ابْن التِّين: قَالَ أَبُو الْحسن: الْعدْل الْوَاحِد قَول الْمُصَاب: {إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون} (الْبَقَرَة: ٦٥١) . وَالْعدْل الثَّانِي الصَّلَوَات الَّتِي هِيَ عَلَيْهِنَّ من الله تَعَالَى، والعلاوة {وَأُولَئِكَ هم المهتدون} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَهُوَ ثَنَاء من الله تَعَالَى عَلَيْهِم. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّمَا هُوَ مثل ضربه للجزاء، فالعدلان عدلا الْبَعِير أَو الدَّابَّة، والعلاوة الغرارة الَّتِي تُوضَع فِي وسط العدلين مَمْلُوءَة، يَقُول: وكما حملت هَذِه الرَّاحِلَة وسقاءها فَإِنَّهَا لم يبْق مَوضِع يحمل عَلَيْهِ، فَكَذَلِك أعْطى هَذَا الْأجر وافرا، وعَلى قَول الدَّاودِيّ يكون العدلان والعلاوة. {أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . إِلَى {المهتدون} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَقَالَ ابْن قرقول: الْعدْل هُنَا نصف الْحمل على أحد شقي الدَّابَّة، وَالْحمل عَدْلَانِ، والعلاوة مَا جعل بَينهمَا. وَقيل: مَا علق على الْبَعِير، ضرب ذَلِك مثلا بقوله: {صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . قَالَ: فالصلوات عدل، وَالرَّحْمَة عدل. {وَأُولَئِكَ هم المهتدون} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . العلاوة. وَقَالَ الْفراء: الْعدْل، بِالْفَتْح: مَا عدل الشَّيْء من غير جنسه، وبالكسر: الْمثل، والعلاوة، بِالْكَسْرِ، مَا علقت على الْبَعِير بعد تَمام الوقر. نَحْو السقاء وَغَيره. قَوْله: (نعم) ، كلمة مدح، والعدلان فَاعله، (وَنعم العلاوة) عطف عَلَيْهِ. وَقَوله: (الَّذين) هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بالعدلين القَوْل وجزاؤه، أَي قَوْله الْكَلِمَتَيْنِ وَنَوع الثَّوَاب، وهما متلازمان فِي أَن الْعدْل الأول مركب من كَلِمَتَيْنِ، وَالثَّانِي من النَّوْعَيْنِ من الثَّوَاب، وَمعنى الصَّلَاة من الله الْمَغْفِرَة، ثمَّ هَذَا الْأَثر الْمُعَلق وَصله الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من طَرِيق جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن سعيد بن الْمسيب عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. كَمَا سَاقه البُخَارِيّ، وَزَاد {أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . نعم العدلان. {وَأُولَئِكَ هم المهتدون} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . نعم العلاوة. وَهَكَذَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم.

وقَوْلُهُ تَعَالى: {واسْتَعِينُوا بالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَاّ علَى الخَاشِعِينَ} (الْبَقَرَة: ٥٤) .

وَقَوله، مجرور لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: بَاب الصَّبْر، وَالتَّقْدِير: وَبَاب قَوْله تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا ... } (الْبَقَرَة: ٥٤) . الْآيَة، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا عطفا على قَوْله: (الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى) ، على تَقْدِير قطع الْإِضَافَة فِي لفظ: بَاب، كَمَا ذكرنَا فِيهِ الْوَجْهَيْنِ، وَجه ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة هُنَا هُوَ أَنه: لما كَانَ الْمعبر من الصَّبْر هُوَ الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى الَّذِي ذكرنَا مَعْنَاهُ أَتَى الصابر بصبر مقرون بِالصَّلَاةِ، وَلِهَذَا (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا حزبه أَمر صلَّى) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (تَفْسِيره) بِإِسْنَاد حسن عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَنه نعى إِلَيْهِ أَخُوهُ قثم، وَهُوَ فِي سفر، فَاسْتَرْجع ثمَّ تنحى عَن الطَّرِيق فَأَنَاخَ فصلى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فيهمَا الْجُلُوس، ثمَّ قَامَ وَهُوَ يَقُول: {وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة ... } (الْبَقَرَة: ٥٤) . الْآيَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: معنى الْآيَة: اسْتَعِينُوا على مَا يستقبلكم من أَنْوَاع البلايا بِالصبرِ وَالصَّلَاة، وَقيل: فِي أَمر الْآخِرَة، وَقيل: فِي ترك الرياسة. وَالصَّبْر الْحَبْس، لِأَن الصابر حَابِس نَفسه على مَا تكرههُ، وسمى الصَّوْم صبرا لحبس النَّفس فِيهِ عَن الطَّعَام وَغَيره، وَنهى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن قتل شَيْء من الدَّوَابّ صبرا وَهُوَ أَن يحبس حَيا. وَقيل: المُرَاد بِالصبرِ فِي هَذِه الْآيَة الصَّوْم، قَالَه مُجَاهِد. قَوْله: {وَإِنَّهَا} أَي: وَإِن الصَّلَاة، وَلم يقل: وإنهما، مَعَ أَن الْمَذْكُور: الصَّبْر وَالصَّلَاة، فَقيل: لِأَنَّهُ رد الضَّمِير إِلَى مَا هُوَ الأهم والأغلب، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا} (التَّوْبَة: ٤٣) . رد الضَّمِير إِلَى الْفضة لِأَنَّهَا أَعم وأغلب. فَإِن قلت: مَا وَجه الِاسْتِعَانَة بِالصَّلَاةِ؟ قلت: لما كَانَ فِيهَا تِلَاوَة الْقُرْآن وَالدُّعَاء والخضوع لله تَعَالَى كَانَ ذَلِك مَعُونَة على مَا تنَازع إِلَيْهِ النَّفس من حب الرياسة والأنفة من الانقياد إِلَى الطَّاعَة. قَوْله: {لكبيرة} أَي: شَدِيدَة ثَقيلَة على الْكَافرين إلَاّ على الخاشعين لَيست بكبيرة، والخاشع الَّذِي يرى أثر الذل والخضوع عَلَيْهِ، والخشوع فِي اللُّغَة: السّكُون. قَالَ: خَشَعت الْأَصْوَات للرحمن، وَقيل: الْخُشُوع فِي الصَّوْت وَالْبَصَر، والخضوع فِي الْبدن. فَإِن قلت: قد علمت أَن العَبْد مَنْهِيّ عَن الهجر وتسخط قَضَاء الرب فِي كل حَال، فَمَا وَجه خُصُوص نزُول النائبة بِالصبرِ فِي حَال حدوثها؟ قلت: لِأَن النَّفس عِنْد هجوم الْحَادِثَة تتحرك على الْخُشُوع لَيْسَ فِي غَيرهَا مثله، وَذَلِكَ يضعف على ضبط النَّفس فِيهَا لكثير من النَّاس، بل يصير كل جازع بعد ذَلِك إِلَى السلو ونسيان الْمُصِيبَة وَالْأَخْذ بقهر الصابر النَّفس،

وغلبته هَواهَا عِنْد صدمته يكون إيثارا لأمر الله تَعَالَى على هوى نَفسه، ومنجزا لوعده، بل السالي عَن مصائبه لَا يسْتَحق الصَّبْر على الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ آثر السلو على الْجزع وَاخْتَارَهُ، وَإِنَّمَا الصَّبْر على الْحَقِيقَة من صَبر نَفسه وحبسها عَن شهواتها وقهرها عَن الْحزن والجزع والبكاء الَّذِي فِيهِ رَاحَة النَّفس وإطفاء لنار الْحزن، فَإِذا قَابل سُورَة الْحزن وهجومه بِالصبرِ الْجَمِيل، وَتحقّق أَنه لَا خُرُوج لَهُ عَن قَضَائِهِ وَأَنه يرجع إِلَيْهِ بعد الْمَوْت، اسْتحق حِينَئِذٍ جزيل الْأجر وعد من الصابرين الَّذين وعدهم الله بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة.

٢٠٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ ثَابِتٍ. قَالَ سَمِعْتُ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأولى.

التَّرْجَمَة هِيَ عين الحَدِيث، وَقد مر الحَدِيث مطولا فِي: بَاب زِيَارَة الْقُبُور، أخرجه عَن آدم عَن شُعْبَة. . إِلَى آخِره، وَلَفظه هُنَاكَ: (إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى) ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد تكَرر ذكره.

٣٤ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِم تقع هَذِه التَّرْجَمَة وَلَا التَّعْلِيق الْمَذْكُور بعْدهَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَإِنَّمَا ذكرا فِي رِوَايَة البَاقِينَ.

وقالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَدْمَعُ العَيْنُ ويَحْزَنُ القَلْبُ

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُصَاب إِذا كَانَ مَحْزُونا تَدْمَع عينه، فَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَخذ من بعض معنى الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا الْبَاب، وَلَفظه: (إِن الله لَا يعذب بدمع الْعين وَلَا يحزن الْقلب) ، وَذَلِكَ لِأَن عدم تَعْذِيب الله بدمع الْعين وحزن الْقلب يسْتَلْزم أَنَّهُمَا إِذا وجدا لَا يعذب بهما، وباللفظ الْمَذْكُور روى مُسلم من حَدِيث أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ولد لي اللَّيْلَة غُلَام فسميته إِبْرَاهِيم. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب) ، وَوَقع كَذَلِك فِي حَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أَسمَاء بنت يزِيد، قَالَت: (لما توفّي ابْن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الحَدِيث، وَفِيه: (تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب) . وَكَذَا وَقع فِي حَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (توفّي ابْن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِبْرَاهِيم بَكَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الحَدِيث، وَفِيه: (تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب) . وَكَذَا وَقع فِي حَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان عَن (أبي هُرَيْرَة، قَالَ: توفّي ابْن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الحَدِيث، وَفِيه: ((الْقلب يحزن وَالْعين تَدْمَع) . وَوَقع أَيْضا فِي حَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (عَن أبي أُمَامَة، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين توفّي إِبْرَاهِيم. .) الحَدِيث، وَفِيه: (يحزن الْقلب وتدمع الْعين وَلَا نقُول مَا يسْخط الرب وَإِنَّا على إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ) . وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَيْضا: (عَن السَّائِب بن يزِيد: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما هلك ابْنه طَاهِر) الحَدِيث، وَفِيه: (إِن الْعين تذرف، وَإِن الدمع يغلب، وَإِن الْقلب يحزن وَلَا نعصى الله عز وَجل) .

٣٠٣١ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ حَسَّانَ قَالَ حدَّثنا قُرَيْشٌ هُوَ ابنُ حَيَّانَ عنْ ثَابِتٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ دَخَلْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى أبِي سَيْفٍ القَيْنِ وكانَ ظِئْرا لإِبْرَاهِيمَ عليهِ السَّلامُ فأخَذَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عليْهِ بَعْدَ ذالِكَ وَإبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَذْرِفانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحمانِ بنِ عَوْفٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وأنْتَ يَا رَسُول الله فَقَالَ يَا ابنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ والقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إلَاّ مَا يَرْضى ربُّنَا وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: الْحسن بن عبد الْعَزِيز ابْن الْوَزير الجروي، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء: الجذامي، مَاتَ بالعراق سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن حسان، منصرفا وَغير منصرف، أَبُو زَكَرِيَّاء الإِمَام الرئيس. الثَّالِث: قُرَيْش، بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة. ابْن حَيَّان من الْحَيَاة أَبُو بكر الْعجلِيّ، بِكَسْر الْعين. الرَّابِع: ثَابت بن أسلم الْبنانِيّ. الْخَامِس: أنس بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه جروي وَهِي قَرْيَة من قرى تنيس، وَيُقَال لَهُ التنيسِي أَيْضا، وَهُوَ من طبقَة البُخَارِيّ، وَمَات بعده بِسنة وَلَيْسَ عِنْده سوى هَذَا الحَدِيث، وحديثين آخَرين فِي التَّفْسِير، وَشَيْخه هَذَا من أَفْرَاده وَيحيى بن حسان أَيْضا تنيسي، أدْركهُ البُخَارِيّ وَلم يلقه لِأَنَّهُ مَاتَ قبل أَن يدْخل مصر، وقريش وثابت بصريان.

وَالْبُخَارِيّ تفرد بِهِ بِهَذَا السَّنَد.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على أبي سيف الْقَيْن) سيف، بِفَتْح السِّين، و: الْقَيْن، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون. وَهُوَ صفة لَهُ واسْمه: الْبَراء بن أَوْس الْأنْصَارِيّ، والقين: الْحداد، قَالَ ابْن سَيّده: قيل: كل صانع قين، وَالْجمع: أقيان وقيون، وَيُقَال: قان يَقِين قيانة، صَار قينا. وقان الحديدة عَملهَا، وقان الْإِنَاء يقينه قينا: أصلحه، والمقين المزين. وَفِي (الطَّبَقَات الْكَبِير) لمُحَمد بن سعد عَن مُحَمَّد بن عمر: ولد إِبْرَاهِيم فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة، وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة: لما ولد تنافست فِيهِ نسَاء الْأَنْصَار أيتهن ترْضِعه، فَدفعهُ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى أم بردة بنت الْمُنْذر بن زيد بن لبيد بن خِدَاش بن عَامر بن تَمِيم بن عدي بن النجار، وَزوجهَا الْبَراء بن أَوْس بن الْجَعْد بن عَوْف بن مبذول بن عَمْرو بن غنم بن عدي بن النجار، فَكَانَت ترْضِعه، وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْتِيهِ فِي بني النجار. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إسم أم بردة: خَوْلَة بنت الْمُنْذر، زَوْجَة أبي سيف الْبَراء بن أَوْس. قَوْله: (وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيم) ، أَي: كَانَ أَبُو سيف الْبَراء ظِئْرًا لإِبْرَاهِيم ابْن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الظِّئْر: زوج الْمُرضعَة، وَتسَمى الْمُرضعَة أَيْضا ظِئْرًا، قَالَه ابْن قرقول. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الظِّئْر الْمُرضعَة، وَلما كَانَ زَوجهَا تكفله سمي ظِئْرًا، وَأَصله عطف على النَّاقة على غير وَلَدهَا ترْضِعه، وَالِاسْم: الظأر. وَفِي (الْجَامِع) : ظئرت النَّاقة فَهِيَ مظئورة، وظأرت فُلَانَة إِذا أخذت ولدا غير وَلَدهَا لترضعه، وأظأرت أَنا وَلَدي ظِئْرًا إِذا اتخذته لَهُ. وَفِي (الْمُحكم) : الظِّئْر العاطفة على ولد غَيرهَا، الْمُرضعَة من النَّاس وَالْإِبِل الذّكر والانثى فِي ذَلِك سَوَاء، وَالْجمع: أظؤر وأظآر وظئور وظئورة وظؤار، الْأَخير من الْجمع الْعَزِيز، وظئورة. وَهُوَ عِنْد سِيبَوَيْهٍ: اسْم للْجمع، وَقيل: الْجمع من الْإِبِل ظؤار، وَمن النِّسَاء ظئورة. وَفِي (الصِّحَاح) : وَالْجمع ظآر على وزن فعال بِالضَّمِّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: لَا يجمع على فعلة إلَاّ ثَلَاثَة أحرف: ظئر وظئورة، وَصَاحب وصحبة، وفاره وفرهة. قَوْله: (لإِبْرَاهِيم) أَي: ابْن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَفظه عِنْد مُسلم فِي أَوله: (ولد لي اللَّيْلَة غُلَام فسميته باسم أبي إِبْرَاهِيم، ثمَّ دَفعه إِلَى أم سيف امْرَأَة قين بِالْمَدِينَةِ يُقَال لَهُ أَبُو سيف، فَانْطَلق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فاتبعته، فَانْتهى إِلَى أبي سيف وَهُوَ ينْفخ بكيره وَقد امْتَلَأَ الْبَيْت دخانا، فتسرعت الْمَشْي بَين يَدي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقلت: يَا أَبَا سيف أمسك، جَاءَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَقَوله: (وَإِبْرَاهِيم يجود بِنَفسِهِ) أَي: يُخرجهَا ويدفعها كَمَا يجود الْإِنْسَان بِإِخْرَاج مَاله، وَفِي بعض طرقه: يكيد بِنَفسِهِ. قَالَ صَاحب (الْعين) : أَي: يَسُوق بهَا، من كَاد يكيد أَي: قَارب الْمَوْت. قَوْله: (تَذْرِفَانِ) ، بذال مُعْجمَة وَفَاء: من ذرفت الْعين تذرف، بِالْكَسْرِ: إِذا جرى دمعها. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ) أَي: لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَأَنت يَا رَسُول الله؟) مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره، النَّاس لَا يصبرون عِنْد المصائب وَأَنت يَا رَسُول الله تفعل كفعلهم، كَأَنَّهُ تعجب واستغرب ذَلِك مِنْهُ لمقاومته الْمُصِيبَة، ولعهده أَنه يحث على الصَّبْر وَينْهى عَن الْجزع. قَوْله: (فَقَالَ: يَا ابْن عَوْف) ، هَذَا جَوَاب من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، فَقَالَ: يَا ابْن عَوْف إِنَّهَا رَحْمَة أَي: إِن الْحَالة الَّتِي شاهدتها مني هِيَ رقة وشفقة على الْوَلَد، وَلَيْسَت بجزع كَمَا توهمت أَنْت، وَوَقع فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف نَفسه، (فَقلت: يَا رَسُول الله تبْكي؟ أَو لم تنه عَن الْبكاء؟) وَزَاد فِيهِ: (إِنَّمَا نهيت عَن صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين: صَوت عِنْد نَغمَة لَهو وَلعب وَمَزَامِير الشَّيْطَان، وَصَوت عِنْد مُصِيبَة وخمش وَجه وشق جُيُوب وَرَنَّة شَيْطَان، وَإِنَّمَا هَذَا رَحْمَة، وَمن لَا يرحم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

زَادَ حَمَّادٌ: فَاسْتَرْجَعَ.

قَوْلُهُ: (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: لَهُمَا فِي لَيْلَتِهِمَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا. وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا فَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ دَعَا بِذَلِكَ، وَرَجَا إِجَابَةَ دُعَائِهِ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ ثَابِتٍ، وَكَذَا عَنْ حُمَيْدٍ فِي أَنَّهُ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا. وَعُرِفَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ الدُّعَاءُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ. وَفِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ مِنَ الزِّيَادَةِ: فَوَلَدَتْ غُلَامًا. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: فَجَاءَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قِصَّةِ تَحْنِيكِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْعَقِيقَةِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. . . إِلَخْ) هُوَ عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ، لِمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُسَدَّدٌ، وَابْنُ سَعْدٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ أَنَسٍ تَحْتَ أَبِي طَلْحَةَ. فَذَكَرَ الْقِصَّةَ شَبِيهَةً بِسِيَاقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا، قَالَ عَبَايَةُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ لِذَلِكَ الْغُلَامِ سَبْعَ بَنِينَ كُلَّهُمْ قَدْ خَتَمَ الْقُرْآنَ. وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ تَجَوُّزًا فِي قَوْلِهِ: لَهُمَا لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِهِمَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْ أَوْلَادِ وَلَدِهِمَا الْمَدْعُوِّ لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ تِسْعَةٌ وَفِي هَذِهِ سَبْعَةٌ، فَلَعَلَّ فِي أَحَدِهِمَا تَصْحِيفًا، أَوِ الْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَبِالتِّسْعَةِ مَنْ قَرَأَ مُعْظَمَهُ، وَلَهُ مِنَ الْوَلَدِ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَنْسَابِ: إِسْحَاقُ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَيَعْقُوبُ، وَعُمَرُ، وَالْقَاسِمُ، وَعُمَارَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَعُمَيْرٌ، وَزَيْدٌ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَرْبَعٌ مِنَ الْبَنَاتِ.

وَفِي قِصَّةِ أُمِّ سُلَيْمٍ هَذِهِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا: جَوَازُ الْأَخ ذِ بِالشِّدَّةِ، وَتَرْكُ الرُّخْصَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَالتَّسْلِيَةُ عَنِ الْمَصَائِبِ، وَتَزَيُّنُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَتَعَرُّضُهَا لِطَلَبِ الْجِمَاعِ مِنْهُ، وَاجْتِهَادُهَا فِي عَمَلِ مَصَالِحِهِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْمَعَارِيضِ الْمُوهِمَةِ إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهَا، وَشَرْطُ جَوَازِهَا أَنْ لَا تُبْطِلَ حَقًّا لِمُسْلِمٍ. وَكَانَ الْحَامِلُ لِأُمِّ سُلَيْمٍ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي الصَّبْرِ وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَجَاءَ إِخْلَافِهِ عَلَيْهَا مَا فَاتَ مِنْهَا، إِذْ لَوْ أَعْلَمَتْ أَبَا طَلْحَةَ بِالْأَمْرِ فِي أَوَّلِ الْحَالِ تَنَكَّدَ عَلَيْهِ وَقْتُهُ، وَلَمْ تَبْلُغِ الْغَرَضَ الَّذِي أَرَادَتْهُ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ نِيَّتِهَا بَلَّغَهَا مُنَاهَا، وَأَصْلَحَ لَهَا ذُرِّيَّتَهَا. وَفِيهِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ، وَبَيَانُ حَالِ أُمِّ سُلَيْمٍ مِنَ التَّجَلُّدِ وَجَوْدَةِ الرَّأْيِ وَقُوَّةِ الْعَزْمِ، وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ وَالْمَغَازِي أَنَّهَا كَانَتْ تَشْهَدُ الْقِتَالَ وَتَقُومُ بِخِدْمَةِ الْمُجَاهِدِينَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا انْفَرَدَتْ بِهِ عَنْ مُعْظَمِ النِّسْوَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ حَدِيثِ: أَبِي عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَدَبِ، وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ سُمِّيَ بِهِ غَيْرُ الْكُنْيَةِ الَّتِي اشْتَهَرَ بِهَا.

٤٢ - بَاب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى. وَقَالَ عُمَرُ : نِعْمَ الْعِدْلَانِ وَنِعْمَ الْعِلَاوَةُ: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾

١٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بالقلب، ومجاهدة الشَّيطان، ومناجاة الحقِّ، وقراءة القرآن، والتَّكلم بالشَّهادتين، وكفِّ النَّفس عن الأطيبين، حتَّى تُجابوا إلى تحصيل المآرب (﴿وَإِنَّهَا﴾) أي: الاستعانة بهما، أو الصَّلاة، وتخصيصها بردِّ الضَّمير إليها؛ لِعِظَم (١) شأنها، واستجماعِها ضروبًا من الصبر (﴿لَكَبِيرَةٌ﴾) لثقيلةٌ شاقَّةٌ (﴿إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]) المخبتين، والخشوع: الإخبات، وأخرج أبو داود بإسنادٍ حسنٍ عن حذيفة قال: كان رسول الله إذا حَزَبَه أمرٌ صلَّى، ومن أسرار الصَّلاة: أنَّها تعين على الصَّبر؛ لما فيها من الذِّكر والدُّعاء والخضوع (٢).

١٣٠٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة والشِّين المعجمة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو لقب محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ ثَابِتٍ) البُنَانيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ () يقول (٣) (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: الصَّبْرُ) الكثير الثَّواب الصَّبرُ (عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) فإنَّ مفاجأة المصيبة بغتةً لها روعةٌ تزعزع القلب، وتزعجه بصدمتها، فإن صبر للصَّدمة الأولى انكسرت حدَّتها، وضعفت قوَّتها، فهان عليه استدامة الصَّبر، فأمَّا إذا طالت الأيَّام على المصاب وقع السُّلُوُّ وصار الصَّبر حينئذٍ طبعًا، فلا يؤجر عليه (٤) مثل ذلك، والصَّابر على الحقيقة (٥): مَن صبَّر نفسه، وحبسها عن شهواتها، وقهرها عن الحزن والجزع، والبكاء

الَّذي فيه راحة النَّفس، وإطفاء نار الحزن، فإذا قابل فيها سَوْرَة الحزن وهجومه بالصَّبر الجميل، وتحقَّق أنَّه لا خروج له عن قضائه تعالى، وأنَّه يرجع إليه، وعلم يقينًا أنَّ الآجال لا تقديم فيها ولا تأخير، وأنَّ المقادير بيده تعالى، ومنه استحقَّ حينئذٍ جزيل الثَّواب، فضلًا منه تعالى، وعُدَّ من الصَّابرين الَّذين وعدهم الله (١) بالرَّحمة والمغفرة، وإذا جزع ولم يصبر أَثِم وأتعب نفسه، ولم يردَّ من قضاء الله شيئًا، ولو لم يكن من فضل الصَّبر للعبد (٢) إلَّا الفوز بدرجة المعيَّة والمحبَّة ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) [آل عمران: ١٤٦] لكفى، فنسأل الله العافية والرِّضا، واعلم أنَّ المصيبة كير العبد الَّذي يُسبك فيها حاصلُه (٤)، فإمَّا أن يخرج ذهبًا أحمر، وإمَّا أن يخرج خبثًا كلَّه، كما قيل:

سبكناه ونحسبه لُجينًا … فأبدى الكير عن خبث الحديد

فإن (٥) لم ينفعه هذا الكير في الدُّنيا فبين يديه الكير الأعظم، فإذا علم العبد أنَّ إدخاله كير الدُّنيا ومسبكها خيرٌ له من ذلك الكير والمسبك، وأنَّه لا بدَّ له (٦) من أحد الكيرين؛ فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل، فالعبد إذا امتحنه الله بمصيبةٍ (٧) فصبر عند الصَّدمة الأولى فليحمد الله تعالى على (٨) أنْ أهَّلَه لذلك وثبَّته عليه، وقد اختُلِف: هل المصائب مكفِّراتٌ أو

مثيباتٌ؟ فذهب الشَّيخ عزُّ الدِّين (١) بن عبد السَّلام في طائفةٍ إلى أنَّه: إنَّما يثاب على الصَّبر عليها؛ لأنَّ الثَّواب إنَّما يكون على فعل العبد، والمصائب لا صنع له فيها، وقد يصيب الكافر مثل ما يصيب المسلم، وذهب آخرون إلى أنَّه يُثاب عليها؛ لآية ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] وحديث «الصَّحيحين»: «والَّذي نفسي بيده ما على الأرض مسلمٌ يصيبه أذًى من مرضٍ فما سواه إلَّا حطَّ الله عنه به خطاياه كما تحطُّ الشَّجرة اليابسة ورقها» [خ¦٥٦٦٧] وفيهما: «ما من مصيبة تصيب المسلم من نَصَبً ولا وَصَبٍ، ولا همٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أَذًى ولا غمٍّ، حتَّى الشَّوكة إلَّا كفَّر اللهُ ﷿ بها خطاياه» [خ¦٥٦٤١] فالغمُّ: على المستقبل، والحزن: على الماضي، والنَّصَب والوَصَب: المرض، وفيه: حلفه تقويةً لإيمان الضَّعيف، ومسمَّى «مسلم» وإن قلَّ ولو مذنبًا، ومسمَّى «أذًى» وإن قلَّ، وذكر «خطاياه»، ولم يقل: «منها»، طفح الكرم، حتَّى غفر بمجرَّد ألم، ولو لم يكن للمبتلى في الصَّبر قَدَم.

(٤٣) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ) لابنه إبراهيم: (إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين (، عَنِ النَّبِيِّ : تَدْمَعُ العَيْنُ، وَيَحْزَنُ القَلْبُ) وهذه الجملة كلُّها من «باب» إلى آخر قوله: «ويحزن القلب» ساقطةٌ عند الحَمُّويي وثابتةٌ لغيره.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أنس قَالَ: مَاتَ ابْن لأبي طَلْحَة من أم سليم، فَقَالَت لأَهْلهَا: لَا تحدثُوا أَبَا طَلْحَة بِابْنِهِ حَتَّى أكون أَنا أحدثه. قَالَ: فجَاء فقربت إِلَيْهِ عشَاء فَأكل وَشرب، قَالَ: ثمَّ تصنعت لَهُ أحسن مَا كَانَت تصنع قبل ذَلِك، فَوَقع بهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أَنه قد شبع وَأصَاب مِنْهَا قَالَت: يَا أَبَا طَلْحَة! أَرَأَيْت أَن قومآ أعاروا عاريتهم أهل بَيت فطلبوا عاريتهم ألهم أَن يمنعوهم؟ قَالَ: لَا، قَالَت: احتسب ابْنك. قَالَ: فَغَضب، وَقَالَ: تركتيني ثمَّ تلطخت ثمَّ اخبرتيني بِابْني؟ فَانْطَلق حَتَّى أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبرهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بَارك الله لَكمَا فِي غابر ليلتكما، قَالَ: فَحملت) الحَدِيث بِطُولِهِ. وَفِي رِوَايَة عبد الله؛ (فَقَالَت: يَا أَبَا طَلْحَة أَرَأَيْت قوما أعاروا مَتَاعهمْ ثمَّ بدا لَهُم فِيهِ فَأَخَذُوهُ فكأنهم وجدوا فِي أنفسهم) زَاد حَمَّاد فِي رِوَايَته عَن ثَابت: (فَأَبَوا أَن يردوها، فَقَالَ أَبُو طَلْحَة: لَيْسَ لَهُم ذَلِك، إِن الْعَارِية مُؤَدَّاة إِلَى أَهلهَا. ثمَّ اتفقَا، فَقَالَت: إِن الله أعارنا فلَانا ثمَّ أَخذه منا) . زَاد حَمَّاد: (فَاسْتَرْجع) . قَوْله: (لَعَلَّ الله أَن يُبَارك لَهما فِي ليلتهما) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره (يُبَارك لَكمَا فِي ليلتكما) وَفِي رِوَايَة عبد الله بن عبد الله: (فَجَاءَت بِعَبْد الله بن أبي طَلْحَة) . قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الْمَذْكُور فِي السَّنَد. قَوْله: (فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار) هُوَ عَبَايَة بن رِفَاعَة، وَهُوَ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) وَغَيره من طَرِيق سعيد بن مَسْرُوق عَن عَبَايَة بن رِفَاعَة قَالَ: (كَانَت أم أنس تحب أَبَا طَلْحَة) ، فَذكر الْقِصَّة شَبيهَة بسياق ثَابت عَن أنس، وَقَالَ فِي آخِره: (فَولدت لَهُ غُلَاما، قَالَ عَبَايَة: فَلَقَد رَأَيْت لذَلِك الْغُلَام سبع بَنِينَ كلهم قد ختم الْقُرْآن) ، قَالَ بَعضهم: أفادت هَذِه الرِّوَايَة أَن فِي رِوَايَة سُفْيَان تجوزا فِي قَوْله لَهما، لِأَن ظَاهره أَنه من ولدهما بِغَيْر وَاسِطَة، وَإِنَّمَا المُرَاد من أَوْلَاد ولدهما الْمَدْعُو لَهُ بِالْبركَةِ، وَهُوَ عبد الله بن أبي طَلْحَة. قلت: لَا نسلم التَّجَوُّز فِي رِوَايَة سُفْيَان لِأَنَّهُ مَا صرح فِي قَوْله: قَالَ رجل من الْأَنْصَار: فَرَأَيْت تِسْعَة أَوْلَاد كلهم قد قرأوا الْقُرْآن، وَلم يقل: رَأَيْت مِنْهُمَا، أَو لَهما تِسْعَة أَوْلَاد. وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يُبَارك لَهما) لَا يسْتَلْزم أَن يكون التِّسْعَة مِنْهُمَا. فَإِن قلت: قد وَقع فِي رِوَايَة عَبَايَة: (سبع بَنِينَ) ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: (تِسْعَة أَوْلَاد) ؟ قلت: الظَّاهِر أَن المُرَاد بالسبعة من ختم الْقُرْآن كُله، وبالتسعة من قَرَأَ معظمه. فَإِن قلت: ذكر ابْن سعد وَغَيره من أهل الْعلم بالأنساب أَن لَهُ من الْوَلَد: إِسْحَاق وَإِسْمَاعِيل وَعبد الله وَيَعْقُوب وَعمر وَالقَاسِم وَعمارَة وَإِبْرَاهِيم وَعُمَيْر وَزيد وَمُحَمّد، وَأَرْبع من الْبَنَات؟ قلت: قَول عَبَايَة: رَأَيْت سَبْعَة، أَو تِسْعَة فِي رِوَايَة سُفْيَان، لَا يُنَافِي الزِّيَادَة لِأَنَّهُ مَا أخبر إلَاّ عَمَّن رَآهُ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: عدم إِظْهَار الْحزن عِنْد الْمُصِيبَة، وَهُوَ فقه الْبَاب، كَمَا فعلت أم سليم فَإِنَّهَا اخْتَارَتْ الصَّبْر وقهرت نَفسهَا. وَفِيه: منقبة عَظِيمَة لأم سليم بصبرها ورضائها بِقَضَاء الله تَعَالَى. وَفِيه: جَوَاز الْأَخْذ بالشدة وَترك الرُّخْصَة لمن قدر عَلَيْهَا، وَأَن ذَلِك مِمَّا ينَال بِهِ العَبْد رفيع الدَّرَجَات وجزيل الْأجر. وَفِيه: أَن الْمَرْأَة تتزين لزَوجهَا تعرضا للجماع. وَفِيه: أَن من ترك شَيْئا لله تَعَالَى وآثر مَا ندب إِلَيْهِ وحض عَلَيْهِ من جميل الصَّبْر أَنه يعوض خيرا مِمَّا فَاتَهُ، أَلا ترى قَوْله: (فَرَأَيْت تِسْعَة أَوْلَاد كلهم قد قرأوا الْقُرْآن) ؟ وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة المعاريض الموهمة إِذا دعت الضَّرُورَة إِلَيْهَا، وَشرط جَوَازهَا أَن لَا تبطل حَقًا لمُسلم. وَفِيه: إِجَابَة دَعْوَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٢٤ - (بابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى)

يجوز فِي: بَاب، التَّنْوِين، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى الصَّبْر، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ارْتِفَاع بَاب على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب، وَلَفظ الصَّبْر عِنْد إِضَافَة الْبَاب إِلَيْهِ يكون مجرورا بِالْإِضَافَة، وَعند كَون الْبَاب منونا يكون لفظ الصَّبْر مَرْفُوعا على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله: عِنْد الصدمة الأولى.

وَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ نِعْمَ العِدْلَانِ ونِعْمَ العِلَاوَةُ الَّذِينَ إذَا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إنَّا لله وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ (الْبَقَرَة: ٦٥١، ٧٥١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الله تَعَالَى أخبر عَن الصابرين الَّذين يَقُولُونَ عِنْد الْمُصِيبَة: {إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون} (الْبَقَرَة: ٦٥١، ٧٥١) . وَأخْبر

أَنهم هم الَّذين {عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَأخْبر أَنهم: {هم المهتدون} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَإِنَّمَا استحقوا هَذِه الْفَضَائِل الجزيلة بصبرهم المبشر عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْبشَارَة، وَهُوَ الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى، وَهُوَ الصَّبْر الْمَحْمُود الَّذِي يكون عِنْد مفاجأة الْمُصِيبَة فَإِنَّهُ إِذا طَالَتْ الْأَيَّام عَلَيْهَا وَقع السلو وَصَارَ الصَّبْر حِينَئِذٍ طبعا. قَوْله: (نعم العدلان) بِكَسْر الْعين أَي المثلان، وَقَالَ الْمُهلب: العدلان الصَّلَوَات وَالرَّحْمَة والعلاوة: {أُولَئِكَ هم المهتدون} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَقيل: {إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون} (الْبَقَرَة: ٦٥١) . والعلاوة الَّتِي يُثَاب عَلَيْهَا. وَقَالَ ابْن التِّين: قَالَ أَبُو الْحسن: الْعدْل الْوَاحِد قَول الْمُصَاب: {إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون} (الْبَقَرَة: ٦٥١) . وَالْعدْل الثَّانِي الصَّلَوَات الَّتِي هِيَ عَلَيْهِنَّ من الله تَعَالَى، والعلاوة {وَأُولَئِكَ هم المهتدون} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَهُوَ ثَنَاء من الله تَعَالَى عَلَيْهِم. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّمَا هُوَ مثل ضربه للجزاء، فالعدلان عدلا الْبَعِير أَو الدَّابَّة، والعلاوة الغرارة الَّتِي تُوضَع فِي وسط العدلين مَمْلُوءَة، يَقُول: وكما حملت هَذِه الرَّاحِلَة وسقاءها فَإِنَّهَا لم يبْق مَوضِع يحمل عَلَيْهِ، فَكَذَلِك أعْطى هَذَا الْأجر وافرا، وعَلى قَول الدَّاودِيّ يكون العدلان والعلاوة. {أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . إِلَى {المهتدون} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . وَقَالَ ابْن قرقول: الْعدْل هُنَا نصف الْحمل على أحد شقي الدَّابَّة، وَالْحمل عَدْلَانِ، والعلاوة مَا جعل بَينهمَا. وَقيل: مَا علق على الْبَعِير، ضرب ذَلِك مثلا بقوله: {صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . قَالَ: فالصلوات عدل، وَالرَّحْمَة عدل. {وَأُولَئِكَ هم المهتدون} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . العلاوة. وَقَالَ الْفراء: الْعدْل، بِالْفَتْح: مَا عدل الشَّيْء من غير جنسه، وبالكسر: الْمثل، والعلاوة، بِالْكَسْرِ، مَا علقت على الْبَعِير بعد تَمام الوقر. نَحْو السقاء وَغَيره. قَوْله: (نعم) ، كلمة مدح، والعدلان فَاعله، (وَنعم العلاوة) عطف عَلَيْهِ. وَقَوله: (الَّذين) هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بالعدلين القَوْل وجزاؤه، أَي قَوْله الْكَلِمَتَيْنِ وَنَوع الثَّوَاب، وهما متلازمان فِي أَن الْعدْل الأول مركب من كَلِمَتَيْنِ، وَالثَّانِي من النَّوْعَيْنِ من الثَّوَاب، وَمعنى الصَّلَاة من الله الْمَغْفِرَة، ثمَّ هَذَا الْأَثر الْمُعَلق وَصله الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من طَرِيق جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن سعيد بن الْمسيب عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. كَمَا سَاقه البُخَارِيّ، وَزَاد {أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . نعم العدلان. {وَأُولَئِكَ هم المهتدون} (الْبَقَرَة: ٧٥١) . نعم العلاوة. وَهَكَذَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم.

وقَوْلُهُ تَعَالى: {واسْتَعِينُوا بالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَاّ علَى الخَاشِعِينَ} (الْبَقَرَة: ٥٤) .

وَقَوله، مجرور لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: بَاب الصَّبْر، وَالتَّقْدِير: وَبَاب قَوْله تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا ... } (الْبَقَرَة: ٥٤) . الْآيَة، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا عطفا على قَوْله: (الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى) ، على تَقْدِير قطع الْإِضَافَة فِي لفظ: بَاب، كَمَا ذكرنَا فِيهِ الْوَجْهَيْنِ، وَجه ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة هُنَا هُوَ أَنه: لما كَانَ الْمعبر من الصَّبْر هُوَ الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى الَّذِي ذكرنَا مَعْنَاهُ أَتَى الصابر بصبر مقرون بِالصَّلَاةِ، وَلِهَذَا (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا حزبه أَمر صلَّى) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (تَفْسِيره) بِإِسْنَاد حسن عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَنه نعى إِلَيْهِ أَخُوهُ قثم، وَهُوَ فِي سفر، فَاسْتَرْجع ثمَّ تنحى عَن الطَّرِيق فَأَنَاخَ فصلى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فيهمَا الْجُلُوس، ثمَّ قَامَ وَهُوَ يَقُول: {وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة ... } (الْبَقَرَة: ٥٤) . الْآيَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: معنى الْآيَة: اسْتَعِينُوا على مَا يستقبلكم من أَنْوَاع البلايا بِالصبرِ وَالصَّلَاة، وَقيل: فِي أَمر الْآخِرَة، وَقيل: فِي ترك الرياسة. وَالصَّبْر الْحَبْس، لِأَن الصابر حَابِس نَفسه على مَا تكرههُ، وسمى الصَّوْم صبرا لحبس النَّفس فِيهِ عَن الطَّعَام وَغَيره، وَنهى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن قتل شَيْء من الدَّوَابّ صبرا وَهُوَ أَن يحبس حَيا. وَقيل: المُرَاد بِالصبرِ فِي هَذِه الْآيَة الصَّوْم، قَالَه مُجَاهِد. قَوْله: {وَإِنَّهَا} أَي: وَإِن الصَّلَاة، وَلم يقل: وإنهما، مَعَ أَن الْمَذْكُور: الصَّبْر وَالصَّلَاة، فَقيل: لِأَنَّهُ رد الضَّمِير إِلَى مَا هُوَ الأهم والأغلب، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا} (التَّوْبَة: ٤٣) . رد الضَّمِير إِلَى الْفضة لِأَنَّهَا أَعم وأغلب. فَإِن قلت: مَا وَجه الِاسْتِعَانَة بِالصَّلَاةِ؟ قلت: لما كَانَ فِيهَا تِلَاوَة الْقُرْآن وَالدُّعَاء والخضوع لله تَعَالَى كَانَ ذَلِك مَعُونَة على مَا تنَازع إِلَيْهِ النَّفس من حب الرياسة والأنفة من الانقياد إِلَى الطَّاعَة. قَوْله: {لكبيرة} أَي: شَدِيدَة ثَقيلَة على الْكَافرين إلَاّ على الخاشعين لَيست بكبيرة، والخاشع الَّذِي يرى أثر الذل والخضوع عَلَيْهِ، والخشوع فِي اللُّغَة: السّكُون. قَالَ: خَشَعت الْأَصْوَات للرحمن، وَقيل: الْخُشُوع فِي الصَّوْت وَالْبَصَر، والخضوع فِي الْبدن. فَإِن قلت: قد علمت أَن العَبْد مَنْهِيّ عَن الهجر وتسخط قَضَاء الرب فِي كل حَال، فَمَا وَجه خُصُوص نزُول النائبة بِالصبرِ فِي حَال حدوثها؟ قلت: لِأَن النَّفس عِنْد هجوم الْحَادِثَة تتحرك على الْخُشُوع لَيْسَ فِي غَيرهَا مثله، وَذَلِكَ يضعف على ضبط النَّفس فِيهَا لكثير من النَّاس، بل يصير كل جازع بعد ذَلِك إِلَى السلو ونسيان الْمُصِيبَة وَالْأَخْذ بقهر الصابر النَّفس،

وغلبته هَواهَا عِنْد صدمته يكون إيثارا لأمر الله تَعَالَى على هوى نَفسه، ومنجزا لوعده، بل السالي عَن مصائبه لَا يسْتَحق الصَّبْر على الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ آثر السلو على الْجزع وَاخْتَارَهُ، وَإِنَّمَا الصَّبْر على الْحَقِيقَة من صَبر نَفسه وحبسها عَن شهواتها وقهرها عَن الْحزن والجزع والبكاء الَّذِي فِيهِ رَاحَة النَّفس وإطفاء لنار الْحزن، فَإِذا قَابل سُورَة الْحزن وهجومه بِالصبرِ الْجَمِيل، وَتحقّق أَنه لَا خُرُوج لَهُ عَن قَضَائِهِ وَأَنه يرجع إِلَيْهِ بعد الْمَوْت، اسْتحق حِينَئِذٍ جزيل الْأجر وعد من الصابرين الَّذين وعدهم الله بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة.

٢٠٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ ثَابِتٍ. قَالَ سَمِعْتُ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأولى.

التَّرْجَمَة هِيَ عين الحَدِيث، وَقد مر الحَدِيث مطولا فِي: بَاب زِيَارَة الْقُبُور، أخرجه عَن آدم عَن شُعْبَة. . إِلَى آخِره، وَلَفظه هُنَاكَ: (إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى) ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد تكَرر ذكره.

٣٤ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِم تقع هَذِه التَّرْجَمَة وَلَا التَّعْلِيق الْمَذْكُور بعْدهَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَإِنَّمَا ذكرا فِي رِوَايَة البَاقِينَ.

وقالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَدْمَعُ العَيْنُ ويَحْزَنُ القَلْبُ

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُصَاب إِذا كَانَ مَحْزُونا تَدْمَع عينه، فَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَخذ من بعض معنى الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا الْبَاب، وَلَفظه: (إِن الله لَا يعذب بدمع الْعين وَلَا يحزن الْقلب) ، وَذَلِكَ لِأَن عدم تَعْذِيب الله بدمع الْعين وحزن الْقلب يسْتَلْزم أَنَّهُمَا إِذا وجدا لَا يعذب بهما، وباللفظ الْمَذْكُور روى مُسلم من حَدِيث أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ولد لي اللَّيْلَة غُلَام فسميته إِبْرَاهِيم. .) الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب) ، وَوَقع كَذَلِك فِي حَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أَسمَاء بنت يزِيد، قَالَت: (لما توفّي ابْن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الحَدِيث، وَفِيه: (تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب) . وَكَذَا وَقع فِي حَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (توفّي ابْن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِبْرَاهِيم بَكَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الحَدِيث، وَفِيه: (تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب) . وَكَذَا وَقع فِي حَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان عَن (أبي هُرَيْرَة، قَالَ: توفّي ابْن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الحَدِيث، وَفِيه: ((الْقلب يحزن وَالْعين تَدْمَع) . وَوَقع أَيْضا فِي حَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (عَن أبي أُمَامَة، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين توفّي إِبْرَاهِيم. .) الحَدِيث، وَفِيه: (يحزن الْقلب وتدمع الْعين وَلَا نقُول مَا يسْخط الرب وَإِنَّا على إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ) . وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَيْضا: (عَن السَّائِب بن يزِيد: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما هلك ابْنه طَاهِر) الحَدِيث، وَفِيه: (إِن الْعين تذرف، وَإِن الدمع يغلب، وَإِن الْقلب يحزن وَلَا نعصى الله عز وَجل) .

٣٠٣١ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ حَسَّانَ قَالَ حدَّثنا قُرَيْشٌ هُوَ ابنُ حَيَّانَ عنْ ثَابِتٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ دَخَلْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى أبِي سَيْفٍ القَيْنِ وكانَ ظِئْرا لإِبْرَاهِيمَ عليهِ السَّلامُ فأخَذَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عليْهِ بَعْدَ ذالِكَ وَإبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَذْرِفانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحمانِ بنِ عَوْفٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وأنْتَ يَا رَسُول الله فَقَالَ يَا ابنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ والقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إلَاّ مَا يَرْضى ربُّنَا وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: الْحسن بن عبد الْعَزِيز ابْن الْوَزير الجروي، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء: الجذامي، مَاتَ بالعراق سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن حسان، منصرفا وَغير منصرف، أَبُو زَكَرِيَّاء الإِمَام الرئيس. الثَّالِث: قُرَيْش، بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة. ابْن حَيَّان من الْحَيَاة أَبُو بكر الْعجلِيّ، بِكَسْر الْعين. الرَّابِع: ثَابت بن أسلم الْبنانِيّ. الْخَامِس: أنس بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه جروي وَهِي قَرْيَة من قرى تنيس، وَيُقَال لَهُ التنيسِي أَيْضا، وَهُوَ من طبقَة البُخَارِيّ، وَمَات بعده بِسنة وَلَيْسَ عِنْده سوى هَذَا الحَدِيث، وحديثين آخَرين فِي التَّفْسِير، وَشَيْخه هَذَا من أَفْرَاده وَيحيى بن حسان أَيْضا تنيسي، أدْركهُ البُخَارِيّ وَلم يلقه لِأَنَّهُ مَاتَ قبل أَن يدْخل مصر، وقريش وثابت بصريان.

وَالْبُخَارِيّ تفرد بِهِ بِهَذَا السَّنَد.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على أبي سيف الْقَيْن) سيف، بِفَتْح السِّين، و: الْقَيْن، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون. وَهُوَ صفة لَهُ واسْمه: الْبَراء بن أَوْس الْأنْصَارِيّ، والقين: الْحداد، قَالَ ابْن سَيّده: قيل: كل صانع قين، وَالْجمع: أقيان وقيون، وَيُقَال: قان يَقِين قيانة، صَار قينا. وقان الحديدة عَملهَا، وقان الْإِنَاء يقينه قينا: أصلحه، والمقين المزين. وَفِي (الطَّبَقَات الْكَبِير) لمُحَمد بن سعد عَن مُحَمَّد بن عمر: ولد إِبْرَاهِيم فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة، وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة: لما ولد تنافست فِيهِ نسَاء الْأَنْصَار أيتهن ترْضِعه، فَدفعهُ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى أم بردة بنت الْمُنْذر بن زيد بن لبيد بن خِدَاش بن عَامر بن تَمِيم بن عدي بن النجار، وَزوجهَا الْبَراء بن أَوْس بن الْجَعْد بن عَوْف بن مبذول بن عَمْرو بن غنم بن عدي بن النجار، فَكَانَت ترْضِعه، وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْتِيهِ فِي بني النجار. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إسم أم بردة: خَوْلَة بنت الْمُنْذر، زَوْجَة أبي سيف الْبَراء بن أَوْس. قَوْله: (وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيم) ، أَي: كَانَ أَبُو سيف الْبَراء ظِئْرًا لإِبْرَاهِيم ابْن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الظِّئْر: زوج الْمُرضعَة، وَتسَمى الْمُرضعَة أَيْضا ظِئْرًا، قَالَه ابْن قرقول. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الظِّئْر الْمُرضعَة، وَلما كَانَ زَوجهَا تكفله سمي ظِئْرًا، وَأَصله عطف على النَّاقة على غير وَلَدهَا ترْضِعه، وَالِاسْم: الظأر. وَفِي (الْجَامِع) : ظئرت النَّاقة فَهِيَ مظئورة، وظأرت فُلَانَة إِذا أخذت ولدا غير وَلَدهَا لترضعه، وأظأرت أَنا وَلَدي ظِئْرًا إِذا اتخذته لَهُ. وَفِي (الْمُحكم) : الظِّئْر العاطفة على ولد غَيرهَا، الْمُرضعَة من النَّاس وَالْإِبِل الذّكر والانثى فِي ذَلِك سَوَاء، وَالْجمع: أظؤر وأظآر وظئور وظئورة وظؤار، الْأَخير من الْجمع الْعَزِيز، وظئورة. وَهُوَ عِنْد سِيبَوَيْهٍ: اسْم للْجمع، وَقيل: الْجمع من الْإِبِل ظؤار، وَمن النِّسَاء ظئورة. وَفِي (الصِّحَاح) : وَالْجمع ظآر على وزن فعال بِالضَّمِّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: لَا يجمع على فعلة إلَاّ ثَلَاثَة أحرف: ظئر وظئورة، وَصَاحب وصحبة، وفاره وفرهة. قَوْله: (لإِبْرَاهِيم) أَي: ابْن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَفظه عِنْد مُسلم فِي أَوله: (ولد لي اللَّيْلَة غُلَام فسميته باسم أبي إِبْرَاهِيم، ثمَّ دَفعه إِلَى أم سيف امْرَأَة قين بِالْمَدِينَةِ يُقَال لَهُ أَبُو سيف، فَانْطَلق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فاتبعته، فَانْتهى إِلَى أبي سيف وَهُوَ ينْفخ بكيره وَقد امْتَلَأَ الْبَيْت دخانا، فتسرعت الْمَشْي بَين يَدي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقلت: يَا أَبَا سيف أمسك، جَاءَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَقَوله: (وَإِبْرَاهِيم يجود بِنَفسِهِ) أَي: يُخرجهَا ويدفعها كَمَا يجود الْإِنْسَان بِإِخْرَاج مَاله، وَفِي بعض طرقه: يكيد بِنَفسِهِ. قَالَ صَاحب (الْعين) : أَي: يَسُوق بهَا، من كَاد يكيد أَي: قَارب الْمَوْت. قَوْله: (تَذْرِفَانِ) ، بذال مُعْجمَة وَفَاء: من ذرفت الْعين تذرف، بِالْكَسْرِ: إِذا جرى دمعها. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ) أَي: لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَأَنت يَا رَسُول الله؟) مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره، النَّاس لَا يصبرون عِنْد المصائب وَأَنت يَا رَسُول الله تفعل كفعلهم، كَأَنَّهُ تعجب واستغرب ذَلِك مِنْهُ لمقاومته الْمُصِيبَة، ولعهده أَنه يحث على الصَّبْر وَينْهى عَن الْجزع. قَوْله: (فَقَالَ: يَا ابْن عَوْف) ، هَذَا جَوَاب من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، فَقَالَ: يَا ابْن عَوْف إِنَّهَا رَحْمَة أَي: إِن الْحَالة الَّتِي شاهدتها مني هِيَ رقة وشفقة على الْوَلَد، وَلَيْسَت بجزع كَمَا توهمت أَنْت، وَوَقع فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف نَفسه، (فَقلت: يَا رَسُول الله تبْكي؟ أَو لم تنه عَن الْبكاء؟) وَزَاد فِيهِ: (إِنَّمَا نهيت عَن صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين: صَوت عِنْد نَغمَة لَهو وَلعب وَمَزَامِير الشَّيْطَان، وَصَوت عِنْد مُصِيبَة وخمش وَجه وشق جُيُوب وَرَنَّة شَيْطَان، وَإِنَّمَا هَذَا رَحْمَة، وَمن لَا يرحم

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله