«كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥١٣

الحديث رقم ١٥١٣ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الحج.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان الفضل رديف رسول الله ﷺ، فجاءت امرأة من…

«كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ. قَالَ: نَعَمْ. وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ».

سند حديث: ١٥١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

١٥١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «كان الفضل رديف رسول الله ﷺ، فجاءت امرأة من…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢٥ - كِتَاب الْحَجِّ

١ - بَاب وُجُوبِ الْحَجِّ وَفَضْلِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [٩٧ آل عمران]

١٥١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثعَمَ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ وَجَعَلَ النَّبِيُّ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.

[الحديث ١٥١٣ - أطرافه في: ١٨٥٤، ١٨٥٥، ٤٣٩٩، ٦٢٢٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ وُجُوبِ الْحَجِّ وَفَضْلِهِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ الْبَسْمَلَةُ وَبَابٌ، وَلِبَعْضِهِمْ قَوْلُهُ: وَقَوْلِ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: كِتَابُ الْمَنَاسِكِ. وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ الْحَجَّ عَلَى الصِّيَامِ لِمُنَاسَبَةٍ لَطِيفَةٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْمُقَدِّمَةِ. وَرَتَّبَهُ عَلَى مَقَاصِدَ مُتَنَاسِبَةٍ: فَبَدَأَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوَاقِيتِ، ثُمَّ بِدُخُولِ مَكَّةَ وَمَا مَعَهَا ثُمَّ بِصِفَةِ الْحَجِّ، ثُمَّ بِأَحْكَامِ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ بِمُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ بِفَضْلِ الْمَدِينَةِ. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا التَّرْتِيبِ غَيْرُ خَفِيَّةٍ عَلَى الْفَطِنِ.

وَأَصْلُ الْحَجِّ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: كَثْرَةُ الْقَصْدِ إِلَى مُعَظَّمٍ. وَفِي الشَّرْعِ الْقَصْدُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِأَعْمَالٍ مَخْصُوصَةٍ. وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِكَسْرِهَا لُغَتَانِ، نَقَلَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْكَسْرَ لُغَةُ أَهْلِ نَجْدٍ، وَالْفَتْحَ لِغَيْرِهِمْ، وَنُقِلَ عَنْ حُسَيْنٍ الْجُعْفِيِّ أَنَّ الْفَتْحَ الِاسْمُ، وَالْكَسْرَ الْمَصْدَرُ. وَعَنْ غَيْرِهِ عَكْسُهُ. وَوُجُوبُ الْحَجِّ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ إِلَّا لِعَارِضٍ كَالنَّذْرِ. وَاخْتُلِفَ، هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي؟ وَهُوَ مَشْهُورٌ. وَفِي وَقْتِ ابْتِدَاءِ فَرْضِهِ فَقِيلَ: قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ شَاذٌّ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا. ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي سَنَتِهِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا سَنَةَ سِتٍّ، لِأَنَّهَا نَزَلَ فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِتْمَامِ ابْتِدَاءُ الْفَرْضِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ عَلْقَمَةَ وَمَسْرُوقٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِلَفْظِ: وَأَقِيمُوا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْهُمْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِتْمَامِ الْإِكْمَالُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ فَرْضِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي قِصَّةِ ضِمَامٍ ذِكْرُ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ، وَكَانَ قُدُومُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهَذَا يَدُلُّ - إِنْ ثَبَتَ - عَلَى تَقَدُّمِهِ عَلَى سَنَةِ خَمْسٍ أَوْ وُقُوعِهِ فِيهَا، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الْعُمْرَةِ. وَأَمَّا فَضْلُهُ فَمَشْهُورٌ وَلَا سِيَّمَا فِي الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ فِي الْآيَةِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

وَلَكِنْ لَمْ يُورِدِ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ غَيْرَ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ خَفِيٌّ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِثْبَاتَ فَضْلِهِ مِنْ جِهَةِ تَأْكِيدِ الْأَمْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ولا ينفعه إيمانهم، وقال البيضاويُّ: وضع ﴿كَفَرَ﴾ موضع من لم يحجَّ تأكيدًا لوجوبه وتغليظًا على تاركه، ولذلك قال : «من مات ولم يحجَّ فليمت إن شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا»، وقد أكَّد أمر الحجِّ في هذه الآية من وجوه الدَّلالة على وجوبه بصيغة الخبر، وإبرازه في الصُّورة الاسميَّة، وإيراده على وجهٍ يفيد أنَّه حقٌّ واجبٌ لله في رقاب النَّاس (١)، وتعميم الحكم أوَّلًا وتخصيصه ثانيًا (٢)، فإنَّه كإيضاحٍ بعد إبهامٍ، وتثنيةٍ (٣) وتكريرٍ للمراد، وتسمية ترك الحجِّ كفرًا من حيث إنَّه فعل الكَفَرة، وذكر الاستغناء عنه بالبرهان والإشعار بعظم (٤) السُّخط؛ لأنَّه تكليفٌ شاقٌّ جامعٌ بين كسر النَّفس وإتعاب البدن وصرف المال والتَّجرُّد عن الشَّهوات والإقبال على الله. انتهى. وهذا أخذه من قول الزَّمخشريِّ، لكنَّ عبارته: جعل ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ عوضًا عن «ومن لم يحجَّ» تغليظًا إلى آخر الحديث، واستشكله ابن المُنيِّر بأنَّ تاركه لا يكفر بمُجرَّد تركه، فتعيَّن حمله على تاركه جاحدًا لوجوبه، فالكفر يرجع إلى الاعتقاد، قال: والزَّمخشريُّ سهل عليه ذلك لأنَّه يعتقد أنَّ تارك الحجِّ يخرج عن الإيمان ويخلد في النَّار، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ استئنافَ وعيدٍ للكافرين.

١٥١٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضدَّ اليمين (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الفَضْلُ) اختُلِف على الزُّهريِّ في هذا الإسناد، فرواه ابن جريجٍ كما في «باب الحجِّ عمَّن لا يستطيع الثُّبوت على الرَّاحلة» [خ¦١٨٥٣] عنه، عن سليمان بن يسارٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن

الفضل بن عبَّاسٍ، وروى ابن ماجه من طريق محمَّد بن كُرَيبٍ عن أبيه عن ابن عبَّاسٍ: أخبرني حُصَين بن عوفٍ عن الخثعميِّ قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ أبي، وسأل التِّرمذيُّ البخاريَّ عنه فقال: أصحُّ شيءٍ فيه ما روى ابن عبَّاسٍ عن الفضل قال: فيحتمل أن يكون ابن عبَّاسٍ سمعه من الفضل ومن غيره، ثمَّ رواه بغير (١) واسطةٍ. انتهى. قال في «الفتح»: وإنَّما رجَّح البخاريُّ الرِّواية عن الفضل لأنَّه كان رديف (٢) النَّبيِّ حينئذٍ، وكان ابن عبَّاسٍ قد تقدَّم من مزدلفة إلى منًى مع الضَّعفة، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٦٧٨] والفضل هو شقيق عبد الله، أمُّهما أمُّ الفضل لُبَابة الكبرى (رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ) راكبًا خلفه على الدَّابَّة (فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المُثلَّثة وفتح العين المهملة غير منصرفٍ، قال (٣) البرماويُّ كالزَّركشيِّ: للعلميَّة ووزن الفعل؛ حيٌّ من بجيلة من قبائل اليمن، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: إن لم يُحمَل هذا على سبق قلمٍ من المُصنِّف أو الغلط من النَّاسخ، فهو عجيبٌ؛ إذ ليس فيه وزن الفعل المُعتبَر عندهم، ولو قِيلَ بأنَّه على وزن: دحرج لَلَزِمَ منع صرف جعفرٍ، وهو باطلٌ بالإجماع. انتهى.

(فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ) وفي رواية شُعَيبٍ الآتية في «الاستئذان» [خ¦٦٢٢٨]-إن شاء الله تعالى-: «وكان الفضل رجلًا وضيئًا، أي: جميلًا، وأقبلت امرأةٌ من خَثْعَمَ وضيئةٌ وطَفِق الفضل ينظر إليها وأعجبه حُسْنُها» (وَجَعَلَ النَّبِيُّ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ) بكسر الشِّين وفتح الخاءِ (فَقَالَتْ) أي: المرأة: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي) حال كونه (شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ) صفةٌ لـ «شيخًا»، أو حالٌ متداخلةٌ للتي قبلها، أي: وجب عليه الحجُّ بأن أسلم وهو شيخٌ كبيرٌ، أو حصل له المال في هذه الحالة، والأوَّل أوجه كما قاله الطِّيبيُّ، واختلفت طرق الأحاديث في السَّائل عن ذلك، هل هو امرأةٌ أو رجلٌ؟ وفي المسؤول عنه أيضًا أن يُحجَّ عنه، هل هو أبٌ أو أمٌّ أو أخٌ؟ فأكثر طرق الأحاديث الصَّحيحة دالَّةٌ على أنَّ السَّائل امرأةٌ سألت عن أبيها كما هو في أكثر طرق حديث الفضل وحديث عبد الله أخيه وحديث عليٍّ، وفي النَّسائيِّ من حديث الفضل أنَّ السَّائل رجلٌ

سأل (١) عن أمِّه (٢)، وفي «صحيح ابن حبَّان» من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ السَّائل رجلٌ يسأل (٣) عن أبيه، وعند النَّسائيِّ أيضًا: أنَّ امرأةً سألته (٤) عن أبيها، وفي حديث بريدة عند التِّرمذيِّ: أنَّ امرأةً سألته عن أمِّها، وفي حديث حُصَين بن عوفٍ عند ابن ماجه: أنَّ السَّائل رجلٌ سأل عن أبيه، وفي حديث سنان بن عبد الله: أنَّ عمَّته قالت: «يا رسول الله؛ تُوفِّيت أمِّي» وهذا محمولٌ على التَّعدُّد (أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟) أي: أيجوز لي أن أنوب عنه فأحجَّ عنه، فالفاء بعد همزة الاستفهام عاطفةٌ على مُقدَّرٍ لأنَّ الاستفهام له الصَّدر (قَالَ) : (نَعَمْ) حُجِّي عنه (وَذَلِكَ) أي: ما ذكر وقع (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) وفيه: جواز الحجِّ عن الغير، وتمسَّك الحنفيَّة بعمومه على صحَّة حجِّ من لم يحجَّ نيابةً عن غيره، وخالف الجمهور فخصُّوه بمن حجَّ عن نفسه لحديث «السُّنن» و «صحيح ابن خزيمة» عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه رأى رجلًا يلبِّي عن شُبْرُمَةَ، فقال: «أفحججت (٥) عن نفسك؟» فقال (٦): لا، قال (٧): «هذه عن نفسك، ثمَّ احجج عن شُبْرُمَةَ» ومنع مالكٌ الحجَّ عن المعضوب (٨) مع أنَّه راوي الحديث، وقال الشَّافعيُّ: لا يستنيب الصَّحيح لا في فرضٍ ولا في نفلٍ، وجوَّزه أبو حنيفة وأحمد في النَّفل.

وأمَّا المطابقة بين الحديث والتَّرجمة فقالوا: تُدرَك بدقَّة النَّظر من (٩) دلالة الحديث على تأكيد الأمر بالحجِّ، حتَّى إنَّ المُكلَّف لا يُعذَر بتركه عند عجزه عن المباشرة بنفسه، بل يلزم أن يستنيب غيره، وهو يدلُّ على أنَّ في مباشرته فضلًا عظيمًا، ويأتي إن شاء الله تعالى (١٠) إفراد فضل الحجِّ ببابٍ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَن نَفسه لَا يحجّ عَن غَيره. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا مَبْنِيّ على أَن الْحَج على الْفَوْر أَو التَّرَاخِي، فَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه على التَّرَاخِي، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَمُحَمّد بن الْحسن، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَجَابِر وَعَطَاء وطاووس. وَقَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف: هُوَ على الْفَوْر، وَهُوَ قَول الْمُزنِيّ وَقَول جُمْهُور أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَلَا نَص لأبي حنيفَة فِي ذَلِك. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: مذْهبه يَقْتَضِي أَنه على الْفَوْر، وَهُوَ الصَّحِيح، ذكره الطرطوشي وَاحْتج لَهُم بِمَا رَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث مهْرَان بن أبي صَفْوَان عَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ: (من أَرَادَ الْحَج فليعجل) وَقَالَ أَبُو زرْعَة: مهْرَان لم يعرف، وَقَالَ الْحَاكِم: كَانَ مولى لقريش وَلَا يعرف بِجرح، وَذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) وَصحح حَدِيثه أَيْضا أَبُو مُحَمَّد الإشبيلي، وَفِي لفظ لأبي دَاوُد، من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي إِسْحَاق الْملَائي فِيهِ لين، عَن فُضَيْل بن عَمْرو عَن سعيد بن جُبَير عَن عبد الله، أَو عَن الْفضل أَو أَحدهمَا عَن الآخر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أَرَادَ الْحَج فليعجل فَإِنَّهُ قد يمرض الْمَرِيض وَتضِل الضَّالة وَتعرض الْحَاجة) . وَفِي (مُسْند أَحْمد) : (تعجلوا إِلَى الْحَج، يَعْنِي الْفَرِيضَة، فَإِن أحدكُم لَا يدْرِي مَا يعرض لَهُ) . وَاحْتج الشَّافِعِي وَأَصْحَابه بِأَن فَرِيضَة الْحَج نزلت بعد الْهِجْرَة، وَكَانَ الْفَتْح فِي رَمَضَان سنة ثَمَان، فَأَقَامَ عتاب للنَّاس الْحَج سنة ثَمَان بِأَمْر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُقيما بِالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَامَّة أَصْحَابه، ثمَّ غزا تَبُوك سنة تسع وَلم يحجّ، وَكَانَ انْصِرَافه عَنْهَا قبل الْحَج، فَبعث أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأَقَامَ للنَّاس الْحَج تِلْكَ السّنة، وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُعْتَمر هُوَ وأزواجه وَأَصْحَابه مَعَ الْقُدْرَة على الْحَج، ثمَّ حج سنة عشر، فَدلَّ على جَوَاز التَّأْخِير.

وَفِيه: دَلِيل على أَن الْمَرْأَة يجوز لَهَا أَن تحج عَن الرجل، وَهُوَ حجَّة عَليّ الْحسن بن حَيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي مَنعه عَن ذَلِك،

وَفِيه: بر الْوَالِدين بِالْقيامِ بمصالحهما من قَضَاء الدُّيُون وَغَيره.

وَفِيه: جَوَاز أَن يُقَال: حجَّة الْوَدَاع بِدُونِ كَرَاهَة.

٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى {يأتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرِ يَأتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ} (الْحَج: ٧٢) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {يأتوك ... } (الْحَج: ٧٢) . إِلَى آخِره. وَإِنَّمَا ذكر هَذِه الْآيَة مترجما بهَا تَنْبِيها على أَن اشْتِرَاط الرَّاحِلَة فِي وجوب الْحَج لَا يُنَافِي جَوَاز الْحَج مَاشِيا مَعَ الْقُدْرَة على الرَّاحِلَة وَعدم الْقُدْرَة، لِأَن الْآيَة اشْتَمَلت على المشاة والركبان، وَذَلِكَ أَن سَبَب نزُول الْآيَة أَنهم كَانُوا لَا يركبون على مَا روى الطَّبَرَانِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، من طَرِيق عَمْرو بن ذَر، رَحمَه الله تَعَالَى. قَالَ: قَالَ مُجَاهِد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانُوا لَا يركبون، فَأنْزل الله تَعَالَى: {يأتوك رجَالًا وعَلى كل ضامر} (الْحَج: ٧٢) . فَأَمرهمْ بالزاد وَرخّص لَهُم فِي الرّكُوب والمتجر، وَأول الْآيَة: {وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ يأتوك ... } (الْحَج: ٧٢) . الْآيَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما فرغ إِبْرَاهِيم، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من بِنَاء الْبَيْت أمره الله تَعَالَى أَن يُؤذن. قَالَ إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا رب وَمَا يبلغ أذاني؟ قَالَ: أذن وَعلي الْبَلَاغ. فَقَامَ بالْمقَام، وَقيل: على جبل أبي قبيس، وَأدْخل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ، وَأَقْبل بِوَجْهِهِ يَمِينا وَشمَالًا وشرقا وغربا، وَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس! إِن الله يدعوكم إِلَى الْحَج ببيته الْحَرَام، فاسمع من فِي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء مِمَّن سبق فِي علم الله تَعَالَى أَن يحجّ، فَأَجَابُوا: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، فَمن أجَاب يَوْمئِذٍ بِعَدَد حج على قدره، قيل: أول من أَجَابَهُ أهل الْيمن فهم أَكثر النَّاس حجا، وَهَذَا قَول الْجُمْهُور. وَقَالَ قوم: الْمَأْمُور بِالتَّأْذِينِ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن يفعل ذَلِك فِي حجَّة الْوَدَاع، والتوفيق بَين الْقَوْلَيْنِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أمره الله بذلك إحْيَاء لسنة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قلت: {يأتوك} (الْحَج: ٧٢) . على القَوْل الأول خطاب لإِبْرَاهِيم، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعَلى القَوْل الثَّانِي لنبينا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر، وَهُوَ قَوْله: {أذِّنْ} (الْحَج: ٧٢) . قَوْله: {رجَالًا} (الْحَج: ٧٢) . نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي {يأتوك} (الْحَج: ٧٢) . وَهُوَ جمع راجل، كَذَا قَالَه أَبُو عبيد فِي (كتاب الْمجَاز) نَحْو: صِحَاب وَصَاحب، وَعَن ابْن عَبَّاس رجَالًا، رجالة، وَقَرَأَ عِكْرِمَة مشددا، وَقَرَأَ مُجَاهِد مخففا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جمع الراجل رجل، مثل صَاحب وَصَحب، ورجالة وَرِجَال، والأراجيل جمع الْجمع. قَوْله: {وعَلى كل ضامر} (الْحَج: ٧٢) . من الضمور، وَهُوَ الهزال، وَقَالَ أَبُو اللَّيْث: {وعَلى كل ضامر} (الْحَج: ٧٢) . يَعْنِي: الْإِبِل وَغَيرهَا، فَلَا يدْخل بعير وَلَا غَيره الْحرم إلَاّ

وَقد ضمر من طول الطَّرِيق، وضامر بِغَيْر هَاء يسْتَعْمل للمذكر والمؤنث. وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) {وعَلى كل ضامر} (الْحَج: ٧٢) . حَال معطوفة على: رجال، كَأَنَّهُ قيل: رجَالًا وركبانا، والضامر الْبَعِير المهزول. قَوْله: {يَأْتِين} (الْحَج: ٧٢) . صفة لكل ضامر، لِأَن: كل ضامر، فِي معنى الْجمع أَرَادَ النوق. قَوْله: {من كل فج عميق} (الْحَج: ٧٢) . أَي: من كل طَرِيق بعيد، وَمِنْه قيل: بِئْر عميقة. وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: معيق، فَقَالَ: بِئْر بعيدَة القعر. قَوْله: {ليشهدوا} (الْحَج: ٧٢) . أَي: ليحضروا مَنَافِع لَهُم هِيَ التِّجَارَة، وَقيل: مَنَافِع الْآخِرَة، وَقيل: مَنَافِع الدَّاريْنِ جَمِيعًا، وَتَمام الْآيَة {ويذكروا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام فَكُلُوا مِنْهَا وأطعموا البائس الْفَقِير} (الْحَج: ٧٢) . قَوْله: {ويذكروا} (الْحَج: ٧٢) . أَي: وليذكروا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات يَعْنِي: يَوْم النَّحْر ويومين بعده، وَقَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة: المعلومات: الْأَيَّام الْعشْر، والمعدودات: إيام التَّشْرِيق. قَوْله: {على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام} (الْحَج: ٧٢) . مُتَعَلق بذكروا، وَالْمعْنَى: ويذكروا اسْم الله على ذبح أنعامهم، وَالْمرَاد بِالذكر التَّسْمِيَة، وَهِي قَوْله: بِسم الله وَالله أكبر اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك عَن فلَان، كَانَ الْكفَّار يدعونَ ويذبحون على أَسمَاء أصنامهم، فَبين الله تَعَالَى أَن الْوَاجِب الذّبْح على اسْمه: {بَهِيمَة الْأَنْعَام} (الْحَج: ٧٢) . الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم. قَوْله: {فَكُلُوا مِنْهَا} (الْحَج: ٧٢) . فَهُوَ أَمر إِبَاحَة، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يرَوْنَ وَلَا يسْتَحلُّونَ الْأكل من ذَبَائِحهم. قَوْله: {وأطعموا البائس} (الْحَج: ٧٢) . أَي: الَّذِي اشْتَدَّ فقره، وَقَالَ أَبُو اللَّيْث: البائس الصرير الزَّمن، وَالْفَقِير الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْء. وَقَالَ الزّجاج: البائس الَّذِي أَصَابَهُ الْبُؤْس وَهُوَ الشدَّة، وَمَا يتَعَلَّق بذلك من الْفِقْه عرف فِي مَوْضِعه.

فِجَاجا: الطّرُقُ الوَاسِعَةُ

قد جرت عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا وَقعت لَفْظَة فِي الحَدِيث أَو فِي الْآيَة يذكر نظيرها مِمَّا وَقع فِي الحَدِيث أَو الْقُرْآن، وَذكر هُنَا: فجاجا، يُرِيد بِهِ مَا وَقع فِي قَوْله تَعَالَى: {لتسلكوا مِنْهَا سبلاً فجاجا} (الْحَج: ٧٢) . ثمَّ فسر الفجاج بقوله: الطّرق الواسعة، وَهَكَذَا فَسرهَا الْفراء فِي (الْمعَانِي) فِي سُورَة نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ: جمع فج. قَالَ ابْن سَيّده: الْفَج الطَّرِيق الْوَاسِع فِي جبل أَو فِي قبل جبل، وَهُوَ أوسع من الشّعب. وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ مَا انخفض من الطّرق، وَجمع على فجاج، وأفجة، الْأَخِيرَة نادرة. وَقَالَ صَاحب (المنتهي) : فجاج الأَرْض نَوَاحِيهَا. وَفِي (التَّهْذِيب) : {من كل فج عميق} (الْحَج: ٧٢) . أَي: وَاسع غامض.

٤١٥١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ عِيسى اقال حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ أنَّ سالمَ بنَ عَبْدِ الله قَالَ أخبَره أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ رَأيْتُ رَسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْكَبُ رَحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قائِمَةً..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ ذكر الرّكُوب وَذكر الْفَج العميق. أما الرّكُوب فَهُوَ قَوْله: (يركب رَاحِلَته) ، وَأما الْفَج العميق فَهُوَ، ذُو الحليفة، لِأَنَّهُ لَا شكّ أَن بَينهَا وَبَين مَكَّة عشر مراحل، وَهُوَ فج وعميق، وسنبسط الْكَلَام فِيهَا عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَبِمَا ذكرنَا سقط اعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ، حَيْثُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثين شَيْء مِمَّا ترْجم الْبَاب بِهِ، وَلَو وَقع فِي خاطره مَا ذكرنَا من الْمُطَابقَة الْوَاضِحَة لما أقدم إِلَى الإعتراض.

ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: أَحْمد بن عِيسَى أَبُو عبد الله التسترِي مصري الأَصْل، وَلكنه كَانَ يتجر إِلَى تستر فنسب إِلَيْهَا، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بنسبته إِلَى أَبِيه، وَوَافَقَهُ أَبُو عَليّ الشبوي، وَأَهْمَلَهُ الْبَاقُونَ، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَالَّذِي رَأَيْت فِي (مُسْند عبد الله بن وهب) رِوَايَة يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَنهُ: أَنبأَنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يهل ملبيا، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

وَأخرجه مُسلم عَن حَرْمَلَة، وَالنَّسَائِيّ عَن عِيسَى بن إِبْرَاهِيم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يركب رَاحِلَته) ، وَالرَّاحِلَة من الْإِبِل: الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال، وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء، وَالْهَاء فِيهَا للْمُبَالَغَة، وَهِي الَّتِي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة، وَتَمام الْخلق وَحسن المنظر، فَإِذا كَانَت فِي جمَاعَة الْإِبِل عرفت. قَوْله: (بِذِي الحليفة) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء، وَفِي

آخِره هَاء وَهِي شَجَرَة مِنْهَا يحرم أهل الْمَدِينَة. وَهِي من الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال وَمن مَكَّة على مِائَتي ميل غير ميلين، وَقيل: بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة ميل أَو ميلان والميل ثلث فَرسَخ وَهُوَ أَرْبَعَة آلَاف ذِرَاع، وبذي الحليفة عدَّة آبار ومسجدان لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْمَسْجِد الْكَبِير الَّذِي يحرم مِنْهُ النَّاس، وَالْمَسْجِد الآخر: مَسْجِد المعرس. وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ أبعد الْمَوَاقِيت من مَكَّة تَعْظِيمًا لإحرام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ثمَّ يهل) ، بِضَم الْيَاء: من الإهلال، وَهُوَ رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. قَوْله: (حَتَّى تستوي) أَي: الرَّاحِلَة. قَوْله: (قَائِمَة) ، نصب على الْحَال.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الرّكُوب فِي سفر الْحَج وَالرُّكُوب فِيهِ وَالْمَشْي سَوَاء فِي الْإِبَاحَة، وَالْكَلَام فِي الْأَفْضَلِيَّة، فَقَالَ قوم: الرّكُوب أفضل اتبَاعا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولفضل النَّفَقَة فَإِن النَّفَقَة فِيهِ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيل الله سَبْعمِائة ضعف، كَمَا أخرجه أَحْمد من حَدِيث بُرَيْدَة، وَصحح جمَاعَة أَن الْمَشْي أفضل وَبِه قَالَ إِسْحَاق لِأَنَّهُ أَشد على النَّفس، وَفِي حَدِيث صَححهُ الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: (من حج إِلَى مَكَّة مَاشِيا حَتَّى رَجَعَ كتب لَهُ بِكُل خطْوَة سَبْعمِائة حَسَنَة من حَسَنَات الْحرم، قيل: وَمَا حَسَنَات الْحرم؟ قَالَ: كل حَسَنَة بِمِائَة ألف حَسَنَة) . وروى مُحَمَّد بن كَعْب عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا فَاتَنِي شَيْء أَشد عَليّ إلَاّ أَن أكون حججْت مَاشِيا، لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: {يأتوك رجَالًا وعَلى كل ضامر} (الْحَج: ٧٢) . أَي: ركبانا، فَبَدَأَ بِالرِّجَالِ قبل الركْبَان، وَذكر إِسْمَاعِيل إِبْنِ إِسْحَاق عَن مُجَاهِد قَالَ: أهبط آدم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْهِنْدِ فحج على قَدَمَيْهِ الْبَيْت أَرْبَعِينَ حجَّة، وَعَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد أَن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، حجا ماشيين، وَحج الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، خَمْسَة وَعشْرين حجَّة مَاشِيا وَأَن النجائب لتقاد بَين يَدَيْهِ، وَفعله ابْن جريج وَالثَّوْري. وَفِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (حج رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَصْحَابه مشَاة من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة، ثمَّ قَالَ اربطوا على أوساطكم مآزركم وامشوا مشياً خلط الهرولة) . ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد.

وَفِيه: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أهل حِين اسْتَوَت رَاحِلَته قَائِمَة، واستواؤها كَمَال قِيَامهَا، وَبِه احْتج مَالك وَأكْثر الْفُقَهَاء على أَن يهل الرَّاكِب إِذا اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته قَائِمَة، وَاسْتحبَّ أَبُو حنيفَة أَن يكون إهلاله عقيب الصَّلَاة إِذا سلم مِنْهَا، وَقَالَ الشَّافِعِي: يهل إِذا أخذت نَاقَته فِي الْمَشْي، وَمن كَانَ يركب رَاحِلَته قَائِمَة كَمَا يَفْعَله كثير من الْحَاج الْيَوْم فيهل على مَذْهَب مَالك إِذا اسْتَوَى عَلَيْهَا رَاكِبًا. وَقَالَ عِيَاض: جَاءَ فِي رِوَايَة: (أهل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا اسْتَوَت النَّاقة) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (حَتَّى إِذا اسْتَوَت بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَاحِلَته) ، وَفِي أُخْرَى (حَتَّى تنبعث بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَاقَته) ، وَلَا يفهم مِنْهُ أَخذهَا فِي الْمَشْي وَقَالَ أَكثر أَصْحَاب مَالك يسْتَحبّ أَن يهل إِذا اسْتَوَت بِهِ نَاقَته إِن كَانَ رَاكِبًا وَإِن كَانَ رَاجِلا فحين يَأْخُذ فِي الْمَشْي، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن كَانَ رَاكِبًا فَكَذَلِك.

٥١٥١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ قَالَ أخبرنَا الوَلِيدُ قَالَ حدَّثنا الأوْزَاعِي سَمِعَ عَطَاءً يُحَدِّثُ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ إهْلالَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ حينَ اسْتَوَتْ بِهِ راحِلَتُهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قصد الْحَج رَاكِبًا، وَهُوَ مُطَابق لقَوْله: {وعَلى كل ضامر} (الْحَج: ٧٢) .

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد بن زادان التَّمِيمِي الْفراء أَبُو إِسْحَاق تقدم فِي: بَاب غسل الْحَائِض رَأسهَا. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي. مر فِي: بَاب وَقت الْمغرب. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع: عَطاء بن أبي رَبَاح، وَإِن كَانَ عَطاء بن يسَار روى عَن جَابر، لَكِن الْأَوْزَاعِيّ لم يرو إلَاّ عَن أبي رَبَاح. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِلَا نِسْبَة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢٥ - كِتَاب الْحَجِّ

١ - بَاب وُجُوبِ الْحَجِّ وَفَضْلِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [٩٧ آل عمران]

١٥١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثعَمَ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ وَجَعَلَ النَّبِيُّ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.

[الحديث ١٥١٣ - أطرافه في: ١٨٥٤، ١٨٥٥، ٤٣٩٩، ٦٢٢٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ وُجُوبِ الْحَجِّ وَفَضْلِهِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ الْبَسْمَلَةُ وَبَابٌ، وَلِبَعْضِهِمْ قَوْلُهُ: وَقَوْلِ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: كِتَابُ الْمَنَاسِكِ. وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ الْحَجَّ عَلَى الصِّيَامِ لِمُنَاسَبَةٍ لَطِيفَةٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْمُقَدِّمَةِ. وَرَتَّبَهُ عَلَى مَقَاصِدَ مُتَنَاسِبَةٍ: فَبَدَأَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوَاقِيتِ، ثُمَّ بِدُخُولِ مَكَّةَ وَمَا مَعَهَا ثُمَّ بِصِفَةِ الْحَجِّ، ثُمَّ بِأَحْكَامِ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ بِمُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ بِفَضْلِ الْمَدِينَةِ. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا التَّرْتِيبِ غَيْرُ خَفِيَّةٍ عَلَى الْفَطِنِ.

وَأَصْلُ الْحَجِّ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: كَثْرَةُ الْقَصْدِ إِلَى مُعَظَّمٍ. وَفِي الشَّرْعِ الْقَصْدُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِأَعْمَالٍ مَخْصُوصَةٍ. وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِكَسْرِهَا لُغَتَانِ، نَقَلَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْكَسْرَ لُغَةُ أَهْلِ نَجْدٍ، وَالْفَتْحَ لِغَيْرِهِمْ، وَنُقِلَ عَنْ حُسَيْنٍ الْجُعْفِيِّ أَنَّ الْفَتْحَ الِاسْمُ، وَالْكَسْرَ الْمَصْدَرُ. وَعَنْ غَيْرِهِ عَكْسُهُ. وَوُجُوبُ الْحَجِّ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ إِلَّا لِعَارِضٍ كَالنَّذْرِ. وَاخْتُلِفَ، هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي؟ وَهُوَ مَشْهُورٌ. وَفِي وَقْتِ ابْتِدَاءِ فَرْضِهِ فَقِيلَ: قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ شَاذٌّ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا. ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي سَنَتِهِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا سَنَةَ سِتٍّ، لِأَنَّهَا نَزَلَ فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِتْمَامِ ابْتِدَاءُ الْفَرْضِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ عَلْقَمَةَ وَمَسْرُوقٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِلَفْظِ: وَأَقِيمُوا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْهُمْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِتْمَامِ الْإِكْمَالُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ فَرْضِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي قِصَّةِ ضِمَامٍ ذِكْرُ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ، وَكَانَ قُدُومُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهَذَا يَدُلُّ - إِنْ ثَبَتَ - عَلَى تَقَدُّمِهِ عَلَى سَنَةِ خَمْسٍ أَوْ وُقُوعِهِ فِيهَا، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الْعُمْرَةِ. وَأَمَّا فَضْلُهُ فَمَشْهُورٌ وَلَا سِيَّمَا فِي الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ فِي الْآيَةِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

وَلَكِنْ لَمْ يُورِدِ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ غَيْرَ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ خَفِيٌّ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِثْبَاتَ فَضْلِهِ مِنْ جِهَةِ تَأْكِيدِ الْأَمْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ولا ينفعه إيمانهم، وقال البيضاويُّ: وضع ﴿كَفَرَ﴾ موضع من لم يحجَّ تأكيدًا لوجوبه وتغليظًا على تاركه، ولذلك قال : «من مات ولم يحجَّ فليمت إن شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا»، وقد أكَّد أمر الحجِّ في هذه الآية من وجوه الدَّلالة على وجوبه بصيغة الخبر، وإبرازه في الصُّورة الاسميَّة، وإيراده على وجهٍ يفيد أنَّه حقٌّ واجبٌ لله في رقاب النَّاس (١)، وتعميم الحكم أوَّلًا وتخصيصه ثانيًا (٢)، فإنَّه كإيضاحٍ بعد إبهامٍ، وتثنيةٍ (٣) وتكريرٍ للمراد، وتسمية ترك الحجِّ كفرًا من حيث إنَّه فعل الكَفَرة، وذكر الاستغناء عنه بالبرهان والإشعار بعظم (٤) السُّخط؛ لأنَّه تكليفٌ شاقٌّ جامعٌ بين كسر النَّفس وإتعاب البدن وصرف المال والتَّجرُّد عن الشَّهوات والإقبال على الله. انتهى. وهذا أخذه من قول الزَّمخشريِّ، لكنَّ عبارته: جعل ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ عوضًا عن «ومن لم يحجَّ» تغليظًا إلى آخر الحديث، واستشكله ابن المُنيِّر بأنَّ تاركه لا يكفر بمُجرَّد تركه، فتعيَّن حمله على تاركه جاحدًا لوجوبه، فالكفر يرجع إلى الاعتقاد، قال: والزَّمخشريُّ سهل عليه ذلك لأنَّه يعتقد أنَّ تارك الحجِّ يخرج عن الإيمان ويخلد في النَّار، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ استئنافَ وعيدٍ للكافرين.

١٥١٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضدَّ اليمين (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الفَضْلُ) اختُلِف على الزُّهريِّ في هذا الإسناد، فرواه ابن جريجٍ كما في «باب الحجِّ عمَّن لا يستطيع الثُّبوت على الرَّاحلة» [خ¦١٨٥٣] عنه، عن سليمان بن يسارٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن

الفضل بن عبَّاسٍ، وروى ابن ماجه من طريق محمَّد بن كُرَيبٍ عن أبيه عن ابن عبَّاسٍ: أخبرني حُصَين بن عوفٍ عن الخثعميِّ قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ أبي، وسأل التِّرمذيُّ البخاريَّ عنه فقال: أصحُّ شيءٍ فيه ما روى ابن عبَّاسٍ عن الفضل قال: فيحتمل أن يكون ابن عبَّاسٍ سمعه من الفضل ومن غيره، ثمَّ رواه بغير (١) واسطةٍ. انتهى. قال في «الفتح»: وإنَّما رجَّح البخاريُّ الرِّواية عن الفضل لأنَّه كان رديف (٢) النَّبيِّ حينئذٍ، وكان ابن عبَّاسٍ قد تقدَّم من مزدلفة إلى منًى مع الضَّعفة، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٦٧٨] والفضل هو شقيق عبد الله، أمُّهما أمُّ الفضل لُبَابة الكبرى (رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ) راكبًا خلفه على الدَّابَّة (فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المُثلَّثة وفتح العين المهملة غير منصرفٍ، قال (٣) البرماويُّ كالزَّركشيِّ: للعلميَّة ووزن الفعل؛ حيٌّ من بجيلة من قبائل اليمن، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: إن لم يُحمَل هذا على سبق قلمٍ من المُصنِّف أو الغلط من النَّاسخ، فهو عجيبٌ؛ إذ ليس فيه وزن الفعل المُعتبَر عندهم، ولو قِيلَ بأنَّه على وزن: دحرج لَلَزِمَ منع صرف جعفرٍ، وهو باطلٌ بالإجماع. انتهى.

(فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ) وفي رواية شُعَيبٍ الآتية في «الاستئذان» [خ¦٦٢٢٨]-إن شاء الله تعالى-: «وكان الفضل رجلًا وضيئًا، أي: جميلًا، وأقبلت امرأةٌ من خَثْعَمَ وضيئةٌ وطَفِق الفضل ينظر إليها وأعجبه حُسْنُها» (وَجَعَلَ النَّبِيُّ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ) بكسر الشِّين وفتح الخاءِ (فَقَالَتْ) أي: المرأة: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي) حال كونه (شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ) صفةٌ لـ «شيخًا»، أو حالٌ متداخلةٌ للتي قبلها، أي: وجب عليه الحجُّ بأن أسلم وهو شيخٌ كبيرٌ، أو حصل له المال في هذه الحالة، والأوَّل أوجه كما قاله الطِّيبيُّ، واختلفت طرق الأحاديث في السَّائل عن ذلك، هل هو امرأةٌ أو رجلٌ؟ وفي المسؤول عنه أيضًا أن يُحجَّ عنه، هل هو أبٌ أو أمٌّ أو أخٌ؟ فأكثر طرق الأحاديث الصَّحيحة دالَّةٌ على أنَّ السَّائل امرأةٌ سألت عن أبيها كما هو في أكثر طرق حديث الفضل وحديث عبد الله أخيه وحديث عليٍّ، وفي النَّسائيِّ من حديث الفضل أنَّ السَّائل رجلٌ

سأل (١) عن أمِّه (٢)، وفي «صحيح ابن حبَّان» من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ السَّائل رجلٌ يسأل (٣) عن أبيه، وعند النَّسائيِّ أيضًا: أنَّ امرأةً سألته (٤) عن أبيها، وفي حديث بريدة عند التِّرمذيِّ: أنَّ امرأةً سألته عن أمِّها، وفي حديث حُصَين بن عوفٍ عند ابن ماجه: أنَّ السَّائل رجلٌ سأل عن أبيه، وفي حديث سنان بن عبد الله: أنَّ عمَّته قالت: «يا رسول الله؛ تُوفِّيت أمِّي» وهذا محمولٌ على التَّعدُّد (أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟) أي: أيجوز لي أن أنوب عنه فأحجَّ عنه، فالفاء بعد همزة الاستفهام عاطفةٌ على مُقدَّرٍ لأنَّ الاستفهام له الصَّدر (قَالَ) : (نَعَمْ) حُجِّي عنه (وَذَلِكَ) أي: ما ذكر وقع (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) وفيه: جواز الحجِّ عن الغير، وتمسَّك الحنفيَّة بعمومه على صحَّة حجِّ من لم يحجَّ نيابةً عن غيره، وخالف الجمهور فخصُّوه بمن حجَّ عن نفسه لحديث «السُّنن» و «صحيح ابن خزيمة» عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه رأى رجلًا يلبِّي عن شُبْرُمَةَ، فقال: «أفحججت (٥) عن نفسك؟» فقال (٦): لا، قال (٧): «هذه عن نفسك، ثمَّ احجج عن شُبْرُمَةَ» ومنع مالكٌ الحجَّ عن المعضوب (٨) مع أنَّه راوي الحديث، وقال الشَّافعيُّ: لا يستنيب الصَّحيح لا في فرضٍ ولا في نفلٍ، وجوَّزه أبو حنيفة وأحمد في النَّفل.

وأمَّا المطابقة بين الحديث والتَّرجمة فقالوا: تُدرَك بدقَّة النَّظر من (٩) دلالة الحديث على تأكيد الأمر بالحجِّ، حتَّى إنَّ المُكلَّف لا يُعذَر بتركه عند عجزه عن المباشرة بنفسه، بل يلزم أن يستنيب غيره، وهو يدلُّ على أنَّ في مباشرته فضلًا عظيمًا، ويأتي إن شاء الله تعالى (١٠) إفراد فضل الحجِّ ببابٍ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَن نَفسه لَا يحجّ عَن غَيره. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا مَبْنِيّ على أَن الْحَج على الْفَوْر أَو التَّرَاخِي، فَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه على التَّرَاخِي، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَمُحَمّد بن الْحسن، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَجَابِر وَعَطَاء وطاووس. وَقَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف: هُوَ على الْفَوْر، وَهُوَ قَول الْمُزنِيّ وَقَول جُمْهُور أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَلَا نَص لأبي حنيفَة فِي ذَلِك. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: مذْهبه يَقْتَضِي أَنه على الْفَوْر، وَهُوَ الصَّحِيح، ذكره الطرطوشي وَاحْتج لَهُم بِمَا رَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث مهْرَان بن أبي صَفْوَان عَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ: (من أَرَادَ الْحَج فليعجل) وَقَالَ أَبُو زرْعَة: مهْرَان لم يعرف، وَقَالَ الْحَاكِم: كَانَ مولى لقريش وَلَا يعرف بِجرح، وَذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) وَصحح حَدِيثه أَيْضا أَبُو مُحَمَّد الإشبيلي، وَفِي لفظ لأبي دَاوُد، من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي إِسْحَاق الْملَائي فِيهِ لين، عَن فُضَيْل بن عَمْرو عَن سعيد بن جُبَير عَن عبد الله، أَو عَن الْفضل أَو أَحدهمَا عَن الآخر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أَرَادَ الْحَج فليعجل فَإِنَّهُ قد يمرض الْمَرِيض وَتضِل الضَّالة وَتعرض الْحَاجة) . وَفِي (مُسْند أَحْمد) : (تعجلوا إِلَى الْحَج، يَعْنِي الْفَرِيضَة، فَإِن أحدكُم لَا يدْرِي مَا يعرض لَهُ) . وَاحْتج الشَّافِعِي وَأَصْحَابه بِأَن فَرِيضَة الْحَج نزلت بعد الْهِجْرَة، وَكَانَ الْفَتْح فِي رَمَضَان سنة ثَمَان، فَأَقَامَ عتاب للنَّاس الْحَج سنة ثَمَان بِأَمْر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُقيما بِالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَامَّة أَصْحَابه، ثمَّ غزا تَبُوك سنة تسع وَلم يحجّ، وَكَانَ انْصِرَافه عَنْهَا قبل الْحَج، فَبعث أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأَقَامَ للنَّاس الْحَج تِلْكَ السّنة، وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُعْتَمر هُوَ وأزواجه وَأَصْحَابه مَعَ الْقُدْرَة على الْحَج، ثمَّ حج سنة عشر، فَدلَّ على جَوَاز التَّأْخِير.

وَفِيه: دَلِيل على أَن الْمَرْأَة يجوز لَهَا أَن تحج عَن الرجل، وَهُوَ حجَّة عَليّ الْحسن بن حَيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي مَنعه عَن ذَلِك،

وَفِيه: بر الْوَالِدين بِالْقيامِ بمصالحهما من قَضَاء الدُّيُون وَغَيره.

وَفِيه: جَوَاز أَن يُقَال: حجَّة الْوَدَاع بِدُونِ كَرَاهَة.

٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى {يأتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرِ يَأتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ} (الْحَج: ٧٢) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {يأتوك ... } (الْحَج: ٧٢) . إِلَى آخِره. وَإِنَّمَا ذكر هَذِه الْآيَة مترجما بهَا تَنْبِيها على أَن اشْتِرَاط الرَّاحِلَة فِي وجوب الْحَج لَا يُنَافِي جَوَاز الْحَج مَاشِيا مَعَ الْقُدْرَة على الرَّاحِلَة وَعدم الْقُدْرَة، لِأَن الْآيَة اشْتَمَلت على المشاة والركبان، وَذَلِكَ أَن سَبَب نزُول الْآيَة أَنهم كَانُوا لَا يركبون على مَا روى الطَّبَرَانِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، من طَرِيق عَمْرو بن ذَر، رَحمَه الله تَعَالَى. قَالَ: قَالَ مُجَاهِد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانُوا لَا يركبون، فَأنْزل الله تَعَالَى: {يأتوك رجَالًا وعَلى كل ضامر} (الْحَج: ٧٢) . فَأَمرهمْ بالزاد وَرخّص لَهُم فِي الرّكُوب والمتجر، وَأول الْآيَة: {وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ يأتوك ... } (الْحَج: ٧٢) . الْآيَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما فرغ إِبْرَاهِيم، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من بِنَاء الْبَيْت أمره الله تَعَالَى أَن يُؤذن. قَالَ إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا رب وَمَا يبلغ أذاني؟ قَالَ: أذن وَعلي الْبَلَاغ. فَقَامَ بالْمقَام، وَقيل: على جبل أبي قبيس، وَأدْخل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ، وَأَقْبل بِوَجْهِهِ يَمِينا وَشمَالًا وشرقا وغربا، وَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس! إِن الله يدعوكم إِلَى الْحَج ببيته الْحَرَام، فاسمع من فِي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء مِمَّن سبق فِي علم الله تَعَالَى أَن يحجّ، فَأَجَابُوا: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، فَمن أجَاب يَوْمئِذٍ بِعَدَد حج على قدره، قيل: أول من أَجَابَهُ أهل الْيمن فهم أَكثر النَّاس حجا، وَهَذَا قَول الْجُمْهُور. وَقَالَ قوم: الْمَأْمُور بِالتَّأْذِينِ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن يفعل ذَلِك فِي حجَّة الْوَدَاع، والتوفيق بَين الْقَوْلَيْنِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أمره الله بذلك إحْيَاء لسنة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قلت: {يأتوك} (الْحَج: ٧٢) . على القَوْل الأول خطاب لإِبْرَاهِيم، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعَلى القَوْل الثَّانِي لنبينا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر، وَهُوَ قَوْله: {أذِّنْ} (الْحَج: ٧٢) . قَوْله: {رجَالًا} (الْحَج: ٧٢) . نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي {يأتوك} (الْحَج: ٧٢) . وَهُوَ جمع راجل، كَذَا قَالَه أَبُو عبيد فِي (كتاب الْمجَاز) نَحْو: صِحَاب وَصَاحب، وَعَن ابْن عَبَّاس رجَالًا، رجالة، وَقَرَأَ عِكْرِمَة مشددا، وَقَرَأَ مُجَاهِد مخففا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جمع الراجل رجل، مثل صَاحب وَصَحب، ورجالة وَرِجَال، والأراجيل جمع الْجمع. قَوْله: {وعَلى كل ضامر} (الْحَج: ٧٢) . من الضمور، وَهُوَ الهزال، وَقَالَ أَبُو اللَّيْث: {وعَلى كل ضامر} (الْحَج: ٧٢) . يَعْنِي: الْإِبِل وَغَيرهَا، فَلَا يدْخل بعير وَلَا غَيره الْحرم إلَاّ

وَقد ضمر من طول الطَّرِيق، وضامر بِغَيْر هَاء يسْتَعْمل للمذكر والمؤنث. وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) {وعَلى كل ضامر} (الْحَج: ٧٢) . حَال معطوفة على: رجال، كَأَنَّهُ قيل: رجَالًا وركبانا، والضامر الْبَعِير المهزول. قَوْله: {يَأْتِين} (الْحَج: ٧٢) . صفة لكل ضامر، لِأَن: كل ضامر، فِي معنى الْجمع أَرَادَ النوق. قَوْله: {من كل فج عميق} (الْحَج: ٧٢) . أَي: من كل طَرِيق بعيد، وَمِنْه قيل: بِئْر عميقة. وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: معيق، فَقَالَ: بِئْر بعيدَة القعر. قَوْله: {ليشهدوا} (الْحَج: ٧٢) . أَي: ليحضروا مَنَافِع لَهُم هِيَ التِّجَارَة، وَقيل: مَنَافِع الْآخِرَة، وَقيل: مَنَافِع الدَّاريْنِ جَمِيعًا، وَتَمام الْآيَة {ويذكروا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام فَكُلُوا مِنْهَا وأطعموا البائس الْفَقِير} (الْحَج: ٧٢) . قَوْله: {ويذكروا} (الْحَج: ٧٢) . أَي: وليذكروا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات يَعْنِي: يَوْم النَّحْر ويومين بعده، وَقَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة: المعلومات: الْأَيَّام الْعشْر، والمعدودات: إيام التَّشْرِيق. قَوْله: {على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام} (الْحَج: ٧٢) . مُتَعَلق بذكروا، وَالْمعْنَى: ويذكروا اسْم الله على ذبح أنعامهم، وَالْمرَاد بِالذكر التَّسْمِيَة، وَهِي قَوْله: بِسم الله وَالله أكبر اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك عَن فلَان، كَانَ الْكفَّار يدعونَ ويذبحون على أَسمَاء أصنامهم، فَبين الله تَعَالَى أَن الْوَاجِب الذّبْح على اسْمه: {بَهِيمَة الْأَنْعَام} (الْحَج: ٧٢) . الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم. قَوْله: {فَكُلُوا مِنْهَا} (الْحَج: ٧٢) . فَهُوَ أَمر إِبَاحَة، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يرَوْنَ وَلَا يسْتَحلُّونَ الْأكل من ذَبَائِحهم. قَوْله: {وأطعموا البائس} (الْحَج: ٧٢) . أَي: الَّذِي اشْتَدَّ فقره، وَقَالَ أَبُو اللَّيْث: البائس الصرير الزَّمن، وَالْفَقِير الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْء. وَقَالَ الزّجاج: البائس الَّذِي أَصَابَهُ الْبُؤْس وَهُوَ الشدَّة، وَمَا يتَعَلَّق بذلك من الْفِقْه عرف فِي مَوْضِعه.

فِجَاجا: الطّرُقُ الوَاسِعَةُ

قد جرت عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا وَقعت لَفْظَة فِي الحَدِيث أَو فِي الْآيَة يذكر نظيرها مِمَّا وَقع فِي الحَدِيث أَو الْقُرْآن، وَذكر هُنَا: فجاجا، يُرِيد بِهِ مَا وَقع فِي قَوْله تَعَالَى: {لتسلكوا مِنْهَا سبلاً فجاجا} (الْحَج: ٧٢) . ثمَّ فسر الفجاج بقوله: الطّرق الواسعة، وَهَكَذَا فَسرهَا الْفراء فِي (الْمعَانِي) فِي سُورَة نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ: جمع فج. قَالَ ابْن سَيّده: الْفَج الطَّرِيق الْوَاسِع فِي جبل أَو فِي قبل جبل، وَهُوَ أوسع من الشّعب. وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ مَا انخفض من الطّرق، وَجمع على فجاج، وأفجة، الْأَخِيرَة نادرة. وَقَالَ صَاحب (المنتهي) : فجاج الأَرْض نَوَاحِيهَا. وَفِي (التَّهْذِيب) : {من كل فج عميق} (الْحَج: ٧٢) . أَي: وَاسع غامض.

٤١٥١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ عِيسى اقال حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ أنَّ سالمَ بنَ عَبْدِ الله قَالَ أخبَره أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ رَأيْتُ رَسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْكَبُ رَحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قائِمَةً..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ ذكر الرّكُوب وَذكر الْفَج العميق. أما الرّكُوب فَهُوَ قَوْله: (يركب رَاحِلَته) ، وَأما الْفَج العميق فَهُوَ، ذُو الحليفة، لِأَنَّهُ لَا شكّ أَن بَينهَا وَبَين مَكَّة عشر مراحل، وَهُوَ فج وعميق، وسنبسط الْكَلَام فِيهَا عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَبِمَا ذكرنَا سقط اعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ، حَيْثُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثين شَيْء مِمَّا ترْجم الْبَاب بِهِ، وَلَو وَقع فِي خاطره مَا ذكرنَا من الْمُطَابقَة الْوَاضِحَة لما أقدم إِلَى الإعتراض.

ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: أَحْمد بن عِيسَى أَبُو عبد الله التسترِي مصري الأَصْل، وَلكنه كَانَ يتجر إِلَى تستر فنسب إِلَيْهَا، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بنسبته إِلَى أَبِيه، وَوَافَقَهُ أَبُو عَليّ الشبوي، وَأَهْمَلَهُ الْبَاقُونَ، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَالَّذِي رَأَيْت فِي (مُسْند عبد الله بن وهب) رِوَايَة يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَنهُ: أَنبأَنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يهل ملبيا، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

وَأخرجه مُسلم عَن حَرْمَلَة، وَالنَّسَائِيّ عَن عِيسَى بن إِبْرَاهِيم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يركب رَاحِلَته) ، وَالرَّاحِلَة من الْإِبِل: الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال، وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء، وَالْهَاء فِيهَا للْمُبَالَغَة، وَهِي الَّتِي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة، وَتَمام الْخلق وَحسن المنظر، فَإِذا كَانَت فِي جمَاعَة الْإِبِل عرفت. قَوْله: (بِذِي الحليفة) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء، وَفِي

آخِره هَاء وَهِي شَجَرَة مِنْهَا يحرم أهل الْمَدِينَة. وَهِي من الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال وَمن مَكَّة على مِائَتي ميل غير ميلين، وَقيل: بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة ميل أَو ميلان والميل ثلث فَرسَخ وَهُوَ أَرْبَعَة آلَاف ذِرَاع، وبذي الحليفة عدَّة آبار ومسجدان لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْمَسْجِد الْكَبِير الَّذِي يحرم مِنْهُ النَّاس، وَالْمَسْجِد الآخر: مَسْجِد المعرس. وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ أبعد الْمَوَاقِيت من مَكَّة تَعْظِيمًا لإحرام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ثمَّ يهل) ، بِضَم الْيَاء: من الإهلال، وَهُوَ رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. قَوْله: (حَتَّى تستوي) أَي: الرَّاحِلَة. قَوْله: (قَائِمَة) ، نصب على الْحَال.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الرّكُوب فِي سفر الْحَج وَالرُّكُوب فِيهِ وَالْمَشْي سَوَاء فِي الْإِبَاحَة، وَالْكَلَام فِي الْأَفْضَلِيَّة، فَقَالَ قوم: الرّكُوب أفضل اتبَاعا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولفضل النَّفَقَة فَإِن النَّفَقَة فِيهِ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيل الله سَبْعمِائة ضعف، كَمَا أخرجه أَحْمد من حَدِيث بُرَيْدَة، وَصحح جمَاعَة أَن الْمَشْي أفضل وَبِه قَالَ إِسْحَاق لِأَنَّهُ أَشد على النَّفس، وَفِي حَدِيث صَححهُ الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: (من حج إِلَى مَكَّة مَاشِيا حَتَّى رَجَعَ كتب لَهُ بِكُل خطْوَة سَبْعمِائة حَسَنَة من حَسَنَات الْحرم، قيل: وَمَا حَسَنَات الْحرم؟ قَالَ: كل حَسَنَة بِمِائَة ألف حَسَنَة) . وروى مُحَمَّد بن كَعْب عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا فَاتَنِي شَيْء أَشد عَليّ إلَاّ أَن أكون حججْت مَاشِيا، لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: {يأتوك رجَالًا وعَلى كل ضامر} (الْحَج: ٧٢) . أَي: ركبانا، فَبَدَأَ بِالرِّجَالِ قبل الركْبَان، وَذكر إِسْمَاعِيل إِبْنِ إِسْحَاق عَن مُجَاهِد قَالَ: أهبط آدم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْهِنْدِ فحج على قَدَمَيْهِ الْبَيْت أَرْبَعِينَ حجَّة، وَعَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد أَن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، حجا ماشيين، وَحج الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، خَمْسَة وَعشْرين حجَّة مَاشِيا وَأَن النجائب لتقاد بَين يَدَيْهِ، وَفعله ابْن جريج وَالثَّوْري. وَفِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (حج رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَصْحَابه مشَاة من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة، ثمَّ قَالَ اربطوا على أوساطكم مآزركم وامشوا مشياً خلط الهرولة) . ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد.

وَفِيه: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أهل حِين اسْتَوَت رَاحِلَته قَائِمَة، واستواؤها كَمَال قِيَامهَا، وَبِه احْتج مَالك وَأكْثر الْفُقَهَاء على أَن يهل الرَّاكِب إِذا اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته قَائِمَة، وَاسْتحبَّ أَبُو حنيفَة أَن يكون إهلاله عقيب الصَّلَاة إِذا سلم مِنْهَا، وَقَالَ الشَّافِعِي: يهل إِذا أخذت نَاقَته فِي الْمَشْي، وَمن كَانَ يركب رَاحِلَته قَائِمَة كَمَا يَفْعَله كثير من الْحَاج الْيَوْم فيهل على مَذْهَب مَالك إِذا اسْتَوَى عَلَيْهَا رَاكِبًا. وَقَالَ عِيَاض: جَاءَ فِي رِوَايَة: (أهل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا اسْتَوَت النَّاقة) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (حَتَّى إِذا اسْتَوَت بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَاحِلَته) ، وَفِي أُخْرَى (حَتَّى تنبعث بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَاقَته) ، وَلَا يفهم مِنْهُ أَخذهَا فِي الْمَشْي وَقَالَ أَكثر أَصْحَاب مَالك يسْتَحبّ أَن يهل إِذا اسْتَوَت بِهِ نَاقَته إِن كَانَ رَاكِبًا وَإِن كَانَ رَاجِلا فحين يَأْخُذ فِي الْمَشْي، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن كَانَ رَاكِبًا فَكَذَلِك.

٥١٥١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ قَالَ أخبرنَا الوَلِيدُ قَالَ حدَّثنا الأوْزَاعِي سَمِعَ عَطَاءً يُحَدِّثُ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ إهْلالَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ حينَ اسْتَوَتْ بِهِ راحِلَتُهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قصد الْحَج رَاكِبًا، وَهُوَ مُطَابق لقَوْله: {وعَلى كل ضامر} (الْحَج: ٧٢) .

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد بن زادان التَّمِيمِي الْفراء أَبُو إِسْحَاق تقدم فِي: بَاب غسل الْحَائِض رَأسهَا. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي. مر فِي: بَاب وَقت الْمغرب. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع: عَطاء بن أبي رَبَاح، وَإِن كَانَ عَطاء بن يسَار روى عَن جَابر، لَكِن الْأَوْزَاعِيّ لم يرو إلَاّ عَن أبي رَبَاح. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِلَا نِسْبَة

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله