الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٦٠
الحديث رقم ١٦٦٠ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التهجير بالرواح يوم عرفة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٦٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ:
روى سالم بن عبد الله بن عمر قال: كتب عبد الملك بن مروان الأموي إلى الحجاج بن يوسف الثقفي حين أرسله أميرًا على الحاج ألا تخالف عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أحكام الحج، فجاء ابن عمر رضي الله عنهما ومعه ابنه سالم يوم عرفة حين زالت الشمس، فصاح عند خيمة الحَجَّاج، فخرج الحجاج من سرادقه، أي خيمته، وعليه إزار كبير مصبوغ بالعُصْفُر، نوع من النبات يُصبغ به في ذلك الزمان، فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ وهي كنية ابن عمر، فقال له ابن عمر: عجل إن كنت تريد أن تصيب السنة النبوية، قال الحجاج: في هذه الساعة، وفي وقت الهاجرة؟ قال ابن عمر: نعم، قال الحجاج: فانتظرني حتى أغتسل ثم أخرج، فنزل ابن عمر عن مركوبه وانتظر حتى خرج الحجاج، فسار الحجاج بين عبد الله بن عمر وبين ابنه سالم، فقال سالم للحجاج: إذا كنت تريد امتثال السنة النبوية فقصِّر الخطبة ولا تطلها وعجل في الوقوف، فجعل الحجاج ينظر إلى عبد الله بن عمر كأنه يستفهم رأيه فيما قاله ابنه سالم، هل هو كذا أم لا؟ فلما رأى ذلك عبدُ الله قال: صدق.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِيَعْرِفَ الْأَفْضَلَ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَيَانُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٨٧ - بَاب التَّهْجِيرِ بِالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ
١٦٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ. فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الْحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ. قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجُ. فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي، فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: صَدَقَ.
[الحديث ١٦٦٠ - طرفاه في: ١٦٦٢، ١٦٦٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّهْجِيرِ بِالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ) أَيْ مِنْ نَمِرَةَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا: غَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ عَرَفَةَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَنَزَلَ نَمِرَةَ - وَهُوَ مَنْزِلُ الْإِمَامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ بِعَرَفَةَ - حَتَّى إِذْ كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُهَجِّرًا، فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ رَاحَ فَوَقَفَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَوَجَّهَ مِنْ مِنًى حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ بِهَا، لَكِنْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ تَوَجُّهَهُ ﷺ مِنْهَا كَانَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَفْظُهُ: فَضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَى فَرُحِلَتْ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي. انْتَهَى.
وَنَمِرَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ خَارِجَ الْحَرَمِ بَيْنَ طَرَفِ الْحَرَمِ وَطَرَفِ عَرَفَاتٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَالِمٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ) يَعْنِي ابْنَ مَرْوَانَ.
قَوْلُهُ: (إِلَى الْحَجَّاجِ) يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ حِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا بَعْدَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَجِّ) أَيْ فِي أَحْكَامِ الْحَجِّ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَشْهَبَ، عَنْ مَالِكٍ فِي أَمْرِ الْحَجِّ وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَمْ يُمَكِّنِ الْحَجَّاجَ وَعَسْكَرَهُ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ فَوَقَفَ قَبْلَ الطَّوَافِ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَأَنَا مَعَهُ) الْقَائِلُ هُوَ سَالِمٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَرَكِبَ هُوَ وَسَالِمٌ وَأَنَا مَعَهُمَا وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ صَائِمًا فَلَقِيتُ مِنَ الْحَرِّ شِدَّةً وَاخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ هَذِهِ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هِيَ وَهَمٌ، وابْنُ شِهَابٍ لَمْ يَرَ ابْنَ عُمَرَ وَلَا سَمِعَ مِنْهُ، وَقَالَ الذُّهْلِيُّ: لَسْتُ أَدْفَعُ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنِ الْعُمَرِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَرَوَى عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ وَفَدْتُ إِلَى مَرْوَانَ وَأَنَا مُحْتَلِمٌ قَالَ الذُّهْلِيُّ: وَمَرْوَانُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ رِوَايَةَ عَنْبَسَةَ هَذِهِ أَيْضًا وَهَمٌ وَإِنَّمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَفَدْتُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَوْ كَانَ الزُّهْرِيُّ وَفَدَ عَلَى مَرْوَانَ لَأَدْرَكَ جِلَّةَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ عَنْهُمْ رِوَايَةٌ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ. وَقَدْ أَدْخَلَ مَالِكٌ، وَعُقَيْلٌ - وَإِلَيْهِمَا الْمَرْجِعُ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ سَالِمًا فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الْحَجَّاجِ) أَيْ خَيْمَتِهِ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْنَ هَذَا؟ أَيِ الْحَجَّاجُ. وَمِثْلُهُ يَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ إِزَارٌ كَبِيرٌ وَالْمُعَصْفَرُ
الْمَصْبُوغُ بِالْعُصْفُرِ. وَقَوْلُهُ (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هِيَ كُنْيَةُ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلُهُ (الرَّوَاحَ) بِالنَّصْبِ أَيْ عَجِّلْ أَوْ رُحْ.
قَوْلُهُ: (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ إِنْ كَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْظِرْنِي) بِالْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَخِّرْنِي، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِأَلِفِ وَصْلٍ وَضَمِّ الظَّاءِ أَيِ انْتَظِرْنِي.
قَوْلُهُ: (فَنَزَلَ) يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْدَ بَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَاقْصُرْ) بِأَلِفٍ مَوْصُولَةٍ وَمُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ. قَالَ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدْخُلُ عِنْدَهُمْ فِي الْمُسْنَدِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّنَّةِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُطْلِقَتْ مَا لَمْ تُضَفْ إِلَى صَاحِبِهَا كَسُنَّةِ الْعُمَرَيْنِ. قُلْتُ: وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ، وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُ سَالِمٍ، لِابْنِ شِهَابٍ إِذْ قَالَ لَهُ أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: وَهَلْ يَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ؟ وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَذَا رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ، وَأَشْهَبُ وَهُوَ عِنْدِي غَلَطٌ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ قَالُوا وَعَجِّلِ الصَّلَاةَ قَالَ: وَرِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ لَهَا وَجْهٌ؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْوُقُوفِ يَسْتَلْزِمُ تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ. قُلْتُ: قَدْ وَافَقَ الْقَعْنَبِيَّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ كَمَا تَرَى، وَرِوَايَةُ أَشْهَبَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ رَوَوْهُ هَكَذَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ مَالِكٍ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِاللَّازِمِ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ تَعْجِيلُ الْوُقُوفِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْغُسْلُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِقَوْلِ الْحَجَّاجِ، لِعَبْدِ اللَّهِ: أَنْظِرْنِي فَانْتَظَرَهُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَهُ. انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ إِنَّمَا انْتَظَرَهُ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّ اغْتِسَالَهُ عَنْ ضَرُورَةٍ. نَعَمْ رَوَى مَالِكٌ فِي: الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ الْمُعَصْفَرَ لِلْمُحْرِمِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ بِأَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَكُنْ يَتَّقِي الْمُنْكَرَ الْأَعْظَمَ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَتَّقِيَ الْمُعَصْفَرَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْهَهُ ابْنُ عُمَرَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَنْجَعُ فِيهِ النَّهْيُ وَلِعِلْمِهِ بِأَنَّ النَّاسَ لَا يَقْتَدُونَ بِالْحَجَّاجِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ إِنَّمَا هُوَ بِعَدَمِ إِنْكَارِ ابْنِ عُمَرَ، فَبِعَدَمِ إِنْكَارِهِ يَتَمَسَّكُ النَّاسُ فِي اعْتِقَادِ الْجَوَازِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُعَصْفَرِ فِي بَابِهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ جَوَازُ تَأْمِيرِ الْأَدْوَنِ عَلَى الْأَفْضَلِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ أَيْضًا بِأَنَّ صَاحِبَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَا سِيَّمَا فِي تَأْمِيرِ الْحَجَّاجِ، وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَإِنَّمَا أَطَاعَ لِذَلِكَ فِرَارًا مِنَ الْفِتْنَةِ. قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ إِقَامَةَ الْحَجِّ إِلَى الْخُلَفَاءِ، وَأَنَّ الْأَمِيرَ يَعْمَلُ فِي الدِّينِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَيَصِيرُ إِلَى رَأْيِهِمْ. وَفِيهِ مُدَاخَلَةُ الْعُلَمَاءِ السَّلَاطِينَ وَأَنَّهُ لَا نَقِيصَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ فَتْوَى التِّلْمِيذِ بِحَضْرَةِ مُعَلِّمِهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ، وَابْتِدَاءُ الْعَالِمِ بِالْفَتْوَى قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ إِنَّمَا ابْتَدَأَ بِذَلِكَ لِمَسْأَلَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ كَمَا كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ، قَالَ: وَفِيهِ الْفَهْمُ بِالْإِشَارَةِ وَالنَّظَرِ لِقَوْلِ سَالِمٍ فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: صَدَقَ. انْتَهَى. وَفِيهِ طَلَبُ الْعُلُوِّ فِي الْعِلْمِ لِتَشَوُّفِ الْحَجَّاجِ إِلَى سَمَاعِ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ سَالِمٌ مِنْ أَبِيهِ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ. وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْفَاجِرِ السُّنَنَ لِمَنْفَعَةِ النَّاسِ. وَفِيهِ احْتِمَالُ الْمَفْسَدَةِ الْخَفِيفَةِ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الْكَبِيرَةِ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ مُضِيِّ ابْنِ عُمَرَ إِلَى الْحَجَّاجِ وَتَعْلِيمِهِ. وَفِيهِ الْحِرْصُ عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ لِانْتِفَاعِ النَّاسِ بِهِ.
وَفِيهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَأَنَّ التَّوَجُّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي بِعَرَفَةَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ سُنَّةٌ، وَلَا يَضُرُّ التَّأَخُّرُ بِقَدْرِ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْمَرْءُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الصَّلَاةِ كَالْغُسْلِ وَنَحْوِهِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا فِيهِ فِي الَّذِي يَلِيهِ.
٨٨ - بَاب الْوُقُوفِ عَلَى الدَّابَّةِ بِعَرَفَةَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الكاف مبنيًّا للفاعل، أي: النَّبيُّ ﷺ، وفي نسخةٍ: «فلا يُنكَر» بفتح الكاف (١) مبنيًّا للمفعول والفتحة مكشوطةٌ من فرع «اليونينيَّة»، وفي رواية موسى بن عقبة عن محمَّد بن أبي بكرٍ عند مسلمٍ عن أنسٍ: لا يعيب أحدنا على صاحبه (وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ) ومفهومه أنَّه لا حرج عليه في التَّكبير ذلك الوقت، بل يجوز كسائر الأذكار، ولكن ليس التَّكبير يوم عرفة سنَّةً للحاجِّ، وفي الحديث: ردٌّ على من قال: يقطع التَّلبية صبح يوم عرفة، بل السُّنَّة ألَّا يقطعها إلَّا في أوَّل حصاةٍ من جمرة العقبة، ويحتمل أنَّ تكبيرهم هذا كان شيئًا من الذِّكر يتخلَّل التَّلبية من غير تركٍ للتَّلبية، وهذا مذهب أبي حنيفة والشَّافعيِّ، وقال مالكٌ: يقطع إذا زالت الشَّمس وراح إلى الصَّلاة، قال ابن فرحون: وهو المشهور، وفرَّق ابن الجلَّاب بين من يأتي عرفة وبين من يُحرِم بعرفة، فيلبِّي حتَّى يرمي جمرة العقبة، وإذا قطع التَّلبية بعرفة لم يعاودها.
(٨٧) (بابُ التَّهْجِيرِ بِالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ) من نَمِرَة إلى موضع الوقوف بعرفة (٢)، ونَمِرَة: هي بفتح النُّون وكسر الميم وفتح الرَّاء؛ موضعٌ خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات، و «التَّهجير»: السَّير في الهاجرة؛ وهي عند نصف النَّهار واشتداد الحرِّ.
١٦٦٠ - وبالسَّند (٣) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر (قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ) بن مروان الأمويُّ (إِلَى الحَجَّاجِ) بن يوسف الثَّقفيِّ حين أرسله إلى قتال ابن الزُّبير، وجعله واليًا على مكَّة وأميرًا على الحُجَّاج (١) (أَلَّا يُخَالِفَ (٢) ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (فِي) أحكام (الحَجِّ) قال سالمٌ: (فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَأَنَا مَعَهُ) أي: مع ابن عمر، والواو للحال (يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ) بضمِّ السِّين، قال البرماويُّ و (٣) الحافظ ابن حجرٍ وغيرهما -كالكِرمانيِّ-: الخيمة، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه إنَّما هو الذي يحيط بالخيمة، وله بابٌ يُدخَل منه إلى الخيمة، قال (٤): ولا يعمله غالبًا إلَّا الملوك الأكابر (٥). انتهى.
وفي «القاموس»: أنَّه الذي يُمَدُّ فوق صحن البيت، والبيت من الكُرْسُف، زاد الإسماعيليُّ من هذا الوجه: «أين هذا؟» يعني: الحجَّاج (فَخَرَجَ) من سُرادقه (وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ) مصبوغةٌ بالعصفر، والمِلحفة: بكسر الميم؛ الإزار الكبير (فَقَالَ) أي: الحجَّاج: (مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟) كنية ابن عمر (فَقَالَ) له ابن عمر: عجِّل أو رُحْ (الرَّوَاحَ) فالنَّصب (٦) بفعلٍ مُقدَّرٍ، قال العينيُّ: والأصوب نصبه على الإغراء (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ) أن (٧) تصيب (السُّنَّةَ) النَّبويَّة (قَالَ) الحجَّاج: (هَذِهِ السَّاعَةَ) وقت الهاجرة؟ (قَالَ) ابن عمر: (نَعَمْ، قَالَ) الحجَّاج: (فَأَنْظِرْنِي) بهمزة قطع ومعجمةٍ مكسورةٍ مِنَ الإنظار؛ وهو المهلة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فانظرني» بهمزة وصلٍ وظاءٍ معجمةٍ مضمومةٍ، أي: انتظرني (حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي) أي: أغتسل لأنَّ إفاضة الماء على الرَّأس غالبًا إنَّما تكون في الغُسْل (ثُمَّ أَخْرُجَ) بالنَّصب عطفًا على «أُفيضَ» (فَنَزَلَ)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وهُمَا غادِيانِ مِنْ مِنىً إلَى عَرَفَةَ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا اليَوْمِ مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ كانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ ويُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ.
(انْظُر الحَدِيث ٠٧٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا. وَأما الثَّقَفِيّ فَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح عَن أنس وَلَا غَيره غير هَذَا الحَدِيث، وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ فِي: بَاب التَّكْبِير أَيَّام منى وَإِذا غَدا إِلَى عَرَفَة، أخرجه عَن أبي نعيم عَن مَالك بن أنس قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي بكر الثَّقَفِيّ، قَالَ: سَأَلت أنسا وَنحن غاديان من منى إِلَى عَرَفَات عَن التَّلْبِيَة، كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: كَانَ يُلَبِّي الملبي لَا يُنكر عَلَيْهِ، وَيكبر المكبر فَلَا يُنكر عَلَيْهِ، فَانْظُر التَّفَاوُت بَينهمَا فِي السَّنَد والمتن وَالْمعْنَى وَاحِد. وَقَوله: فِي هَذَا الطَّرِيق: (كَانَ يُلَبِّي منا الملبي) ، يُوضح معنى قَوْله: (كَانَ يهل منا الْمهل) لِأَن الإهلال رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. قَوْله: (وهما غاديان) جملَة إسمية وَقعت حَالا. أَي: ذاهبان غدْوَة. قَوْله: (كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ؟) أَي: من الذّكر طول الطَّرِيق، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق مُوسَى بن عقبَة، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي بكر، قَالَ: قلت لأنس بن مَالك غَدَاة عَرَفَة: مَا تَقول فِي التَّلْبِيَة فِي هَذَا الْيَوْم؟ قَالَ: سرت هَذَا الْمسير مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فمنا المكبر وَمنا الْمهل، لَا يعيب أَحَدنَا على صَاحبه. قَوْله: (فَلَا يُنكر عَلَيْهِ) ، بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع، وَقد مرت بَقِيَّة الْكَلَام هُنَاكَ.
٧٨ - (بابُ التَّهْجِيرِ بالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التهجير، وَهُوَ السّير فِي الهاجرة، وَكَذَلِكَ الهجر والهاجرة نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر، وَكَذَلِكَ الهجر، وَمِنْه يُقَال: هجر النَّهَار، وَالْمرَاد بالتهجير بالرواح: أَن يهجر من نمرة إِلَى مَوضِع الْوُقُوف بِعَرَفَة، والنمرة، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم: مَوضِع بِقرب عَرَفَات خَارج الْحرم بَين طرف الْحَرْف وطرف عَرَفَات.
٠٦٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمٍ قَالَ كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَى الحَجَّاجِ أنْ لَا يُخَالِفَ ابنَ عُمَرَ فِي الحجِّ فَجَاءَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَأَنا معَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ فصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقال مالِكَ يَا أبَا عَبْدِ الرَّحْمانِ فَقَالَ الرَّوَاحَ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ قَالَ هاذِهِ السَّاعَةَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأنْظِرْنِي حتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأسِي ثُمَّ أخرُج فنزَلَ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ فسَارَ بَيْنِي وبَيْنَ أبِي فَقُلْتُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فاقْصُرِ الخُطْبَةَ وعَجِّلِ الوُقُوفَ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ الله فلَمَّا رَأى ذَلِكَ عَبْدُ الله قَالَ صَدَقَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُستفاد من قَوْله: (هَذِه السَّاعَة) لِأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى زَوَال الشَّمْس، وَهُوَ وَقت الهاجرة، وَهُوَ وَقت الرواح إِلَى الْموقف لما روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر، (قَالَ: غَدا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين صلى الصُّبْح فِي صَبِيحَة يَوْم عَرَفَة حَتَّى أَتَى عَرَفَة، فَنزل نمرة وَهُوَ منزل الإِمَام الَّذِي ينزل بِهِ بِعَرَفَة، حَتَّى إِذا كَانَ عِنْده صَلَاة الظّهْر رَاح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مهجرا فَجمع بَين الظّهْر وَالْعصر، ثمَّ خطب النَّاس ثمَّ رَاح فَوقف) . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا. وَظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنه توجه من منى حِين صلى الصُّبْح بهَا، لَكِن فِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل الَّذِي رَوَاهُ مُسلم أَن توجهه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهَا كَانَ بعد طُلُوع الشَّمْس، وَلَفظه: (فَضربت لَهُ قبَّة بنمرة فَنزل بهَا حَتَّى زاغت الشَّمْس أَمر بالقصواء فرحلت، فَأتى بطن الْوَادي فَخَطب النَّاس. .) الحَدِيث بِطُولِهِ.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج أَيْضا عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَعَن أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح.
قَوْله: (كتب عبد الْملك) هُوَ ابْن مَرْوَان الْأمَوِي الْخَلِيفَة، وَالْحجاج هُوَ ابْن يُوسُف الثَّقَفِيّ، وَكَانَ واليا بِمَكَّة حِينَئِذٍ لعبد الْملك وأميرا على الْحَاج. قَوْله: (أَن لَا يُخَالف) بِلَفْظ النَّهْي وَالنَّفْي. قَوْله: (فِي الْحَج) أَي: فِي أَحْكَام الْحَج، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق أَشهب عَن مَالك: فِي أَمر الْحَج. قَوْله:
(فجَاء ابْن عمر) الْقَائِل هُوَ سَالم وَالْوَاو فِي: وَأَنا، للْحَال. قَوْله: (مَعَه) أَي: مَعَ ابْن عمر، وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ: (فَركب هُوَ وَسَالم وَأَنا مَعَهُمَا) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن معمر، قَالَ ابْن شهَاب: (وَكنت يَوْمئِذٍ صَائِما فَلَقِيت من الْحر شدَّة) . وَاخْتلف الْحفاظ فِي رِوَايَة معمر هَذِه، فَقَالَ يحيى بن معِين: هِيَ وهم وَابْن شهَاب لم ير ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا سمع مِنْهُ. وَقَالَ الذهلي: لست أدفَع رِوَايَة معمر لِأَن ابْن وهب روى عَن الْعمريّ عَن ابْن شهَاب، رَحمَه الله تَعَالَى، نَحْو رِوَايَة معمر، وروى عَنْبَسَة بن خَالِد عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. . قَالَ: وفدت إِلَى مَرْوَان وَأَنا محتلم، قَالَ الذهلي: ومروان مَاتَ سنة خمس وَسِتِّينَ، وَهَذِه الْقِصَّة كَانَت سنة ثَلَاث وَسبعين. انْتهى. وَقَالَ غَيره: إِن رِوَايَة عَنْبَسَة هَذِه أَيْضا وهم، وَإِنَّمَا قَالَ الزُّهْرِيّ: وفدت على عبد الْملك، وَلَو كَانَ الزُّهْرِيّ وَفد على مَرْوَان لأدرك جلة الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، مِمَّن لَيست لَهُ عَنْهُم رِوَايَة إلَاّ بِوَاسِطَة، وَقد أَدخل مَالك وَعقيل، وإليهما الْمرجع فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ، بَينه وَبَين ابْن عمر فِي هَذِه الْقِصَّة سالما، فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد. قَوْله: (عِنْد سرادق الْحجَّاج) ، السرادق، بِضَم السِّين. قَالَ الْكرْمَانِي: وَتَبعهُ غَيره أَنه هُوَ الْخَيْمَة وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا السرادق هُوَ الَّذِي يُحِيط بالخيمة وَله بَاب يدْخل مِنْهُ إِلَى الْخَيْمَة وَلَا يعْمل هَذَا غَالِبا إلَاّ للسلاطين والملوك الْكِبَار، وبالفارسية يُسمى: سرابردة. قَوْله: (ملحفة) ، بِكَسْر الْمِيم: الْإِزَار الْكَبِير. قَوْله: (معصفرة) أَي: مصبوغة بالعصفر. قَوْله: (يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن) هُوَ كنية عبد الله بن عمر. قَوْله: (الرواح) ، بِالنّصب أَي: رح الرواح أَو عجل، قَالَه الْكرْمَانِي، والأصوب أَن يُقَال: إِنَّه مَنْصُوب على الإغراء أَي: ألزم الرواح، والإغراء تَنْبِيه الْمُخَاطب على أَمر مَحْمُود ليفعله. قَوْله: (إِن كنت تُرِيدُ السنَّة) وَفِي رِوَايَة ابْن وهب: (إِن كنت تُرِيدُ أَن تصيب السنَّة) . وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّقَصِّي) : هَذَا الحَدِيث يدْخل عِنْدهم فِي الْمسند لقَوْله: (إِن كنت تُرِيدُ السنَّة) ، فَالْمُرَاد سنَّة سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَلِكَ إِذا أطلقها غَيره مَا لم تضف إِلَى صَاحبهَا، كَقَوْلِهِم: سنة العمرين، وَمَا أشبه ذَلِك. انْتهى. وَهَذِه مَسْأَلَة خلاف عِنْد أهل الحَدِيث وَالْأُصُول، وَالْجُمْهُور على مَا قَالَ ابْن عبد الْبر، وَهِي طَريقَة البُخَارِيّ وَمُسلم، ويقويه قَول سَالم لِابْنِ شهَاب، إِذْ قَالَ لَهُ: أفعل ذَلِك رَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَقَالَ: وَهل تتبعون فِي ذَلِك إلَاّ سنته؟ قَوْله: (فأنظرني) بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة من الأنظار وَهُوَ الْإِمْهَال مَعْنَاهُ أمهلني وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (وانظرني) بِهَمْزَة الْوَصْل وَضم الظَّاء وَمَعْنَاهُ: انتظرني. قَوْله: (حَتَّى أفيض على رَأْسِي) حَتَّى اغْتسل لِأَن إفَاضَة المَاء على الرَّأْس إِنَّمَا تكون غَالِبا فِي الْغسْل. قَوْله: (ثمَّ أخرج) ، بِالنّصب عطف على قَوْله: (حَتَّى أفيض) ، وَأَصله: حَتَّى أَن أفيض، وَقَالَ ابْن التِّين: صَوَابه أفضِ لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر. قَوْله: (فَنزل) أَي: ابْن عمر، كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى على مَا يَأْتِي بعد بَابَيْنِ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ رَاكِبًا. قَوْله: (فَسَار بيني وَبَين أبي) أَي: سَار الْحجَّاج بَين سَالم وَأَبِيهِ عبد الله بن عمر، وَيحْتَمل أَن يَكُونُوا ركبانا، لِأَن السّنة الرّكُوب حِينَئِذٍ لمن لَهُ رَاحِلَة. قَوْله: (وَعجل الْوُقُوف) ، قَالَ أَبُو عمر: رِوَايَة يحيى وَابْن الْقَاسِم وَابْن وهب ومطرف: وَعجل الصَّلَاة، وَقَالَ القعْنبِي وَأَشْهَب: فَأَتمَّ الْخطْبَة وَعجل الْوُقُوف، جعلا مَوضِع الصَّلَاة الْوُقُوف. قَالَ أَبُو عمر: وَهُوَ عِنْدِي غلط، لِأَن أَكثر الروَاة عَن مَالك على خِلَافه. قيل: رِوَايَة القعْنبِي لَهَا وَجه، لِأَن تَعْجِيل الْوُقُوف يسْتَلْزم تَعْجِيل الصَّلَاة، وَمَعَ هَذَا وَافق القعْنبِي عبد الله بن يُوسُف كَمَا ترى، وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَن الِاخْتِلَاف فِيهِ عَن مَالك. قلت: هَذَا لَيْسَ بِظَاهِر، وَمَا الدَّلِيل عَلَيْهِ؟
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن تَعْجِيل الصَّلَاة يَوْم عَرَفَة سنة مجمع عَلَيْهَا فِي أول وَقت الظّهْر، ثمَّ يصلى الْعَصْر بإثر السَّلَام والفراغ. وَفِيه: أَن إِقَامَة الْحَج إِلَى الْخُلَفَاء وَمن جعلُوا ذَلِك إِلَيْهِ، وَهُوَ وَاجِب عَلَيْهِم يقيموا من كَانَ عَالما بِهِ. وَفِيه: الصَّلَاة خلف الْفَاجِر من الْوُلَاة مَا لم تخرجه بدعته عَن الْإِسْلَام. وَفِيه: أَن الرجل الْفَاضِل لَا يُؤَاخذ عَلَيْهِ فِي مَشْيه إِلَى السُّلْطَان الجائر فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ. وَفِيه: أَن تَعْجِيل الرواح للْإِمَام للْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر بِعَرَفَة فِي أول وَقت الظّهْر سنة. وَفِيه: الْغسْل للوقوف بِعَرَفَة. وَفِيه: خُرُوج الْحجَّاج وَهُوَ محرم وَعَلِيهِ ملحفة معصفرة وَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ ابْن عمر. وَفِيه: حجَّة لمن أجَاز المعصفر للْمحرمِ. وَفِيه: جَوَاز تأمير الْأَدْنَى على الْأَفْضَل والأعلم. وَفِيه: ابْتِدَاء الْعَالم بالفتيا قبل أَن يسْأَل عَنهُ. وَفِيه: الْفَهم بِالْإِشَارَةِ وَالنَّظَر. وَفِيه: أَن اتِّبَاع الشَّارِع هُوَ السّنة وَإِن كَانَ فِي الْمَسْأَلَة أوجه جَائِز غَيرهَا. وَفِيه: فَتْوَى التلميذ بِحَضْرَة أستاذه عِنْد السُّلْطَان وَغَيره. وَفِيه: جَوَاز الذّهاب من الْعَالم إِلَى السُّلْطَان، سَوَاء كَانَ جائرا أَو غير جَائِر، لأجل إرشاده إِيَّاه إِلَى الْخَيْر
وإيقافه على مَا لَا يعلم من السّنة. وَفِيه: صياح الْعَالم عِنْدَمَا كَانَ السُّلْطَان فِيهِ ليسرع إِلَيْهِ فِي الْإِجَابَة. وَفِيه: أَن السُّلْطَان أَو نَائِبه يعْمل فِي الدّين بقول أهل الْعلم وَيرجع إِلَى قَوْلهم. وَفِيه: تَعْلِيم الْفَاجِر السّنَن لمَنْفَعَة النَّاس. وَفِيه: احْتِمَال الْمفْسدَة القليلة لتَحْصِيل الْمصلحَة الْكَبِيرَة، يُؤْخَذ ذَلِك من مُضِيّ ابْن عمر إِلَى الْحجَّاج وتعليمه. وَفِيه: الْحِرْص على نشر الْعلم لانتفاع النَّاس بِهِ. وَفِيه: الْخطْبَة فَعِنْدَ أبي حنيفَة، يخْطب خطبتين بعد الزَّوَال وَبعد الْأَذَان قبل الصَّلَاة كخطبة الْجُمُعَة، وَلَو خطب قبل الزَّوَال جَازَ، وَعند أَصْحَابنَا فِي الْحَج ثَلَاث خطب: أَولهَا: فِي الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة، وَهُوَ قبل يَوْم التَّرويَة بِيَوْم، يعلم النَّاس فِيهَا الْخُرُوج إِلَى منى. وَالثَّانيَِة: يَوْم عَرَفَة، وَهُوَ التَّاسِع من الشَّهْر يعلم النَّاس فِيهَا مَا يجب من الْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة وَرمي الْجمار والنحر وَطواف الزِّيَارَة. وَالثَّالِثَة: بمنى بعد يَوْم النَّحْر، وَهُوَ الْحَادِي عشر من الشَّهْر، يحمد الله ويشكره على مَا وفْق من قَضَاء مَنَاسِك الْحَج، ويحض النَّاس على الطَّاعَات، ويحذرهم عَن اكْتِسَاب الْخَطَايَا، فيفصل بَين كل خطبتين بِيَوْم. وَقَالَ زفر: يخطبها فِي ثَلَاثَة أَيَّام مُتَوَالِيَات: يَوْم التَّرويَة، وَيَوْم عَرَفَة، وَيَوْم النَّحْر. وَعند الشَّافِعِي: فِي الْحَج أَربع خطب مسنونة: إِحْدَاهَا بِمَكَّة يَوْم السَّابِع، وَالثَّانيَِة: يَوْم عَرَفَة وَالثَّالِثَة: يَوْم النَّحْر بمنى، وَالرَّابِعَة: يَوْم النفرالأول بمنى، وَعند مَالك: ثَلَاث خطب، الأولى: يَوْم السَّابِع بِمَكَّة بعد الظّهْر خطْبَة وَاحِدَة وَلَا يجلس فِيهَا. الثَّانِيَة: بِعَرَفَات بعد الزَّوَال بجلسة فِي وَسطهَا. وَالثَّالِثَة: فِي الْيَوْم الْحَادِي عشر. وَعند أَحْمد كَذَلِك ثَلَاث خطب، وَلَا خطْبَة فِي الْيَوْم السَّابِع بِمَكَّة، بل يخْطب بِعَرَفَات بعد الزَّوَال، ثمَّ يخْطب بمنى يَوْم النَّحْر فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ، ثمَّ كَذَلِك ثَانِي أَيَّام منى بعد الظّهْر. وَقَالَ ابْن حزم: خطب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْأَحَد ثَانِي يَوْم النَّحْر، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة أَيْضا وَهُوَ يَوْم النَّفر وَفِيه حَدِيث فِي (سنَن أبي دَاوُد) وَآخر فِي (مُسْند أَحْمد) وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ ابْن حزم: وَقد روى أَيْضا أَنه خطبهم يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَهُوَ يَوْم الأكارع، وَأوصى بذوي الْأَرْحَام خيرا. قَالَ ابْن قدامَة: وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يخْطب الْعشْر كُله، وَرُوِيَ عَن ابْن الزبير كَذَلِك، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) .
٨٨ - (بابُ الوُقُوفِ عَلَى الدَّابةِ بِعَرَفَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْوُقُوف رَاكِبًا على الدَّابَّة فِي عَرَفَة.
١٦٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ أبي النَّضْرِ عنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ الله ابنِ العبَّاسِ عَن أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ أنَّ نَاسا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقالَ بَعْضُهُمُ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فأرْسَلَتْ إلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهُوَ وَاقِف على بعيره) ، وَقد مضى الحَدِيث قبل هَذَا الْبَاب ببابين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم. . إِلَى آخِره، وَهنا: عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي عَن مَالك عَن أبي النَّضر، بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة. وَهُوَ سَالم بن أبي أُميَّة إِلَى آخِره، فَانْظُر التَّفَاوُت بَينهمَا فِي الْمَتْن والسند، وَلَكِن الْحَاصِل وَاحِد.
قَوْله: (عَن عُمَيْر) ، بِضَم الْعين، وَذكر هُنَاكَ أَنه مولى عبد الله بن عَبَّاس، وَفِي ذَاك الْبَاب قَالَ: مولى أم الْفضل، وَوَجهه أَنه إِمَّا كَانَ مولى لَهما جَمِيعًا، أَو كَانَ مولى لأم الْفضل وَنسب إِلَى عبد الله مجَازًا، أَو بِالْعَكْسِ. وَاسم أم الْفضل: لبَابَة، وَقد مر هُنَاكَ. قَوْله: (فَأرْسلت) بِلَفْظ التَّكَلُّم، وبلفظ الْغَيْبَة، كَمَا فِي ذَاك الْبَاب، كَذَلِك فِي قَوْله: (فَبعثت) .
وَاخْتلف أهل الْعلم أَن الرّكُوب أفضل أَو تَركه بِعَرَفَة، فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الرّكُوب أفضل لكَونه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقف رَاكِبًا، وَلِأَن فِي الرّكُوب عونا على الِاجْتِهَاد فِي الدُّعَاء والتضرع الْمَطْلُوب هُنَاكَ. وَفِيه: قُوَّة، وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَعنهُ قَول: إنَّهُمَا سَوَاء. وَفِيه: أَن الْوُقُوف على ظهر الدَّابَّة مُبَاح إِذا كَانَ بِالْمَعْرُوفِ وَلم يجحف بالدابة، وَالنَّهْي الْوَارِد: (لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورهَا مَنَابِر) ، مَحْمُول على الْأَغْلَب الْأَكْثَر بِدَلِيل هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ ابْن التِّين: من سهل عَلَيْهِ بذل المَال وشق عَلَيْهِ الْمَشْي فمشيه أَكثر أجرا لَهُ، وَمن شقّ عَلَيْهِ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِيَعْرِفَ الْأَفْضَلَ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَيَانُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٨٧ - بَاب التَّهْجِيرِ بِالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ
١٦٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ. فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الْحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ. قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجُ. فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي، فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: صَدَقَ.
[الحديث ١٦٦٠ - طرفاه في: ١٦٦٢، ١٦٦٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّهْجِيرِ بِالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ) أَيْ مِنْ نَمِرَةَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا: غَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ عَرَفَةَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَنَزَلَ نَمِرَةَ - وَهُوَ مَنْزِلُ الْإِمَامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ بِعَرَفَةَ - حَتَّى إِذْ كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُهَجِّرًا، فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ رَاحَ فَوَقَفَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَوَجَّهَ مِنْ مِنًى حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ بِهَا، لَكِنْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ تَوَجُّهَهُ ﷺ مِنْهَا كَانَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَفْظُهُ: فَضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَى فَرُحِلَتْ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي. انْتَهَى.
وَنَمِرَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ خَارِجَ الْحَرَمِ بَيْنَ طَرَفِ الْحَرَمِ وَطَرَفِ عَرَفَاتٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَالِمٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ) يَعْنِي ابْنَ مَرْوَانَ.
قَوْلُهُ: (إِلَى الْحَجَّاجِ) يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ حِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا بَعْدَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَجِّ) أَيْ فِي أَحْكَامِ الْحَجِّ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَشْهَبَ، عَنْ مَالِكٍ فِي أَمْرِ الْحَجِّ وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَمْ يُمَكِّنِ الْحَجَّاجَ وَعَسْكَرَهُ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ فَوَقَفَ قَبْلَ الطَّوَافِ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَأَنَا مَعَهُ) الْقَائِلُ هُوَ سَالِمٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَرَكِبَ هُوَ وَسَالِمٌ وَأَنَا مَعَهُمَا وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ صَائِمًا فَلَقِيتُ مِنَ الْحَرِّ شِدَّةً وَاخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ هَذِهِ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هِيَ وَهَمٌ، وابْنُ شِهَابٍ لَمْ يَرَ ابْنَ عُمَرَ وَلَا سَمِعَ مِنْهُ، وَقَالَ الذُّهْلِيُّ: لَسْتُ أَدْفَعُ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنِ الْعُمَرِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَرَوَى عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ وَفَدْتُ إِلَى مَرْوَانَ وَأَنَا مُحْتَلِمٌ قَالَ الذُّهْلِيُّ: وَمَرْوَانُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ رِوَايَةَ عَنْبَسَةَ هَذِهِ أَيْضًا وَهَمٌ وَإِنَّمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَفَدْتُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَوْ كَانَ الزُّهْرِيُّ وَفَدَ عَلَى مَرْوَانَ لَأَدْرَكَ جِلَّةَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ عَنْهُمْ رِوَايَةٌ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ. وَقَدْ أَدْخَلَ مَالِكٌ، وَعُقَيْلٌ - وَإِلَيْهِمَا الْمَرْجِعُ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ سَالِمًا فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الْحَجَّاجِ) أَيْ خَيْمَتِهِ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْنَ هَذَا؟ أَيِ الْحَجَّاجُ. وَمِثْلُهُ يَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ إِزَارٌ كَبِيرٌ وَالْمُعَصْفَرُ
الْمَصْبُوغُ بِالْعُصْفُرِ. وَقَوْلُهُ (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هِيَ كُنْيَةُ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلُهُ (الرَّوَاحَ) بِالنَّصْبِ أَيْ عَجِّلْ أَوْ رُحْ.
قَوْلُهُ: (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ إِنْ كَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْظِرْنِي) بِالْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَخِّرْنِي، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِأَلِفِ وَصْلٍ وَضَمِّ الظَّاءِ أَيِ انْتَظِرْنِي.
قَوْلُهُ: (فَنَزَلَ) يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْدَ بَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَاقْصُرْ) بِأَلِفٍ مَوْصُولَةٍ وَمُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ. قَالَ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدْخُلُ عِنْدَهُمْ فِي الْمُسْنَدِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّنَّةِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُطْلِقَتْ مَا لَمْ تُضَفْ إِلَى صَاحِبِهَا كَسُنَّةِ الْعُمَرَيْنِ. قُلْتُ: وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ، وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُ سَالِمٍ، لِابْنِ شِهَابٍ إِذْ قَالَ لَهُ أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: وَهَلْ يَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ؟ وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَذَا رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ، وَأَشْهَبُ وَهُوَ عِنْدِي غَلَطٌ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ قَالُوا وَعَجِّلِ الصَّلَاةَ قَالَ: وَرِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ لَهَا وَجْهٌ؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْوُقُوفِ يَسْتَلْزِمُ تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ. قُلْتُ: قَدْ وَافَقَ الْقَعْنَبِيَّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ كَمَا تَرَى، وَرِوَايَةُ أَشْهَبَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ رَوَوْهُ هَكَذَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ مَالِكٍ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِاللَّازِمِ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ تَعْجِيلُ الْوُقُوفِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْغُسْلُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِقَوْلِ الْحَجَّاجِ، لِعَبْدِ اللَّهِ: أَنْظِرْنِي فَانْتَظَرَهُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَهُ. انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ إِنَّمَا انْتَظَرَهُ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّ اغْتِسَالَهُ عَنْ ضَرُورَةٍ. نَعَمْ رَوَى مَالِكٌ فِي: الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ الْمُعَصْفَرَ لِلْمُحْرِمِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ بِأَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَكُنْ يَتَّقِي الْمُنْكَرَ الْأَعْظَمَ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَتَّقِيَ الْمُعَصْفَرَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْهَهُ ابْنُ عُمَرَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَنْجَعُ فِيهِ النَّهْيُ وَلِعِلْمِهِ بِأَنَّ النَّاسَ لَا يَقْتَدُونَ بِالْحَجَّاجِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ إِنَّمَا هُوَ بِعَدَمِ إِنْكَارِ ابْنِ عُمَرَ، فَبِعَدَمِ إِنْكَارِهِ يَتَمَسَّكُ النَّاسُ فِي اعْتِقَادِ الْجَوَازِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُعَصْفَرِ فِي بَابِهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ جَوَازُ تَأْمِيرِ الْأَدْوَنِ عَلَى الْأَفْضَلِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ أَيْضًا بِأَنَّ صَاحِبَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَا سِيَّمَا فِي تَأْمِيرِ الْحَجَّاجِ، وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَإِنَّمَا أَطَاعَ لِذَلِكَ فِرَارًا مِنَ الْفِتْنَةِ. قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ إِقَامَةَ الْحَجِّ إِلَى الْخُلَفَاءِ، وَأَنَّ الْأَمِيرَ يَعْمَلُ فِي الدِّينِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَيَصِيرُ إِلَى رَأْيِهِمْ. وَفِيهِ مُدَاخَلَةُ الْعُلَمَاءِ السَّلَاطِينَ وَأَنَّهُ لَا نَقِيصَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ فَتْوَى التِّلْمِيذِ بِحَضْرَةِ مُعَلِّمِهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ، وَابْتِدَاءُ الْعَالِمِ بِالْفَتْوَى قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ إِنَّمَا ابْتَدَأَ بِذَلِكَ لِمَسْأَلَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ كَمَا كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ، قَالَ: وَفِيهِ الْفَهْمُ بِالْإِشَارَةِ وَالنَّظَرِ لِقَوْلِ سَالِمٍ فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: صَدَقَ. انْتَهَى. وَفِيهِ طَلَبُ الْعُلُوِّ فِي الْعِلْمِ لِتَشَوُّفِ الْحَجَّاجِ إِلَى سَمَاعِ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ سَالِمٌ مِنْ أَبِيهِ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ. وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْفَاجِرِ السُّنَنَ لِمَنْفَعَةِ النَّاسِ. وَفِيهِ احْتِمَالُ الْمَفْسَدَةِ الْخَفِيفَةِ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الْكَبِيرَةِ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ مُضِيِّ ابْنِ عُمَرَ إِلَى الْحَجَّاجِ وَتَعْلِيمِهِ. وَفِيهِ الْحِرْصُ عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ لِانْتِفَاعِ النَّاسِ بِهِ.
وَفِيهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَأَنَّ التَّوَجُّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي بِعَرَفَةَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ سُنَّةٌ، وَلَا يَضُرُّ التَّأَخُّرُ بِقَدْرِ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْمَرْءُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الصَّلَاةِ كَالْغُسْلِ وَنَحْوِهِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا فِيهِ فِي الَّذِي يَلِيهِ.
٨٨ - بَاب الْوُقُوفِ عَلَى الدَّابَّةِ بِعَرَفَةَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الكاف مبنيًّا للفاعل، أي: النَّبيُّ ﷺ، وفي نسخةٍ: «فلا يُنكَر» بفتح الكاف (١) مبنيًّا للمفعول والفتحة مكشوطةٌ من فرع «اليونينيَّة»، وفي رواية موسى بن عقبة عن محمَّد بن أبي بكرٍ عند مسلمٍ عن أنسٍ: لا يعيب أحدنا على صاحبه (وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ) ومفهومه أنَّه لا حرج عليه في التَّكبير ذلك الوقت، بل يجوز كسائر الأذكار، ولكن ليس التَّكبير يوم عرفة سنَّةً للحاجِّ، وفي الحديث: ردٌّ على من قال: يقطع التَّلبية صبح يوم عرفة، بل السُّنَّة ألَّا يقطعها إلَّا في أوَّل حصاةٍ من جمرة العقبة، ويحتمل أنَّ تكبيرهم هذا كان شيئًا من الذِّكر يتخلَّل التَّلبية من غير تركٍ للتَّلبية، وهذا مذهب أبي حنيفة والشَّافعيِّ، وقال مالكٌ: يقطع إذا زالت الشَّمس وراح إلى الصَّلاة، قال ابن فرحون: وهو المشهور، وفرَّق ابن الجلَّاب بين من يأتي عرفة وبين من يُحرِم بعرفة، فيلبِّي حتَّى يرمي جمرة العقبة، وإذا قطع التَّلبية بعرفة لم يعاودها.
(٨٧) (بابُ التَّهْجِيرِ بِالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ) من نَمِرَة إلى موضع الوقوف بعرفة (٢)، ونَمِرَة: هي بفتح النُّون وكسر الميم وفتح الرَّاء؛ موضعٌ خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات، و «التَّهجير»: السَّير في الهاجرة؛ وهي عند نصف النَّهار واشتداد الحرِّ.
١٦٦٠ - وبالسَّند (٣) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر (قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ) بن مروان الأمويُّ (إِلَى الحَجَّاجِ) بن يوسف الثَّقفيِّ حين أرسله إلى قتال ابن الزُّبير، وجعله واليًا على مكَّة وأميرًا على الحُجَّاج (١) (أَلَّا يُخَالِفَ (٢) ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (فِي) أحكام (الحَجِّ) قال سالمٌ: (فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَأَنَا مَعَهُ) أي: مع ابن عمر، والواو للحال (يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ) بضمِّ السِّين، قال البرماويُّ و (٣) الحافظ ابن حجرٍ وغيرهما -كالكِرمانيِّ-: الخيمة، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه إنَّما هو الذي يحيط بالخيمة، وله بابٌ يُدخَل منه إلى الخيمة، قال (٤): ولا يعمله غالبًا إلَّا الملوك الأكابر (٥). انتهى.
وفي «القاموس»: أنَّه الذي يُمَدُّ فوق صحن البيت، والبيت من الكُرْسُف، زاد الإسماعيليُّ من هذا الوجه: «أين هذا؟» يعني: الحجَّاج (فَخَرَجَ) من سُرادقه (وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ) مصبوغةٌ بالعصفر، والمِلحفة: بكسر الميم؛ الإزار الكبير (فَقَالَ) أي: الحجَّاج: (مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟) كنية ابن عمر (فَقَالَ) له ابن عمر: عجِّل أو رُحْ (الرَّوَاحَ) فالنَّصب (٦) بفعلٍ مُقدَّرٍ، قال العينيُّ: والأصوب نصبه على الإغراء (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ) أن (٧) تصيب (السُّنَّةَ) النَّبويَّة (قَالَ) الحجَّاج: (هَذِهِ السَّاعَةَ) وقت الهاجرة؟ (قَالَ) ابن عمر: (نَعَمْ، قَالَ) الحجَّاج: (فَأَنْظِرْنِي) بهمزة قطع ومعجمةٍ مكسورةٍ مِنَ الإنظار؛ وهو المهلة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فانظرني» بهمزة وصلٍ وظاءٍ معجمةٍ مضمومةٍ، أي: انتظرني (حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي) أي: أغتسل لأنَّ إفاضة الماء على الرَّأس غالبًا إنَّما تكون في الغُسْل (ثُمَّ أَخْرُجَ) بالنَّصب عطفًا على «أُفيضَ» (فَنَزَلَ)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وهُمَا غادِيانِ مِنْ مِنىً إلَى عَرَفَةَ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا اليَوْمِ مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ كانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ ويُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ.
(انْظُر الحَدِيث ٠٧٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا. وَأما الثَّقَفِيّ فَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح عَن أنس وَلَا غَيره غير هَذَا الحَدِيث، وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ فِي: بَاب التَّكْبِير أَيَّام منى وَإِذا غَدا إِلَى عَرَفَة، أخرجه عَن أبي نعيم عَن مَالك بن أنس قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي بكر الثَّقَفِيّ، قَالَ: سَأَلت أنسا وَنحن غاديان من منى إِلَى عَرَفَات عَن التَّلْبِيَة، كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: كَانَ يُلَبِّي الملبي لَا يُنكر عَلَيْهِ، وَيكبر المكبر فَلَا يُنكر عَلَيْهِ، فَانْظُر التَّفَاوُت بَينهمَا فِي السَّنَد والمتن وَالْمعْنَى وَاحِد. وَقَوله: فِي هَذَا الطَّرِيق: (كَانَ يُلَبِّي منا الملبي) ، يُوضح معنى قَوْله: (كَانَ يهل منا الْمهل) لِأَن الإهلال رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. قَوْله: (وهما غاديان) جملَة إسمية وَقعت حَالا. أَي: ذاهبان غدْوَة. قَوْله: (كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ؟) أَي: من الذّكر طول الطَّرِيق، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق مُوسَى بن عقبَة، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي بكر، قَالَ: قلت لأنس بن مَالك غَدَاة عَرَفَة: مَا تَقول فِي التَّلْبِيَة فِي هَذَا الْيَوْم؟ قَالَ: سرت هَذَا الْمسير مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فمنا المكبر وَمنا الْمهل، لَا يعيب أَحَدنَا على صَاحبه. قَوْله: (فَلَا يُنكر عَلَيْهِ) ، بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع، وَقد مرت بَقِيَّة الْكَلَام هُنَاكَ.
٧٨ - (بابُ التَّهْجِيرِ بالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التهجير، وَهُوَ السّير فِي الهاجرة، وَكَذَلِكَ الهجر والهاجرة نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر، وَكَذَلِكَ الهجر، وَمِنْه يُقَال: هجر النَّهَار، وَالْمرَاد بالتهجير بالرواح: أَن يهجر من نمرة إِلَى مَوضِع الْوُقُوف بِعَرَفَة، والنمرة، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم: مَوضِع بِقرب عَرَفَات خَارج الْحرم بَين طرف الْحَرْف وطرف عَرَفَات.
٠٦٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمٍ قَالَ كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَى الحَجَّاجِ أنْ لَا يُخَالِفَ ابنَ عُمَرَ فِي الحجِّ فَجَاءَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَأَنا معَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ فصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقال مالِكَ يَا أبَا عَبْدِ الرَّحْمانِ فَقَالَ الرَّوَاحَ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ قَالَ هاذِهِ السَّاعَةَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأنْظِرْنِي حتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأسِي ثُمَّ أخرُج فنزَلَ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ فسَارَ بَيْنِي وبَيْنَ أبِي فَقُلْتُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فاقْصُرِ الخُطْبَةَ وعَجِّلِ الوُقُوفَ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ الله فلَمَّا رَأى ذَلِكَ عَبْدُ الله قَالَ صَدَقَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُستفاد من قَوْله: (هَذِه السَّاعَة) لِأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى زَوَال الشَّمْس، وَهُوَ وَقت الهاجرة، وَهُوَ وَقت الرواح إِلَى الْموقف لما روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر، (قَالَ: غَدا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين صلى الصُّبْح فِي صَبِيحَة يَوْم عَرَفَة حَتَّى أَتَى عَرَفَة، فَنزل نمرة وَهُوَ منزل الإِمَام الَّذِي ينزل بِهِ بِعَرَفَة، حَتَّى إِذا كَانَ عِنْده صَلَاة الظّهْر رَاح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مهجرا فَجمع بَين الظّهْر وَالْعصر، ثمَّ خطب النَّاس ثمَّ رَاح فَوقف) . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا. وَظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنه توجه من منى حِين صلى الصُّبْح بهَا، لَكِن فِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل الَّذِي رَوَاهُ مُسلم أَن توجهه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهَا كَانَ بعد طُلُوع الشَّمْس، وَلَفظه: (فَضربت لَهُ قبَّة بنمرة فَنزل بهَا حَتَّى زاغت الشَّمْس أَمر بالقصواء فرحلت، فَأتى بطن الْوَادي فَخَطب النَّاس. .) الحَدِيث بِطُولِهِ.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج أَيْضا عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَعَن أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح.
قَوْله: (كتب عبد الْملك) هُوَ ابْن مَرْوَان الْأمَوِي الْخَلِيفَة، وَالْحجاج هُوَ ابْن يُوسُف الثَّقَفِيّ، وَكَانَ واليا بِمَكَّة حِينَئِذٍ لعبد الْملك وأميرا على الْحَاج. قَوْله: (أَن لَا يُخَالف) بِلَفْظ النَّهْي وَالنَّفْي. قَوْله: (فِي الْحَج) أَي: فِي أَحْكَام الْحَج، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق أَشهب عَن مَالك: فِي أَمر الْحَج. قَوْله:
(فجَاء ابْن عمر) الْقَائِل هُوَ سَالم وَالْوَاو فِي: وَأَنا، للْحَال. قَوْله: (مَعَه) أَي: مَعَ ابْن عمر، وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ: (فَركب هُوَ وَسَالم وَأَنا مَعَهُمَا) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن معمر، قَالَ ابْن شهَاب: (وَكنت يَوْمئِذٍ صَائِما فَلَقِيت من الْحر شدَّة) . وَاخْتلف الْحفاظ فِي رِوَايَة معمر هَذِه، فَقَالَ يحيى بن معِين: هِيَ وهم وَابْن شهَاب لم ير ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا سمع مِنْهُ. وَقَالَ الذهلي: لست أدفَع رِوَايَة معمر لِأَن ابْن وهب روى عَن الْعمريّ عَن ابْن شهَاب، رَحمَه الله تَعَالَى، نَحْو رِوَايَة معمر، وروى عَنْبَسَة بن خَالِد عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. . قَالَ: وفدت إِلَى مَرْوَان وَأَنا محتلم، قَالَ الذهلي: ومروان مَاتَ سنة خمس وَسِتِّينَ، وَهَذِه الْقِصَّة كَانَت سنة ثَلَاث وَسبعين. انْتهى. وَقَالَ غَيره: إِن رِوَايَة عَنْبَسَة هَذِه أَيْضا وهم، وَإِنَّمَا قَالَ الزُّهْرِيّ: وفدت على عبد الْملك، وَلَو كَانَ الزُّهْرِيّ وَفد على مَرْوَان لأدرك جلة الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، مِمَّن لَيست لَهُ عَنْهُم رِوَايَة إلَاّ بِوَاسِطَة، وَقد أَدخل مَالك وَعقيل، وإليهما الْمرجع فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ، بَينه وَبَين ابْن عمر فِي هَذِه الْقِصَّة سالما، فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد. قَوْله: (عِنْد سرادق الْحجَّاج) ، السرادق، بِضَم السِّين. قَالَ الْكرْمَانِي: وَتَبعهُ غَيره أَنه هُوَ الْخَيْمَة وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا السرادق هُوَ الَّذِي يُحِيط بالخيمة وَله بَاب يدْخل مِنْهُ إِلَى الْخَيْمَة وَلَا يعْمل هَذَا غَالِبا إلَاّ للسلاطين والملوك الْكِبَار، وبالفارسية يُسمى: سرابردة. قَوْله: (ملحفة) ، بِكَسْر الْمِيم: الْإِزَار الْكَبِير. قَوْله: (معصفرة) أَي: مصبوغة بالعصفر. قَوْله: (يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن) هُوَ كنية عبد الله بن عمر. قَوْله: (الرواح) ، بِالنّصب أَي: رح الرواح أَو عجل، قَالَه الْكرْمَانِي، والأصوب أَن يُقَال: إِنَّه مَنْصُوب على الإغراء أَي: ألزم الرواح، والإغراء تَنْبِيه الْمُخَاطب على أَمر مَحْمُود ليفعله. قَوْله: (إِن كنت تُرِيدُ السنَّة) وَفِي رِوَايَة ابْن وهب: (إِن كنت تُرِيدُ أَن تصيب السنَّة) . وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّقَصِّي) : هَذَا الحَدِيث يدْخل عِنْدهم فِي الْمسند لقَوْله: (إِن كنت تُرِيدُ السنَّة) ، فَالْمُرَاد سنَّة سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَلِكَ إِذا أطلقها غَيره مَا لم تضف إِلَى صَاحبهَا، كَقَوْلِهِم: سنة العمرين، وَمَا أشبه ذَلِك. انْتهى. وَهَذِه مَسْأَلَة خلاف عِنْد أهل الحَدِيث وَالْأُصُول، وَالْجُمْهُور على مَا قَالَ ابْن عبد الْبر، وَهِي طَريقَة البُخَارِيّ وَمُسلم، ويقويه قَول سَالم لِابْنِ شهَاب، إِذْ قَالَ لَهُ: أفعل ذَلِك رَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَقَالَ: وَهل تتبعون فِي ذَلِك إلَاّ سنته؟ قَوْله: (فأنظرني) بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة من الأنظار وَهُوَ الْإِمْهَال مَعْنَاهُ أمهلني وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (وانظرني) بِهَمْزَة الْوَصْل وَضم الظَّاء وَمَعْنَاهُ: انتظرني. قَوْله: (حَتَّى أفيض على رَأْسِي) حَتَّى اغْتسل لِأَن إفَاضَة المَاء على الرَّأْس إِنَّمَا تكون غَالِبا فِي الْغسْل. قَوْله: (ثمَّ أخرج) ، بِالنّصب عطف على قَوْله: (حَتَّى أفيض) ، وَأَصله: حَتَّى أَن أفيض، وَقَالَ ابْن التِّين: صَوَابه أفضِ لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر. قَوْله: (فَنزل) أَي: ابْن عمر، كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى على مَا يَأْتِي بعد بَابَيْنِ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ رَاكِبًا. قَوْله: (فَسَار بيني وَبَين أبي) أَي: سَار الْحجَّاج بَين سَالم وَأَبِيهِ عبد الله بن عمر، وَيحْتَمل أَن يَكُونُوا ركبانا، لِأَن السّنة الرّكُوب حِينَئِذٍ لمن لَهُ رَاحِلَة. قَوْله: (وَعجل الْوُقُوف) ، قَالَ أَبُو عمر: رِوَايَة يحيى وَابْن الْقَاسِم وَابْن وهب ومطرف: وَعجل الصَّلَاة، وَقَالَ القعْنبِي وَأَشْهَب: فَأَتمَّ الْخطْبَة وَعجل الْوُقُوف، جعلا مَوضِع الصَّلَاة الْوُقُوف. قَالَ أَبُو عمر: وَهُوَ عِنْدِي غلط، لِأَن أَكثر الروَاة عَن مَالك على خِلَافه. قيل: رِوَايَة القعْنبِي لَهَا وَجه، لِأَن تَعْجِيل الْوُقُوف يسْتَلْزم تَعْجِيل الصَّلَاة، وَمَعَ هَذَا وَافق القعْنبِي عبد الله بن يُوسُف كَمَا ترى، وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَن الِاخْتِلَاف فِيهِ عَن مَالك. قلت: هَذَا لَيْسَ بِظَاهِر، وَمَا الدَّلِيل عَلَيْهِ؟
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن تَعْجِيل الصَّلَاة يَوْم عَرَفَة سنة مجمع عَلَيْهَا فِي أول وَقت الظّهْر، ثمَّ يصلى الْعَصْر بإثر السَّلَام والفراغ. وَفِيه: أَن إِقَامَة الْحَج إِلَى الْخُلَفَاء وَمن جعلُوا ذَلِك إِلَيْهِ، وَهُوَ وَاجِب عَلَيْهِم يقيموا من كَانَ عَالما بِهِ. وَفِيه: الصَّلَاة خلف الْفَاجِر من الْوُلَاة مَا لم تخرجه بدعته عَن الْإِسْلَام. وَفِيه: أَن الرجل الْفَاضِل لَا يُؤَاخذ عَلَيْهِ فِي مَشْيه إِلَى السُّلْطَان الجائر فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ. وَفِيه: أَن تَعْجِيل الرواح للْإِمَام للْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر بِعَرَفَة فِي أول وَقت الظّهْر سنة. وَفِيه: الْغسْل للوقوف بِعَرَفَة. وَفِيه: خُرُوج الْحجَّاج وَهُوَ محرم وَعَلِيهِ ملحفة معصفرة وَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ ابْن عمر. وَفِيه: حجَّة لمن أجَاز المعصفر للْمحرمِ. وَفِيه: جَوَاز تأمير الْأَدْنَى على الْأَفْضَل والأعلم. وَفِيه: ابْتِدَاء الْعَالم بالفتيا قبل أَن يسْأَل عَنهُ. وَفِيه: الْفَهم بِالْإِشَارَةِ وَالنَّظَر. وَفِيه: أَن اتِّبَاع الشَّارِع هُوَ السّنة وَإِن كَانَ فِي الْمَسْأَلَة أوجه جَائِز غَيرهَا. وَفِيه: فَتْوَى التلميذ بِحَضْرَة أستاذه عِنْد السُّلْطَان وَغَيره. وَفِيه: جَوَاز الذّهاب من الْعَالم إِلَى السُّلْطَان، سَوَاء كَانَ جائرا أَو غير جَائِر، لأجل إرشاده إِيَّاه إِلَى الْخَيْر
وإيقافه على مَا لَا يعلم من السّنة. وَفِيه: صياح الْعَالم عِنْدَمَا كَانَ السُّلْطَان فِيهِ ليسرع إِلَيْهِ فِي الْإِجَابَة. وَفِيه: أَن السُّلْطَان أَو نَائِبه يعْمل فِي الدّين بقول أهل الْعلم وَيرجع إِلَى قَوْلهم. وَفِيه: تَعْلِيم الْفَاجِر السّنَن لمَنْفَعَة النَّاس. وَفِيه: احْتِمَال الْمفْسدَة القليلة لتَحْصِيل الْمصلحَة الْكَبِيرَة، يُؤْخَذ ذَلِك من مُضِيّ ابْن عمر إِلَى الْحجَّاج وتعليمه. وَفِيه: الْحِرْص على نشر الْعلم لانتفاع النَّاس بِهِ. وَفِيه: الْخطْبَة فَعِنْدَ أبي حنيفَة، يخْطب خطبتين بعد الزَّوَال وَبعد الْأَذَان قبل الصَّلَاة كخطبة الْجُمُعَة، وَلَو خطب قبل الزَّوَال جَازَ، وَعند أَصْحَابنَا فِي الْحَج ثَلَاث خطب: أَولهَا: فِي الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة، وَهُوَ قبل يَوْم التَّرويَة بِيَوْم، يعلم النَّاس فِيهَا الْخُرُوج إِلَى منى. وَالثَّانيَِة: يَوْم عَرَفَة، وَهُوَ التَّاسِع من الشَّهْر يعلم النَّاس فِيهَا مَا يجب من الْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة وَرمي الْجمار والنحر وَطواف الزِّيَارَة. وَالثَّالِثَة: بمنى بعد يَوْم النَّحْر، وَهُوَ الْحَادِي عشر من الشَّهْر، يحمد الله ويشكره على مَا وفْق من قَضَاء مَنَاسِك الْحَج، ويحض النَّاس على الطَّاعَات، ويحذرهم عَن اكْتِسَاب الْخَطَايَا، فيفصل بَين كل خطبتين بِيَوْم. وَقَالَ زفر: يخطبها فِي ثَلَاثَة أَيَّام مُتَوَالِيَات: يَوْم التَّرويَة، وَيَوْم عَرَفَة، وَيَوْم النَّحْر. وَعند الشَّافِعِي: فِي الْحَج أَربع خطب مسنونة: إِحْدَاهَا بِمَكَّة يَوْم السَّابِع، وَالثَّانيَِة: يَوْم عَرَفَة وَالثَّالِثَة: يَوْم النَّحْر بمنى، وَالرَّابِعَة: يَوْم النفرالأول بمنى، وَعند مَالك: ثَلَاث خطب، الأولى: يَوْم السَّابِع بِمَكَّة بعد الظّهْر خطْبَة وَاحِدَة وَلَا يجلس فِيهَا. الثَّانِيَة: بِعَرَفَات بعد الزَّوَال بجلسة فِي وَسطهَا. وَالثَّالِثَة: فِي الْيَوْم الْحَادِي عشر. وَعند أَحْمد كَذَلِك ثَلَاث خطب، وَلَا خطْبَة فِي الْيَوْم السَّابِع بِمَكَّة، بل يخْطب بِعَرَفَات بعد الزَّوَال، ثمَّ يخْطب بمنى يَوْم النَّحْر فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ، ثمَّ كَذَلِك ثَانِي أَيَّام منى بعد الظّهْر. وَقَالَ ابْن حزم: خطب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْأَحَد ثَانِي يَوْم النَّحْر، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة أَيْضا وَهُوَ يَوْم النَّفر وَفِيه حَدِيث فِي (سنَن أبي دَاوُد) وَآخر فِي (مُسْند أَحْمد) وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ ابْن حزم: وَقد روى أَيْضا أَنه خطبهم يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَهُوَ يَوْم الأكارع، وَأوصى بذوي الْأَرْحَام خيرا. قَالَ ابْن قدامَة: وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يخْطب الْعشْر كُله، وَرُوِيَ عَن ابْن الزبير كَذَلِك، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) .
٨٨ - (بابُ الوُقُوفِ عَلَى الدَّابةِ بِعَرَفَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْوُقُوف رَاكِبًا على الدَّابَّة فِي عَرَفَة.
١٦٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ أبي النَّضْرِ عنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ الله ابنِ العبَّاسِ عَن أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ أنَّ نَاسا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقالَ بَعْضُهُمُ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فأرْسَلَتْ إلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهُوَ وَاقِف على بعيره) ، وَقد مضى الحَدِيث قبل هَذَا الْبَاب ببابين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم. . إِلَى آخِره، وَهنا: عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي عَن مَالك عَن أبي النَّضر، بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة. وَهُوَ سَالم بن أبي أُميَّة إِلَى آخِره، فَانْظُر التَّفَاوُت بَينهمَا فِي الْمَتْن والسند، وَلَكِن الْحَاصِل وَاحِد.
قَوْله: (عَن عُمَيْر) ، بِضَم الْعين، وَذكر هُنَاكَ أَنه مولى عبد الله بن عَبَّاس، وَفِي ذَاك الْبَاب قَالَ: مولى أم الْفضل، وَوَجهه أَنه إِمَّا كَانَ مولى لَهما جَمِيعًا، أَو كَانَ مولى لأم الْفضل وَنسب إِلَى عبد الله مجَازًا، أَو بِالْعَكْسِ. وَاسم أم الْفضل: لبَابَة، وَقد مر هُنَاكَ. قَوْله: (فَأرْسلت) بِلَفْظ التَّكَلُّم، وبلفظ الْغَيْبَة، كَمَا فِي ذَاك الْبَاب، كَذَلِك فِي قَوْله: (فَبعثت) .
وَاخْتلف أهل الْعلم أَن الرّكُوب أفضل أَو تَركه بِعَرَفَة، فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الرّكُوب أفضل لكَونه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقف رَاكِبًا، وَلِأَن فِي الرّكُوب عونا على الِاجْتِهَاد فِي الدُّعَاء والتضرع الْمَطْلُوب هُنَاكَ. وَفِيه: قُوَّة، وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَعنهُ قَول: إنَّهُمَا سَوَاء. وَفِيه: أَن الْوُقُوف على ظهر الدَّابَّة مُبَاح إِذا كَانَ بِالْمَعْرُوفِ وَلم يجحف بالدابة، وَالنَّهْي الْوَارِد: (لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورهَا مَنَابِر) ، مَحْمُول على الْأَغْلَب الْأَكْثَر بِدَلِيل هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ ابْن التِّين: من سهل عَلَيْهِ بذل المَال وشق عَلَيْهِ الْمَشْي فمشيه أَكثر أجرا لَهُ، وَمن شقّ عَلَيْهِ