الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٧٥
الحديث رقم ١٨٧٥ من كتاب «فضائل المدينة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من رغب عن المدينة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٨٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا.
١٨٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَغِبَ عَنِ الْمَدِينَةِ) أَيْ: فَهُوَ مَذْمُومٌ، أَوْ بَابُ حُكْمِ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (تَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَاءِ الْخِطَابِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ غَيْرُ الْمُخَاطَبِينَ، لَكِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ نَسْلِ الْمُخَاطَبِينَ أَوْ مِنْ نَوْعِهِمْ، وَرُوِيَ يَتْرُكُونَ بِتَحْتَانِيَّةٍ، وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) أَيْ: عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ حَيْثُ صَارَتْ مَعْدِنَ الْخِلَافَةِ وَمَقْصِدَ النَّاسِ وَمَلْجَأَهُمْ، وَحُمِلَتْ إِلَيْهَا خَيْرَاتُ الْأَرْضِ وَصَارَتْ مِنْ أَعْمَرِ الْبِلَادِ، فَلَمَّا انْتَقَلَتِ الْخِلَافَةُ عَنْهَا إِلَى الشَّامِ ثُمَّ إِلَى الْعِرَاقِ وَتَغَلَّبَتْ عَلَيْهَا الْأَعْرَابُ تَعَاوَرَتْهَا الْفِتَنُ وَخَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا فَقَصَدَتْهَا عَوَافِي الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ. وَالْعَوَافِي جَمْعُ عَافِيَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَطْلُبُ أَقْوَاتِهَا، وَيُقَالُ لِلذَّكَرِ عَافٍ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اجْتَمَعَ فِي الْعَوَافِي شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا طَالِبَةٌ لِأَقْوَاتِهَا مِنْ قَوْلِكَ عَفَوْتُ فُلَانًا أَعْفُوهُ فَأَنَا عَافٍ، وَالْجَمْعُ عُفَاةٌ، أَيْ: أَتَيْتُ أَطْلُبُ مَعْرُوفَهُ، وَالثَّانِي مِنَ الْعَفَاءِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْخَالِي الَّذِي لَا أَنِيسَ بِهِ، فَإِنَّ الطَّيْرَ وَالْوَحْشَ تَقْصِدُهُ لِأَمْنِهَا عَلَى نَفْسِهَا فِيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّ هَذَا التَّرْكَ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ الرَّاعِيَيْنِ، فَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: ثُمَّ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُمَا آخِرُ مَنْ يُحْشَرُ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ حَمَاسٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَتَخْفِيفٍ، عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: لَتَتْرُكُنَّ الْمَدِينَةَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ حَتَّى يَدْخُلَ الذِّئْبُ فَيَعْوِيَ عَلَى بَعْضِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ. قَالُوا: فَلِمَنْ تَكُونُ ثِمَارُهَا؟ قَالَ: لِلْعَوَافِي: الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ. أَخْرَجَهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا مَا رَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ لَقِيَنِي وَأَنَا خَارِجٌ مِنْ بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَيْنَا أُحُدًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: وَيْلَ أُمِّهَا قَرْيَةٌ يَوْمَ يَدَعُهَا أَهْلُهَا كَأَيْنَعِ مَا يَكُونُ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ يَأْكُلُ ثِمَارَهَا؟ قَالَ: عَافِيَةُ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ. وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَيَدَعَنَّهَا أَهْلُهَا مُذَلَّلَةً أَرْبَعِينَ عَامًا لِلْعَوَافِي، أَتَدْرُونَ مَا الْعَوَافِي؟ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ. قُلْتُ: وَهَذَا لَمْ يَقَعْ قَطْعًا. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَدِينَةَ تُسْكَنُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ خَلَتْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِقَصْدِ الرَّاعِيَيْنِ بِغَنَمِهِمَا إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ) هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثًا آخَرَ مُسْتَقِلًّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالَّذِي قَبْلَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَعَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ يَتَرَتَّبُ الِاخْتِلَافُ الَّذِي حَكَيْتُهُ عَنِ الْقُرْطُبِيِّ، وَالنَّوَوِيِّ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ
كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (يَنْعِقَانِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا قَافٌ، النَّعِيقُ زَجْرُ الْغَنَمِ، يُقَالُ نَعَقَ يَنْعِقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا نَعِيقًا وَنُعَاقًا وَنَعَقَانًا إِذَا صَاحَ بِالْغَنَمِ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: مَعْنَاهُ يَطْلُبُ الْكَلَأَ، وَكَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْمَقْصُودِ مِنَ الزَّجْرِ؛ لِأَنَّهُ يَزْجُرُهَا عَنِ الْمَرْعَى الْوَبِيلِ إِلَى الْمَرْعَى الْوَسِيمِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِدَانِهَا وُحُوشًا) أَوْ يَجِدَانِهَا ذَاتَ وَحْشٍ، أَوْ يَجِدَانِ أَهْلَهَا قَدْ صَارُوا وُحُوشًا، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: يَجِدَانِهَا خَالِيَةً، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، أَيْ: خَالِيَةً لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ، وَالْوَحْشُ مِنَ الْأَرْضِ الْخَلَاءُ، أَوْ كَثْرَةُ الْوَحْشِ لَمَّا خَلَتْ مِنْ سُكَّانِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا ذَاتَ وُحُوشٍ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ وَحْشًا بِمَعْنَى وُحُوشٍ، وَأَصْلُ الْوَحْشِ كُلُّ شَيْءٍ تَوَحَّشَ مِنَ الْحَيَوَانِ وَجَمْعُهُ وُحُوشٌ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِوَاحِدِهِ عَنْ جَمْعِهِ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْمُرَابِطِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ غَنَمَ الرَّاعِيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ تَصِيرُ وُحُوشًا، إِمَّا بِأَنْ تَنْقَلِبَ ذَاتُهَا، وَإِمَّا أَنْ تَتَوَحَّشَ وَتَنْفِرَ مِنْهُمَا، وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي يَجِدَانِهَا يَعُودُ عَلَى الْغَنَمِ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ الْأَوَّلُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ. انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا يَخِرَّانِ عَلَى وُجُوهِهِمَا إِذَا وَصَلَا إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِهِمَا الْمَدِينَةَ بِلَا شَكٍّ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا وَجَدَا التَّوَحُّشَ الْمَذْكُورَ قَبْلَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ فَيَقْوَى أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى غَنَمِهِمَا، وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ قِيَامِ السَّاعَةِ. وَيُوَضِّحُ هَذَا رِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَشْجَعَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا قَالَ: آخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَآخَرُ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَيَقُولَانِ: أَيْنَ النَّاسُ؟ فَيَأْتِيَانِ الْمَدِينَةَ فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا الثَّعَالِبَ، فَيَنْزِلُ إِلَيْهِمَا مَلَكَانِ فَيَسْحَبَانِهِمَا عَلَى وُجُوهِهِمَا حَتَّى يُلْحِقَاهُمَا بِالنَّاسِ.
قَوْلُهُ: وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ حَشْرَهُمَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُقَدِّمَتَهُ؛ لِأَنَّ الْحَشْرَ إِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَذَكَرَ سَبَبَ مَوْتِهِمَا وَالْحَشْرُ يَعْقُبُهُ. وَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا: خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا أَيْ: سَقَطَا مَيِّتَيْنِ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا أَيْ: سَقَطَا بِمَنْ أَسْقَطَهُمَا، وَهُوَ الْمَلَكُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْعُقَيْلِيِّ: أَنَّهُمَا كَانَا يَنْزِلَانِ بِجَبَلِ وَرْقَانَ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ: أَنَّهُمَا يَفْقِدَانِ النَّاسَ فَيَقُولَانِ: نَنْطَلِقُ إِلَى بَنِي فُلَانٍ، فَيَأْتِيَانِهِمْ فَلَا يَجِدَانِ أَحَدًا فَيَقُولَانِ: نَنْطَلِقُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَيَنْطَلِقَانِ فَلَا يَجِدَانِ بِهَا أَحَدًا، فَيَنْطَلِقَانِ إِلَى الْبَقِيعِ فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا السِّبَاعَ وَالثَّعَالِبَ وَهَذَا يُوَضِّحُ أَحَدَ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ آخِرُ قَرْيَةٍ فِي الْإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِينَةُ وَهُوَ يُنَاسِبُ كَوْنَ آخِرِ مَنْ يُحْشَرُ يَكُونُ مِنْهَا.
(تَنْبِيهٌ): أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ تَعْبِيرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: خَيْرِ مَا كَانَتْ وَقَالَ: إِنَّ الصَّوَابَ أَعْمَرِ مَا كَانَتْ، أَخْرَجَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ مُسَاحِقِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ لَهُ: لِمَ تَرُدُّ عَلَيَّ حَدِيثِي؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِي بَيْتٍ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ مِنْهَا أَهْلُهَا خَيْرَ مَا كَانَتْ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَجَلْ وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ: خَيْرَ مَا كَانَتْ، إِنَّمَا قَالَ: أَعْمَرَ مَا كَانَتْ، وَلَوْ قَالَ: خَيْرَ مَا كَانَتْ لَكَانَ ذَلِكَ وَهُوَ حَيٌّ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقْتَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّنْ يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَنْ يُخْرِجُهُمْ؟ قَالَ: أُمَرَاءُ السُّوءِ
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَخُوهُ. وَفِي الْإِسْنَادِ صَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ وَتَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ؛ لِأَنَّ هِشَامًا قَدْ لَقِيَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَرَوَاهُ
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ كَذَلِكَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ عُرْوَةُ ثُمَّ لَقِيتُ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَخْبَرَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامٍ اخْتِلَافًا آخَرَ، فَقَالَ وُهَيْبٌ وَجَمَاعَةٌ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِسَنَدِهِ: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ الْغَوْثِ، وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِسَنَدِهِ: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ عَلَى الصَّوَابِ، وَرَوَاهُ أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ جَرِيرٍ فَقَالَ: سُفْيَانُ بْنُ أَبِي قِلَابَةَ، كَأَنَّهُ عَرَفَ خَطَأَ جَرِيرٍ فَكَنَّى عَنْهُ، وَاسْمُ أَبِي زُهَيْرٍ الْقَرِدُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَقِيلَ: نُمَيْرٌ، وَهُوَ الشَّنُوئِيُّ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ، وَبَعْدَ الْوَاوِ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَفِي النَّسَبِ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ النُّونِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ بِلَا وَاوٍ، وَشَنُوءَةُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَضْرِ بْنِ الْأَزْدِ، وَسُمِّيَ شَنُوءَةَ لِشَنَآنٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: (تُفْتَحُ الْيَمَنُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ: افْتُتِحَتِ الْيَمَنُ فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ، وَافْتُتِحَتِ الشَّامُ بَعْدَهَا، وَالْعِرَاقُ بَعْدَهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، فَقَدْ وَقَعَ عَلَى وَفْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَى تَرْتِيبِهِ، وَوَقَعَ تَفَرُّقُ النَّاسِ فِي الْبِلَادِ لِمَا فِيهَا مِنَ السَّعَةِ وَالرَّخَاءِ، وَلَوْ صَبَرُوا عَلَى الْإِقَامَةِ بِالْمَدِينَةِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْبِقَاعِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ لِلْمَدِينَةِ فَضْلًا عَلَى غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (يَبُسُّونَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبِكَسْرِهَا مِنْ بَسَّ يَبُسُّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَاهُ بِضَمِّهَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ يَسُوقُونَ دَوَابَّهُمْ، وَالْبَسُّ سَوْقُ الْإِبِلِ، تَقُولُ: بِسْ بِسْ، عِنْدَ السَّوْقِ وَإِرَادَةِ السُّرْعَةِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ يَزْجُرُونَ دَوَابَّهُمْ فَيَبُسُّونَ مَا يَطَئُونَهُ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ شِدَّةِ السَّيْرِ فَيَصِيرُ غُبَارًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: سَالَتْ سَيْلًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ سَارَتْ سَيْرًا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْبَسُّ الْمُبَالَغَةُ فِي الْفَتِّ وَمِنْهُ قِيلَ: لِلدَّقِيقِ الْمَصْنُوعِ بِالدُّهْنِ: بَسِيسٌ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقِيلَ: مَعْنَى يَبُسُّونَ يَسْأَلُونَ عَنِ الْبِلَادِ وَيَسْتَقْرِئُونَ أَخْبَارَهَا لِيَسِيرُوا إِلَيْهَا. قَالَ: وَهَذَا لَا يَكَادُ يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لِأَهْلِهِمُ الْبِلَادَ الَّتِي تُفْتَحُ وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى سُكْنَاهَا فَيَتَحَمَّلُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الْمَدِينَةِ رَاحِلِينَ إِلَيْهَا، وَيَشْهَدُ لِهَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَعَلَى هَذَا فَالَّذِينَ يَتَحَمَّلُونَ غَيْرَ الَّذِينَ يَبُسُّونَ، كَأَنَّ الَّذِي حَضَرَ الْفَتْحَ أَعْجَبَهُ حُسْنُ الْبَلَدِ وَرَخَاؤُهَا فَدَعَا قَرِيبَهُ إِلَى الْمَجِيءِ إِلَيْهَا لِذَلِكَ، فَيَتَحَمَّلُ الْمَدْعُوُّ بِأَهْلِهِ وَأَتْبَاعِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرُوِيَ يُبِسُّونَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ مِنْ أَبَسَّ إِبْسَاسًا، وَمَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لِأَهْلِهِمُ الْبَلَدَ الَّتِي يَقْصِدُونَهَا، وَأَصْلُ الْإِبْسَاسِ لِلَّتِي تُحْلَبُ حَتَّى تَدِرَّ بِاللَّبَنِ، وَهُوَ أَنْ يُجْرِيَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهَا وَصَفْحَةِ عُنُقِهَا كَأَنَّهُ يُزَيِّنُ لَهَا ذَلِكَ وَيُحَسِّنُهُ لَهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ مَالِكٍ يُبِسُّونَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَفَسَّرَهُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، وَأَنْكَرَ الْأَوَّلَ غَايَةَ الْإِنْكَارِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَمَّنْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ مُتَحَمِّلًا بِأَهْلِهِ بَاسًّا فِي سَيْرِهِ مُسْرِعًا إِلَى الرَّخَاءِ وَالْأَمْصَارِ الْمُفْتَتَحَةِ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: تُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَخْرُجُ النَّاسُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَيْهَا يُبِسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ زَمَانٌ يَنْطَلِقُ النَّاسُ مِنْهَا إِلَى الْأَرْيَافِ يَلْتَمِسُونَ الرَّخَاءَ فَيَجِدُونَ رَخَاءً، ثُمَّ يَأْتُونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
المدينة؛ أي: يُساق إليها؛ كما في لفظ رواية مسلمٍ (رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المعجمة: قبيلةٌ من مضر (يُرِيدَانِ المَدِينَةَ يَنْعِقَانِ) بكسر العين المهملة وبعدها قافٌ، ماضيه (١) «نعَق» بفتحها؛ أي: يصيحان (بِغَنَمِهِمَا) ليسوقاها، وذلك عند قرب السَّاعة وصعقة الموت (فَيَجِدَانِهَا) أي: يجدان المدينة (وُحُوشًا) بالجمع؛ أي: ذات وحوشٍ لخلوِّها من سكَّانها، ولغير الأربعة: «وحشًا» بالإفراد؛ أي: خاليةً ليس بها أحدٌ، والوحش من الأرض: الخلاء، وقد يكون وحشًا بمعنى: وحوشٍ، وأصل الوحش: كلُّ شيءٍ توحَّش من الحيوان، وجمعه وحوشٌ، وقد يُعبَّر بواحده عن جمعه، وحينئذٍ فالضَّمير للمدينة، وعن ابن المرابط: أنَّه للغنم؛ أي: انقلبت الغنم وحوشًا، والقدرة صالحةٌ، أو المعنى: أنَّ الغنم صارت متوحِّشةً تنفر من أصوات الرُّعاة، وأنكره القاضي وصوَّب النَّوويُّ الأوَّل.
(حَتَّى إِذَا بَلَغَا) أي: الرَّاعيان (ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ) التي كان يُشيَّع إليها ويُودَّع عندها وهي من جهة الشَّام (خَرَّا) بفتح المعجمة وتشديد الرَّاء؛ أي: سقطا (عَلَى وُجُوهِهِمَا) ميتين، ثمَّ إنَّ قوله: «وآخر من يُحشَر … » إلى آخره، يحتمل أن يكون حديثًا آخر غير الأوَّل لا تعلُّق له به، وأن يكون من بقيَّته، وعليهما يترتَّب الاختلاف السَّابق عن عياضٍ والنَّوويِّ، والله أعلم، وقد أخرج الحديثَ مسلمٌ.
١٨٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ) أخيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء مُصغَّرًا الأزديِّ، من أزد شَنُوأة -بفتح المعجمة وضمِّ النُّون وبعد
الواو همزةٌ- النَّمريِّ، ويُلقَّب بابن القَرِد -بفتح القاف وكسر الرَّاء وبعدها دالٌ مهملةٌ- صحابيٌّ يُعَدُّ في أهل المدينة (﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: تُفْتَحُ اليَمَنُ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون الفاء وفتح الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول، و «اليمنُ» رفع نائب فاعلٍ (١)، وسُمِّي اليمن لأنَّه عن يمين القبلة أو عن يمين الشَّمس، أو بيمين بن قحطان (فَيَأْتِي قَوْمٌ) من الذين حضروا فتحها وأعجبهم حسنها ورخاؤها (يَبِسُّونَ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر المُوحَّدة وتشديد المهملة، ثلاثيًّا، وعن ابن القاسم (٢): بضمِّ المُوحَّدة، فهو من باب: ضرَب يضرِب، ومن باب: نصَر ينصُر، وبضمِّ التَّحتيَّة مع كسر المُوحَّدة أيضًا، من الثُّلاثيِّ المزيد؛ أي: يسوقون دوابَّهم إلى المدينة سوقًا ليِّنًا (فَيَتَحَمَّلُونَ) منها؛ أي: من المدينة (بِأَهْلِيهِمْ (٣) وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس، راحلين إلى اليمن (وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) منها لأنَّها حرم الرَّسول ﷺ وجواره، ومهبط الوحي، ومنزل البركات (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) بما (٤) فيها من الفضائل كالصَّلاة في مسجدها وثواب الإقامة فيها، وغير ذلك من الفوائد الدُّنيويَّة (٥) والأخرويَّة، التي يُستحقَر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها ما ارتحلوا منها (٦)، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: «يأتي على النَّاس زمانٌ يدعو الرَّجل ابن عمِّه وقريبه: هلمَّ إلى الرَّخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون»، وظاهره: أنَّ الذين يتحمَّلون غير الذين يبسُّون، فكأنَّ الذي حضر الفتح أعجبه حسن اليَمن ورخاؤه، فدعا قريبه إلى المجيء إليه، فيتحمَّل المدعوُّ بأهله وأتباعه، لكن صوَّب النَّوويُّ: أنَّ (٧) في (٨) حديث الباب الإخبار عمَّن خرج من المدينة متحمِّلًا
بأهله بأسًا في سيره مسرعًا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة، وفي رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة في هذا الحديث ما يؤيِّده، ولفظه: «تُفتَح الشَّام (١) فيخرج النَّاس إليها يبسُّون، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون»، ويوضِّح ذلك حديث جابر عند البزَّار مرفوعًا: «ليأتينَّ على أهل المدينة زمانٌ ينطلق النَّاس منها إلى الأرياف يلتمسون الرَّخاء فيجدون رخاءً، ثمَّ يتحمَّلون بأهليهم إلى الرَّخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون»، وقال المنذريُّ: رجاله رجال الصَّحيح، والأرياف: جمع رِيفٍ-بكسر الراء-: وهو ما قارب المياه في أرض العرب، وقيل: هو الأرض التي فيها الزَّرع والخصب، وقيل: غير ذلك.
(وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعله (٢)، وسُمِّي بالشَّام لأنَّه عن شمال الكعبة (فَيَأْتِي قَوْمٌ يَُبُِسُّونَ) بفتح أوَّله وضمِّه وكسر الموحَّدة وضمِّها (فَيَتَحَمَّلُونَ) من المدينة (بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس راحلين إلى الشَّام (وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) منها؛ لِمَا ذكر (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) بفضلها، فالجواب محذوفٌ كما في السَّابق واللَّاحق، دلَّ عليه ما قبله، وإن كانت «لو» بمعنى «ليت» فلا جواب لها، وعلى كلا (٣) التَّقديرين ففيه تجهيلٌ لمن فارقها لتفويته على نفسه خيرًا عظيمًا (وَتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ) من المدينة (وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس، راحلين إلى العراق (وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) من العراق (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) والواو في قوله: «والمدينة» في الثَّلاثة للحال، وهذا من أعلام نبوَّته ﷺ حيث أخبر ﵊ بفتح هذه الأقاليم، وأنَّ الناس يتحمَّلون بأهاليهم ويفارقون المدينة، فكان ما قاله ﵊ على التَّرتيب المذكور في الحديث، لكن في حديث عند مسلمٍ وغيره: «تُفتَح الشَّام، ثمَّ اليمن، ثمَّ العراق»، والظَّاهرُ أنَ اليمن فُتِح (٤) قبل فتح (٥) الشَّام للاتِّفاق على أنَّه لم يُفتَح شيءٌ من الشَّام في حياته ﷺ، فتكون رواية تقديم الشَّام على اليمن معناها استيفاء فتح اليمن إنَّما كان بعد الشَّام، وأمَّا قول المظهريِّ: إنَّه
﵊ أخبر في أوَّل الهجرة إلى المدينة بأنَّه ستُفتَح اليمن، فيأتي قومٌ من اليمن إلى المدينة حتَّى يكثر أهل المدينة، والمدينة خيرٌ لهم من غيرها، فتعقَّبه الطِّيبيُّ بأنَّ تنكير «قوم»، ووصفه بـ «يبسُّون» ثمَّ توكيده بقوله: «لو كانوا يعلمون» لا يساعد ما قاله لأنَّ تنكير «قوم» لتحقيرهم وتوهين أمرهم ثمَّ الوصف بـ «يبسُّون» -وهو سوق الدَّوابِّ- يشعر بركاكة عقولهم، وأنَّهم ممَّن ركن إلى الحظوظ البهيميَّة وحطام الدُّنيا الفانية العاجلة (١)، وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرَّسول ﵊؛ ولذلك كرَّر: «قومًا»، ووصفه في كلِّ قرينةٍ بـ «يبسُّون» استحقارًا لتلك الهيئة القبيحة، قال: والذي يقتضيه (٢) هذا المقام أن يُنزَّل «يعلمون» منزلة اللَّازم لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلِّيَّة، ولو ذهب مع ذلك إلى معنى التَّمنِّي لكان أبلغ لأنَّ التَّمنِّي طلب ما لا يمكن حصوله؛ أي: ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظًا وتشديدًا.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ هؤلاء القوم المذكورين تفرَّقوا في البلاد بعد الفتوحات، ورغبوا عن الإقامة في المدينة، ولو صبروا على الإقامة فيها لكان خيرًا لهم، أمَّا من خرج لحاجةٍ-كجهادٍ أو تجارةٍ- فليس داخلًا في معنى الحديث.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخه، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع والقول، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ لأنَّ هشامًا لقي بعض الصَّحابة، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ.
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الإِيمَانُ يَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ) بهمزةٍ ساكنةٍ وراءٍ مكسورةٍ ثمَّ زايٍ كضرَب يضرِب؛ أي: ينضمُّ ويجتمع بعضه إلى بعضٍ فيها، وحكى القابسيُّ فتح الرَّاء من باب علِم يعلَم، وحُكِيَ ضمُّها من باب: نصَر ينصُر.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٥ - (بابُ مَنْ رَغِبَ عنِ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من رغب أَي أعرض عَن الْمَدِينَة، وَجَوَاب: من، مَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ مَذْمُوم، وَنَحْوه.
٤٧٨١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله يَقولُ تَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خيْرِ مَا كانَتْ لَا يَغْشَاهَا إلَاّ العَوَاف يُريدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ والطَّيْرِ وآخِرُ منْ يْحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ المَدِينَةِ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِما فيَجِدَانِهَا وحْشا حَتَّى إذَا بَلَغا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجِوهِهِمَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تتركون الْمَدِينَة) ، فَإِن تَركهم رَغْبَة عَنْهَا.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن حَمْزَة الْحِمصِي وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم من طَرِيق يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للمدينة: (ليتركنها أَهلهَا على خير مَا كَانَت مذللة للعواف) ، يَعْنِي: السبَاع، وَالطير، وَمن رِوَايَة عقيل بن خَالِد عَن ابْن شهَاب أَنه قَالَ: أَخْبرنِي سعيد بن الْمسيب أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (تتركون الْمَدِينَة) إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، غير أَنَّهَا فِي رِوَايَته: (ثمَّ يخرج راعيان من مزينة ينعقان بغنمها) . قَوْله: (تتركون) بتاء الْمُخَاطب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَالْمرَاد بذلك غير المخاطبين، لكِنهمْ من أهل الْبَلَد وَمن نسل المخاطبين، وَقيل: نوع المخاطبين من أهل الْمَدِينَة، ويروى: يتركون، بياء الْغَيْبَة وَرجحه الْقُرْطُبِيّ. قَوْله: (على خير مَا كَانَت) ، أَي: على أحسن حَالَة كَانَت عَلَيْهِ من قبل، يَعْنِي: أعمرها وأكثرها ثمارا. قَوْله: (لَا يَغْشَاهَا) ، أَي: لَا يقربهَا وَلَا يَأْتِيهَا إلَاّ العواف، جمع عَافِيَة، وَهِي طلاب الرزق من الدَّوَابّ وَالطير. وَقَالَ ابْن سَيّده: الْعَافِيَة والعفاة والعفاء: الأضياف وطلاب الْمَعْرُوف، وَقيل: هم الَّذين يعفونك أَي يأتونك يطْلبُونَ مَا عنْدك، والعافي أَيْضا: الرائد والوارد، لِأَن ذَلِك كُله طلب. قَوْله: (يُرِيد عوافي الطير وَالسِّبَاع) ، تَفْسِير لقَوْله: العواف، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: اجْتمع فِي العوافي شَيْئَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا طالبة لأقواتها من قَوْلك: عَفَوْت فلَانا أعفوه فَأَنا عافٍ، وَالْجمع: عفاة أَي: أتيت أطلب مَعْرُوفَة. وَالثَّانِي: من العفاء، وَهُوَ الْموضع الْخَالِي الَّذِي لَا أنيس بِهِ، فَإِن الطير والوحش تقصده لأمنها على نَفسهَا فِيهِ. وَقَالَ عِيَاض: وَقد وجد ذَلِك حَيْثُ صَارَت، أَي: الْمَدِينَة مَعْدن الْخلَافَة ومقصد النَّاس وملجأهم، وحملت إِلَيْهَا خيرات الأَرْض وَصَارَت من أعمر الْبِلَاد، فَلَمَّا انْتَقَلت الْخلَافَة مِنْهَا إِلَى الشَّام ثمَّ إِلَى الْعرَاق وتغلبت عَلَيْهَا الْأَعْرَاب وتعاورتها الْفِتَن، وخلت من أَهلهَا فقصدتها عوافي الطير وَالسِّبَاع، وَذكر الإخباريون أَنَّهَا خلت من أَهلهَا فِي بعض الْفِتَن الَّتِي جرت بِالْمَدِينَةِ، وَبقيت ثمارها للعوافي، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وخلت مُدَّة ثمَّ تراجع النَّاس إِلَيْهَا، وَفِي حَال خلوها عَدَت الْكلاب على سواري الْمَسْجِد، وَعَن مَالك: حَتَّى يدْخل الْكَلْب أَو الذِّئْب فيعوي على بعض سواري الْمَسْجِد، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا مِمَّا جرى فِي الْعَصْر الأول وانقضى، وَهَذَا من معجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمُخْتَار أَن هَذَا التّرْك يكون فِي آخر الزَّمَان عِنْد قيام السَّاعَة، ويوضحه قضة الراعبين، فقد وَقع عِنْد مُسلم بِلَفْظ: (ثمَّ يحْشر راعيان) ، وَفِي البُخَارِيّ: أَنَّهُمَا آخر من يحْشر، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا من حَدِيث محجن بن الأدرع الْأَسْلَمِيّ، قَالَ: (بَعَثَنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحَاجَة، ثمَّ لَقِيَنِي وَأَنا خَارج من بعض طرق الْمَدِينَة، فَأخذ بيَدي حَتَّى أَتَيْنَا أحدا، ثمَّ أقبل على الْمَدِينَة، فَقَالَ: ويل أمهَا قَرْيَة يَوْم يَدعهَا أَهلا كأينع مَا يكون؟ قلت: يَا رَسُول الله {من يَأْكُل ثَمَرهَا؟ قَالَ: عَافِيَة الطير وَالسِّبَاع) . وروى عمر بن شبة بِإِسْنَاد صَحِيح، (عَن عَوْف بن مَالك، قَالَ: دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَسْجِد ثمَّ نظر إِلَيْنَا، فَقَالَ: أما وَالله لتدعنها مذللة أَرْبَعِينَ عَاما للعوافي} أَتَدْرُونَ مَا العوافي؟ الطير وَالسِّبَاع) . انْتهى. وَهَذَا لم يَقع قطعا. قَالَ الْمُهلب: فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْمَدِينَة تسكن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَإِن خلت فِي بعض الْأَوْقَات يقْصد الراعيان بغنمهما إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (وَآخر من يحْشر راعيان) أَي: يساق ويجلى من الوطن. قَوْله: (من مزينة) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي: قَبيلَة من مُضر. وَفِي (التَّلْوِيح) : فَإِن قيل: فَمَا معنى قَوْله: (آخر من يحْشر راعيان؟) وَلم يذكر حشرهما، وَإِنَّمَا قَالَ: (يخران
على وُجُوههمَا أَمْوَاتًا؟) فَالْجَوَاب: أَنه لَا يحْشر أحد إلَاّ بعد الْمَوْت، فهما آخر من يَمُوت بِالْمَدِينَةِ، وَآخر من يحْشر بعد ذَلِك فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) لأبي زيد بن عمر بن شبة: عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (آخر من يحْشر رجلَانِ، رجل من مزينة وَآخر من جُهَيْنَة، فَيَقُولَانِ: أَيْن النَّاس؟ فيأتيان الْمَدِينَة، فَلَا يريان إلَاّ الثعالب، فَينزل إِلَيْهِمَا ملكان فيسحبانهما على وُجُوههمَا حَتَّى يلحقاهما بِالنَّاسِ) . قَوْله: (ينعقان بغنمهما) ، من النعق وَهُوَ دُعَاء الرَّاعِي الشَّاء، قَالَه الْأَزْهَرِي عَن الْفراء وَغَيره، يُقَال: أنعق بضأنِكَ، أَي: ادعها. وَقد نعق الرَّاعِي بهَا نعيقا. وَفِي (الموعب) : نعيقا ونعاقا: إِذا صَاح بهَا الرَّاعِي زجرا، ونعقا ونعقانا وَقد نعق ينعق، من بَاب: علم يعلم، وَأغْرب الدَّاودِيّ فَقَالَ: مَعْنَاهُ يطْلب الْكلأ، فَكَأَنَّهُ فسره بِالْمَقْصُودِ من الزّجر. لِأَنَّهُ يزجرها عَن المرعى الوبيل إِلَى المرعى الوسيم. قَوْله: (فيجدانها وحوشا) أَي: يجدان أَهلهَا وحوشا جمع وَحش، أَو يجدان الْمَدِينَة ذَات وحوش، ويروى: وحوشا، بِفَتْح الْوَاو أَي: يجدانها خَالِيَة.، لَيْسَ بهَا أحد، وَقَالَ الجربي: الْوَحْش من الأَرْض هُوَ الْخَلَاء، وأصل الْوَحْش كل شَيْء توحش من الْحَيَوَان، وَقد يعبر بِوَاحِد عَن جمعه، وَعَن ابْن المرابط: مَعْنَاهُ أَن غنمها تصير وحوشا، إِمَّا أَن تنْقَلب ذَاتهَا فَتَصِير وحوشا، وَإِمَّا أَنَّهَا تنفر وتتوحش من أصواتهما، وَأنكر عِيَاض هَذَا، وَاخْتَارَ أَن يعود الضَّمِير إِلَى الْمَدِينَة. وَفِي رِوَايَة مُسلم: فيجدانها وحشا، أَي: خَالِيَة لَيْسَ بهَا أحد. قَوْله: (ثنية الْوَدَاع) ، هِيَ عقبَة عِنْد حرم الْمَدِينَة، سميت بذلك لِأَن الْخَارِج من الْمَدِينَة يمشي مَعَه المودعون إِلَيْهَا. قَوْله: (خرّا) بتَشْديد الرَّاء. أَي: سقطا ميتين، أَو سقطا بِمن أسقطهما، وَهُوَ الْملك.
٥٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ عنْ سفْيانَ بنِ أبِي زُهَيْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ تُفْتَحُ الْيَمَنُ فيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فيَتَحَمَّلُونَ بأهْلِيهِمْ ومَنْ أطَاعَهُمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وتفْتَحُ الشَّأمُ فيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فيَتَحَمَّلُونَ بأهْلِهِمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ويُفْتَحُ العِرَاقُ فَيأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فيَتَحَمَّلُونَ بأهْلِيهمْ ومنْ أطَاعَهُمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم الْمَذْكُورين تفَرقُوا فِي الْبِلَاد بعد الفتوحات وَرَغبُوا عَن الْإِقَامَة فِي الْمَدِينَة، وَلَو صَبَرُوا على الْإِقَامَة فِيهَا لَكَانَ خيرا لَهُم، والترجمة فِيمَن رغب عَن الْمَدِينَة، وَهَؤُلَاء رَغِبُوا عَنْهَا، واختاروا غَيرهَا.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي، وَمَالك بن أنس، وَهِشَام بن عُرْوَة، وَأَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَعبد الله بن الزبير أَخُو عُرْوَة بن الزبير، وسُفْيَان بن أبي زُهَيْر، بِضَم الزَّاي: مصغر الزهر النمري، بالنُّون: الْأَزْدِيّ ويلقب بِابْن أبي القرد، بِفَتْح الْقَاف وَبعدهَا دَال مُهْملَة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقيل: القرد هُوَ اسْم أبي زُهَيْر، وَقيل: اسْمه نمير، وَكَانَ نازلاً بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ الشنوئي من أَزْد شنُوءَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَضم النُّون وَبعد الْوَاو همزَة مَفْتُوحَة، وَفِي النّسَب كَذَلِك، وَقيل: بِفَتْح النُّون بعْدهَا همزَة مَكْسُورَة بِلَا وَاو، وشنوءة هُوَ: عبد الله بن كَعْب بن مَالك بن نضر بن الأزد، وَسمي شنُوءَة لشنئان كَانَ بَينه وَبَين قومه.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع وَالْقَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ لِأَن هشاما لَقِي بعض الصَّحَابَة. وَفِيه: رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. وَفِيه: فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: عَن سُفْيَان بن أبي زُهَيْر، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة: عَن هِشَام عَن أَبِيه، كَذَلِك وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ عُرْوَة: ثمَّ لقِيت سُفْيَان بن أبي زُهَيْر عِنْد مَوته فَأَخْبرنِي بِهَذَا الحَدِيث. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ، وَالله أعلم.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن آدم، وَعَن هَارُون بن عبد الله.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تفتح الْيمن) ، قَالَ ابْن عبد الْبر وَغَيره: افتتحت الْيمن فِي أَيَّام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي أَيَّام أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وافتتحت الشَّام بعْدهَا، وَالْعراق بعْدهَا. انْتهى. قلت: يمن اسْم يعرب بن قحطان بن عَابِر، وَهُوَ هود، فَلذَلِك يُقَال أَرض يمن، ذكره فِي كتاب (التيجان) وَذكر الْبكْرِيّ: إِنَّمَا سمي الْيمن يمنا لِأَنَّهُ عَن يَمِين الْكَعْبَة، كَمَا سمي الشَّام شاما لِأَنَّهُ عَن شمال الْكَعْبَة. وَقيل: إِنَّمَا سمي بذلك قبل أَن تعرف الْكَعْبَة لِأَنَّهُ عَن يَمِين الشَّمْس، وَقيل: سميت الْيمن يمنا بيمن بن قحطان، وَحكى الْهَمدَانِي، قَالَ: لما طغت الْعَرَب العاربة أَقبلت بَنو يقطن بن عَابِر فتيامنوا، فَقَالَت الْعَرَب: تيامنت بَنو يقطن، فسموا الْيمن. وتشأم الْآخرُونَ فسموا شاما. قَوْله: (يبسون) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة من: بس يبس بسا، والبس: سوق الْإِبِل. تَقول: بس يبس عِنْد السُّوق وَإِرَادَة السرعة، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي رِوَايَة يحيى بن يحيى: يبسون، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل: إِن ابْن الْقَاسِم رَوَاهُ بضَمهَا قلت: حَاصله أَنه من بَاب: نصر ينصر، وَمن بَاب: ضرب يضْرب، وَفِي (التَّلْوِيح) أَشَارَ إِلَى أَنه رُوِيَ بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، فعلى هَذَا يكون من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ من أبس يبس على وزن أفعل. قَالَ الْحَرْبِيّ: وَمَعْنَاهُ يتحملون بأهليهم، وَقيل: مَعْنَاهُ يدعونَ النَّاس إِلَى بِلَاد الخصب، وَقَالَ الدَّاودِيّ مَعْنَاهُ: يزجرون دوابهم فيفتتون مَا يطؤنه من الأَرْض من شدَّة السّير فَيصير غبارا من قَوْله تَعَالَى: {وبست الْجبَال بسا} (الْوَاقِعَة: ٥) . أَي: سَالَتْ سيلاً. وَقيل: مَعْنَاهُ سَارَتْ سيرا. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: البس الْمُبَالغَة فِي الفت، وَمِنْه قيل للدقيق الْمَصْنُوع بالدهن: بسيس، وَأنكر ذَلِك النَّوَوِيّ، وَقَالَ: إِنَّه ضَعِيف أَو بَاطِل. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَقيل: معنى يبسون يسْأَلُون عَن الْبِلَاد، وتستقر لأهلهم الْبِلَاد الَّتِي تفتح ويدعونهم إِلَى سكناهَا فيتحملون بِسَبَب ذَلِك من الْمَدِينَة راحلين إِلَيْهَا، وَيشْهد لهَذَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم: (يَأْتِي على النَّاس زمَان يَدْعُو الرجل ابْن عَمه وقريبه إِلَى الْمَجِيء إِلَيْهَا لذَلِك، فيتحمل الْمَدْعُو بأَهْله وَأَتْبَاعه) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: الصَّوَاب أَن مَعْنَاهُ: الْإِخْبَار عَمَّن خرج من الْمَدِينَة متحملاً بأَهْله، بَأْسا فِي سيره، مسرعا إِلَى الرخَاء والأمصار المفتتحة، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام بن عُرْوَة فِي هَذَا الحَدِيث: (تفتح الشَّام فَيخرج النَّاس من الْمَدِينَة يبسون، وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ) . وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث جَابر، سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (ليأتينَّ على أهل الْمَدِينَة زمَان ينْطَلق النَّاس فِيهَا إِلَى الأرياف يَلْتَمِسُونَ الرخَاء فيجدون رخاء، ثمَّ يأْتونَ فيتحملون بأهليهم إِلَى الرخَاء وَالْمَدينَة خير لَو كَانُوا يعلمُونَ) . وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن لَهِيعَة وَفِيه مقَال، وَلَكِن أَحْمد قبله وَرَضي بِهِ، وَلَا بَأْس بِهِ فِي المتابعات. قَوْله: (لَو كَانُوا يعلمُونَ) أَي: بفضلها من الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وثواب الْإِقَامَة فِيهَا لِأَنَّهَا حرم الرَّسُول ومهبط الْوَحْي ومنزل البركات. فَإِن قلت: أَيْن جَوَاب: لَو؟ قلت: مَحْذُوف، دلّ عَلَيْهِ مَا قبله أَي: لَو كَانُوا من أهل الْعلم لعرفوا ذَلِك، وَلما فارقوا الْمَدِينَة. وَإِن كَانَت: لَو، بِمَعْنى: لَيْت، فَلَا جَوَاب لَهَا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيهِ تجهيل لمن فَارقهَا لتفويته على نَفسه خيرا عَظِيما، وَفِيه معجزات للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ أخبر بِفَتْح هَذِه الأقاليم، وَأَن النَّاس يتحملون بِأَهَالِيِهِمْ ويفارقون الْمَدِينَة، وَأَن هَذِه الأقاليم تفتح على هَذَا التَّرْتِيب الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وَوجد جَمِيع ذَلِك. قَوْله: (وَمن أطاعهم) أَي: ويتحملون بِمن أطَاع أَهْليهمْ من النَّاس. قَوْله: (وَالْمَدينَة خير لَهُم) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: نكر قوما لتحقيرهم وتوهين أَمرهم، ثمَّ وَصفهم بقوله: (يبسون) إشعارا بركاكة عُقُولهمْ، وَأَنَّهُمْ مِمَّن ركنوا إِلَى الحظوظ البهيمية، وحطام الدُّنْيَا الفانية العاجلة وأعرضوا عَن الْإِقَامَة فِي جوَار الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومهبط الْوَحْي، وَلذَلِك كرر قوما وَوَصفه فِي كل قرينَة بقوله: (يبسون) ، استحضارا لتِلْك الْهَيْئَة البهيمية. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ أَيْضا الَّذِي يَقْتَضِي هَذَا الْمقَام أَن ينزل يعلمُونَ منزلَة اللَّازِم لينتفي عَنْهُم الْعلم والمعرفة بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَو ذهب مَعَ ذَلِك إِلَى معنى التَّمَنِّي لَكَانَ أبلغ، لِأَن التَّمَنِّي طلب مَا لَا يُمكن حُصُوله أَي: ليتهم كَانُوا من أهل الْعلم تَغْلِيظًا وتشديدا. انْتهى. وَقَالُوا: المُرَاد بِهِ الخارجون من الْمَدِينَة رَغْبَة عَنْهَا كارهين لَهَا، وَأما من خرج لحَاجَة أَو تِجَارَة أَو جِهَاد أَو نَحْو ذَلِك فَلَيْسَ بداخل فِي معنى الحَدِيث.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا.
١٨٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَغِبَ عَنِ الْمَدِينَةِ) أَيْ: فَهُوَ مَذْمُومٌ، أَوْ بَابُ حُكْمِ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (تَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَاءِ الْخِطَابِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ غَيْرُ الْمُخَاطَبِينَ، لَكِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ نَسْلِ الْمُخَاطَبِينَ أَوْ مِنْ نَوْعِهِمْ، وَرُوِيَ يَتْرُكُونَ بِتَحْتَانِيَّةٍ، وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) أَيْ: عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ حَيْثُ صَارَتْ مَعْدِنَ الْخِلَافَةِ وَمَقْصِدَ النَّاسِ وَمَلْجَأَهُمْ، وَحُمِلَتْ إِلَيْهَا خَيْرَاتُ الْأَرْضِ وَصَارَتْ مِنْ أَعْمَرِ الْبِلَادِ، فَلَمَّا انْتَقَلَتِ الْخِلَافَةُ عَنْهَا إِلَى الشَّامِ ثُمَّ إِلَى الْعِرَاقِ وَتَغَلَّبَتْ عَلَيْهَا الْأَعْرَابُ تَعَاوَرَتْهَا الْفِتَنُ وَخَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا فَقَصَدَتْهَا عَوَافِي الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ. وَالْعَوَافِي جَمْعُ عَافِيَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَطْلُبُ أَقْوَاتِهَا، وَيُقَالُ لِلذَّكَرِ عَافٍ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اجْتَمَعَ فِي الْعَوَافِي شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا طَالِبَةٌ لِأَقْوَاتِهَا مِنْ قَوْلِكَ عَفَوْتُ فُلَانًا أَعْفُوهُ فَأَنَا عَافٍ، وَالْجَمْعُ عُفَاةٌ، أَيْ: أَتَيْتُ أَطْلُبُ مَعْرُوفَهُ، وَالثَّانِي مِنَ الْعَفَاءِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْخَالِي الَّذِي لَا أَنِيسَ بِهِ، فَإِنَّ الطَّيْرَ وَالْوَحْشَ تَقْصِدُهُ لِأَمْنِهَا عَلَى نَفْسِهَا فِيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّ هَذَا التَّرْكَ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ الرَّاعِيَيْنِ، فَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: ثُمَّ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُمَا آخِرُ مَنْ يُحْشَرُ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ حَمَاسٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَتَخْفِيفٍ، عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: لَتَتْرُكُنَّ الْمَدِينَةَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ حَتَّى يَدْخُلَ الذِّئْبُ فَيَعْوِيَ عَلَى بَعْضِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ. قَالُوا: فَلِمَنْ تَكُونُ ثِمَارُهَا؟ قَالَ: لِلْعَوَافِي: الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ. أَخْرَجَهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا مَا رَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ لَقِيَنِي وَأَنَا خَارِجٌ مِنْ بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَيْنَا أُحُدًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: وَيْلَ أُمِّهَا قَرْيَةٌ يَوْمَ يَدَعُهَا أَهْلُهَا كَأَيْنَعِ مَا يَكُونُ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ يَأْكُلُ ثِمَارَهَا؟ قَالَ: عَافِيَةُ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ. وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَيَدَعَنَّهَا أَهْلُهَا مُذَلَّلَةً أَرْبَعِينَ عَامًا لِلْعَوَافِي، أَتَدْرُونَ مَا الْعَوَافِي؟ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ. قُلْتُ: وَهَذَا لَمْ يَقَعْ قَطْعًا. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَدِينَةَ تُسْكَنُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ خَلَتْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِقَصْدِ الرَّاعِيَيْنِ بِغَنَمِهِمَا إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ) هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثًا آخَرَ مُسْتَقِلًّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالَّذِي قَبْلَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَعَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ يَتَرَتَّبُ الِاخْتِلَافُ الَّذِي حَكَيْتُهُ عَنِ الْقُرْطُبِيِّ، وَالنَّوَوِيِّ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ
كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (يَنْعِقَانِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا قَافٌ، النَّعِيقُ زَجْرُ الْغَنَمِ، يُقَالُ نَعَقَ يَنْعِقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا نَعِيقًا وَنُعَاقًا وَنَعَقَانًا إِذَا صَاحَ بِالْغَنَمِ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: مَعْنَاهُ يَطْلُبُ الْكَلَأَ، وَكَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْمَقْصُودِ مِنَ الزَّجْرِ؛ لِأَنَّهُ يَزْجُرُهَا عَنِ الْمَرْعَى الْوَبِيلِ إِلَى الْمَرْعَى الْوَسِيمِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِدَانِهَا وُحُوشًا) أَوْ يَجِدَانِهَا ذَاتَ وَحْشٍ، أَوْ يَجِدَانِ أَهْلَهَا قَدْ صَارُوا وُحُوشًا، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: يَجِدَانِهَا خَالِيَةً، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، أَيْ: خَالِيَةً لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ، وَالْوَحْشُ مِنَ الْأَرْضِ الْخَلَاءُ، أَوْ كَثْرَةُ الْوَحْشِ لَمَّا خَلَتْ مِنْ سُكَّانِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا ذَاتَ وُحُوشٍ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ وَحْشًا بِمَعْنَى وُحُوشٍ، وَأَصْلُ الْوَحْشِ كُلُّ شَيْءٍ تَوَحَّشَ مِنَ الْحَيَوَانِ وَجَمْعُهُ وُحُوشٌ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِوَاحِدِهِ عَنْ جَمْعِهِ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْمُرَابِطِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ غَنَمَ الرَّاعِيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ تَصِيرُ وُحُوشًا، إِمَّا بِأَنْ تَنْقَلِبَ ذَاتُهَا، وَإِمَّا أَنْ تَتَوَحَّشَ وَتَنْفِرَ مِنْهُمَا، وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي يَجِدَانِهَا يَعُودُ عَلَى الْغَنَمِ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ الْأَوَّلُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ. انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا يَخِرَّانِ عَلَى وُجُوهِهِمَا إِذَا وَصَلَا إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِهِمَا الْمَدِينَةَ بِلَا شَكٍّ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا وَجَدَا التَّوَحُّشَ الْمَذْكُورَ قَبْلَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ فَيَقْوَى أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى غَنَمِهِمَا، وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ قِيَامِ السَّاعَةِ. وَيُوَضِّحُ هَذَا رِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَشْجَعَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا قَالَ: آخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَآخَرُ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَيَقُولَانِ: أَيْنَ النَّاسُ؟ فَيَأْتِيَانِ الْمَدِينَةَ فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا الثَّعَالِبَ، فَيَنْزِلُ إِلَيْهِمَا مَلَكَانِ فَيَسْحَبَانِهِمَا عَلَى وُجُوهِهِمَا حَتَّى يُلْحِقَاهُمَا بِالنَّاسِ.
قَوْلُهُ: وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ حَشْرَهُمَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُقَدِّمَتَهُ؛ لِأَنَّ الْحَشْرَ إِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَذَكَرَ سَبَبَ مَوْتِهِمَا وَالْحَشْرُ يَعْقُبُهُ. وَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا: خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا أَيْ: سَقَطَا مَيِّتَيْنِ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا أَيْ: سَقَطَا بِمَنْ أَسْقَطَهُمَا، وَهُوَ الْمَلَكُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْعُقَيْلِيِّ: أَنَّهُمَا كَانَا يَنْزِلَانِ بِجَبَلِ وَرْقَانَ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ: أَنَّهُمَا يَفْقِدَانِ النَّاسَ فَيَقُولَانِ: نَنْطَلِقُ إِلَى بَنِي فُلَانٍ، فَيَأْتِيَانِهِمْ فَلَا يَجِدَانِ أَحَدًا فَيَقُولَانِ: نَنْطَلِقُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَيَنْطَلِقَانِ فَلَا يَجِدَانِ بِهَا أَحَدًا، فَيَنْطَلِقَانِ إِلَى الْبَقِيعِ فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا السِّبَاعَ وَالثَّعَالِبَ وَهَذَا يُوَضِّحُ أَحَدَ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ آخِرُ قَرْيَةٍ فِي الْإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِينَةُ وَهُوَ يُنَاسِبُ كَوْنَ آخِرِ مَنْ يُحْشَرُ يَكُونُ مِنْهَا.
(تَنْبِيهٌ): أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ تَعْبِيرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: خَيْرِ مَا كَانَتْ وَقَالَ: إِنَّ الصَّوَابَ أَعْمَرِ مَا كَانَتْ، أَخْرَجَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ مُسَاحِقِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ لَهُ: لِمَ تَرُدُّ عَلَيَّ حَدِيثِي؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِي بَيْتٍ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ مِنْهَا أَهْلُهَا خَيْرَ مَا كَانَتْ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَجَلْ وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ: خَيْرَ مَا كَانَتْ، إِنَّمَا قَالَ: أَعْمَرَ مَا كَانَتْ، وَلَوْ قَالَ: خَيْرَ مَا كَانَتْ لَكَانَ ذَلِكَ وَهُوَ حَيٌّ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقْتَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّنْ يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَنْ يُخْرِجُهُمْ؟ قَالَ: أُمَرَاءُ السُّوءِ
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَخُوهُ. وَفِي الْإِسْنَادِ صَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ وَتَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ؛ لِأَنَّ هِشَامًا قَدْ لَقِيَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَرَوَاهُ
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ كَذَلِكَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ عُرْوَةُ ثُمَّ لَقِيتُ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَخْبَرَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامٍ اخْتِلَافًا آخَرَ، فَقَالَ وُهَيْبٌ وَجَمَاعَةٌ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِسَنَدِهِ: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ الْغَوْثِ، وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِسَنَدِهِ: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ عَلَى الصَّوَابِ، وَرَوَاهُ أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ جَرِيرٍ فَقَالَ: سُفْيَانُ بْنُ أَبِي قِلَابَةَ، كَأَنَّهُ عَرَفَ خَطَأَ جَرِيرٍ فَكَنَّى عَنْهُ، وَاسْمُ أَبِي زُهَيْرٍ الْقَرِدُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَقِيلَ: نُمَيْرٌ، وَهُوَ الشَّنُوئِيُّ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ، وَبَعْدَ الْوَاوِ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَفِي النَّسَبِ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ النُّونِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ بِلَا وَاوٍ، وَشَنُوءَةُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَضْرِ بْنِ الْأَزْدِ، وَسُمِّيَ شَنُوءَةَ لِشَنَآنٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: (تُفْتَحُ الْيَمَنُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ: افْتُتِحَتِ الْيَمَنُ فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ، وَافْتُتِحَتِ الشَّامُ بَعْدَهَا، وَالْعِرَاقُ بَعْدَهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، فَقَدْ وَقَعَ عَلَى وَفْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَى تَرْتِيبِهِ، وَوَقَعَ تَفَرُّقُ النَّاسِ فِي الْبِلَادِ لِمَا فِيهَا مِنَ السَّعَةِ وَالرَّخَاءِ، وَلَوْ صَبَرُوا عَلَى الْإِقَامَةِ بِالْمَدِينَةِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْبِقَاعِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ لِلْمَدِينَةِ فَضْلًا عَلَى غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (يَبُسُّونَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبِكَسْرِهَا مِنْ بَسَّ يَبُسُّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَاهُ بِضَمِّهَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ يَسُوقُونَ دَوَابَّهُمْ، وَالْبَسُّ سَوْقُ الْإِبِلِ، تَقُولُ: بِسْ بِسْ، عِنْدَ السَّوْقِ وَإِرَادَةِ السُّرْعَةِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ يَزْجُرُونَ دَوَابَّهُمْ فَيَبُسُّونَ مَا يَطَئُونَهُ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ شِدَّةِ السَّيْرِ فَيَصِيرُ غُبَارًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: سَالَتْ سَيْلًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ سَارَتْ سَيْرًا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْبَسُّ الْمُبَالَغَةُ فِي الْفَتِّ وَمِنْهُ قِيلَ: لِلدَّقِيقِ الْمَصْنُوعِ بِالدُّهْنِ: بَسِيسٌ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقِيلَ: مَعْنَى يَبُسُّونَ يَسْأَلُونَ عَنِ الْبِلَادِ وَيَسْتَقْرِئُونَ أَخْبَارَهَا لِيَسِيرُوا إِلَيْهَا. قَالَ: وَهَذَا لَا يَكَادُ يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لِأَهْلِهِمُ الْبِلَادَ الَّتِي تُفْتَحُ وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى سُكْنَاهَا فَيَتَحَمَّلُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الْمَدِينَةِ رَاحِلِينَ إِلَيْهَا، وَيَشْهَدُ لِهَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَعَلَى هَذَا فَالَّذِينَ يَتَحَمَّلُونَ غَيْرَ الَّذِينَ يَبُسُّونَ، كَأَنَّ الَّذِي حَضَرَ الْفَتْحَ أَعْجَبَهُ حُسْنُ الْبَلَدِ وَرَخَاؤُهَا فَدَعَا قَرِيبَهُ إِلَى الْمَجِيءِ إِلَيْهَا لِذَلِكَ، فَيَتَحَمَّلُ الْمَدْعُوُّ بِأَهْلِهِ وَأَتْبَاعِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرُوِيَ يُبِسُّونَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ مِنْ أَبَسَّ إِبْسَاسًا، وَمَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لِأَهْلِهِمُ الْبَلَدَ الَّتِي يَقْصِدُونَهَا، وَأَصْلُ الْإِبْسَاسِ لِلَّتِي تُحْلَبُ حَتَّى تَدِرَّ بِاللَّبَنِ، وَهُوَ أَنْ يُجْرِيَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهَا وَصَفْحَةِ عُنُقِهَا كَأَنَّهُ يُزَيِّنُ لَهَا ذَلِكَ وَيُحَسِّنُهُ لَهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ مَالِكٍ يُبِسُّونَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَفَسَّرَهُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، وَأَنْكَرَ الْأَوَّلَ غَايَةَ الْإِنْكَارِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَمَّنْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ مُتَحَمِّلًا بِأَهْلِهِ بَاسًّا فِي سَيْرِهِ مُسْرِعًا إِلَى الرَّخَاءِ وَالْأَمْصَارِ الْمُفْتَتَحَةِ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: تُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَخْرُجُ النَّاسُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَيْهَا يُبِسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ زَمَانٌ يَنْطَلِقُ النَّاسُ مِنْهَا إِلَى الْأَرْيَافِ يَلْتَمِسُونَ الرَّخَاءَ فَيَجِدُونَ رَخَاءً، ثُمَّ يَأْتُونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
المدينة؛ أي: يُساق إليها؛ كما في لفظ رواية مسلمٍ (رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المعجمة: قبيلةٌ من مضر (يُرِيدَانِ المَدِينَةَ يَنْعِقَانِ) بكسر العين المهملة وبعدها قافٌ، ماضيه (١) «نعَق» بفتحها؛ أي: يصيحان (بِغَنَمِهِمَا) ليسوقاها، وذلك عند قرب السَّاعة وصعقة الموت (فَيَجِدَانِهَا) أي: يجدان المدينة (وُحُوشًا) بالجمع؛ أي: ذات وحوشٍ لخلوِّها من سكَّانها، ولغير الأربعة: «وحشًا» بالإفراد؛ أي: خاليةً ليس بها أحدٌ، والوحش من الأرض: الخلاء، وقد يكون وحشًا بمعنى: وحوشٍ، وأصل الوحش: كلُّ شيءٍ توحَّش من الحيوان، وجمعه وحوشٌ، وقد يُعبَّر بواحده عن جمعه، وحينئذٍ فالضَّمير للمدينة، وعن ابن المرابط: أنَّه للغنم؛ أي: انقلبت الغنم وحوشًا، والقدرة صالحةٌ، أو المعنى: أنَّ الغنم صارت متوحِّشةً تنفر من أصوات الرُّعاة، وأنكره القاضي وصوَّب النَّوويُّ الأوَّل.
(حَتَّى إِذَا بَلَغَا) أي: الرَّاعيان (ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ) التي كان يُشيَّع إليها ويُودَّع عندها وهي من جهة الشَّام (خَرَّا) بفتح المعجمة وتشديد الرَّاء؛ أي: سقطا (عَلَى وُجُوهِهِمَا) ميتين، ثمَّ إنَّ قوله: «وآخر من يُحشَر … » إلى آخره، يحتمل أن يكون حديثًا آخر غير الأوَّل لا تعلُّق له به، وأن يكون من بقيَّته، وعليهما يترتَّب الاختلاف السَّابق عن عياضٍ والنَّوويِّ، والله أعلم، وقد أخرج الحديثَ مسلمٌ.
١٨٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ) أخيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء مُصغَّرًا الأزديِّ، من أزد شَنُوأة -بفتح المعجمة وضمِّ النُّون وبعد
الواو همزةٌ- النَّمريِّ، ويُلقَّب بابن القَرِد -بفتح القاف وكسر الرَّاء وبعدها دالٌ مهملةٌ- صحابيٌّ يُعَدُّ في أهل المدينة (﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: تُفْتَحُ اليَمَنُ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون الفاء وفتح الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول، و «اليمنُ» رفع نائب فاعلٍ (١)، وسُمِّي اليمن لأنَّه عن يمين القبلة أو عن يمين الشَّمس، أو بيمين بن قحطان (فَيَأْتِي قَوْمٌ) من الذين حضروا فتحها وأعجبهم حسنها ورخاؤها (يَبِسُّونَ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر المُوحَّدة وتشديد المهملة، ثلاثيًّا، وعن ابن القاسم (٢): بضمِّ المُوحَّدة، فهو من باب: ضرَب يضرِب، ومن باب: نصَر ينصُر، وبضمِّ التَّحتيَّة مع كسر المُوحَّدة أيضًا، من الثُّلاثيِّ المزيد؛ أي: يسوقون دوابَّهم إلى المدينة سوقًا ليِّنًا (فَيَتَحَمَّلُونَ) منها؛ أي: من المدينة (بِأَهْلِيهِمْ (٣) وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس، راحلين إلى اليمن (وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) منها لأنَّها حرم الرَّسول ﷺ وجواره، ومهبط الوحي، ومنزل البركات (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) بما (٤) فيها من الفضائل كالصَّلاة في مسجدها وثواب الإقامة فيها، وغير ذلك من الفوائد الدُّنيويَّة (٥) والأخرويَّة، التي يُستحقَر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها ما ارتحلوا منها (٦)، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: «يأتي على النَّاس زمانٌ يدعو الرَّجل ابن عمِّه وقريبه: هلمَّ إلى الرَّخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون»، وظاهره: أنَّ الذين يتحمَّلون غير الذين يبسُّون، فكأنَّ الذي حضر الفتح أعجبه حسن اليَمن ورخاؤه، فدعا قريبه إلى المجيء إليه، فيتحمَّل المدعوُّ بأهله وأتباعه، لكن صوَّب النَّوويُّ: أنَّ (٧) في (٨) حديث الباب الإخبار عمَّن خرج من المدينة متحمِّلًا
بأهله بأسًا في سيره مسرعًا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة، وفي رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة في هذا الحديث ما يؤيِّده، ولفظه: «تُفتَح الشَّام (١) فيخرج النَّاس إليها يبسُّون، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون»، ويوضِّح ذلك حديث جابر عند البزَّار مرفوعًا: «ليأتينَّ على أهل المدينة زمانٌ ينطلق النَّاس منها إلى الأرياف يلتمسون الرَّخاء فيجدون رخاءً، ثمَّ يتحمَّلون بأهليهم إلى الرَّخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون»، وقال المنذريُّ: رجاله رجال الصَّحيح، والأرياف: جمع رِيفٍ-بكسر الراء-: وهو ما قارب المياه في أرض العرب، وقيل: هو الأرض التي فيها الزَّرع والخصب، وقيل: غير ذلك.
(وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعله (٢)، وسُمِّي بالشَّام لأنَّه عن شمال الكعبة (فَيَأْتِي قَوْمٌ يَُبُِسُّونَ) بفتح أوَّله وضمِّه وكسر الموحَّدة وضمِّها (فَيَتَحَمَّلُونَ) من المدينة (بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس راحلين إلى الشَّام (وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) منها؛ لِمَا ذكر (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) بفضلها، فالجواب محذوفٌ كما في السَّابق واللَّاحق، دلَّ عليه ما قبله، وإن كانت «لو» بمعنى «ليت» فلا جواب لها، وعلى كلا (٣) التَّقديرين ففيه تجهيلٌ لمن فارقها لتفويته على نفسه خيرًا عظيمًا (وَتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ) من المدينة (وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس، راحلين إلى العراق (وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) من العراق (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) والواو في قوله: «والمدينة» في الثَّلاثة للحال، وهذا من أعلام نبوَّته ﷺ حيث أخبر ﵊ بفتح هذه الأقاليم، وأنَّ الناس يتحمَّلون بأهاليهم ويفارقون المدينة، فكان ما قاله ﵊ على التَّرتيب المذكور في الحديث، لكن في حديث عند مسلمٍ وغيره: «تُفتَح الشَّام، ثمَّ اليمن، ثمَّ العراق»، والظَّاهرُ أنَ اليمن فُتِح (٤) قبل فتح (٥) الشَّام للاتِّفاق على أنَّه لم يُفتَح شيءٌ من الشَّام في حياته ﷺ، فتكون رواية تقديم الشَّام على اليمن معناها استيفاء فتح اليمن إنَّما كان بعد الشَّام، وأمَّا قول المظهريِّ: إنَّه
﵊ أخبر في أوَّل الهجرة إلى المدينة بأنَّه ستُفتَح اليمن، فيأتي قومٌ من اليمن إلى المدينة حتَّى يكثر أهل المدينة، والمدينة خيرٌ لهم من غيرها، فتعقَّبه الطِّيبيُّ بأنَّ تنكير «قوم»، ووصفه بـ «يبسُّون» ثمَّ توكيده بقوله: «لو كانوا يعلمون» لا يساعد ما قاله لأنَّ تنكير «قوم» لتحقيرهم وتوهين أمرهم ثمَّ الوصف بـ «يبسُّون» -وهو سوق الدَّوابِّ- يشعر بركاكة عقولهم، وأنَّهم ممَّن ركن إلى الحظوظ البهيميَّة وحطام الدُّنيا الفانية العاجلة (١)، وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرَّسول ﵊؛ ولذلك كرَّر: «قومًا»، ووصفه في كلِّ قرينةٍ بـ «يبسُّون» استحقارًا لتلك الهيئة القبيحة، قال: والذي يقتضيه (٢) هذا المقام أن يُنزَّل «يعلمون» منزلة اللَّازم لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلِّيَّة، ولو ذهب مع ذلك إلى معنى التَّمنِّي لكان أبلغ لأنَّ التَّمنِّي طلب ما لا يمكن حصوله؛ أي: ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظًا وتشديدًا.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ هؤلاء القوم المذكورين تفرَّقوا في البلاد بعد الفتوحات، ورغبوا عن الإقامة في المدينة، ولو صبروا على الإقامة فيها لكان خيرًا لهم، أمَّا من خرج لحاجةٍ-كجهادٍ أو تجارةٍ- فليس داخلًا في معنى الحديث.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخه، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع والقول، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ لأنَّ هشامًا لقي بعض الصَّحابة، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ.
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الإِيمَانُ يَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ) بهمزةٍ ساكنةٍ وراءٍ مكسورةٍ ثمَّ زايٍ كضرَب يضرِب؛ أي: ينضمُّ ويجتمع بعضه إلى بعضٍ فيها، وحكى القابسيُّ فتح الرَّاء من باب علِم يعلَم، وحُكِيَ ضمُّها من باب: نصَر ينصُر.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٥ - (بابُ مَنْ رَغِبَ عنِ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من رغب أَي أعرض عَن الْمَدِينَة، وَجَوَاب: من، مَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ مَذْمُوم، وَنَحْوه.
٤٧٨١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله يَقولُ تَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خيْرِ مَا كانَتْ لَا يَغْشَاهَا إلَاّ العَوَاف يُريدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ والطَّيْرِ وآخِرُ منْ يْحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ المَدِينَةِ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِما فيَجِدَانِهَا وحْشا حَتَّى إذَا بَلَغا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجِوهِهِمَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تتركون الْمَدِينَة) ، فَإِن تَركهم رَغْبَة عَنْهَا.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن حَمْزَة الْحِمصِي وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم من طَرِيق يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للمدينة: (ليتركنها أَهلهَا على خير مَا كَانَت مذللة للعواف) ، يَعْنِي: السبَاع، وَالطير، وَمن رِوَايَة عقيل بن خَالِد عَن ابْن شهَاب أَنه قَالَ: أَخْبرنِي سعيد بن الْمسيب أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (تتركون الْمَدِينَة) إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، غير أَنَّهَا فِي رِوَايَته: (ثمَّ يخرج راعيان من مزينة ينعقان بغنمها) . قَوْله: (تتركون) بتاء الْمُخَاطب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَالْمرَاد بذلك غير المخاطبين، لكِنهمْ من أهل الْبَلَد وَمن نسل المخاطبين، وَقيل: نوع المخاطبين من أهل الْمَدِينَة، ويروى: يتركون، بياء الْغَيْبَة وَرجحه الْقُرْطُبِيّ. قَوْله: (على خير مَا كَانَت) ، أَي: على أحسن حَالَة كَانَت عَلَيْهِ من قبل، يَعْنِي: أعمرها وأكثرها ثمارا. قَوْله: (لَا يَغْشَاهَا) ، أَي: لَا يقربهَا وَلَا يَأْتِيهَا إلَاّ العواف، جمع عَافِيَة، وَهِي طلاب الرزق من الدَّوَابّ وَالطير. وَقَالَ ابْن سَيّده: الْعَافِيَة والعفاة والعفاء: الأضياف وطلاب الْمَعْرُوف، وَقيل: هم الَّذين يعفونك أَي يأتونك يطْلبُونَ مَا عنْدك، والعافي أَيْضا: الرائد والوارد، لِأَن ذَلِك كُله طلب. قَوْله: (يُرِيد عوافي الطير وَالسِّبَاع) ، تَفْسِير لقَوْله: العواف، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: اجْتمع فِي العوافي شَيْئَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا طالبة لأقواتها من قَوْلك: عَفَوْت فلَانا أعفوه فَأَنا عافٍ، وَالْجمع: عفاة أَي: أتيت أطلب مَعْرُوفَة. وَالثَّانِي: من العفاء، وَهُوَ الْموضع الْخَالِي الَّذِي لَا أنيس بِهِ، فَإِن الطير والوحش تقصده لأمنها على نَفسهَا فِيهِ. وَقَالَ عِيَاض: وَقد وجد ذَلِك حَيْثُ صَارَت، أَي: الْمَدِينَة مَعْدن الْخلَافَة ومقصد النَّاس وملجأهم، وحملت إِلَيْهَا خيرات الأَرْض وَصَارَت من أعمر الْبِلَاد، فَلَمَّا انْتَقَلت الْخلَافَة مِنْهَا إِلَى الشَّام ثمَّ إِلَى الْعرَاق وتغلبت عَلَيْهَا الْأَعْرَاب وتعاورتها الْفِتَن، وخلت من أَهلهَا فقصدتها عوافي الطير وَالسِّبَاع، وَذكر الإخباريون أَنَّهَا خلت من أَهلهَا فِي بعض الْفِتَن الَّتِي جرت بِالْمَدِينَةِ، وَبقيت ثمارها للعوافي، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وخلت مُدَّة ثمَّ تراجع النَّاس إِلَيْهَا، وَفِي حَال خلوها عَدَت الْكلاب على سواري الْمَسْجِد، وَعَن مَالك: حَتَّى يدْخل الْكَلْب أَو الذِّئْب فيعوي على بعض سواري الْمَسْجِد، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا مِمَّا جرى فِي الْعَصْر الأول وانقضى، وَهَذَا من معجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمُخْتَار أَن هَذَا التّرْك يكون فِي آخر الزَّمَان عِنْد قيام السَّاعَة، ويوضحه قضة الراعبين، فقد وَقع عِنْد مُسلم بِلَفْظ: (ثمَّ يحْشر راعيان) ، وَفِي البُخَارِيّ: أَنَّهُمَا آخر من يحْشر، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا من حَدِيث محجن بن الأدرع الْأَسْلَمِيّ، قَالَ: (بَعَثَنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحَاجَة، ثمَّ لَقِيَنِي وَأَنا خَارج من بعض طرق الْمَدِينَة، فَأخذ بيَدي حَتَّى أَتَيْنَا أحدا، ثمَّ أقبل على الْمَدِينَة، فَقَالَ: ويل أمهَا قَرْيَة يَوْم يَدعهَا أَهلا كأينع مَا يكون؟ قلت: يَا رَسُول الله {من يَأْكُل ثَمَرهَا؟ قَالَ: عَافِيَة الطير وَالسِّبَاع) . وروى عمر بن شبة بِإِسْنَاد صَحِيح، (عَن عَوْف بن مَالك، قَالَ: دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَسْجِد ثمَّ نظر إِلَيْنَا، فَقَالَ: أما وَالله لتدعنها مذللة أَرْبَعِينَ عَاما للعوافي} أَتَدْرُونَ مَا العوافي؟ الطير وَالسِّبَاع) . انْتهى. وَهَذَا لم يَقع قطعا. قَالَ الْمُهلب: فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْمَدِينَة تسكن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَإِن خلت فِي بعض الْأَوْقَات يقْصد الراعيان بغنمهما إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (وَآخر من يحْشر راعيان) أَي: يساق ويجلى من الوطن. قَوْله: (من مزينة) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي: قَبيلَة من مُضر. وَفِي (التَّلْوِيح) : فَإِن قيل: فَمَا معنى قَوْله: (آخر من يحْشر راعيان؟) وَلم يذكر حشرهما، وَإِنَّمَا قَالَ: (يخران
على وُجُوههمَا أَمْوَاتًا؟) فَالْجَوَاب: أَنه لَا يحْشر أحد إلَاّ بعد الْمَوْت، فهما آخر من يَمُوت بِالْمَدِينَةِ، وَآخر من يحْشر بعد ذَلِك فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) لأبي زيد بن عمر بن شبة: عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (آخر من يحْشر رجلَانِ، رجل من مزينة وَآخر من جُهَيْنَة، فَيَقُولَانِ: أَيْن النَّاس؟ فيأتيان الْمَدِينَة، فَلَا يريان إلَاّ الثعالب، فَينزل إِلَيْهِمَا ملكان فيسحبانهما على وُجُوههمَا حَتَّى يلحقاهما بِالنَّاسِ) . قَوْله: (ينعقان بغنمهما) ، من النعق وَهُوَ دُعَاء الرَّاعِي الشَّاء، قَالَه الْأَزْهَرِي عَن الْفراء وَغَيره، يُقَال: أنعق بضأنِكَ، أَي: ادعها. وَقد نعق الرَّاعِي بهَا نعيقا. وَفِي (الموعب) : نعيقا ونعاقا: إِذا صَاح بهَا الرَّاعِي زجرا، ونعقا ونعقانا وَقد نعق ينعق، من بَاب: علم يعلم، وَأغْرب الدَّاودِيّ فَقَالَ: مَعْنَاهُ يطْلب الْكلأ، فَكَأَنَّهُ فسره بِالْمَقْصُودِ من الزّجر. لِأَنَّهُ يزجرها عَن المرعى الوبيل إِلَى المرعى الوسيم. قَوْله: (فيجدانها وحوشا) أَي: يجدان أَهلهَا وحوشا جمع وَحش، أَو يجدان الْمَدِينَة ذَات وحوش، ويروى: وحوشا، بِفَتْح الْوَاو أَي: يجدانها خَالِيَة.، لَيْسَ بهَا أحد، وَقَالَ الجربي: الْوَحْش من الأَرْض هُوَ الْخَلَاء، وأصل الْوَحْش كل شَيْء توحش من الْحَيَوَان، وَقد يعبر بِوَاحِد عَن جمعه، وَعَن ابْن المرابط: مَعْنَاهُ أَن غنمها تصير وحوشا، إِمَّا أَن تنْقَلب ذَاتهَا فَتَصِير وحوشا، وَإِمَّا أَنَّهَا تنفر وتتوحش من أصواتهما، وَأنكر عِيَاض هَذَا، وَاخْتَارَ أَن يعود الضَّمِير إِلَى الْمَدِينَة. وَفِي رِوَايَة مُسلم: فيجدانها وحشا، أَي: خَالِيَة لَيْسَ بهَا أحد. قَوْله: (ثنية الْوَدَاع) ، هِيَ عقبَة عِنْد حرم الْمَدِينَة، سميت بذلك لِأَن الْخَارِج من الْمَدِينَة يمشي مَعَه المودعون إِلَيْهَا. قَوْله: (خرّا) بتَشْديد الرَّاء. أَي: سقطا ميتين، أَو سقطا بِمن أسقطهما، وَهُوَ الْملك.
٥٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ عنْ سفْيانَ بنِ أبِي زُهَيْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ تُفْتَحُ الْيَمَنُ فيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فيَتَحَمَّلُونَ بأهْلِيهِمْ ومَنْ أطَاعَهُمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وتفْتَحُ الشَّأمُ فيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فيَتَحَمَّلُونَ بأهْلِهِمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ويُفْتَحُ العِرَاقُ فَيأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فيَتَحَمَّلُونَ بأهْلِيهمْ ومنْ أطَاعَهُمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم الْمَذْكُورين تفَرقُوا فِي الْبِلَاد بعد الفتوحات وَرَغبُوا عَن الْإِقَامَة فِي الْمَدِينَة، وَلَو صَبَرُوا على الْإِقَامَة فِيهَا لَكَانَ خيرا لَهُم، والترجمة فِيمَن رغب عَن الْمَدِينَة، وَهَؤُلَاء رَغِبُوا عَنْهَا، واختاروا غَيرهَا.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي، وَمَالك بن أنس، وَهِشَام بن عُرْوَة، وَأَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَعبد الله بن الزبير أَخُو عُرْوَة بن الزبير، وسُفْيَان بن أبي زُهَيْر، بِضَم الزَّاي: مصغر الزهر النمري، بالنُّون: الْأَزْدِيّ ويلقب بِابْن أبي القرد، بِفَتْح الْقَاف وَبعدهَا دَال مُهْملَة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقيل: القرد هُوَ اسْم أبي زُهَيْر، وَقيل: اسْمه نمير، وَكَانَ نازلاً بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ الشنوئي من أَزْد شنُوءَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَضم النُّون وَبعد الْوَاو همزَة مَفْتُوحَة، وَفِي النّسَب كَذَلِك، وَقيل: بِفَتْح النُّون بعْدهَا همزَة مَكْسُورَة بِلَا وَاو، وشنوءة هُوَ: عبد الله بن كَعْب بن مَالك بن نضر بن الأزد، وَسمي شنُوءَة لشنئان كَانَ بَينه وَبَين قومه.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع وَالْقَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ لِأَن هشاما لَقِي بعض الصَّحَابَة. وَفِيه: رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. وَفِيه: فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: عَن سُفْيَان بن أبي زُهَيْر، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة: عَن هِشَام عَن أَبِيه، كَذَلِك وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ عُرْوَة: ثمَّ لقِيت سُفْيَان بن أبي زُهَيْر عِنْد مَوته فَأَخْبرنِي بِهَذَا الحَدِيث. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ، وَالله أعلم.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن آدم، وَعَن هَارُون بن عبد الله.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تفتح الْيمن) ، قَالَ ابْن عبد الْبر وَغَيره: افتتحت الْيمن فِي أَيَّام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي أَيَّام أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وافتتحت الشَّام بعْدهَا، وَالْعراق بعْدهَا. انْتهى. قلت: يمن اسْم يعرب بن قحطان بن عَابِر، وَهُوَ هود، فَلذَلِك يُقَال أَرض يمن، ذكره فِي كتاب (التيجان) وَذكر الْبكْرِيّ: إِنَّمَا سمي الْيمن يمنا لِأَنَّهُ عَن يَمِين الْكَعْبَة، كَمَا سمي الشَّام شاما لِأَنَّهُ عَن شمال الْكَعْبَة. وَقيل: إِنَّمَا سمي بذلك قبل أَن تعرف الْكَعْبَة لِأَنَّهُ عَن يَمِين الشَّمْس، وَقيل: سميت الْيمن يمنا بيمن بن قحطان، وَحكى الْهَمدَانِي، قَالَ: لما طغت الْعَرَب العاربة أَقبلت بَنو يقطن بن عَابِر فتيامنوا، فَقَالَت الْعَرَب: تيامنت بَنو يقطن، فسموا الْيمن. وتشأم الْآخرُونَ فسموا شاما. قَوْله: (يبسون) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة من: بس يبس بسا، والبس: سوق الْإِبِل. تَقول: بس يبس عِنْد السُّوق وَإِرَادَة السرعة، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي رِوَايَة يحيى بن يحيى: يبسون، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل: إِن ابْن الْقَاسِم رَوَاهُ بضَمهَا قلت: حَاصله أَنه من بَاب: نصر ينصر، وَمن بَاب: ضرب يضْرب، وَفِي (التَّلْوِيح) أَشَارَ إِلَى أَنه رُوِيَ بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، فعلى هَذَا يكون من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ من أبس يبس على وزن أفعل. قَالَ الْحَرْبِيّ: وَمَعْنَاهُ يتحملون بأهليهم، وَقيل: مَعْنَاهُ يدعونَ النَّاس إِلَى بِلَاد الخصب، وَقَالَ الدَّاودِيّ مَعْنَاهُ: يزجرون دوابهم فيفتتون مَا يطؤنه من الأَرْض من شدَّة السّير فَيصير غبارا من قَوْله تَعَالَى: {وبست الْجبَال بسا} (الْوَاقِعَة: ٥) . أَي: سَالَتْ سيلاً. وَقيل: مَعْنَاهُ سَارَتْ سيرا. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: البس الْمُبَالغَة فِي الفت، وَمِنْه قيل للدقيق الْمَصْنُوع بالدهن: بسيس، وَأنكر ذَلِك النَّوَوِيّ، وَقَالَ: إِنَّه ضَعِيف أَو بَاطِل. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَقيل: معنى يبسون يسْأَلُون عَن الْبِلَاد، وتستقر لأهلهم الْبِلَاد الَّتِي تفتح ويدعونهم إِلَى سكناهَا فيتحملون بِسَبَب ذَلِك من الْمَدِينَة راحلين إِلَيْهَا، وَيشْهد لهَذَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم: (يَأْتِي على النَّاس زمَان يَدْعُو الرجل ابْن عَمه وقريبه إِلَى الْمَجِيء إِلَيْهَا لذَلِك، فيتحمل الْمَدْعُو بأَهْله وَأَتْبَاعه) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: الصَّوَاب أَن مَعْنَاهُ: الْإِخْبَار عَمَّن خرج من الْمَدِينَة متحملاً بأَهْله، بَأْسا فِي سيره، مسرعا إِلَى الرخَاء والأمصار المفتتحة، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام بن عُرْوَة فِي هَذَا الحَدِيث: (تفتح الشَّام فَيخرج النَّاس من الْمَدِينَة يبسون، وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ) . وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث جَابر، سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (ليأتينَّ على أهل الْمَدِينَة زمَان ينْطَلق النَّاس فِيهَا إِلَى الأرياف يَلْتَمِسُونَ الرخَاء فيجدون رخاء، ثمَّ يأْتونَ فيتحملون بأهليهم إِلَى الرخَاء وَالْمَدينَة خير لَو كَانُوا يعلمُونَ) . وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن لَهِيعَة وَفِيه مقَال، وَلَكِن أَحْمد قبله وَرَضي بِهِ، وَلَا بَأْس بِهِ فِي المتابعات. قَوْله: (لَو كَانُوا يعلمُونَ) أَي: بفضلها من الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وثواب الْإِقَامَة فِيهَا لِأَنَّهَا حرم الرَّسُول ومهبط الْوَحْي ومنزل البركات. فَإِن قلت: أَيْن جَوَاب: لَو؟ قلت: مَحْذُوف، دلّ عَلَيْهِ مَا قبله أَي: لَو كَانُوا من أهل الْعلم لعرفوا ذَلِك، وَلما فارقوا الْمَدِينَة. وَإِن كَانَت: لَو، بِمَعْنى: لَيْت، فَلَا جَوَاب لَهَا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيهِ تجهيل لمن فَارقهَا لتفويته على نَفسه خيرا عَظِيما، وَفِيه معجزات للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ أخبر بِفَتْح هَذِه الأقاليم، وَأَن النَّاس يتحملون بِأَهَالِيِهِمْ ويفارقون الْمَدِينَة، وَأَن هَذِه الأقاليم تفتح على هَذَا التَّرْتِيب الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وَوجد جَمِيع ذَلِك. قَوْله: (وَمن أطاعهم) أَي: ويتحملون بِمن أطَاع أَهْليهمْ من النَّاس. قَوْله: (وَالْمَدينَة خير لَهُم) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: نكر قوما لتحقيرهم وتوهين أَمرهم، ثمَّ وَصفهم بقوله: (يبسون) إشعارا بركاكة عُقُولهمْ، وَأَنَّهُمْ مِمَّن ركنوا إِلَى الحظوظ البهيمية، وحطام الدُّنْيَا الفانية العاجلة وأعرضوا عَن الْإِقَامَة فِي جوَار الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومهبط الْوَحْي، وَلذَلِك كرر قوما وَوَصفه فِي كل قرينَة بقوله: (يبسون) ، استحضارا لتِلْك الْهَيْئَة البهيمية. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ أَيْضا الَّذِي يَقْتَضِي هَذَا الْمقَام أَن ينزل يعلمُونَ منزلَة اللَّازِم لينتفي عَنْهُم الْعلم والمعرفة بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَو ذهب مَعَ ذَلِك إِلَى معنى التَّمَنِّي لَكَانَ أبلغ، لِأَن التَّمَنِّي طلب مَا لَا يُمكن حُصُوله أَي: ليتهم كَانُوا من أهل الْعلم تَغْلِيظًا وتشديدا. انْتهى. وَقَالُوا: المُرَاد بِهِ الخارجون من الْمَدِينَة رَغْبَة عَنْهَا كارهين لَهَا، وَأما من خرج لحَاجَة أَو تِجَارَة أَو جِهَاد أَو نَحْو ذَلِك فَلَيْسَ بداخل فِي معنى الحَدِيث.