الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٤٤
الحديث رقم ٢٥٤٤ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل من أدب جاريته وعلمها.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا * ذِي الْقُرْبَى﴾ الْقَرِيبُ وَالْجُنُبُ الْغَرِيبُ الْجَارُ الْجُنُبُ يَعْنِي الصَّاحِبَ فِي السَّفَرِ
٢٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رُدَيْحٌ وَإِمَّا زُخَيٌّ، فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ، وَفِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ فَأَخَذُوهُمْ بِرُكْبَةٍ مِنْ نَاحِيَةِ الطَّائِفِ فَاسْتَاقُوهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرُكْبَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ وَهِيَ غَيْرُ رَكُوبَةِ الثَّنِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ سَرِيَّةَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ هَذِهِ كَانَتْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَأَنَّهُ سَبَى إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ: ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ فِي حِصَّةِ تَمَلُّكِ الْعَرَبِيِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ عِتْقَ مَنْ يُسْتَرَقُّ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: مِنَ الْعَارِ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَبِنْتَ عَمِّهِ حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَا بُدَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ تَفْصِيلٍ، فَلَوْ كَانَ الْعَرَبِيُّ مَثَلًا مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ ﵍ وَتَزَوَّجَ أَمَةً بِشَرْطِهِ لَاسْتَبْعَدْنَا اسْتِرْقَاقَ وَلَدِهِ، قَالَ: وَإِذَا أَفَادَ كَوْنُ الْمَسْبِيِّ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ إِعْتَاقِهِ، فَالَّذِي بِالْمَثَابَةِ الَّتِي فَرَضْنَاهَا يَقْتَضِي وُجُوبَ حُرِّيَّتِهِ حَتْمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ فِيهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالرُّؤَسَاءِ. وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَمَّا سَيَأْتِي مِنَ الْأَحْوَالِ الْكَائِنَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ نَسَبَ جَمِيعَ الْيَمَنِ إِلَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ لِتَفْرِقَتِهِ ﷺ بَيْنَ خَوْلَانَ وَهُمْ مِنَ الْيَمَنِ وَبَيْنَ بَنِي الْعَنْبَرِ وَهُمْ مِنْ مُضَرَ، وَالْمَشْهُورُ فِي خَوْلَانَ أَنَّهُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ وَلَدِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ:، خَوْلَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٤ - بَاب فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَ
٢٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَعَلَمهَا فَأَحْسَنَ إِلَيْهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ) سَقَطَ لَفْظُ فَضْلِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَزَادَ النَّسَفِيُّ وَأَعْتَقَهَا، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمُطَرِّفٌ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ، كُوفِيٌّ مَشْهُورٌ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَعَلَّمَهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ فَعَالَهَا.
١٥ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ الْقَرِيبُ، وَالْجُنُبُ: الْغَرِيبُ.
٢٥٤٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ قَالَ: سَمِعْتُ الْمَعْرُورَ بْنَ سُويْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ ﵁ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ
رَجُلًا فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) لَفْظُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لِابْنِ مَنْدَهْ بِلَفْظِ: إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، فَمَنْ لَإيَمَكُمْ مِنْهُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَكْتَسُونَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُوَرِّقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ: مَنْ لَإيَمَكُمْ مِنْ مَمْلُوكِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ سَلَامِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعًا قَالَ: أَرِقَّاؤُكُمْ إِخْوَانُكُمُ الْحَدِيثَ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوصِي بِالْمَمْلُوكِينَ خَيْرًا، وَيَقُولُ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ.
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي الْيَسَرِ - بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ - وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ رَفَعَهُ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ. وَفِيهِ قِصَّتُهُ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي آخِرِ كِتَابِهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ذِي الْقُرْبَى: الْقَرِيبُ، ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ الْغَرِيبُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ وَقَدْ خُولِفَ فِي الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ، فَقِيلَ: هُوَ الْمَرْأَةُ، وَقِيلَ: الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ. وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَدَخَلُوا فِيمَنْ أُمِرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ لِعَطْفِهِمْ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ الثَّقِيلَةِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْمَشِ، وَالْمَعْرُورُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ كُوفِيٌّ أَيْضًا، يُكَنَّى أَبَا أُمَيَّةَ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، يُقَالُ: عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.
قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَتَسْمِيَةُ الرَّجُلِ الَّذِي سَابَّهُ أَبُو ذَرٍّ وَالْكَلَامُ عَلَى الْحُلَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ) كَذَا هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِزِيَادَةِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ وَالِاخْتِصَارُ فِيهِ مِنْ آدَمَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ آدَمَ كَذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُعْبَةُ اخْتَصَرَهُ لَهُ لَمَّا حَدَّثَهُ بِهِ. وَالْخَوَلُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ هُمُ الْخَدَمُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَخَوَّلُونَ الْأُمُورَ أَيْ يُصْلِحُونَهَا، وَمِنْهُ الْخَوْلِيُّ لِمَنْ يَقُومُ بِإِصْلَاحِ الْبُسْتَانِ، وَيُقَالُ الْخَوَلُ جَمْعُ خَائِلٍ وَهُوَ الرَّاعِي، وَقِيلَ: التَّخْوِيلُ التَّمْلِيكُ تَقُولُ خَوَّلَكَ اللَّهُ كَذَا أَيْ مَلَّكَكَ إِيَّاهُ. وَقَوْلُهُ: عَيَّرْتَهُ أَيْ نَسَبْتَهُ إِلَى الْعَارِ، وَفِي قَوْلِهِ: بِأُمِّهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ وَإِنَّمَا يُقَالُ عَيَّرْتَهُ أُمَّهُ، وَمِثْلُ الْحَدِيثِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالدَّهْرِ،
وَالْعَارُ الْعَيْبُ، وَفِي تَقْدِيمِ لَفْظِ إِخْوَانِكُمْ عَلَى خَوَلِكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِالْأُخُوَّةِ، وَقَوْلُهُ: تَحْتَ أَيْدِيكُمْ مَجَازٌ عَنِ الْقُدْرَةِ أَوِ الْمِلْكِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ) أَيْ مِنْ جِنْسِ مَا يَأْكُلُ لِلتَّبْعِيضِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ: فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً، فَالْمُرَادُ الْمُوَاسَاةُ لَا الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. لَكِنْ مَنْ أَخَذَ بِالْأَكْمَلِ كَأَبِي ذَرٍّ فَعَلَ الْمُسَاوَاةَ وَهُوَ الْأَفْضَلُ، فَلَا يَسْتَأْثِرُ الْمَرْءُ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، وَفِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ وَهُوَ يَقْتَضِي الرَّدَّ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالزَّاي والمُوحَّدتين (١) مُصغَّرًا أيضًا- وهو ابن ثعلبة، وزُخَيًّا: بالزَّاي والخاء المعجمتين، مُصغَّرًا أيضًا، وسَمُرة، أي: ابن عمرٍو فمسح النَّبيُّ ﷺ على رؤوسهم وبرَّك عليهم، قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي تعيَّن لعتق عائشة من هؤلاء الأربعة، إمَّا رُدَيحٌ، وإمَّا زُخَيٌّ، ففي «سنن أبي داود» من حديث الزُّبَيب بن ثعلبة ما يرشد إلى ذلك. انتهى. (فَقَالَ) ﵊ لعائشة: (أَعْتِقِيهَا) أي: النَّسمة (فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) وفيه دليلٌ على جواز استرقاق العرب وتملُّكهم كسائر فرق العجم إلَّا أنَّ عتقهم أفضل، لكن قال ابن المنيِّر (٢): تملُّك العرب لا بدَّ عندي فيه من تفصيلٍ وتخصيصٍ للشُّرفاء، فلو كان العربيُّ مثلًا من ولدِ فاطمةَ ﵂، فلو فرضنا أنَّ حَسَنيًّا أو حُسينيًّا تزوَّج أَمَةً بشرطه لاستبعدنا استرقاق ولده، قال: وإذا أفاد كون المسبيِّ من ولد إسماعيل يقتضي استحباب إعتاقه (٣)، فالذي بالمثابة التي فرضناها يقتضي وجوب حرِّيَّته حتمًا، وقد ساق المؤلِّف حديث أبي هريرة هذا هنا عن شيخين له، كلٌّ منهما حدَّثه به عن جريرٍ، لكنَّه فرَّقه لأنَّ أحدهما زاد فيه عن جريرٍ إسنادًا آخر، وساقه هنا على لفظ محمَّد بن سَلَامٍ، ويأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٣٦٦] على لفظ زهير بن حربٍ، وقد أخرجه مسلمٌ في «الفضائل» عن زهير، والله أعلم.
(١٤) (باب: فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَا) زاد النَّسفيُّ: «وأعتقها»، وسقط له ولأبي ذرٍّ لفظ «فضل».
٢٥٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المشهور بابن رَاهُوْيَه (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ) أي:
ابن غزوان (عَنْ مُطَرِّفٍ) هو ابن طريفٍ، الحارثيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرٍ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة، الحارث بن أبي موسى (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَعَالَهَا) أي: أنفق عليها، من عال الرَّجلُ عيالَه يعولُهم، إذا قام بما يحتاجون إليه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فعلَّمها» من التعليم وهو المناسب للتَّرجمة (فَأَحْسَنَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا (١): «وأحسن» (إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ) أجرٌ بالنِّكاح والتَّعليم، وأجرٌ بالعتق، قال المهلَّب: فيه أنَّ من تواضع في منكحه وهو يقدر على نكاح أهل الشَّرف رُجِي له جزيل الثَّواب.
وتأتي مباحث هذا الحديث في «كتاب النِّكاح» -إن شاء الله تعالى- وفيه رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيِّ، وقد سبق في «باب تعليم الرَّجل أمته وأهله» من «كتاب العلم» [خ¦٩٧]، وأخرجه مسلمٌ في «النِّكاح» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
(١٥) (باب) ذكر (قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: العَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) وهذا وصله المؤلِّف بالمعنى من حديث أبي ذرٍّ ومن حديث جابرٍ وصحابيٍّ لم يُسَمَّ في «الأدب المفرد». (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾) صنمًا أو غيره، أو شيئًا من الإشراك، جليًّا أو خفيًّا (﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾) وأحسنوا بهما إحسانًا (﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾) وبصاحب القرابة (﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾) الذي قرب جواره (﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾) البعيد (﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾) الرَّفيق في أمرٍ حسنٍ، كتعلُّمٍ وتصرُّفٍ وصناعةٍ وسفرٍ، فإنَّه صحبك وحصل بجنبك، وقيل: المرأة (﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾) المسافر أو الضَّيف (﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) العبيد والإماء (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً﴾) متكبِّرًا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه وعبيده وإمائه، ولا يلتفت إليهم (﴿فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]) يتفاخر عليهم، يرى أنَّه خيرٌ منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، واقتصر في رواية أبي ذرٍّ من أوَّل الآية إلى
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
من رِوَايَة أبي معمر: (وَكَانَت على عَائِشَة نسمَة من بني إِسْمَاعِيل) وَفِي رِوَايَة الشّعبِيّ عِنْد أبي عوَانَة: (وَكَانَ على عَائِشَة مُحَرر) وبيَّن الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) فِي رِوَايَة الشّعبِيّ: أَن المُرَاد بِالَّذِي كَانَ عَلَيْهَا أَنه كَانَ (نذرا) . وَلَفظه: نذرت عَائِشَة أَن تعْتق محرراً من بني إِسْمَاعِيل، وللطبراني فِي (الْكَبِير) من حَدِيث رديح، بِضَم الرَّاء وَفتح الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن ذُؤَيْب بن شعثم، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره مِيم: الْعَنْبَري: أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: يَا نَبِي الله {إِنِّي نذرت عتيقاً من ولد إِسْمَاعِيل. فَقَالَ لَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إصبري حَتَّى يَجِيء فَيْء بني العنبر غَدا، فجَاء فَيْء فَبنِي العنبر، فَقَالَ لَهَا: خذي مِنْهُم أَرْبَعَة، فَأخذت رديحاً وزبيباً وزخيا وَسمرَة، فَمسح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رؤوسهم وبرك عَلَيْهِم، ثمَّ قَالَ: يَا عَائِشَة} هَؤُلَاءِ من بني إِسْمَاعِيل قصدا، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي تعين لعتق عَائِشَة من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة، أما رديح وَأما زخى. قلت: قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : رديح بن ذُؤَيْب بن شعثم التَّمِيمِي الْعَنْبَري مولى عَائِشَة روى عَنهُ ابْنه عبد الله وَهَذَا يدل على أَن الَّذِي اعتقته هُوَ رديح بِلَا ترديد، وزبيب، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء أَيْضا، وَضَبطه العسكري: بنُون فِي أَوله، و: هُوَ زنيب بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو التَّمِيمِي الْعَنْبَري وروى عَنهُ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْقَضَاء: حَدثنَا أَحْمد بن عَبدة حَدثنَا عمار بن شُعَيْب بن عبيد الله بن الزَّبِيب الْعَنْبَري، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: سَمِعت جدي الزَّبِيب يَقُول: بعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَيْشًا إِلَى بني العنبر، فَأخذُوا بركبة من نَاحيَة الطَّائِف واستاقوهم إِلَى نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فركبت فسبقتهم إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته! أَتَانَا جندك فأخذونا، وَقد كُنَّا أسلمنَا ... الحَدِيث بِطُولِهِ. قَوْله: (بركبة) بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْكَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ اسْم مَوضِع مَعْرُوف، وَهِي غير ركبة الَّتِي بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. وَأما زخي، فبضم الزَّاي وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء، ومصغر، وَضَبطه ابْن عون بالراء، وَذكره الذَّهَبِيّ فِي حرف الزَّاي، وَقَالَ: زخي الْعَنْبَري، وَغلط من قَالَ: رخي بالراء. وَسمرَة: هُوَ ابْن عَمْرو بن قرط، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء. وَقَالَ الذهبيِّ سَمُرَة بن عَمْرو الْعَنْبَري، أجَاز النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَهَادَة لَهُ لزبيب الْعَنْبَري ثمَّ قَالَ سَمُرَة من بلعنبر أَعتَقته عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قلت: قَضِيَّة الشَّهَادَة فِي حَدِيث أبي دَاوُد الَّذِي ذكرنَا مِنْهُ بعضه.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل على جَوَاز استرقاق الْعَرَب، وتملكهم كَسَائِر فرق الْعَجم إلَاّ أَن عِتقهم أفضل. قَالَ ابْن بطال: وَتَمِيم كَانُوا يختارون مَا يخرجُون فِي الصَّدقَات من أفضل مَا عِنْدهم، فأعجبه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلذَلِك قَالَ: هَذَا القَوْل على معنى الْمُبَالغَة فِي نصحهمْ لله وَلِرَسُولِهِ فِي جودة الِاخْتِيَار للصدقة. وَفِيه: فَضِيلَة ظَاهِرَة لبني تَمِيم، وَكَانَ فيهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَصدر الْإِسْلَام جمَاعَة من الْأَشْرَاف والرؤساء. وَفِيه: الْإِخْبَار عَمَّا سَيَأْتِي من الْأَحْوَال الكائنة فِي آخر الزَّمَان.
٤١ - (بابُ فَضْلِ مَنْ أدَّبَ جارِيَتَهُ وعَلَّمَهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من أدب جَارِيَته، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي لفظ: فضل، بل هُوَ: بَاب من أدَّب جَارِيَته، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وأعتقها أَيْضا.
٤٤٥٢ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ إبْراهِيمَ قَالَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بنَ فضَيْلٍ عنْ مُطَرِّفِ عنِ الشُّعْبِيِّ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منْ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فعلَّمَهَا فأحْسَنَ إلَيْهَا ثُمَّ أعْتَقَهَا وتَزَوَّجَها كانَ لَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ لَهُ أَجْرَانِ) ، وهما: أجر التَّعْلِيم وَأجر الْعتْق.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إسحاف بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه. الثَّانِي: مُحَمَّد بن فُضَيْل بن غَزوَان. الثَّالِث: مطرف بن طريف الْحَارِثِيّ، وَيُقَال الحارفي. الرَّابِع: عَامر الشّعبِيّ. الْخَامِس: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه الْحَارِث بن أبي مُوسَى، وَيُقَال: عَامر، وَيُقَال إسمه كنيته. السَّادِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ واسْمه عبد الله بن قيس.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع.
وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي سكن نيسابور والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا بأتم مِنْهُ فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته وَأَهله عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن الْمحَاربي عَن صَالح بن حَيَّان عَن عَامر الشّعبِيّ ... الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن هناد بن السّري. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فعلمها) فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، فعالها، أَي: أنْفق عَلَيْهَا، من: عَال الرجل عِيَاله يعولهم: إِذا أَقَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من قوت وَكِسْوَة وَغَيرهمَا. وَقَالَ الْكسَائي: يُقَال: عَال الرجل يعول إِذا كثر عِيَاله، واللغة الجيدة: أعال يعيل. قَالَ الْمُهلب فِيهِ: أَن الله تَعَالَى قد ضاعف لَهُ أجره بِالنِّكَاحِ والتعليم، فَجعله كَمثل أجر الْعتْق.
وَفِيه: الحض على نِكَاح العتيقة وعَلى ترك الْعُلُوّ فِي الدُّنْيَا، وَأَن من تواضع لله فِي منكحه، وَهُوَ يقدر على نِكَاح أهل الشّرف، فَإِن ذَلِك مِمَّا يُرْجَى عَلَيْهِ جزيل الثَّوَاب. فَإِن قلت: روى الْبَزَّار فِي (مُسْنده) عَن ابْن عمر: لما نزل قَوْله تَعَالَى: {لن تنالوا الْبر} (آل عمرَان: ٢٩) . ذكرت مَا أَعْطَانِي الله فَلم أجد شَيْئا أحب أَلِي من جَارِيَة رُومِية، فأعتقتها، فَلَو أَنِّي أَعُود فِي شَيْء جعلته لله لنكحتها. قلت: هَذَا مَحْمُول على من لَا يرغب نِكَاحهَا، لِأَن عَادَة الْعَرَب الرَّغْبَة عَن تَزْوِيج الْمُعتقَة، وَالْمُعتق إِذا رغب يكون لغيره فَلَا يكره لَهُ النِّكَاح حِينَئِذٍ، وَأَيْضًا النِّكَاح لَيْسَ براجع فِي عتقه، لِأَنَّهُ لَا يملك الْآن إلَاّ مَنْفَعَة الْوَطْء. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقد أجَاز مَالك وَأكْثر أَصْحَابنَا الرُّجُوع فِي الْمَنَافِع إِذا تصدق بهَا وشرى بهَا، وَالْحجّة لَهُم حَدِيث الْعَرَايَا، فَكيف إِذا تصدق بِالرَّقَبَةِ؟ فَإِنَّهُ يجوز شِرَاء مَنْفَعَتهَا، بل هُوَ أولى من الصَّدَقَة بِالْمَنْفَعَةِ، وَالَّذِي منع من الرُّجُوع فِي الْمَنَافِع إِذا تصدق بهَا ابْن الْمَاجشون.
٥١ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعَبِيدَ إخْوانُكُمْ فأطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: العبيد ... إِلَى آخِره، وَلَفظ هَذِه التَّرْجَمَة معنى حَدِيث أبي ذَر، رَوَاهُ ابْن مَنْدَه بِلَفْظ: إِنَّهُم إخْوَانكُمْ فَمن لاءمكم مِنْهُم فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تلبسُونَ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو الرَّازِيّ، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن مُورق عَن أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموه مِمَّا تَأْكُلُونَ واكسوه مِمَّا تكسون، وَمن لَا يلائمكم مِنْهُم فبيعوه وَلَا تعذبوا خلق الله، عز وَجل. وَأخرج مُسلم فِي آخر (صَحِيحه) حَدِيثا طَويلا عَن أبي الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو فِي: بَاب ستْرَة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِيه: وَهُوَ يَقُول، أَي: النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أطعموهم مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تلبسُونَ.
وقَوْلِهِ تعَالَى: {واعبُدُوا الله ولَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وبالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً وبِذِي القُرْبَى واليَتَامَى والْمَسَاكِين والجارِ وذِي القُرْبى والجارِ الْجُنُبِ والصَّاحِبِ بالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ إنَّ الله لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتَالَا فَخُوراً} (النِّسَاء: ٦٣) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على: قَول، فِي قَوْله: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هَذِه الْآيَة فِي سُورَة النِّسَاء، كَذَا هِيَ إِلَى آخرهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَول الله: {واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحساناً وبذي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين} إِلَى قَوْله: {مختالاً فخوراً} (النِّسَاء: ٦٣) . فَفِيهَا يَأْمر الله تَعَالَى بِعِبَادَتِهِ وَحده لَا شريك لَهُ، فَإِنَّهُ الخالف الرازق الْمُنعم المتفضل على خلقه فِي جَمِيع الْأَحْوَال، ثمَّ أوصى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدين بقوله: {وبالوالدين إحسانا} (النِّسَاء: ٦٣) . لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعلهمَا سَببا لخروجك من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، ثمَّ عطف على الْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدين الْإِحْسَان إِلَى الْقرَابَات من الرِّجَال وَالنِّسَاء، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: الصَّدَقَة على الْمِسْكِين صَدَقَة، وعَلى ذِي الرَّحِم صَدَقَة، وَصله. ثمَّ قَالَ: واليتامى، لأَنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم، وَمن ينْفق عَلَيْهِم؟ ثمَّ قَالَ: وَالْمَسَاكِين: وهم المحاويج من ذَوي الْحَاجَات الَّذين لَا يَجدونَ مَا يقوم بكفايتهم، فَأمر الله تَعَالَى بمساعدتهم بِمَا تتمّ بِهِ كفايتهم:
وتزول بِهِ ضرورتهم، ثمَّ قَالَ: {وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب} (النِّسَاء: ٦٣) . قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَالْجَار ذِي القربي، يَعْنِي: الَّذِي بَيْنك وَبَينه قرَابَة، وَالْجَار الْجنب: الَّذِي لَيْسَ بَيْنك وَبَينه قرَابَة، وَكَذَا رُوِيَ عَن عِكْرِمَة وَمُجاهد وَمَيْمُون بن مهْرَان وَالضَّحَّاك وَزيد بن أسلم وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَقَتَادَة، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق عَن نوف الْبكالِي {وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى} (النِّسَاء: ٦٣) . يَعْنِي: الْمُسلم. {وَالْجَار الْجنب} (النِّسَاء: ٦٣) . يَعْنِي: الْيَهُودِيّ والنصاري، رَوَاهُ ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم. وَقَالَ جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود: {الْجَار ذِي الْقُرْبَى} (النِّسَاء: ٦٣) . الْمَرْأَة، وَقَالَ مُجَاهِد: {وَالْجَار الْجنب} (النِّسَاء: ٦٣) . يَعْنِي: الرفيق فِي السّفر. ثمَّ قَالَ: والصاحب بالجنب، قَالَ الثَّوْريّ عَن جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود، قَالَا: هِيَ الْمَرْأَة، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: كَذَا رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن وَسَعِيد بن جُبَير فِي إِحْدَى الرِّوَايَات. وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة: هُوَ الرفيق فِي السّفر، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ الرفيق الصَّالح، وَقَالَ زيد بن أسلم: هُوَ جليسك فِي الْحَضَر ورفيقك فِي السّفر، ثمَّ قَالَ: {وَابْن السَّبِيل} (النِّسَاء: ٦٣) . وَعَن ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة: هُوَ الضَّيْف، وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو جَعْفَر الباقر وَالْحسن وَالضَّحَّاك: هُوَ الَّذِي يمر عَلَيْك مجتازاً فِي السّفر. ثمَّ قَالَ: {وَمَا ملكت أَيْمَانكُم} (النِّسَاء: ٦٣) . هَذَا وَصِيَّة بالأرقاء، لِأَن الرَّقِيق ضَعِيف الجثة أَسِير فِي أَيدي النَّاس، وَلِهَذَا ثَبت أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، جعل يُوصي أمته فِي مرض الْمَوْت يَقُول: الصَّلَاة الصَّلَاة وَمَا ملكت إيمَانكُمْ، فَجعل يُرَدِّدهَا حَتَّى مَا يفِيض بهَا لِسَانه، وَهَذَا كَانَ مُرَاد البُخَارِيّ بِذكرِهِ هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة، وروى مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أَنه قَالَ لقهرمان لَهُ: هَل أَعْطَيْت الرَّقِيق قوتهم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَانْطَلق فأعطهم، إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن يحبس عَمَّن يملك قوتهم. قَوْله: {إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالاً} (النِّسَاء: ٦٣) . أَي: فِي نَفسه معجباً متكبراً {فخوراً} (النِّسَاء: ٦٣) . على النَّاس، يرى أَنه خير مِنْهُم، فَهُوَ فِي نَفسه كَبِير، وَهُوَ عِنْد الله حقير وَعند النَّاس بغيض.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: ذِي الْقُرْبى القَرِيبُ، والْجُنُبُ الغَريبُ الجارُ الْجُنُبُ يَعْنِي الصَّاحِبَ فِي السَّفَرِ
أَبُو عبد الله: هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، هَذَا الَّذِي فسره هُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة فِي كتاب (الْمجَاز) .
٥٤٥٢ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حَدثنَا واصِلٌ الأحْدَبُ قَالَ سَمِعْتُ المَعْرورَ بنَ سُوَيْدٍ قَالَ رأيْتُ أبَا ذَرٍّ الغِفَّاريَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وعلَيْهِ حُلَّةٌ وعَلى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عنْ ذالِكَ فَقَالَ إنِّي سابَبْتُ رَجُلاً فَشكانِي إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ ليَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ثمَّ قَالَ إنَّ إخْوَانَكُمْ خَوَلُكمْ جعَلَهُمُ الله تَحْتَ أيْدِيكُمْ فَمنْ كانَ أخوهُ تحْتَ يَدهِ فلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ ولْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهمْ مَا يَغْلِبُهم فإنْ كلَّفْتُموهُمْ مَا يَغْلِبُهُم فأعِينُوهُمْ.
(انْظُر الحَدِيث ٠٣ طرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وواصل هُوَ ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْكُوفِي، والمعرور، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الأولى: وَهُوَ من كبار التَّابِعين، يُقَال: عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب الْمعاصِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن وَاصل ... إِلَى آخِره وَفِيه زِيَادَة، وَهِي قَوْله: إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.، ولنذكر بعض شَيْء.
قَوْله: (حلَّة) ، هِيَ وَاحِدَة الْحلَل، وَهِي برود، الْيمن، وَلَا تسمى حلَّة إلَاّ أَن تكون ثَوْبَيْنِ من جنس وَاحِد. قَوْله: (ساببت رجلا) قيل: هُوَ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أعيرته؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (إِن إخْوَانكُمْ) ، المُرَاد إخْوَة الْإِسْلَام وَالنّسب، لِأَن النَّاس كلهم بَنو آدم، عَلَيْهِ السَّلَام. قَوْله: (خولكم) ، أَي: حشمكم وخدمكم، وَوَاحِد الخول: خائل، وَقد يكون وَاحِدًا، وَيَقَع على العَبْد وَالْأمة وَهُوَ مَأْخُوذ من التخويل، وَهُوَ التَّمْلِيك، وَقيل: من الرِّعَايَة. قَوْله: (تَحت يَده) ، أَي: ملكه، وَإِن كَانَ العَبْد محترفاً فَلَا وجوب على السَّيِّد. قَوْله: (فليطعمه) ، أَمر ندب، وَكَذَلِكَ (وليلبسه) وَقيل: لمَالِك، رَحمَه الله: أيأكل من طَعَام لَا يَأْكُل مِنْهُ عِيَاله ورقيقه، ويلبس ثيابًا لَا يلبسُونَ؟ قَالَ: أرَاهُ من ذَلِك فِي سَعَة. قيل لَهُ: فَحَدِيث أبي ذَر؟ قَالَ: كَانُوا يَوْمئِذٍ لَيْسَ لَهُم هَذَا الْقُوت. قَوْله: (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ) ، أَي: لَا تُكَلِّفُوهُمْ على عمل يَغْلِبهُمْ عَن إِقَامَته، وَهَذَا وَاجِب، وَكَانَ عمر بن الْخطاب
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رُدَيْحٌ وَإِمَّا زُخَيٌّ، فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ، وَفِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ فَأَخَذُوهُمْ بِرُكْبَةٍ مِنْ نَاحِيَةِ الطَّائِفِ فَاسْتَاقُوهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرُكْبَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ وَهِيَ غَيْرُ رَكُوبَةِ الثَّنِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ سَرِيَّةَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ هَذِهِ كَانَتْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَأَنَّهُ سَبَى إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ: ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ فِي حِصَّةِ تَمَلُّكِ الْعَرَبِيِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ عِتْقَ مَنْ يُسْتَرَقُّ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: مِنَ الْعَارِ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَبِنْتَ عَمِّهِ حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَا بُدَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ تَفْصِيلٍ، فَلَوْ كَانَ الْعَرَبِيُّ مَثَلًا مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ ﵍ وَتَزَوَّجَ أَمَةً بِشَرْطِهِ لَاسْتَبْعَدْنَا اسْتِرْقَاقَ وَلَدِهِ، قَالَ: وَإِذَا أَفَادَ كَوْنُ الْمَسْبِيِّ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ إِعْتَاقِهِ، فَالَّذِي بِالْمَثَابَةِ الَّتِي فَرَضْنَاهَا يَقْتَضِي وُجُوبَ حُرِّيَّتِهِ حَتْمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ فِيهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالرُّؤَسَاءِ. وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَمَّا سَيَأْتِي مِنَ الْأَحْوَالِ الْكَائِنَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ نَسَبَ جَمِيعَ الْيَمَنِ إِلَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ لِتَفْرِقَتِهِ ﷺ بَيْنَ خَوْلَانَ وَهُمْ مِنَ الْيَمَنِ وَبَيْنَ بَنِي الْعَنْبَرِ وَهُمْ مِنْ مُضَرَ، وَالْمَشْهُورُ فِي خَوْلَانَ أَنَّهُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ وَلَدِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ:، خَوْلَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٤ - بَاب فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَ
٢٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَعَلَمهَا فَأَحْسَنَ إِلَيْهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ) سَقَطَ لَفْظُ فَضْلِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَزَادَ النَّسَفِيُّ وَأَعْتَقَهَا، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمُطَرِّفٌ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ، كُوفِيٌّ مَشْهُورٌ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَعَلَّمَهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ فَعَالَهَا.
١٥ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ الْقَرِيبُ، وَالْجُنُبُ: الْغَرِيبُ.
٢٥٤٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ قَالَ: سَمِعْتُ الْمَعْرُورَ بْنَ سُويْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ ﵁ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ
رَجُلًا فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) لَفْظُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لِابْنِ مَنْدَهْ بِلَفْظِ: إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، فَمَنْ لَإيَمَكُمْ مِنْهُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَكْتَسُونَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُوَرِّقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ: مَنْ لَإيَمَكُمْ مِنْ مَمْلُوكِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ سَلَامِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعًا قَالَ: أَرِقَّاؤُكُمْ إِخْوَانُكُمُ الْحَدِيثَ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوصِي بِالْمَمْلُوكِينَ خَيْرًا، وَيَقُولُ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ.
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي الْيَسَرِ - بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ - وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ رَفَعَهُ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ. وَفِيهِ قِصَّتُهُ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي آخِرِ كِتَابِهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ذِي الْقُرْبَى: الْقَرِيبُ، ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ الْغَرِيبُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ وَقَدْ خُولِفَ فِي الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ، فَقِيلَ: هُوَ الْمَرْأَةُ، وَقِيلَ: الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ. وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَدَخَلُوا فِيمَنْ أُمِرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ لِعَطْفِهِمْ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ الثَّقِيلَةِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْمَشِ، وَالْمَعْرُورُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ كُوفِيٌّ أَيْضًا، يُكَنَّى أَبَا أُمَيَّةَ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، يُقَالُ: عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.
قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَتَسْمِيَةُ الرَّجُلِ الَّذِي سَابَّهُ أَبُو ذَرٍّ وَالْكَلَامُ عَلَى الْحُلَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ) كَذَا هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِزِيَادَةِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ وَالِاخْتِصَارُ فِيهِ مِنْ آدَمَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ آدَمَ كَذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُعْبَةُ اخْتَصَرَهُ لَهُ لَمَّا حَدَّثَهُ بِهِ. وَالْخَوَلُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ هُمُ الْخَدَمُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَخَوَّلُونَ الْأُمُورَ أَيْ يُصْلِحُونَهَا، وَمِنْهُ الْخَوْلِيُّ لِمَنْ يَقُومُ بِإِصْلَاحِ الْبُسْتَانِ، وَيُقَالُ الْخَوَلُ جَمْعُ خَائِلٍ وَهُوَ الرَّاعِي، وَقِيلَ: التَّخْوِيلُ التَّمْلِيكُ تَقُولُ خَوَّلَكَ اللَّهُ كَذَا أَيْ مَلَّكَكَ إِيَّاهُ. وَقَوْلُهُ: عَيَّرْتَهُ أَيْ نَسَبْتَهُ إِلَى الْعَارِ، وَفِي قَوْلِهِ: بِأُمِّهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ وَإِنَّمَا يُقَالُ عَيَّرْتَهُ أُمَّهُ، وَمِثْلُ الْحَدِيثِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالدَّهْرِ،
وَالْعَارُ الْعَيْبُ، وَفِي تَقْدِيمِ لَفْظِ إِخْوَانِكُمْ عَلَى خَوَلِكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِالْأُخُوَّةِ، وَقَوْلُهُ: تَحْتَ أَيْدِيكُمْ مَجَازٌ عَنِ الْقُدْرَةِ أَوِ الْمِلْكِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ) أَيْ مِنْ جِنْسِ مَا يَأْكُلُ لِلتَّبْعِيضِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ: فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً، فَالْمُرَادُ الْمُوَاسَاةُ لَا الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. لَكِنْ مَنْ أَخَذَ بِالْأَكْمَلِ كَأَبِي ذَرٍّ فَعَلَ الْمُسَاوَاةَ وَهُوَ الْأَفْضَلُ، فَلَا يَسْتَأْثِرُ الْمَرْءُ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، وَفِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ وَهُوَ يَقْتَضِي الرَّدَّ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالزَّاي والمُوحَّدتين (١) مُصغَّرًا أيضًا- وهو ابن ثعلبة، وزُخَيًّا: بالزَّاي والخاء المعجمتين، مُصغَّرًا أيضًا، وسَمُرة، أي: ابن عمرٍو فمسح النَّبيُّ ﷺ على رؤوسهم وبرَّك عليهم، قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي تعيَّن لعتق عائشة من هؤلاء الأربعة، إمَّا رُدَيحٌ، وإمَّا زُخَيٌّ، ففي «سنن أبي داود» من حديث الزُّبَيب بن ثعلبة ما يرشد إلى ذلك. انتهى. (فَقَالَ) ﵊ لعائشة: (أَعْتِقِيهَا) أي: النَّسمة (فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) وفيه دليلٌ على جواز استرقاق العرب وتملُّكهم كسائر فرق العجم إلَّا أنَّ عتقهم أفضل، لكن قال ابن المنيِّر (٢): تملُّك العرب لا بدَّ عندي فيه من تفصيلٍ وتخصيصٍ للشُّرفاء، فلو كان العربيُّ مثلًا من ولدِ فاطمةَ ﵂، فلو فرضنا أنَّ حَسَنيًّا أو حُسينيًّا تزوَّج أَمَةً بشرطه لاستبعدنا استرقاق ولده، قال: وإذا أفاد كون المسبيِّ من ولد إسماعيل يقتضي استحباب إعتاقه (٣)، فالذي بالمثابة التي فرضناها يقتضي وجوب حرِّيَّته حتمًا، وقد ساق المؤلِّف حديث أبي هريرة هذا هنا عن شيخين له، كلٌّ منهما حدَّثه به عن جريرٍ، لكنَّه فرَّقه لأنَّ أحدهما زاد فيه عن جريرٍ إسنادًا آخر، وساقه هنا على لفظ محمَّد بن سَلَامٍ، ويأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٣٦٦] على لفظ زهير بن حربٍ، وقد أخرجه مسلمٌ في «الفضائل» عن زهير، والله أعلم.
(١٤) (باب: فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَا) زاد النَّسفيُّ: «وأعتقها»، وسقط له ولأبي ذرٍّ لفظ «فضل».
٢٥٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المشهور بابن رَاهُوْيَه (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ) أي:
ابن غزوان (عَنْ مُطَرِّفٍ) هو ابن طريفٍ، الحارثيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرٍ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة، الحارث بن أبي موسى (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَعَالَهَا) أي: أنفق عليها، من عال الرَّجلُ عيالَه يعولُهم، إذا قام بما يحتاجون إليه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فعلَّمها» من التعليم وهو المناسب للتَّرجمة (فَأَحْسَنَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا (١): «وأحسن» (إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ) أجرٌ بالنِّكاح والتَّعليم، وأجرٌ بالعتق، قال المهلَّب: فيه أنَّ من تواضع في منكحه وهو يقدر على نكاح أهل الشَّرف رُجِي له جزيل الثَّواب.
وتأتي مباحث هذا الحديث في «كتاب النِّكاح» -إن شاء الله تعالى- وفيه رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيِّ، وقد سبق في «باب تعليم الرَّجل أمته وأهله» من «كتاب العلم» [خ¦٩٧]، وأخرجه مسلمٌ في «النِّكاح» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
(١٥) (باب) ذكر (قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: العَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) وهذا وصله المؤلِّف بالمعنى من حديث أبي ذرٍّ ومن حديث جابرٍ وصحابيٍّ لم يُسَمَّ في «الأدب المفرد». (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾) صنمًا أو غيره، أو شيئًا من الإشراك، جليًّا أو خفيًّا (﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾) وأحسنوا بهما إحسانًا (﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾) وبصاحب القرابة (﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾) الذي قرب جواره (﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾) البعيد (﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾) الرَّفيق في أمرٍ حسنٍ، كتعلُّمٍ وتصرُّفٍ وصناعةٍ وسفرٍ، فإنَّه صحبك وحصل بجنبك، وقيل: المرأة (﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾) المسافر أو الضَّيف (﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) العبيد والإماء (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً﴾) متكبِّرًا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه وعبيده وإمائه، ولا يلتفت إليهم (﴿فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]) يتفاخر عليهم، يرى أنَّه خيرٌ منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، واقتصر في رواية أبي ذرٍّ من أوَّل الآية إلى
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
من رِوَايَة أبي معمر: (وَكَانَت على عَائِشَة نسمَة من بني إِسْمَاعِيل) وَفِي رِوَايَة الشّعبِيّ عِنْد أبي عوَانَة: (وَكَانَ على عَائِشَة مُحَرر) وبيَّن الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) فِي رِوَايَة الشّعبِيّ: أَن المُرَاد بِالَّذِي كَانَ عَلَيْهَا أَنه كَانَ (نذرا) . وَلَفظه: نذرت عَائِشَة أَن تعْتق محرراً من بني إِسْمَاعِيل، وللطبراني فِي (الْكَبِير) من حَدِيث رديح، بِضَم الرَّاء وَفتح الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن ذُؤَيْب بن شعثم، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره مِيم: الْعَنْبَري: أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: يَا نَبِي الله {إِنِّي نذرت عتيقاً من ولد إِسْمَاعِيل. فَقَالَ لَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إصبري حَتَّى يَجِيء فَيْء بني العنبر غَدا، فجَاء فَيْء فَبنِي العنبر، فَقَالَ لَهَا: خذي مِنْهُم أَرْبَعَة، فَأخذت رديحاً وزبيباً وزخيا وَسمرَة، فَمسح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رؤوسهم وبرك عَلَيْهِم، ثمَّ قَالَ: يَا عَائِشَة} هَؤُلَاءِ من بني إِسْمَاعِيل قصدا، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي تعين لعتق عَائِشَة من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة، أما رديح وَأما زخى. قلت: قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : رديح بن ذُؤَيْب بن شعثم التَّمِيمِي الْعَنْبَري مولى عَائِشَة روى عَنهُ ابْنه عبد الله وَهَذَا يدل على أَن الَّذِي اعتقته هُوَ رديح بِلَا ترديد، وزبيب، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء أَيْضا، وَضَبطه العسكري: بنُون فِي أَوله، و: هُوَ زنيب بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو التَّمِيمِي الْعَنْبَري وروى عَنهُ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْقَضَاء: حَدثنَا أَحْمد بن عَبدة حَدثنَا عمار بن شُعَيْب بن عبيد الله بن الزَّبِيب الْعَنْبَري، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: سَمِعت جدي الزَّبِيب يَقُول: بعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَيْشًا إِلَى بني العنبر، فَأخذُوا بركبة من نَاحيَة الطَّائِف واستاقوهم إِلَى نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فركبت فسبقتهم إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته! أَتَانَا جندك فأخذونا، وَقد كُنَّا أسلمنَا ... الحَدِيث بِطُولِهِ. قَوْله: (بركبة) بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْكَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ اسْم مَوضِع مَعْرُوف، وَهِي غير ركبة الَّتِي بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. وَأما زخي، فبضم الزَّاي وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء، ومصغر، وَضَبطه ابْن عون بالراء، وَذكره الذَّهَبِيّ فِي حرف الزَّاي، وَقَالَ: زخي الْعَنْبَري، وَغلط من قَالَ: رخي بالراء. وَسمرَة: هُوَ ابْن عَمْرو بن قرط، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء. وَقَالَ الذهبيِّ سَمُرَة بن عَمْرو الْعَنْبَري، أجَاز النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَهَادَة لَهُ لزبيب الْعَنْبَري ثمَّ قَالَ سَمُرَة من بلعنبر أَعتَقته عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قلت: قَضِيَّة الشَّهَادَة فِي حَدِيث أبي دَاوُد الَّذِي ذكرنَا مِنْهُ بعضه.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل على جَوَاز استرقاق الْعَرَب، وتملكهم كَسَائِر فرق الْعَجم إلَاّ أَن عِتقهم أفضل. قَالَ ابْن بطال: وَتَمِيم كَانُوا يختارون مَا يخرجُون فِي الصَّدقَات من أفضل مَا عِنْدهم، فأعجبه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلذَلِك قَالَ: هَذَا القَوْل على معنى الْمُبَالغَة فِي نصحهمْ لله وَلِرَسُولِهِ فِي جودة الِاخْتِيَار للصدقة. وَفِيه: فَضِيلَة ظَاهِرَة لبني تَمِيم، وَكَانَ فيهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَصدر الْإِسْلَام جمَاعَة من الْأَشْرَاف والرؤساء. وَفِيه: الْإِخْبَار عَمَّا سَيَأْتِي من الْأَحْوَال الكائنة فِي آخر الزَّمَان.
٤١ - (بابُ فَضْلِ مَنْ أدَّبَ جارِيَتَهُ وعَلَّمَهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من أدب جَارِيَته، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي لفظ: فضل، بل هُوَ: بَاب من أدَّب جَارِيَته، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وأعتقها أَيْضا.
٤٤٥٢ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ إبْراهِيمَ قَالَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بنَ فضَيْلٍ عنْ مُطَرِّفِ عنِ الشُّعْبِيِّ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منْ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فعلَّمَهَا فأحْسَنَ إلَيْهَا ثُمَّ أعْتَقَهَا وتَزَوَّجَها كانَ لَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ لَهُ أَجْرَانِ) ، وهما: أجر التَّعْلِيم وَأجر الْعتْق.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إسحاف بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه. الثَّانِي: مُحَمَّد بن فُضَيْل بن غَزوَان. الثَّالِث: مطرف بن طريف الْحَارِثِيّ، وَيُقَال الحارفي. الرَّابِع: عَامر الشّعبِيّ. الْخَامِس: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه الْحَارِث بن أبي مُوسَى، وَيُقَال: عَامر، وَيُقَال إسمه كنيته. السَّادِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ واسْمه عبد الله بن قيس.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع.
وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي سكن نيسابور والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا بأتم مِنْهُ فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته وَأَهله عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن الْمحَاربي عَن صَالح بن حَيَّان عَن عَامر الشّعبِيّ ... الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن هناد بن السّري. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فعلمها) فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، فعالها، أَي: أنْفق عَلَيْهَا، من: عَال الرجل عِيَاله يعولهم: إِذا أَقَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من قوت وَكِسْوَة وَغَيرهمَا. وَقَالَ الْكسَائي: يُقَال: عَال الرجل يعول إِذا كثر عِيَاله، واللغة الجيدة: أعال يعيل. قَالَ الْمُهلب فِيهِ: أَن الله تَعَالَى قد ضاعف لَهُ أجره بِالنِّكَاحِ والتعليم، فَجعله كَمثل أجر الْعتْق.
وَفِيه: الحض على نِكَاح العتيقة وعَلى ترك الْعُلُوّ فِي الدُّنْيَا، وَأَن من تواضع لله فِي منكحه، وَهُوَ يقدر على نِكَاح أهل الشّرف، فَإِن ذَلِك مِمَّا يُرْجَى عَلَيْهِ جزيل الثَّوَاب. فَإِن قلت: روى الْبَزَّار فِي (مُسْنده) عَن ابْن عمر: لما نزل قَوْله تَعَالَى: {لن تنالوا الْبر} (آل عمرَان: ٢٩) . ذكرت مَا أَعْطَانِي الله فَلم أجد شَيْئا أحب أَلِي من جَارِيَة رُومِية، فأعتقتها، فَلَو أَنِّي أَعُود فِي شَيْء جعلته لله لنكحتها. قلت: هَذَا مَحْمُول على من لَا يرغب نِكَاحهَا، لِأَن عَادَة الْعَرَب الرَّغْبَة عَن تَزْوِيج الْمُعتقَة، وَالْمُعتق إِذا رغب يكون لغيره فَلَا يكره لَهُ النِّكَاح حِينَئِذٍ، وَأَيْضًا النِّكَاح لَيْسَ براجع فِي عتقه، لِأَنَّهُ لَا يملك الْآن إلَاّ مَنْفَعَة الْوَطْء. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقد أجَاز مَالك وَأكْثر أَصْحَابنَا الرُّجُوع فِي الْمَنَافِع إِذا تصدق بهَا وشرى بهَا، وَالْحجّة لَهُم حَدِيث الْعَرَايَا، فَكيف إِذا تصدق بِالرَّقَبَةِ؟ فَإِنَّهُ يجوز شِرَاء مَنْفَعَتهَا، بل هُوَ أولى من الصَّدَقَة بِالْمَنْفَعَةِ، وَالَّذِي منع من الرُّجُوع فِي الْمَنَافِع إِذا تصدق بهَا ابْن الْمَاجشون.
٥١ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعَبِيدَ إخْوانُكُمْ فأطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: العبيد ... إِلَى آخِره، وَلَفظ هَذِه التَّرْجَمَة معنى حَدِيث أبي ذَر، رَوَاهُ ابْن مَنْدَه بِلَفْظ: إِنَّهُم إخْوَانكُمْ فَمن لاءمكم مِنْهُم فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تلبسُونَ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو الرَّازِيّ، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن مُورق عَن أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموه مِمَّا تَأْكُلُونَ واكسوه مِمَّا تكسون، وَمن لَا يلائمكم مِنْهُم فبيعوه وَلَا تعذبوا خلق الله، عز وَجل. وَأخرج مُسلم فِي آخر (صَحِيحه) حَدِيثا طَويلا عَن أبي الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو فِي: بَاب ستْرَة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِيه: وَهُوَ يَقُول، أَي: النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أطعموهم مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تلبسُونَ.
وقَوْلِهِ تعَالَى: {واعبُدُوا الله ولَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وبالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً وبِذِي القُرْبَى واليَتَامَى والْمَسَاكِين والجارِ وذِي القُرْبى والجارِ الْجُنُبِ والصَّاحِبِ بالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ إنَّ الله لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتَالَا فَخُوراً} (النِّسَاء: ٦٣) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على: قَول، فِي قَوْله: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هَذِه الْآيَة فِي سُورَة النِّسَاء، كَذَا هِيَ إِلَى آخرهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَول الله: {واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحساناً وبذي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين} إِلَى قَوْله: {مختالاً فخوراً} (النِّسَاء: ٦٣) . فَفِيهَا يَأْمر الله تَعَالَى بِعِبَادَتِهِ وَحده لَا شريك لَهُ، فَإِنَّهُ الخالف الرازق الْمُنعم المتفضل على خلقه فِي جَمِيع الْأَحْوَال، ثمَّ أوصى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدين بقوله: {وبالوالدين إحسانا} (النِّسَاء: ٦٣) . لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعلهمَا سَببا لخروجك من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، ثمَّ عطف على الْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدين الْإِحْسَان إِلَى الْقرَابَات من الرِّجَال وَالنِّسَاء، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: الصَّدَقَة على الْمِسْكِين صَدَقَة، وعَلى ذِي الرَّحِم صَدَقَة، وَصله. ثمَّ قَالَ: واليتامى، لأَنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم، وَمن ينْفق عَلَيْهِم؟ ثمَّ قَالَ: وَالْمَسَاكِين: وهم المحاويج من ذَوي الْحَاجَات الَّذين لَا يَجدونَ مَا يقوم بكفايتهم، فَأمر الله تَعَالَى بمساعدتهم بِمَا تتمّ بِهِ كفايتهم:
وتزول بِهِ ضرورتهم، ثمَّ قَالَ: {وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب} (النِّسَاء: ٦٣) . قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَالْجَار ذِي القربي، يَعْنِي: الَّذِي بَيْنك وَبَينه قرَابَة، وَالْجَار الْجنب: الَّذِي لَيْسَ بَيْنك وَبَينه قرَابَة، وَكَذَا رُوِيَ عَن عِكْرِمَة وَمُجاهد وَمَيْمُون بن مهْرَان وَالضَّحَّاك وَزيد بن أسلم وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَقَتَادَة، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق عَن نوف الْبكالِي {وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى} (النِّسَاء: ٦٣) . يَعْنِي: الْمُسلم. {وَالْجَار الْجنب} (النِّسَاء: ٦٣) . يَعْنِي: الْيَهُودِيّ والنصاري، رَوَاهُ ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم. وَقَالَ جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود: {الْجَار ذِي الْقُرْبَى} (النِّسَاء: ٦٣) . الْمَرْأَة، وَقَالَ مُجَاهِد: {وَالْجَار الْجنب} (النِّسَاء: ٦٣) . يَعْنِي: الرفيق فِي السّفر. ثمَّ قَالَ: والصاحب بالجنب، قَالَ الثَّوْريّ عَن جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود، قَالَا: هِيَ الْمَرْأَة، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: كَذَا رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن وَسَعِيد بن جُبَير فِي إِحْدَى الرِّوَايَات. وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة: هُوَ الرفيق فِي السّفر، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ الرفيق الصَّالح، وَقَالَ زيد بن أسلم: هُوَ جليسك فِي الْحَضَر ورفيقك فِي السّفر، ثمَّ قَالَ: {وَابْن السَّبِيل} (النِّسَاء: ٦٣) . وَعَن ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة: هُوَ الضَّيْف، وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو جَعْفَر الباقر وَالْحسن وَالضَّحَّاك: هُوَ الَّذِي يمر عَلَيْك مجتازاً فِي السّفر. ثمَّ قَالَ: {وَمَا ملكت أَيْمَانكُم} (النِّسَاء: ٦٣) . هَذَا وَصِيَّة بالأرقاء، لِأَن الرَّقِيق ضَعِيف الجثة أَسِير فِي أَيدي النَّاس، وَلِهَذَا ثَبت أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، جعل يُوصي أمته فِي مرض الْمَوْت يَقُول: الصَّلَاة الصَّلَاة وَمَا ملكت إيمَانكُمْ، فَجعل يُرَدِّدهَا حَتَّى مَا يفِيض بهَا لِسَانه، وَهَذَا كَانَ مُرَاد البُخَارِيّ بِذكرِهِ هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة، وروى مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أَنه قَالَ لقهرمان لَهُ: هَل أَعْطَيْت الرَّقِيق قوتهم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَانْطَلق فأعطهم، إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن يحبس عَمَّن يملك قوتهم. قَوْله: {إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالاً} (النِّسَاء: ٦٣) . أَي: فِي نَفسه معجباً متكبراً {فخوراً} (النِّسَاء: ٦٣) . على النَّاس، يرى أَنه خير مِنْهُم، فَهُوَ فِي نَفسه كَبِير، وَهُوَ عِنْد الله حقير وَعند النَّاس بغيض.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: ذِي الْقُرْبى القَرِيبُ، والْجُنُبُ الغَريبُ الجارُ الْجُنُبُ يَعْنِي الصَّاحِبَ فِي السَّفَرِ
أَبُو عبد الله: هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، هَذَا الَّذِي فسره هُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة فِي كتاب (الْمجَاز) .
٥٤٥٢ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حَدثنَا واصِلٌ الأحْدَبُ قَالَ سَمِعْتُ المَعْرورَ بنَ سُوَيْدٍ قَالَ رأيْتُ أبَا ذَرٍّ الغِفَّاريَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وعلَيْهِ حُلَّةٌ وعَلى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عنْ ذالِكَ فَقَالَ إنِّي سابَبْتُ رَجُلاً فَشكانِي إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ ليَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ثمَّ قَالَ إنَّ إخْوَانَكُمْ خَوَلُكمْ جعَلَهُمُ الله تَحْتَ أيْدِيكُمْ فَمنْ كانَ أخوهُ تحْتَ يَدهِ فلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ ولْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهمْ مَا يَغْلِبُهم فإنْ كلَّفْتُموهُمْ مَا يَغْلِبُهُم فأعِينُوهُمْ.
(انْظُر الحَدِيث ٠٣ طرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وواصل هُوَ ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْكُوفِي، والمعرور، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الأولى: وَهُوَ من كبار التَّابِعين، يُقَال: عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب الْمعاصِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن وَاصل ... إِلَى آخِره وَفِيه زِيَادَة، وَهِي قَوْله: إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.، ولنذكر بعض شَيْء.
قَوْله: (حلَّة) ، هِيَ وَاحِدَة الْحلَل، وَهِي برود، الْيمن، وَلَا تسمى حلَّة إلَاّ أَن تكون ثَوْبَيْنِ من جنس وَاحِد. قَوْله: (ساببت رجلا) قيل: هُوَ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أعيرته؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (إِن إخْوَانكُمْ) ، المُرَاد إخْوَة الْإِسْلَام وَالنّسب، لِأَن النَّاس كلهم بَنو آدم، عَلَيْهِ السَّلَام. قَوْله: (خولكم) ، أَي: حشمكم وخدمكم، وَوَاحِد الخول: خائل، وَقد يكون وَاحِدًا، وَيَقَع على العَبْد وَالْأمة وَهُوَ مَأْخُوذ من التخويل، وَهُوَ التَّمْلِيك، وَقيل: من الرِّعَايَة. قَوْله: (تَحت يَده) ، أَي: ملكه، وَإِن كَانَ العَبْد محترفاً فَلَا وجوب على السَّيِّد. قَوْله: (فليطعمه) ، أَمر ندب، وَكَذَلِكَ (وليلبسه) وَقيل: لمَالِك، رَحمَه الله: أيأكل من طَعَام لَا يَأْكُل مِنْهُ عِيَاله ورقيقه، ويلبس ثيابًا لَا يلبسُونَ؟ قَالَ: أرَاهُ من ذَلِك فِي سَعَة. قيل لَهُ: فَحَدِيث أبي ذَر؟ قَالَ: كَانُوا يَوْمئِذٍ لَيْسَ لَهُم هَذَا الْقُوت. قَوْله: (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ) ، أَي: لَا تُكَلِّفُوهُمْ على عمل يَغْلِبهُمْ عَن إِقَامَته، وَهَذَا وَاجِب، وَكَانَ عمر بن الْخطاب