«جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٤٢

الحديث رقم ٢٧٤٢ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن…

«جَاءَ النَّبِيُّ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ ابْنَ عَفْرَاءَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ قَالَ: لَا. قُلْتُ: الثُّلُثُ قَالَ: فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ وَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ.»

سند حديث: ٢٧٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا…

٢٧٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن…

مرض سعد بن أبي وقاص -رضى الله عنه- في حجة الوداع مرضًا شديدًا خاف من شدته الموت، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم كعادته في تفقد أصحابه ومواساته إياهم، فذكر سعد للنبي صلى الله عليه وسلم من الدواعي، ما يعتقد أنها تسوغ له التصدق بالكثير من ماله، فقال: يا رسول الله، إنني قد اشتد بي الوجع الذي أخاف منه الموت، وإني صاحب مال كثير، وإنه ليس من الورثة الضعفاء الذين أخشى عليهم العيلة والضياع إلا ابنة واحدة، فبعد هذا هل أتصدق بثلثي مالي، لأقدمه لصالح عملي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا. قال: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا. قال: فالثلث؟ فقال: لا مانع من التصدق بالثلث مع أنه كثير. فالنزول إلى ما دونه من الربع والخمس أفضل. ثم بين له النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة في النزول في الصدقة من أكثر المال إلى أقله بأمرين:
1- وهو أنه إن مات وقد ترك ورثته أغنياء منتفعين ببره وماله فذلك خير من أن يخرجه منهم إلى غيرهم، ويدعهم يعيشون على إحسان الناس.
2- وإما أن يبقى ويجد ماله، فينفقه في طرقه الشرعية، ويحتسب الأجر عند الله فيؤجر على ذلك، حتى في أوجب النفقات عليه وهو ما يطعمه زوجه.
ثم خاف سعد بن أبي وقاص أن يموت بمكة التي هاجر منها وتركها لوجه الله تعالى، فينقص ذلك من ثواب هجرته، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يخلف قهرا في البلد التي هاجر منها، فيعمل فيه عملا ابتغاء ثواب الله إلا ازداد به درجة، ثم بشره صلى الله عليه وسلم بما يدل على أنه سيبرأ من مرضه، وينفع الله به المؤمنين، ويضر به الكافرين، فكان كما أخبر الصادق المصدوق، فقد بريء من مرضه، وصار القائد الأعلى في حرب الفرس، فنفع الله به الإسلام والمسلمين، وفتح الفتوح وضر به الله الشرك والمشركين، ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعموم أصحابه أن يحقق لهم درجتهم، وأن يقبلها منهم، وألا يردهم عن دينهم أو إلى البلاد التي هاجروا منها، فقبل الله منه ذلك، وله الحمد والمنة، والحمد لله الذي أعز بهم الإسلام.
ثم ذكر سعد بن خولة، وهو من المهاجرين الذين هاجروا من مكة ولكن الله قدر أن يموت فيها؛ فمات فيها، فرثى له النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ أي: توجع له أن مات بمكة؛ وقد كانوا يكرهون للمهاجر أن يموت في الأرض التي هاجر منها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب عيادة المريض، وتتأكد لمن له حق من قريب وصديق ونحوهما.
  • جواز إخبار المريض بمرضه، وبيان شدته إذا لم يقصد التشكي والسخط، وينبغي ذكره للفائدة، كطبيب يعينه على تشخيص مرضه أو مسعف يتسبب له العلاج.
  • استشارة العلماء واستفتاؤهم في سائر أموره.
  • إباحة جمع المال إذا كان من طرقه المشروعة.
  • استحباب الوصية وأن تكون بالثلث من المال فأقل ولو ممن هو صاحب مال كثير.
  • الأفضل أن يكون بأقل من الثلث ، وذلك لحق الورثة.
  • أن إبقاء المال للورثة -مع حاجتهم إليه- أحسن من التصدق به على البعداء لكون الوارث أولى ببره من غيره.
  • أن النفقة على الأولاد والزوجة عبادة جليلة مع النية الحسنة.
  • أن من هاجر من بلد لوجه الله تعالى ولإعلاء كلمته، فلا يرجع إليها للإقامة، فإن أقام بغير قصده، فلا حرج عليه.
  • في الحديث معجزة النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث أشار إلى أن سعدا سيبرأ من مرضه وينتفع به أناس، ويضر آخرون، فكان كما قال، حيث فتح بلاد فارس وعز به المسلمون، وانضر به المشركون، الذين ماتوا على شركهم.
  • أن الله كمل للصحابة هجرتهم من مكة إلى المدينة، بسبب عزمهم الصادق، ودعوات النبي -صلى الله عليه وسلم- المباركات.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ. وَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ أَرْسَالًا بِغَيْرِ إِمَامٍ وَمِنْ أَكَاذِيبِ الرَّافِضَةِ مَا رَوَاهُ كَثِيرُ بْنُ يَحْيَى وَهُوَ مِنْ كِبَارِهِمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنِ الْأَجْلَحِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ فَذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً فِيهَا - فَدَخَلَ عَلِيٌّ فَقَامَتْ عَائِشَةُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِأَلْفِ بَابٍ مِمَّا يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَفْتَحُ كُلُّ بَابٍ مِنْهَا أَلْفَ بَابٍ وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى مَوْصُولَةٌ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ وَاهٍ. وَقَوْلُهَا: انْخَنَثَ بِالنُّونِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ نُونٍ مُثَلَّثَةٍ أَيِ انْثَنَى وَمَالَ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِهِ فِي بَابِ الْوَفَاةِ مِنْ آخِرِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢ - بَاب أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ

٢٧٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ يَعُودُنِي، وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ) هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ فَتَرْجَمَ بِهِ. وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْمَالِ إِلَّا الْقَلِيلُ لَمْ تُنْدَبْ لَهُ الْوَصِيَّةُ كَمَا مَضَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَامِرُ بْنُ سَعْدٍ شَيْخُهُ هُوَ خَالُهُ؛ لِأَنَّ أُمَّ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ هِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعْدٌ، وَعَامِرٌ زُهْرِيَّانِ مَدَنِيَّانِ تَابِعِيَّانِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مِسْعَرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ سَعْدٍ قَالَ: مَرِضَ سَعْدٌ وَقَدْ حَفِظَ سُفْيَانُ اسْمَهُ وَوَصَلَهُ فَرِوَايَتُهُ مُقَدَّمَةٌ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَامِرٍ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ وَتَقَدَّمَ سِيَاقُ حَدِيثِهِ فِي الْجَنَائِزِ، وَيَأْتِي فِي الْهِجْرَةِ وَغَيْرِهَا، وَرَوَاهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ جَمَاعَةٌ غَيْرُ ابْنِهِ عَامِرٍ كَمَا سَأُشِيرُ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ النَّبِيُّ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ) زَادَ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي وَلَهُ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، إِلَّا ابْنَ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: فِي فَتْحِ مَكَّةَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْفَرَائِضِ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ: بِمَكَّةَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْفَتْحَ، وَقَدْ وَجَدْتُ لِابْنِ عُيَيْنَةَ مُسْتَنَدًا فِيهِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْقَارِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدِمَ فَخَلَّفَ سَعْدًا مَرِيضًا حَيْثُ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ، فَلَمَّا قَدِمَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ مُعْتَمِرًا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَغْلُوبٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا، وَإِنِّي أُورَثُ كَلَالَةً، أَفَأُوصِي بِمَالِي الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَيِّتٌ أَنَا بِالدَّارِ الَّذِي خَرَجْتُ مِنْهَا مُهَاجِرًا؟ قَالَ: لَا، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَرْفَعَكَ اللَّهُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ

الْحَدِيثَ. فَلَعَلَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنْ حَدِيثٍ إِلَى حَدِيثٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَامَ الْفَتْحِ وَمَرَّةً عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَفِي الْأُولَى لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنَ الْأَوْلَادِ أَصْلًا، وَفِي الثَّانِيَةِ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَقَطْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ أَوْ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُحْتَمَلٌ، لِأَنَّ كُلًّا مِنَ النَّبِيِّ وَمِنْ سَعْدٍ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ وَهُوَ سَعْدٌ فَفِيهِ الْتِفَاتٌ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: وَأَنَا أَكْرَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ بِلَفْظِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ على عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ مَاتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمُوتُ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا؟ قَالَ: لَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِكَرَاهَةِ الْمَوْتِ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا فِي كِتَابِ الْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ) كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ. فَقَالَ النَّبِيُّ : يَرْحَمُ اللَّهُ سَعْدَ ابْنَ عَفْرَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: ابْنُ عَفْرَاءَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَقَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: هُوَ وَهَمٌ، وَالْمَعْرُوفُ ابْنُ خَوْلَةَ قَالَ: وَلَعَلَّ الْوَهَمُ مِنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ أَحْفَظُ مِنْهُ، وَقَالَ فِيهِ: سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ بِلَفْظِ لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرْتُ آنِفًا مَنْ وَافَقَ الزُّهْرِيَّ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَغَازِي وَذَكَرُوا أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَاتَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي اسْمِهِ خَوْلِيٌّ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى سُكُونِ الْوَاوِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَحَكَى عَنِ الْقَابِسِيِّ فَتْحَهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الْفَرَائِضِ قَالَ سُفْيَانُ، وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ اهـ.

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ ثُمَّ لِأَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مِنْهُمْ، وَقِيلَ كَانَ مِنَ الْفُرْسِ الَّذِينَ نَزَلُوا الْيَمَنَ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ خَبَرِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَدِيثِ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ، وَيَأْتِي شَرْحُ حَدِيثِ سُبَيْعَةَ فِي كِتَابِ الْعَدَدِ مِنْ آخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَجَزَمَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي تَارِيخِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ بِأَنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ مَاتَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ مَاتَ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ مَعَ قُرَيْشٍ سَنَةَ سَبْعٍ، وَجَوَّزَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْخِصَالِ الْكَاتِبُ الْمَشْهُورُ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِابْنِ عَفْرَاءَ عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مُعَاذٍ، وَمُعَوِّذٍ أَوْلَادِ عَفْرَاءَ وَهِيَ أُمُّهُمْ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِهِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ مَا يُضْحِكُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ؟ قَالَ: أَنْ يَغْمِسَ يَدَهُ فِي الْعَدُوِّ حَاسِرًا، فَأَلْقَى الدِّرْعَ الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ قَالَ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا رَأَى اشْتِيَاقَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لِلْمَوْتِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى يَلِيَ الْوِلَايَاتِ ذَكَرَ ابْنَ عَفْرَاءَ وَحُبَّهُ لِلْمَوْتِ وَرَغْبَتَهُ فِي الشَّهَادَةِ كَمَا يُذْكَرُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ، فَذَكَرَ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّةَ وَهِيَ دَارُ هِجْرَتِهِ، وَذَكَرَ ابْنَ عَفْرَاءَ مُسْتَحْسِنًا لِمِيتَتِهِ اهـ مُلَخَّصًا.

وَهُوَ مَرْدُودٌ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى قَوْلِهِ: سَعْدُ ابْنُ عَفْرَاءَ فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ عَوْفًا وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ رَاغِبًا فِي الْمَوْتِ، بَلْ فِي بَعْضِهَا عَكْسُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ: بَكَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَيْضًا فَمَخْرَجُ الْحَدِيثِ مُتَّحِدٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، فَالِاحْتِمَالُ بَعِيدٌ لَوْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ عَوْفُ ابْنُ عَفْرَاءَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ التَّيْمِيُّ:

يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأُمِّهِ اسْمَانِ خَوْلَةُ وَعَفْرَاءُ اهـ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا اسْمًا وَالْآخَرُ لَقَبًا أَوْ أَحَدُهُمَا اسْمَ أُمِّهِ وَالْآخَرُ اسْمَ أَبِيهِ أَوْ وَالْآخَرُ اسْمَ جَدَّةٍ لَهُ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ عَفْرَاءَ اسْمُ أُمِّهِ وَالْآخَرَ اسْمُ أَبِيهِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّهُ خَوْلَةُ أَوْ خَوْلَى، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَتِهِ يَرْثِي لَهُ إِلَخْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ: يَرْثِي إِلَخْ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ: هُوَ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ.

قُلْتُ: وَكَأَنَّهُمُ اسْتَنَدُوا إِلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُ فَصَّلَ ذَلِكَ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فِي آخِرِهِ لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، قَالَ سَعْدٌ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَخْ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي وَصْلِهِ فَلَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِإِدْرَاجِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا فِي الطِّبِّ مِنَ الزِّيَادَةِ: ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي ثُمَّ مَسَحَ وَجْهِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَجِدُ بَرْدَهَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورَةِ قُلْتُ: فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَنِي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ) فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا فِي الطِّبِّ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، فَأَمَّا التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: أَفَأَتَصَدَّقُ فَيَحْتَمِلُ التَّنْجِيزَ وَالتَّعْلِيقَ بِخِلَافِ أَفَأُوصِي لَكِنَّ الْمَخْرَجَ مُتَّحِدٌ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعْلِيقِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ: أَتَصَدَّقُ مَنْ جَعَلَ تَبَرُّعَاتِ الْمَرِيضِ مِنَ الثُّلُثِ، وَحَمَلُوهُ عَلَى الْمُنَجَّزَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا بَيَّنْتُهُ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي السُّؤَالِ فَكَأَنَّهُ سَأَلَ أَوَّلًا عَنِ الْكُلِّ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ النِّصْفِ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ الثُّلُثِ، وَقَدْ وَقَعَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، وَكَذَا لَهُمَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قُلْتُ فَالشَّطْرُ هُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: بِمَالِي كُلِّهِ أَيْ فَأُوصِي بِالنِّصْفِ، وَهَذَا رَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أَيْ أُسَمِّي الشَّطْرَ أَوْ أُعَيِّنُ الشَّطْرَ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ أَيَجُوزُ الشَّطْرُ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ: الثُّلُثَ؟ قَالَ: فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي الْهِجْرَةِ قَالَ: الثُّلُثُ يَا سَعْدُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ وَفِي رِوَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قُلْتُ فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمَيِّ، عَنْ سَعْدٍ وَفِيهِ: فَقَالَ: أَوْصَيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْتُ: بِمَالِي كُلِّهِ. قَالَ: فَمَا تَرَكْتَ لِوَلَدِكَ؟ وَفِيهِ أَوْصِ بِالْعُشْرِ، قَالَ: فَمَا زَالَ يَقُولُ وَأَقُولُ، حَتَّى قَالَ: أَوْصِ بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ يَعْنِي بِالْمُثَلَّثَةِ أَوْ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَالْمَحْفُوظُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَمَعْنَاهُ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دُونَهُ، وَسَأَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، وَقَوْلُهُ: قَالَ: الثُّلُثَ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ بِنَصْبِ الْأَوَّلِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ نَحْوِ عَيِّنِ الثُّلُثَ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوِ الْمُبْتَدَأُ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ يَكْفِيكَ الثُّلُثُ أَوِ الثُّلُثُ كَافٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَهُ: وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ مَسُوقًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ بِالثُّلُثِ وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَنْقُصَ عَنْهُ وَلَا يَزِيدَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يَبْتَدِرُهُ الْفَهْمُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ أَنَّ التَّصَدُّقَ بِالثُّلُثِ هُوَ الْأَكْمَلُ أَيْ كَثِيرٌ أَجْرُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: كَثِيرٌ غَيْرُ قَلِيلٍ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا أَوْلَى مَعَانِيهِ يَعْنِي أَنَّ الْكَثْرَةَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ عَوَّلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ) بِفَتْحِ أَنْ عَلَى التَّعْلِيلِ، وَبِكَسْرِهَا عَلَى الشَّرْطِيَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هُمَا

صَحِيحَانِ صُورِيَّانِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا مَعْنَى لِلشَّرْطِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَا جَوَابَ لَهُ وَيَبْقَى خَيْرٌ لَا رَافِعَ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: سَمِعْنَاهُ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ بِالْكَسْرِ، وَأَنْكَرَهُ شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ - يَعْنِي ابْنَ الْخَشَّابِ - وَقَالَ: لَا يَجُوزُ الْكَسْرُ لِأَنَّهُ لَا جَوَابَ لَهُ لِخُلُوِّ لَفْظِ خَيْرٍ مِنَ الْفَاءِ وَغَيْرِهَا مِمَّا اشْتُرِطَ فِي الْجَوَابِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَقْدِيرِهِ وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: جَزَاءُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: خَيْرٌ أَيْ فَهُوَ خَيْرٌ، وحَذْفُ الْفَاءِ جَائِزٌ وَهُوَ كَقِرَاءَةِ طَاوُسٍ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ أَصْلِحْ لَهُمْ خَيْرٌ قَالَ: وَمَنْ خَصَّ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ بَعُدَ عَنِ التَّحْقِيقِ، وَضَيَّقَ حَيْثُ لَا تَضيقَ، لِأَنَّهُ كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ قَلِيلٌ فِي غَيْرِهِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي الشِّعْرِ فِيمَا أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ:

مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا

أَيْ فَاللَّهُ يَشْكُرُهَا، وَإِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالشِّعْرِ قَالَ: وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ اللُّقَطَةِ: فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا بِحَذْفِ الْفَاءِ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ: الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ.

قَوْلُهُ: (وَرَثَتَكَ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا عَبَّرَ لَهُ بِلَفْظِ الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَنْ تَدَعَ بِنْتَكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ لِكَوْنِ الْوَارِثِ حِينَئِذٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ، لِأَنَّ سَعْدًا إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَوْتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ وَبَقَائِهَا بَعْدَهُ حَتَّى تَرِثَهُ، وَكَانَ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ تَمُوتَ هِيَ قَبْلَهُ فَأَجَابَ بِكَلَامٍ كُلِّيٍّ مُطَابِقٍ لِكُلِّ حَالَةٍ وَهو قَوْلُهُ: وَرَثَتَكَ وَلَمْ يَخُصَّ بِنْتًا مِنْ غَيْرِهَا، وَقَالَ الْفَاكِهِيُّ شَارِحُ الْعُمْدَةِ: إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ سَعْدًا سَيَعِيشُ وَيَأْتِيهِ أَوْلَادٌ غَيْرُ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ فَكَانَ كَذَلِكَ، وَوُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ بَنِينَ وَلَا أَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَ بِذَلِكَ.

قُلْتُ: وَلَيْسَ قَوْلُهُ: أَنْ تَدَعَ بِنْتَكَ مُتَعَيِّنًا لِأَنَّ مِيرَاثَهُ لَمْ يَكُنْ مُنْحَصِرًا فِيهَا، فَقَدْ كَانَ لِأَخِيهِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَوْلَادٌ إِذْ ذَاكَ، مِنْهُمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ الصَّحَابِيُّ الَّذِي قُتِلَ بِصِفِّينَ وَسَأَذْكُرُ بَسْطَ ذَلِكَ، فَجَازَ التَّعْبِيرُ بِالْوَرَثَةِ لِتَدْخُلَ الْبِنْتُ وَغَيْرُهَا مِمَّنْ يَرِثُ لَوْ وَقَعَ مَوْتُهُ إِذْ ذَاكَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ. وأَمَّا قَوْلُ الْفَاكِهِيِّ: إِنَّهُ وُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ بَنِينَ، وَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ فَفِيهِ قُصُورٌ شَدِيدٌ، فَإِنَّ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَامِرٍ، وَمُصْعَبٍ وَمُحَمَّدٍ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعْدٍ وَوَقَعَ ذِكْرُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ فِيهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَمَّا وَقَعَ ذِكْرُ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ اقْتَصَرَ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى ذِكْرِ الثَّلَاثَةِ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ شُيُوخِنَا تَعَقُّبٌ عَلَيْهِ بِأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةً مِنَ الذُّكُورِ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ، وَهُمْ عُمَرُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَيَحْيَى، وَإِسْحَاقُ، وَعَزَا ذِكْرَهُمْ لِابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِ، وَفَاتَهُ أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ ذَكَرَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ غَيْرَ السَّبْعَةِ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعَمْرٌو، وَعِمْرَانُ، وَصَالِحٌ، وَعُثْمَانُ، وَإِسْحَاقُ الْأَصْغَرُ، وَعُمَرُ الْأَصْغَرُ، وَعُمَيْرٌ مُصَغَّرًا وَغَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ لَهُ مِنَ الْبَنَاتِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بِنْتًا. وَكَأَنَّ ابْنَ الْمَدِينِيِّ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَالَةً) أَيْ فُقَرَاءَ وَهُوَ جَمْعُ عَالٍ وَهُوَ الْفَقِيرُ وَالْفِعْلُ مِنْهُ يَعِيلُ إِذَا افْتَقَرَ.

قَوْلُهُ: (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) أَيْ يَسْأَلُونَ النَّاسَ بِأَكُفِّهِمْ، يُقَالُ تَكَفَّفَ النَّاسَ وَاسْتَكَفَّ إِذَا بَسَطَ كَفَّهُ لِلسُّؤَالِ، أَوْ سَأَلَ مَا يَكُفُّ عَنْهُ الْجُوعَ، أَوْ سَأَلَ كَفًّا كَفًّا مِنْ طَعَامٍ.

وَقَوْلُهُ: فِي أَيْدِيهِمْ أَيْ بِأَيْدِيهِمْ أَوْ سَأَلُوا بِأَكُفِّهِمْ وَضْعَ الْمَسْئُولِ فِي أَيْدِيهِمْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: وَأَنَا ذُو مَالٍ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ فِي الطِّبِّ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُؤْذِنُ بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَذُو الْمَالِ إِذَا تَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ أَوْ بِشَطْرِهِ وَأَبْقَى ثُلُثَهُ بَيْنَ ابْنَتِهِ وَغَيْرِهَا لَا يَصِيرُونَ عَالَةً، لَكِنَّ الْجَوَابَ أَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ عَلَى التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْمَالِ الْكَثِيرِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ، وَإِلَّا فَلَوْ تَصَدَّقَ الْمَرِيضُ بِثُلُثَيْهِ مَثَلًا ثُمَّ طَالَتْ حَيَاتُهُ وَنَقَصَ وَفَنِيَ الْمَالُ فَقَدْ تُجْحِفُ الْوَصِيَّةُ بِالْوَرَثَةِ، فَرَدَّ الشَّارِعُ الْأَمْرَ إِلَى شَيْءٍ مُعْتَدِلٍ وَهُوَ الثُّلُثُ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَهُوَ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الْوَصِيَّةِ

بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَا تَفْعَلْ لِأَنَّكَ إِنْ مُتَّ تَرَكْتَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ وَإِنْ عِشْتَ تَصَدَّقْتَ وَأَنْفَقْتَ فَالْأَجْرُ حَاصِلٌ لَكَ فِي الْحَالَيْنِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ كَذَا أَطْلَقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا مُقَيَّدَةً بِابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ، وَعَلَّقَ حُصُولَ الْأَجْرِ بِذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أَجْرَ الْوَاجِبِ يَزْدَادُ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الزَّوْجَةِ وَاجِبٌ، وَفِي فِعْلِهِ الْأَجْرَ، فَإِذَا نَوَى بِهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ازْدَادَ أَجْرُهُ بِذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: وَنَبَّهَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى اللُّقْمَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى نَفَقَةٍ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَتَجْعَلُهَا الْخَبَرُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلَخْ بِقِصَّةِ الْوَصِيَّةِ أَنَّ سُؤَالَ سَعْدٍ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ رَغِبَ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْرِ، فَلَمَّا مَنَعَهُ الشَّارِعُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ قَالَ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ: إِنَّ جَمِيعَ مَا تَفْعَلُهُ فِي مَالِكَ مِنْ صَدَقَةٍ نَاجِزَةٍ وَمِنْ نَفَقَةٍ وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً تُؤْجَرُ بِهَا إِذَا ابْتَغَيْتَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَعَلَّهُ خَصَّ الْمَرْأَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا مُسْتَمِرَّةٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ أَنَّ الثَّوَابَ فِي الْإِنْفَاقِ مَشْرُوطٌ بِصِحَّةِ النِّيَّةِ وَابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ، وَهَذَا عُسْرٌ إِذَا عَارَضَهُ مُقْتَضَى الشَّهْوَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُحَصِّلُ الْغَرَضَ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى يَبْتَغِيَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، وَسَبَقَ تَخْلِيصُ هَذَا الْمَقْصُودِ مِمَّا يَشُوبُهُ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَاتِ إِذَا أُدِّيَتْ عَلَى قَصْدِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ أُثِيبَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ لَا تَخْصِيصَ لَهُ بِغَيْرِ الْوَاجِبِ وَلَفْظَةُ حَتَّى هُنَا تَقْتَضِي الْمُبَالَغَةَ فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْأَجْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى، كَمَا يُقَالُ جَاءَ الْحَاجُّ حَتَّى الْمُشَاةُ.

قَوْلُهُ: (وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ) أَيْ يُطِيلَ عُمْرَكَ، وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ، فَإِنَّهُ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ أَزِيدَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَلْ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ، لِأَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، فَيَكُونُ عَاشَ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ أَوْ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ.

قَوْلُهُ: (فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) أَيْ يَنْتَفِعَ بِكَ الْمُسْلِمُونَ بِالْغَنَائِمِ مِمَّا سَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ، وَيُضَرَّ بِكَ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَهْلِكُونَ عَلَى يَدَيْكَ. وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْعِ بِهِ مَا وَق عَ مِنَ الْفُتُوحِ عَلَى يَدَيْهِ كَالْقَادِسِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَبِالضَّرَرِ مَا وَقَعَ مِنْ تَأْمِيرِ وَلَدِهِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ، وَهُوَ كَلَامٌ مَرْدُودٌ لِتَكَلُّفِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ تَحْمِلُ عَلَى إِرَادَةِ الضَّرَرِ الصَّادِرِ مِنْ وَلَدِهِ، وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ هُوَ الضَّرَرُ الْمَذْكُورُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُفَّارِ.

وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ هَذَا فَقَالَ: لَمَّا أُمِّرَ سَعْدٌ عَلَى الْعِرَاقِ أُتِيَ بِقَوْمٍ ارْتَدُّوا فَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابَ بَعْضُهُمْ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ فَقَتَلَهُمْ، فَانْتَفَعَ بِهِ مَنْ تَابَ وَحَصَلَ الضَّرَرُ لِلْآخَرِينَ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَعَلَّ وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّرَجِّي لَكِنَّهَا مِنَ اللَّهِ لِلْأَمْرِ الْوَاقِعِ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَرَدَتْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ غَالِبًا.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ) فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ وَنَحْوِهِ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: مَعْنَاهُ لَا يَرِثُنِي مِنَ الْوَلَدِ أَوْ مِنْ خَوَاصِّ الْوَرَثَةِ أَوْ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ لِسَعْدٍ عَصَبَاتٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَكَانُوا كَثِيرًا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَرِثُنِي مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، أَوْ خَصَّهَا بِالذِّكْرِ عَلَى تَقْدِيرِ لَا يَرِثُنِي مِمَّنْ أَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ وَالْعَجْزَ إِلَّا هِيَ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ، أَوِ اسْتَكْثَرَ لَهَا نِصْفَ التَّرِكَةِ. وَهَذِهِ الْبِنْتُ زَعَمَ بَعْضُ مِنْ أَدْرَكْنَاهُ أَنَّ اسْمَهَا عَائِشَةُ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهِيَ غَيْرُ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ الَّتِي رَوَتْ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَفِي الطِّبِّ، وَهِيَ تَابِعِيَّةٌ عَمَّرَتْ حَتَّى أَدْرَكَهَا مَالِكٌ وَرَوَى عَنْهَا وَمَاتَتْ سَنَةَ مَائَةٍ وسَبْعِ عَشْرَةَ،

لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ النَّسَّابِينَ لِسَعْدٍ بِنْتًا تُسَمَّى عَائِشَةَ غَيْرَ هَذِهِ، وَذَكَرُوا أَنَّ أَكْبَرَ بَنَاتِهِ أُمُّ الْحَكَمِ الْكُبْرَى، وَأُمُّهَا بِنْتُ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، وَذَكَرُوا لَهُ بَنَاتٍ أُخْرَى أُمَّهَاتُهُنَّ مُتَأَخِّرَاتُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبِنْتَ الْمُشَارَ إِلَيْهَا هِيَ أُمُّ الْحَكَمِ الْمَذْكُورَةُ لِتَقَدُّمِ تَزْوِيجِ سَعْدٍ بِأُمِّهَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ حَرَّرَ ذَلِكَ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مَشْرُوعِيَّةُ زِيَارَةِ الْمَرِيضِ لِلْإِمَامِ فَمَنْ دُونَهُ، وَتَتَأَكَّدُ بِاشْتِدَادِ الْمَرَضِ، وَفِيهِ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى جَبْهَةِ الْمَرِيضِ وَمَسْحُ وَجْهِهِ وَمَسْحُ الْعُضْوِ الَّذِي يُؤْلِمُهُ وَالْفَسْحُ لَهُ فِي طُولِ الْعُمْرِ، وَجَوَازُ إِخْبَارِ الْمَرِيضِ بِشِدَّةِ مَرَضِهِ وَقُوَّةِ أَلَمِهِ إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِمَّا يُمْنَعُ أَوْ يُكْرَهُ مِنَ التَّبَرُّمِ وَعَدَمِ الرِّضَا، بَلْ حَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ لِطَلَبِ دُعَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ، وَرُبَّمَا اسْتُحِبَّ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الِاتِّصَافَ بِالصَّبْرِ الْمَحْمُودِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْمَرَضِ كَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ بَعْدَ الْبُرْءِ أَجْوَزُ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ وَالطَّاعَةِ إِذَا كَانَ مِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ قَامَ غَيْرُهُ فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ مَقَامَهُ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا خَافَ أَنْ يَمُوتَ بِالدَّارِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا فَيَفُوتُ عَلَيْهِ بَعْضُ أَجْرِ هِجْرَتِهِ، فَأَخْبَرَهُ النبي بِأَنَّهُ إِنْ تَخَلَّفَ عَنْ دَارِ هِجْرَتِهِ فَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا مِنْ حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ بِهِ أَجْرٌ يُعَوِّضُ مَا فَاتَهُ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى، وَفِيهِ إِبَاحَةُ جَمْعِ الْمَالِ بِشَرْطِهِ لِأَنَّ التَّنْوِينَ فِي قَوْلِهِ: وَأَنَا ذُو مَالٍ لِلْكَثْرَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ صَرِيحًا وَأَنَا ذُو مَالٍ كَثِيرٍ وَالْحَثُّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ، وَأَنَّ صِلَةَ الْأَقْرَبِ أَفْضَلُ مِنْ صِلَةِ الْأَبْعَدِ، وَالْإِنْفَاقُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ إِذَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ صَارَ طَاعَةً ; وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِأَقَلِّ الْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْعَادِيَّةِ وَهُوَ وَضْعُ اللُّقْمَةِ فِي فَمِ

الزَّوْجَةِ؛ إِذْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ غَالِبًا إِلَّا عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ وَالْمُمَازَحَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَيُؤْجَرُ فَاعِلُهُ إِذَا قَصَدَ بِهِ قَصْدًا صَحِيحًا، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ فَوْقَ ذَلِكَ.

وَفِيهِ مَنْعُ نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا لَأَمَرَ بِنَقْلِ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَبِأَنَّ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِقَوْلِهِ : أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ لَا يُبَالِي بِالْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ وَرَثَةً يَخْشَى عَلَيْهِمُ الْفَقْرَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيلًا مَحْضًا وَإِنَّمَا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْأَحَظِّ الْأَنْفَعِ، وَلَوْ كَانَ تَعْلِيلًا مَحْضًا لَاقْتَضَى جَوَازَ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ كَانَتْ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءَ، وَلَنَفَذَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إِجَازَتِهِمْ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا مَحْضًا فَهُوَ لِلنَّقْصِ عَنِ الثُّلُثِ لَا لِلزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا شُرِعَ الْإِيصَاءُ بِالثُّلُثِ وَأَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى الْمُوصِي إِلَّا أَنَّ الِانْحِطَاطَ عَنْهُ أَوْلَى، وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ يَتْرُكُ وَرَثَةً غَيْرَ أَغْنِيَاءَ، فَنَبَّهَ سَعْدًا عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ لِقَوْلِهِ : وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لِئَلَّا يَتَذَرَّعَ بِالْمَرَضِ أَحَدٌ لِأَجْلِ حُبِّ الْوَطَنِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.

وَفِيهِ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ فَأَطْلَقَ، وَقَيَّدَتِ السُّنَّةُ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ مُخْتَارًا، وَفِيهِ التَّأَسُّفُ عَلَى فَوْتِ مَا يُحَصِّلُ الثَّوَابَ، وَفِيهِ حَدِيثُ مَنْ سَاءَتْهُ سَيِّئَةٌ وَأَنَّ مَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ بَادَرَ إِلَى جَبْرِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهِ تَسْلِيَةُ مَنْ فَاتَهُ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ بِتَحْصِيلِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ لِمَا أَشَارَ لِسَعْدٍ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَفِيهِ جَوَازُ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ الْمَالِ لِمَنْ عُرِفَ بِالصَّبْرِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.

وَفِيهِ الِاسْتِفْسَارُ عَنِ الْمُحْتَمَلِ إِذَا احْتَمَلَ وُجُوهًا؛ لِأَنَّ سَعْدًا لَمَّا مُنِعَ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ احْتَمَلَ عِنْدَهُ الْمَنْعَ فِيمَا دُونَهُ وَالْجَوَازَ فَاسْتَفْسَرَ عَمَّا دُونَ ذَلِكَ.

وَفِيهِ النَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْوَرَثَةِ، وَأَنَّ خِطَابَ الشَّارِعِ لِلْوَاحِدِ يَعُمُّ مَنْ كَانَ بِصِفَتِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ لِإِطْبَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ سَعْدٍ هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ إِنَّمَا وَقَعَ لَهُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ، وَلَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بعض الأصول: «إن يترك» بكسر الهمزة على أنَّها شرطية، والجزاء محذوف تقديره: إن يترك ورثته أغنياء فهو خير (مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ).

٢٧٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ) خاله (عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين كالسَّابق (عَنْ) أبيه (سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ) أنَّه (قَالَ: جَاءَ (١) النَّبِيُّ ) حال كونه (يَعُودُنِي) زاد الزُّهريُّ في روايته في «الهجرة» [خ¦٤٤٠٩] من وجعٍ أشفيت منه على الموت (وَأَنَا بِمَكَّةَ) في حجة الوداع أو في (٢) الفتح أو في كلٍّ منهما (وَهْوَ) أي: النَّبيُّ أو سعدٌ (يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ ابْنَ عَفْرَاءَ) وفي رواية الزُّهريِّ عن عامرٍ في «الفرائض» [خ¦٦٧٣٣] لكن البائس سعد بن خولة. قال الدِّمياطيُّ: والزُّهريُّ أحفظ من سعد بن إبراهيم، فلعلَّه وهم في قوله: «ابن عفراء» ويحتمل أن يكون لأمه اسمان: خولة وعفراء، أو يكون أحدهما اسمًا والآخر لقبًا، أو أحدهما اسم أمِّه والآخر اسم أبيه. قال سعد بن أبي وقاص: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ) بالرَّفع لأبوي ذَرٍّ والوقت، أي: أفيجوز الشَّطر؟ وهو النِّصف، والجرِّ عطفًا على قوله: بمالي كلِّه، أي: فأوصي بالنِّصف؟ وقال الزَّمخشريُّ: هو بالنَّصب على تقدير فعلٍ، أي: أعيِّن النِّصف أو أسمِّي النِّصف (قَالَ: لَا. قُلْتُ: الثُّلُثَُِ) بالرَّفع والجرِّ والنَّصب، ولأبي ذَرٍّ: «فالثِّلثُِ» بالفاء والرَّفع والجرِّ (قَالَ) : (فَالثُّلُثَُِ) بالنَّصب على الإغراء، أو بالرَّفع على الفاعل، أي: يكفيك

الثُّلثُ أو على تقدير الابتداء والخبرُ محذوفٌ، أي: الثُّلث كافٍ أو العكس -وبالجرِّ- ولأبي ذَرٍّ: «قال: الثُّلث» بغير فاء (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) بالمثلَّثة بالنِّسبة إلى ما دونه، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون لبيان أنَّ التَّصدُّق بالثُّلث هو الأكمل، أي: كثيرٌ أجره (١)، ويحتمل أن يكون معناه: كثيرٌ غير قليلٍ. قال الشَّافعيُّ: وهذا أَولى معانيه، يعني: أنَّ الكثرة أمرٌ نسبيٌّ (إِنَّكَ) بالكسر على الاستئناف، وتُفتَح بتقدير حرف الجرِّ، أي: لأنَّك (أنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ) أي: بنته وأولاد أخيه عتبة بن أبي وقَّاص، منهم: هاشم بن عتبة الصَّحابيُّ، ولأبي ذَرٍّ: «أَنْ تدعَ أنت ورثتك» (أَغْنِيَاءَ) وهمزة «أَنْ تدعَ» مفتوحةٌ على التَّعليل (٢)، فمحلُّ «أن تدع» مرفوعٌ على الابتداء، أي: تَرْكُكَ أولادَكَ أغنياءَ، والجملة بأسرها خبرُ «أَنْ» وبكسرها على الشَّرطيَّة، وجزاء الشَّرط قوله: (خَيْرٌ) على تقدير: فهو خيرٌ، وحذفُ الفاء من الجزاء سائغٌ شائعٌ غير مختصٍّ (٣) بالضَّرورة، ومن ذلك قوله في حديث اللُّقطة: «فإن جاء صاحبها، وإلَّا استمتع بها» [خ¦٢٤٢٦] بحذف الفاء في أشباهٍ لذلك (٤) ومَن خصَّ هذا الحذف بضرورة الشِّعر فقد حاد عن التَّحقيق، وضيَّق حيث لا تضييق، كما قاله ابن مالك، ورُدَّ: بأنَّه يبقى الشَّرط بلا جزاء. وأُجِيب بأنَّه إذا صحَّت الرِّواية فلا التفات إلى مَن لم يجوِّز حذف الفاء من الجملة الاسمية، بل هو دليلٌ عليه. قال ابن مالكٍ: الأصل إن تركت ورثتك أغنياء فهو خير، فحذفَ الفاء والمبتدأ، ونظيره قوله: «فإن جاء صاحبها وإلَّا استمتع بها» (٥)، وذلك ممَّا زعم النَّحويون أنَّه مخصوصٌ

بالضَّرورة وليس مخصوصًا بها (١)، بل يكثر استعماله في الشِّعر ويقلُّ في غيره، ومن خصَّ هذا الحذف بالشِّعر (٢) حاد عن التَّحقيق، وضيَّق (٣) حيث لا تضييق (٤). انتهى. (مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً) بتخفيف اللَّام، فقراء (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يسألونهم بأكفِّهم بأن يبسطوها للسُّؤال، أو يسألون ما يكفُّ عنهم الجوع (فِي أَيْدِيهِمْ) أي: بأيديهم، أو يسألون (٥) بأكفِّهم، وضع المسؤول في أيديهم (وَإِنَّكَ مَهْمَا) عطفٌ على «إنَّك (٦) أن تدع، أي: وإنَّك إن عشت فمهما (أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ) ابتغاء وجه الله (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ) فالأجر حاصلٌ لك حيًّا وميِّتًا، وأجر الواجب يزداد بالنِّية، فافهم (حَتَّى اللُّقْمَةَُِ) بالجرِّ على أنَّ «حتَّى» جارَّة، وبالرَّفع لأبي ذَرٍّ على كونها ابتدائيَّةً، والخبرُ (تَرْفَعُهَا) وبالنَّصب. قال في «فتح الباري»: عطفًا على «نفقة»، والظَّاهر أنَّه سقط من نسخته حرف الجرِّ، أو مراده العطف على الموضع، ولغير أبي ذرٍّ «حتَّى اللقمة الَّتي ترفعها» (إِلَى فِي امْرَأَتِكَ) فمها (وَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْفَعَكَ) أي: يطيل عمرك، وقد حقَّق الله ذلك، فاتَّفقوا على أنَّه عاش بعد ذلك قريبًا من خمسين سنة (٧) (فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ) من المسلمين بالغنائم ممَّا سيفتح الله على يديك من بلاد الشِّرك (وَيُضَرَّ) مبنيٌّ (٨) للمفعول (بِكَ آخَرُونَ) من المشركين الَّذين يهلكون على يديك (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ) لابن أبي وقَّاصٍ (يَوْمَئِذٍ) وارثٌ من أرباب الفروض أو من الأولاد (إِلَّا ابْنَةٌ) واحدةٌ، قيل: اسمها: عائشة. وقال في «الفتح»: الظَّاهر أنَّها أمُّ الحَكَم الكبرى، وقال في «مقدمته» (٩): ووهم من قال: هي عائشة، لأنَّ عائشة أصغر أولاده، وعاشت إلى أن أدركها مالك بن أنسٍ، وقد كان لابن أبي وقَّاصٍ عدَّة أولاد، منهم: عمر وإبراهيم ويحيى وإسحاق وعبد الله وعبد الرَّحمن وعمران وصالح وعثمان، ومن البنات ثنتا (١٠) عشرة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ أَمر الْوَصِيَّة وإنكار عَائِشَة إِيَّاهَا، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن زُرَارَة، بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء الأولى: ابْن وَاقد الْكلابِي النَّيْسَابُورِي، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا وَإِسْمَاعِيل هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن علية، وَقد مر غير مرّة، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون، وَقد مر عَن قريب، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، والأوسود هُوَ ابْن يزِيد خَال إِبْرَاهِيم.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الْوَصَايَا عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن حميد بن مسْعدَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة وَفِي الْوَصَايَا عَن عَمْرو ابْن عَليّ وَفِي الْوَصَايَا أَيْضا عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجَنَائِز عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (ذكرُوا عِنْد عَائِشَة) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الشِّيعَة قد وضعُوا أَحَادِيث فِي أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوصى بالخلافة لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرد عَلَيْهِم جمَاعَة من الصَّحَابَة ذَلِك، وَكَذَا من بعدهمْ، فَمن ذَلِك مَا قالته عَائِشَة من إِنْكَار ذَلِك حَيْثُ قَالَت: (قد كنت مسندته) إِلَى آخِره. وَقيل: الَّذِي يظْهر أَنهم ذكرُوا عِنْدهَا أَنه أوصى لَهُ بالخلافة فِي مرض مَوته فَلذَلِك سَاغَ لَهَا إِنْكَار ذَلِك، وأسندت إِلَى ملازمتها لَهُ فِي مرض مَوته إِلَى أَن مَاتَ فِي حجرها فَلم يَقع شَيْء من ذَلِك، فَلذَلِك أنكرتها. فَإِن قلت: هَذَا لَا يَنْفِي وُقُوع ذَلِك قبل مرض مَوته؟ قلت: حَدِيث عَليّ الَّذِي مضى عَن قريب يرد وُقُوعه أصلا. قَوْله: (مسندته) ، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِسْنَاد. قَوْله: (حجري) ، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْحجر، بِالْفَتْح وَالْكَسْر: الثَّوْب والحضن، والمصدر بِالْفَتْح لَا غير. قَوْله: (انخنث) ، أَي: انثنى وَمَال إِلَى السُّقُوط، ومادته: خاء مُعْجمَة وَنون وثاء مُثَلّثَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: (انخنث) أَي: انْكَسَرَ وانثنى لاسترخاء أَعْضَائِهِ عِنْد الْمَوْت، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : انحنث السقاء وخنث إِذا مَال، وَمِنْه المخنث للينه وتكسر أَعْضَائِهِ.

٢ - (بابٌ أَن يَتْرُكَ ورَثَتَهُ أغْنِياءً خيْرٌ مِنْ أنْ يتَكَفَّفُوا النَّاسَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن يتْرك ... إِلَى آخِره، وَأخذ هَذِه التَّرْجَمَة من لفظ الحَدِيث مَعَ بعض تغير فِي اللَّفْظ، فَإِن لفظ الحَدِيث: (إِنَّك إِن تدع وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تَدعهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس) ، وَكلمَة: أَن، يجوز فِيهَا فتح الْهمزَة وَكسرهَا، فَفِي الْفَتْح يكون: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: بِأَن يتْرك، أَي: تَركه ورثته أَغْنِيَاء. فَقَوله أَن يتْرك فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء بالتقدير الْمَذْكُور، وَقَوله: خير، خَبره، وَفِي الْكسر تكون: إِن شَرْطِيَّة وجزاؤها مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن يتْرك ورثته أَغْنِيَاء فَهُوَ خير، وَقَالَ ابْن مَالك: من خص هَذَا الحكم بالشعر فقد ضيق الْوَاسِع، والتكفف بسط الْكَفّ للسؤال، أَو يسْأَل النَّاس كفافاً من الطَّعَام أَو مَا يكف الجوعة، أَو بِمَعْنى: يسْأَلُون بالكف.

٢٤٧٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ عامِرِ بنِ سَعدٍ عنْ سَعْدِ ابنِ أبِي وقَّاصٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ جاءَ النبيُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعُودُنِي وأنَا بِمَكَّةَ وهْوَ يَكْرَهُ أنْ يَمُوتَ بالأرْضِ الَّتِي هاجَرَ مِنْهَا قَالَ يَرْحَمُ الله ابنَ عَفْرَاءَ قُلْتُ يَا رسولَ الله أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ لَا قُلْتُ فالشَّطْرِ قَالَ لَا قلْتُ الثُّلْثُ قَالَ فالثُّلْثِ والثُّلْثُ كَثيرٌ إنَّكَ أنْ تدَعَ ورَثَتَكَ أغْنِيَاءَ خيْرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عالَةً يَتكَفُّفُونَ النَّاسَ فِي أيْدِيهِمْ وإنَّكَ مَهْمَا أنْفَقْتَ مِنْ نَفَقةٍ فإنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأتِكَ وعَساى الله أنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسً ويُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إلَاّ ابْنةٌ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا مِنْهُ كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَسعد ابْن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وعامر بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: (بَاب رثاء النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سعد بن خَوْلَة) ، وَقد مضى بعض الْكَلَام فِيهِ، ولنتكلم أَيْضا زِيَادَة للفائدة.

قَوْله: (يعودنِي) ، جملَة وَقعت حَالا، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَأَنا بِمَكَّة) ، حَال، وَزَاد الزُّهْرِيّ فِي رِوَايَته فِي حجَّة الْوَدَاع: من

وجع اشْتَدَّ بِي، وَله فِي الْهِجْرَة: من وجع أشفيت مِنْهُ على الْمَوْت. وَاتفقَ أَصْحَاب الزُّهْرِيّ على أَن ذَلِك كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع إلَاّ ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: فِي فتح مَكَّة، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَغَيره من طَرِيقه وَاتفقَ الْحفاظ على أَنه وهم فِيهِ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي الْفَرَائِض من طَرِيقه، فَقَالَ: (بِمَكَّة) ، وَلم يذكر الْفَتْح، وَيُؤَيّد كَلَام ابْن عُيَيْنَة مَا رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ) وَابْن سعد من حَدِيث عَمْرو بن الْقَارِي: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قدم فخلف سَعْدا مَرِيضا حَيْثُ خرج إِلَى حنين، فَلَمَّا قدم من الْجِعِرَّانَة مُعْتَمِرًا دخل عَلَيْهِ وَهُوَ مغلوب، فَقَالَ: يَا رَسُول الله {إِن لي مَالا وَإِنِّي أورث كَلَالَة، أفأوصي بِمَا لي ... الحَدِيث، وَفِيه: قلت: يَا رَسُول الله} أميّت أَنا بِالدَّار الَّتِي خرجت مِنْهَا مُهَاجرا؟ قَالَ: إِنِّي لأرجو أَن يرفعك الله حَتَّى ينْتَفع بك أَقوام ... الحَدِيث. فَإِن قلت: بَين الرِّوَايَتَيْنِ فيهمَا مَا فِيهِ؟ قلت: يُمكن التَّوْفِيق بَينهمَا بِأَن يكون ذَلِك وَقع مرَّتَيْنِ: مرّة عَام الْفَتْح، وَمرَّة عَام حجَّة الْوَدَاع فَفِي الأولى: لم يكن لَهُ وَارِث من الْأَوْلَاد أصلا. وَفِي الثَّانِيَة: كَانَت لَهُ بنت فَقَط. قَوْله: (وَهُوَ يكره أَن يَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجر مِنْهَا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ يكره، أَي: رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ كَلَام سعد يَحْكِي كَلَام رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو هُوَ كَلَام عَام يَحْكِي حَال وَلَده، وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (وَهُوَ يكره أَن يَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجر مِنْهَا) ، يحْتَمل أَن تكون الْجُمْلَة حَالا من الْمَفْعُول وَهُوَ سعد فَفِيهِ الْتِفَات، لِأَن السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يَقُول: وَأَنا أكره ... انْتهى. قلت: هَذَا لَا يَخْلُو من التعسف، وَالظَّاهِر من التَّرْكِيب أَن الْجُمْلَة حَال من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالضَّمِير فِي: يكره، يرجع إِلَيْهِ، وَالَّذِي فِي: يَمُوت، يرجع إِلَى سعد، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن لَا يكون سعد كَارِهًا أَيْضا، لِأَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا كَانَ كَارِهًا لذَلِك فكراهة سعد بِالطَّرِيقِ الأولى، وَدلّ على كَرَاهَته مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن ثَلَاثَة من ولد سعد عَن سعد، بِلَفْظ: (فَقَالَ: يَا رَسُول الله {خشيت أَن أَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرت مِنْهَا، كَمَا مَاتَ سعد بن خَوْلَة) . قَوْله: (قَالَ: يرحم الله ابْن عفراء) ، كَذَا وَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان، فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يرحم الله سعد بن عفراء، ثَلَاث مَرَّات) . قَالَ الدَّاودِيّ: قَوْله: (ابْن عفراء) غير مَحْفُوظ، وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي: هُوَ وهم، وَالْمَعْرُوف: ابْن خَوْلَة. قَالَ: وَلَعَلَّ الْوَهم من سعد بن إِبْرَاهِيم، فَإِن الزُّهْرِيّ أحفظ مِنْهُ. وَقَالَ فِيهِ: سعد ابْن خَوْلَة، يُشِير بذلك إِلَى مَا وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق جرير بن يزِيد عَن عَامر بن سعد: لَكِن البائس سعد بن خَوْلَة مَاتَ فِي الأَرْض الَّتِي هَاجر مِنْهَا. قلت: البائس اسْم من بئس يبأس بؤساً وبأساً: إِذا خضع وافتقر واشتدت حَاجته، وَقَالَ التَّيْمِيّ: يحْتَمل أَن يكون لأمه إسمان: خَوْلَة وعفراء، وَقَالَ غَيره: وَيحْتَمل أَن يكون أَحدهمَا إسماً وَالْآخر لقباً، أَو أَحدهمَا اسْم أمه وَالْآخر اسْم أَبِيه أَو اسْم جدة لَهُ، وَقيل فِي خَوْلَة: خوليّ، بِكَسْر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء وَالْوَاو سَاكِنة بِلَا خلاف، وَأغْرب ابْن التِّين فَحكى عَن الْقَابِسِيّ فتحهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة فِي الْفَرَائِض، قَالَ سُفْيَان: وَسعد بن خَوْلَة رجل من بني عَامر بن لؤَي، وَذكر ابْن إِسْحَاق: أَنه كَانَ حليفاً لَهُم، وَقيل: كَانَ من الْفرس الَّذين نزلُوا الْيمن. قَوْله: (قلت: يَا رَسُول الله} أوصِي بِمَالي كُله؟) وَفِي رِوَايَة عَائِشَة بنت سعد عَن أَبِيهَا فِي الطِّبّ: أفأتصدق بِثُلثي مَالِي؟ وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ. فَإِن قلت: لفظ: أَتصدق، يحْتَمل التَّنْجِيز وَالتَّعْلِيق بِخِلَاف لفظ: أوصِي. قلت: لما كَانَ متحداً حمل لفظ: أَتصدق، على التَّعْلِيق جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِن قلت: مَا وَجه الِاخْتِلَاف فِي السُّؤَال؟ قلت: كَأَنَّهُ سَأَلَ أَولا عَن الْكل، ثمَّ سَأَلَ عَن الثُّلثَيْنِ، ثمَّ سَأَلَ عَن النّصْف، ثمَّ سَأَلَ عَن الثُّلُث، وَقد وَقع مَجْمُوع ذَلِك فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث عبيد الله بن عِيَاض عَن أَبِيه عَن جده عَمْرو ابْن عبد الْقَارِي: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل على سعد بن مَالك يَوْم الْفَتْح ... الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ سعد: يَا رَسُول الله! (إِن مَالِي كثير وإنني أورث كَلَالَة، أفأتصدق بِمَالي كُله؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أفأتصدق بثلثيه؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أفأتصدق بشطره؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أفأتصدق بِثُلثِهِ؟ قَالَ: نعم، وَذَلِكَ كثير) ، قَوْله: (قلت فَالشَّطْر) ، أَي: النّصْف، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ بِالْجَرِّ أَو الرّفْع؟ قلت: وَجه الْجَرّ أَن يكون مَعْطُوفًا على قَوْله: بِمَالي كُله، وَوجه الرّفْع على تَقْدِير حذف الرافع، تَقْدِيره: أفيجوز الشّطْر؟ وَنسب إِلَى الزَّمَخْشَرِيّ جَوَاز النصب على تَقْدِير: أعيَّن الشطرَ أَو أسمي أَو نَحْو ذَلِك. قَوْله: (قلت: الثُّلُث؟) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، وَفِي بعض النّسخ: فَالثُّلُث،

بِالْفَاءِ، فَإِن صحت هَذِه فَيجوز فِيهِ الْجَرّ أَيْضا، وَلَا يخفى ذَلِك على من يتَأَمَّل فِيهِ. قَوْله: (قَالَ: فَالثُّلُث؟) نصب على الإغراء، وَيجوز الرّفْع على الْفَاعِل، أَي: يَكْفِيك الثُّلُث؟ أَو على تَقْدِير الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف أَو على الْعَكْس. قَوْله: (وَالثلث كثير) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة أَو بِالْبَاء الْمُوَحدَة. وَقَوله: (قلت: فَالثُّلُث؟ قَالَ: الثُّلُث، وَالثلث كثير) ، كَذَا هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ فِي الْهِجْرَة: (قَالَ: الثُّلُث يَا سعد، وَالثلث كثير، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مُصعب بن سعد عَن أَبِيه: (قلت: فَالثُّلُث؟ قَالَ: نعم، وَالثلث كثير) . وَفِي رِوَايَة عَائِشَة بنت سعد عَن أَبِيهَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ: (قَالَ: الثُّلُث، وَالثلث كثير أَو كَبِير) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ عَن سعد بِلَفْظ: (فَقَالَ: أوصيت؟ قلت: نعم، قَالَ: بكم؟ قلت: بِمَالي كُله. قَالَ: فَمَا تركت لولدك؟ وَفِيه: أوصِ بالعشر؟ قَالَ: فَمَا زَالَ يَقُول وَأَقُول حَتَّى قَالَ: أوص بِالثُّلثِ، وَالثلث كثير أَو كَبِير) يَعْنِي: بِالْمُثَلثَةِ أَو بِالْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ شكّ من الرَّاوِي، وَالْمَحْفُوظ فِي أَكثر الرِّوَايَات بِالْمُثَلثَةِ، وَمَعْنَاهُ كثير بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دونه. قَوْله: (إِنَّك إِن تدع) ، قد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْبَاب وَقَالَ النَّوَوِيّ: فتح: (إِن) وَكسرهَا صَحِيحَانِ، يَعْنِي: بِالْفَتْح تكون للتَّعْلِيل، وبالكسر تكون للشّرط. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا معنى للشّرط هُنَا لِأَنَّهُ يصير لَا جَوَاب لَهُ وَيبقى: خير، لَا رَافع لَهُ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: سمعناه من رُوَاة الحَدِيث بِالْكَسْرِ، وَأنْكرهُ شَيخنَا عبد الله بن أَحْمد، يَعْنِي: ابْن الخشاب، وَقَالَ: لَا يجوز الْكسر، لِأَنَّهُ لَا جَوَاب لَهُ لخلو لفظ: خير، من الْفَاء، انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام سَاقِط من رجل ضَابِط، وَقد قُلْنَا: إِن الْفَاء حذفت وَتَقْدِيره: فَهُوَ خير، وَحذف الْفَاء من الْجَزَاء سَائِغ شَائِع غير مُخْتَصّ بِالضَّرُورَةِ. قَوْله: (وَرثتك) ، قيل: إِنَّمَا عبر بِلَفْظ: الْوَرَثَة، وَلم يقل: أَن تدع بنتك، مَعَ أَنه لم يكن لَهُ يَوْمئِذٍ إلَاّ ابْنة وَاحِدَة لكَون الْوَارِث حِينَئِذٍ لم يتَحَقَّق، لِأَن سَعْدا إِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِنَاء على مَوته فِي ذَلِك الْمَرَض وبقائها بعده حَتَّى تَرثه، فَأَجَابَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِكَلَام كلي مُطَابق لكل حَاله، وَهُوَ قَوْله: (وَرثتك) ، وَلم يخص بِنْتا من غَيرهَا. وَقيل: إِنَّمَا عبر: بالورثة، لِأَنَّهُ اطلع على أَن سَعْدا سيعيش ويأتيه أَوْلَاد غير الْبِنْت الْمَذْكُورَة، فَكَانَ ذَلِك، وَولد لَهُ بعد ذَلِك أَرْبَعَة بَنِينَ، وَلَا أعرف أَسْمَاءَهُم، وَلَعَلَّ الله أَن يفتح بذلك، وَهَذَا ذُهُول شَدِيد مِنْهُ، فَإِن ثَلَاثَة من أَوْلَاده مذكورون فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عِنْد مُسلم من طَرِيق عَامر وَمصْعَب وَمُحَمّد ثَلَاثَتهمْ عَن سعد، وَالرَّابِع وَهُوَ عمر ابْن سعد فِي مَوضِع آخر، وَله غير هَؤُلَاءِ من الذُّكُور: إِبْرَاهِيم وَيحيى وَإِسْحَاق وَعبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَعَمْرو وَعمْرَان وَصَالح وَعُثْمَان وَإِسْحَاق الْأَصْغَر وَعمر الْأَصْغَر وَعُمَيْر مُصَغرًا وَغَيرهم، وَمن الْبَنَات: ثنتا عشرَة بِنْتا، وَقيل: لِأَن مِيرَاثه لم يكن منحصراً فِي بنته، وَقد كَانَ لِأَخِيهِ عتبَة بن أبي وَقاص أَوْلَاد إِذْ ذَاك مِنْهُم: هَاشم بن عتبَة الصَّحَابِيّ الَّذِي قتل بصفين. قَوْله: (عَالَة) أَي: فُقَرَاء، وَهُوَ جمع: عائل، وَهُوَ الْفَقِير من: عَال يعيل إِذا افْتقر وَمر تَفْسِيره: يَتَكَفَّفُونَ، فِي أول الْبَاب. قَوْله: (فِي أَيْديهم) أَي: بِأَيْدِيهِم، أَو الْمَعْنى: يسْأَلُون بالكف اللِّقَاء فِي أَيْديهم. قَوْله: (وَإنَّك) ، عطف على قَوْله: (إِن تدع) وَهَذَا كَأَنَّهُ عِلّة للنَّهْي عَن الْوَصِيَّة بِأَكْثَرَ من الثُّلُث، فينحل التَّرْكِيب إِلَى قَوْله: لَا تفعل، لِأَنَّك إِن مت تركت وَرثتك أَغْنِيَاء، وَإِن عِشْت تَصَدَّقت وانفقت، فالأجر حَاصِل لَك حَيا وَمَيتًا. قَوْله: (فَإِنَّهَا صَدَقَة) أَي: فَإِن النَّفَقَة صَدَقَة، وَأطلق الصَّدَقَة فِي هَذِه الرِّوَايَة وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: (فَإنَّك لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله إلَاّ أجرت بهَا) ، وَفِيه ذكرهَا مُقَيّدَة بابتغاء وَجه الله وعلق حُصُول الْأجر بذلك وَهُوَ الْمُعْتَبر. وَفِيه دلَالَة على أَن أجر الْوَاجِب يزْدَاد بِالنِّيَّةِ، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ. قَوْله: (حَتَّى اللُّقْمَة) ، حَتَّى هَذِه ابتدائية، يَعْنِي: حرف ابْتِدَاء ابْتَدَأَ بعده إِمَّا جملَة إسمية، كَمَا فِي قَوْله: حَتَّى مَاء دجلة، أشكل، أَو فعلية، كَمَا فِي قَوْله: حَتَّى عفوا، وَهنا الْجُمْلَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَقَالَ بَعضهم: حَتَّى اللُّقْمَة، بِالنّصب عطفا على نَفَقَة، وَفِيه نظر، قَوْله: (إِلَى فِي امْرَأَتك) أَي: إِلَى فَم امْرَأَتك. فَإِن قلت: مَا وَجه تعلق النَّفَقَة بِقصَّة الْوَصِيَّة؟ قلت: لما كَانَ سُؤال سعد مشعراً برغبته فِي تَكْثِير الْأجر وَمنعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الزِّيَادَة على الثُّلُث، قَالَ لَهُ مسلياً: إِن جَمِيع مَا تَفْعَلهُ فِي مَالك من صَدَقَة ناجزة، وَمن نَفَقَة، وَلَو كَانَت وَاجِبَة توجر بهَا إِذا ابْتَغَيْت بذلك وَجه الله تَعَالَى. فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيص الْمَرْأَة بالذّكر؟ قلت: لِأَن نَفَقَتهَا مستمرة بِخِلَاف غَيرهَا. قَوْله: (عَسى الله أَن يرفعك) ، أَي: يُطِيل عمرك، وَكَذَلِكَ اتّفق فَإِنَّهُ عَاشَ بعد ذَلِك أَزِيد من أَرْبَعِينَ سنة، لِأَنَّهُ مَاتَ سنة خمس وَخمسين من الْهِجْرَة. وَقيل: سنة ثَمَان وَخمسين، فَيكون عَاشَ بعد حجَّة الْوَدَاع خمْسا وَأَرْبَعين أَو ثمانياً وَأَرْبَعين سنة. قَوْله: (فينتفع بك نَاس) أَي: ينْتَفع بك الْمُسلمُونَ بالغنائم مِمَّا سيفتح الله على يَديك من بِلَاد الشّرك، ويضرّ بك الْمُشْركُونَ الَّذين يهْلكُونَ على يَديك، وَزعم ابْن التِّين أَن المُرَاد بالنفع بِهِ مَا وَقع من الْفتُوح على يَدَيْهِ: كالقادسية وَغَيرهَا، وبالضرر مَا وَقع من تأمير

وَلَده عمر بن سعد على الْجَيْش الَّذين قتلوا الْحُسَيْن بن عَليّ وَمن مَعَه، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَرْدُود لتكلفه بِغَيْر ضَرُورَة تحمل على إِرَادَة الضَّرَر الصَّادِر من وَلَده. قلت: لَا ينظر فِيهِ من هَذَا الْوَجْه، بل فِيهِ معْجزَة من معجزات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ أخبر بذلك بِالْإِشَارَةِ قبل وُقُوعه. وَعَن الطَّحَاوِيّ فِي ذَلِك وَجه آخر، وَهُوَ أَنه روى من طَرِيق بكير بن عبد الله بن الْأَشَج عَن أَبِيه: أَنه سَأَلَ عَامر بن سعد عَن معنى قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا، فَقَالَ: لما أَمر سعدٌ على الْعرَاق أَتَى بِقوم ارْتَدُّوا فاستتابهم، فَتَابَ بَعضهم وَامْتنع بَعضهم، فَانْتَفع بِهِ من تَابَ وَحصل الضَّرَر للآخرين. قَوْله: (وَلم يكن لَهُ يَوْمئِذٍ إلَاّ ابْنة) ، وَفِي رِوَايَة عَائِشَة بنت سعد أَن سَعْدا قَالَ: (وَلَا يَرِثنِي إلَاّ ابْنة وَاحِدَة) . قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ لَا يَرِثنِي من الْوَلَد. أَو من خَواص الْوَرَثَة أَو من النِّسَاء، وإلَاّ فقد كَانَ لسعد عصبات، لِأَنَّهُ من بني زهرَة وَكَانُوا كثيرين. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا يَرِثنِي من أَصْحَاب الْفُرُوض. وَقيل: خصها بِالذكر على تَقْدِير: لَا يَرِثنِي مِمَّن أَخَاف عَلَيْهِ الضّيَاع وَالْعجز إلَاّ هِيَ. وَقيل: ظن أَنَّهَا تَرث جَمِيع المَال، وَقيل: استكثر لَهَا نصف التَّرِكَة. فَإِن قلت: هَل ذكر أحد من الشُّرَّاح اسْم هَذِه الْبِنْت؟ قلت: ذكر بَعضهم عَن بعض الْمُتَأَخِّرين أَن اسْمهَا: عَائِشَة، ثمَّ قَالَ: فَإِن كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فَهِيَ غير عَائِشَة بنت سعد الَّتِي رَوَت هَذَا الحَدِيث عِنْد البُخَارِيّ، فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَفِي الطِّبّ وَهِي تابعية عمرت حَتَّى أدْركهَا مَالك، وروى عَنْهَا، وَمَاتَتْ سنة سبع عشرَة وَمِائَة، لَكِن لم يذكر أحد من النسابين لسعد بِنْتا تسمى عَائِشَة غير هَذِه، وَذكروا أَن أكبر بَنَاته: أم الحكم الْكُبْرَى، وَأمّهَا بنت شهَاب بن عبد الله بن الْحَارِث بن زهرَة، وَذكروا لَهُ بَنَات أُخْرَى أمهاتهن متأخرات الْإِسْلَام بعد الْوَفَاة النَّبَوِيَّة، فَالظَّاهِر أَن الْبِنْت الْمَذْكُورَة هِيَ: أم الحكم، الْمَذْكُورَة لتقدم تَزْوِيج سعد بأمها. انْتهى، وَهَذَا أَيْضا تخمين، وَالله أعلم.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قد ذكرنَا أَكثر ذَلِك فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب رثاء النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سعد بن خَوْلَة، ولنذكر بعض شَيْء. وَفِيه: زِيَارَة الْمَرِيض للْإِمَام فَمن دونه. وَفِيه: دُعَاء الزائر للْمَرِيض بطول الْعُمر. وَفِيه: الْحَث على صلَة الرَّحِم وَالْإِحْسَان إِلَى الْأَقَارِب، وَأَن صلَة الْأَقْرَب أفضل من صلَة الْأَبْعَد. وَفِيه: الْإِنْفَاق فِي وُجُوه الْخَيْر، لِأَن الْمُبَاح إِذا قصد بِهِ وَجه الله، صَار طَاعَة، وَقد نبه على ذَلِك بِأَقَلّ الحظوظ الدُّنْيَوِيَّة العادية، وَهُوَ وضع اللُّقْمَة فِي فَم الزَّوْجَة إِذْ لَا يكون ذَلِك غَالِبا إلَاّ عِنْد الملاعبة والممازحة، وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ يُؤجر عَلَيْهِ إِذا قصد بِهِ قصدا صَحِيحا، فَكيف بِمَا هُوَ فَوق ذَلِك؟ وَفِيه: أَن من لَا وَارِث لَهُ يجوز لَهُ الْوَصِيَّة بِأَكْثَرَ من الثُّلُث، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَن تذر وَرثتك أَغْنِيَاء) ، فمفهومه أَن من لَا وَارِث لَهُ لَا يُبَالِي بِالْوَصِيَّةِ بِمَا زَاد على الثُّلُث) . وَفِيه: اسْتِدْلَال من يرى بِالرَّدِّ بقوله: وَلَا يَرِثنِي إلَاّ ابْنة لي، للحصر. وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن المُرَاد من ذَوي الْفُرُوض، وَمن قَالَ بِالرَّدِّ لَا يَقُول بِظَاهِرِهِ، لأَنهم يعطونها فَرضهَا ثمَّ يردون عَلَيْهَا الْبَاقِي. وَظَاهر الحَدِيث: أَنَّهَا تَرث الْجَمِيع ابْتِدَاء. انْتهى. قلت: هَذَا عِنْد ظَنّه أَنَّهَا تَرث الْجَمِيع، وَالْبِنْت الْوَاحِدَة لَيْسَ لَهَا إلَاّ النّصْف وَالْبَاقِي يكون بِالرَّدِّ بِنَصّ آخر، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض} (الْأَنْفَال: ٥٧) . يَعْنِي: بَعضهم أولى بِالْمِيرَاثِ بِسَبَب الرَّحِم، وَالله أعلم.

٣ - (بابُ الوَصِيَّةِ بالثُّلْثِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْوَصِيَّة بِالثُّلثِ.

وقالَ الحَسَنُ لَا يَجُوزُ للذِّمِّيِّ وصِيَّةٌ إلَاّ الثُّلُثَ

الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ أَرَادَ أَن الذِّمِّيّ إِذا أوصى بِأَكْثَرَ من ثلث مَاله لَا يجوز، وَأما الْمُسلم إِذا أوصى بِأَكْثَرَ من ثلث مَاله، فَإِن لم يكن لَهُ وَرَثَة جَازَ، وَإِن كَانَت لَهُ وَرَثَة فَإِن جازوا جَازَت الْوَصِيَّة، وَإِن ردوا بطلت الْوَصِيَّة. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجوز إلَاّ فِي الثُّلُث. وَيُوضَع الثُّلُثَانِ لبيت المَال. وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا الرَّد على من قَالَ كالحنفية بِجَوَاز الْوَصِيَّة بِالزِّيَادَةِ على الثُّلُث لمن لَا وَارِث لَهُ، وَلذَلِك احْتج بقوله تَعَالَى: {وَأَن أحكم بَينهم بِمَا أنزل الله} (الْمَائِدَة: ٩٤) . وَالَّذِي حكم بِهِ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الثُّلُث هُوَ الحكم بِمَا أنزل الله، فَمن تجَاوز مَا حَده فقد أَتَى مَا نهى عَنهُ، ورد عَلَيْهِ بِأَن البُخَارِيّ لم يرد هَذَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الاستشهاد بِالْآيَةِ على أَن الذِّمِّيّ إِذا تحاكم إِلَيْنَا ورثته لَا تنفذ من وَصيته إلَاّ الثُّلُث، لأَنا لَا نحكم فيهم إلَاّ بِحكم

الْإِسْلَام، لقَوْله تَعَالَى: {وَإِن أحكم بَينهم بِمَا أنزل الله ... } (الْمَائِدَة: ٩٤) . الْآيَة. قلت: الْعجب من البُخَارِيّ أَنه ذكر عَن الْحسن أَنه لَا يرى للذِّمِّيّ بِالْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ من الثُّلُث، فليت شعري مَا وَجه ذكر هَذَا، وَالْحَال أَن حكم الْمُسلم كَذَلِك عِنْده، وَعند غير الْحَنَفِيَّة. وأعجب مِنْهُ كَلَام ابْن بطال الَّذِي تمحل فِي كَلَامه بالمحال وَاسْتحق الرَّد على كل حَال، وَأبْعد من هَذَا وَأكْثر استحقاقاً بِالرَّدِّ هُوَ صَاحب (التَّوْضِيح) حَيْثُ يَقُول: وعَلى قَول ابْن حنيفَة رد البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب، وَلذَلِك صدر بقول الْحسن، ثمَّ بِالْآيَةِ، فسبحان الله كَيفَ يرد على أبي حنيفَة بقول الْحسن، فَمَا وَجه ذَلِك؟ لَا يُدرى.

وَقَالَ الله تعَالى {وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنْزَلَ الله} (الْمَائِدَة: ٩٤) .

٤٤٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ عَدِيٍّ قَالَ حدَّثنا مَرْوَانُ عنْ هاشِمِ بنِ هاشِمٍ عنْ عامِرِ بنِ سعْدٍ عنْ أبيِهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مَرِضْتُ فعَادَنِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ يَا رسولَ الله ادْعُ الله (أنْ لَا يَرُدَّنِي علَى عَقِبي قَالَ لعَلَّ الله أنْ يرْفَعَكَ ويَنْفَعَ بِكَ نَاسا قُلْتُ أُرِيدُ أنْ أُوصِي وإنَّمَا لي ابْنَةٌ قُلْتُ أُوصِي بالنِّصْفِ قَالَ النِّصفُ كَثيرٌ قلْتُ فالثُّلْثُ قَالَ الثُّلْثُ والثُّلْثُ كَثير أوْ كَبِيرٌ قَالَ فأوْصاى النَّاسُ بالثُّلْثِ وجازَ ذالِكَ لَهُمْ.

.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ. وَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ أَرْسَالًا بِغَيْرِ إِمَامٍ وَمِنْ أَكَاذِيبِ الرَّافِضَةِ مَا رَوَاهُ كَثِيرُ بْنُ يَحْيَى وَهُوَ مِنْ كِبَارِهِمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنِ الْأَجْلَحِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ فَذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً فِيهَا - فَدَخَلَ عَلِيٌّ فَقَامَتْ عَائِشَةُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِأَلْفِ بَابٍ مِمَّا يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَفْتَحُ كُلُّ بَابٍ مِنْهَا أَلْفَ بَابٍ وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى مَوْصُولَةٌ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ وَاهٍ. وَقَوْلُهَا: انْخَنَثَ بِالنُّونِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ نُونٍ مُثَلَّثَةٍ أَيِ انْثَنَى وَمَالَ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِهِ فِي بَابِ الْوَفَاةِ مِنْ آخِرِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢ - بَاب أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ

٢٧٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ يَعُودُنِي، وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ) هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ فَتَرْجَمَ بِهِ. وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْمَالِ إِلَّا الْقَلِيلُ لَمْ تُنْدَبْ لَهُ الْوَصِيَّةُ كَمَا مَضَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَامِرُ بْنُ سَعْدٍ شَيْخُهُ هُوَ خَالُهُ؛ لِأَنَّ أُمَّ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ هِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعْدٌ، وَعَامِرٌ زُهْرِيَّانِ مَدَنِيَّانِ تَابِعِيَّانِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مِسْعَرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ سَعْدٍ قَالَ: مَرِضَ سَعْدٌ وَقَدْ حَفِظَ سُفْيَانُ اسْمَهُ وَوَصَلَهُ فَرِوَايَتُهُ مُقَدَّمَةٌ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَامِرٍ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ وَتَقَدَّمَ سِيَاقُ حَدِيثِهِ فِي الْجَنَائِزِ، وَيَأْتِي فِي الْهِجْرَةِ وَغَيْرِهَا، وَرَوَاهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ جَمَاعَةٌ غَيْرُ ابْنِهِ عَامِرٍ كَمَا سَأُشِيرُ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ النَّبِيُّ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ) زَادَ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي وَلَهُ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، إِلَّا ابْنَ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: فِي فَتْحِ مَكَّةَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْفَرَائِضِ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ: بِمَكَّةَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْفَتْحَ، وَقَدْ وَجَدْتُ لِابْنِ عُيَيْنَةَ مُسْتَنَدًا فِيهِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْقَارِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدِمَ فَخَلَّفَ سَعْدًا مَرِيضًا حَيْثُ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ، فَلَمَّا قَدِمَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ مُعْتَمِرًا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَغْلُوبٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا، وَإِنِّي أُورَثُ كَلَالَةً، أَفَأُوصِي بِمَالِي الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَيِّتٌ أَنَا بِالدَّارِ الَّذِي خَرَجْتُ مِنْهَا مُهَاجِرًا؟ قَالَ: لَا، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَرْفَعَكَ اللَّهُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ

الْحَدِيثَ. فَلَعَلَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنْ حَدِيثٍ إِلَى حَدِيثٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَامَ الْفَتْحِ وَمَرَّةً عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَفِي الْأُولَى لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنَ الْأَوْلَادِ أَصْلًا، وَفِي الثَّانِيَةِ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَقَطْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ أَوْ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُحْتَمَلٌ، لِأَنَّ كُلًّا مِنَ النَّبِيِّ وَمِنْ سَعْدٍ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ وَهُوَ سَعْدٌ فَفِيهِ الْتِفَاتٌ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: وَأَنَا أَكْرَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ بِلَفْظِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ على عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ مَاتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمُوتُ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا؟ قَالَ: لَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِكَرَاهَةِ الْمَوْتِ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا فِي كِتَابِ الْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ) كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ. فَقَالَ النَّبِيُّ : يَرْحَمُ اللَّهُ سَعْدَ ابْنَ عَفْرَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: ابْنُ عَفْرَاءَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَقَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: هُوَ وَهَمٌ، وَالْمَعْرُوفُ ابْنُ خَوْلَةَ قَالَ: وَلَعَلَّ الْوَهَمُ مِنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ أَحْفَظُ مِنْهُ، وَقَالَ فِيهِ: سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ بِلَفْظِ لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرْتُ آنِفًا مَنْ وَافَقَ الزُّهْرِيَّ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَغَازِي وَذَكَرُوا أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَاتَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي اسْمِهِ خَوْلِيٌّ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى سُكُونِ الْوَاوِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَحَكَى عَنِ الْقَابِسِيِّ فَتْحَهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الْفَرَائِضِ قَالَ سُفْيَانُ، وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ اهـ.

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ ثُمَّ لِأَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مِنْهُمْ، وَقِيلَ كَانَ مِنَ الْفُرْسِ الَّذِينَ نَزَلُوا الْيَمَنَ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ خَبَرِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَدِيثِ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ، وَيَأْتِي شَرْحُ حَدِيثِ سُبَيْعَةَ فِي كِتَابِ الْعَدَدِ مِنْ آخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَجَزَمَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي تَارِيخِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ بِأَنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ مَاتَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ مَاتَ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ مَعَ قُرَيْشٍ سَنَةَ سَبْعٍ، وَجَوَّزَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْخِصَالِ الْكَاتِبُ الْمَشْهُورُ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِابْنِ عَفْرَاءَ عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مُعَاذٍ، وَمُعَوِّذٍ أَوْلَادِ عَفْرَاءَ وَهِيَ أُمُّهُمْ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِهِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ مَا يُضْحِكُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ؟ قَالَ: أَنْ يَغْمِسَ يَدَهُ فِي الْعَدُوِّ حَاسِرًا، فَأَلْقَى الدِّرْعَ الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ قَالَ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا رَأَى اشْتِيَاقَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لِلْمَوْتِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى يَلِيَ الْوِلَايَاتِ ذَكَرَ ابْنَ عَفْرَاءَ وَحُبَّهُ لِلْمَوْتِ وَرَغْبَتَهُ فِي الشَّهَادَةِ كَمَا يُذْكَرُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ، فَذَكَرَ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّةَ وَهِيَ دَارُ هِجْرَتِهِ، وَذَكَرَ ابْنَ عَفْرَاءَ مُسْتَحْسِنًا لِمِيتَتِهِ اهـ مُلَخَّصًا.

وَهُوَ مَرْدُودٌ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى قَوْلِهِ: سَعْدُ ابْنُ عَفْرَاءَ فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ عَوْفًا وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ رَاغِبًا فِي الْمَوْتِ، بَلْ فِي بَعْضِهَا عَكْسُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ: بَكَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَيْضًا فَمَخْرَجُ الْحَدِيثِ مُتَّحِدٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، فَالِاحْتِمَالُ بَعِيدٌ لَوْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ عَوْفُ ابْنُ عَفْرَاءَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ التَّيْمِيُّ:

يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأُمِّهِ اسْمَانِ خَوْلَةُ وَعَفْرَاءُ اهـ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا اسْمًا وَالْآخَرُ لَقَبًا أَوْ أَحَدُهُمَا اسْمَ أُمِّهِ وَالْآخَرُ اسْمَ أَبِيهِ أَوْ وَالْآخَرُ اسْمَ جَدَّةٍ لَهُ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ عَفْرَاءَ اسْمُ أُمِّهِ وَالْآخَرَ اسْمُ أَبِيهِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّهُ خَوْلَةُ أَوْ خَوْلَى، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَتِهِ يَرْثِي لَهُ إِلَخْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ: يَرْثِي إِلَخْ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ: هُوَ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ.

قُلْتُ: وَكَأَنَّهُمُ اسْتَنَدُوا إِلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُ فَصَّلَ ذَلِكَ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فِي آخِرِهِ لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، قَالَ سَعْدٌ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَخْ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي وَصْلِهِ فَلَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِإِدْرَاجِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا فِي الطِّبِّ مِنَ الزِّيَادَةِ: ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي ثُمَّ مَسَحَ وَجْهِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَجِدُ بَرْدَهَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورَةِ قُلْتُ: فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَنِي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ) فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا فِي الطِّبِّ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، فَأَمَّا التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: أَفَأَتَصَدَّقُ فَيَحْتَمِلُ التَّنْجِيزَ وَالتَّعْلِيقَ بِخِلَافِ أَفَأُوصِي لَكِنَّ الْمَخْرَجَ مُتَّحِدٌ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعْلِيقِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ: أَتَصَدَّقُ مَنْ جَعَلَ تَبَرُّعَاتِ الْمَرِيضِ مِنَ الثُّلُثِ، وَحَمَلُوهُ عَلَى الْمُنَجَّزَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا بَيَّنْتُهُ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي السُّؤَالِ فَكَأَنَّهُ سَأَلَ أَوَّلًا عَنِ الْكُلِّ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ النِّصْفِ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ الثُّلُثِ، وَقَدْ وَقَعَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، وَكَذَا لَهُمَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قُلْتُ فَالشَّطْرُ هُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: بِمَالِي كُلِّهِ أَيْ فَأُوصِي بِالنِّصْفِ، وَهَذَا رَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أَيْ أُسَمِّي الشَّطْرَ أَوْ أُعَيِّنُ الشَّطْرَ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ أَيَجُوزُ الشَّطْرُ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ: الثُّلُثَ؟ قَالَ: فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي الْهِجْرَةِ قَالَ: الثُّلُثُ يَا سَعْدُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ وَفِي رِوَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قُلْتُ فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمَيِّ، عَنْ سَعْدٍ وَفِيهِ: فَقَالَ: أَوْصَيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْتُ: بِمَالِي كُلِّهِ. قَالَ: فَمَا تَرَكْتَ لِوَلَدِكَ؟ وَفِيهِ أَوْصِ بِالْعُشْرِ، قَالَ: فَمَا زَالَ يَقُولُ وَأَقُولُ، حَتَّى قَالَ: أَوْصِ بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ يَعْنِي بِالْمُثَلَّثَةِ أَوْ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَالْمَحْفُوظُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَمَعْنَاهُ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دُونَهُ، وَسَأَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، وَقَوْلُهُ: قَالَ: الثُّلُثَ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ بِنَصْبِ الْأَوَّلِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ نَحْوِ عَيِّنِ الثُّلُثَ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوِ الْمُبْتَدَأُ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ يَكْفِيكَ الثُّلُثُ أَوِ الثُّلُثُ كَافٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَهُ: وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ مَسُوقًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ بِالثُّلُثِ وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَنْقُصَ عَنْهُ وَلَا يَزِيدَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يَبْتَدِرُهُ الْفَهْمُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ أَنَّ التَّصَدُّقَ بِالثُّلُثِ هُوَ الْأَكْمَلُ أَيْ كَثِيرٌ أَجْرُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: كَثِيرٌ غَيْرُ قَلِيلٍ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا أَوْلَى مَعَانِيهِ يَعْنِي أَنَّ الْكَثْرَةَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ عَوَّلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ) بِفَتْحِ أَنْ عَلَى التَّعْلِيلِ، وَبِكَسْرِهَا عَلَى الشَّرْطِيَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هُمَا

صَحِيحَانِ صُورِيَّانِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا مَعْنَى لِلشَّرْطِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَا جَوَابَ لَهُ وَيَبْقَى خَيْرٌ لَا رَافِعَ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: سَمِعْنَاهُ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ بِالْكَسْرِ، وَأَنْكَرَهُ شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ - يَعْنِي ابْنَ الْخَشَّابِ - وَقَالَ: لَا يَجُوزُ الْكَسْرُ لِأَنَّهُ لَا جَوَابَ لَهُ لِخُلُوِّ لَفْظِ خَيْرٍ مِنَ الْفَاءِ وَغَيْرِهَا مِمَّا اشْتُرِطَ فِي الْجَوَابِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَقْدِيرِهِ وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: جَزَاءُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: خَيْرٌ أَيْ فَهُوَ خَيْرٌ، وحَذْفُ الْفَاءِ جَائِزٌ وَهُوَ كَقِرَاءَةِ طَاوُسٍ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ أَصْلِحْ لَهُمْ خَيْرٌ قَالَ: وَمَنْ خَصَّ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ بَعُدَ عَنِ التَّحْقِيقِ، وَضَيَّقَ حَيْثُ لَا تَضيقَ، لِأَنَّهُ كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ قَلِيلٌ فِي غَيْرِهِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي الشِّعْرِ فِيمَا أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ:

مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا

أَيْ فَاللَّهُ يَشْكُرُهَا، وَإِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالشِّعْرِ قَالَ: وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ اللُّقَطَةِ: فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا بِحَذْفِ الْفَاءِ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ: الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ.

قَوْلُهُ: (وَرَثَتَكَ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا عَبَّرَ لَهُ بِلَفْظِ الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَنْ تَدَعَ بِنْتَكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ لِكَوْنِ الْوَارِثِ حِينَئِذٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ، لِأَنَّ سَعْدًا إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَوْتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ وَبَقَائِهَا بَعْدَهُ حَتَّى تَرِثَهُ، وَكَانَ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ تَمُوتَ هِيَ قَبْلَهُ فَأَجَابَ بِكَلَامٍ كُلِّيٍّ مُطَابِقٍ لِكُلِّ حَالَةٍ وَهو قَوْلُهُ: وَرَثَتَكَ وَلَمْ يَخُصَّ بِنْتًا مِنْ غَيْرِهَا، وَقَالَ الْفَاكِهِيُّ شَارِحُ الْعُمْدَةِ: إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ سَعْدًا سَيَعِيشُ وَيَأْتِيهِ أَوْلَادٌ غَيْرُ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ فَكَانَ كَذَلِكَ، وَوُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ بَنِينَ وَلَا أَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَ بِذَلِكَ.

قُلْتُ: وَلَيْسَ قَوْلُهُ: أَنْ تَدَعَ بِنْتَكَ مُتَعَيِّنًا لِأَنَّ مِيرَاثَهُ لَمْ يَكُنْ مُنْحَصِرًا فِيهَا، فَقَدْ كَانَ لِأَخِيهِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَوْلَادٌ إِذْ ذَاكَ، مِنْهُمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ الصَّحَابِيُّ الَّذِي قُتِلَ بِصِفِّينَ وَسَأَذْكُرُ بَسْطَ ذَلِكَ، فَجَازَ التَّعْبِيرُ بِالْوَرَثَةِ لِتَدْخُلَ الْبِنْتُ وَغَيْرُهَا مِمَّنْ يَرِثُ لَوْ وَقَعَ مَوْتُهُ إِذْ ذَاكَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ. وأَمَّا قَوْلُ الْفَاكِهِيِّ: إِنَّهُ وُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ بَنِينَ، وَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ فَفِيهِ قُصُورٌ شَدِيدٌ، فَإِنَّ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَامِرٍ، وَمُصْعَبٍ وَمُحَمَّدٍ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعْدٍ وَوَقَعَ ذِكْرُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ فِيهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَمَّا وَقَعَ ذِكْرُ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ اقْتَصَرَ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى ذِكْرِ الثَّلَاثَةِ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ شُيُوخِنَا تَعَقُّبٌ عَلَيْهِ بِأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةً مِنَ الذُّكُورِ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ، وَهُمْ عُمَرُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَيَحْيَى، وَإِسْحَاقُ، وَعَزَا ذِكْرَهُمْ لِابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِ، وَفَاتَهُ أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ ذَكَرَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ غَيْرَ السَّبْعَةِ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعَمْرٌو، وَعِمْرَانُ، وَصَالِحٌ، وَعُثْمَانُ، وَإِسْحَاقُ الْأَصْغَرُ، وَعُمَرُ الْأَصْغَرُ، وَعُمَيْرٌ مُصَغَّرًا وَغَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ لَهُ مِنَ الْبَنَاتِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بِنْتًا. وَكَأَنَّ ابْنَ الْمَدِينِيِّ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَالَةً) أَيْ فُقَرَاءَ وَهُوَ جَمْعُ عَالٍ وَهُوَ الْفَقِيرُ وَالْفِعْلُ مِنْهُ يَعِيلُ إِذَا افْتَقَرَ.

قَوْلُهُ: (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) أَيْ يَسْأَلُونَ النَّاسَ بِأَكُفِّهِمْ، يُقَالُ تَكَفَّفَ النَّاسَ وَاسْتَكَفَّ إِذَا بَسَطَ كَفَّهُ لِلسُّؤَالِ، أَوْ سَأَلَ مَا يَكُفُّ عَنْهُ الْجُوعَ، أَوْ سَأَلَ كَفًّا كَفًّا مِنْ طَعَامٍ.

وَقَوْلُهُ: فِي أَيْدِيهِمْ أَيْ بِأَيْدِيهِمْ أَوْ سَأَلُوا بِأَكُفِّهِمْ وَضْعَ الْمَسْئُولِ فِي أَيْدِيهِمْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: وَأَنَا ذُو مَالٍ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ فِي الطِّبِّ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُؤْذِنُ بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَذُو الْمَالِ إِذَا تَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ أَوْ بِشَطْرِهِ وَأَبْقَى ثُلُثَهُ بَيْنَ ابْنَتِهِ وَغَيْرِهَا لَا يَصِيرُونَ عَالَةً، لَكِنَّ الْجَوَابَ أَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ عَلَى التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْمَالِ الْكَثِيرِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ، وَإِلَّا فَلَوْ تَصَدَّقَ الْمَرِيضُ بِثُلُثَيْهِ مَثَلًا ثُمَّ طَالَتْ حَيَاتُهُ وَنَقَصَ وَفَنِيَ الْمَالُ فَقَدْ تُجْحِفُ الْوَصِيَّةُ بِالْوَرَثَةِ، فَرَدَّ الشَّارِعُ الْأَمْرَ إِلَى شَيْءٍ مُعْتَدِلٍ وَهُوَ الثُّلُثُ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَهُوَ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الْوَصِيَّةِ

بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَا تَفْعَلْ لِأَنَّكَ إِنْ مُتَّ تَرَكْتَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ وَإِنْ عِشْتَ تَصَدَّقْتَ وَأَنْفَقْتَ فَالْأَجْرُ حَاصِلٌ لَكَ فِي الْحَالَيْنِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ كَذَا أَطْلَقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا مُقَيَّدَةً بِابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ، وَعَلَّقَ حُصُولَ الْأَجْرِ بِذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أَجْرَ الْوَاجِبِ يَزْدَادُ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الزَّوْجَةِ وَاجِبٌ، وَفِي فِعْلِهِ الْأَجْرَ، فَإِذَا نَوَى بِهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ازْدَادَ أَجْرُهُ بِذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: وَنَبَّهَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى اللُّقْمَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى نَفَقَةٍ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَتَجْعَلُهَا الْخَبَرُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلَخْ بِقِصَّةِ الْوَصِيَّةِ أَنَّ سُؤَالَ سَعْدٍ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ رَغِبَ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْرِ، فَلَمَّا مَنَعَهُ الشَّارِعُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ قَالَ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ: إِنَّ جَمِيعَ مَا تَفْعَلُهُ فِي مَالِكَ مِنْ صَدَقَةٍ نَاجِزَةٍ وَمِنْ نَفَقَةٍ وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً تُؤْجَرُ بِهَا إِذَا ابْتَغَيْتَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَعَلَّهُ خَصَّ الْمَرْأَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا مُسْتَمِرَّةٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ أَنَّ الثَّوَابَ فِي الْإِنْفَاقِ مَشْرُوطٌ بِصِحَّةِ النِّيَّةِ وَابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ، وَهَذَا عُسْرٌ إِذَا عَارَضَهُ مُقْتَضَى الشَّهْوَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُحَصِّلُ الْغَرَضَ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى يَبْتَغِيَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، وَسَبَقَ تَخْلِيصُ هَذَا الْمَقْصُودِ مِمَّا يَشُوبُهُ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَاتِ إِذَا أُدِّيَتْ عَلَى قَصْدِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ أُثِيبَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ لَا تَخْصِيصَ لَهُ بِغَيْرِ الْوَاجِبِ وَلَفْظَةُ حَتَّى هُنَا تَقْتَضِي الْمُبَالَغَةَ فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْأَجْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى، كَمَا يُقَالُ جَاءَ الْحَاجُّ حَتَّى الْمُشَاةُ.

قَوْلُهُ: (وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ) أَيْ يُطِيلَ عُمْرَكَ، وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ، فَإِنَّهُ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ أَزِيدَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَلْ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ، لِأَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، فَيَكُونُ عَاشَ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ أَوْ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ.

قَوْلُهُ: (فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) أَيْ يَنْتَفِعَ بِكَ الْمُسْلِمُونَ بِالْغَنَائِمِ مِمَّا سَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ، وَيُضَرَّ بِكَ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَهْلِكُونَ عَلَى يَدَيْكَ. وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْعِ بِهِ مَا وَق عَ مِنَ الْفُتُوحِ عَلَى يَدَيْهِ كَالْقَادِسِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَبِالضَّرَرِ مَا وَقَعَ مِنْ تَأْمِيرِ وَلَدِهِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ، وَهُوَ كَلَامٌ مَرْدُودٌ لِتَكَلُّفِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ تَحْمِلُ عَلَى إِرَادَةِ الضَّرَرِ الصَّادِرِ مِنْ وَلَدِهِ، وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ هُوَ الضَّرَرُ الْمَذْكُورُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُفَّارِ.

وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ هَذَا فَقَالَ: لَمَّا أُمِّرَ سَعْدٌ عَلَى الْعِرَاقِ أُتِيَ بِقَوْمٍ ارْتَدُّوا فَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابَ بَعْضُهُمْ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ فَقَتَلَهُمْ، فَانْتَفَعَ بِهِ مَنْ تَابَ وَحَصَلَ الضَّرَرُ لِلْآخَرِينَ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَعَلَّ وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّرَجِّي لَكِنَّهَا مِنَ اللَّهِ لِلْأَمْرِ الْوَاقِعِ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَرَدَتْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ غَالِبًا.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ) فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ وَنَحْوِهِ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: مَعْنَاهُ لَا يَرِثُنِي مِنَ الْوَلَدِ أَوْ مِنْ خَوَاصِّ الْوَرَثَةِ أَوْ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ لِسَعْدٍ عَصَبَاتٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَكَانُوا كَثِيرًا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَرِثُنِي مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، أَوْ خَصَّهَا بِالذِّكْرِ عَلَى تَقْدِيرِ لَا يَرِثُنِي مِمَّنْ أَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ وَالْعَجْزَ إِلَّا هِيَ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ، أَوِ اسْتَكْثَرَ لَهَا نِصْفَ التَّرِكَةِ. وَهَذِهِ الْبِنْتُ زَعَمَ بَعْضُ مِنْ أَدْرَكْنَاهُ أَنَّ اسْمَهَا عَائِشَةُ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهِيَ غَيْرُ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ الَّتِي رَوَتْ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَفِي الطِّبِّ، وَهِيَ تَابِعِيَّةٌ عَمَّرَتْ حَتَّى أَدْرَكَهَا مَالِكٌ وَرَوَى عَنْهَا وَمَاتَتْ سَنَةَ مَائَةٍ وسَبْعِ عَشْرَةَ،

لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ النَّسَّابِينَ لِسَعْدٍ بِنْتًا تُسَمَّى عَائِشَةَ غَيْرَ هَذِهِ، وَذَكَرُوا أَنَّ أَكْبَرَ بَنَاتِهِ أُمُّ الْحَكَمِ الْكُبْرَى، وَأُمُّهَا بِنْتُ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، وَذَكَرُوا لَهُ بَنَاتٍ أُخْرَى أُمَّهَاتُهُنَّ مُتَأَخِّرَاتُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبِنْتَ الْمُشَارَ إِلَيْهَا هِيَ أُمُّ الْحَكَمِ الْمَذْكُورَةُ لِتَقَدُّمِ تَزْوِيجِ سَعْدٍ بِأُمِّهَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ حَرَّرَ ذَلِكَ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مَشْرُوعِيَّةُ زِيَارَةِ الْمَرِيضِ لِلْإِمَامِ فَمَنْ دُونَهُ، وَتَتَأَكَّدُ بِاشْتِدَادِ الْمَرَضِ، وَفِيهِ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى جَبْهَةِ الْمَرِيضِ وَمَسْحُ وَجْهِهِ وَمَسْحُ الْعُضْوِ الَّذِي يُؤْلِمُهُ وَالْفَسْحُ لَهُ فِي طُولِ الْعُمْرِ، وَجَوَازُ إِخْبَارِ الْمَرِيضِ بِشِدَّةِ مَرَضِهِ وَقُوَّةِ أَلَمِهِ إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِمَّا يُمْنَعُ أَوْ يُكْرَهُ مِنَ التَّبَرُّمِ وَعَدَمِ الرِّضَا، بَلْ حَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ لِطَلَبِ دُعَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ، وَرُبَّمَا اسْتُحِبَّ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الِاتِّصَافَ بِالصَّبْرِ الْمَحْمُودِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْمَرَضِ كَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ بَعْدَ الْبُرْءِ أَجْوَزُ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ وَالطَّاعَةِ إِذَا كَانَ مِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ قَامَ غَيْرُهُ فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ مَقَامَهُ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا خَافَ أَنْ يَمُوتَ بِالدَّارِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا فَيَفُوتُ عَلَيْهِ بَعْضُ أَجْرِ هِجْرَتِهِ، فَأَخْبَرَهُ النبي بِأَنَّهُ إِنْ تَخَلَّفَ عَنْ دَارِ هِجْرَتِهِ فَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا مِنْ حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ بِهِ أَجْرٌ يُعَوِّضُ مَا فَاتَهُ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى، وَفِيهِ إِبَاحَةُ جَمْعِ الْمَالِ بِشَرْطِهِ لِأَنَّ التَّنْوِينَ فِي قَوْلِهِ: وَأَنَا ذُو مَالٍ لِلْكَثْرَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ صَرِيحًا وَأَنَا ذُو مَالٍ كَثِيرٍ وَالْحَثُّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ، وَأَنَّ صِلَةَ الْأَقْرَبِ أَفْضَلُ مِنْ صِلَةِ الْأَبْعَدِ، وَالْإِنْفَاقُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ إِذَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ صَارَ طَاعَةً ; وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِأَقَلِّ الْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْعَادِيَّةِ وَهُوَ وَضْعُ اللُّقْمَةِ فِي فَمِ

الزَّوْجَةِ؛ إِذْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ غَالِبًا إِلَّا عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ وَالْمُمَازَحَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَيُؤْجَرُ فَاعِلُهُ إِذَا قَصَدَ بِهِ قَصْدًا صَحِيحًا، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ فَوْقَ ذَلِكَ.

وَفِيهِ مَنْعُ نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا لَأَمَرَ بِنَقْلِ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَبِأَنَّ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِقَوْلِهِ : أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ لَا يُبَالِي بِالْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ وَرَثَةً يَخْشَى عَلَيْهِمُ الْفَقْرَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيلًا مَحْضًا وَإِنَّمَا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْأَحَظِّ الْأَنْفَعِ، وَلَوْ كَانَ تَعْلِيلًا مَحْضًا لَاقْتَضَى جَوَازَ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ كَانَتْ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءَ، وَلَنَفَذَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إِجَازَتِهِمْ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا مَحْضًا فَهُوَ لِلنَّقْصِ عَنِ الثُّلُثِ لَا لِلزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا شُرِعَ الْإِيصَاءُ بِالثُّلُثِ وَأَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى الْمُوصِي إِلَّا أَنَّ الِانْحِطَاطَ عَنْهُ أَوْلَى، وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ يَتْرُكُ وَرَثَةً غَيْرَ أَغْنِيَاءَ، فَنَبَّهَ سَعْدًا عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ لِقَوْلِهِ : وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لِئَلَّا يَتَذَرَّعَ بِالْمَرَضِ أَحَدٌ لِأَجْلِ حُبِّ الْوَطَنِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.

وَفِيهِ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ فَأَطْلَقَ، وَقَيَّدَتِ السُّنَّةُ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ مُخْتَارًا، وَفِيهِ التَّأَسُّفُ عَلَى فَوْتِ مَا يُحَصِّلُ الثَّوَابَ، وَفِيهِ حَدِيثُ مَنْ سَاءَتْهُ سَيِّئَةٌ وَأَنَّ مَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ بَادَرَ إِلَى جَبْرِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهِ تَسْلِيَةُ مَنْ فَاتَهُ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ بِتَحْصِيلِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ لِمَا أَشَارَ لِسَعْدٍ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَفِيهِ جَوَازُ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ الْمَالِ لِمَنْ عُرِفَ بِالصَّبْرِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.

وَفِيهِ الِاسْتِفْسَارُ عَنِ الْمُحْتَمَلِ إِذَا احْتَمَلَ وُجُوهًا؛ لِأَنَّ سَعْدًا لَمَّا مُنِعَ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ احْتَمَلَ عِنْدَهُ الْمَنْعَ فِيمَا دُونَهُ وَالْجَوَازَ فَاسْتَفْسَرَ عَمَّا دُونَ ذَلِكَ.

وَفِيهِ النَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْوَرَثَةِ، وَأَنَّ خِطَابَ الشَّارِعِ لِلْوَاحِدِ يَعُمُّ مَنْ كَانَ بِصِفَتِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ لِإِطْبَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ سَعْدٍ هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ إِنَّمَا وَقَعَ لَهُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ، وَلَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بعض الأصول: «إن يترك» بكسر الهمزة على أنَّها شرطية، والجزاء محذوف تقديره: إن يترك ورثته أغنياء فهو خير (مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ).

٢٧٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ) خاله (عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين كالسَّابق (عَنْ) أبيه (سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ) أنَّه (قَالَ: جَاءَ (١) النَّبِيُّ ) حال كونه (يَعُودُنِي) زاد الزُّهريُّ في روايته في «الهجرة» [خ¦٤٤٠٩] من وجعٍ أشفيت منه على الموت (وَأَنَا بِمَكَّةَ) في حجة الوداع أو في (٢) الفتح أو في كلٍّ منهما (وَهْوَ) أي: النَّبيُّ أو سعدٌ (يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ ابْنَ عَفْرَاءَ) وفي رواية الزُّهريِّ عن عامرٍ في «الفرائض» [خ¦٦٧٣٣] لكن البائس سعد بن خولة. قال الدِّمياطيُّ: والزُّهريُّ أحفظ من سعد بن إبراهيم، فلعلَّه وهم في قوله: «ابن عفراء» ويحتمل أن يكون لأمه اسمان: خولة وعفراء، أو يكون أحدهما اسمًا والآخر لقبًا، أو أحدهما اسم أمِّه والآخر اسم أبيه. قال سعد بن أبي وقاص: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ) بالرَّفع لأبوي ذَرٍّ والوقت، أي: أفيجوز الشَّطر؟ وهو النِّصف، والجرِّ عطفًا على قوله: بمالي كلِّه، أي: فأوصي بالنِّصف؟ وقال الزَّمخشريُّ: هو بالنَّصب على تقدير فعلٍ، أي: أعيِّن النِّصف أو أسمِّي النِّصف (قَالَ: لَا. قُلْتُ: الثُّلُثَُِ) بالرَّفع والجرِّ والنَّصب، ولأبي ذَرٍّ: «فالثِّلثُِ» بالفاء والرَّفع والجرِّ (قَالَ) : (فَالثُّلُثَُِ) بالنَّصب على الإغراء، أو بالرَّفع على الفاعل، أي: يكفيك

الثُّلثُ أو على تقدير الابتداء والخبرُ محذوفٌ، أي: الثُّلث كافٍ أو العكس -وبالجرِّ- ولأبي ذَرٍّ: «قال: الثُّلث» بغير فاء (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) بالمثلَّثة بالنِّسبة إلى ما دونه، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون لبيان أنَّ التَّصدُّق بالثُّلث هو الأكمل، أي: كثيرٌ أجره (١)، ويحتمل أن يكون معناه: كثيرٌ غير قليلٍ. قال الشَّافعيُّ: وهذا أَولى معانيه، يعني: أنَّ الكثرة أمرٌ نسبيٌّ (إِنَّكَ) بالكسر على الاستئناف، وتُفتَح بتقدير حرف الجرِّ، أي: لأنَّك (أنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ) أي: بنته وأولاد أخيه عتبة بن أبي وقَّاص، منهم: هاشم بن عتبة الصَّحابيُّ، ولأبي ذَرٍّ: «أَنْ تدعَ أنت ورثتك» (أَغْنِيَاءَ) وهمزة «أَنْ تدعَ» مفتوحةٌ على التَّعليل (٢)، فمحلُّ «أن تدع» مرفوعٌ على الابتداء، أي: تَرْكُكَ أولادَكَ أغنياءَ، والجملة بأسرها خبرُ «أَنْ» وبكسرها على الشَّرطيَّة، وجزاء الشَّرط قوله: (خَيْرٌ) على تقدير: فهو خيرٌ، وحذفُ الفاء من الجزاء سائغٌ شائعٌ غير مختصٍّ (٣) بالضَّرورة، ومن ذلك قوله في حديث اللُّقطة: «فإن جاء صاحبها، وإلَّا استمتع بها» [خ¦٢٤٢٦] بحذف الفاء في أشباهٍ لذلك (٤) ومَن خصَّ هذا الحذف بضرورة الشِّعر فقد حاد عن التَّحقيق، وضيَّق حيث لا تضييق، كما قاله ابن مالك، ورُدَّ: بأنَّه يبقى الشَّرط بلا جزاء. وأُجِيب بأنَّه إذا صحَّت الرِّواية فلا التفات إلى مَن لم يجوِّز حذف الفاء من الجملة الاسمية، بل هو دليلٌ عليه. قال ابن مالكٍ: الأصل إن تركت ورثتك أغنياء فهو خير، فحذفَ الفاء والمبتدأ، ونظيره قوله: «فإن جاء صاحبها وإلَّا استمتع بها» (٥)، وذلك ممَّا زعم النَّحويون أنَّه مخصوصٌ

بالضَّرورة وليس مخصوصًا بها (١)، بل يكثر استعماله في الشِّعر ويقلُّ في غيره، ومن خصَّ هذا الحذف بالشِّعر (٢) حاد عن التَّحقيق، وضيَّق (٣) حيث لا تضييق (٤). انتهى. (مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً) بتخفيف اللَّام، فقراء (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يسألونهم بأكفِّهم بأن يبسطوها للسُّؤال، أو يسألون ما يكفُّ عنهم الجوع (فِي أَيْدِيهِمْ) أي: بأيديهم، أو يسألون (٥) بأكفِّهم، وضع المسؤول في أيديهم (وَإِنَّكَ مَهْمَا) عطفٌ على «إنَّك (٦) أن تدع، أي: وإنَّك إن عشت فمهما (أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ) ابتغاء وجه الله (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ) فالأجر حاصلٌ لك حيًّا وميِّتًا، وأجر الواجب يزداد بالنِّية، فافهم (حَتَّى اللُّقْمَةَُِ) بالجرِّ على أنَّ «حتَّى» جارَّة، وبالرَّفع لأبي ذَرٍّ على كونها ابتدائيَّةً، والخبرُ (تَرْفَعُهَا) وبالنَّصب. قال في «فتح الباري»: عطفًا على «نفقة»، والظَّاهر أنَّه سقط من نسخته حرف الجرِّ، أو مراده العطف على الموضع، ولغير أبي ذرٍّ «حتَّى اللقمة الَّتي ترفعها» (إِلَى فِي امْرَأَتِكَ) فمها (وَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْفَعَكَ) أي: يطيل عمرك، وقد حقَّق الله ذلك، فاتَّفقوا على أنَّه عاش بعد ذلك قريبًا من خمسين سنة (٧) (فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ) من المسلمين بالغنائم ممَّا سيفتح الله على يديك من بلاد الشِّرك (وَيُضَرَّ) مبنيٌّ (٨) للمفعول (بِكَ آخَرُونَ) من المشركين الَّذين يهلكون على يديك (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ) لابن أبي وقَّاصٍ (يَوْمَئِذٍ) وارثٌ من أرباب الفروض أو من الأولاد (إِلَّا ابْنَةٌ) واحدةٌ، قيل: اسمها: عائشة. وقال في «الفتح»: الظَّاهر أنَّها أمُّ الحَكَم الكبرى، وقال في «مقدمته» (٩): ووهم من قال: هي عائشة، لأنَّ عائشة أصغر أولاده، وعاشت إلى أن أدركها مالك بن أنسٍ، وقد كان لابن أبي وقَّاصٍ عدَّة أولاد، منهم: عمر وإبراهيم ويحيى وإسحاق وعبد الله وعبد الرَّحمن وعمران وصالح وعثمان، ومن البنات ثنتا (١٠) عشرة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ أَمر الْوَصِيَّة وإنكار عَائِشَة إِيَّاهَا، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن زُرَارَة، بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء الأولى: ابْن وَاقد الْكلابِي النَّيْسَابُورِي، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا وَإِسْمَاعِيل هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن علية، وَقد مر غير مرّة، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون، وَقد مر عَن قريب، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، والأوسود هُوَ ابْن يزِيد خَال إِبْرَاهِيم.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الْوَصَايَا عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن حميد بن مسْعدَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة وَفِي الْوَصَايَا عَن عَمْرو ابْن عَليّ وَفِي الْوَصَايَا أَيْضا عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجَنَائِز عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (ذكرُوا عِنْد عَائِشَة) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الشِّيعَة قد وضعُوا أَحَادِيث فِي أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوصى بالخلافة لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرد عَلَيْهِم جمَاعَة من الصَّحَابَة ذَلِك، وَكَذَا من بعدهمْ، فَمن ذَلِك مَا قالته عَائِشَة من إِنْكَار ذَلِك حَيْثُ قَالَت: (قد كنت مسندته) إِلَى آخِره. وَقيل: الَّذِي يظْهر أَنهم ذكرُوا عِنْدهَا أَنه أوصى لَهُ بالخلافة فِي مرض مَوته فَلذَلِك سَاغَ لَهَا إِنْكَار ذَلِك، وأسندت إِلَى ملازمتها لَهُ فِي مرض مَوته إِلَى أَن مَاتَ فِي حجرها فَلم يَقع شَيْء من ذَلِك، فَلذَلِك أنكرتها. فَإِن قلت: هَذَا لَا يَنْفِي وُقُوع ذَلِك قبل مرض مَوته؟ قلت: حَدِيث عَليّ الَّذِي مضى عَن قريب يرد وُقُوعه أصلا. قَوْله: (مسندته) ، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِسْنَاد. قَوْله: (حجري) ، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْحجر، بِالْفَتْح وَالْكَسْر: الثَّوْب والحضن، والمصدر بِالْفَتْح لَا غير. قَوْله: (انخنث) ، أَي: انثنى وَمَال إِلَى السُّقُوط، ومادته: خاء مُعْجمَة وَنون وثاء مُثَلّثَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: (انخنث) أَي: انْكَسَرَ وانثنى لاسترخاء أَعْضَائِهِ عِنْد الْمَوْت، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : انحنث السقاء وخنث إِذا مَال، وَمِنْه المخنث للينه وتكسر أَعْضَائِهِ.

٢ - (بابٌ أَن يَتْرُكَ ورَثَتَهُ أغْنِياءً خيْرٌ مِنْ أنْ يتَكَفَّفُوا النَّاسَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن يتْرك ... إِلَى آخِره، وَأخذ هَذِه التَّرْجَمَة من لفظ الحَدِيث مَعَ بعض تغير فِي اللَّفْظ، فَإِن لفظ الحَدِيث: (إِنَّك إِن تدع وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تَدعهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس) ، وَكلمَة: أَن، يجوز فِيهَا فتح الْهمزَة وَكسرهَا، فَفِي الْفَتْح يكون: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: بِأَن يتْرك، أَي: تَركه ورثته أَغْنِيَاء. فَقَوله أَن يتْرك فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء بالتقدير الْمَذْكُور، وَقَوله: خير، خَبره، وَفِي الْكسر تكون: إِن شَرْطِيَّة وجزاؤها مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن يتْرك ورثته أَغْنِيَاء فَهُوَ خير، وَقَالَ ابْن مَالك: من خص هَذَا الحكم بالشعر فقد ضيق الْوَاسِع، والتكفف بسط الْكَفّ للسؤال، أَو يسْأَل النَّاس كفافاً من الطَّعَام أَو مَا يكف الجوعة، أَو بِمَعْنى: يسْأَلُون بالكف.

٢٤٧٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ عامِرِ بنِ سَعدٍ عنْ سَعْدِ ابنِ أبِي وقَّاصٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ جاءَ النبيُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعُودُنِي وأنَا بِمَكَّةَ وهْوَ يَكْرَهُ أنْ يَمُوتَ بالأرْضِ الَّتِي هاجَرَ مِنْهَا قَالَ يَرْحَمُ الله ابنَ عَفْرَاءَ قُلْتُ يَا رسولَ الله أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ لَا قُلْتُ فالشَّطْرِ قَالَ لَا قلْتُ الثُّلْثُ قَالَ فالثُّلْثِ والثُّلْثُ كَثيرٌ إنَّكَ أنْ تدَعَ ورَثَتَكَ أغْنِيَاءَ خيْرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عالَةً يَتكَفُّفُونَ النَّاسَ فِي أيْدِيهِمْ وإنَّكَ مَهْمَا أنْفَقْتَ مِنْ نَفَقةٍ فإنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأتِكَ وعَساى الله أنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسً ويُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إلَاّ ابْنةٌ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا مِنْهُ كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَسعد ابْن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وعامر بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: (بَاب رثاء النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سعد بن خَوْلَة) ، وَقد مضى بعض الْكَلَام فِيهِ، ولنتكلم أَيْضا زِيَادَة للفائدة.

قَوْله: (يعودنِي) ، جملَة وَقعت حَالا، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَأَنا بِمَكَّة) ، حَال، وَزَاد الزُّهْرِيّ فِي رِوَايَته فِي حجَّة الْوَدَاع: من

وجع اشْتَدَّ بِي، وَله فِي الْهِجْرَة: من وجع أشفيت مِنْهُ على الْمَوْت. وَاتفقَ أَصْحَاب الزُّهْرِيّ على أَن ذَلِك كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع إلَاّ ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: فِي فتح مَكَّة، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَغَيره من طَرِيقه وَاتفقَ الْحفاظ على أَنه وهم فِيهِ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي الْفَرَائِض من طَرِيقه، فَقَالَ: (بِمَكَّة) ، وَلم يذكر الْفَتْح، وَيُؤَيّد كَلَام ابْن عُيَيْنَة مَا رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ) وَابْن سعد من حَدِيث عَمْرو بن الْقَارِي: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قدم فخلف سَعْدا مَرِيضا حَيْثُ خرج إِلَى حنين، فَلَمَّا قدم من الْجِعِرَّانَة مُعْتَمِرًا دخل عَلَيْهِ وَهُوَ مغلوب، فَقَالَ: يَا رَسُول الله {إِن لي مَالا وَإِنِّي أورث كَلَالَة، أفأوصي بِمَا لي ... الحَدِيث، وَفِيه: قلت: يَا رَسُول الله} أميّت أَنا بِالدَّار الَّتِي خرجت مِنْهَا مُهَاجرا؟ قَالَ: إِنِّي لأرجو أَن يرفعك الله حَتَّى ينْتَفع بك أَقوام ... الحَدِيث. فَإِن قلت: بَين الرِّوَايَتَيْنِ فيهمَا مَا فِيهِ؟ قلت: يُمكن التَّوْفِيق بَينهمَا بِأَن يكون ذَلِك وَقع مرَّتَيْنِ: مرّة عَام الْفَتْح، وَمرَّة عَام حجَّة الْوَدَاع فَفِي الأولى: لم يكن لَهُ وَارِث من الْأَوْلَاد أصلا. وَفِي الثَّانِيَة: كَانَت لَهُ بنت فَقَط. قَوْله: (وَهُوَ يكره أَن يَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجر مِنْهَا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ يكره، أَي: رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ كَلَام سعد يَحْكِي كَلَام رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو هُوَ كَلَام عَام يَحْكِي حَال وَلَده، وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (وَهُوَ يكره أَن يَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجر مِنْهَا) ، يحْتَمل أَن تكون الْجُمْلَة حَالا من الْمَفْعُول وَهُوَ سعد فَفِيهِ الْتِفَات، لِأَن السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يَقُول: وَأَنا أكره ... انْتهى. قلت: هَذَا لَا يَخْلُو من التعسف، وَالظَّاهِر من التَّرْكِيب أَن الْجُمْلَة حَال من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالضَّمِير فِي: يكره، يرجع إِلَيْهِ، وَالَّذِي فِي: يَمُوت، يرجع إِلَى سعد، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن لَا يكون سعد كَارِهًا أَيْضا، لِأَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا كَانَ كَارِهًا لذَلِك فكراهة سعد بِالطَّرِيقِ الأولى، وَدلّ على كَرَاهَته مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن ثَلَاثَة من ولد سعد عَن سعد، بِلَفْظ: (فَقَالَ: يَا رَسُول الله {خشيت أَن أَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرت مِنْهَا، كَمَا مَاتَ سعد بن خَوْلَة) . قَوْله: (قَالَ: يرحم الله ابْن عفراء) ، كَذَا وَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان، فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يرحم الله سعد بن عفراء، ثَلَاث مَرَّات) . قَالَ الدَّاودِيّ: قَوْله: (ابْن عفراء) غير مَحْفُوظ، وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي: هُوَ وهم، وَالْمَعْرُوف: ابْن خَوْلَة. قَالَ: وَلَعَلَّ الْوَهم من سعد بن إِبْرَاهِيم، فَإِن الزُّهْرِيّ أحفظ مِنْهُ. وَقَالَ فِيهِ: سعد ابْن خَوْلَة، يُشِير بذلك إِلَى مَا وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق جرير بن يزِيد عَن عَامر بن سعد: لَكِن البائس سعد بن خَوْلَة مَاتَ فِي الأَرْض الَّتِي هَاجر مِنْهَا. قلت: البائس اسْم من بئس يبأس بؤساً وبأساً: إِذا خضع وافتقر واشتدت حَاجته، وَقَالَ التَّيْمِيّ: يحْتَمل أَن يكون لأمه إسمان: خَوْلَة وعفراء، وَقَالَ غَيره: وَيحْتَمل أَن يكون أَحدهمَا إسماً وَالْآخر لقباً، أَو أَحدهمَا اسْم أمه وَالْآخر اسْم أَبِيه أَو اسْم جدة لَهُ، وَقيل فِي خَوْلَة: خوليّ، بِكَسْر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء وَالْوَاو سَاكِنة بِلَا خلاف، وَأغْرب ابْن التِّين فَحكى عَن الْقَابِسِيّ فتحهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة فِي الْفَرَائِض، قَالَ سُفْيَان: وَسعد بن خَوْلَة رجل من بني عَامر بن لؤَي، وَذكر ابْن إِسْحَاق: أَنه كَانَ حليفاً لَهُم، وَقيل: كَانَ من الْفرس الَّذين نزلُوا الْيمن. قَوْله: (قلت: يَا رَسُول الله} أوصِي بِمَالي كُله؟) وَفِي رِوَايَة عَائِشَة بنت سعد عَن أَبِيهَا فِي الطِّبّ: أفأتصدق بِثُلثي مَالِي؟ وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ. فَإِن قلت: لفظ: أَتصدق، يحْتَمل التَّنْجِيز وَالتَّعْلِيق بِخِلَاف لفظ: أوصِي. قلت: لما كَانَ متحداً حمل لفظ: أَتصدق، على التَّعْلِيق جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِن قلت: مَا وَجه الِاخْتِلَاف فِي السُّؤَال؟ قلت: كَأَنَّهُ سَأَلَ أَولا عَن الْكل، ثمَّ سَأَلَ عَن الثُّلثَيْنِ، ثمَّ سَأَلَ عَن النّصْف، ثمَّ سَأَلَ عَن الثُّلُث، وَقد وَقع مَجْمُوع ذَلِك فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث عبيد الله بن عِيَاض عَن أَبِيه عَن جده عَمْرو ابْن عبد الْقَارِي: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل على سعد بن مَالك يَوْم الْفَتْح ... الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ سعد: يَا رَسُول الله! (إِن مَالِي كثير وإنني أورث كَلَالَة، أفأتصدق بِمَالي كُله؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أفأتصدق بثلثيه؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أفأتصدق بشطره؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أفأتصدق بِثُلثِهِ؟ قَالَ: نعم، وَذَلِكَ كثير) ، قَوْله: (قلت فَالشَّطْر) ، أَي: النّصْف، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ بِالْجَرِّ أَو الرّفْع؟ قلت: وَجه الْجَرّ أَن يكون مَعْطُوفًا على قَوْله: بِمَالي كُله، وَوجه الرّفْع على تَقْدِير حذف الرافع، تَقْدِيره: أفيجوز الشّطْر؟ وَنسب إِلَى الزَّمَخْشَرِيّ جَوَاز النصب على تَقْدِير: أعيَّن الشطرَ أَو أسمي أَو نَحْو ذَلِك. قَوْله: (قلت: الثُّلُث؟) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، وَفِي بعض النّسخ: فَالثُّلُث،

بِالْفَاءِ، فَإِن صحت هَذِه فَيجوز فِيهِ الْجَرّ أَيْضا، وَلَا يخفى ذَلِك على من يتَأَمَّل فِيهِ. قَوْله: (قَالَ: فَالثُّلُث؟) نصب على الإغراء، وَيجوز الرّفْع على الْفَاعِل، أَي: يَكْفِيك الثُّلُث؟ أَو على تَقْدِير الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف أَو على الْعَكْس. قَوْله: (وَالثلث كثير) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة أَو بِالْبَاء الْمُوَحدَة. وَقَوله: (قلت: فَالثُّلُث؟ قَالَ: الثُّلُث، وَالثلث كثير) ، كَذَا هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ فِي الْهِجْرَة: (قَالَ: الثُّلُث يَا سعد، وَالثلث كثير، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مُصعب بن سعد عَن أَبِيه: (قلت: فَالثُّلُث؟ قَالَ: نعم، وَالثلث كثير) . وَفِي رِوَايَة عَائِشَة بنت سعد عَن أَبِيهَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ: (قَالَ: الثُّلُث، وَالثلث كثير أَو كَبِير) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ عَن سعد بِلَفْظ: (فَقَالَ: أوصيت؟ قلت: نعم، قَالَ: بكم؟ قلت: بِمَالي كُله. قَالَ: فَمَا تركت لولدك؟ وَفِيه: أوصِ بالعشر؟ قَالَ: فَمَا زَالَ يَقُول وَأَقُول حَتَّى قَالَ: أوص بِالثُّلثِ، وَالثلث كثير أَو كَبِير) يَعْنِي: بِالْمُثَلثَةِ أَو بِالْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ شكّ من الرَّاوِي، وَالْمَحْفُوظ فِي أَكثر الرِّوَايَات بِالْمُثَلثَةِ، وَمَعْنَاهُ كثير بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دونه. قَوْله: (إِنَّك إِن تدع) ، قد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْبَاب وَقَالَ النَّوَوِيّ: فتح: (إِن) وَكسرهَا صَحِيحَانِ، يَعْنِي: بِالْفَتْح تكون للتَّعْلِيل، وبالكسر تكون للشّرط. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا معنى للشّرط هُنَا لِأَنَّهُ يصير لَا جَوَاب لَهُ وَيبقى: خير، لَا رَافع لَهُ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: سمعناه من رُوَاة الحَدِيث بِالْكَسْرِ، وَأنْكرهُ شَيخنَا عبد الله بن أَحْمد، يَعْنِي: ابْن الخشاب، وَقَالَ: لَا يجوز الْكسر، لِأَنَّهُ لَا جَوَاب لَهُ لخلو لفظ: خير، من الْفَاء، انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام سَاقِط من رجل ضَابِط، وَقد قُلْنَا: إِن الْفَاء حذفت وَتَقْدِيره: فَهُوَ خير، وَحذف الْفَاء من الْجَزَاء سَائِغ شَائِع غير مُخْتَصّ بِالضَّرُورَةِ. قَوْله: (وَرثتك) ، قيل: إِنَّمَا عبر بِلَفْظ: الْوَرَثَة، وَلم يقل: أَن تدع بنتك، مَعَ أَنه لم يكن لَهُ يَوْمئِذٍ إلَاّ ابْنة وَاحِدَة لكَون الْوَارِث حِينَئِذٍ لم يتَحَقَّق، لِأَن سَعْدا إِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِنَاء على مَوته فِي ذَلِك الْمَرَض وبقائها بعده حَتَّى تَرثه، فَأَجَابَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِكَلَام كلي مُطَابق لكل حَاله، وَهُوَ قَوْله: (وَرثتك) ، وَلم يخص بِنْتا من غَيرهَا. وَقيل: إِنَّمَا عبر: بالورثة، لِأَنَّهُ اطلع على أَن سَعْدا سيعيش ويأتيه أَوْلَاد غير الْبِنْت الْمَذْكُورَة، فَكَانَ ذَلِك، وَولد لَهُ بعد ذَلِك أَرْبَعَة بَنِينَ، وَلَا أعرف أَسْمَاءَهُم، وَلَعَلَّ الله أَن يفتح بذلك، وَهَذَا ذُهُول شَدِيد مِنْهُ، فَإِن ثَلَاثَة من أَوْلَاده مذكورون فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عِنْد مُسلم من طَرِيق عَامر وَمصْعَب وَمُحَمّد ثَلَاثَتهمْ عَن سعد، وَالرَّابِع وَهُوَ عمر ابْن سعد فِي مَوضِع آخر، وَله غير هَؤُلَاءِ من الذُّكُور: إِبْرَاهِيم وَيحيى وَإِسْحَاق وَعبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَعَمْرو وَعمْرَان وَصَالح وَعُثْمَان وَإِسْحَاق الْأَصْغَر وَعمر الْأَصْغَر وَعُمَيْر مُصَغرًا وَغَيرهم، وَمن الْبَنَات: ثنتا عشرَة بِنْتا، وَقيل: لِأَن مِيرَاثه لم يكن منحصراً فِي بنته، وَقد كَانَ لِأَخِيهِ عتبَة بن أبي وَقاص أَوْلَاد إِذْ ذَاك مِنْهُم: هَاشم بن عتبَة الصَّحَابِيّ الَّذِي قتل بصفين. قَوْله: (عَالَة) أَي: فُقَرَاء، وَهُوَ جمع: عائل، وَهُوَ الْفَقِير من: عَال يعيل إِذا افْتقر وَمر تَفْسِيره: يَتَكَفَّفُونَ، فِي أول الْبَاب. قَوْله: (فِي أَيْديهم) أَي: بِأَيْدِيهِم، أَو الْمَعْنى: يسْأَلُون بالكف اللِّقَاء فِي أَيْديهم. قَوْله: (وَإنَّك) ، عطف على قَوْله: (إِن تدع) وَهَذَا كَأَنَّهُ عِلّة للنَّهْي عَن الْوَصِيَّة بِأَكْثَرَ من الثُّلُث، فينحل التَّرْكِيب إِلَى قَوْله: لَا تفعل، لِأَنَّك إِن مت تركت وَرثتك أَغْنِيَاء، وَإِن عِشْت تَصَدَّقت وانفقت، فالأجر حَاصِل لَك حَيا وَمَيتًا. قَوْله: (فَإِنَّهَا صَدَقَة) أَي: فَإِن النَّفَقَة صَدَقَة، وَأطلق الصَّدَقَة فِي هَذِه الرِّوَايَة وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: (فَإنَّك لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله إلَاّ أجرت بهَا) ، وَفِيه ذكرهَا مُقَيّدَة بابتغاء وَجه الله وعلق حُصُول الْأجر بذلك وَهُوَ الْمُعْتَبر. وَفِيه دلَالَة على أَن أجر الْوَاجِب يزْدَاد بِالنِّيَّةِ، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ. قَوْله: (حَتَّى اللُّقْمَة) ، حَتَّى هَذِه ابتدائية، يَعْنِي: حرف ابْتِدَاء ابْتَدَأَ بعده إِمَّا جملَة إسمية، كَمَا فِي قَوْله: حَتَّى مَاء دجلة، أشكل، أَو فعلية، كَمَا فِي قَوْله: حَتَّى عفوا، وَهنا الْجُمْلَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَقَالَ بَعضهم: حَتَّى اللُّقْمَة، بِالنّصب عطفا على نَفَقَة، وَفِيه نظر، قَوْله: (إِلَى فِي امْرَأَتك) أَي: إِلَى فَم امْرَأَتك. فَإِن قلت: مَا وَجه تعلق النَّفَقَة بِقصَّة الْوَصِيَّة؟ قلت: لما كَانَ سُؤال سعد مشعراً برغبته فِي تَكْثِير الْأجر وَمنعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الزِّيَادَة على الثُّلُث، قَالَ لَهُ مسلياً: إِن جَمِيع مَا تَفْعَلهُ فِي مَالك من صَدَقَة ناجزة، وَمن نَفَقَة، وَلَو كَانَت وَاجِبَة توجر بهَا إِذا ابْتَغَيْت بذلك وَجه الله تَعَالَى. فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيص الْمَرْأَة بالذّكر؟ قلت: لِأَن نَفَقَتهَا مستمرة بِخِلَاف غَيرهَا. قَوْله: (عَسى الله أَن يرفعك) ، أَي: يُطِيل عمرك، وَكَذَلِكَ اتّفق فَإِنَّهُ عَاشَ بعد ذَلِك أَزِيد من أَرْبَعِينَ سنة، لِأَنَّهُ مَاتَ سنة خمس وَخمسين من الْهِجْرَة. وَقيل: سنة ثَمَان وَخمسين، فَيكون عَاشَ بعد حجَّة الْوَدَاع خمْسا وَأَرْبَعين أَو ثمانياً وَأَرْبَعين سنة. قَوْله: (فينتفع بك نَاس) أَي: ينْتَفع بك الْمُسلمُونَ بالغنائم مِمَّا سيفتح الله على يَديك من بِلَاد الشّرك، ويضرّ بك الْمُشْركُونَ الَّذين يهْلكُونَ على يَديك، وَزعم ابْن التِّين أَن المُرَاد بالنفع بِهِ مَا وَقع من الْفتُوح على يَدَيْهِ: كالقادسية وَغَيرهَا، وبالضرر مَا وَقع من تأمير

وَلَده عمر بن سعد على الْجَيْش الَّذين قتلوا الْحُسَيْن بن عَليّ وَمن مَعَه، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَرْدُود لتكلفه بِغَيْر ضَرُورَة تحمل على إِرَادَة الضَّرَر الصَّادِر من وَلَده. قلت: لَا ينظر فِيهِ من هَذَا الْوَجْه، بل فِيهِ معْجزَة من معجزات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ أخبر بذلك بِالْإِشَارَةِ قبل وُقُوعه. وَعَن الطَّحَاوِيّ فِي ذَلِك وَجه آخر، وَهُوَ أَنه روى من طَرِيق بكير بن عبد الله بن الْأَشَج عَن أَبِيه: أَنه سَأَلَ عَامر بن سعد عَن معنى قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا، فَقَالَ: لما أَمر سعدٌ على الْعرَاق أَتَى بِقوم ارْتَدُّوا فاستتابهم، فَتَابَ بَعضهم وَامْتنع بَعضهم، فَانْتَفع بِهِ من تَابَ وَحصل الضَّرَر للآخرين. قَوْله: (وَلم يكن لَهُ يَوْمئِذٍ إلَاّ ابْنة) ، وَفِي رِوَايَة عَائِشَة بنت سعد أَن سَعْدا قَالَ: (وَلَا يَرِثنِي إلَاّ ابْنة وَاحِدَة) . قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ لَا يَرِثنِي من الْوَلَد. أَو من خَواص الْوَرَثَة أَو من النِّسَاء، وإلَاّ فقد كَانَ لسعد عصبات، لِأَنَّهُ من بني زهرَة وَكَانُوا كثيرين. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا يَرِثنِي من أَصْحَاب الْفُرُوض. وَقيل: خصها بِالذكر على تَقْدِير: لَا يَرِثنِي مِمَّن أَخَاف عَلَيْهِ الضّيَاع وَالْعجز إلَاّ هِيَ. وَقيل: ظن أَنَّهَا تَرث جَمِيع المَال، وَقيل: استكثر لَهَا نصف التَّرِكَة. فَإِن قلت: هَل ذكر أحد من الشُّرَّاح اسْم هَذِه الْبِنْت؟ قلت: ذكر بَعضهم عَن بعض الْمُتَأَخِّرين أَن اسْمهَا: عَائِشَة، ثمَّ قَالَ: فَإِن كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فَهِيَ غير عَائِشَة بنت سعد الَّتِي رَوَت هَذَا الحَدِيث عِنْد البُخَارِيّ، فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَفِي الطِّبّ وَهِي تابعية عمرت حَتَّى أدْركهَا مَالك، وروى عَنْهَا، وَمَاتَتْ سنة سبع عشرَة وَمِائَة، لَكِن لم يذكر أحد من النسابين لسعد بِنْتا تسمى عَائِشَة غير هَذِه، وَذكروا أَن أكبر بَنَاته: أم الحكم الْكُبْرَى، وَأمّهَا بنت شهَاب بن عبد الله بن الْحَارِث بن زهرَة، وَذكروا لَهُ بَنَات أُخْرَى أمهاتهن متأخرات الْإِسْلَام بعد الْوَفَاة النَّبَوِيَّة، فَالظَّاهِر أَن الْبِنْت الْمَذْكُورَة هِيَ: أم الحكم، الْمَذْكُورَة لتقدم تَزْوِيج سعد بأمها. انْتهى، وَهَذَا أَيْضا تخمين، وَالله أعلم.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قد ذكرنَا أَكثر ذَلِك فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب رثاء النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سعد بن خَوْلَة، ولنذكر بعض شَيْء. وَفِيه: زِيَارَة الْمَرِيض للْإِمَام فَمن دونه. وَفِيه: دُعَاء الزائر للْمَرِيض بطول الْعُمر. وَفِيه: الْحَث على صلَة الرَّحِم وَالْإِحْسَان إِلَى الْأَقَارِب، وَأَن صلَة الْأَقْرَب أفضل من صلَة الْأَبْعَد. وَفِيه: الْإِنْفَاق فِي وُجُوه الْخَيْر، لِأَن الْمُبَاح إِذا قصد بِهِ وَجه الله، صَار طَاعَة، وَقد نبه على ذَلِك بِأَقَلّ الحظوظ الدُّنْيَوِيَّة العادية، وَهُوَ وضع اللُّقْمَة فِي فَم الزَّوْجَة إِذْ لَا يكون ذَلِك غَالِبا إلَاّ عِنْد الملاعبة والممازحة، وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ يُؤجر عَلَيْهِ إِذا قصد بِهِ قصدا صَحِيحا، فَكيف بِمَا هُوَ فَوق ذَلِك؟ وَفِيه: أَن من لَا وَارِث لَهُ يجوز لَهُ الْوَصِيَّة بِأَكْثَرَ من الثُّلُث، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَن تذر وَرثتك أَغْنِيَاء) ، فمفهومه أَن من لَا وَارِث لَهُ لَا يُبَالِي بِالْوَصِيَّةِ بِمَا زَاد على الثُّلُث) . وَفِيه: اسْتِدْلَال من يرى بِالرَّدِّ بقوله: وَلَا يَرِثنِي إلَاّ ابْنة لي، للحصر. وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن المُرَاد من ذَوي الْفُرُوض، وَمن قَالَ بِالرَّدِّ لَا يَقُول بِظَاهِرِهِ، لأَنهم يعطونها فَرضهَا ثمَّ يردون عَلَيْهَا الْبَاقِي. وَظَاهر الحَدِيث: أَنَّهَا تَرث الْجَمِيع ابْتِدَاء. انْتهى. قلت: هَذَا عِنْد ظَنّه أَنَّهَا تَرث الْجَمِيع، وَالْبِنْت الْوَاحِدَة لَيْسَ لَهَا إلَاّ النّصْف وَالْبَاقِي يكون بِالرَّدِّ بِنَصّ آخر، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض} (الْأَنْفَال: ٥٧) . يَعْنِي: بَعضهم أولى بِالْمِيرَاثِ بِسَبَب الرَّحِم، وَالله أعلم.

٣ - (بابُ الوَصِيَّةِ بالثُّلْثِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْوَصِيَّة بِالثُّلثِ.

وقالَ الحَسَنُ لَا يَجُوزُ للذِّمِّيِّ وصِيَّةٌ إلَاّ الثُّلُثَ

الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ أَرَادَ أَن الذِّمِّيّ إِذا أوصى بِأَكْثَرَ من ثلث مَاله لَا يجوز، وَأما الْمُسلم إِذا أوصى بِأَكْثَرَ من ثلث مَاله، فَإِن لم يكن لَهُ وَرَثَة جَازَ، وَإِن كَانَت لَهُ وَرَثَة فَإِن جازوا جَازَت الْوَصِيَّة، وَإِن ردوا بطلت الْوَصِيَّة. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجوز إلَاّ فِي الثُّلُث. وَيُوضَع الثُّلُثَانِ لبيت المَال. وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا الرَّد على من قَالَ كالحنفية بِجَوَاز الْوَصِيَّة بِالزِّيَادَةِ على الثُّلُث لمن لَا وَارِث لَهُ، وَلذَلِك احْتج بقوله تَعَالَى: {وَأَن أحكم بَينهم بِمَا أنزل الله} (الْمَائِدَة: ٩٤) . وَالَّذِي حكم بِهِ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الثُّلُث هُوَ الحكم بِمَا أنزل الله، فَمن تجَاوز مَا حَده فقد أَتَى مَا نهى عَنهُ، ورد عَلَيْهِ بِأَن البُخَارِيّ لم يرد هَذَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الاستشهاد بِالْآيَةِ على أَن الذِّمِّيّ إِذا تحاكم إِلَيْنَا ورثته لَا تنفذ من وَصيته إلَاّ الثُّلُث، لأَنا لَا نحكم فيهم إلَاّ بِحكم

الْإِسْلَام، لقَوْله تَعَالَى: {وَإِن أحكم بَينهم بِمَا أنزل الله ... } (الْمَائِدَة: ٩٤) . الْآيَة. قلت: الْعجب من البُخَارِيّ أَنه ذكر عَن الْحسن أَنه لَا يرى للذِّمِّيّ بِالْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ من الثُّلُث، فليت شعري مَا وَجه ذكر هَذَا، وَالْحَال أَن حكم الْمُسلم كَذَلِك عِنْده، وَعند غير الْحَنَفِيَّة. وأعجب مِنْهُ كَلَام ابْن بطال الَّذِي تمحل فِي كَلَامه بالمحال وَاسْتحق الرَّد على كل حَال، وَأبْعد من هَذَا وَأكْثر استحقاقاً بِالرَّدِّ هُوَ صَاحب (التَّوْضِيح) حَيْثُ يَقُول: وعَلى قَول ابْن حنيفَة رد البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب، وَلذَلِك صدر بقول الْحسن، ثمَّ بِالْآيَةِ، فسبحان الله كَيفَ يرد على أبي حنيفَة بقول الْحسن، فَمَا وَجه ذَلِك؟ لَا يُدرى.

وَقَالَ الله تعَالى {وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنْزَلَ الله} (الْمَائِدَة: ٩٤) .

٤٤٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ عَدِيٍّ قَالَ حدَّثنا مَرْوَانُ عنْ هاشِمِ بنِ هاشِمٍ عنْ عامِرِ بنِ سعْدٍ عنْ أبيِهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مَرِضْتُ فعَادَنِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ يَا رسولَ الله ادْعُ الله (أنْ لَا يَرُدَّنِي علَى عَقِبي قَالَ لعَلَّ الله أنْ يرْفَعَكَ ويَنْفَعَ بِكَ نَاسا قُلْتُ أُرِيدُ أنْ أُوصِي وإنَّمَا لي ابْنَةٌ قُلْتُ أُوصِي بالنِّصْفِ قَالَ النِّصفُ كَثيرٌ قلْتُ فالثُّلْثُ قَالَ الثُّلْثُ والثُّلْثُ كَثير أوْ كَبِيرٌ قَالَ فأوْصاى النَّاسُ بالثُّلْثِ وجازَ ذالِكَ لَهُمْ.

.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده