«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨٩٨

الحديث رقم ٢٨٩٨ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يقول فلان شهيد.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا…

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقَالَ: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ: وَمَا ذَاكَ. قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.»

سند حديث: ٢٨٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا…

٢٨٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا…

التقى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المشركين في غزوة خيبر فقتل بعضهم بعضًا، ولما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معسكره وذهب المشركون إلى معسكرهم، ومع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل -واسمه قُزْمان، وهو معدود في المنافقين- لا يُبقي للمشركين شيء إلا أتى عليه، والشاذَّة هي التي كانت في القوم ثم شذت منهم، والفاذَّة من لم يختلط معهم أصلا، فوصفه أنه لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا ضربها بسيفه، فقال بعض الصحابة: ما أغنى ولا كفى اليوم منا أحد كما أغنى وكفى فلان. يقصدونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه من أهل النار، فقال أحد من سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأكون صاحبه، وآتي بخبره. فخرج معه وراقبه كلما توقف توقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، وبينما هو يراقبه جُرِح الرجل جرحًا كبيرًا، فاستعجل أن يموت لما يعاني من ألم الجرح، فوضع نصل سيفه على الأرض، وطرفه الحاد الذي يطعن به بين ثدييه، ثم مال على سيفه فقتل نفسه، فرجع صاحبه الذي كان يشاهده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أنك رسول الله، فرد عليه النبي: أي شيء ذاك؟ لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، فقال: الرجل الذي قلت سابقًا أنه من أهل النار، فكَبُر على الناس ذلك لأنهم يرونه يقاتل ويجاهد، فقلت لهم أنا آتيكم بخبره فخرجت خلفه أتتبعه، وحكى له ما كان من أمره وأنه قتل نفسه بسيفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس ولكنه من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يظهر للناس ولكنه من أهل الجنة، فالصحابة لما شهدوا رجحان هذا الرجل في أمر الجهاد كانوا يقولون: إنه شهيد لو قتل، ثم لما ظهر منه أنه لم يقاتل لله، وأنه قتل نفسه، علم أنه لا يطلق على كل مقتول في الجهاد أنه شهيد قطعًا، لاحتمال أن يكون مثل هذا، وإن كان يعطي له حكم الشهداء في الأحكام الظاهرة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • صدق الخبر النبوي عما يكون في المستقبل ووقوعه على ما أخبر به الشارع، وهو من علامات النبوة.
  • زيادة الإيمان في قلوب المؤمنين، ألا ترى أن الرجل حين رأى أن الآخر قتل نفسه، قال: حين أخبر به الرسول، صلى الله عليه وسلم: أشهد أنك لرسول الله.
  • الاعتبار بالخواتيم وبالنيات.
  • أن الله يؤيد دينه بالرجل الفاجر.
  • لا يطلق على كل مقتول في الجهاد أنه شهيد قطعا، لاحتمال أن يكون مثل هذا.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَذَكَرَ الْمَرْفُوعَ دُونَ مَا فِي أَوَّلِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقٍ مِسْعَرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظُهُ: أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا أَيْضًا لَكِنَّهُ اخْتَصَرَهُ وَلَفْظُهُ: يُنْصَرُ الْمُسْلِمُونَ بِدُعَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي: الْحِلْيَةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ وَقَالَ: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْروٍ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ السَّلَامِ.

قَوْلُهُ: (رَأَى) أَيْ ظَنَّ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَلَى مَنْ دُونَهُ) زَادَ النَّسَائِيُّ: مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ أَيْ: بِسَبَبِ شَجَاعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: إِنَّمَا نَصَرَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعَفَتِهِمْ بِدَعَوَاتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: إِنَّمَا تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ بِضُعَفَائِكُمْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّ الضُّعَفَاءَ أَشَدُّ إِخْلَاصًا فِي الدُّعَاءِ وَأَكْثَرُ خُشُوعًا فِي الْعِبَادَةِ لِخَلَاءِ قُلُوبِهِمْ عَنِ التَّعَلُّقِ بِزُخْرُفِ الدُّنْيَا، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: أَرَادَ بِذَلِكَ حَضَّ سَعْدٍ عَلَى التَّوَاضُعِ وَنَفْيِ الزَّهْوِ عَلَى غَيْرِهِ وَتَرْكِ احْتِقَارِ الْمُسْلِمِ فِي كُلِّ حَالَةٍ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقٍ مَكْحُولٍ فِي قِصَّةِ سَعْدٍ هَذِهِ زِيَادَةً مَعَ إِرْسَالِهَا فَقَالَ: قَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ وَيَدْفَعُ عَنْ أَصْحَابِهِ أَيُكُونُ نَصِيبُهُ كَنَصِيبِ غَيْرِهِ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ إِرَادَةُ الزِّيَادَةِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّ سِهَامَ الْقَاتِلَةِ سَوَاءٌ فَإِنْ كَانَ الْقَوِيُّ يَتَرَجَّحُ بِفَضْلِ شَجَاعَتِهِ فَإِنَّ الضَّعِيفَ يَتَرَجَّحُ بِفَضْلِ دُعَائِهِ وَإِخْلَاصِهِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ السِّرُّ فِي تَعْقِيبِ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْروٍ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَجَابِرٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ.

قَوْلُهُ: (يَغْزُو فِئَامٌ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَبِهَمْزَةٍ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ وَيَجُوزُ تَسْهِيلُهَا أَيْ جَمَاعَةٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَفَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ لِأَنَّهُ يُفْتَحُ لِلصَّحَابَةِ لِفَضْلِهِمْ ثُمَّ لِلتَّابِعِينَ لِفَضْلِهِمْ ثُمَّ لِتَابِعيِهِمْ لِفَضْلِهِمْ، قَالَ: وَلِذَلِكَ كَانَ الصَّلَاحُ وَالْفَضْلُ وَالنَّصْرُ لِلطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ أَقَلَّ فَكَيْفَ بِمَنْ بَعَدَهُمْ؟ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

٧٧ - بَاب لَا يَقُولُ فُلَانٌ شَهِيدٌ

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ

٢٨٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقَالَوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى

سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ الرَّجُلُ: الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

[الحديث ٢٨٩٨ - أطرافه في: ٤٢٠٢، ٤٢٠٧، ٦٤٩٣، ٦٦٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُقَالُ فُلَانٌ شَهِيدٌ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ بِذَلِكَ إِلَّا إِنْ كَانَ بِالْوَحْيِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ فقال: تَقُولُونَ فِي مَغ ازِيكُمْ فُلَانٌ شَهِيدٌ وَمَاتَ فَلَانٌ شَهِيدًا، وَلَعَلَّهُ قَدْ يَكُونُ قَدْ أَوْقَرَ رَاحِلَتَهُ، أَلَا لَا تَقُولُوا ذَلِكُمْ، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَسَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ثُمَّ فَاءٌ عَنْ عُمَرَ، وَلَهُ شَاهِدٌ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَنْ تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ؟ قَالُوا: مَنْ أَصَابَهُ السِّلَاحُ قَالَ: كَمْ مَنْ أَصَابَهُ السِّلَاحُ وَلَيْسَ بِشَهِيدٍ وَلَا حَمِيدٍ وَكَمْ مَنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتْفَ أَنِفَهُ عِنْدَ اللَّهِ صَدِّيقٌ وَشَهِيدٌ وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْقٍ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ مُصَغَّرٌ عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطَ الزَّاهِدِ الْمَشْهُورِ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ تَعْيِينِ وَصْفِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ بِأَنَّهُ شَهِيدٌ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ.

قَوْلُهُ: (وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ) أَيْ يُجْرَحُ، وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي، وَوَجْهُ أَخْذِ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ يَظْهَرُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمَاضِي مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يُطَّلَعُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالْوَحْيِ، فَمَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُعْطِيَ حُكْمَ الشَّهَادَةِ، فَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ أَيْ فَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ، فَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاقُ كَوْنِ كُلِّ مَقْتُولٍ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الَّذِي بَالَغَ فِي الْقِتَالِ حَتَّى قَالَ الْمُسْلِمُونَ: مَا أَجْزَأَ أَحَدٌ مَا أَجْزَأَ، ثُمَّ كَانَ آخِرَ أَمْرِهِ أَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَوَجْهُ أَخْذِ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ أَنَّهُمْ شَهِدُوا رُجْحَانَهُ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ، فَلَوْ كَانَ قُتِلَ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَشْهَدُوا لَهُ بِالشَّهَادَةِ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُقَاتِلْ لِلَّهِ وَإِنَّمَا قَاتَلَ غَضَبًا لِقَوْمِهِ، فَلَا يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَقْتُولٍ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ شَهِيدٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ هَذَا، وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ يُعْطَى حُكْمَ الشُّهَدَاءِ فِي الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ، وَلِذَلِكَ أَطْبَقَ السَّلَفُ عَلَى تَسْمِيَةِ الْمَقْتُولِينَ فِي بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَغَيْرِهِمَا شُهَدَاءَ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْحُكْمُ الظَّاهِرُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الظَّنِّ الْغَالِبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى تَبُوكَ قَالَ: لَا يَخْرُجُ مَعَنَا إِلَّا مُقَوًّى فَخَرَجَ رَجُلٌ عَلَى بَكْرٍ ضَعِيفٍ فُوُقِصَ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: الشَّهِيدُ الشَّهِيدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَا بِلَالُ نَادِ إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا عَاصٍ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ مِنْهُ إِلَّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٨٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمَّدٍ القارِّيُّ -بتشديد الياء- الإسكندرانيُّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ التَقَى هُوَ وَالمُشْرِكُونَ) (١) في حديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى في «باب إنَّ الله يؤيِّد الدِّين بالرَّجل الفاجر» [خ¦٣٠٦٢] التَّصريح بوقوع ذلك في خيبر، لكن (٢) في (٣) اتِّحاد القصَّتَين نظرٌ لما وقع بينهما من الاختلاف في بعض الألفاظ، وقد جزم ابن الجوزيِّ بأنَّ قصَّة سهلٍ هذه وقعت بأُحدٍ، ويؤيِّده أنَّ في حديث الباب عند أبي يَعلى الموصليِّ: أنَّه قيل لرسول الله يوم أحدٍ: ما رأينا مثل ما أبلى فلانٌ … الحديث (٤). وفي ذلك شيءٌ يأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] (فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ إِلَى عَسْكَرِهِ) أي: رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم (٥) (وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى

عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ رَجُلٌ) هو قُزْمان، بضمِّ القاف وسكون الزَّاي، بعدها ميمٌ فألفٌ فنونٌ (لَا يَدَعُ لَهُمْ) أي: للمشركين (شَاذَّةً) بشينٍ معجمةٍ، وبعد الألف ذالٌ معجمةٌ مشدَّدةٌ (وَلَا فَاذَّةً) بالفاء والذَّال المعجمة أيضًا، والأولى الَّتي تكون مع الجماعة ثمَّ تفارقهم، والأخرى الَّتي لم تكن قد اختلطت بهم أصلًا، أي: أنَّه لا يرى شيئًا إلَّا أتى عليه فقتله. والتَّأنيث إمَّا أن يكون للمبالغة، كعلَّامة ونسَّابة، أو نعت لمحذوفٍ، أي: لا يترك لهم نسمةً شاذَّةً (إِلَّا اتَّبَعَهَا، يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالَ) أي: قائلٌ، وعند الكُشْمِيهَنِيِّ في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] «فقلت» فإن كانت محفوظةً؛ فهو سهلٌ الساعديُّ: (مَا أَجْزَأَ) بجيمٍ وزايٍ فهمزةٍ أي: ما أغنى (مِنَّا اليَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ) أي: قُزْمان (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ) بوحيٍ من الله له: (أَمَا) بتخفيف الميم، استفتاحيَّةٌ، فتكسر الهمزة من قوله: (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) لنفاقه في الباطن (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) هو أكثم بن أبي الجَوْن الخزاعيُّ: (أَنَا صَاحِبُهُ) أي: أصحبه وألازمه لأنظر السَّبب الَّذي به يَصير (١) من أهل النَّار، فإنَّ فعله في الظَّاهر جميلٌ، وقد أخبره (٢) أنَّه من أهل النَّار، فلا بدَّ له من سببٍ عجيبٍ (قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بالأَرْضِ (٣) وَذُبَابَهُ) أي: طرفه الَّذي يضرب به (بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) بفتح المثلَّثة، تثنية ثدي (ثُمَّ تَحَامَلَ) أي: مال (عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ) أكثم (إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ) : (وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا) بمدِّ الهمزة وكسر النُّون، أي: الآن (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ. فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا) بضمِّ الجيم (شَدِيدًا (٤)،

فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ) واستُشكِل القطع بكونه من أهل النَّار بمجرَّد عصيانه بقتل نفسه، والمؤمن لا يكفر بالمعصية. وأُجيبَ: باحتمال أنَّه علم بالوحي أنَّه ليس مؤمنًا، أو أنَّه سيرتدُّ ويستحلُّ قتل نفسه، وفي حديث أكثم بن أبي الجون عند الطَّبرانيِّ فقلنا: يا رسول الله، فلانٌ (١) يجزي في القتال؟ قال: «هو في النَّار». قلنا: يا رسول الله، إذا كان فلانٌ في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النَّار، فأين نحن؟! قال: «ذاك إخبات النِّفاق» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو) أي: يظهر (لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو) أي: يظهر (لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) قال النَّوويُّ: فيه التَّحذير من الاغترار بالأعمال، وأنَّه ينبغي للعبد ألَّا يتَّكل عليها، ولا يركن إليها؛ مخافةً من انقلاب الحال للقدر السَّابق، وكذا ينبغي للعاصي ألَّا يقنط، ولغيره ألَّا يقنِّطه من رحمة الله تعالى.

ومطابقة الحديث (٢) للتَّرجمة من حيث إنَّهم شهدوا برجحانه في أمر الجهاد، فلو كان قُتِلَ؛ لم يمتنع أن يشهدوا له بالشَّهادة، فلمَّا ظهر أنَّه لم يقاتل لله، وإنَّما قاتل غضبًا، عُلِمَ أنَّه لا يُطلَق على كلِّ مقتولٍ في الجهاد بأنَّه (٣) شهيدٌ لاحتمال أن يكون مثل هذا. نعم، أطلقها السَّلف والخلف بناءً على الظَّاهر، أمَّا من استشهد معه كشهداء أحدٍ وبدرٍ ونحوهم؛ فلا خفاء به ظاهرًا، والظَّاهر أنَّ مَن بعدهم كذلك، وقد أجمع الفقهاء على أنَّ شهيد المعركة لا يُغسَّل، وللفقيه إذا سُئِلَ عن مؤمنٍ قُتِل كذلك أن يقول: هو شهيدٌ، والَّذي منعه أن يطلقه الإنسان جزمًا على الغيب، وهذا ممنوعٌ حتَّى في زمانه إلَّا بوحيٍ خاصٍّ، قاله ابن المُنَيِّر.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] ومسلمٌ في «الإيمان» و «القدر» (٤).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَذَكَرَ الْمَرْفُوعَ دُونَ مَا فِي أَوَّلِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقٍ مِسْعَرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظُهُ: أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا أَيْضًا لَكِنَّهُ اخْتَصَرَهُ وَلَفْظُهُ: يُنْصَرُ الْمُسْلِمُونَ بِدُعَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي: الْحِلْيَةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ وَقَالَ: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْروٍ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ السَّلَامِ.

قَوْلُهُ: (رَأَى) أَيْ ظَنَّ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَلَى مَنْ دُونَهُ) زَادَ النَّسَائِيُّ: مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ أَيْ: بِسَبَبِ شَجَاعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: إِنَّمَا نَصَرَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعَفَتِهِمْ بِدَعَوَاتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: إِنَّمَا تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ بِضُعَفَائِكُمْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّ الضُّعَفَاءَ أَشَدُّ إِخْلَاصًا فِي الدُّعَاءِ وَأَكْثَرُ خُشُوعًا فِي الْعِبَادَةِ لِخَلَاءِ قُلُوبِهِمْ عَنِ التَّعَلُّقِ بِزُخْرُفِ الدُّنْيَا، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: أَرَادَ بِذَلِكَ حَضَّ سَعْدٍ عَلَى التَّوَاضُعِ وَنَفْيِ الزَّهْوِ عَلَى غَيْرِهِ وَتَرْكِ احْتِقَارِ الْمُسْلِمِ فِي كُلِّ حَالَةٍ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقٍ مَكْحُولٍ فِي قِصَّةِ سَعْدٍ هَذِهِ زِيَادَةً مَعَ إِرْسَالِهَا فَقَالَ: قَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ وَيَدْفَعُ عَنْ أَصْحَابِهِ أَيُكُونُ نَصِيبُهُ كَنَصِيبِ غَيْرِهِ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ إِرَادَةُ الزِّيَادَةِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّ سِهَامَ الْقَاتِلَةِ سَوَاءٌ فَإِنْ كَانَ الْقَوِيُّ يَتَرَجَّحُ بِفَضْلِ شَجَاعَتِهِ فَإِنَّ الضَّعِيفَ يَتَرَجَّحُ بِفَضْلِ دُعَائِهِ وَإِخْلَاصِهِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ السِّرُّ فِي تَعْقِيبِ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْروٍ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَجَابِرٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ.

قَوْلُهُ: (يَغْزُو فِئَامٌ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَبِهَمْزَةٍ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ وَيَجُوزُ تَسْهِيلُهَا أَيْ جَمَاعَةٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَفَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ لِأَنَّهُ يُفْتَحُ لِلصَّحَابَةِ لِفَضْلِهِمْ ثُمَّ لِلتَّابِعِينَ لِفَضْلِهِمْ ثُمَّ لِتَابِعيِهِمْ لِفَضْلِهِمْ، قَالَ: وَلِذَلِكَ كَانَ الصَّلَاحُ وَالْفَضْلُ وَالنَّصْرُ لِلطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ أَقَلَّ فَكَيْفَ بِمَنْ بَعَدَهُمْ؟ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

٧٧ - بَاب لَا يَقُولُ فُلَانٌ شَهِيدٌ

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ

٢٨٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقَالَوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى

سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ الرَّجُلُ: الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

[الحديث ٢٨٩٨ - أطرافه في: ٤٢٠٢، ٤٢٠٧، ٦٤٩٣، ٦٦٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُقَالُ فُلَانٌ شَهِيدٌ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ بِذَلِكَ إِلَّا إِنْ كَانَ بِالْوَحْيِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ فقال: تَقُولُونَ فِي مَغ ازِيكُمْ فُلَانٌ شَهِيدٌ وَمَاتَ فَلَانٌ شَهِيدًا، وَلَعَلَّهُ قَدْ يَكُونُ قَدْ أَوْقَرَ رَاحِلَتَهُ، أَلَا لَا تَقُولُوا ذَلِكُمْ، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَسَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ثُمَّ فَاءٌ عَنْ عُمَرَ، وَلَهُ شَاهِدٌ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَنْ تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ؟ قَالُوا: مَنْ أَصَابَهُ السِّلَاحُ قَالَ: كَمْ مَنْ أَصَابَهُ السِّلَاحُ وَلَيْسَ بِشَهِيدٍ وَلَا حَمِيدٍ وَكَمْ مَنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتْفَ أَنِفَهُ عِنْدَ اللَّهِ صَدِّيقٌ وَشَهِيدٌ وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْقٍ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ مُصَغَّرٌ عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطَ الزَّاهِدِ الْمَشْهُورِ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ تَعْيِينِ وَصْفِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ بِأَنَّهُ شَهِيدٌ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ.

قَوْلُهُ: (وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ) أَيْ يُجْرَحُ، وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي، وَوَجْهُ أَخْذِ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ يَظْهَرُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمَاضِي مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يُطَّلَعُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالْوَحْيِ، فَمَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُعْطِيَ حُكْمَ الشَّهَادَةِ، فَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ أَيْ فَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ، فَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاقُ كَوْنِ كُلِّ مَقْتُولٍ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الَّذِي بَالَغَ فِي الْقِتَالِ حَتَّى قَالَ الْمُسْلِمُونَ: مَا أَجْزَأَ أَحَدٌ مَا أَجْزَأَ، ثُمَّ كَانَ آخِرَ أَمْرِهِ أَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَوَجْهُ أَخْذِ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ أَنَّهُمْ شَهِدُوا رُجْحَانَهُ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ، فَلَوْ كَانَ قُتِلَ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَشْهَدُوا لَهُ بِالشَّهَادَةِ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُقَاتِلْ لِلَّهِ وَإِنَّمَا قَاتَلَ غَضَبًا لِقَوْمِهِ، فَلَا يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَقْتُولٍ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ شَهِيدٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ هَذَا، وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ يُعْطَى حُكْمَ الشُّهَدَاءِ فِي الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ، وَلِذَلِكَ أَطْبَقَ السَّلَفُ عَلَى تَسْمِيَةِ الْمَقْتُولِينَ فِي بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَغَيْرِهِمَا شُهَدَاءَ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْحُكْمُ الظَّاهِرُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الظَّنِّ الْغَالِبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى تَبُوكَ قَالَ: لَا يَخْرُجُ مَعَنَا إِلَّا مُقَوًّى فَخَرَجَ رَجُلٌ عَلَى بَكْرٍ ضَعِيفٍ فُوُقِصَ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: الشَّهِيدُ الشَّهِيدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَا بِلَالُ نَادِ إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا عَاصٍ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ مِنْهُ إِلَّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٨٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمَّدٍ القارِّيُّ -بتشديد الياء- الإسكندرانيُّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ التَقَى هُوَ وَالمُشْرِكُونَ) (١) في حديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى في «باب إنَّ الله يؤيِّد الدِّين بالرَّجل الفاجر» [خ¦٣٠٦٢] التَّصريح بوقوع ذلك في خيبر، لكن (٢) في (٣) اتِّحاد القصَّتَين نظرٌ لما وقع بينهما من الاختلاف في بعض الألفاظ، وقد جزم ابن الجوزيِّ بأنَّ قصَّة سهلٍ هذه وقعت بأُحدٍ، ويؤيِّده أنَّ في حديث الباب عند أبي يَعلى الموصليِّ: أنَّه قيل لرسول الله يوم أحدٍ: ما رأينا مثل ما أبلى فلانٌ … الحديث (٤). وفي ذلك شيءٌ يأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] (فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ إِلَى عَسْكَرِهِ) أي: رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم (٥) (وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى

عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ رَجُلٌ) هو قُزْمان، بضمِّ القاف وسكون الزَّاي، بعدها ميمٌ فألفٌ فنونٌ (لَا يَدَعُ لَهُمْ) أي: للمشركين (شَاذَّةً) بشينٍ معجمةٍ، وبعد الألف ذالٌ معجمةٌ مشدَّدةٌ (وَلَا فَاذَّةً) بالفاء والذَّال المعجمة أيضًا، والأولى الَّتي تكون مع الجماعة ثمَّ تفارقهم، والأخرى الَّتي لم تكن قد اختلطت بهم أصلًا، أي: أنَّه لا يرى شيئًا إلَّا أتى عليه فقتله. والتَّأنيث إمَّا أن يكون للمبالغة، كعلَّامة ونسَّابة، أو نعت لمحذوفٍ، أي: لا يترك لهم نسمةً شاذَّةً (إِلَّا اتَّبَعَهَا، يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالَ) أي: قائلٌ، وعند الكُشْمِيهَنِيِّ في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] «فقلت» فإن كانت محفوظةً؛ فهو سهلٌ الساعديُّ: (مَا أَجْزَأَ) بجيمٍ وزايٍ فهمزةٍ أي: ما أغنى (مِنَّا اليَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ) أي: قُزْمان (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ) بوحيٍ من الله له: (أَمَا) بتخفيف الميم، استفتاحيَّةٌ، فتكسر الهمزة من قوله: (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) لنفاقه في الباطن (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) هو أكثم بن أبي الجَوْن الخزاعيُّ: (أَنَا صَاحِبُهُ) أي: أصحبه وألازمه لأنظر السَّبب الَّذي به يَصير (١) من أهل النَّار، فإنَّ فعله في الظَّاهر جميلٌ، وقد أخبره (٢) أنَّه من أهل النَّار، فلا بدَّ له من سببٍ عجيبٍ (قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بالأَرْضِ (٣) وَذُبَابَهُ) أي: طرفه الَّذي يضرب به (بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) بفتح المثلَّثة، تثنية ثدي (ثُمَّ تَحَامَلَ) أي: مال (عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ) أكثم (إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ) : (وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا) بمدِّ الهمزة وكسر النُّون، أي: الآن (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ. فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا) بضمِّ الجيم (شَدِيدًا (٤)،

فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ) واستُشكِل القطع بكونه من أهل النَّار بمجرَّد عصيانه بقتل نفسه، والمؤمن لا يكفر بالمعصية. وأُجيبَ: باحتمال أنَّه علم بالوحي أنَّه ليس مؤمنًا، أو أنَّه سيرتدُّ ويستحلُّ قتل نفسه، وفي حديث أكثم بن أبي الجون عند الطَّبرانيِّ فقلنا: يا رسول الله، فلانٌ (١) يجزي في القتال؟ قال: «هو في النَّار». قلنا: يا رسول الله، إذا كان فلانٌ في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النَّار، فأين نحن؟! قال: «ذاك إخبات النِّفاق» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو) أي: يظهر (لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو) أي: يظهر (لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) قال النَّوويُّ: فيه التَّحذير من الاغترار بالأعمال، وأنَّه ينبغي للعبد ألَّا يتَّكل عليها، ولا يركن إليها؛ مخافةً من انقلاب الحال للقدر السَّابق، وكذا ينبغي للعاصي ألَّا يقنط، ولغيره ألَّا يقنِّطه من رحمة الله تعالى.

ومطابقة الحديث (٢) للتَّرجمة من حيث إنَّهم شهدوا برجحانه في أمر الجهاد، فلو كان قُتِلَ؛ لم يمتنع أن يشهدوا له بالشَّهادة، فلمَّا ظهر أنَّه لم يقاتل لله، وإنَّما قاتل غضبًا، عُلِمَ أنَّه لا يُطلَق على كلِّ مقتولٍ في الجهاد بأنَّه (٣) شهيدٌ لاحتمال أن يكون مثل هذا. نعم، أطلقها السَّلف والخلف بناءً على الظَّاهر، أمَّا من استشهد معه كشهداء أحدٍ وبدرٍ ونحوهم؛ فلا خفاء به ظاهرًا، والظَّاهر أنَّ مَن بعدهم كذلك، وقد أجمع الفقهاء على أنَّ شهيد المعركة لا يُغسَّل، وللفقيه إذا سُئِلَ عن مؤمنٍ قُتِل كذلك أن يقول: هو شهيدٌ، والَّذي منعه أن يطلقه الإنسان جزمًا على الغيب، وهذا ممنوعٌ حتَّى في زمانه إلَّا بوحيٍ خاصٍّ، قاله ابن المُنَيِّر.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] ومسلمٌ في «الإيمان» و «القدر» (٤).

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد